← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

تعاليق المعاصرين أن عبد الحليم كان له مخطوط تحت العنوان أعلاه، ورأى أن يقدم منه فصلا في المؤتمر، ثم يكون ذلك فرصة لطبع الكتاب على نفقة الحكومة التي كانت تشجع المطبوعات التي تخدم غرضها، ولكن خاب ظن عبد الحليم فقد قيل إن الحكومة لم تكن راضية عما جاء في الكتاب من أفكار (١). ومهما كان الأمر، فإن الكتاب بقي في المهملات، حسب علمنا. وحتى الفصل الذي قرأه منه لم ينشر أيضا. ولولا تلخيص نقاطه من قبل ابن أبي شنب لما عرفنا محتواه. قدم ابن أبي شنب موضوعات مؤتمر المستشرقين بملخصات أساسية، ومنها بحث زميله ابن سماية. وبناء على ابن أبي شنب ان محتوى الكتاب هو: العلم نوعان علم الأبدان وعلم الروح (العقل Esprit) وما يميز الإنسان عن الحيوان، وثبات الحق رغم من يريد طمسه، والتجريدي تحكمه نفس قواعد الثابت، وللفنون علاقة متينة بالعقيدة، وأهمية التوكل على الله، والحكمة (الفلسفة؟) وتطبيقها على العقائد، والفلسفة ترهن على وجود الخالق. ثم الفرق بين العقل والشعور وعدم دقة الأخير، ووسائل معرفة المجرد، وتاريخ الأنبياء يؤكده التواتر، وتعدد الزوجات، والحجاب عند المرأة المسلمة، وعن الطلاق، وعن الرق، وعن الميراث. وأعلن ابن سماية للمؤتمرين أنه لا غرض له من تأليف الكتاب سوى البحث عما يسعد الإنسان، ومعرفة أصله وملامحه. وفي مكان آخر ذكر ابن أبي شنب أن ابن سماية قرأ بحثه عن الإسلام كحقيقة مجردة لا تختص بشعب من الشعوب، وذكر ابن سماية خلال ذلك حقيقة المسلم في نصوص أوردها من القرآن والحديث، ومن ملامح الإنسان المسلم عنده: الصدق والإخلاص والمروءة والتواضع والعدل واحترام الجار. وختم ان سماية بحثه بقوله إن

стр. 3187

الإسلام يمكن تلخيصه في الثلاثية المعروفة عندئذ: الحرية والمساواة والأخوة (١). ومن سوء الحظ أن هذا الكتاب لم يطبع في عهد جونار، ولا نعرف أنه طبع بعد ذلك، رغم أن مؤلفه عاش طويلا بعد تقديمه وشارك في الحياة السياسية والثقافية بجهود معتبرة (٢). ١٠ - مستقبل الإسلام: لمحمد بن رحال. ليس هذا كتابا ولكنه مشروع كتاب، إنه بحث في حالة المسلمين والإسلام أمام هجمة الغرب والمسيحية. ألقى ابن رحال هذا البحث في مؤتمر المستشرقين في باريس، سنة ١٨٩٧. ثم نشره في مجلة متخصصة في العلاقات الدبلوماسية (٣) وصف ابن رحال حالة النهضة الإسلامية أمام مدفع الحضارة الغربية، كما قال. وأخبر سامعيه وقراءه أن جهل المسلمين جعلهم يردون بقوة وامتعاض ورفض لكل ما جاء من الغرب ولو كان في صالحهم. ودعا أوروبا إلى أن تتدارك الوضع. وتنبأ بأن المسلمين سينهضون لا محالة سواء برضى أوروبا أو عدم رضاها. إن بحث ابن رحال يسير في تيار حركة الجامعة الإسلامية عندئذ. ومن الصدف أن إلقاءه كان في سنة وفاة جمال الدين الافغاني. وكانت دعوة الشيخ محمد عبده قد امتدت إلى تونس والجزائر، وكذلك امتدت آثار السلطان عبد الحميد الثاني في المنطقة، وتجند علماء الفرنسيين لدراسة هذه الظاهرة الإسلامية. لقد تعرضنا إلى حياة محمد بن رحال في مناسبة أخرى. والواقع أنه كان هنا شديد اللهجة وصريحا أمام الأوروبيين. كان يعرف المناورات منذ

стр. 3188

كان والده قاضيا للأمير عبد القادر ثم آغا في نواحي ندرومة. وقد تعلم محمد في المدارس الفرنسية ولكنه لم ينفصل عن المدرسة العربية والطرق الصوفية فظل وفيا لتراث العائلة والإسلام. كان يكتب ويحاضر بالعربية والفرنسية، ومطلعا على أوضاع المسلمين ماضيا وحاضرا، بخلاف الاندماجيين المعاصرين له. ومن أوائل ما نشر محمد ترجمة لموضوع عن السودان الغربي في القرن السادس عشر الميلادي نقلا عن كتاب (نزهة الحادي) للأفراني (١). وتابع ابن رحال حالة التعليم في البلاد العربية، وطالب منذ ١٨٨٧ بنشر اللغة العربية في الجزائر. ودافع عن حقوق الجزائريين أمام لجنة جول فيري سنة ١٨٩٢. وقد ظل على مواقفه المتحدية إلى العشرينات من هذا القرن. ولذلك قلنا إن بحثه وإن لم يكن كتابا فهو مشروع يشبه ما عرفناه عن كتاب ابن سماية. ١١ - الدعاية إلى سبيل المؤمنين: تأليف إبراهيم أطفيش. وهو ابن أخ محمد بن يوسف أطفيش الشهير. هاجر إبراهيم إلى تونس تم مصر، وشارك في الحياة السياسية والدينية والفكرية حيثما حل. وأسس الصحافة. وكان صديقا للزعيم الليبي سليمان الباروني. وعاصر أحداثا كبيرة مرت بالعالمين العربي والإسلامي، وشارك في بعضها مثل المؤتمر الإسلامي بالقدس الشريف. وفي سنة ١٩٢٣ (١٣٤٢) نشر كتابه (الدعاية) في مصر حيث كان نزيلا. وهو كتاب في قضايا الوقت التي يتعرض لها العالم الإسلامي، إضافة إلى فوائد العلوم الآتية: التاريخ والجغرافية والفلك والإنشاء (الأدب) والصحافة والصحة، واللغات الأجنبية، وترجم فيه لعلماء أمثال الثميني وأطفيش، وابن مسكويه. وعالج فيه موضوع التقليد والتجديد. وقد أهدي كتابه إلى روح عمه المذكور، معتبرا إياه من المجتهدين. وحمل إبراهيم على

стр. 3189

الأدعياء والمفسدين ومن يتذرعون بالدين ويخفون غايات شخصية، ولهم صلات (بالسلطة الاستبدادية). وذكر الأحزاب الإصلاحية التي ظهرت ومن عارضها من الخاملين. وقال ان (وطننا أصيب منذ أمد ببعض الحائرين، فجروا عليه الغباوة والجهالة. ولكن أشخاصا، تصدوا لذلك ونادوا بالنهضة والعلم وخدمة الدين). يتلخص الكتاب في كونه دعوة إلى الإصلاح وإلى الدين الصحيح في نظره. وإلى العمل من أجل ذلك، والمحافظة على ثوابت الدين. وإحياء ما اندرس من المبادئ ورفض الاستكانة والجمود والدعوة إلى مجاراة العاملين من الأمم. وقال إن الفلسفة جيدة في حد ذاتها وانها هي التأمل في آيات الله ولا تعني، كما يفهم البعض، سوء العقيدة في الدين والإلحاد فيه. واعتبر الفلسفة أقساما: الإلهية وهي العبادات، والسياسية وهي تدبير الأحكام، والمدنية، وهي الأعمال التي يؤديها الإنسان من تجارة وصناعة، ثم أخلاقية وهي النفس وتهذيها. ودعا إبراهيم أطفيش إلى أن يتعلم المفتون والفقهاء شتى العلوم بما فيها الهندسة والكيمياء، لأن كثيرا من المستحضرات تأتي من أوروبا، فإذا أفتوا كانوا على بينة. وفي نظره أن الغربيين أهل جد واجتهاد وعلى المسلمين ألا يقفوا أمامهم مكتوفي الأيدي (١). ١٢ - الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير، تأليف محمد السعيد الزاهري (٢). وقد بدأ الزاهري حياته الفكرية بالشعر والمقالة. وكان من أبرز

стр. 3190

الكتاب والشعراء خلال العشرينات والثلاثينات ومن أكثرهم غيرة على الوطن والدين، قبل أن تتقلب به ظروف الحياة. ومن بحوثه في الإصلاح والنهضة ومن وحي التبشير (التنصير) الذي كان يقوم به الآباء البيض في الجزائر، كتب الكتاب الذي نحن بصدده. ومحور الكتاب هو التصدي للتبشير الذي كان يمثله في الجزائر جمعية الآباء البيض والأخوات البيضاوات. وقد كشف الزاهري عن وسائل المبشرين والمبشرات، ودعا المسلمين إلى القيام بدور فعال لنشر الإسلام وحماية الشباب، ولا سيما الفتيات. والأمثلة التي ذكرها كانت من واقع الحياة، ولذلك كانت تبدو كأنها قصص اجتماعية (١). ١٣ - روح السعادة وسر الشهادة في الحسنى وزيادة: تأليف أحمد بن يحيى الأكحل. وهذا المؤلف كان من الشعراء والكتاب الشباب عند ظهور كتابه، ومن تلاميذ جيل من العلماء على رأسهم المجاوي وابن سماية وكحول. وينتمي أحمد الأكحل حسب الشائع، إلى الأشراف، وكان معتزا بذلك في حينه فكان يذكر عبارة (الحسني) اسمه. وكان معتزا بشيوخه فجعلهم يقرظون كتابه. والكتاب صغير ولكن أفكاره كبيرة. فهو يتناول الدعوة إلى النهضة الإسلامية والعربية بتبني العلوم العصرية والرقي طبقا لتعاليم الإسلام. وفيه دعوة حارة إلى الجزائريين ليستيقظوا مع تمسكهم بالإسلام. ومن محتوى الخمس والعشرين صفحة التي تضمنها: أساس المدنية الحقة، والإسلام والرقي (عبارة حلت محل عبارة التقدم التي طالما رددها الفرنسيون قبل ذلك)، وتقدم الإسلام بالعلم، والثبات والأعمال، والتعليم القويم، والحكمة الدينية (٢).

