← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ويعدون ذلك فضيلة وجهادا، وكذلك كان شأن سعيد قدورة. فقد بدأ تغربه وجهاده في طلب العلم بالسفر إلى زاوية الشيخ (العارف بالله) محمد وأخيه أبي علي بن آبهلول الواقعة قرب تنس، ولا ندري لماذا اختار قدورة هذه الزاوية بالذات. فهل كانت شهرة آبهلول في العلم كبيرة عندئذ؟ أو هل كانت حجة شيخه المطماطي مع الشيخ آبهلول سنة ٩٩٣ لها علاقة بسفر قدورة إلى الزاوية المذكورة سنة ١٠٠٤ أو ١٠٠٥؟ والغالب أنهما الأمران معا. فقدورة يؤكد أن ابني آبهلول (محمدا وأبا علي) (كانا شديدي الاعتناء بالعلم وفنونه كالتفسير والحديث والأصول والمنطق والبيان بعد الفقه والتوحيد وغيرهما). وكان الشيخ محمد بن علي مشهورا في التفسير خصوصا. وقد انتهى فيه قبل وفاته إلى سورة الإسراء (١). ولم تكن الظروف قد واتت سعيد قدورة في زاوية آبهلول كل المواتاة. فبعد حوالي ثلاث سنوات من التتلمذ هناك، قتل شيخه محمد آبهلول قتلة شنيعة سنة ١٠٠٨ حين طعنه بعضهم بخنجر طعنة ظل بعدها حيا بعض الساعات فقط ثم لفظ أنفاسه الأخيرة. وقد تأثر قدورة بما حدث لشيخه فرثاه واعتبره (شهيدا) وصلى عليه مع أخ الفقيد. وتعتبر مرثيته فيه من الشعر المتوسط في ذلك الوقت (٢)، وقد جرى الحادث أمامه وهو ما يزال يافعا،

стр. 352

بالإضافة إلى فقد والديه دفعة واحدة. فلم يلبث بعد ذلك إلا حوالي سنة في هذه الزاوية دارسا فيها على أخ الفقيد الشيخ أبي علي آبهلول وغيره، قبل أن يعود إلى الجزائر، وهو يخبرنا أنه قد وجد هناك شيخه المطماطي قد تولى وظيفة الفتوى والإمامة بالجامع الكبير، وكان المطماطي مدرسا أيضا بنفس الجامع، لذلك عكف الشاب سعيد قدورة يدرس على الشيخ المطماطي جملة من العلوم منها مختصر خليل وابن الحاجب في الفقه وكذلك الفرائض والتوحيد، وكأنه كان في نفس الوقت يتدرب على المسرح الذي سيمثل عليه هو نفس الدور بعد بضع سنوات. وكعادة الطلاب الطموحين الراغبين في الاستزادة من العلوم المهمة سافر سعيد قدورة بعد ذلك إلى تلمسان حوالي سنة ١٠١٢، أي بعد إقامة حوالي ثلاث سنوات بمدينة الجزائر، وكانت شهرة سعيد المقري بتلمسان عندئذ قد بلغت القاصي والداني، وخصوصا في العلوم العقلية. فقصده قدورة وتتلمذ عليه في الحديث والمنطق والبيان وغيرها. وكانت دروس المقري بالجامع الكبير بتلمسان. وقبل أن نعرف المدة التي قضاها قدورة في تلمسان وأثر المقري فيه سافر إلى صحراء فجيج وتافيلالت وسجلماسة ولقي في هذه النواحي بعض العلماء أمثال أحمد بن عبد الله السجلماسي الشاعر والكاتب والمتصوف الذي ثار واستولى على سجلماسة ودرعة ومراكش. وتقول بعض المصادر أن قدورة قد ذهب إلى الشيخ أحمد السجلماسي، (المعروف أيضا بابن أبي محلى)، مع وفد تلمسان والراشدية لتهنئته على دعوته وثورته (١) ولا ريب أنه ذهب أيضا إلى فاس التي كانت مقصد الراغبين في الدراسات العالية. وقد أطال قدورة الإقامة في الغربة، بحثا عن العلم، إذ

стр. 353

أنه لم يعد إلى مدينة الجزائر إلا سنة ١٠١٩، أي بعد حوالي سبع سنوات، وكأنه كان على موعد في الجزائر مع شيخه المطماطي ليودعه الوداع الأخير، ذلك أنه بعد أن لقيه فيها ثانية بوقت قصير توفي المطماطي في نفس السنة (أي ١٠١٩). ولا نعرف أن قدورة قد رثاه أو تأثر لوفاته كما رثى وتأثر لوفاة شيخه محمد آبهلول، كما أنه لم يهتم بوفاة شيخيه الآخرين، أبي علي آبهلول وسعيد المقري إذ أنه اكتفى بالقول في الأوراق التي لدينا أن الشيخ أبا علي قد توفي بعد المطماطي ببعض سنين، وكذا (شيخنا سيدي سعيد المقري فيما بلغنا) (١). وقد قلنا إن قدورة كان على موعد مع أستاذه المطماطي لأن نشاطه العلمي قد بدأ بوفاة شيخه، ذلك أن المصادر تتحدث عن تداول الإفتاء المالكي بينه وبين أحمد زروق بن عمار بن داود. وأثناء تولي أحمد بن داود لوظيفة الإمامة والتدريس بالجامع الكبير كان قدورة متوليا إمامة جامع البلاط والخطابة في جامع سيدي رمضان. ولا ريب أن قدورة كان أثناء ذلك يدرس أيضا في أحد هذين الجامعين. ومهما يكن من أمر فإنه قد انفرد بالإفتاء أواسط سنة ١٠٢٨ حين عزل عنه أحمد زروق بن داود (٢)، وقد ظل قدورة في هذا المنصب الخطير إلى وفاته سنة ١٠٦٦، ولعله هو الذي سعى إلى هذا المنصب الذي كان يتهيأ له منذ عاد من زاوية آبهلول وبالتأكيد منذ عاد من رحلته في تلمسان والمغرب. فقد كان مثل هذا المنصب محركا لتنافس كبير بين العلماء، إذ فيه الجاه العريض والمال الغزير، وتدرج قدورة في الوظائف فهو إمام جامع البلاط وخطيب جامع سيدي رمضان ثم هو إمام وخطيب ومدرس الجامع الكبير، بالإضافة إلى كونه مفتي المالكية ووكيل أوقاف

стр. 354

الجامع الأخير. وبذلك يكون قد وصل إلى قمة السلم الوظيفي والعلمي. وهو ما يزال في مقتبل العمر. وقد عرفنا أن الباشا هو الذي كان يعين في الوظائف المذكورة. وأهم ما كان يستدعي التنافس الشديد بين العلماء على وظائف الجامع الكبير هو الأوقاف الطائلة التي كان يتمتع بها. فقد عرفنا أنها كانت من أغنى مصادر الوقف في الجزائر. ولم يكن قدورة بالرجل السهل. فقد كان ذكيا غاية الذكاء طموحا أقصى الطموح عارفا بأحوال العصر وأهله. وتذكر المصادر أنه كان غنيا أيضا حتى أنه كان يتاجر بأمواله مع بعض كبار التجار، كما كانت له أرض حراثة. والمعروف أن القرن الحادي عشر (١٧ م) كان العصر الذهبي للتجارة ووفرة غنائم البحر ورواج السلع والدراهم في الجزائر. ولهل سعيد قدورة كان يستعمل ما له في هذه الأمور التي كانت تدر عليه أموالا طائلة. وقد كثرت أشغاله وارتفعت قيمته حتى أصبح يقدم عنه أربعة من النواب. (ومنهم الشاعر ابن رأس العين) لينوبوا عنه في الخطابة ويدفع إليهم من ماله الخاص. وأخيرا جرؤ على تقديم ابنه محمد بدله في الفتوى والتدريس والخطابة بالجامع الكبير، وهو عمل قل من يجرؤ عليه، لأن الوظيفة شخصية وليست وراثية أو حرة. ولكن قدورة الذي خبر الناس في عصره وعرف كيف يوقف تدخلهم تمكن من كل ذلك دون معارض (١). ورغم أن المعجبين به، كابن المفتي، يقولون إن سعيد قدورة كان

