← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

والعسكرية، فأجابه الحاكم العام إلى طلبه وأمر له بترجمة النصوص المطلوبة، كما شمل ذلك بعض التنظيمات التونسية. وهذا العمل هو الذي أشرف محمد بن مصطفى على مراجعته والإضافة إليه، وقد جعله على قسمين: مدني وعسكري. وأحال على (أقوم المسالك) لخير الدين التونسي ومؤلفات رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك (وما أشبهها من الكتب النفيسة). وهذا يدل على أن محمد بن مصطفى كان ما يزال عندئذ محررا في جريدة المبشر وتابعا لإدارة الشؤون الأهلية التي كان يشرف عليها دومينيك لوسياني. كما يدل على إعجابه بالمؤلفين المذكورين (خير الدين والطهطاوي ومبارك) لصلتهم بالحضارة الغربية واقتناعهم (بالتقدم العصري والتمدن) (١)، الذي امتدح به محمد الجباص. وقد لا يكون محمد بن مصطفى واعيا بما كان الفرنسيون يخططون للمغرب من خطط لاحتلاله، ولكن زميله إسماعيل حامد كان واعيا لذلك كل الوعي. ١٥ - السعي المحمود في نظام الجنود: تأليف محمد بن محمود ابن العنابي. وهذا الكتاب ألفه صاحبه عشية الاحتلال، ولكنه قد عاصر الاحتلال، وحكم عليه الفرنسيون بالنفي في الأسابيع الأولى، فعاش في مصر حوالي عشرين سنة أخرى مفتيا ومؤلفا. وكان المفروض أن ندرس هذا الكتاب في الجزء الثاني من هذه الموسوعة. ثم بدا لنا أن نفرده بدراسة خاصة تضمن حياة مؤلفه أيضا. وهو ما قمنا به فى كتابنا (رائد التجديد الإسلامى: ابن العنابى). وقد حللنا هناك فصول (السعي المحمود) ومنهج المؤلف فيه. ودوافعه وأهدافه. كما قام محمد بن عبد الكريم بتحقيق نصه. ولذلك لن نطيل

стр. 3222

الحديث عنه هنا (١). ومهما كان الأمر فإن السعي المحمود يتناول الأساليب والقواعد العسكرية طبقا للشريعة الإسلامية ومستجدات الحضارة الأوروبية وموقف المسلمين منها. ١٦ - وشاح الكتائب وزينة الجيش المحمدي الغالب: كتبه قدور بن رويلة بإملاء وإشراف الأمير عبد القادر. والوشاح هو التنظيمات العسكرية التي وضعها الأمير لجيشه، في الترقية والتصنيف، والتوسيم، والواجبات والحقوق، والألبسة والعلامات وما إلى ذلك. وهو أول نظام عسكري يضعه الجزائريون لنواة جيشهم الجديد الذي كان يسمى الجيش المحمدي. وتشيع الروح والتقاليد الإسلامية في هذا النظام سواء في الآيات أو الآثار التي تضمنتها التنظيمات. وقد كان الجيش الجزائري قبل ذلك تحكمه قوانين الانكشارية الذين كانوا في معظمهم أجانب ومغامرين، ولا تحكمهم تنظيمات وإجراءات ثابتة وإنما تحكمهم النزوات والمصالح. دور قدور بن رويلة كبير في الوشاح: وهو الصياغة والتبويب. أما الأفكار فقد تكون لجماعة تحت إشراف الأمير نفسه. وكان ابن رويلة من المثقفين الوطنيين الذين هربوا إلى دولة الأمير بعد الاحتلال، واستقروا في مليانة تحت إدارة ابن علي مبارك. ثم أصبح المادح والكاتب للأمير إلى أن وقع في الأسر. أما وشاح الكتائب فقد ترجمه الفرنسيون عدة مرات، ومن ذلك ترجمة (مجلة الشرق) له سنة ١٨٤٤. وقد رة المترجم على من كان يقول إنه لم يكن لدولة الأمير نظام عسكري تسير عليه وتنظيمات يخضع لها القادة والجنود، بأن وشاح الكتائب خير دليل على وجود سلام دقيق. وقد نشرته المجلة المذكورة على حلقتين. وفي آخر النص أن الكاتب هو قدور بن

стр. 3223

محمد بن رويلة الجزائري (من مدينة الجزائر) الذي هرب بعد استيلاء (أهل الصليب) على الجزائر ولجأ إلى مليانة لخدمة الحاج عبد القادر الذي هو من قبيلة غريس - الحشم. وقد تضمنت الترجمة أيضا فصلا عن تربية الأمير وفروسيته (١). ١٧ - خيول الصحراء أو الخيول العربية: ألفه يوجين دوماس. ولكنه تضمن آراء الأمير عبد القادر في صفات الخيل وتربيتها ومعاملة العرب لها ومكانتها وما ورد فيها في التراث ونحو ذلك. فقد اعتمد دوماس على الأمير- وربما على غيره أيضا - كثيرا في هذا الباب. ولذلك نعتبر الأمير مساهما في تأليف هذا الكتاب الذي أحرز على سمعة كبيرة في الأوساط الأوروبية والأمريكية بعد ترجمته إلى الإنكليزية أيضا. وقد تضمن الكتاب أيضا ترجمة لقصيدة الأمير في الحضارة والبداوة (٢). ١٨ - عقد الأجياد في الصافنات الجياد: تأليف محمد بن الأمير عبد القادر. وهو في أوصاف الخيل وأنواعها وآدابها. وهذا هو الكتاب المطول الذي ضمنه المؤلف رصيدا وافرا من كتب التراث حول الخيل دلت على تمكنه في الأدب والتاريخ والمنوعات الثقافية. وقد طبعه أول مرة في حياة والده (١٢٩٠) في بيروت. ثم طبع ثانية ضمن منشورات المكتب الإسلامي على نفقة أحد أمراء الخليج وأضيفت إليه مقدمة ورسالة أخرى في الخيل ليست لمحمد بن الأمير. ولكن (عقد الأجياد) يبلغ ٣٧٦ صفحة في هذه الطبعة. وقد اطلعنا عليه. وهو أقرب إلى أن يكون كتاب أدب وإمتاع منه

стр. 3224

كتاب حرب وفروسية (١). ١٩ - نخبة عقد الأجياد في الصافنات الجياد: تأليف محمد بن الأمير عبد القادر أيضا. وهو كتاب مختصر عن الأول. وقد طبع أيضا مرتين على الأقل، الأولى في حياة الأمير سنة ١٢٩٣، والثانية سنة ١٣٢٦ (٢). والكتابان في موضوع واحد وهو الخيل العربية. وأصولها والآداب المتصلة بها ودورها في حياة المجتمع. وربما كان محمد متأثرا أيضا بآثار والده في الفروسية والحرب وفي الأدب وإجاباته الفرنسيين عن طبائع الخيل. وهل نستطيع أن نغامر فنقول إنه كان للأمير دور في إخراج (عقد الأجياد؟). ٢٠ - ورقات في رواج السكة بالزيادة، تأليف أبي حامد المشرفي. والظاهر أن هذا التأليف يتناول مسألة الفوائد على النقود، أي فيما يسمى عند الفقهاء بالربا. وكانت هذه القضية قد كثر حولها الجدل عند دخول رأس المال الأجنبي إلى المغرب والعامل نع المسلمين في الأموال. وها هو المشرفي يدلي برأيه في الموضوع الذي هو فقهي واقتصادي معا (٣). ٢١ - الرسالة في أهل البصبور الحثالة، لنفس المؤلف (المشرفي). وكان هذا التأليف نتيجة الضغوط على المغرب في آخر القرن الماضي لقبول الحماية الأجنبية على من أراد من أبنائه الدخول في عهدة هذه الدولة أو تلك، والحصول على جواز السفر، ونحو ذلك من الإجراءات الجديدة على المجتمع المغربي. أما المشرفي فقد عرفنا أنه من نزلاء المغرب بعد أن ولد ونشأ في الجزائر. وقد ترك مؤلفات كثيرة تناولناها في غير هذا. وحظي عند

стр. 3225

سلاطين المغرب بمكانة كبيرة، سيما السلطان الحسن الأول. وكان مع ذلك دائم الشكوى (١). ٢٢ - المعلومات الحسان في مصنوعات تلمسان: تأليف القاضي شعيب الجليلي. وكان المؤلف من علماء الدين ومن الأدباء والمولعين بالموسيقى، وممن لهم باع في التصوف أيضا. وربما كان أبعد الناس عن (المصنوعات)، ومع ذلك فقد استجاب لطلب من الحاكم العام بالجزائر وألف عن مصنوعات تلمسان، وهو تأليف يدخل في الفنون الشعبية والصناعات التقليدية، والحرف. وربما كان ذلك بمناسبة انعقاد أحد المعارض الدولية في باريس، إذ سرعان ما ترجم التأليف إلى الفرنسية وطبع. ولا ندري إن كان أصله العربي قد طبع معه أيضا. ونعتقد أنه كتاب مفيد في بابه إذ كتبه أحد أبناء تلمسان العارفين بمكانتها في التاريخ والتقاليد والفن (٢). ٢٣ - قواعد التجارة العصرية: تأليف عبد الحق بن وطاف القسنطيني. وعنوان الكتاب غير دقيق لأننا استخرجناه فقط مما كتب محمد المنوني عن الكتاب. وقد ظهرت طبعته الأولى بفاس، سنة ١٩١١. وكان ذلك عشية الاحتلال الفرنسي للمغرب. فهدف الكتاب إذن هو خدمة التجار الجزائريين (الكولون؟) والمغاربة، وإطلاعهم على الأساليب والمعاملات التجارية الجديدة. وكان بعض زملاء ابن وطاف قد نشروا المعاجم الدارجة أيضا بهدف تسهيل التجارة والاتصال، وذهب آخرون إلى المغرب بقصد دراسة اللهجات والطرق الصوفية والمخطوطات والجاليات، وأيضا الجوسسة. ومهما كان الأمر، فإن مؤلف الكتاب وضعه على مقدمة وثلاثة أقسام. الأول في القانون التجاري الفرنسي، وهو بيت القصيد، لأن المعاملات كانت