стр. 3191

١٤ - تمهيد لدراسة الإسلام: تأليف عبد الرحمن بن الحفاف، ظهر الكتاب خلال العشرينات، ودرس فيه المؤلف حياة الرسوله وتطور المدنية الإسلامية، ورد على بعض الشبهات التي كان بعض الغربيين يثيرونها. ونوه به المعاصرون، فقال أحمد توفيق المدني ان الكتاب ظهر في وقت انتشر فيه الزيغ والإلحاد بين الشباب، وتناول فيه المؤلف (مختلف المواضيع الإسلامية التي طالما اتخذها أعداء الإسلام وسائل للطعن فيه ... ثم بسط القول في المدنية الإسلامية بما يشفي الغليل، وساق شهادات المنصفين من مؤرخي الإفرنج). وقال المدني إن كتاب ابن الحفاف إذا قرأه المسلم المتشكك يزول شكه، وإذا قرأه الشاب الذي لم يطلع على الحقائق يتحصن به ويزداد إيمانا (١). ومن المفهوم أن الكتاب ليس دينيا بالمعنى الضيق، وإنما هو في الحضارة الإسلامية وتاريخها ورجالها وكيف وصلت إلى أوروبا، ومآلها. والمؤلف من أسرة ابن الحفاف الشهيرة في الجزائر. ولعل والده أو جده هو علي بن الحفاف المفتي، المتوفى سنة ١٨٩٠ (١٣٠٧). ومؤلف أحد الكتب في القراءات، وكان على هذا من كتاب الأمير عبد القادر. ولا نعرف الأن الكثير عن حياة مؤلف (تمهيد لدراسة الإسلام). ويفهم من اللغة التي كتب بها أنه من تلاميذ المدارس الفرنسية، وربما كان قد درس في ثانوية الجزائر وكلية الآداب على مجموعة من المستشرقين، وحين شب ونضج أراد أن يصحح ما سمع منهم عن الإسلام وحضارته. وكان له في تراث عائلته وبلاده ما يحصنه ضد الاندماج، كما تحصن محمد بن رحال قبله، وقد وصف محمد بن العابد الجلالي مؤلف (التمهيد) بأنه (العالم البحاثة المطلع) وأنه عالج في كتابه تأثير الحضارة الإسلامية على العالم مستشهدا بآراء العلماء

стр. 3192

والفلاسفة من كل أمة. ونوه بالكتاب لخلوه من الخرافات والأساطير، ولكونه اكتفى بالضروري ولا سيما بالنسبة لمن لا يعرف إلا الفرنسية (١). ١٥ - منابع الحضارة العالمية: تأليف عبد الرحمن الحفاف أيضا. وقد ظهر هذا التأليف بعد الأول بأكثر من ربع قرن. ومنه نفهم أن المؤلف من المتخصصين في الفلسفة وأنه اهتم بدراسة الحضارات العالمية، وبقي يبحث في بقاياها في الحضارات القديمة. وأن من أساتذته الفرنسيين ليون غوتييه أستاذ اللغة والفلسفة في كلية الآداب الجزائر، وكان غوتييه قد اهتم بآثار ابن رشد وابن طفيل وابن سينا وغيرهم من الفلاسفة المسلمين. وقد خطط ابن الحفاف ليكون كتابه في جزئين. ولكننا لا نعلم إلا الجزء الأول منه الذي صدر سنة ١٩٥٥. وقد تحدث فيه عن بابل والفنيقيين ومكانة المغرب العربي (شمال افريقية). واختار شعار كتابه مقولة بكون. R Bacon: العلم هو الغاية وهو المصير الأعلى لأحوال الإنسانية. وأهدى كتابه إلى روح غوستاف لوبون مؤلف كتاب (حضارات الشرق القديم)، وكتاب (الحضارة العربية) ثم (حضارة الهند). وتضمن كتاب (المنابع) مدخلا خصصه لتاريخ الحضارات القديمة، مصرية وصينية وغيرهما. ثم تخلص إلى الحضارة العربية مفندا أنها حضارة بدون أصول منطلقة فقط مع الإسلام، وقال ابن الحفاف إن الحضارة العربية ممتدة في اللغة العربية قبل الإسلام وفي اللغات الكلدانية والسريانية والسومرية. وأعلن ابن الحفاف منذ هذا المدخل، أنه باحث عن آثار الحكماء والفلاسفة خدمة للعلم والإنسانية. ومن رأيه أن المكان أو الموقع هو الذي نتج اللغة دون اعتبار لأصل سكانها، واستنتج من ذلك أن مجال اللغة العربية مجال واسع وغير منحصر في الجزيرة العربية كما زعمه البعض. وتضمن كتاب (المنابع) الفصول الآتية:

стр. 3193

١ - التاريخ التقريبي لتأسيس بابل. ٢ - عن الزراعة في بابل. ٣ - عن الصناعة فيها. ٤ - عن فن العمارة. هذا عن القسم الأول من الكتاب. أما القسم الثاني فهو عن تاريخ فينيقيا، وفيه أيضا فصول: ١ - تاريخ فينيقيا. ٢ - فن العمارة. ٣ - في الصناعة. ٤ - في الملاحة البحرية. ٥ - البوصلة الحرية. ٦ - اكتشاف فنيقيا لأمريكا. ٧ - تأسيس المدن والمراكز الفنيقية. وأما القسم الثالث من الكتاب فقد خصصه لأصل الزواوة (القبائل)، وفيه أيضا فصول: الأول: في تاريخهم. الثاني: في جغرافية الشمال الإفريقي. الثالث: في اللغة. والرابع: في الدين. وخلاصة رأيه تتمثل في إثبات أصالة الحضارات الشرقية - السامية. وقد قال إن الزواوة فنيقيون - ساميون (١).

стр. 3194

منذ أوائل هذا القرن ظهرت مؤلفات حول الإصلاح والإسلام الصحيح وإنكار البدع والخرافات. وكان ذلك استجابة لداعي النهضة الإسلامية، والدعوة السلفية. وقد شارك في هذه الحركة عدد من العلماء والكتاب، منهم الرسميون الذين كانوا موظفين في الإدارة الفرنسية، أمثال المجاوي وابن الموهوب والعوامر، ومنهم الأحرار أو المتقربون من الأحرار، أمثال مبارك الميلي وابن باديس وأبو يعلى الزواوي والمولود الزريبي. فلنتتبع الآن بعض هذه الآثار: ١٦ - اللمع في نظم البدع (١): لعبد القادر المجاوي. والمجاوي بدأت دعوته الإصلاحية تظهر منذ ١٨٧٧. حين أصدر رسالته (إرشاد المتعلمين). وهو في اللمع يواصل ذلك التيار في شرحه لقصيدة نظمها تلميذه ابن الموهوب وسماها (المنصفة). ونفس القصيدة قد شطرها إبراهيم بن عامر (العوامر) السوفي ونشر التشطير في جريدة الفاروق، وسمى التشطير (مطالع السعود) (٢). ومن ذلك يظهر أن ابن الموهوب هو الذي انطلق في دعوته الإصلاحية بصوت قوي منذ مطلع هذا القرن، ووجد من يدعمه في دعوته سواء في العاصمة أو حتى في الواحات البعيدة مثل وادي سوف. ١٧ - بدور الأفهام للمولود الزريبي: تحدثنا عنه في العقائد. ولا نرجع إليه هنا إلا لنقول انه احتوى أيضا على آراء في الإصلاح الإسلامي وتجربة المؤلف في الجزائر - في مسقط رأسه بزريبة الوادي، وفي الأوراس، وباتنة، ثم في العاصمة. وكان قد تأثر غالبا بالحركة الإصلاحية في المشرق، وبما كان يشاهده في الجزائر من تناقضات حيث الأوربيون يعملون نشطين ومسيطرين بينما المسلمون خاملون كسلاء ومغلوبون على أمرهم. فقال إن أصل الطرق، مثل طريقة الجنيد صحيح ولكن الخلفاء هم الذين حرفوها.

стр. 3195

وقال عن الرقص الصوفي وعن الوجد انه جائز في حق بعض الشيوخ الأوائل ولكن لا يجوز تقليدهم من أناس هم في منتهى قواهم العقلية. (وبهذا اغتر أناس فزعموا أن الرقص والصراخ والتصفيق حيث اشتهر من بعض الصوفية فهو جائز لتلامذتهم) (١). واستنكر بعض الممارسات الأخرى لإثبات المحاصة في الأرض العروشية. وكان الزريبي يخطط لوضع رسالة ضد البدع. (كان أملي أن أضع رسالة تتكفل بذلك - البدع -، والله يسعفنا في الأقوال والأفعال). وكان ينوي كذلك إيراد أفكاره الإصلاحية في (قالب هذا الشرح الشريف) ثم عدل عن ذلك، وظل متمسكا بوضع رسالة خاصة. لكننا لا نعلم أنها قد صدرت عنه، رغم أنه وضع انموذجا لها في شكل مقدمة وتمهيد. ولعله تعرض إلى ذلك في شرحه على قدسية الأخضري (٢). ١٨ - الإسلام الصحيح: لأبي يعلى الزواوي. وهو كتيب طبعه في مطبعة المنار في مصر سنة ١٣٣٥ بعد رجوعه إلى الجزائر، وجعله في شكل سؤال وجواب. وقال إن بعضهم قد سأله أن يضع مثل هذا الكتيب في (الإسلام الصحيح على قواعده الأصلية، المتفق عليها لا المختلف فيها، من غير التزام ما لا يلزم، مما أحدثه بعض القوم، ومن غير اعتماد مذهب دون مذهب، إذ المذاهب كلها محدثة، وبالأخص الأربعة المرضية). والإسلام الصحيح إذن مجموعة من آراء الزواوي في علم الكلام والنبوة وأخبار الرسول ﷺ ، والقرآن، والإجماع، وأركان الإسلام وغير ذلك من شؤون الحياة وعلاقتها بالإسلام في عصر المؤلف. والزواوي يعلن عن موقفه صراحة في الحجاب والتصوف والأخلاق (٣). وكان الزواوي قد تولى الخطابة والإمامة في جامع سيدي رمضان

стр. 3196

بالعاصمة بعد رجوعه من إقامته الطويلة في سورية ومصر. والظاهر أن ثمن طبع الكتاب قد ساهم فيه أحد أثرياء العاصمة وهو محمد (مماد) المانصالي الذي يوجد اسمه في أول الكتاب. وقد ألف الزواوي كتبا صغيرة الحجم تذهب كلها هذا المذهب، وتساند الإصلاح وتدعو إلى تطهير الدين الإسلامي من الشوائب والبدع. منها: ١٩ - جماعة المسلمين: وكانت إقامة الزواوي بالجزائر قد طالت وتعرف على مشاكلها وضم ذلك إلى رصيده، في أحوال العالم الإسلامي. وفي نظره أن (جماعة المسلمين) هي الوحيدة الباقية للإسلام بعد إلغاء الخلافة وفقدان شروط القضاء. ونفهم من تقديمه لهذا الكتاب أنه كتب عملا موسعا في هذا الموضوع، ثم اختصره. ولذلك فإننا لا نملك إلا المطبوع منه، وهو في حجم صغير أيضا (١). وربما تكون بعض الكتب التي سنشير إليها ما هي في الواقع إلا فصول وأبحاث في هذا الصدد، نعني مما كتبه حول جماعة المسلمين المطول. هاجم الزواوي في كتابه هذا دولة الموحدين لعقيدتها في المهدوية (فكرة الإيمان بالمهدي المنتظر التي بثها ابن تومرت). وذكر الزواوي أن عبارة (الحمد لله وحده) التي نبدأ بها الآن كتاباتنا موروثة عن الموحدين. وقد شبه رسالته في جماعة المسلمين برسالة ابن أبي زيد القيرواني في الفقه، ورسالة التوحيد للشيخ محمد عبده، ورسالة القشيري في التصوف. والواقع أن الزواوي كثيرا ما يخرج عن الموضوع إلى نقد السلطة الفرنسية وتسلطها على شؤون الإسلام في الجزائر وإهمالها لأمور التعليم العربي والدين والقضاء والحسبة. وفيه آراء شخصية هامة حول أوضاع الجزائريين في مختلف العهود، ومحاولات فرنسا التفريقية داخل الجزائر. ومن ذلك أن الفرنسيين أقاموا (المكاتب العربية) لكي تكون هي البلديات التي يحكم الفرنسيون من خلالها الشعب الجزائري، ثم ألغوها - بعد ١٨٧٠ - وأحلوا