стр. 355

يدفع من جيبه الخاص إلى من ينيبهم عنه فإن أوقاف الجامع الكبير في عهده لم تكن محصنة كل التحصين. فابنه محمد، وهو من أكبر العلماء في عصره، كان يتقاضى حقه في الأوقاف أثناء حياة والده لأنه كان ينوب عنه رسميا بخلاف الأربعة الآخرين. وقد استطاع قدورة أن يتفق على الجامع وأن يوفر أموالا اشترى بها كتبا لمكتبة الجامع، كما شيد زاوية قرب الجامع أصبحت فيما بعد تعرف باسم زاوية الجامع الكبير. وكذلك شيد مدرسة لفقراء الطلبة والغرباء منهم، كل ذلك من فائض أوقاف الجامع الكبير. ورغم أن الرأي العام هو الذي كان يتحكم في مصير وكيل الوقف عموما فالظاهر أن الإشاعات كانت تحوم حول تصرفات قدورة في الأوقاف. وبعد ثماني سنوات من توليه طالبه الناس بتقديم الحساب على أموال الجامع التي بلغ فائضها وحده عند توليته اثني عشر ألف ريال بوجو. وقد أبى في البداية أن يوضع في موضع الاتهام، ولكنه رضي عند إصرارهم على ذلك، فأخرج لهم الوثائق التي تثبت عدم تبذيره والتي تحصي كل ما اشتراه سواء للمكتبة أو لإصلاح الجامع. وكلها كانت وثائق بأقلام وأختام العدول ويقول المعجبون به ان حساده قد خاب ظنهم وبطلت خططهم. ولعل تسرب الكتب الذي أشرنا إليه في مكتبة الجامع الكبير قد بدأ أثناء حياته هو (١). وبلغت من قيمة سعيد قدورة عند الباشوات أنهم كانوا يقفون له إجلالا ويقبلون يده. ولا ريب أنه عرف كيف يحافظ على مكانته العلمية بينهم وكيف يحتفظ برضاهم عنه أيضا. فخلال الفترة الطويلة التي تولاها تداول على الجزائر عدد من الباشوات وحدثت اضطرابات وثورات (٢) وكان هناك الخصوم والأصدقاء. ومع ذلك فقد حافظ قدورة على توازن السفينة في وسط بحر هائج. ولقد بلغ من حرمته، على ما تذكر الروايات، أنهم كانوا يعتقدون فيه النفع والضر والبركات والكرامات. ومعنى هذا أنه لم يكن في نظرهم

стр. 356

موظفا عاديا ولكنه كان عند العامة على الأقل في منزلة المتصوف المرابط. والعامة تتبع الرأي العام بدون سؤال ولا مناقشة. وكان الرأي العام منعقدا على أن قدورة من العلماء الصالحين، وبلغ من تقدير الباشوات وأهل الديوان له أنهم كانوا يقدمونه على المفتي الحنفي (شيخ الإسلام) الذي كان يمثل المذهب الحاكم. وكانت لقدورة الدالة على زميله الحنفي أيضا في المجلس العلمي والقضائي الذي كان ينعقد برئاسة (قدورة) في الجامع الكبير. وكان يحضر هذا المجلس المفتيان والقاضيان (الحنفي والمالكي) وبعض القضاة وممثل الباشا والعلماء. ولعل انعقاد هذا المجلس في الجامع الكبير بالذات الذي ظل تقليدا طيلة العهد العثماني يعود إلى شخصية قدورة ومكانته ثم مكانة أسرته التي مهد لها هو الطريق. ومع ذلك، فإن شخصية قدورة لم تظل بدون تحد. وهناك حادثتان بهذا الصدد الأولى تحدى المسؤولين له والثانية تحدي بعض زملائه العلماء المنافسين له. فقد وجدنا في الوثائق أن قدورة كان قد طرد (بأمر عسكر الجزائر) وأمر بالتوجه إلى إسطانبول (للتخلص منه بإشارة من حساده) وقد جاء في هذه الوثائق أن صديقه الشيخ أحمد المانجلاتي قد نظم قصيدة وبعث بها إلى إسلام بول (إسطانبول) معرفا بها مفتي حضرتها، أسعد أفندي، بمرتبة قدورة حين توجهه إليها بأمر حكام الجزائر (١). ونحن لا نعرف من غير هذا النص أن سعيد قدورة كان قد اتهم بأي شيء حتى استحق هذا العقاب والإبعاد. كما أننا لا نعرف كم بقي في إسطانبول ولا أين توجه بعدها أيضا. وكل ما نعرفه هو أنه قد عاد إلى عمله بعد (أهوال وسوء حال) مرت بها الجزائر (٢) ومهما كان الأمر فقد انتصر قدورة على خصومه أو (حساده) كما

стр. 357

جاء في الوثيقة. فمن كان نصيره يا ترى؟ هذه أسئلة ما تزال في حاجة إلى جواب ونحن لا نملكه الآن. أما الحادثة الثانية التي وقعت لقدورة فهي إهانته من زميله الشيخ محمد القوجيلي (ابن القوجيلي) ويبدو أن القوجيلي كان منافسا له أشد المنافسة. فقد كان عالما مثله وشاعرا قويا معتدا بنفسه. متصلا بأهل السياسة حتى أننا وجدناه سنة ١٠٦٥ يقصد اسطانبول في مهمة سياسية ويقابل مفتيها. وقد تولى أيضا القضاء. والذي يهمنا الآن ليس هذا وإنما ما أورده المفتي الشاعر ابن علي بعد قرن من أن جده كان ذات يوم مع الشيخ القوجيلي فمر بهما سعيد قدورة فانحرف عنه القوجيلي وسلم على جده لأن بين قدورة والقوجيلي منافسة (١). ترك سعيد قدورة ولدين على الأقل هما محمد وأحمد وكلاهما تولى الإفتاء بعده كما سبق، فأما محمد فقد بقي في الفتوى أربعين سنة (١٠٦٦ - ١١٠٧). وكان والده قد بدأ في تدريبه على هذه المهمة وعلى تولي الوظائف الرسمية منذ صغره. فقد أنابه عنه في الخطابة والإمامة أثناء حياته وقدمه في الدرس والفتيا (٢). ولم يكد يوافيه الأجل حتى كان محمد هو المرشح الأول للإفتاء في الجامع الكبير. ورغم شهرته وطول مدته وقوة عارضته في علوم الدين فإن الملاحظين ظلوا يعتقدون أنه مدين بما وصل إليه من مجد وشهرة وجاه لوالده (٣). وقد وشى به خصومه أيضا إلى أحد الباشوات، كما يروي