стр. 3226

لا تتم إلا به. والثاني في مسك الدفاتر والحسابات. والثالث في المراسلات التجارية. وقد عايش ابن وطاف طويلا بعد نشر كتابه، مما يدل على أنه كان في مقتبل عمره سنة ١٩١١. وربما كان من خريجي إحدى المدارس الرسمية الثلاث بالجزائر (١). ٢٤ - مطالع الأنوار في حكم الاحتكار: تأليف إدريس بن محفوظ الدلسي، وقد كان من المهاجرين إلى تونس، ولا نعلم عن التأليف سوى أنه في المعاملات في المال مع غير المسلمين. ولعله يشبه كتاب المشرفي سابق الذكر (ورقات في رواج السكة بالزيادة). ولا ندري إن كان التأليف مطبوعا. ٢٥ - تبيان الإجمال في مقاصد الاحتلال: لنفس المؤلف (الدلسي). وهو الاحتلال الفرنسي لتونس، مع بيان فساد السياسة الفرنسية. وقد جعله على مقدمة وخمسة فصول وخاتمة. ٢٦ - تحرير البيان في الرفق بالحيوان: تأليف الدلسي سابق الذكر. نشره ابنه بعد وفاته. وهو رسالة صغيرة. وموضوعه يدل عليه عنوانه (٢). ٢٧ - رسالة في الأوبئة والجوائح: تأليف القاضي المسيسني الصدوقي. وهو من مواليد ١٢٤١ بنواحي صدوق. ودرس في الزوايا بالمنطقة وتفقه في الفرائض ثم تولى التدريس في الزوايا ومنها زاوية سيدي موسى ببني وغليس التي بقي بها حوالي أربعة عشر عاما. وبعدها تفرغ للتدريس في بيته في سيدي عيش. وكان ماهرا في فهم وتدريس مختصر الشيخ خليل في الفقه. ونعرف أنه ولد عشية الاحتلال الفرنسي وأن نموه ونشاطه صادف توسع وسيطرة هذا الاحتلال لا سيما في منطقة زواوة حيث الطريقة الرحمانية كانت متصدية للاحتلال مدة طويلة. وقد ورثت زاوية

стр. 3227

صدوق البركة من زاوية آيت إسماعيل على عهد الشيخ الحداد الصدوقي خلال الستينات من القرن الماضي. ومن جهة أخرى نذكر أن عائلة المسيسني كانت مستوطنة في العاصمة أيضا في آخر العهد العثماني، وقد وجدنا لها بعض العناصر المتنفذة في السلك الديني (١). ويذهب بعض الباحثين إلى أن القاضي المسيسني قد عاصر الجوائح التي حلت بالجزائر خلال الستينات (١٨٦٧ - ١٨٦٨) وترتبت عليها وفيات كثيرة، ومنها الجراد والجفاف والوباء. وربما ألف المسيسني كتابا في الموضوع وصف فيه أثر الجوائح على الشعب الذي كان يموت بالآلاف في الطرقات والمداشر. فقد عثر بعض أحفاده على أوراق قد تكون من كتاب ألفه، وتحدث فيها عن غلاء الأسعار والأمراض والجوع نتيجة الجوائح التي ذكرناها. كما وصف محاولة الناس طرد الجراد، ونكبة الجفاف وأداء صلوات الاستسقاء، وحمل المتصدقين للطعام إلى المساجد والأضرحة لعل المطر ينزل. كما وصف ما حل بالمواشي من الهزال حتى أصبحت تباع بأبخس الأثمان. وفي سنة ١٨٦٨ (١٢٦٤) فقد البذر، وحل الغبار في الأسواق فانتشر الوباء. وقد ذكر المسيسني المراسي التي كانت بها الحبوب وأسعارها. ومن نتائج هذه الجوائح بيع الناس أطفالهم وتعرض النساء للزنا للحصول على القوت، وما حل بالناس من الوفيات إذ بلغ العدد في ولاية العاصمة عندئذ ٢٤٠ ألف ميت، بناء عليه. وقد نوه الشيخ بدور الزوايا عندئذ مثل زاوية صدوق (٢). وتوفي المسيسني بمسقط رأسه، سنة ١٣٠٥. وهو كما ترى معاصر لمحمد الصالح بن العنتري مؤلف (رسالة القحط) التي تناول فيها أيضا موضوع الجوائح، ولكن العنتري أكبر منه سنا. ٢٨ - صيانة الرياسة في القضاء والسياسة: تأليف محمد بن محمود بن العنابي. ألفه في مصر في عهد محمد علي باشا. وأراد به توحيد الأحكام

стр. 3228

طبقا للمذاهب الأربعة في مسائل التجارة والعقارات وما إليها قطعا لتلاعب المتقاضين وتسهيلا على القضاة وخدمة لسياسة الدولة وقوانينها. وتعتبر محاولة رائدة بالنسبة للمؤلف والوالي محمد علي. وقد درسا الكتاب في كتابنا (رائد التجديد الإسلامي) بعد أن حصلنا منه على نسخة نسخها لنا بخطه السيد فرج محمود فرج المصري، وأصل المخطوط في مكتبة الإسكندرية حيث كان ابن العنابي مفتيا (١). ... عرفنا أن الكتابات الجزائرية بالفرنسية لم تظهر إلا ابتداء من الثمانينات. وكان ظهورها قد تمثل في العرائض والمقالات الصحافية وبعض المحاضرات. وقلما ظهرت كتب ذات قيمة تعالج موضوعا بعينه. وقد تحدثنا عن ظهور أعمال في اللغة والتاريخ والفولكلور. أما الكتب السياسية والبحوث ذات الرأي في أوضاع الجزائريين ومستقبلهم، فقد ظهرت في معظمها بعد الحرب الأولى، وكان أصحابها عادة من الاندماجيين، وكانت تتصدرهم طائفة قليلة من المعلمين مثل الزناتي وصوالح والفاسي، والسياسيين مثل الأمير خالد وفرحات عباس. ومن كتب الرأي أيضا ما ألفه إسماعيل حامد والشريف بن حبيلس قبل الحرب الأولى، ولكن حجم هذه الكتابات ظل ضئيلا إذا نظرنا إلى مدة الاستعمار الفرنسي. أما بعد الحرب العالمية الثانية فقد أنتج عدد من الاندماجيين والسياسيين كتيبات ذات طابع اجتماعي وسياسي تمس القضية الجزائرية ومستقبل البلاد. وهي على العموم كانت كتيبات لا تعكس ما عليه المجتمع من توتر وتطلع إلى الحرية ولا المستوى الفكري الذي عليه المثقفون بالفرنسية. ولا بد أن نستثني من ذلك الانتاج الأدبي بالفرنسية، كما سبقت الإشارة (٢)، وكذلك مؤلفات مالك بن نبي. وها نحن نذكر نماذج من الكتابات الاجتماعية والسياسية وما قاربها

стр. 3229

مما ألفه الاندماجيون منذ مطلع هذا القرن. ٢٩ - المسلمون الفرنسيون في شمال افريقية: تأليف إسماعيل حامد. وقد اشتغل مترجما عسكريا لدى قيادة الأركان الفرنسية. ومن المؤمنين بدور النخبة المتفرنسة. وكان من دعاة قابلية الجزائريين للاندماج والتعلم والتقارب مع الفرنسيين، أثناء موجة قادها الكولون وأنصارهم بعكس ذلك. فقد كان هؤلاء يقولون إن الجزائريين غير قابلين للتعلم والاندماج لأنهم متعصبون ومعارضون للتقدم. وكان كتاب (المسلمون الفرنسيون) يحاول تكذيب هذه الأطروحة. فالجزائريون تزوجوا بفرنسيات، وتجنس منهم البعض، وأظهر من درسوا في المدارس الفرنسية تسامحهم الديني والسياسي، ولم يعد الجزائريون متعصبين حتى أن الممارسات الدينية أصبحت عندهم، في دعواه، ضعيفة، وقل عدد الحجاج، وأول من تعامل مع الفرنسيين هم رجال الدين الخ. وقد ذكر أسماء عدد من الكتاب بالفرنسية مثل الطيب مرسلي ومحمد بن رحال. وهناك في نظره صحافيون ومحامون ومترجمون وعسكريون وأساتذة. وكلهم من الاندماجيين (النخبة) الذين برهنوا على ولائهم للفرنسيين واستعدادهم للتعامل معهم لو وجدوا إلى ذلك سبيلا. وقد كتب إسماعيل حامد أبحاثا أخرى تسير في نفس الخط (١). وكان يقول: إنه لا يوجد دين أكثر تسامحا من الإسلام ولا شعب أكثر تسامحا من المسلمين. وكان ألفريد لوشاتلييه، أستاذ علم الاجتماع الإسلامي في الكوليج دي فرانس، هو الذي قدم كتاب حامد المذكور. وقد وجدنا الأمير شكيب أرسلان في العشرينات يستشهد منه ببعض الآراء، عندما كان يعلق على كتاب لوثروب (حاضرالعالم الإسلامي) (٢).

стр. 3230

٣٠ - الجزائر الفرنسية كما يراها أهلي: تأليف الشريف بن حبيلس، وهو مجموعة آراء وملاحظات جمعها المؤلف ونشرها سنة ١٩١٤. وقد جاء الكتاب على لسان الاندماجيين الذين منهم حامد وابن التهامي وبوضربة ومرسلي. وفي الكتاب أصداء هذه الفئة التي تبنت التجنيد الإجباري إذا كان يحقق المطالب السياسية والمساواة بين الجزائريين والفرنسيين. والمؤلف واحد منهم. وقد رجعنا إلى هذا الكتاب بكثرة عند تحريرنا للحركة الوطنية، ج ٢. ٣١ - المجتمع الأهلي في أفريقية الشمالية: تأليف محمد صوالح. منذ تم احتلال الأجزاء الثلاثة لبلدان المغرب العربي اليوم، انطلق بعض الكتاب يضربون على نفس الوتيرة ويؤكدون على الاستعداد للاندماج والمشاركة أمام تعنت الفرنسيين ورفضهم الاعتراف بالمساواة بينهم وبين الجزائريين - وكل سكان المنطقة -. وعبارات (المجتمع الأهلي) و (شمال افريقية) هي نفسها من مبتكرات الاستعمار الفرنسي. وقد كانوا من قبل يسمون الجزائر (إفريقية). أما المؤلف فقد كان من الاندماجيين أيضا، وتدرج في سلك التعليم حتى حصل على الدكتوراه، وشارك في الحرب الأولى، وألف أعمالا حول المجتمع من وجهة نظر استشراقية أو كانت تخدم الاستشراق الفرنسي، كالحديث عن عادات الناس في رمضان، وعن الشعر الشعبي، واللهجات. وكان كتابه الذي نحن بصدده من أواخر ما صدر له، وقد توسع فيه لكي يشمل الجزائر وتونس والمغرب وحتى الصحراء، ونشره سنة ١٩٣٤. والظاهر أنه أعده لكي يكون كتابا مدرسيا. فقد قال عنه متن راجعه أنه هدف من ورائه إلى تحقيق رغبة مدير التربية الفرنسي في الجزائر - وهو جورج هاردي - الذي حث على ضرورة وضع المجتمع الأهلي بين أيدي تلاميذ المدارس. ولذلك جاء كتاب صوالح مقسما على النحو التالي: الجزء الأول في أصناف المجتمع، والتجمعات والملامح والأساطير والأمثال. والجزء