стр. 3197

محلها المدارس الفرنسية في نواحي زواوة لأنها إلزامية. وذكر أن الناس قد هاجروا إلى العاصمة وهم لا يعرفون سوى الفرنسية، وقد حاول هو تقريعهم ولكن بدون جدوى. وأخبرنا أن أهل زواوة قد نادوا بتعلم العربية والخضوع للقضاء الإسلامي ومنافسة المدارس الفرنسية وتوريث الإناث، ونحو ذلك خلافا لما كانت تريده منهم السلطات الفرنسية. أعجب الزواوي بعمله في جماعة المسلمين، رغم اختصاره، وقال إنه: (لم أسبق إليه، وأنا أبو عذره، وأنا لم أقف على أن أحدا من الإخوان الكرام الكاتبين في العالم العربي الإسلامي كافة أو في وطننا الجزائر خاصة طرقه أو كتب فيه). وقد دعا الزواوي إلى إقامة هذه الجماعة الإسلامية لكي تقوم بما قامت به القلة من الصحابة الذين اجتمعوا بعد وفاة الرسول، وأكد أن الموقف يقتضي منهم ذلك. وقد كشف الطيب العقبي في تقريظه لجماعة المسلمين أنه اطلع على الأصل المطول الذي لخص منه الزواوي رسالته. وخلاصة رأي الزواوي: أن تختار كل جماعة إسلامية في كل حي أو قرية إماما تتوفر فيه شروط الإمامة، وهي كونه ذكرا مسلما عاقلا بالغا. عارفا بما لا تصح الصلاة إلا به. وبذلك يؤلفون وحدات قيادية، ما دام الإمام العام (الخليفة) غير متوفر. ولكن الزواوي لم يقل ماذا يفعل أيمة المسلمين إذا تناقضت أحكامهم مع أحكام السلطة القائمة، وهي ليست منهم. ورفع الزواوي شعاره (لا حياة لأمة مات لسانها). داعيا إلى ضرورة تعلم اللغة العربية والقرآن مستدلا بقول الإمام الشافعي في وجوب تعلمها لأنها مما يتوصل به إلى واجب، والقاعدة أن ما يتوصل به إلى واجب فهو واجب. ٢٠ - فصول في الإصلاح: للزواوي أيضا. جاء في كتابه (الخطب) أن له عدة مؤلفات منها (فصول في الإصلاح). كما ذكره في (تاريخ الزواوة) المطبوع في دمشق سنة ١٩٢٤. ومن ذلك ندرك أن فصوله قديمة، وربما كتبها عندما كان في المشرق. وجاء في صفحة ٦٥ من تاريخ الزواوة قوله عن الإصلاح: اكتفي هنا بما حررته في كتابي الإصلاح حين كلامي على زوايا الجزائر عموما وعلى زوايا الزواوة خصوصا. وفي هذا الكلام أورد الزواوي

стр. 3198

آراء في الإصلاح حقا، ومنها تقليد أوروبا في الأمور التي ليست من جوهر الدين. واستشهد في ذلك بآراء جاء بها زميله عبدالقادر المغربي عن الإصلاح الإسلامي (١). وللزواوي مؤلفات أخرى لم نطلع عليها ولم نعرف عنها سوى ما ذكره هو في (الخطب) من كونها من (تآليفه) ومن ذلك: ٢١ - الخلافة قرشية. ونفهم منه أنه على رأي عبد الرحمن الكواكبي (ومعظم الأيمة الأولين) في جعل الخلافة الإسلامية عربية وفي قريش. وعلى المرء أن يرجع إلى المخطوط نفسه ليعرف بالضبط حقيقة رأيه ومستنداته. ولا نظن أن هذا الكتاب قد طبع إلى الآن. ٢٢ - رسالة الشرك ومظاهره: لمبارك الميلي الهلالي. وهي كتاب في أصول الإصلاح الاجتماعي والعقائدي. وتعتبر مصدرا أساسيا لمعرفة الاهتمام الذي بنت عليه جمعية العلماء حركتها الإصلاحية، والذي قامت عليه الدعوة الإصلاحية في المشرق أيضا منذ ابن تيمية والشوكاني ثم محمد عبده. يقول الشيخ العربي التبسي الذي أجاز (رسالة الشرك) باسم المجلس الإداري لجمعية العلماء: إن ما اشتملت عليه رسالة الشرك ومظاهره ... هو عين السنة، وإن هذه الرسالة تعد من الكتب المؤلفة في نشر وردع البدع. ولذلك قرر المجلس الإداري بالإجماع (أحقية ما اشتملت عليه هذه الرسالة العلمية المفيدة، ويوافق المجلس مؤلفها على ما فيها ويدعو المسلمين إلى دراستها والعمل بها فيها، فإنه العمل بالدين) (٢). وبالإضافة إلى ذلك قرظ الشاعر محمد العيد رسالة الشرك بقصيدة معبرة مطلعها:

стр. 3199

شراع الالة الدين للأتباع ... ودعا إليه الخلق بالإقناع (١) اعتمد الميلي على مصادر عديدة ذكر بعضها في بداية الكتاب حين قال انه اطلع على عدد من المصادر أثناء الطبع، بعد أن كان قد نشر كتابه فصولا في البصائر. وذهب إلى أنه لم يطلع من قبل على كتاب مؤلف على النسق الذي ألف به هو كتابه والغرض الذي وضعه من أجله. وبعد الانتهاء من الكتابة أهدي إليه كتاب (صيانة الإنسان) فوجد فيه نبذة منقولة عن (تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد) تأليف محمد بن إسماعيل الصنعاني، وفي هذا الكتاب بعض من كتاب (الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد) لمحمد بن علي الشوكاني. فوجد الميلي الكتابين الأخيرين في موضوع رسالة الشرك، وقال انه لم يكن قد اطلع عليهما قبل تحرير مقالاته ونشرها في البصائر. والمعروف أن الميلي رجع إلى المقالات وهذبها ونقحها قبل الإقدام على طبعها في كتاب. كما أنه اتصل قبل طبع رسالته بكتاب (فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد) هدية بعث بها إليه السيد محمد نصيف من جدة. والكتاب الأخير ألفه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد استفاد منه الميلي فوائد قال انه ألحقها بمكانها من رسالته (٢). وفي آخر رسالة الشرك بالمراجع والمصادر، وهي مقسمة إلى كتب اللغة وآدابها، وكتب الحديث ورجاله. وعدد هذه القائمة ٢٨ مرجعا. ومن التفاسير نجد: تفسير الثعالبي، وتفسير المنار، وفتح القدير للشوكاني، وكذلك تفاسير الرازي والقرطبي والزمخشري والسيوطي. أما الحديث فنجد موطأ الإمام مالك وبعض شروحه. تناول الميلي في كتابه موضوعات عديدة كلها تدور حول حاجة الشعب والعصر إلى الإصلاح، وضرورة العمل بالكتاب والسنة والابتعاد عن البدع

стр. 3200

والخرافات الدخيلة في نظره على الدين الإسلامي. وهكذا أقام دعوته على التوحيد الذي ابتعد عنه المسلمون رغم أن الإسلام قام على أساسه، وعلى اجتناب الشرك كاستعمال الوسائط والعقائد الضارة التي نهى الإسلام عنها. والميلي كان يؤمن بالتجديد الإسلامي ودور العلماء في بعث العمل بالقرآن والسنة النبوية. وهو يؤمن بالحديث الذي رواه البخاري: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها). ويتلخص محتوى رسالة الشرك في عدة عناوين نجدها مفصلة في داخل الرسالة أكثر مما هي مفصلة في صفحة المحتوى. فهناك عدة عناوين تدور كلها حول الشرك: بيانه، ومظاهره في القرآن، والأحاديث، والشرك لدى القدماء، وأنواع العبادات والتصرفات والكرامات والولايات، وما يتعلق بعلم الغيب والكهانة والسحر وما إليها. وكذلك أنواع البدع والتصوف وألقاب المتصوفة كالقطب والبدل، ثم الخرقة والشيخ والميثاق، وغيرها. وقد نبه إلى طريقة سلب الأموال من عند الناس والزيارات، وبعض الممارسات المؤثرة سلبا على العامة كالزردات. وختم الرسالة بالحديث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو شعار المصلحين في مختلف العصور، ولا سيما في عصر الميلي، وقد نوه الميلي بقصيدة الشيخ الطيب العقبي التي نشرها في جريدة (المنتقد) تحت عنوان (إلى الدين الخالص) واعتبرها بيانا واضحا لما يدعو إليه وحربا على (حكومة القطب) أو رجال التصوف المنحرفين، وهم من سماهم جماعة (ديوان الصالحين). وكانت صحيفة (المنتقد) هي التي شنت منذ ١٩٢٤ هذه الحرب ضد المذكورين. وقد نشر فيها الميلي نفسه مقالة تحت عنوان (العقل الجزائري في خطر) وذلك في العدد السادس من الجريدة. ويبدو أن الدوائر الاستعمارية قد استاءت من المقالة (١). أما قصيدة العقبي المذكورة فقد نشرها في العدد الثامن من الجريدة واعتبرها الميلي (أول معول مؤثر في هيكل المقدسات

стр. 3201

الطرقية). ولا يعلم مبلغ ما تحمله هذه القصيدة من الجرأة، ومبلغ ما حدث عنها من انفعال الطرقية، إلا من عرف العصر الذي نشرت فيه وحالته في الجمود، (والتقديس لكل خرافة في الوجود). وقد أوردها الميلي كاملة في كتابه، كما ذكرنا. ومطلعها: ماتت السنة في هذي البلاد ... قبر العلم وساد الجهل ساد (١) انتقد الميلي الطرق الصوفية على تفننهم في وضع الإسناد لكي يربطوا طرقهم الصوفية بكبار الزهاد، ولو كان فيها الضلال، ورأى أن الشيخ أحمد بن سالم التجاني قد (اختصر الإسناد وادعى أنه تلقى طريقته من خاتم الأنبياء من غير واسطة لا ويذكر أتباع التجانية أن (يوم النظرة) عندهم هو اليوم الذي (وقف فيه الشيخ التجاني بعد أن جمع أحبابه على ربوة قرب عين ماضي ووضع على رأسه قطعة ذهبية لكي يرى من بعيد، ونادى في الجموع بضمان الجنة لمن رآه سبعة أجيال) (٢). أما الحنصالية فقد أباح لهم شيخهم الملاهي وتمتيع أنفسهم بما تشتهي (٣). وقد أورد أمثلة مما روى أو شاع عن بعض أهل التصوف في وقته، مثل الطيب بن الحملاوي والحسين القشي والعربي بن حافظ. وهكذا فإن رسالة الشرك تعتبر دراسة لوصف حالة الإصلاح والمصلحين وحالة المرابطة والمرابطين في مرحلة معينة من تاريخ التخلف الفكري في الجزائر وفي العالم الإسلامي. وكان المؤلف يمثل صوت جمعية العلماء الإصلاحية، وكان قد تولى إدارة جريدتها وشارك في تحرير جرائدها الأخرى وفي التعليم بمدارسها، وكذلك شارك في كتابة التاريخ الوطني والدفاع عن هوية الجزائر العربية - الإسلامية ضد المسخ الذي خططت له