стр. 358

ابن المفتي، فعزله بعض الوقت ثم أعاده بعد أن تبين براءته (١). وعاصر محمد قدورة عددا من العلماء المنافسين له، كما عاصر عددا من المفتين الأحناف الذين كانوا يشاركونه الرأي في المجلس القضائي والعلمي بالجامع الكبير. وعاش في ظرف سياسي حرج لأن الجزائر في عهده الطويل قد شهدت تغييرات كبيرة في نظام الحكم نفسه مع ما في ذلك من إراقة دماء وانقلابات ومؤامرات (٢). أما أحمد قدورة فقد تولى الفتوى من وفاة أخيه سنة ١١٠٧ إلى مقتله سنة ١١١٨. وكان أحمد حسب وصف ابن المفتي الذي عرفه شخصيا، قوي الجثة سمينا. ويبدو أنه لم يكن في درجة أبيه ولا أخيه العلمية. ولعله كان كبير السن عند وفاته. ومع ذلك فإن المؤامرات السياسية لم ترحمه. ورغم هذا المصير لواحد من أهم أعضاء أسرة قدورة فإن الباشوات قد استمروا، كما أشرنا، في تعيين المفتين منها تمشيا مع عقيدة بعض الناس عندئذ، وهي أن البلاد تصاب بالوباء إذا لم يتول فتواها أحد أعضاء أسرة قدورة. لذلك عين الباشا محمد بكداش (الذي حكم بقتل أحمد قدورة) عبد الرحمن المرتضى ليخلف خاله في وظيفته. وقد ظل المرتضى يتناوب هذه الوظيفة مع سعيد بن أحمد قدورة (ابن القتيل) مدة. ويقال إن سعيد قدورة (الحفيد) كان من أجهل الناس بالعلم والفتيا، ومع ذلك عينوه لعقيدة الناس السابقة في عائلته (٣). ومهما كان الأمر فقد انتهى عندئذ قرن من الزمان سيطرت فيه أسرة قدورة على الإفتاء المالكي في الجامع الكبير وعلى أوقافه وعلى الحياة العلمية بصفة عامة، وخاصة التدريس.

стр. 359

وإذا كان محمد وأحمد ابني سعيد قدورة من الصلب فإن له أبناء روحيين تخرجوا على يديه في حلقات الدرس أو بالرواية عنه أو الإجازة. وكان فيهم الذكي النابه والغبي الخامل، وفيهم الجزائريون وغيرهم. وكان يكفي أن يقال عندئذ أن هذه المسألة رويت عن سعيد قدورة حتى يسكت المعارض ويصدق السائل. وانه يكفي أيضا أن يقال إن هذا الطالب أو العالم قد درس على قدورة أو أجازه حتى يقر له بالعلم. فالشيخ كان يجمع المادة إلى الروح أو المال إلى العلم. وإذا كانت المادة إلى فناء فإن الروح إلى بقاء. لذلك انتشر طلاب سعيد قدورة في كل صقع حاملين في صدورهم الولاء له والعلم منه. وقد بالغ المعجبون والمؤمنون به حتى أنهم وثقوا فيمن روى عمن روى عنه. وظلت هذه السلسلة متواترة بين العلماء المسلمين إلى الوقت الحاضر. وإذا كانت مزية قدورة في الوظائف الرسمية قد تتساوى مع مزايا غيره فإن مزيته العلمية والدينية (وكان الدين هو أساس العلم) لا يمكن أن تتساوى مع مزايا غيره. فقد أثر في جيله بل في الأجيال اللاحقة له تأثيرا لم يبلغه إلا القليل من العلماء. وتطول القائمة لو أردنا ذكر من نعرف من تلاميذه، فما بالك لو حاولنا أن نذكر منهم من لا نعرف. ويكفي أن نذكر هنا جملة منهم للدلالة على تأثير مدرسة هذا الرجل. فمن تلاميذه عيسى الثعالبي الشهير بأسانيده في الحديث والذي سنعرض لحياته في الجزء الثاني، ومحمد بن عبد الكريم الجزائري الذي قيل عنه إنه كان دائرة معارف في الأدب والتاريخ. وقيل إن قدورة كان (عمدته) وقد عاش محمد بن عبد الكريم في المغرب أيضا ثم رحل إلى المشرق وأخذ به العلم. وكان أيضا مقربا إلى السلطان المغربي المولى إسماعيل. وكان يحيى الشاوي الملياني من تلاميذ قدورة البارزين أيضا. وبلغت شهرة الشاوي في المشرق مدى واسعا كما سنرى في الجزء الثاني. ومن علماء الجزائر الذين أخذوا عن قدورة أيضا عمر المانجلاتي الذي كان يحب شيخه ويقدره. والمانجلاتي هو أستاذ ابن زاكور المغربي. وكان محمد بن أحمد الشريف الجزائري ممن روى عن قدورة أيضا ولكن بطريقة

стр. 360

غير مباشرة، وهو من العلماء الذين هاجروا إلى إزمير وجاوروا بالحرم وألفوا هناك وأجازوا. وقد كانت مساهمة قدورة في الدرس لا في التأليف وباللسان لا بالتعليم. ولذلك كثر تلاميذه وقلت تآليفه. ومع ذلك فقد نسب إليه مترجموه بعض التآليف التي لا تخرج في نظرنا عن الإملاءات التي كان يمليها على الطلاب في الجامع الكبير أو جامع سيدي رمضان. وقد اطلعنا على بعضها فوجدناها كذلك. فهي مختصرة وموضحة لبعض المسائل التي قد تفوت الطلاب، ثم إن ما اطلعنا عليه منها ليس بقلمه وإنما هو بأقلام النساخ. فلعل هذه الإملاءات كانت أيضا بأقلام الطلاب أنفسهم. وكانت موضوعاتها لا تخرج عن المواد المدروسة عندئذ، ولا سيما مواد الحديث والفقه والنحو والمنطق. وهذه هي بعض (التآليف) المنسوبة إلى سعيد قدورة. وهي في حجم الكراس ونحو ذلك: ١ - شرح خطبة مختصر خليل في الفقه (١). ٢ - حاشية على شرح اللقاني لخطبة خليل أيضا (٢). ٣ - نوازل تلمسانية (٣). ٤ - رقم الأيادي على تصنيف المرادي في النحو، وهي نبذة ذيل بها شرح الخلاصة للمرادي (٤). ٥ - شرح المنظومة الخزرجية في العروض (٥). ٦ - حاشية على شرح صغرى السنوسي (٦)، ولعلها هي الحاشية التي كتبها على شرح ابن خدة الراشدي لها.

стр. 361

٧ - شرح على السلم المرونق في المنطق (١). ولعل لقدورة غير هذه الشروح والحواشي. وتجدر الملاحظة أنه كان أيضا شاعرا وراجزا شأن أكثر العلماء عندئذ , وتدل قصيدته في رثاء شيخه آبهلول أنه كان متضلعا في علم العروض أيضا. ولا ريب أن له أراجيز في موضوعات متعددة ولا سيما في نظم المسائل العلمية. وكانت لقدورة أيضا مراسلات مع علماء العصر. ورغم أننا لا نعرف ما إذا كان قد حج وتعلم في المشرق (إذ لا نجد اسمه مقرونا بنعت الحاج خلافا لوالده الذي كان يدعى الحاج إبراهيم) فإنه لا شك قد تراسل مع العلماء، سواء علماء المغرب الذين درس عليهم أو تلاميذه في المشرق أو علماء الجزائر وخصوصا علماء تلمسان وقسنطينة. وممن تراسل معهم في قسنطينة عبد الكريم الفكون الذي ذكر بنفسه أنه كان يتراسل مع قدورة ولكنه لم يكشف عن أغراض المراسلة (٢) ولعل قدورة قد تراسل في المشرق مع أحمد المقري أيضا. فقد كانت بينهما علاقة منذ جاء المقري للتدريس في عاصمة الجزائر أثناء وجود قدورة بها. وبهذا الصدد نذكر أن قدورة قد امتحن المقري حين تصدى للتدريس في عاصمة الجزائر بلغز سماه (هاج الصنبر). ويقول الفكون الذي روى ذلك أن المقري لم يصب الجواب في المرة الأولى وأصابه في الثانية بعد أن أعاد عليه قدورة اللغز. وكان السؤال والجواب شعرا متفق القافية (٣). وعذرنا في الإطالة عن سعيد قدورة عدة أمور: ١ - أسرته التي كانت أسرة علم وتدريس أثرت في أجيال المتعلمين من الجزائريين، فقد كان ابناه محمد وأحمد أيضا مثله غير معروفين بالتأليف