стр. 3231

الثاني في نمط الحياة العامة والعادات والتقاليد والنظم والحكايات. والجزء الثالث في الاتجاه نحو المستقبل والعمل المنتظر من فرنسا وتطور المجتمع الأهلي. وتضمن كل فصل مجموعة من الصور. واعتبر المراجعون هذا الكتاب مجموعة من النصوص الموجهة لتلاميذ المدارس الفرنسية (١). وأساس الكتاب هو ما يمكن أن نسميه علم الاجتماع المغاربي، ولكن بانطلاقة ورؤية فرنسية. ٣٢ - الشاب الجزائري: ألفه فرحات عباس. وهو مجموعة مقالات كان قد نشرها باسم مستعار خلال العشرينات في جريدة (التقدم) التي أنشأها بلقاسم بن التهامي، زعيم الاندماجيين عندئذ وخصم الأمير خالد في الانتخابات المحلية. و (الجزائري) في عنوان الكتاب تشمل الشباب المسلم والفرنسي. وكان صدور الكتاب أثناء الاحتفال بمائة عام على الاحتلال قد جعل له صدى خاصا، وفيه يعكس فرحات عباس وجهة نظره كشاب يطمح إلى أن يلعب دورا في الحياة السياسية ويكون لسان الفئة الاندماجية. ولكن السنوات غيرت رأيه وتطور من الرجل الاندماجي إلى الزعيم الاستقلالي (٢). ٣٣ - رسائل جزائرية: كتبها حسني لحمق. وهي رسائل سياسية، أدبية. عبر فيها المؤلف عن نقده للإسلام والعروبة وعن قناعته برومنة وفرنسة الجزائر وأهلها. وقد أثار كتابه ردود فعل من جانب الحركة الإصلاحية والوطنية إذ اعتبر لحمق مرتدا ومنحرفا عن خط المجتمع الجزائري. وكان في الواقع ضحية أخرى من ضحايا المدرسة التنصيرية والاستشراقية التي وسوست عقول أمثاله من الجزائريين (٣). وكان فرحات عباس منهم عندما

стр. 3232

نفى وجود أمة جزائرية ووطن. ٣٤ - الجزائر تحت الرعاية الفرنسية ضد الاقطاعية الجزائرية، تأليف سعيد الفاسي، سنة ١٩٣٦. ظهور مالك بن بني يمثل مالك بن نبي مدرسة فكرية مستقلة بين المدارس الفكرية التي عرفتها الجزائر منذ الحرب العالمية الأولى. فلا هو من تيار المدرسة الاستعمارية التي نشأ فيها أمثاله وأخذوا علمها ولغتها، أي أولئك النخبة الاندماجية أو النخبة الإسلامية التي رضيت بالوظيف بعد التخرج واكتفت بما تطعمها به الإدارة الفرنسية. ولا هو من تيار المدرسة السياسية التي أنشأها الأمير خالد ثم نجم الشمال الإفريقي ثم حزب الشعب، إذ كان ابن نبي كثير النقد لهذه المدرسة ولا سيما أثناء زعامة مصالي الحاج لها. ولم يكن ابن نبي من التيار السياسي الآخر الذي بناه الدكتور ابن جلول وفرحات عباس لأن هؤلاء كانوا في نظره فوقانيين ومنحرفين، ومن ثمة كان أيضا كثير النقد لهم. ورغم أنه كان يحس بالطبيعة أنه من تلاميذ مدرسة ابن باديس فإنه كان أيضا بعيدا عنهم لضيق مجالهم وتخليهم عن دورهم الأساسي في نظره ثم لسذاجتهم. وهكذا كان ابن نبي كثير النقد للمدرسة الإصلاحية أيضا، ولم يسلم من نقده لا ابن باديس ولا العقبي ولا التبسي. ولذلك قلنا إنه كان مستقل الفكر ويمثل مدرسة على حدة. ينتمي ابن نبي إلى بيئة مزدوجة. ففي قسنطينة حيث ولد سنة ١٩٠٥، كان يجد حياة المدينة العربية الإسلامية من جهة والمدينة الأوروبية من جهة أخرى. وفي تبسة حيث أصول والدته وحيث درس المرحلة الابتدائية، وجد ألفي سنة من تاريخ الجزائر ممثلة في بقايا الآثار الرومانية وفي الزوايا الصوفية. وفي تبسة أيضا نفس الازدواجية التي لقسنطينة حيث الحضارة والبداوة. ويمثل البداوة قبائل النمامشة وأولاد سيدي يحيى وأولاد سيدي

стр. 3233

عبيد. بينما المعالم الأوروبية تتمثل في مدرسة السيدة بيل والبلدية المختلطة ومسجلات الأغاني العصرية. وفي هذه الازدواجية الضاربة في العمق كان المجتمع الجزائري يشهد تحولات كثيرة، فعائلات قسنطينة الغنية كانت (تتصعلك) - حسب تعبير ابن نبي نفسه - وتترك مكانها لعناصر جديدة لا تتورع عن شرب الخمر وممارسة القمار والتخلي عن الملابس المطرزة والطرابيش. إنها عائلات أخذت تفقد أصالتها وتقبل على تقليد الأوروبيين. أما الفقراء فقد كانوا يزدادون فقرا لانتزاع أراضيهم وإعطائها إلى الكولون ولتطبيق قوانين الأندجينا في الغابات والرعي وفقدان التوازن بين المدينة والريف. أما في تبسة فالتحول كان يظهر في أيام الأسواق وجلسات المقاهي وزيارات المسؤولين من جهة، كما يظهر في المظالم التي تجري خارج أسوار المدينة الصغيرة وحيث تبدأ حياة الريف الحقيقية. وزيادة في هذا التناقض والازدواجية كانت جدتا امن نبي ترويان له في صغره ما حل بهم أثناء هجوم الاستعمار الفرنسي على قسنطينة وعلى تبسة وما أصاب العائلات والبنات من هلع وخوف ومن سلب ونهب ومن تشريد وضياع، فكانت الصورة التي تكونت عند ابن نبي وهو في طفولته أن الجزائر مغتصبة وأن الذي اغتصبها هو الفكر الآخر. وأن قومه كانت تنقصهم معرفة وفهم أنفسهم أولاد ثم معرفة وفهم ذلك الفكر الآخر نفسه. بعد التعلم الابتدائي في تبسة في المدرسة الفرنسية الوحيدة، وفي الكتاب القرآني الذي لم يتجاوز فيه سورة (سبح لله) رجع ابن نبي إلى قسنطينة ليواصل تعلمه في المدرسة الفرنسية الوحيدة أيضا والمفتوحة بقيود لأبناء الجزائريين (الأهالي) الذين يرغبون في التوظف لدى الإدارة الفرنسية في مجالات القضاء أو التعليم أو الترجمة. وهذه المدرسة كانت تستقبل حتى إلى أوائل هذا القرن أبناء الموظفين في تلك الاختصاصات وأبناء القياد وقدماء المحاربين. ويخبرنا ابن نبي بأن والده كان موظفا في البلدية المختلطة في تبسة وكان صديقا للحاكم الفرنسي (المتصرف الإداري). ومن أجل ذلك حصل

стр. 3234

على مقعد في مدرسة قسنطينة الرسمية. ولم يكن ابن نبي دون المستوى، فقد كان ذكيا شديد الملاحظة وكثير الطموح. ولكن هذه الميزات لم تكن بالضرورة من المرشحات للدراسة عندئذ، سيما الدراسة الداخلية. ومن المفهوم أنه بقي في تبسة طيلة الحرب العالمية الأولى، لأنه لم يبدأ الدراسة في قسنطينة إلا سنة ١٩٢١. كان عمره عندئذ خمسة عشر عاما، وآثار الحرب قد تركت بصماتها السياسية والفكرية المعروفة، غير أن قسنطينة كانت عند دخوله المدرسة تعرف نشاطا جديدا كغيرها من سائر المدن. ظهرت فيها جريدة (النجاح) وحركة ابن باديس التعليمية، وكانت تصلها جرائد تونس بالعربية. وكانت مقاهيها وساحاتها تضج بالحديث عن السياسة والفن والزعامات وحركة الأمير خالد ومسألة الخلافة الإسلامية. ولم يلبث ابن باديس أن أنشأ في قسنطينة جريدة المنتقد ثم الشهاب، ثم صدى تدخلات محمد بن رحال (الخارقة) مطالبا بتعليم اللغة العربية، وقيادة الشيخ الثعالبي في تونس. قضى ابن نبي أربع سنوات (١٩٢١ - ١٩٢٥) في مدرسة قسنطينة التي كانت تحت إدارة دورنون، ذلك المستشرق الفرنسي الخبير بشؤون الأهالي. وكان دورنون يقوم بالتدريس أيضا، وكان يفتش جميع (دروس) المدرسين المسلمين في المساجد في ولاية قسنطينة ويقدم بشأنهم التقارير لإدارة التعليم في الجزائر. ويقول عنه ابن نبي إنه كان استعماريا حقودا، وإنه كان يفضل الطلبة (الأهالي) الخاملين، ويتوجس من الأذكياء ويعدهم في صف (الشبان الأتراك) الذين كان يطاردهم، ويتهمهم بالشيوعية تارة وبمعاداة فرنسا تارة أخرى. وقد تعرض ابن نبي على يديه إلى عدة مضايقات. وكان يساعده على أداء مهمته الاستعمارية أحد (لشواش) الجزائريين الخبثاء. ومن شيوخ المدرسة تلاميذ عبد القادر المجاوي، وعلى رأسهم ابن الموهوب الذي أثر في ابن نبي واعترف بفضله، وكان ابن الموهوب في هذه المرحلة من زعماء الإصلاح، ومنهم أيضا محمد بن العابد الجلالي صاحب (تقويم الأخلاق) الذي لم ينجذب ابن نبي إلى دروسه رغم أنه كان يدرسهم الفقه والأخلاق.

стр. 3235

ولكن الشيخ عبد المجيد قد أثر فيه أيضا لإخلاصه ولأنه اكتشف أنه كان يعادي الاستعمار ويبحث أفكارا متنورة. تحدث ابن نبي في عدة مناسبات عن آثار رجلين في الحياة العامة بكل من قسنطينة وتبسة أوائل القرن. الرجل الأول هو محمد الصالح بن مهنة الذي كان مدرسا في أحد مساجد قسنطينة منذ الثمانينات من القرن الماضي، وكان ميالا إلى الإصلاح الذي ربما اعتنقه في المشرق عند دراسته بالأزهر، ولكنه كان مصلحا معتدلا، ظهر ذلك في كتبه التي تجمع بين الحديث عن التصوف وعن تحرير العقل. وقد أثار زوبعة في آخر القرن الماضي عندما تعرض لمسألة الأشراف وقال إنهم يحاسبون عن أعمالهم مثل كل الناس وأنهم غير معصومين. وقد تحدث ابن نبي عن صدى دعوة ابن مهنة في قسنطينة أثناء طفولته وربما بقي ذلك إلى تخرجه من المدرسة سنة ١٩٢٥. أما الرجل الثاني فهو عباس بن حمانة الذي ترك بصماته على الحياة السياسية والاصلاحية في تبسة أوائل هذا القرن. وكان عباس من المتنورين ومن الرجال المتسيسين الذين لهم صوت في مسألة التجنيد الإجباري سنة ١٩١٢. وقد شارك في الوفد الذي توجه إلى فرنسا مطالبا بحقوق الجزائريين. ومن سوء حظه أنه كان في مدينة صغيرة هي تبسة. فكان مستهدفا من الإدارة والكولون هناك لأنه معروف ووحيد تقريبا. ثم إنه أسس مدرسة عربية عصرية كانت الأولى من نوعها في القطر كله وجلب إليها الأساتذة من تونس. ولكن الحاكم الفرنسي هناك وأعوانه لم يغفروا له هذا النشاط فكادوا له وقتل في ظرف غامض. ولكن أثره ظل حيا وقصته ظلت تروى عبرة للسياسيين والمصلحين معا. وطالما ردد ابن نبي هذه الحادثة في كتاباته. بين ١٩٢٥ - ١٩٣٠، لم يستقر ابن نبي على عمل معين، فقد كانت رأسه مفعمة بالأفكار وقلبه مليئا بالأحلام، مثل كل الشبان الأذكياء ذوي الهمم القعساء، ولكنه كان مثل المتنبي يرى (الليالي من خصومه). زار مدينة