стр. 3202

الإدارة الفرنسية. فكان الميلي بأعماله جملة، وبرسالة الشرك خاصة يخوض معركة دعائية ضد خصوم الجمعية المذكورة وضد الطرقية التي اعتبرها من أسباب التخلف، وكذلك ضد الإدارة الاستعمارية. ولذلك لا نستغرب أن تكون رسالة الشرك هي الكتاب الإيديولوجي لتيار الإصلاح، كما لا نستغرب أن يتبناها المجلس الإداري لجمعية العلماء رسميا. ٢٣ - شعب الإيمان: كتاب وضعه محمد البشير الإبراهيمي، وهو في موضوع الأخلاق والفضائل الإسلامية، وهو غير مطبوع، ولم نطلع عليه مخطوطا (١). ٢٤ - بغية الطلاب في علم الآداب: تأليف الرزقي الشرفاوي. ولم نطلع عليه ولا على وصف له. وهو بعنوانه يدل على أنه في الآداب العامة، ومنها الأخلاق (٢). وينتمي الشرفاوي إلى الاتجاه الإصلاحي. ... حول المرأة شغلت قضية المرأة المسلمة حيزا كبيرا لدى المؤلفين أيضا. كان ذلك انطلاقا من الأحكام التي أصدرها الفرنسيون على بعض الممارسات والتقاليد الإسلامية، مثل تعليم المرأة وتعدد الزوجات والحجاب. وظهرت كتب فرنسية عديدة في هذا المجال بعضها كان متحيزا لقناعات دينية أو عرقية، وبعضها كان مبنيا على جهل بأسرار المجتمع الإسلامي والتعاليم الدينية. وكل ذلك قد أثار ردود فعل لدى المسلمين، فانبرى بعض كتابهم لتوضيح الغامض وبيان الأوجه الشرعية والاجتماعية. من أوائل الكتب الفرنسية التي اهتمت بالمرأة المسلمة كتاب يوجين دوماس (المرأة العربية) الذي ألفه خلال الأربعينات من القرن الماضي،

стр. 3203

ولكنه لم ينشر إلا بعد وفاته (١٩١٢). وقد اعتمد دوماس على أجوبة عديدة لعلماء وأعيان المسلمين، منهم الأمير عبد القادر، كما سنرى. ثم ظهر كتاب أرنست ميرسييه (المرأة المسلمة في الشمال الإفريقي) سنة ١٨٩٥. وقد ناقشه عدد من الكتاب المسلمين، منهم محمد بن مصطفى الكمال وإسماعيل حامد. ثم توالت الكتابات الفرنسية عن الموضوع، بل وتخصصت بعض المؤلفات الفرنسيات فيه، مثل السيدة بوجيجا (١). كما أن نساء مثل لوس، وابن عابن اهتمت بالمرأة من وجوه أخرى كالتعليم والحياة الاجتماعية. ولكن هذا ليس هو موضوع هذه الفقرة. إننا هنا نعالج ما كتبه الجزائريون عن موضوع المرأة سواء كان بمبادرة ذاتية أو كان رد فعل عن كتابات أوروبية. ولعل من أوائل الكتابات ما أجاب به الأمير عبد القادر سائله الجنرال دوماس، أثناء وجوده في الأسر بفرنسا. وإليك بعض مادة هذا الموضوع: ١ - تضمنت الأسئلة والأجوبة حوالي ٢٥ صفحة من (تحفة الزائر). وجملة الأسئلة عشرون وكذلك الأجوبة. وقد بين فيها الأمير وجهة نظر العرب والمسلمين في زمنه في المرأة المسلمة، طبقا لتعاليم الشرع الإسلام?. وكان ذلك بعد أن كثر الاختلاط بين الفرنسيين والمسلمين من جهة وظهرت الأفكار المسبقة وسوء الظن بالشريعة والمرأة من جهة أخرى. وتبين للفرنسيين تخلف المرأة المسلمة، في نظرهم، كما فهموا أن الرجل لا يرى خطيبته، وأن المهر الذي يدفعه عبارة عن ثمن، مثل شراء بضاعة، واعتقدوا أن المرأة لا تدخل المساجد، وأنها لا تتعلم، وكونها مهملة ومهانة، ونحو ذلك من الفهوم الخاطئة. وهذه هي العناصر الواردة في أسئلة دوماس: مسألة تعدد الزوجات، وإهانة المرأة بالضرب، كون الخطيب لا يرى خطيبته ولا يحصل تعارف

стр. 3204

مسبق بينهما، مسألة الصداق، اهتمام بنات الاكابر فقط بالتبرج، زواج الرجل العجوز بالبنت الصغيرة، لا ينظر الرجل إلى المرأة إلا من جهة الجمال فقط أما الأصل فالاهتمام به قليل، نظرة الرجل لزوجته على أنها خادمة فقط، التستر والتلحف نتيجة الغيرة الزائدة عند المسلمين، تزويج البنات قبل البلوغ، كثرة الطلاق عند المسلمين، المرأة ترث أقل من الرجل، عدم التعلم جعل المرأة غير مهذبة وجاهلة، وعدم دخول المرأة للمسجد لأداء الصلاة، عدم منع النساء من الحج، القول بأن المرأة لا تدخل الجنة، عند الموت لا يخرج الناس في جنازة المرأة مثل الرجل، يتزوج المسلم المرأة التي كانت مومسا وتابت دون أن يرى ذلك نقيصة، الطلاق بدون سبب للمرأة التي لا يربحون عليها، لا تهتم المرأة بالحرب عند بني جنسها ولا يهمها الدفاع عنهم (١). والواقع أن أسئلة دوماس توحي بأنه كان لا يجهل بعض الأجوبة، ولكنه كان يثير الأمير لكي يعطي رأيه بصراحة ويفصل القول و (يكشف) عن وجهة نظره الخاصة في الموضوع. فدوماس عاش في الجزائر طويلا وجمع معلومات غزيرة، واطلع على كتب ووثائق، وخالط غير الأمير من العارفين، وباشر وظائف إدارية تتعلق بالعرب والمسلمين. ولذلك فإن أسئلته لا تصدر عن جهل وإنما عن محاولة التعمق في المعرفة والحصول على آراء أخرى عن طريق الاستفزاز والإثارة. ويبدو أن الأمير قد انساق وراء ذلك، وأعطاه أجوبة مفصلة ومعللة بالعقل والنقل، وقد بالغ أحيانا في التفاصيل. ولا يهمنا رأي الأمير الآن في المرأة من كونه محافظا أو متحررا. وإنما تهمنا الإجابة في حد ذاتها، وهي معتمدة على الشريعة والواقع وعلى فهم الأمير الشخصي. وكان الأمير من وجوه القوم، ومن رجال الدين والدنيا. ٢ - ولعل أجوبة الأمير المذكورة هي التي أوحت إلى ابنه محمد

стр. 3205

بالكتابة في الموضوع أيضا بعد أجوبة والده بحوالي خمسين سنة. وقد قال الأمير محمد وهو يتحدث عن أجوبة أبيه: (وقد قصدنا بذكرها إزالة الإشكالات التي لم تزل أفكار الإفرنج المتحاملة على دين الإسلام تخوض وتوجه الاعتراضات على المسلمين في تعاطيها) (١). ومن مؤلفاته في موضوع المرأة (كشف النقاب عن أسرار الاحتجاب)، وهو تأليف يعالج قضية أخذت حظا من الاهتمام والأدبيات في المشرق وفي المغرب في آخر القرن الماضي عند المسلمين. كما أن الأمير محمد قد ألف كتابا آخر خصصه لتعدد الزوجات والطلاق، وسماه (الفاروق والترياق في تعدد الزوجات والطلاق) (٢) وقد نشرهما بمصر، حيث نشر أيضا كتابه (تحفة الزائر) وسنرجع إلى الكتابين. ٣? الإكتراث بحقوق الإناث: كتاب ألفه محمد بن مصطفى الكامل سنة ١٨٩٥. وقد بادر الفرنسيون إلى ترجمته إلى الفرنسية والتنويه به وإرساله إلى القنصليات لترويجه، وتعليق الصحف عليه وعلى صاحبه ومترجمه. والمترجم ليس رجلا عاديا فهو آرنو (اسم مستعار) الذي ظل ربع قرن في جريدة المبشر الرسمية رئيسا لتحريرها. وقد جمع من حوله أعيان العلماء المسلمين مثل أبي القاسم الحفناوي بن الشيخ وعلي بن سماية ومحمد بن مصطفى. وقد بادرت جريدة (المونيتور) إلى كتابة تعليق نقلته عنها بحذافيره جريدة المبشر، ومفاده أن المؤلف (محمد بن مصطفى) رجل متمسك بالدين الإسلامي، ومحرر بجريدة المبشر. ولا يخلو فكره من تقدم، وكتابه (شاهد له بعلو أنظاره وحرية أفكاره وسعة معارفه). وقد تحدث الكمال عن حالة المرأة المسلمة في العائلة، وعن حقوقها وواجباتها، والآداب التي تجب مراعاتها على المسلمين وعلى من يرغب في معرفة ما عليه الأمة العربية من الأحوال المعنوية. وقد انتصر المؤلف لمبدأ

стр. 3206

تعدد الزوجات ودافعوا عنه بدلائل مسلم بها، وذكر ما يجب على الزوجين نحو بعضهما. وبنى أفكاره على ما جاء في القرآن والسنة. وقد نصح بعدم الطلاق إلا عند الضرورة القصوى. والمؤلف، حسب الجرائد الفرنسية، قد مدح العلم وأثبت أنه غير متعصب دينيا، لأنه ذكر أن العلم واجب على الرجل والمرأة (١). ويجب ألا ننسى أن موضوع المرأة كان متداولا أيضا في تونس والمشرق، فقد ظهر في هذه الأثناء كتاب تحرير المرأة قاسم أمين. وقد ذكرنا أن ميرسييه قد نشر كتابه عن المرأة المسلمة في سنة ١٨٩٥. وربما كان كتاب محمد بن مصطفى من بين ردود الفعل عنه، وإن كان الموضوع متداولا عند الكتاب الأوروبيين قبل ذلك أيضا (٢). ٤ - كتاب (العلاقة بين الدين والفلسفة) الذي ألفه عبد الحليم بن سماية والذي أشرنا إليه سابقا، ففيه فصول عن تعدد الزوجات والطلاق والحجاب والميراث (٣). وقد قدم الكتاب إلى مؤتمر المستشرقين ١٤ في الجزائر، سنة ١٩٠٥. ٥ - (الحياة المدنية الإسلامية في مدينة الجزائر ووضع المرأة طبقا للقرآن والسنة وأعمال المرأة المسلمة)، وهو بحث نشره محمد بن أبي شنب سنوات ١٩٠٧ - ١٩٠٩. ويبدو أنه كان من وحي الظروف التي أشرنا إليها، وكذلك من وحي البحث الذي ألقاه العالم المصري، سلطان محمد، في مؤتمر المستشرقين ١٤ في الجزائر سنة ١٩٠٥، حول المرأة في الشريعة.