стр. 362

ولكن بالدرس، ولا سيما محمد الذي شهد له معاصروه بفصاحة اللسان وغزارة العلم. وكذلك الحال بالنسبة لعبد الرحمن المرتضى الذي كانت أسرة قدورة أخواله كما عرفنا، فقد كان حسن الخط ومدرسا ناجحا. ولا نعرف أنه قد ترك بعض التآليف. ٢ - شهرة هذه الأسرة برواية الحديث الذي كان ثاني علم يعتني به في الجزائر بعد القرآن فكان أعضاء أسرة قدورة معروفين بحفظ الأسانيد ورواية الأخبار والأنساب. وقد اشتهر محمد قدورة بذلك على الخصوص. ولكن عقيدة الناس في والده قد غطت عليه. ٣ - كثرة التلاميذ الذين تخرجوا على هذه الأسرة، ولا سيما على الوالد والابن الأكبر، وكثرة الزائرين لهم والآخذين عنهم والمستجيزين منهم في الجزائر وغيرها. فلهذه الاعتبارات أطلنا الحديث عن سعيد قدورة في هذا الفصل المعد للحديث عن التعليم وأساتذته. ولا شك أن قدورة كان من أكبر القائمين على التدريس. فهو يمثل في نظرنا حوالي نصف العهد العثماني، حيث قلنا إن الدين قد سيطر على التدريس كما سيطر التصوف على العقيدة الصحيحة. ولم يكن قدورة مفتيا فقط ولا مدرسا فحسب بل كان أيضا يخلط العلم بالتصوف، كان يدرس لطلابه كتب ابن عطاء الله، كما كان يدرس لهم صحيح البخاري ورسالة القيرواني وسلم الأخضري وصغرى السنوسي. ولذلك دفن عند وفاته في زاوية المرابط أحمد بن عبد الله الجزائري، عند أقدام شيخه المطماطي (١). ٢ - علي الأنصاري السجلماسي: علي بن عبد الواحد الأنصاري السجلماسي أو الفيلالي من بين العلماء المسلمين الذين استوطنوا الجزائر خلال الأربعينات من القرن الحادي عشر

стр. 363

(١٧ م) وشاركوا في حياتها العلمية ولا سيما التدريس وكان علماء المغرب بالخصوص قد كثروا، في هذه الأثناء بالجزائر وقسطينة وغيرهما. كما سنرى. ولم يأت الأنصاري إلى الجزائر وحده بل اصطحب معه أسرته. فقد وجدنا أنه زوج إحدى بناته لتلميذه عيسى الثعالبي، ولا ندري ما هي الظروف السياسية التي جعلت الأنصاري يفضل الجزائر على المغرب عندئذ ولا ما الذي حمل باشوات الجزائر، وخصوصا يوسف باشا، على الترحيب به وتقريبه, وقد كان بمدينة الجزائر ساعة قدومه إليها علماء بارزون أمثال سعيد قدورة وأحمد الزروق بن داود. ولكن طلاب الجزائر كانوا في حاجة إلى المزيد من رجال العلم ولا سيما من المغرب الذي اعتادوا أن يتوجهوا هم إليه لاستكمال معارفهم في جامع القرويين وغيره. فكان مجيء الأنصاري إليهم فرصة نادرة عليهم أن يغتنموها. ويبدو أنه لم يكن هناك تنافس بين قدورة والأنصاري. فهل سبق لهما التعارف في المغرب؟ وهل كان ذلك التعارف سببا في قدوم الأنصاري إلى مدينة الجزائر؟. وما تزال حياة الأنصاري يكتنفها الغموض لعدم وجود ترجمة وافية له رغم دوره في الدرس والتأليف في الجزائر وفي المغرب. ومهما كان الأمر فإن المحبي قد خصص له في كتابه (١) بعض السطور نقلا عن عيسى الثعالبي الذي ترجم لأستاذه الأنصاري في فهرسه المسمى (كنز الرواة) (٢). كما تحدث عن الأنصاري أستاذه أحمد المقري (٣). ويفهم من كلام المقري أن الأنصاري كان في المغرب بعد سنة ١٠٣٧ لأن المقري قد أورد نص رسالة وردت عليه في مصر من الأنصاري حدثه فيها عن (الشر العظيم) الذي حل بفاس والاضطرابات السياسية التي كانت تمر بها نتيجة تقاتل أبناء السلطان على الملك. وأخبره أيضا عن عائلته (المقري) في المغرب وعن سمعته العلمية بين الناس. كما نقل إليه تحية شيخ الطريقة الدلائية، محمد بن أبي

стр. 364

بكر الدلائي. والمعروف أن الأنصاري قد قرأ على المقري عندما كان هذا في المغرب. ولذلك كان الأنصاري يخاطبه بعبارة البنوة، وقال عن تآليفه انها من (بركتكم). وإذا كنا نعرف من المقري أن الأنصاري كان ما يزال في المغرب إلى سنة ١٠٣٧ فإن المحبي يخبرنا أنه (الأنصاري) قد رحل من بلاده (المغرب) بعد سنة ١٠٤٠ وأنه قد قصد الحج كأستاذه المقري ودخل مصر سنة ١٠٤٣ (أي بعد حوالي سنتين من وفاة المقري) وأنه تتلمذ في مصر على عدة مشائخ ثم عاد إلى المغرب (١). والغاب على الظن أن الأنصاري قد دخل الجزائر بين ١٠٤٥ و ١٠٤٧، والتاريخ الأخير هو الذي قامت فيه ثورة ابن الصخري في الجزائر ولعب خلاله يوسف باشا، ولي نعمة الأنصاري، دورا بارزا، كما سبق. ومهما كان الأمر فإن الأنصاري قد بقي في الجزائر إلى وفاته سنة ١٠٥٧ (٢). انطلقت إذن دروس الأنصاري في مدينة الجزائر كما انطلقت من قبله دروس قدورة. وحفلت العاصمة بمستوى رفيع من التعليم يقوم به عالمان كبيران وأصبح أمام الطلاب مجال واسع للاختبار، فكان بعضهم يختار الأول وبعضهم يختار الثاني وبعضهم يحضر دروس الاثنين معا. وكان الأنصاري متمكنا من عدة علوم حتى قال عنه المحبي انه (كان آية باهرة في جميع العلوم) وكان يدرسها جميعا لطلابه بكتب متقدمة في المستوى. ومن العلوم التي كان يدرسها أصول الدين والبيان والمنطق والنحو ومصطلح الحديث والفقه والحديث والسير والتصوف. وتكاد هذه العلوم تكون هي نفسها التي كان يدرسها زميله قدورة ولكن مع اختلاف في الأسلوب والشخصية