стр. 3236

الجزائر كما زار فرنسا زيارات قصيرة زادت من قناعاته بخطر الاستعمار والتمييز العنصري. وعمل فترة في تبسة ثم في آفلو بالجنوب الغربي من الجزائر. وكل هذه الأعمال كشفت له عن حقائق مذهلة: جبروت الاستعمار وذلة الأهالي، وتناقض الشخصيات الموظفة ونفاقها: فالقاضي كان سكيرا، ورجل الطريقة الصوفية كان دجالا، والناس يغيرون جلودهم كل يوم، فهذا يتحول من مفسد إلى مصلح، وذلك عربيد ولكن قلبه نقي كالثلج، وهذا يتظاهر بما ليس فيه فهو وطني من جهة ومخبر للإدارة الاستعمارية من جهة أخرى. وهناك التنافس الحقير بين رجال الدين الرسميين ورجال الدين الأحرار ورجال التصوف. ولا تسأل عن نفاق الزعماء السياسيين سواء كانوا من مدرسة الاندماج أو من مدرسة الاستقلال. ولكن ابن نبي وجد عزاءه في صفاء النفس لدى المواطنين العاديين وبساطة عيشهم وبقائهم على الفطرة في حديثهم وكرمهم وسلوكهم. إنه المواطن نفسه في ريف تبسة وفي ريف آفلو. ذلك الإنسان الذي رغم ما أصابه من ظلم وتعسف من الإدارة الفرنسية ما يزال محتفظا برصيده الأخلاقي والتراثي والإنساني. ومع الاحتفال الفرنسي بالذكرى المائوية للاحتلال (١٩٣٠) غادر ابن نبي الجزائر إلى فرنسا ليدرس. وقد ترك أهله ووطنه واغترب معتقدا أن فرنسا بلد ثورة ١٧٨٩، كما كان يعتقد فرحات عباس وأمثاله. فإذا كل ذلك كان حكايات في الكتب المدرسية والخيال، أما الواقع فقد كان يعامله كأهلي من (المستعمرة) الجزائر. كشفت له عن ذلك الامتحانات والمسابقات التي كان يشارك فيها والنشاط الذي كان يقوم به في الجمعيات والنوادي. ولكن شخصيته كانت تتكون من كل هذه المكونات. درس في النهاية بمدرسة اللاسلكي. وتزوج من فرنسية اعتنقت الإسلام وتسمت باسم (خديجة). وشارك في أنشطة طلبة شمال افريقية. واكتشف العالم الآخر من خلال شخصية المستشرق ماسينيون الذي وظفته دولته ليكون عينها على أبناء المستعمرات وعلى القضايا العربية والإسلامية، ومن خلال أولئك الانشقاقيين الجزائريين الذين باعوا أنفسهم

стр. 3237

(حسب تعبيره) للشيطان، فتنصر منهم من تنصر انتهازية منهم من أجل منصب أو جاه، مثل حنوز، واعتنق منهم من اعتنق مذهب (البربرية) ومعاداة الإسلام مثل حسني لحمق وعمار نارون. واكتشف ابن نبي عالما آخر من خلال منتدى الوحدة المسيحية الذي اشترك فيه وأكل مع أصحابه وشاركهم في نشاطهم. وفي نفس الوقت كان على صلة بالطلبة المغاربة والمشارقة، وهم زعماء المستقبل في المنطقة سياسيا وفكريا. فهناك أحمد بن ميلاد والهادي نويرة وصالح بن يوسف والحبيب ثامر من تونس ومحمد الفاسي وأحمد بلا فريج من المغرب، ومن رفقائه الجزائريين الذين أثروا عليه حمودة بن الساعي الذي بفضله اهتم ابن نبي بدراسة الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع. أما من المشارقة فقد عرف ابن نبي، فريد زين الدين وعبد اللطيف دراز. كما عرف الأمير شكيب أرسلان وأشاد بنشاطه. وفي هذا الجو كان ابن نبي يتفاعل. كان يعتبر نفسه (ممثلا) لجمعية العلماء والتيار الإصلاحي رغم أن الجمعية لم تعينه ممثلا عنها وأرسلت بدلا عنه رجالها من نوع الفضيل الورثلاني والسعيد صالحي. وصعق ابن نبي عندما شاركت جمعية العلماء في المؤتمر الإسلامي (١٩٣٦)، وجاء وفد منها إلى فرنسا مع ابن جلول وفرحات عباس وابن الحاج. وذهب ابن نبي لزيارة وفد العلماء، وفيهم ابن باديس والعقبي والإبراهيمي، وسألهم باستغراب ماذا يفعلون هناك. وهم في نظره قد وقعوا في فخ السياسة الاستعمارية، وكان الأولى بهم البقاء في أماكنهم وبث رسالتهم في الشعب. كما انتقد ابن نبي نقدا لاذعا مصالي الحاج وتحدث عنه بسخرية مرة، ووصفه (بالزعيم)، لأن مصالي كان مهتما بالزعامة أكثر من اهتمامه بالحق الشرعي للشعب. وتطلع ابن نبي خلال الثلاثينات إلى الهجرة إلى المشرق، فحاول السعودية ومصر، ولكن جهوده باءت بالفشل، واعتقد أن (أيادي خفية)، بالإضافة إلى الجهل والتبعية، كانت وراء عدم حصوله على التأشيرة. ومن الممكن القول بأن شخصية ابن نبي تكونت خلال العشرينات

стр. 3238

والثلاثينات، تكونت في الجزائر في المدرسة الاستعمارية بتبسة وقسنطينة، وفي المدرسة الشعبية بأرياف آفلو وتبسة، وفي حارات قسنطينة والجزائر العربية. ثم تكونت في فرنسا من خلال مدرسة اللاسلكي والمشاركة في الأنشطة الطلابية والسياسية. وفي نفس الوقت جرت أبرز الأحداث التي تركت بصماتها على تفكيره خلال العقدين المذكورين: آثار الحرب الأولى، وسقوط الخلافة، والأزمة الاقتصادية الدولية، وظهور الفاشية والنازية، وميلاد الجبهة الشعبية، والمؤتمر الإسلامي الجزائري، وأخيرا الحرب العالمية الثانية. لم يقطع ابن نبي خلال الثلاثينات عن زيارة الجزائر، فقد كان يتردد عليها خلال الصيف. وفي إحدى الزيارات علم بوفاة والدته. ولكنه منذ ١٩٣٩، غادر الجزائر إلى فرنسا، ويبدو أنه لم يرجع إليها إلا بعد نهاية الحرب. ولا ندري تفاصيل حياته بين ١٩٣٩ - ١٩٤٦. ولكن من المؤكد أنه أقبل على البحث والتعمق في الكتب الإسلامية، وهو الجهد الذي ظهر أثره في كتابيه الظاهرة القرآنية وشروط النهضة. قرأ ابن نبي كثيرا من الكتب. كان يبالغ في المطالعة في الكتب الأدبية والتاريخية والفكرية. وسواء كانت الكتب عن الإسلام وحضارته أو عن الفكر البشري عموما، فالرجل كان يلتهم الأفكار ويحتفظ بها لوقت الحاجة. وفي مذكراته نعلم أنه تأثر منذ صغره بمجموعة من المؤلفات. ومنها رسالة التوحيد للشيخ عبده، والإفلاس المعنوي للسياسة الغربية في الشرق، لأحمد رضا، وفي ظل الإسلام لايبر هاردت. ومنها كتب فرنسية وأوروبية وأمريكية عديدة، أمثال لوتي، وفارير، ولامرتين، وشاتوبريان من الفرنسيين، وجون ديوي الأمريكي، ولا شك أنه قرأ أيضا فرويد وماكس ويبر وريان وداروين. وقد ذكر أنه تأثر بطاغور الهندي، ولعله درس أيضا آثار محمد إقبال. ولكنه عب من التراث العربي الإسلامي كثيرا، وقد ظهر ذلك من مصادر كتبه الأولى. وفي نفس الوقت كان يقرأ جريدة الحزب الشيوعي الفرنسي (الإنسانية)، والكفاح الاجتماعي، والجرائد العربية سواء تلك التي تصدر من تونس أو من الجزائر، وكذلك جريدة (الأمة العربية) لشكيب أرسلان. وكما

стр. 3239

تشبع ابن نبي بالفكر الإصلاحي تشبع أيضا بالفكر القومي فآمن بالوحدة العربية وحارب الانشقاق، وكان يحضر جلسات في مقهى يستمع إلى الطلبة يلقون قصائدهم في تمجيد العرب. وتغلب على كتبه مسحة الأسلوب الأدبي والتحليل العلمي معا. ويقول ابن نبي عن نفسه إنه كان وطنيا، ولكنه لم يكن منتميا إلى هيئة أو حزب. وهكذا احتفظ باستقلاله الفكري وحرية النقد. ولكن استقلاليته وحريته لم ترضيا كل الناس، وربما جلبتا له المتاعب. إن تمرده الظاهري على اللباس التقليدي (وهو في تبسة وقسنطينة) ومغامرة الأولى في فرنسا، وزواجه من فرنسية، وانضمامه إلى منتدى الوحدة المسيحية، واختلاطه بشباب من الفرنسيين واليهود، وأخذه من الأفكار دون تمييز، وقراءته الإنجيل وغيره منذ وقت مبكر، وعيشه في بيئة فرنسية، أحيانا في الريف وأحيانا بالمدن، وصداقته لأشخاص هويتهم غير معروفة مثل جو كلاري (محمد الشريف) الفرنسي الذي قيل إنه اعتنق الإسلام، واختيار ابن نبي العيش في فرنسا أيام تبدل الأيدي عليها (١٩٤٠ - ١٩٤٥)، كل ذلك يجعل دارسي ابن نبي يتوقفون ويتساءلون قبل أن يصدروا أحكامهم. وعندما حل ابن نبي بالقاهرة سنة ١٩٥٦ حصل على حق اللجوء والإقامة. وأخذ يتفاعل مع أنشطة المؤتمر الإسلامي الذي كان يشرف عليه عندئذ أنور السادات. كما أن مصلحة الاستعلامات المصرية كانت تنشر كتبه. وكان ابن نبي عندئذ يعيش في حالة رعب خاص إذ كان يتصور، وهو في منزله بالمعادي (ضاحية بالقاهرة) أنه (مراقب) ليلا ونهارا. من المخابرات الأجنبية، ولا ندري إن كان ذلك حقيقة أو كان مجرد وسواس. ولكن حسبنا من هذه الفترة الإشارة إلى استقلاليته حتى في الوقت الذي اندمج كل الجزائريين الوطنيين في بوقتة واحدة وهي (جبهة التحرير) لمواجهة الخطر الذي يتهدد وجود بلادهم. ويعنينا هنا من كتبه تلك التي صدرت له قبل ١٩٥٤. وهي لبيك والظاهرة القرآنية وشروط النهضة. ويمكن أن نضيف رابعا، وهو في مهب