стр. 3207

وقد عالج ابن أبي شنب أيضا نفس القضايا (المدنية) التي تخص المرأة من زواج وطلاق وميراث وتقاليد وحياة اجتماعية وتعليم وأخلاق وأعمال (١). ولا نعرف أن هذا البحث قد نشر في شكل رسالة أو كتاب صغير. ٦ - اللباب في أحكام الزينة واللباس والاحتجاب: ألفه محمد بن مصطفى سنة ٧ ١٩٠، وسارعت الحكومة العامة بنشره على حسابها، وهو ما لم تفعله مع كتاب ابن سماية السابق. ولا ندري إن كان المؤلف ما يزال عندئذ عاملا في تحرير جريدة المبشر أو خرج مها إلى التدريس في أحد المساجد بالعاصمة. ونحن نعلم أنه قد عزل من المبشر لأسباب مجهولة، ولكنه وظف في التدريس. أما كتابه (اللباب) فقد دار على عدة محاور. ففي الفصل الأول منه عرض لقواعد وأصول الزينة، وقد عرفها (الزينة) بأنها كل ما يجمل الجسم سواء كانت لباسا أو غيره، وهو يؤيد ذلك بشواهد لا تتناقض في نظره مع تعاليم الإسلام. وقد أورد أن الرسول قد لبس ثيابا قيمته ألف درهم حسب البعض، و ٤٠٠ دينار حسب آخرين. وذكر أنه قد أعطى سبع عشرة ناقة مقابل ثوب من حرير. وهناك علماء وفقهاء بحثوا عن اللباس الثمين للتجمل وتطهير الجسم ماديا ومعنويا. وكذلك نص على الطيب وتنظيف الأسنان، وجاء بالحديث المؤكد لذلك. وقد سمح بصبغ الشعر واللحية مع إمكانية تطويلها. وذكر أن المرأة لا يجوز لها الإلحاء. ويجب أن يستر اللباس العورة وأن يقي من الحر والقر، ويكون من الصوف أو القطن أو الكتان، حسب السنة النبوية. أما النعال فتكون سوداء، حسب النعال المرسلة من الحبشة إلى الرسول ﷺ . ومن التفاصيل أن اللون الأسود هو شعار الحزن، ولكن العباسيين جعلوه شعارا لهم. أما اللون الأحمر فهو شعار ولباس الرؤساء الجزائريين. ويجب ألا يقلد أحد الجنسين الآخر في اللباس. وليس من الضروري أن تصل السراويل إلى الأقدام، حسب رأيه. ولباس الحرير ممنوع على الرجال جائز للنساء.

стр. 3208

أما الزخرفة فقد ناقشها المؤلف، بناء على التقاليد وفي ضوء ما جاء به الأوربيون منها أيضا. وذكر أن المذاهب الأربعة متفقة على منع الزخرفة Decoration لأنها أجنبية عن الإسلام. وقد منع الإسلام الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة، ومنع المؤلف أيضا لباس القبعة الأوروبية (البرنيطة). وفي الكتاب فصل آخر عن أنواع اللباس. وذكر أنه ليس للشعوب الإسلامية لباس متحد. ولام المؤلف من لبس اللباس الأوروبي لأنه تجديد. ولكنه أباح لكل مسلم أن يختار ما يلائمه من اللباس بشرط تطابقه مع مواصفات اللباس الإسلامي. والفصل الذي أطال فيه المؤلف هو الحجاب. وقد أورد الآراء العديدة في ذلك، ثم انتهى بالخلاصة التالية: أن المرأة التي لها مكانة في المجتمع والتي تتقلد مسؤولية عليها أن تحتجب، لأن غير المحتجبة لا تلفت نظر الرجل. والشريعة حكمت بأن تظهر المرأة عارية الوجه أمام القاضي لأسباب. وقد عرفنا أن محمد بن مصطفى كان من تلاميذ الشيخ عبده، وتعاطى الشعر، وألف عدة رسائل في موضوعات اجتماعية ودينية (١). ٧ - (مسلمات شمال افريقية): لأسماعيل حامد. اهتم هذا الكتاب بعدة مواضيع اجتماعية، ومنها المرأة المسلمة. وقد أشار إلى أن اهتمام الكتاب الفرنسيين كان منصبا إلى زمنه على الرجال فقط وإهمال المرأة. وقد اختلط عليهم الأمر في ذلك بين العرق والدين، وحياة الرجل متغيرة بينما حياة المرأة جامدة في نظر أولئك الكتاب ناسبين ذلك إلى القرآن. وفي نظر اسماعيل حامد أن هناك معطيات تاريخية أدت إلى ذلك التصور الخاطئ. فالانحطاط والجهل قد أوصلا المجتمع إلى الفوضى والاستبداد، بل إلى خلل في الأمخاخ. وكان تعلم المرأة حتى في المدن الكبرى يعتبر غير مفيد

стр. 3209

ومتنافيا مع التعاليم الإسلامية. وقد بينت التجربة والزمن خطأ ذلك. وها هي ثمانون سنة قد مرت على الاحتلال (كان يكتب سنة ١٩١٣) فأثبتت خطأ من يزعم أنه لا يمكن التقارب بين المسلمين والفرنسيين في نظره. إذ يرى أن (سياسة التشارك وسياسة التعليم) - خلافا لسياسة الإبعاد والاندماج - قد أثمرت في تونس والجزائر، وقريبا ستستفيد المغرب منها أيضا. وتحدث إسماعيل حامد عن الطبقة الجديدة التي ستقود المجتمع إلى السعادة، إنها الفئة الهجينة التي ستتولد من الزواج المختلط. وهو الزواج الذي سيكون بين مسلمين متفرنسين وفرنسيات، وبين فرنسيين ومسلمات متفرنسات. وقد ألح حامد على التعلم للمرأة، لأن الجاهلة لا يقربها المسلم ولا الفرنسي. واستبعد أن يكون الاندماج الكلي ناجحا، والأقرب عنده هو الاندماج المحدود عن طريق الزواج المختلط. فعن طريق هذه الطبقة ستتم سياسة التشارك والتعليم التي تبدو الشكل الأكثر ملاءمة لكل تطور كولونيالي. ان الاندماج الكامل للأعراق (المسلمون والفرنسيون) غير ممكن، ولن يتم الاندماج إلا جزئيا عن طريق فئة محكوم عليها أن تقود وأن تكون هي المثل لغيرها (١). وقبل أن يصل إلى هذه النتيجة درس حامد مكانة المرأة عند العرب ومسألة الشرف، والهجرة، والحروب. ثم مكانة المرأة في الحضارة وفي الأدب، وقضية ذكائها، وخدماتها في الدولة. وتعرض لحالة التخلف والانحطاط الذي عرفه المجتمع الإسلامي. واعتبر جهل المرأة أحد عوامل الانحطاط. كما أن سوء تفسير الشريعة كان عاملا آخر. ويضاف إلى ذلك الجهل عند الرجل أيضا. وعاتب الفرنسيين على عدم تناولهم المرأة في أوائل الاحتلال إذ تركوا موضوعها خامدا. وذكر أن قلة النساء الفرنسيات في الجزائر في أول الأمر أدت إلى زواج الفرنسيين بالأجنبيات، ومنهن بعض

стр. 3210

المسلمات. كما أن رجالا مسلمين من مختلف الطبقات تزوجوا بنساء فرنسيات أوروبيات. وقد أنتج الزواج المختلط عناصر أصبحت نشطة واندماجية. وتحدث المؤلف عن عناصر البحر الأبيض وامتزاج أعراقها. ونبه إلى أن الأوروبيين لا يتزوجون جاهلات وفقيرات، وكذلك المتفرنسون من الجزائريين. فعلى المرأة المسلمة إذن أن تتعلم وتصبح مفيدة (١). ورد إسماعيل حامد على الأوروبيين الذين يعتبرون تزويج المرأة المسلمة ودفع الصداق لها عبارة عن عملية تجارية. وفي رأيه أن التزويج المبكر للبنات يجعل عهدتهن للأب الذي يأخذ نصيبا من الصداق لوقت الحاجة، أي في حالة وفاة الزوج أو حالة الترمل. ورد على فكرة الأوروبيين حول الزنا وعقوبته في الإسلام، وأوضح أسباب الطلاق وقواعده، وأعاد مسائل الطلاق إلى الجهل بقواعد التشريع الإسلامي. ثم أن هناك قواعد للتراجع عن الطلاق. كما تحدث عن الحيض والحضانة والميراث وتعدد الزوجات. ومن رأيه أن تعدد الزوجات أخذ يختفي، فقد أصبح منعدما أو قليلا في المدن وما زال شائعا في الريف فقط، وهو ما لم يدركه الأوروبيون، وتعدد الزوجات يرجع أساسا إلى عدة أمور منها الطقس والعرق والدين، وقد أجازه القرآن ولكنه لم يأمر به، ولأهل الريف، والبدو منهم بالخصوص، حاجات اجتماعية واقتصادية لتعدد الزوجات، من ذلك خوف الفتنة، والموت، والوحدة. وقد أثبت الإحصاء الذي أجرى قريبا من تاريخ الكتابة أن ٩% من الزواج المتعدد كان في المناطق المحتلة والتي استوطنها أوروبيون، أما في المناطق التي لم يستوطنها الأوروبيون، مثل الصحراء، فالتعدد كان ٥٠ على مائة. ومن الملفت للنظر أن المناطق التي كثر فيها التعدد لم تقع فيها الشكاوى لدى المحاكم أو الإدارة. فليس هناك آثار للغيرة والتنافس بين الأطفال أو النساء، كما أثبت كتاب ميرسييه المذكور. ومن جهة أخرى فإن