стр. 365

والاستنتاج. فإذا حكمنا من الكتب التي كان يستعملها الأنصاري والتي ألف في موضوعاتها وجدنا أن تعليمه قد اقترب مما نسميه اليوم بالتعليم العالي. فقد كان يستعمل في الأصول كتاب جمع الجوامع للسبكي ومختصر ابن الحاجب، وفي البيان تلخيص المفتاح، وفي المنطق شرح الجمل للخونجي ومختصر السنوسي والسلم المرونق للأخضري، وفي مصطلح الحديث ألفية العراقي، وفي الحديث صحيح البخاري وفي الفقه مختصر خليل وأحكام ابن عاصم، كما كان يدرس كتاب الشفاء للقاضي عياض والبردة للبوصيري وعقائد السنوسي في التوحيد، بالإضافة إلى عدد من كتب السير. وبذلك اشتمل برنامجه على علوم غزيرة وكتب كثيرة كان على الطلاب أن يحذقوها ويبرعوا فيها. وقد حذقها وبرع فيها عدد من شباب الجزائر عندئذ، ولكن لسوء حظهم أن الأيام لم تواتهم في بلادهم فغادرها بعضهم وبقي فيها آخرون ولكن على الهامش، فقد لازم عمر المانجلاتي درس الأنصاري أربع عشرة سنة ليلا ونهارا (١)، وممن درس على الأنصاري أيضا يحيى الشاوي الذي هاجر من الجزائر بعد ذلك، وكذلك القاضي والشاعر محمد بن القوجيلي الذي خص أستاذه الأنصاري بعدة قصائد مدحا ورثاء، كما درس عليه الشاعر محمد بن علي بن المهدي جد المفتي الشاعر المعروف ابن علي، ومدحه أيضا وأشاد بفضله (٢) وقد درس عليه أيضا الشاعر ابن رأس العين. وكان على رأس هؤلاء التلاميذ عيسى الثعالبي الذي صاهره أيضا كما عرفنا، وكان يتمتع لديه بمكانة خاصة. فقد لازمه، كما يقول العياشي، ملازمة الظل الشاخص وخدمه خدمة الراغب الناصح حتى حظى عنده وزوجه ابنته. ولكن الأمور لم تسر كما كان متوقعا، فطلق الثعالبي البت بأمر والدها، ومع ذلك لم ينقطع عن خدمة أستاذه، وقد ذكر الثعالبي جميع

стр. 366

قراءاته على شيخه الأنصاري في فهرسه (١). ويبدو أن الأنصاري كان على صلة وثيقة بيوسف باشا، والصلة بالحكام فيها مغامرة للعلماء إذا كان الحكم مستقرا، فما بالك إذا كان متقلبا، مثل الحكم في الجزائر، عندئذ، ولقد قيل عن يوسف باشا انه كان صديقا للعلماء يحترمهم ويقربهم إليه ويفهم مقاصدهم رغم أنه تركي، حسب تعبير العياشي. وقد وجدنا له مراسلات مع عالم عنابة في وقته، وهو محمد ساسي البوني (٢). ولم تكن الصلة بين الباشا والأنصاري (والعلماء عموما) صلة حب وتقدير ولكنها كانت صلة منفعة ومصالح. فالباشا كان في حاجة إلى تأييد العلماء والأنصاري الذي كان غريبا عن البلاد، كان أيضا في حاجة إلى قوة تحميه، ولا يمكن أن نفهم العلاقة بين الرجلين على أنها (فهم لمقاصد العلماء) من جانب الباشا وإعجاب من جانب الأنصاري، كما فهم من ذلك العياشي، فالمسألة أبعد من ذلك. ومهما كان الأمر فإن عهد يوسف باشا لم يطل شأن حكام العهد العثماني، فقد انقلب عليه خصومه فذهب هائما على وجهه وإلى جانبه محظي الأنصارى وتلميذه، عيسى الثعالبي، وكانت صلة الأنصاري بالباشا هي التي جعلت الثعالبي يصبح (من جملة خواص) الباشا أيضا (٣). ولا نعرف الآن بالضبط من الأنصاري عند وفاته سنة ١٠٥٧، ويظهر لنا من كثرة امداح الشعراء له أثناء حياته ورثائهم له بعد وفاته أنه كان بالفعل يتمتع بحظوة كبيرة لدى الباشوات والطلبة وأنه كان صاحب جاه ونفوذ، فقد اعتاد الشعراء ألا يمدحوا إلا من كان كذلك، كما يظهر لنا أنه لم يتول وظائف أخرى في الجزائر غير وظيفة التدريس. وعلى كل حال فإننا إذا حكمنا من رأى تلاميذه فيه وأقوال بعض المعاصرين له نجده قد ساهم مساهمة كبيرة في دفع حركة التعليم عندئذ، وهذا ما

стр. 367

جعلنا ندرجه في هذا الفصل المخصص للتعليم. وإلى جانب التدريس ألف الأنصاري مجموعة من التآليف معظمها منظومات وشروح جاءت نتيجة مهنته سواء في الجزائر أو في المغرب (١). وقد ذكر بعض هذه التآليف أستاذه أحمد المقري وذكر بعضها الآخر المحبي، وهي: ١ - تفسير للقرآن الكريم بلغ فيه إلى قوله تعالى، ﴿ولكن البر من اتقى﴾. ٢ - تأليف في رجال البخاري (الذي قيل إنه قرأه سبع عشرة مرة قراءة بحث وتدقيق وأنه قرأه دراية على مشائخه). ٣ - منظومة في أكثر من ألف بيت في السير والشمائل النبوية سماها (الدرة المنيفة في السيرة الشريفة). ٤ - شرح التحفة لابن عاصم. ٥ - شرح على المنهج المنتخب للزقاق في قواعد الإمام مالك. ٦ - كفاية الطالب النبيل في حل ألفاظ مختصر خليل. ٧ - المنح الإحسانية في الأجوبة التلمسانية. ٨ - منظومة جامعة الأسرار في قواعد الإسلام الخمس. ٩ - اليواقيت الثمينة فيما انتمى لعالم المدينة، وهي أرجوزة في العقائد والأشباه والنظائر. ١٠ - عقد الجواهر في نظم النظائر. ١١ - السيرة الصغرى (لعلها اختصار للدرة المنيفة). ١٢ - مسالك الوصول إلى مدارك الأصول (نظم). ١٣ - مجموعة خطب (٢).