стр. 3240

المعركة، الذي قيل إنه جمع فيه مقالاته بين ١٩٤٦ - ١٩٥٤ في جريدة الجمهورية الجزائرية والشاب المسلم. وقد تعرضنا إلى كتبه في مكانها من الفصول. ويكننا أن نقول هنا فقط إن مصادر الظاهرة القرآنية تشير إلى عمق أفكاره الإسلامية وكثرة قراءته واستعداده لمعالجة موضوع هام كالإعجاز القرآني والنبوة والتوحيد بأسلوب تحليلي جديد على القارئ العربي المتعود عندئذ على سرد الحوادث وقلة النقد والأحكام المستعجلة والعامة. ومن أبرز ما جاء به ابن نبي في هذا الكتاب هو استخدامه التحليل النفسي في الموروث الديني. أما شروط النهضة فقد بناه على تجاربه في قراءة التاريخ الإسلامي عموما وتاريخ المغرب العربي خصوصا. فقد تعرض فيه إلى مراحل التاريخ الزاهرة والباهتة، ثم ركز فيه أحكامه على التيار الوطني وما فيه من تفريعات، وله بالطبع أحكامه الخاصة عندئذ في المدرسة الإصلاحية ومدرستي حزب الشعب وحزب البيان. وقد رأينا مقالاته التي نشرها في جريدة الشاب المسلم فكانت تعكس تفكيره التقدمي والوطني الذي يسير في اتجاه جمعية العلماء، وهي التي كانت تصدر هذه الجريدة بالفرنسية لتقديم الفكر الإسلامي (السلفي) إلى الشباب المتعلم في المدارس الفرنسية. إن لابن نبي نظرية خاصة به في مسيرة الحضارة الإنسانية، وقد خصها بعض الباحثين بدراسات شاملة ومقارنة مع نظريات أخرى قديمة ومعاصرة، مثل نظرية ابن خلدون ونظرية توينبي ونظرية شبنقلر. وابن نبي يؤمن بأن الخضارة تمر بدائرة وتعبرها عبورا جديا دائما، وكل حضارة تحافظ على نفسها باستجابة محددة من المتشابهات المتعاقبة وهذه المتشابهات تتألف من عناصر ثلاثة هي الإنسان والتراب والوقت. وكل مجتمع يمر حضاريا بمراحل ثلاثة هي قوة الدفع، وهي بالنسبة للحضارة الإسلامية عصر النبوة (فترة الحكم بالقرآن) والخلفاء الراشدين إلى معركة صفين. وشهدت المرحلة الثانية ازدهار الثقافة الإسلامية والحضارة، وهذه المرحلة قد استمرت، في نظره، إلى سقوط دولة الموحدين في المغرب العربي (القرن السابع الهجري)

стр. 3241

وتتمثل المرحلة الأخيرة في الجمود والانحطاط الذي أصاب الحضارة الإسلامية. وكان الهم الذي شغل ابن نبي هو البحث عن سبيل للخروج من هذا الانحطاط والجمود واستعادة دورة التاريخ الحضاري في جدليته الخالدة والبحث عن نقطة الانطلاق الجديدة. فدرس ابن نبي ظاهرة التخلف وقابلية الاستعمار، وحاول إيجاد سبيل للتغيير الذاتي بناء على الآية الكريمة: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾. ولعل ذلك يعني في نظره التخلص قبل كل شيء من (القابلية) للاستعمار والتخلف، ومواجهة ما يسميه بصراع الأفكار في العالم (١).

стр. 3242

الفصل الثالث العلوم التجريبية

стр. 3243

خصصنا هذا الفصل للطب وللعلوم بالمفهوم العام لها. فنتناول فيه ما أنتج الجزائريون في الطب والرياضيات والطبيعيات والفلك، وسنترجم لبعض الرواد منهم، وسنتحدث عن الطب الشعبي وعن جهود الفرنسيين في نشر نفوذهم عن طريق العلوم والعلاج الطبي، بما في ذلك رجال الدين منهم. وقد نصف نشأة مدرسة الطب وأوائل الجزائريين الذين دخلوها. ومدرسة العلوم وتطورها وأبرز المتخرجين من المدرستين. لقد لاحظنا في الجزء الثاني من هذه الموسوعة الثقافية أن علم الطب قد تخلف كثيرا، وأن الاكتفاء بالتداوي بالأعشاب واللجوء إلى ما سمي بالطب النبوي وكتابة الآيات القرآنية والحروز (الأحجبة) وما إليها، كان هو الشائع عند عامة الناس. ولاحظنا أن بعض المسؤولين من باشوات وبايات كان لهم بعض الأطباء من الأجانب يحتجزونهم بعد عمليات الأسر (أثناء الجهاد البحري) ويستفيدون من معارفهم الطبية. ومعنى ذلك أنهم لم يكونوا ضد الطب الأوروبي من حيث هو، وأنهم لم يكونوا خرافيين على كل حال (١). أما عامة الناس فقد كانت تلجأ إلى (الحكماء) المحليين أو العارفين بخصائص الأعشاب والعقاقير. ولكن أغلب العامة كانت تلجأ إلى الدراويش والسحرة الذين كانوا يعالجون بالتمائم والرقي والعزائم ونحوها. هذه الظاهرة لم تتغير فجأة بعد الاحتلال. فقد مضت عقود قبل أن يقتنع الناس بالتداوي لدى الأطباء الأوروبيين. ولكن القناعة بأن هؤلاء لا

стр. 3244

يملكون أسرار المهنة الطبية وقوة العلاج كانت موجودة منذ بداية الاحتلال، سواء عند الخاصة أو عند العامة. وإذا عدنا إلى وصف أدريان بيربروجر لتهافت الناس على الطبيب الفرنسي الذي كان ضمن الوفد الذي زار معسكر الأمير في الونوغة سنة ١٨٣٧، ندرك تمكن تلك القناعة حتى عند قادة المقاومة، أمثال الحاج سيدي السعدي. ولكن علينا الآن أن نتتبع تطور العقلية الجزائرية في ميدان الطب والعلوم والرياضيات أثناء فترة الاحتلال. الطب والتقاليد ومنذ البداية أحدث الفرنسيون ثورة في عالم الطب والعلاج. فرغم أن الدلائل تدل على وجود بقايا الطب القديم عند الجزائريين فإن الرأي العام كان يميل إلى أن الطب قد انتقل إلى الأوروبيين، كما لاحظ ذلك ابن العنابي في كتابه (السعي المحمود). والثورة التي أحدثها الفرنسيون تتمثل في عدة مظاهر. فهم قد نقلوا أطباءهم ووسائلهم إلى المراكز التي احتلوها من البلاد، وفتحوا المستشفيات العسكرية والمدنية والعيادات، وحاولوا التعرف على أمراض البلاد ووسائل علاجها بالطرق التقليدية، وأصدروا النصائح الطبية للأهالي وحثوهم على المداواة عندهم، وكانت مدرسة الطب من أول ما افتتحوا من المدارس العليا، وكان في كل مكتب عربي تقريبا طبيب ملازم. ولكن ردود الفعل عند الأهالي كانت مختلفة كما سترى. وتبين للفرنسيين منذ البداية أن البلاد كانت صحية بهوائها وقلة أمراضها ومناعة سكانها. فقد ذكر السيد جنتي دي بوسيه الذي حل بالجزائر حوالي ١٨٣٢ أنه سأل أوروبيين قطنوا الجزائر سنوات طويلة قبل الاحتلال فأجابوا جميعا بأنها بصفة عامة بلاد صحية وأنه باستثناء الأراضي القريبة من المستنقعات فإن الحمى الخطيرة غير معروفة تقريبا، وأن الطاعون ليس معديا، وله لم يتنقل أبدا عن طريق البر. وذكر من هؤلاء الأوروبيين: سولتز

стр. 3245

قنصل السويد في الجزائر، وقارنيه Garnet الذي تولى القضاء مدة طويلة، ومارتن الذي كان موثقا بالعاصمة. وثلاثتهم عاشوا في الجزائر أكثر من أربعين عاما. كما ذكر دي بوسيه أسماء أخرى أجابت نفس الإجابة، وهم: ابن زعموم الذي قال عنه إنه كان مسؤول قنصلية توسكانيا في الجزائر منذ أكثر من عشرين سنة، والتاجر بونيفال الذي كان مهتما بمسألة الطاعون والصحة، ثم ذكر الجراح العسكري الدكتور قيون Guyon الذي قام بأبحاث دقيقة حول الأمراض المعدية (١). وقد شملت الثورة الفرنسية في مجال الطب نشر الإحصاءات وإجراء التجارب، وترجمة الآثار الطبية الجزائرية والعربية عامة، وإصدار النشرات والبحوث وتبادل الخبرات، وغير ذلك. والذي يرجع إلى المجلدات التي صدرت بعنوان (المنشآت الفرنسية في الجزائر) سيجد فيها إحصاءات كثيرة مفيدة للغاية عن أحوال الصحة والأمراض والمستوصفات والمتداوين فيها. وهو تقليد لم تكن تعرفه الجزائر من قبل. حقيقة أن هذه الإحصاءات كانت تنصب في أغلبها على الأوروبيين، ولكن المرء سيجد فيها بيانات هامة عن الوضع الصحي في مختلف المناطق وعن الأهالي أيضا. وقد أصدر الفرنسيون منذ فاتح يناير ١٨٥٦ مجلة طبية باسم (الغازيت الطبية الجزائرية) ودامت أربعين سنة، وغطت الأخبار الطبية وبحوث العلماء والترجمات (٢). وفي هذه المجلة ترجم الدكتور بيرون رسالة في (الطب النبوي). كما ظهرت فيها ترجمة كتاب (الرحمة في الطب والحكمة) للسيوطي. وذكر لوسيان ليكليرك أن هذا الكتاب كان منتشرا بكثرة في الجزائر حتى أن بعضهم كان يضيف إليه (٣). كما أفادنا ليكليرك أن الفرنسيين