стр. 3211

الزوجة الوحيدة تعتبر أعلى قيمة من الزوجات الأخريات المتعددات. وفي المناطق التي يكثر فيها الخدم - كالصحراء وفي افريقية - لا توجد إلا زوجة واحدة. إن تعدد الزوجات إذن ليس قائما على الشهوة، كما يذهب الأوربيون. وفكرة (الحريم) التي طالما رددها الأوروبيون إنما هي ضد الدين لأن الذين يمارسونها هم الأمراء الآسيويون. أما مفهوم (الحريم) في الإسلام فهو كل ما هو ذو حرمة، مثل الزوجة والأم والأخوات وبنات العم. كما أن البرقع (الحجاب) مستورد من الشرق. وليس خاصا بالمسلمين، بل هو موجود لدى الأوروبيات من الكاثوليك. ولا يوجد إلا في المدن حيث الرجال أقل تحفظا وحيث الزحام. أما في الأرياف فالمرأة غير محجبة إلا نادرا عند المتدينين وذوي الحرمات من العائلات (١). ٨ - مرآة المرأة المسلمة: تأليف أبو يعلى الزواوي. وقد ذكر أنه يقع في حدود ٢٠٠ صفحة، عندما أشار إليه في بعض كتبه. ولكننا لا ندري إن كان الكتاب قد نشر فعلا. وقد جعله فصولا. ومن رأيه في المرأة ما جاء في كتابه (الإسلام الصحيح) أنه من الخطإ القول بأن لا تعمل المرأة وأن لا يراها الخاطب. كما نادى الزواوي بضرورة تربية المرأة وتعليمها، وقال: (لا يليق أن تكون المرأة عضوا أشل في الهيئة الاجتماعية الإسلامية) (٢). وعالج الزواوي أيضا موضوع تعدد الزوجات بشيء من الإسهاب في موضوع منشور في البلاغ والشهاب. ولا شك أنه قد عالج نفس الموضوع في كتابه (مرآة المرأة المسلمة) الذي لم نطلع عليه. وقد نوه ببحثه عن تعدد الزوجات بعض الشيوخ المعاصرين، منهم الأمير شكيب أرسلان. وخلاصة رأي الزواوي أن تشريع التعدد وهو قوله تعالى: ﴿أنكحوا ما طاب لكم﴾ قائم على ملة إبراهيم الخليل. ومن جهة أخرى فالرجل في الإسلام هو الذي يقوم بشؤون المرأة من نفقة وكسوة وسكن وحماية. ثم إن النساء أكثر من الرجال

стр. 3212

عددا، نظرا للوفيات في الرجال بالحروب والأعمال الشاقة والخمر وأمراض السل. والزواج بأكثر من واحدة ليس واجبا، كما أن الزواج بالواحدة ليس واجبا إذا لم تتوفر النفقة. أما حكمة التعدد فهي تفادي الزنا. ومن جهة أخرى ذكر الزواوي أن مدة صلاحية المرأة النسل أقل من مدة الرجل. ومن حكمة الزواج حفظ الدين والنسل وحفظ المال (وقد أبيح أيضا التسري بالأمة). ومن المرغبات في تعدد الزوجات أن العقم أكثر عند النساء من الرجال، في دعواه، وإن إصابات النساء أكثر من الرجال. وذكر منها الحيض والنفاس والإجهاض. وقد ذكر أن تعدد الزوجات موجود في غالب الأمم أيضا، كما جاء في تأليف محمد فريد وجدي (١). ٩ - رسالة كشف النقاب عن أسرار الاحتجاب: ألفها محمد بن الأمير عبد القادر، ودخل بها موضوع المرأة والحجاب الذي تناولته الصحف والكتب عندئذ (أوائل هذا القرن). وقد رتب الرسالة على مقدمة ومطلبين وخاتمة. فكانت المقدمة في بيان احتجاب النساء في سالف الأمم - ابتداء من قوم ثمود وإبراهيم الخليل. وبين الفرق بين بعض الألفاظ المستعملة، مثل البرقع وهو خاص بوجه المرأة، أما القناع فهو للرجل. والنقاب للنساء أيضا ولكنه يكون بستر عين وكشف الأخرى. والجلباب في رأيه هو ما يرخى على الجبين لستر الشعر، أما الخمار فثوب تغطي به المرأة رأسها وتسدله من خلفها. والخمار غير مختصر بالمسلمات، فقد كانت النساء اليونانيات يستعملنه إذا خرجن. من رأي محمد بن عبد القادر أن الحجاب (اليس خاصا بالمسلمين، وإنما هو عادة قديمة معروفة في أغلب الأمم، ثم تلاشت طوعا جريا على سنة التقدم والرقي). وقد أخذ محمد هذا القول من (لاروس) وعلق عليه بأن ذلك يكون في نظر من يستحسن عدم الحجاب اليوم، أما (الحقيقة ... لا

стр. 3213

يتم التقدم والترقي إلا بصيانة الشرف والمحافظة على المروءة). ومن ثمة ندرك أن محمد ضد الرأي القائل بأن الحجاب كان في الأمم القديمة وانتهى أمره، إذ يقول: (ولا شك أن نزع الحجاب نقص كبير) (١). وأما المطالب (أو الفصول) فأولها ينص على أن (احتجاب النساء من الأمور الممدوحة عقلا وشرعا). وجاء بالآيات التي تؤيد الستر والاحتجاب. وثاني المطالب فيما يجب على المرأة ستره من أعضائها وزينتها وما يجوز لها إبداؤه. وعرف الزينة بأنها الأصباغ كالكحل للعين والخضاب في الحاجب والحمرة في الخد والحناء في الكف والرجل. كما ذكر القرط في الأذن والخاتم في الإصبع والسوار في المعصم، والقلادة في العنق، والخلخال في الساق. ومن رأيه جواز إظهار وجه المرأة ويديها بالزينة التي فيهما. أما المطلب الثالث ففي مقدار ما يعتبر عورة لدى المرأة الحرة المسلمة. ومن أهم ما جاء في الخاتمة هو حديث المؤلف عن أسرار الاحتجاب، كما تحدث عن الغناء والغيرة والخصيان، وأثر الغناء على النساء والعكس، ومن رأيه أن (منشأ احتجاب المرأة (هو) الغيرة عليهن). والمؤلف مضاد للاختلاط بين النساء والرجال، وحتى الحج ورد فيه ما يفيد ضرورة حج الرجل مع أهله أو مع محرم. ولكي يؤيد رأيه ويقنع معاصريه من المسلمين الذين قد تكون أثرت فيهم الدعوة إلى فرع الحجاب، ذكر محمد بعض أقوال علماء الفرنسيين والإنكليز في المراقص والملاهي عندهم وما أصاب المرأة فيها من الإهانة والابتذال والفساد (٢). ١٠ - رسالة الفاروق والترياق في تعدد الزوجات والطلاق: لنفس المؤلف (محمد بن الأمير). وقد رأى من الحكمة أن الله أباح تعدد الزوجات واستعمال السراري (لمن لا تكفيه زوجة واحدة لقوة بنيته وكثرة شبقه كي لا يرتكب فعل الزنى المحرم). كما أنه من الحكمة إباحة الطلاق وحل عقدة

стр. 3214

النكاح لمن حصلت بينه وبين زوجته نفرة ولم يجدا علاجا لها حتى لا يكون أحد الزوجين مكرها على الصبر، وقد أنكر البعض نفع ندد الزوجات وإباحة الطلاق وذلك لحصول الضرر منهما، فكان غرض المؤلف الرد على صاحب هذا الرأي. قسم هذه الرسالة إلى مقدمة وبحثين (فصلين) وتتمة وخاتمة. وكانت المقدمة في حكمة التعدد وشرط العدل بين الزوجات، وإذا خاف المقدم على الزواج بأكثر من واحدة من عدم العدل فلا يجوز له التعدد، وحتى ما ملكت اليد مشروط بالإحصان. والبحث الأول ذكر فيه الحكمة من تعدد الزوجات، وبين أثر التزوج من حصول السكون والأولاد. ومن مبيحات التعدد العقم. وكان القدماء يعددون، كما في الإنجيل والكتب القديمة، وكذلك كان الإغريق والرومان. واستبشع ما يحصل من الزنى وظهور اللقطاء، وكذلك ما يترتب على عدم التعدد من وجود النساء بدون أزواج في حالات الحرب، لو حصل الشرط بعدم التعدد. وقد ذكر موجبات العدل والمساواة بين النساء والزوجات وحقوق المرأة المسلمة والكتابية مع إباحة أن تبقى هذه على عقيدتها، لكن الكتابية لا تحصن المسلم أما هو فيحصنها. ومن شروط الكتابية أن تكون حرة وأن يأمن الزوج على أولاده منها في أمور دينهم. وفسر معنى (قوام) للرجال وأوضح أن الرجل فاعل والمرأة منفعلة حسب الطبيعة. وميزات المرأة وامتيازاتها، ولها إثبات الولد من زوجها، وشهادتها تقوم مقام رجلين في حيض العدة. وقال بالرأي الذي يذهب إلى جواز إمامة المرأة، لكنه قال إن ولايتها القضاء مختلف فيها. أما البحث الثاني فهو خاص بالطلاق وأسراره. وخص التتمة بما اتفق عليه الأيمة من أمور كالظهار والإيلاء. وجعل الخاتمة في الحب وكون حب الرجل للمرأة أعظم من حب المرأة له، ثم في وصايا الأمهات لبناتهن عند الزواج (١).

стр. 3215

ويظهر مما سبق أن الرسالتين تعبران على رأي رجل محافظ، كما نقول بلغة اليوم، فهو قد أراد أن يساهم في موضوع المرأة، ولكن بجلب الآيات والأحاديث والآراء القديمة والحكمة العقلية على ضرورة الاحتجاب عند المرأة وعلى الحكمة من مشروعية تعدد الزوجات بشرطه، وكذلك الحكمة من إباحة الطلاق عندما يتنافر الزوجان وتنعدم وسائل العيش معا. موضوعات أخرى مختلفة تحت هذه الفقرة نتحدث عن مجموعة من المعارف التي لا يمكن تصنيفها لقلتها. فمنها ما يدخل في الإدارة والنظام العسكري، وما يدخل في السياسة العامة والاستعمار، وما هو في التربية والتعليم والأخلاق، ونحو ذلك. وقد فضلنا الحديث عن التقاويم في الصحافة من فصل المنشآت الثقافية. والغريب أن الجزائريين لم يؤلفوا في المواد الاجتماعية العامة إلا قليلا. وقد رجعنا إلى الكتب المؤلفة بالفرنسية أيضا. فوجدناها ربما أقل، على الرغم مما كان يقال إن الفرنسيين قد أخرجوا فئة (نخبة) مثقفة بالفرنسية. ومهما كان الأمر فإننا سنورد ما توصلنا إليه. ولعله قد فاتنا البعض منه: ١ - مذكرة ابن داود في حكومة فرنسا بالجزائر. وهو عبد القادر بن داود، من الدوائر المخازنية في ناحية وهران. تولى عدة وظائف هامة، منها آغا تيارت، وخاض الحروب إلى جانب الفرنسيين منذ عهد الأمير عبد القادر، وضد أولاد سيدي الشيخ ١٨٦٤، وتزوج من فرنسية في آخر عمره، وتوفي سنة ١٨٦٩. أثناء سفارة له عن قومه إلى كلوزيل بالعاصمة طلب منه هذا إبداء رأيه كتابة في سياسة الفرنسيين والحكومة المتوقعة منهم. فكتب المذكرة التي نحن بصددها. وقد اشتهر من نفس العائلة العقيد ابن داود الذي توفي سنة ١٩١٣. واكتسب شهرة سلبية بين الجزائريين لأنه رغم تجنسه