стр. 368

وهذه الأعمال تدل على سعة علم الأنصاري وغزارة مادته، كما يدل تأليفه في الخطب على اهتمامه بعلم البيان والفصاحة. وقد عرف الأنصاري بذلك أيضا. وقد قيل إنه مر على كتاب الكشاف للزمخشري ثلاثين مرة بين مطالعة وقراءة، ويبدو، عند المقارنة أن الأنصاري كان أكثر تحررا في أفكاره من زميله سعيد قدورة، ولعله كان أكثر منه فصاحة وبيانا أيضا، وهذا ما جعل الطلاب يقبلون على درسه والاستفادة منه. ٣ - سعيد المقري: كان سعيد المقري مدرسا بالجامع الكبير بتلمسان التي قلنا إنها فقدت خلال العهد العثماني نشاطها السياسي والثقافي الذي كان لها خلال العهد الزياني. فكانت على عهد سعيد المقري مدينة مهزومة سياسيا وضحلة ثقافيا، ولذلك هاجر عدد من علمائها إلى المشرق والمغرب، وظلت هي تهزها الفتن الداخلية، ولا سيما صراع الحضر فيها ضد السلطة العثمانية (١). فإذا وجدنا عالما من أسرة تلمسانية عريقة، مثل أسرة المقري، يظل مفتيا ومدرسا في تلمسان على ذلك العهد أكثر من خمسة وأربعين سنة، فإن هذا العالم يعتبر بحق من النوادر. ولد سعيد المقري حوالي سنة ٩٢٨ (٢)، أي عشية سقوط الحكم الزياني وبداية الحكم العثماني في تلمسان، وقد فتح عينيه فوجد المدينة التاريخية قد نضب معينها العلمي ورحل معظم علمائها إلى فاس وغيرها فلم يقنع هو أيضا ببقايا العلم هناك واتجه إلى فاس ليكترع من مناهلها كما فعل بعض أجداده

стр. 369

ومعاصريه، ولا ندري كم طالت مدته في المغرب فإن بعض العلماء كانوا لا يعودون حتى يصبحوا هم أنفسهم مدرسين، ولذلك لا نستغرب أن يقول ابن القاضي انه قد أخذ العلم على المقري كثيرون من تلمسان وفاس. وإذا نحن اتبعنا ابن مريم فيما ذهب إليه من تاريخ ميلاد المقري (أي سنة ٩٢٨) ومدة بقائه في الفتوى والتدريس (٤٥ سنة) (١) فإن المقري يكون قد تولى الفتوى في تلمسان حوالي سنة ٩٦٦، لأن ابن مريم قد انتهى من تأليف كتابه سنة ١٠١١. ولا شك أن تعيين المقري في وظيفة الفتوى والتدريس يعتبر في حد ذاته انتصارا للحكم العثماني في الجزائر. فالرجل كان من أسرة علمية معروفة وكان قد عاد من بلد مجاور لم يكن حكامه بالضرورة أصدقاء للحكام العثمانيين (٢). وكانت قيمة سعيد المقري العلمية والاجتماعية هي التي رشحته لتولي هذه الوظيفة الخطيرة، فقد أصبح بالإضافة إلى التدريس مفتي تلمسان وخطيب جامعها الكبير، ولا ندري إن كانت قد وكلت إليه أيضا وكالة أوقاف الجامع المذكور، وهو ما جرت به العادة، وكان المقري قد تدرب على هذه الوظائف في المغرب، ولا سيما التدريس، وقد عرف عنه أنه من العلماء المعقوليين رغم لباسه للخرقة الصوفية وتدريسه علم التصوف الذي كان شعار العلماء والمرابطين على السواء. وقد كان أيضا من أولئك العلماء الذين نسميهم اليوم بالموسوعيين، فهو بارع في النحو والتوحيد والفقه والحديث واللغة العربية أو فقه اللغة، والمنطق والأصول، كما كان يحفظ أشعار العرب

стр. 370

وأيامهم وأمثالهم، ويهتم بالتاريخ والسير، ولكن الشيء الذي يلفت النظر في سيرة المقري هو أنه كان مولعا أيضا بعلم الطب وعلم الجراحة وغيرها من العلوم العقلية، فهل كان يمارس الطب والجراحة؟ أو أنه كان يدرسهما نظريا؟ ذلك ما لا نعرفه الآن. ورغم طول مكث سعيد المقري في التدريس والفتوى والخطابة فإننا لم نعرف أنه قد ترك تأليفا ولو مختصرا، ومعنى ذلك أن شهرته قد جاءت من أثره في التدريس لا التأليف، ولكننا لا نكاد نصدق أنه لم يؤلف ولو تأليفا مختصرا أو تعليقا أو تقييدا كما كان يفعل علماء وقته، وقد ذكر له ابن أخيه، أحمد المقري صاحب (نفح الطيب) خطبة عارض بها خطبة القاضي عياض وضمنها التورية بأسماء سور القرآن الكريم بدأها هكذا: (الحمد لله الذي افتتح بفاتحة الكتاب سورة البقرة ليصطفي من آل عمران رجالا ونساء وفضلهم تفضيلا) (١)، ولم يكن سعيد المقري بالرجل المتواري عن الناس بل كان عالما مشاركا في الحياة العامة، ولعله كان يمارس التجارة أيضا بطريقة غير مباشرة كما كان يفعل بعض العلماء في وقته. ومهما كان الأمر فإن سعيد المقري وإن لم يترك تآليف معروفة لنا اليوم فإنه قد ترك مجموعة من التلاميذ الذين ألفوا الكتب وأصبحوا مثله من المدرسين البارزين، ومن هؤلاء ابن أخيه أحمد المقري، وسعيد قدورة الذي سبق الحديث عنه (٢) وعيسى البطيوي صاحب كتاب (مطلب الفوز

стр. 371

والفلاح) (١) وأخوه محمد بن محمد البطيوي الذي هو ابن خالة سعيد المقري، وكان البطيوي الأخير من أهل التصوف توفي في المدينة المنورة (٢)، ومن تلاميذ سعيد المقري أيضا محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن جلال المغراوي التلمساني الذي درس في تلمسان وعاش فيها طويلا ثم هاجر منها إلى فاس وتولى بها الفتوى والتدريس والخطابة بجامع الأندلس وجامع القرويين (٣)، كما أجاز سعيد المقري عددا من علماء الوقت نذكر منهم ابن القاضي صاحب (جذوة الاقتباس) (٤). وهكذا أخرج سعيد المقري خلال الفترة الطويلة التي بقيها في التدريس مجموعة من التلاميذ الذين أصبحوا بدورهم أساتذة ومؤلفين ومتصوفين وموظفين، وإذا نظرنا إلى فقر الجزائر الثقافي خلال القرن العاشر نتيجة هجرة العلماء منها وغارات الأجانب عليها وعدم الاستقرار السياسي فيها، فإن وجود أمثال سعيد المقري في ذلك الوقت يعتبر في حد ذاته ظاهرة إيجابية، ونفس الشيء يقال أيضا عن شخصية أخرى كانت في الشرق الجزائري وهو عمر الوزان . ٤ - عمر الوزان: عمر بن محمد الكماد الأنصاري القسنطيني المشهور بالوزان، من أبرز علماء قسنطينة في القرن العاشر، كرس حياته للتدريس ورفض الوظيفة الرسمية حين عرضت عليه وأخرج تلاميذ كثيرين وأسهم ببعض التآليف، وقد أعطت أسرته (أسرة الكماد) عددا من العلماء للجزائر يشبه العدد الذي أعطته