стр. 3246

وجدوا عدة كتب مخطوطة في الطب في الجزائر، لا سيما في قسنطينة مثل (تحفة الأريب عندما لا يحضر الطبيب) لمحمد الجيلاني، كما وجدوا رسالة في الطب لمحمد العياشي (أبو عبد الله). وقال إن كتاب داود الأنطاكي في الطب (التذكرة؟) كان كثير الانتشار في البلاد. وكان ليكليرك نفسه هو مكتشف آثار ابن حمادوش في الطب (١). إلى سنة ١٩٠٨ تقريبا كان الجزائريون مبتعدين عن الفرنسيين في مجال الطب ولا يقصدون حكماءهم للعلاج لأن فكرة العداء والخوف كانت هي المسيطرة. إن الثقة كانت مفقودة بين الطرفين. وهذا رغم قناعة الكثير من الجزائريين بمعرفة الفرنسيين لأسرار العلوم الطبية. لقد كان عامة الجزائريين يعرفون أن الفرنسيين قد ربطوا بين عناصر ثلاثة: الاستعمار والدين والطب (٢)، ولم يكن من السهل عند الجزائريين الفصل بين الطب وغيره من ظواهر الاستعمار، رغم أن الفرنسيين كانوا يعزون موقف الجزائريين من أطبائهم إلى التعصب. وفي هذه السنة (١٩٠٨) ألقى الدكتور ديركل محاضرة عن موقف العرب (الجزائريين) من الطب الفرنسي. فقال إنهم في نظره، يمرون على الحضارة الفرنسية (الطب منها) دون الالتفات إليها، فهم كالأشباح في العصور الوسطى. ونسب إلى الجزائريين الاعتماد على القدرية لأن كل شيء عندهم (مكتوب). وجاء الدكتور المذكور بنصوص قرآنية تؤكد كلامه في ظاهر الأمر. وأخبرنا أن الجزائريين ما يزالون يتعالجون بالأدوية المعروفة

стр. 3247

لديهم منذ قرون، مثل الحشائش والمشروبات وأنواع الثمار. وقد يطلب المريض منهم نصيحة حكيم تقليدي فيقترح عليه أكل شيء أو أخذ حمام، أو نحو ذلك. وليس هناك تلقائية عندهم لطلب الدواء من الحكيم الأوروبي. ولكن الدكتور ديركل أقر بأن الجزائريين قد أخذوا يغيرون من وضعهم ويقبلون بالتدرج على الطب الأوروبي. ولذلك نصح أن يتعلم الأطباء الفرنسيون لغة الأهالي لكسب ثقتهم (وقد فعل رجال الدين? المبشرون - ذلك)، ولاحظ أن الترجمة بين الحكيم والمريض لا تؤدي المقصود. وقد ربط ديركل بين صحة الشعب وحضارته إذ أن التأثير على الصحة يعني بالضرورة التأثير الحضاري عليه. والغريب أن ديركل لم ينصح بنشر الطب بين الشباب الجزائري لكي يعالج الجزائريون بعضهم بعضا. فاحتكار الطب كان من الظواهر الاستعمارية أيضا. وقد أقر ديركل أن هناك تقاليد اجتماعية، مثل دخول البيوت، لا بد من مراعاتها (١). وقبل أن نتحدث عن العلاج نذكر أنواع الأمراض التي كانت شائعة. وقد حاول الفرنسيون دراسة المجتمع الجزائري وحصر هذه الأمراض سواء من اختلاطهم بالشعب أو برجوعهم إلى النصوص المكتوبة مثل مؤلفات ابن حمادوش (القرن ١٨ م). ومن الأمراض التي كانت شائعة: الجدري الذي كان يشوه الوجوه ويتسبب في وفيات كثيرة، كما كان يتسبب في عاهات كالعمى والصمم. وكان ينتشر بطريقة العدوى. وكانت لهذا المرض أوقات ينتشر فيها أكثر من غيرها. ومنها الكوليرا، وكانت تظهر من وقت إلى آخر أيضا. وقد ادعى الفرنسيون أنها انتقلت إلى فرنسا من إيران، ثم من فرنسا إلى الجزائر، سنوات ١٨٤٩ - ١٨٥١. ففي السنة الأولى انتشر المرض في الولايات الثلاث وتسبب في وفيات كثيرة (٧٨٢ من ١٠٤٢ إصابة). وكثيرا ما ربط الفرنسيون بعض الأمراض بالحج، ولذلك كانوا يجدون سببا في منعه تماما تفاديا للعدوى. وقد ادعوا أن مرض الكوليرا سنة ١٨٥٠ قد انتشر من

стр. 3248

تونس وتسرب إلى المناطق الشرقية من الجزائر حتى تعطلت أسواق كثيرة خوفا من زيادة انتشاره. ففي بجاية ونواحيها أصيب بالكوليرا حوالي ٣٠٠٠ شخص. وفي سيدي عقبة جاء الوباء من تونس عن طريق وادي سوف فأصيب به حوالي ٣٨٥ شخص في سيدي عقبة وحدها. كما عانت منه بسكرة، ولكننا لا نعرف عدد الإصابات. وفي سنة ١٨٦٥ انتشر الجدري في الجزائر، ثم امتد إلى عدة نواح، منها زواوة. وخوفا من أن يستفحل أمره أمرت السلطات الفرنسية بتعلم طريقة علاجه عن طريق التلقيح، بينما كانت من قبل تدعى أن (الأهالي) غير قادرين على استيعاب علوم الطب والاستفادة منها. كما نشرت عن طريق جريدة (المبشر) الرسمية النصائح الطبية في تفادي مثل هذه الأمراض الخطرة وطريقة العلاج منها والحث على الاتصال بالأطباء الأوروبيين والتردد على المستشفيات (١). وكانت نكبة ١٨٦٧ (وباء ومجاعة ...) مدعاة للحديث عن الأمراض وزيادة الحاجة إلى العلاج، وظهر منها عدم استعداد الإدارة الفرنسية لمواجهة الأخطار المحدقة بالصحة العامة. فقد انتشرت الكوليرا بعنف نتيجة سوء الأحوال الاقتصادية (المجاعة نتيجة الجراد والجفاف، وبعض الزلازل). ولم تصب الكوليرا الأوربيين لحسن وضعهم الاقتصادي واتخاذهم أسباب الوقاية (٢). بالإضافة إلى مرضي الجدري والكوليرا، ظهرت الأمراض الجلدية، والإسهال، والحمى، وفقر الدم، ومرض المفاصل (الروماتيزم)، وأمراض الكبد والطحال، والمسالك البولية، والضعف الجنسي. ونضيف إلى ذلك أمراض العيون سيما في بعض المناطق الصحراوية، والتيفوس، والجنون، والحمق. أما أمراض النساء فمنها الإجهاض (الإسقاط)، ولاحظ بعض

стр. 3249

الدارسين أن المصابين ببعض الأمراض المذكورة لا يعيشون طويلا لأن المرض سرعان ما يقضي عليهم. ولا بد من الإشارة إلى أمراض أخرى كالصفير (بتضعيف الفاء)، والربو، والأورام، والهيستيريا، والصرع، والعقم، ولدغة الحشرات السامة كالعقارب والثعابين، ثم الكلب؛ وقد لاحظ الأطباء ندرة مرض الزهري بين الجزائريين، وكان من الأمراض التي أدخلها الفرنسيون معهم. وعقيدة الشعب في الطب والعلاج مع ذلك كانت قوية. ولكن الجهل جعلهم يتجهون إلى الاستعمالات التقليدية واللجوء إلى حكمائهم ومرابطيهم. كما أن احتكار الطب والعلاج من قبل الفرنسيين جعل الجزائريين لا يقصدون المستشفيات الفرنسية. وقد قيل إن الوزير الفرنسي المسؤول على الجزائر أمر سنة ١٨٤٩ بأن يوجه الأطباء الفرنسيون أنفسهم إلى بيوت الأهالي للعلاج دون مقابل. وكانت الوزارة تعتقد أن ذلك يساعد على التقارب مع الجزائريين ودمجهم في المجتمع الفرنسي. كما أن السلطات أنشأت دورا خاصة بالأيتام والعجزة ونشرت بينهم فكرة العلاج. ففي ١٨٤٩ كان حوالي ٦٠٠ طفل يتيم في هذه البيوت. وقد ازداد العدد كثيرا بعد جوائح ١٨٦٧. وشاركت الكنيسة بمؤسساتها الطبية في جلب الناس إلى النصرانية. ولارتباط الطب والعلاج بالسلطة الإدارية التي تجعل من العلاج وسيلة لنشر الحضارة وبالكنيسة التي تجعل من العلاج وسيلة للتنصير - كان الجزائريون يتوجسون خيفة من الاختلاط بالفرنسيين سواء في مجال العلاج أو في مجال التعليم. ولكن ذلك لا يعني المقاطعة المطلقة، كما رأينا. إن السلطات الفرنسية جعلت أيضا من العلاج الصحي وسيلة للمقارنة بين تأخر المسلمين وتقدم الفرنسيين، وبين بؤس العهد العثماني وسعادة العهد الفرنسي. وأمام تحفظ الجزائريين من تقديم أنفسهم لمعالجة الفرنسيين، لجأ هؤلاء إلى مختلف المغريات. من ذلك الإعلان على أن التلقيح طريقة يستعملها أمراء المسلمين مثل باشا مصر وسلطان اسطانبول، وكذلك

стр. 3250

العلماء. كما أعلن الفرنسيون عن مجانية العلاج، وأمروا أطباءهم بالتوجه مباشرة إلى بيوت الجزائريين، كما ذكرنا (١). كما أنشأ الفرنسيون مدرسة للطب سنة ١٨٥٧ بمدينة الجزائر وسمحوا لبعض أبناء الجزائر بدخولها. وسنتحدث عن هذه المدرسة بعد قليل. درس الفرنسيون الأحوال الصحية والتقاليد الطبية في الجزائر منذ الاحتلال. وتخصص بعضهم في ذلك باعتبارهم جزءا من المكاتب العربية التي سماها بعضهم (همزة الوصل) بينهم وبين الجزائريين. ومن هؤلاء الطبيب ايميل لويس بيرتيراند الذي نشر كتابا هاما سنة ١٨٥٥، بعد تجاربه حوالي عشر سنوات في الميدان، وسنعرض إليه، كما ظهرت مؤلفات أخرى تراثية أو خاصة بجهة من الجهات (٢). فنشر الدكتور رينو Raynaud كتابا عنوانه (شهر في الأوراس)، وآخر تحت عنوان (الأمراض الزهرية والجلدية لبربر الأوراس). وكذلك كتب الدكتور باريس Paris (فتح Trepanon الجمجمة عند أهل الأوراس). ومن جهته كتب الدكتور شالان Challan عملا عن (النظافة الصحية عند قبائل قلعة نابليون)، وألف الدكتور ريشار كتابا بعنوان (أسرار الشعب العربي). أما الدكتور ليكليرك فقد كتب عملا بعنوان (مهمة طبية في بلاد القبائل)، ولكن معظم أعماله الأخرى كرسها للتراث الطبي العربي، فنشر عن تاريخ الطب عند العرب جزئين، وترجم عدة أعمال أخرى. ومنها ترجمة ما تركه عبد الرزاق بن حمادوش. فقد كتب ليكليرك مقالة عنوانها (ملاحظات حول طبيب جزائري من القرن الثامن عشر وبعض التعميمات عن الطب والصيدلة الأهلية) (٣). وجاء فيها بمقدمة عن الطب في بجاية وغيرها من مخطوط كتاب الغبريني (عنوان الدراية). وذكر أن كتاب ابن البيطار والأنطاكي وابن حمادوش كانت منتشرة، وأنه عرف عن وجود نسخة من