стр. 3216

وحصوله على رتبة عقيد في الجيش الفرنسي، فإنه ظل منظورا إليه على أنه (أهلي) فيقال في المثل عن ذلك: (العربي عربي وإن كان العقيد ابن داود). والمذكرة عثر عليها بوسكي ونشرها سنة ١٩٠٧، وهي بعنوان (رأي عبد القادر بن داود عن الفرنسيين وحكومتهم) ويقول بوسكي إنها (رسالة خطية)، كانت في أرشيف الحكومة العامة بالجزائر. والرسالة أو المذكرة قد وضحت دور الإدارة العثمانية في الجزائر، واقترحت العلاج بعد انتقادها للإدارة الفرنسية. فقال إن الفرنسيين لم يأتوا بالحرية التي وعدوا بها. وإنما كان عهدهم عهد فوضى، واهتموا إنشاء نظام خاص بهم وليس بإدارة العرب، وجمعوا أموالا كثيرة بدون فائدة للسكان، ووعدوا بتحقيق التحرر من العثمانيين، ولكنهم لم يفعلوا. ومن رأيه أن العرب يريدون حكومة قوية وعادلة. ودافع عن العرب بكونهم غير متعصبين كما كان الفرنسيون يزعمون عن كل من يعارض استعمارهم. ومن نصائحه للفرنسيين أن يستخدموا العثمانيين (الأتراك) لأنهم الوحيدون الذين كانوا يعرفون الإدارة في الجزائر، وهم على نفس الدين الذي عليه الأهالي. كما أنهم سيقدمون المعونة للفرنسيين (١). ٦ - جواب المستشارين الأهالي عن تقرير (تريل) حول الحرائق، وضعه أربعة من أعيان قسنطينة سنة ١٨٨١. وهم المكي بن باديس وأحمد بن سليمان، ومحمد بن الحاج علي، والأخضر بن مراد. وهو جواب مفصل حاول الأعيان أن يتفادوا به تسليط القوانين الاستثنائية (الاندجينا) التي أخذ الفرنسيون يسنونها لسحق الجزائريين (٢). ٧ - أخبار مختصرة على قواعد التصرفات العمومية في أقليم الجزائر، مؤلفه مجهول. وهو عن الإدارة الجزائرية وكيفية تطبيق الإجراءات الفرنسية.

стр. 3217

ولعل الإدارة نفسها هي التي وضعت هذا الأثر، وقد تكون الترجمة قام بها بعض الجزائريين. ولذلك لا نتوقف عنده طويلا (١). ٨ - إرشاد المتعلمين، لعبد القادر المجاوي، وهو رسالة صغيرة صدرت سنة ١٨٧٧، بالقاهرة. وقد أثارت ضجة عند ظهورها واتهم صاحبها من الفرنسيين وبعض الجزائريين بأنه يسيء إليهم. وربما تكون الرسالة قد طبعت بإيعاز ودعم من الأمير عبد القادر وأولاده، إذ بينهم مصاهرة مع المؤلف. والمهم أن المجاوي دعا إلى اليقظة وتعلم العلوم على اختلاف أنواعها وكذلك اللغات والملاءمة بين الدين والعلم، وكون الدين ينسجم مع العقل. وبعد العاصفة، هدأت الأمور عندما حبذ (آرنو) الرجل الغامض رئيس تحرير المبشر، آراء المجاوي، فاعتبر ذلك دعما من الإدارة لهذه الآراء. وكان المجاوي عندئذ في أولى مراحله في التعليم بقسنطينة. وقد قرظ الرسالة كاتبان أحدهما من الشام وهو حامد سليمان، وكان عندئذ يقيم في مصر، والآخر مصري وهو وهبي أفندي معلم اللغة الفرنسية عندئذ. يقول المجاوي في أول رسالته: (أقول بعد البسملة ... أن من أشرف ما تميز به الإنسان على سائر الحيوان النطق، ولا نطق إلا بالعلم، كما لا علم بدون معلم. ولقد ساءني ما رأيت في هذا الزمان من فتور المعلمين والمتعلمين حتى أن أهل قطرنا ... قد تراكم عليهم الجهل). أما عن ترتيب الرسالة نفسها فيقول انه جعلها على مقدمة وأربعة فصول وخاتمة. أما المقدمة ففي فضل العلم والتعلم. وأما الفصول: الأول في علوم اللسان، والثاني في علوم الأديان، والثالث في علوم الأبدان، والرابع في المعاش. وخصص الخاتمة لأمثال وحكم وآداب عامة. وقد أشاد باللغة العربية في الفصل الأول، وهو ما لم يكن يسر الفرنسيين على كل حال. كما أن الإشارة إلى شيوع الجهل بين السكان فيها دعوة إلى اليقظة من جهة وإدانة للإدارة الاستعمارية من جهة أخرى.

стр. 3218

وفي آخر الرسالة يكشف المجاوي عن علاقته ببعض علماء المشرق وشعرائه. فبالإضافة إلى التقريظين المذكورين، قال عن إبراهيم سراج المدني أنه صديقه وأخوه، وأنه قد تعرف عليه، دون أن نعرف أين وقع ذلك. وأورد له رسالة قال (إنني استمليتها منه ورويتها عنه)، ومدحه بعدة أوصاف، ثم ذكر له قصائد في مدح أمير مكة، وخديوي مصر، وخير الدين التونسي (١). ٩ - كتاب في الأخلاق للمولود الزريبي: ذكر محمد الهادي السنوسي في ترجمته للمولود الزريبي أن هذا كان قد شرع في تأليف كتاب في الأخلاق وأنه قد نشر منه فصولا في جريدة (الصديق) التي كان الزريبي يشرف عليها. ولا ندري أين وصل في تأليفه، ومن الأكيد أن الكتاب لم يظهر إلى الوجود (٢). وربما كانت روح الإصلاح الديني والاجتماعي هي الطاغية على هذا الكتاب، لأن نشاط الزريبي كان حول ذلك. وقد مات مبكرا، كما عرفنا. ١٠ - أسلوب الحكيم في التعليم، تأليف أبو يعلي الزواوي. وقد ذكره في بعض كتبه، ولم نطلع عليه، والغالب أنه غير مطبوع. وقد يكون رسالة صغيرة، مثل أغلب تآليف الزواوي. وكذلك ينسب إليه كتاب آخر في هذا المجال بعنوان (الغني والفقير). ونقول في هذا ما قلناه في سابقه، من عدم النشر وصغر الحجم. وإذا كان موضوع الأول واضحا أنه يعالج طريقة التعليم - في الزوايا؟ - فالظاهر من الثاني أنه في الحياة الاجتماعية وموقف الدين من الفقر والغنى. وربما كان ذلك من الموضوعات التي عالجها أثناء توليه الخطابة بجامع سيدي رمضان بالعاصمة. ١١ - رسالة القحط: تأليف محمد الصالح العنتري. وقد نشرها رابح

стр. 3219

بونار بعنوان (مجاعات قسنطينة). والعنتري كان متعلما شابا. وخطاطا عندما احتلت قسنطينة، فتوظف بالإدارة الفرنسية الجديدة كاتبا. ومن خلال عمله اطلع على وثائق كثيرة في التجارة والاقتصاد وغيرها من المعاملات. ثم عاش إلى أن وقعت: أحداث هامة، سيما مجاعات (نكبات) ١٨٦٧ - ١٨٦٩. وقد أرخ لذلك، وإذا شئت سجل ذلك من أوراقه وذكرياته في رسالته الصغيرة التي نحن بصددها. ويبدو أنه كان يريد جمع معلومات غزيرة ونشرها في كتاب كبير. وقال إن المجاعة الكبيرة وقعت سنة ١٨٦٧، وشملت مدينة قسنطينة نفسها، كما حلت بالأقليم كله. وروى عن الناس الكبار بأنهم لم يعرفوا مثلها، وأن الفقراء والضعفاء هم الذين عانوا منها أكثر من غيرهم. إنها مجاعة سوداء. فقد حل الجراد، فاضطر الناس إلى أكل الأعشاب وما لا يحل أكله، بما في ذلك القطط والفئران. وافتقر الأغنياء نتيجة المجاعة حتى فرغت مخازنهم. وارتفعت الأسعار فوق الوصف والطاقة. ثم حل الجفاف فأتى على الزرع والضرع. ولم يتوفر العلف إذ نفد ما كان مخزونا من القرط والتين. كما حلت أمراض أخرى وأوبئة بالمجتمع أدت إلى هلاك الآلاف منه. أما النجدة فقد جاءت، في رأي العنتري، من حكام فرنسا. وقد أشاد بهم وبأفعال فرنسا (الخيرية) التي لولاها لحل بالجزائر أكثر مما حل بتونس عندئذ (١). ولم يدرك العنتري أن الكولون لم يصبهم ما أصاب الجزائريين لأنهم كانوا يتمتعون برصيد من الأرض الخصبة والمخزون الاحتياطي، وأنهم لم يأكلوا بعضهم بعضا كما فعل بعض الجزائريين. وكذلك لم يدرك أن الجزائريين كانوا في الماضي يحتاطون فيخزنون حبوبهم وعلف دوابهم في المطامير لوقت الحاجة. ولكن ذلك كله ذهب مع استعمار الأرض بعد اغتصابها وتهميش أصحابها. ومع ذلك فالعنتري مشكور أنه ترك وثيقته ليعرف الخلف منها ما ارتكب الأجانب في بلادهم وما أكملته الطبيعة وهم شاهدون.