стр. 372

لها أسرة المقري، ولدور الوزان في التدريس خصصنا له هذه السطور. وقد تناول الوزان بالحديث عدد من المؤلفين ولكننا إلى الآن لم نعثر على ترجمة وافية له. فهو رغم مكانته لم يحتل مكانا بارزا في كتب المترجمين، وقد خصص له أحمد المنجور المغربي في فهرسته بعض الحديث نقلا عن شيخه يحيى بن عمر الزواوي الذي كان من تلاميذ الوزان، وعن بعض علماء قسنطينة أيضا، وعندما ترجم له أحمد بابا التمبكتي اكتفى بالنقل عن المنجور، وبناء على ذلك فإن الوزان كان قمة في العلوم النقلية والعقلية وأنه كان أيضا من الصالحين والورعين، وهما خاصيتان (العلم والورع) قلما تجتمعان في عالم واحد. وقد نقل المنجور عن شيخه الزواوي أنه كان يفضل الوزان على غيره من العلماء المعاصرين، وأن أكثر ما كان الوزان يدرس من العلوم البيان والفقه والأصول. ولكن الذي أعطانا صورة أوضح من ذلك عن الوزان هو عبد الكريم الفكون صاحب (منشور الهداية). فقد افتتح به تأليفه وحلاه بعبارات تدل على المكانة التي كان الوزان يتمتع بها في قسنطينة. فقال عنه إنه (شيخ الزمان، وياقوتة العصر والأوان، العالم العارف). وأخبر عنه أنه كان لا يجاري في علوم الفقه والأصول والنحو والحديث، وانه كانت له اليد الطولى في علم التصوف، وإنه كانت تشد إليه الرحال لطلب العلم ويفتى بأقواله وأفعاله، ولا غرابة أن يقول الفكون عنه ذلك - فإن الوزان كان شيخ جده عبد الكريم الفكون (الجد) وغيره من العلماء الذين ترجم لهم في كتابه. فهو من هذه الناحية يعرف عنه أكثر من غيره، ثم أنه من نفس البلد (قسنطينة) التي قضى فيها الوزان حياته مدرسا في مساجدها، ولا سيما مسجد السيدة حفصة. ومما انفرد به الفكون قوله إن الوزان قد تحول من الاهتمام بكتب التصوف إلى الاهتمام بكتب الحديث وأن الكرامات قد شاعت عنه بين الناس، فالوزان كان أولا دعوة من دعوات الشيخ أحمد زروق البرنوصي،

стр. 373

ذلك أن البرنوصي كان يتردد من المغرب على قسنطينة في قوافل التجار، وكان محمد الكماد والد الوزان من الموظفين بباب المدينة لمراقبة الداخلين والخارجين واستخلاص الضرائب. فكان يسقط عن الشيخ البرنوصي الضرائب ويكرمه ويستضيفه عنده. وفي إحدى المرات جاء الشيخ البرنوصي فلم يجد محمد الكماد في الباب فسأل عنه فقيل له إنه قد صنع وليمة احتفالا بمولود ولد له. فذهب الشيخ البرنوصي إلى داره وحمل الطفل (أي عمر الوزان) في كفه وجعل يطوف به الدار وهو في حالة خاصة داعيا الله أن يتقبله منه على أية حال. ومنذئذ أصبح الناس يعتقدون أن للشيخ أحمد زروق دورا في نشأة الوزان على ما نشأ عليه من العلم والورع والصلاح. أما الخبر الثاني الذي ساقه الفكون عنه فهو قوله إن الوزان كان يقرأ كعادته كتب أهل التصوف في الجامع الكبير القديم بقسنطينة بين خزانتي الكتب فخرج عليه شخص وطلب منه أن يعود إلى كتب الحديث النبوي فترك الوزان قراءة كتب التصوف والعناية بطرق القوم وكتب الوعظ واشتغل بالحديث الشريف. فكان يحفظ صحيح البخاري بأسانيده، وفي سياق ذلك ذكر الفكون أيضا أن الوزان قد تكررت رؤياه للخضر ﵇ وأن له كرامات تمنى (أي الفكون) أن يفردها بتأليف خاص. وأخيرا ذكر أن الوزان قد توفي سنة ٩٦٥ (١). وفي هذا الصدد نذكر أن المنجور قد أخبر أيضا نقلا عن ثقاة علماء قسنطينة أن الوزان كان يقريء الجن (٢). ونحن نسوق هذه الأخبار عن الوزان لنعرف مكانته العلمية والصوفية عند المعاصرين له، وهي مكانة تشبه مكانة عبد الرحمن الثعالبي في وقته. والذي يقرأ الكتب المؤلفة

стр. 374

في القرن العاشر والحادي عشر سيجد كثيرا من أخبار العلماء الذين جمعوا بين ظاهرتي العلم (الإقراء) والتصوف (الكرامات). ومما يلفت النظر في حياة الوزان أنه أضاف أيضا الثروة المادية إلى العلم والتصوف. فقد صاهر عائلة غنية بقسنطينة وهي عائلة ابن آفوناس، وكان ابن آفوناس، على ما يذكر الفكون، شيخا صالحا عرفت عنه الولاية والعلم واشتهر بين الناس بذلك كما اشتهر بينهم بالمال والرباع، حتى أصبحت له وجاهة عند أمراء قسنطينة. وكانت له مدرسة خاصة شأن معظم العائلات الكبيرة الموسرة في هذه البلاد. وهو الذي تزوج الوزان ابنته. وقد توفي ابن آفوناس في حياة الوزان ودفن في مدرسته، كما دفنت فيها ابنته أيضا. وكان الوزان متمسكا بمهنة التدريس متباعدا عن الأمراء والوظيفة السلطانية حتى أنه اعتذر عن قبول وظيفة القضاء حين عرضت عليه. فقد عثر بعض الباحثين على وثيقة اعتذاره لحسن آغا، باشا الجزائر بتاريخ ٩٤٨ هـ. وبعد أن عرض الوزان في رسالته إلى الباشا واجبات القاضي الذي يستحق هذا الاسم، مطيلا في ذلك، لخص اعتذاره فيما يلي: يقينه أنه غير أهل للوظيفة المعروضة عليه، وكون الفترة حرجة في قسنطينة حيث كانت البلاد تمر بأزمة داخلية تتصارع فيها الأسر والمصالح (١). والظاهر أن السلطة العثمانية قبلت اعتذاره لأننا لا نعرف أنه قد تولى وظيفة غير التدريس والاشتغال بالعلم والتأليف فيه. ومن كتابه (الرد على الشابية) الذي رد به على المرابط عرفة القيرواني الذي ثار على السلطان الحفصي الحسن (تولى سنة ٨٣٢) نفهم أن الوزان قد انتصر للسلطة القائمة عندئذ، أي قبل العثمانيين. فهل كان رفضه القضاء من يد العثمانيين تعبيرا عن موقف سياسي

стр. 375

له منهم أكثر مما هو تعبير عن موقفه من وظيفة القضاء في حد ذاتها؟ ورغم أن الفكون لم يذكل له تأليفا فإن أحمد بابا قد أورد له عناوين بعض التآليف في الفقه والعقائد والتصوف. وهي هذه: ١ - البضاعة المزجاة، قال عنه أحمد بابا (إنه عن طريق الطوالع والمواقف وأنه في غاية التحقيق والإيضاح) (١). ٢ - الرد على الشبوبية المرابط عرفة القيرواني وصحبه، (وهو كتاب حافل مد فيه النفس فما يعلم أنه من أهل التصوف) (٢). ٣ - فتاوي في الفقه والكلام وغيرهما. ٤ - حاشية على شرح القصيدة الصغرى للسنوسي. ٥ - تعليق على قول خليل (وخصصت نية الحالف) (٣). وبالإضافة إلى التأليف أسهم الوزان في إخراج عدد من التلاميذ المجلين. ومنهم عبد الكريم الفكون (الجد) الذي جمع كأستاذه بين العلم والورع ولكنه قبل الوظيفة من العثمانيين، ويحيى بن عمر الزواوي شيخ أحمد المنجور، ويحيى بن سليمان الأوراسي الذي اشتهر بالتدريس والفتوى في قسنطينة والجزائر والاشتغال بالتصوف ثم الثورة على العثمانيين في منطقة