стр. 3251

كتاب ابن حمادوش في العقاقير والأعشاب (وهي النسخة التي جاء بها بيربروجر إلى المكتبة العمومية الجديدة. واستخرج حياة ابن حمادوش من إشارات وردت في كتابه، وذكر ما توافق فيه مع ابن سينا والأنطاكي وما اختلف عنهما، والتجارب التي قلد فيها النصارى، وجاء بنماذج من مواد كتاب ابن حمادوش مثل البن، والدارسيني، والزئبق، والكنكينا. ثم ذكر قائمة بالأعشاب والعقاقير والأسواق المتوفرة فيها وباعتها من الجزائريين في وقته. والباعة هم بنو ميزاب والعرب الرحل (البدو) والزواوة (القبائل)، واليهود. وكانوا جميعا يبيعون بضاعتهم في العاصمة وغيرها. وأهمهم، حسب رأي ليكليرك، هم الميزابيون، فقد وصفهم بالتحضر وقال إنهم يملكون دكاكين ذات أدراج ورفوف، عليها اسماء الأعشاب والعقاقير. واليهود أقل اهتماما بالأدوية، ولكن اهتمامهم كان منصبا على العقاقير المستعملة في الصناعات. وأما العرب الرحل (البدو والعشابة) فقد كانوا يبيعون الأعشاب والأدوية في الأسواق، وكانوا يضعونها في أكياس أو في صرائر (ج. صرة) أو في قراطيس. ويرى المرء باعة الأدوية في كل الأسواق، حسب قوله. وكان الزواوة يملكون مستودعات حيث يأتي التجار الجوالة ويأخذون منها حاجتهم. وقد رأى ليكليرك نوع هذه المستودعات في تاقموت وحدادن قرب قلعة نابليون، وسمع بوجود مثلها في قرية علي بن حرزون، قبيلة بودرار. وكان للفرنسيين زيارات سنوية لهذه المستودعات،. وقد منعوا بعض الأدوية مثل (الكنثريد) ونصح ليكليرك باتخاذ إجراءات لمعرفة ما يجري عند الأهالي في هذا المجال. وقال إنهم حذرون من استعمال السموم. ذكر ليكليرك قائمة من الأدوية التي يجدها الإنسان في الدكاكين الأهلية بصفة عامة، وعند الجوالة أو الرحالة بصفة أقل. وفي هذه القائمة نجد: الأفيون، وحبة حلاوة، وجوزة الطيب، ولسان العصفور، والزعفران، والجاوي (واستغرب ليكليرك كيف أن كتاب ابن حمادوش لم يحتو على

стр. 3252

الجاوي) الذي قال إنه يستهلك بكثرة في الجزائر. ومن الأعشاب التي قال عنها إنها طرقة وتباع في سوق شارو (عمار القامة حاليا) بالعاصمة: السدابة Sedab والفجلة، وفي القائمة التي ذكرها هناك ١٢٠ اسما للأعشاب الجافة وحوالي ٦٠ اسماه من النباتات الطرية (١). وقد قام محمد بلعربي بإعداد أطروحته عن (الطب العربي في الجزائر) وناقشها سنة ١٨٨٤. ثم في آخر القرن (١٨٩٦) ناقش الدكتور أرموند ريشاردو A. Richardot أطروحته وعنوانها (الممارسات الطبية لأهالي الجزائر). ويمكننا مواصلة ذكر نماذج أخرى صدرت بعد فاتح القرن، ولكن تجب الإشارة إلى أن اهتمام الفرنسيين بالطب الشعبي كان في الخمسين سنة الأولى للاحتلال أثناء حرصهم على معرفة الجزائريين، أما منذ فان القرن فقد ساد الطب الحديث ودخل بعض الجزائريين المجالات الطبية والصيدلية، وانحصر الطب الشعبي في السحر والخرافات في الأرياف خاصة، كما ستلاحظ. ... ولنقل كلمة عن كتاب بيرتيراند الذي يعتبر ربما أوفى كتاب عن (الطب والنظافة الصحية عند العرب) في منتصف القرن الماضي. وقد قال المؤلف إنه عمل في مختلف المكاتب العربية بين ١٨٤٨ - ١٨٥٣ وكلف بإنشاء الملجأ الطبي الإسلامي في العاصمة. وبذلك تمكن من جمع المعلومات والمصطلحات وأسرار الطب الشعبي، وتعلم العربية الدارجة. وفي المقدمة قال إن الجزائر من المستعمرات الجديدة ولا يمكن لفرنسا أن

стр. 3253

تتوغل فيها وتتسرب إلى دواخلها إلا بدراسة حاجة الأهالي ومعرفة اتجاهاتهم ومزاجهم بهدف الإصلاح، دون المساس بهم بطريقة مؤلمة، واعتبر الجزائر حقلا مفتوحا على مصراعيه للتجارب. ومن رأيه أن أعمالا هامة ألفت حول الجغرافية والتاريخ والتجارة والتشريع والزراعة والعدل. وبقي أن يعرف الفرنسيون الأحوال الاجتماعية للأهالي، وهو دور المكاتب العربية، في رأيه (١). واقترح أن يخاطب الفرنسيون، بالنسبة للطب والصحة، بما جاء به القرآن نفسه، ومعناه أن (من أحيا نفسا واحدة فكأنما أحيا الناس جميعا). ونصح الأطباء أن يدخلوا إلى قلوب الأهالي عن طريق هذا النص القرآني. والظاهر أن بيرتيراند كان متفائلا، فالمكاتب العربية وأطباؤها لم يكونوا للعلاج فقط ولكنهم كانوا رموز قمع وإرهاب، ومهما كانت نية الطبيب فهو داخل ضمن هذا الرمز المخيف (٢). ومن جهة أخرى أشار بيرتيراند إلى أن من عادة الجزائري عدم الذهاب إلى المستشفى وأنه يفضل العلاج في بيته. وليس للجزائريين في الماضي مستشفيات عامة أو مشتركة. وكانوا يلحقون ملاجئ بالمساجد، ينزل بها المرضى والعجزة. ولكن كانت لديهم مؤسسات خيرية (الوقف) لرعاية هذه الأماكن وحماية الدين. ونوه بأن الأمير عبد القادر قد جدد في هذا المجال عندما نصت قوانين الجيش في (وشاح الكتائب) على وجود الأطباء

стр. 3254

والجراحين وتوفير جميع الوسائل للمحافظة على الصحة وتوفير العلاج والراحة للجنود. وجاء في ذلك النص أيضا ما على الطبيب أن يكون عليه من الانشراح أمام المريض والاحترام وطيب المعاملة، كما أن إجراءات الأمير خصصت للأطباء الأجور اللازمة والغذاء. ولم تكن هذه الإجراءات خاصة بالجيش بل شملت الشعب الذي حارب معه. ولاحظ الطبيب بيرتيراند أن الطب قد تخلف عند الجزائريين بعد الأمير عبد القادر، ومع ذلك فإنهم ظلوا يحترمون الطبيب احترامهم لعلمائهم. وحين درس بيرتيراند تطور نظرة الجزائريين في الطب والعلاج، وجد أنهم فقدوا الكتب الطبية التي كانت لهم، وعوضوا ذلك بالأحجبة والحروز، وبقيت لديهم فقط أوراق مكتوبة في فوضى وتحتوي على نصائح علاجية، وهي تخلط بين الأدعية والطب. وللأهالي أسماء أعلام يعتبرونهم (أطباء)، مثل سيدي علي بن سليمان، وسيدي عبد الله بن باطو، وسيدي عبد الله بن العاصي، الخ. ويوجد عندهم الأحاديث النبوية التي يرجعون إليها في التطبب، وكتاب الهارونية الذي يضم نصائح وتعاليم علاجية، وكتاب داود المصري. وقد اعترف بيرتيراند أنه كان للجزائريين كتب في الطب، ولكن الاحتلال أدى إلى نهبها، فقد كان باي قسنطينة (صالح باي) قد أوقف عدة كتب في الطب على الزوايا، مثل التذكرة لداود الأنطاكي وكتاب (؟) أحمد زروق الفاسي. ولكنها اختفت بعد احتلال المدينة (١). ومن الكتب التي ما زالت شائعة عندهم في وقته كتاب البولي الذي يصف الحروف وحساب ايقش، وكان كثير الرواج. وشاع عند العرب الإيمان بالخرافة وعقيدة المرابط، ورسخ عندهم وجود الجن في المرضى، وهو سبب معاناة المريض. وليس هناك سبيل إلى العلاج منه غير الحجاب الذي يحميه، وكلما حدث مرض أسرع صاحبه إلى المرابط (الطبيب) ليحميه منه بكتاب حجاب أو حرز. وشاعت أيضا. عندهم

стр. 3255

عبارة التوكل، فكل الأمور (مكتوبة) ومعزوة إلى إرادة الله، ولذلك كانوا لا ينفكون في رأيه يكررون عبارة (إن شاء الله). ومع ذلك قال بيرتيراند إن العرب (الجزائريين) قد اهتموا كثيرا بالحيوانات، ولا سيما الخيول والإبل لأن حياتهم متوقفة عليها ومتصلة بها، ونوه بكتاب دوماس (خيول الصحراء) الذي كتبه وجمع معلوماته أثناء وجوده في الجزائر، من العلماء والأعيان. وكدليل على احترام العرب للأطباء وثقتهم فيهم ذكر بيرتيراند أن الجزائريين الذين اعتقلهم الفرنسيون ونفوهم إلى أماكن بعيدة مثل (سان مرغريت) قد قصوا على مواطنيهم، بعد إطلاق سراحهم، تجاربهم مع الأطباء الفرنسيين، ومن ذلك أنهم جاؤوا لزيارة هؤلاء الأطباء بعد تسريحهم اعترافا لهم بالجميل على علاجهم. وبنى بيرتيراند على ذلك فكرته القائلة إن الأهالي يرحبون - خلافا لما كان شائعا - بالأطباء الفرنسيين، لمصلحتهم البدنية، وحث على أن يدخل الطب الفرنسي أيضا مجال المهمة الحضارية التي تزعم فرنسا أنها جاءت بها. وها هم الجزائريون يدخلون الجيش الفرنسي، وها هم رؤساؤهم يعملون في الإدارة والقضاء، فلماذا لا يكون التأثير عن طريقهم، ففي نظره يجب الربط بين الطب والسياسة والنفوذ الفرنسي. إن على الأطباء الفرنسيين أن يلعبوا هذا الدور، عن طريق (التأثير المعنوي) لفائدة تمدين العرب ونشر النفوذ الفرنسي. ومن الأمثلة التي ذكرها بيرتيراند على (وحشية) الممارسات الطبية، طريقة الولادة، ونادى بالتخلص من هذه الممارسات وحث الأطباء الفرنسيين على دراسة تأثير تعدد الزوجات وتعاليم القرآن على الأهالي، سيما على المرأة (١). ...