стр. 3220

١٢ - النور الوقاد في تعزية الأولاد: ألفه محمد الموسوم (الميسوم) شيخ الشاذلية في قصر البخاري. وقد سبق الحديث عن المؤلف. والكتاب يبدو أنه بقي مخطوطا، وألفه بعد وفاة أحد أبنائه سنة ١٢٩٧. ويقع، حسب تعريف الخلف، في خمس كراسات. وكان أحمد المختار بن الشيخ الموسوم هو الذي أعطى المعلومات إلى صاحب تعريف الخلف. ولعل في العنوان بعض الخلل أو الخطأ (١). ١٣ - عقود الجواهر في حلول الوفد المغربي بالجزائر: ألفه محمد بن مصطفى بمناسبة زيارة وفد رسمي من السلطنة المغربية للجزائر بدعوة وتنظيم من السلطات الفرنسية. وكان ذلك في إطار التحضير لاحتلال المغرب ونشر النفوذ الفرنسي فيه. وكان الوفد برئاسة محمد الجباص، مبعوث السلطان. والرسالة - الكتاب تصف حسن الاستقبال الذي حظي به الوفد من قبل أعيان الجزائر طيلة إقامته التي دامت حوالي شهرين (٢). وصادفت الزيارة حلول الشيخ محمد عبده بالجزائر أيضا، فحضر بعض أعضاء الوفد محاضراته. ١٤ - مجموع مشتمل على قوانين مفيدة وتنظيمات سديدة، إشراف وتقديم محمد بن مصطفى. وهو عمل قام بإعداده وترتيبه تحت إشراف الحكومة العامة بالجزائر، بمناسبة زيارة الوفد المغربي الذي سبقت إليه الإشارة. وكانت الزيارة في عهد الحاكم العام ريفوال، سنة ١٩٠١. وقد وصف محمد الجباص رئيس الوفد بأنه (صاحب الذوق السليم والعقل الرصين ... مشغوفا بحب المعارف والتفنن، والتقدم العصري والتمدن). ويفهم من المقدمة أن الجباص هو الذي طلب من الحاكم العام الإطلاع على القوانين الجاري بها العمل في الجزائر وكذلك التراتيب الإدارية المدنية

стр. 3221

والعسكرية، فأجابه الحاكم العام إلى طلبه وأمر له بترجمة النصوص المطلوبة، كما شمل ذلك بعض التنظيمات التونسية. وهذا العمل هو الذي أشرف محمد بن مصطفى على مراجعته والإضافة إليه، وقد جعله على قسمين: مدني وعسكري. وأحال على (أقوم المسالك) لخير الدين التونسي ومؤلفات رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك (وما أشبهها من الكتب النفيسة). وهذا يدل على أن محمد بن مصطفى كان ما يزال عندئذ محررا في جريدة المبشر وتابعا لإدارة الشؤون الأهلية التي كان يشرف عليها دومينيك لوسياني. كما يدل على إعجابه بالمؤلفين المذكورين (خير الدين والطهطاوي ومبارك) لصلتهم بالحضارة الغربية واقتناعهم (بالتقدم العصري والتمدن) (١)، الذي امتدح به محمد الجباص. وقد لا يكون محمد بن مصطفى واعيا بما كان الفرنسيون يخططون للمغرب من خطط لاحتلاله، ولكن زميله إسماعيل حامد كان واعيا لذلك كل الوعي. ١٥ - السعي المحمود في نظام الجنود: تأليف محمد بن محمود ابن العنابي. وهذا الكتاب ألفه صاحبه عشية الاحتلال، ولكنه قد عاصر الاحتلال، وحكم عليه الفرنسيون بالنفي في الأسابيع الأولى، فعاش في مصر حوالي عشرين سنة أخرى مفتيا ومؤلفا. وكان المفروض أن ندرس هذا الكتاب في الجزء الثاني من هذه الموسوعة. ثم بدا لنا أن نفرده بدراسة خاصة تضمن حياة مؤلفه أيضا. وهو ما قمنا به فى كتابنا (رائد التجديد الإسلامى: ابن العنابى). وقد حللنا هناك فصول (السعي المحمود) ومنهج المؤلف فيه. ودوافعه وأهدافه. كما قام محمد بن عبد الكريم بتحقيق نصه. ولذلك لن نطيل

стр. 3222

الحديث عنه هنا (١). ومهما كان الأمر فإن السعي المحمود يتناول الأساليب والقواعد العسكرية طبقا للشريعة الإسلامية ومستجدات الحضارة الأوروبية وموقف المسلمين منها. ١٦ - وشاح الكتائب وزينة الجيش المحمدي الغالب: كتبه قدور بن رويلة بإملاء وإشراف الأمير عبد القادر. والوشاح هو التنظيمات العسكرية التي وضعها الأمير لجيشه، في الترقية والتصنيف، والتوسيم، والواجبات والحقوق، والألبسة والعلامات وما إلى ذلك. وهو أول نظام عسكري يضعه الجزائريون لنواة جيشهم الجديد الذي كان يسمى الجيش المحمدي. وتشيع الروح والتقاليد الإسلامية في هذا النظام سواء في الآيات أو الآثار التي تضمنتها التنظيمات. وقد كان الجيش الجزائري قبل ذلك تحكمه قوانين الانكشارية الذين كانوا في معظمهم أجانب ومغامرين، ولا تحكمهم تنظيمات وإجراءات ثابتة وإنما تحكمهم النزوات والمصالح. دور قدور بن رويلة كبير في الوشاح: وهو الصياغة والتبويب. أما الأفكار فقد تكون لجماعة تحت إشراف الأمير نفسه. وكان ابن رويلة من المثقفين الوطنيين الذين هربوا إلى دولة الأمير بعد الاحتلال، واستقروا في مليانة تحت إدارة ابن علي مبارك. ثم أصبح المادح والكاتب للأمير إلى أن وقع في الأسر. أما وشاح الكتائب فقد ترجمه الفرنسيون عدة مرات، ومن ذلك ترجمة (مجلة الشرق) له سنة ١٨٤٤. وقد رة المترجم على من كان يقول إنه لم يكن لدولة الأمير نظام عسكري تسير عليه وتنظيمات يخضع لها القادة والجنود، بأن وشاح الكتائب خير دليل على وجود سلام دقيق. وقد نشرته المجلة المذكورة على حلقتين. وفي آخر النص أن الكاتب هو قدور بن

стр. 3223

محمد بن رويلة الجزائري (من مدينة الجزائر) الذي هرب بعد استيلاء (أهل الصليب) على الجزائر ولجأ إلى مليانة لخدمة الحاج عبد القادر الذي هو من قبيلة غريس - الحشم. وقد تضمنت الترجمة أيضا فصلا عن تربية الأمير وفروسيته (١). ١٧ - خيول الصحراء أو الخيول العربية: ألفه يوجين دوماس. ولكنه تضمن آراء الأمير عبد القادر في صفات الخيل وتربيتها ومعاملة العرب لها ومكانتها وما ورد فيها في التراث ونحو ذلك. فقد اعتمد دوماس على الأمير- وربما على غيره أيضا - كثيرا في هذا الباب. ولذلك نعتبر الأمير مساهما في تأليف هذا الكتاب الذي أحرز على سمعة كبيرة في الأوساط الأوروبية والأمريكية بعد ترجمته إلى الإنكليزية أيضا. وقد تضمن الكتاب أيضا ترجمة لقصيدة الأمير في الحضارة والبداوة (٢). ١٨ - عقد الأجياد في الصافنات الجياد: تأليف محمد بن الأمير عبد القادر. وهو في أوصاف الخيل وأنواعها وآدابها. وهذا هو الكتاب المطول الذي ضمنه المؤلف رصيدا وافرا من كتب التراث حول الخيل دلت على تمكنه في الأدب والتاريخ والمنوعات الثقافية. وقد طبعه أول مرة في حياة والده (١٢٩٠) في بيروت. ثم طبع ثانية ضمن منشورات المكتب الإسلامي على نفقة أحد أمراء الخليج وأضيفت إليه مقدمة ورسالة أخرى في الخيل ليست لمحمد بن الأمير. ولكن (عقد الأجياد) يبلغ ٣٧٦ صفحة في هذه الطبعة. وقد اطلعنا عليه. وهو أقرب إلى أن يكون كتاب أدب وإمتاع منه

стр. 3224

كتاب حرب وفروسية (١). ١٩ - نخبة عقد الأجياد في الصافنات الجياد: تأليف محمد بن الأمير عبد القادر أيضا. وهو كتاب مختصر عن الأول. وقد طبع أيضا مرتين على الأقل، الأولى في حياة الأمير سنة ١٢٩٣، والثانية سنة ١٣٢٦ (٢). والكتابان في موضوع واحد وهو الخيل العربية. وأصولها والآداب المتصلة بها ودورها في حياة المجتمع. وربما كان محمد متأثرا أيضا بآثار والده في الفروسية والحرب وفي الأدب وإجاباته الفرنسيين عن طبائع الخيل. وهل نستطيع أن نغامر فنقول إنه كان للأمير دور في إخراج (عقد الأجياد؟). ٢٠ - ورقات في رواج السكة بالزيادة، تأليف أبي حامد المشرفي. والظاهر أن هذا التأليف يتناول مسألة الفوائد على النقود، أي فيما يسمى عند الفقهاء بالربا. وكانت هذه القضية قد كثر حولها الجدل عند دخول رأس المال الأجنبي إلى المغرب والعامل نع المسلمين في الأموال. وها هو المشرفي يدلي برأيه في الموضوع الذي هو فقهي واقتصادي معا (٣). ٢١ - الرسالة في أهل البصبور الحثالة، لنفس المؤلف (المشرفي). وكان هذا التأليف نتيجة الضغوط على المغرب في آخر القرن الماضي لقبول الحماية الأجنبية على من أراد من أبنائه الدخول في عهدة هذه الدولة أو تلك، والحصول على جواز السفر، ونحو ذلك من الإجراءات الجديدة على المجتمع المغربي. أما المشرفي فقد عرفنا أنه من نزلاء المغرب بعد أن ولد ونشأ في الجزائر. وقد ترك مؤلفات كثيرة تناولناها في غير هذا. وحظي عند

стр. 3225

سلاطين المغرب بمكانة كبيرة، سيما السلطان الحسن الأول. وكان مع ذلك دائم الشكوى (١). ٢٢ - المعلومات الحسان في مصنوعات تلمسان: تأليف القاضي شعيب الجليلي. وكان المؤلف من علماء الدين ومن الأدباء والمولعين بالموسيقى، وممن لهم باع في التصوف أيضا. وربما كان أبعد الناس عن (المصنوعات)، ومع ذلك فقد استجاب لطلب من الحاكم العام بالجزائر وألف عن مصنوعات تلمسان، وهو تأليف يدخل في الفنون الشعبية والصناعات التقليدية، والحرف. وربما كان ذلك بمناسبة انعقاد أحد المعارض الدولية في باريس، إذ سرعان ما ترجم التأليف إلى الفرنسية وطبع. ولا ندري إن كان أصله العربي قد طبع معه أيضا. ونعتقد أنه كتاب مفيد في بابه إذ كتبه أحد أبناء تلمسان العارفين بمكانتها في التاريخ والتقاليد والفن (٢). ٢٣ - قواعد التجارة العصرية: تأليف عبد الحق بن وطاف القسنطيني. وعنوان الكتاب غير دقيق لأننا استخرجناه فقط مما كتب محمد المنوني عن الكتاب. وقد ظهرت طبعته الأولى بفاس، سنة ١٩١١. وكان ذلك عشية الاحتلال الفرنسي للمغرب. فهدف الكتاب إذن هو خدمة التجار الجزائريين (الكولون؟) والمغاربة، وإطلاعهم على الأساليب والمعاملات التجارية الجديدة. وكان بعض زملاء ابن وطاف قد نشروا المعاجم الدارجة أيضا بهدف تسهيل التجارة والاتصال، وذهب آخرون إلى المغرب بقصد دراسة اللهجات والطرق الصوفية والمخطوطات والجاليات، وأيضا الجوسسة. ومهما كان الأمر، فإن مؤلف الكتاب وضعه على مقدمة وثلاثة أقسام. الأول في القانون التجاري الفرنسي، وهو بيت القصيد، لأن المعاملات كانت
следующие страницы →