стр. 3256

أشرنا إلى تأليف ريشاردو سنة ١٨٩٦، وهو عمل صغير الحجم تناول فيه أشهر الأمراض في الجزائر على عهده، وقد لخصها في ثلاثة، وهي: حمى المستنقعات، والزهري (السيفليس) والجدري. وكان حمدان خوجة في أول الاحتلال قد ألح على وجود بعض هذه الأمراض، مثل حمى المستنقعات لتنفير الفرنسيين من الاحتفاظ بالجزائر. ولكن الزهري والجدري جاءا مع الفرنسيين. وهناك أمراض أخرى جاءت معهم أيضا، ومن رأي الدكتور ريشاردو أن هناك أمراضا شائعة في الريف وأخرى في المدن، وأن لكل بيئة أطباءها الشعبين. واشتهرت في الريف أسماء مثل (بوموس)، وهو (الطبيب) المداوي بالوسائل المعروفة الحجامة والختان والكي. أما (بو عجب) فهو (الطبيب) الذي يستعمل الخرافات ويلجأ إلى السحر ونحوه كالأحجبة وخط الرمل. وهذان الطبيبان متنافسان على الفوز بالمريض وإظهار الشفاء. وكلاهما جاهل ولكن فيه فطانة. وكان أطباء المدن أيضا يلجأون إلى الخرافة، وهم طبعا غير الأطباء الفرنسيين. وقد ذكر ريشاردو مجموعة من الأمراض الأخرى وعلاجها الشائع عند الأهالي وكيف يمكن للطب الحديث أن يعالجها. ولذلك أوصى في آخر كتابه بتوسيع التسهيلات الطبية للأهالي في البلديات، لأنه لاحظ أن المستفيدين من الطب هم الأوروبيون فقط. وطالب بجعل (الكينا) تحت تصرف الأهالي ضد حمى المستنقعات، ونصح بوضع بيان بالعربية لطريقة استعمال هذا الدواء، وكذلك نصح بنفس التسهيلات حول مرض الزهري، بإنشاء محطات علاجية لدى (الأطباء الاستعماريين). - هكذا التعبير الأصلي? لكي يوزعوا الجرعات اللازمة على المصابين من الأهالي. أما عن الجدري فقد نصح بالتلقيح ضده إجباريا. وأكد أن الأهالي

стр. 3257

لن يعارضوا ذلك لأنهم يرون في الأطباء الفرنسيين (محررين) لهم. وهم خاضعون تماما لعلاجهم. وهذا يؤكد ما ذهب إليه الدكتور بيرتيراند من أن الجزائريين يكون احتراما خاصا للأطباء والحكماء عموما. وامتدح ريشاردو إنشاء بعض المستشفيات في المناطق العربية، وهي مراكز خاصة بالأهالي. ونصح بأن تسند إدارة هذه المراكز إلى الأطباء الداخليين أو إلى الآباء البيض (المنصرين) في بعض المناطق. وأوصى باحترام العادات والتقاليد. كذلك نوه ببعثة الحاكم العام الطبية إلى الأوراس للاطلاع على تقاليد التوليد، وكانت البعثة تقودها السيدة شيلييه، ولاحظ أنها قد استقبلت استقبالا حسنا وأن الأهالي قدموا لها المعلومات حول الولادة. وليست بعثة الأوراس هي الوحيدة، فقد بعث الحاكم العام عندئذ (جول كامبون) بعثات مشابهة إلى مناطق أخرى. وفي نظر ريشاردو أن هذه الطريقة ستجعل فرنسا تؤدي مهمة كبيرة لدى الأهالي، وهي الخدمة الصحية، والصحة هي أغلى ما يملك الإنسان (١). ولا شك أن الأطباء الجزائريين الذين تخرجوا بالشهادات العليا، رغم قلتهم، قد كتبوا أطروحاتهم حول مواضيع اختاروها وتناولوا فيها الأمراض وعلاجاتها في ضوء الطب الشعبي والحديث. ولكننا الآن لم نطلع على هذه الأطروحات. وربما غيرنا سيفعل ذلك غير بعيد (٢). ... وعقيدة الطب عند الجزائريين كانت دينية واجتماعية. فالدين كان يحث

стр. 3258

على معرفة الطب والوقاية من الأمراض، ويحث على العلاج وحفظ الصحة - صحة الأبدان -. أما من الناحية الاجتماعية فالممارسات للطب والعلاج لم تتوقف أو تضعف. وكانت على نوعين على الأقل، نوع (علمي) قائم على التجربة والملاحظة واستخدام الوسائل المادية بطريق عقلية، ولكن الجهل والتخلف والاستعمار منعت من تطوير الممارسات لكي تصبح علمية بمعنى الكلمة، اللهم إلا في فترة متأخرة. أما النوع الثاني من الممارسات فقد كان (خرافيا) قائما على السحر والشعوذة، وبعيدا كل البعد عن الدين والعلم، وقد أشرنا إلى ذلك. في عهد الأمير عبد القادر وجدنا القيادة الوطنية كانت تهتم بالطب حسب الامكانات المتوفرة، ولم تكن تمارس الشعوذة ولا كانت ضد التداوي الخالي من الدعاية والتمويه. يقول محمد بن الأمير عبد القادر في (التحفة) إن والده قد أحدث ما كان معروفا عن ملوك المغرب، وهو إنشاء المستشفيات (البيمارستانات) لمرضى جنوده في مختلف المقاطعات. وقد عين الأمير في كل مستشفى (بيمارستان) أربعة أطباء، يرجع أمرهم إلى طبيبه الخاص، وهو أبو عبد الله (محمد) الزروالي. وقيل عن محمد الزروالي إنه كان ماهرا في علم الطب وكان مشهودا له بذلك. ولم يكن الزروالي بالطبع على نمط الأوربيين في علمه أو متخرخا من مدرستهم. فنحن لا نعلم حتى أين تمهر في هذه الصنعة، ولعله إنما وصل إلى ذلك عن طريق الوراثة والتجربة. يقول صاحب (التحفة) عنه إنه كان (عالما بخواص الأعشاب على اختلاف صنوفها، وكان يخرج الرصاص من داخل العضو المصاب بوضع عشب على مدخله فيخرج بعد بضع ساعات من موضعه بسهولة دون ألم) (١). وقد أكد ذلك الفرنسيون الذين زاروا معسكرات الأمير. فكتب توستان دي منوار (سنة ١٨٤١) أن في جيش الأمير طبيبين بلقب باش جراج (كبير

стр. 3259

الجراحين). وكان الجراحون عادة من المرابطين، حسب قوله، أي أنهم كانوا من العلماء ورجال الدين. ولكن دي منوار ذهب، لأسباب معروفة، إلى أن العرب يثقون في الأطباء الفرنسيين أكثر من الأطباء الأهالي. ونفهم من كلام دي منوار أن الجزائريين لم يكونوا أبدا ضد الطب المتقدم، كما كانت تدعى السلطات الفرنسية. وقد زاد منوار ذلك تأكيدا بقوله إن كلمة (طبيب) عندهم كلمة سحرية، وهي وسيلة للدخول إلى نفوسهم وإلى معرفة دواخلهم، ونصح بأن ممارسة الطب من قبل أناس (فرنسيين) متعلمين وغير مرتبطين بمصالح ولهم ضمائر حية، ستكون ربما إحدى الوسانل الأكثر نجاعة لتسريب الحضارة الفرنسية بين الجزائريين. وزعم أن الفرنسيين استطاعوا أن يخففوا من تأثير العديد من الأمراض عنهم (١). ونفس هذه الملاحظات تقريبا أبداها أدريان بيربروجر الذي زار معسكر الأمير، على رأس وفد هام، سنة ١٨٣٧. فقد تحدث عن احترام العرب للأطباء وسحرية كلمة طبيب بينهم أيضا، وكذلك كلمة حكيم. وقد وصف كيف تجمهر حولهم الجنود عندما علموا أن طبيبا. كان ضمن الوفد، وأن كل من له شكوى من مرض تقدم من الطبيب الفرنسي المرافق، بما في ذلك بعض قادة الجيش (٢). ولكن بيربروجر لم يحدثنا - كما فعل زميله دي منوار - عن أطباء الأمير ولا كبير أطبائه محمد الزروالي. ومهما كان الأمر فإن الشهادتين تثبتان أن الجزائريين لم يكونوا مقاطعين للأطباء الفرنسيين. وربما كانت المقاطعة مقتصرة على العامة الذين كانوا يخشون على أنفسهم من المزج بين الدين والطب، أو لأسباب لغوية وحواجز حضارية أخرى. وهناك ممارسات تبدو في غاية العقلنة، رغم التقاليد، كان يمارسها الخبراء في كل قبيلة وقرية. وهي ممارسات قائمة على الطب الشعبي. وهو

стр. 3260

مزيج من الطب الديني والعلمي والوراثي. وقد تحدث الأوروبيون عن بعض هؤلاء الأطباء الشعبيين. فالضابط ريشارد قد سجل قائمة بأسمائهم. وهم كما قال آخر، ليسوا من خريجي المدارس، بل كانوا لا يعرفون حتى الكتابة والقراءة، ولعلهم كانوا يعتقدون أنها غير مفيدة لهم، ولا يقوم هؤلاء (الأطباء) بأي بحث في الموضوعات الطبية. وإنما كانوا يتعلمون بالوراثة والملاحظة والتجربة، ولهم ذكاء فطري، وقد لاحظ أحد الفرنسيين أن أعلام الطب (الإسلامي) أمثال الرازي وابن سينا وابن رشد، غير معروفين حتى للمتعلمين من الجزائريين سنة ١٨٧٠. وهذه الحالة في الواقع، حجة على الفرنسيين أنفسهم. واستغرب ذلك الفرنسي من أن كتب الأطباء العرب التي سيطرت على المدارس الأوروبية إلى منتصف القرن السادس عشر أصبحت مجهولة عند أحفادهم (١). وهو تعليق يذكرنا بتعليق الدكتور شو عن الجزائريين في القرن الثامن عشر. ومن الأطباء الشعبيين من حذق عملية ثقب الجمجمة، ومن يعرفون كيف ينزعون الأسنان بحذق ويمارسون الحجامة، ويقومون بختان أحفادهم وأبناء العشيرة، ولهم طرقهم الخاصة وآلاتهم التي تجبر الأعضاء المكسورة. وقد وصف الدكتور بيرتوراند Bertherand ذلك في تأليفه السابق، فقال: (إن لعرب الجزائر اليوم عددا أكبر من الأطباء، أو بالأحرى عدد أمن الأفراد الذين يمارسون فن العلاج الطبي، ويمكن تقسيم هؤلاء إلى قسمين، حسب درجة تعلمهم: أولئك الذين يمارسون فن العلاج الطبي، ويمكن تقسيم هؤلاء إلى قسمين، حسب درجة تعلمهم: أولئك الذين يمارسون الطب التقليدي (الأطباء)، وأولئك الذين يجمعون إلى معرفة الطب معرفة أخرى واسعة في العلم والدراسة. ولهم أيضا قدرة على الكتابة عن الأدوية، وهؤلاء هم (الحكماء) أو الأطباء العلماء. وهناك صنف ثالث في نظره، وهم المداوون أو الأطباء الذين يسهرون على عملية جراحية داخلية. وصفة (المداوي) هنا
следующие страницы →