стр. 376

الأوراس، ومنهم أيضا أبو الطيب البسكري الذي لا نعرف عنه الآن شيئا غير هذه العلاقة بالوزان (١). ولكن نواحي بسكرة قد أرسلت إلى الوزان، حسب بعض الروايات: عبد الرحمن الأخضري الذي عرف بمنظوماته في علوم شتى وبشروحه عليها والذي لفت إليه الأنظار بنبوغه في الحساب والفرائض والبيان وغيرها. ومن تلاميذ الوزان أيضا قريبه محمد الكماد الذي تولى قضاء الجماعة في قسنطينة وكان ناثرا وشاعرا وخطيبا. ولا شك أن هناك غير هؤلاء من التلاميذ الذين أصبحوا بعد تخرجهم على الوزان يخوضون مختلف قطاعات الحياة. والذي يقرأ (منشور الهداية) سيعثر على عدد منهم لأن صاحبه قد ترجم لطبقة الوزان وطبقة من جاء بعده. وإذا كنا قد ترجمنا من مدرسي القرن العاشر لعالمين هما سعيد المقري وعمر الوزان ومن القرن الحادي عشر لعالمين هما سعيد قدورة وعلي الأنصاري فإن هذا لا يعني أن القرن الثاني عشر لم يشتهر بالمدرسين أيضا. ويكفي أن نذكر من هذا القرن أحمد بن عمار ومن القرن الثالث عشر أبا رأس. غير أننا سنتناول هذين العالمين وغيرهما في اختصاصات أخرى غير التدريس. ولعله من المناسب الآن أن نتناول دور العلماء في المجتمع.

стр. 377

الفصل الخامس فئة العلماء

стр. 378

كثير من الباحثين اهتموا بفئة العلماء في الدولة العثمانية، لما كان لها من القيمة في الدين والسياسة وشؤون الحياة عامة. وقد بلغ الاهتمام عند بعضهم أن جعلها تمثل القسم الثاني من نظم الدولة بعد أن جعل القسم الأول هو النظم السياسية. فالباحثون ليباير، وهاميلتون جيب، وباون ومن تبعهم قد قسموا نظم الدولة العثمانية إلى قسمين رئيسيين. النظم الحاكمة، وهي السلطان والوزير والجيش والولاة وغيرهم من الإداريين والماليين والعسكريين، والنظم الإسلامية التي جعلوا على رأسها العلماء ورجال الدين بصفة عامة. ورغم أن هذا التقسيم قد بدأ يتزعزع إلا أنه لا أحد استطاع حتى الآن أن يقلل من أهمية دور العلماء في الدولة فقد كان المفتي أو شيخ الإسلام في إسطانبول مقدما على الوزير الأول، وكانت كلمته ضرورية لإعلان الحرب وعقد السلم وقبول أو رفض نظام معين. ونفس الشيء يقال عن أهمية دور الدراويش، ولا سيما دراويش الطريقتين البكداشية والمولوية (١). وقد كانت الجزائر في العهد العثماني هي إسطانبول الصغرى، كما سماها بعضهم، في نظمها السياسية والإدارية. ولا تكاد تختلف من حيث النظم عن إسطانبول إلا في بعض التفاصيل، بما في ذلك نظام العلماء. فقد لعب علماؤها نفس الدور الذي لعبه علماء إسطانبول في الحرب والسلم وفي التحرر والثورة أحيانا وفي التنافس على الوظائف والمناصب وفي حماية الدين والدعوة إلى الجهاد، وسنرى أن الجزائر كانت كإسطانبول أيضا تستقبل العلماء الزائرين من أطراف العالم الإسلامي، كما كانت مثلها تفتقر إلى جامع عريق أو جامعة إسلامية مهمتها تخريج الفقهاء والعلماء والأدباء وكتاب

стр. 379

الإنشاء أو الدواوين. فكما كانت إسطانبول (تستورد) رجال الدين كذلك كانت الجزائر في هذا العهد، فأوجه الشبه بين العاصمتين إذن أكثر من أوجه الاختلاف في هذا المجال. مكانة العلماء ووظائفهم وميزاتهم وظهور العلماء كفئة متميزة ليس وليد العهد العثماني لا في الجزائر ولا في غيرها من العالم الإسلامي، فقد بدأ - كما نعلم - منذ استولى على شؤون المسلمين حكام جهلة ليس لهم صلة بالحضارة الإسلامية واللغة العربية ولا بأمور الدين، ومن ثمة منذ ضعفت الدولة الإسلامية. فجهل الحكام هو الذي مهد لظهور العلماء كفئة متميزة ليسدوا الفراغ كمستشارين ومشرعين ومفسرين. وأصبح شعار العلماء هو أنهم هم (حماة الدين) و (مصابيح الظلام)، بينما لم يكن الأمر كذلك حين كان الحكام علماء والعلماء حكاما. وبالنسبة للجزائر فإننا نعرف أن دولة بني زيان مثلا قد اتخذت من العلماء مستشارين ومن المثقفين كتابا ومادحين ولكنها لم تفتح وظيفة باسم (شيخ الإسلام)، ونفس الشيء يقال عن قسنطينة تحت الحفصيين ومدينة الجزائر قبل أن يجعلها العثمانيون عاصمة للقطر كله. ولعل كون الحكام العثمانيين في الجزائر غرباء عن الثقافة العربية وعن تاريخ الحضارة الإسلامية والتشريع الإسلامي هو الذي جعلهم، كولاة وسلاطين، يتأثرون بشؤون الحكم من سياسة واقتصاد وجيش وإدارة، تاركين القضايا الأخرى التي لها مساس مباشر بالدين في أيدي فئة أخرى هي فئة العلماء، وهكذا بدأوا في تطبيق القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية، وهو ما يسميه الأوروبيون الفصل بين الدين والدولة. وقد أضاف سلاطين آل عثمان، وعلى رأسهم سليمان القانوني، مجموعة من القوانين المستمدة من العرف ومن حضارات أخرى ومن حالات الضرورة، وأصبحوا هم كحكام المشرفين على تنفيذها، بينما القضايا المستمدة من روح الشريعة الإسلامية

стр. 380

ومن تقاليد السلف قد تركت لفئة العلماء تتفذها وتبدئ فيها رأيها. وهكذا بدأ الفصل في تطبيق الأحكام في الدولة الإسلامية الواحدة التي من المفروض أن ولاتها يمثلون الدين والدولة معا، وأن جميع القوانين فيها مستمدة من الشريعة الإسلامية. وبذلك أصبح للحكام مجالهم الخاص في التنفيذ كما أصبح للعلماء مجالهم. فإذا تعارض الأمران تغلب أصحاب الجانب الأول لما لديهم من القوة والسلطان، وليس لما لهم من الحق والبرهان. وكان الباشوات في الجزائر هم الذين يعينون العلماء في وظائفهم بينما لم يكن للعلماء دخل في تعيين الباشوات. فقد كان الأوجاق هم الذين يقررون مصير الباشا، فإذا رضوا بقي في الحكم وإذا غضبوا وقعت الثورة وسقط الباشا مضرجا في دمائه أو مدلي من حبل المشنقة، وفي بعض الأحيان كان الأوجاق يأخذون في الاعتبار سخط العلماء على الباشا، ولكن ذلك لم يكن أمرا ضروريا للإطاحة به إذ كان يكفي تجمع عدد من الجنود عند القصر ودخول طليعة منهم للقبض على الباشا وإعدامه. وكان دور العلماء في هذه الحالات سلبيا، فهم ينتظرون انجلاء غبار الثورة لكي يباركوا للباشا الجديد ويتقدموا إليه بالبيعة والتهنئة وعروض الولاء. وقد وقف بعض العلماء أحيانا مواقف سياسية من بعض الولاة فكان نصيبهم الإعدام. كما حدث للمفتي أحمد قدورة مع الباشا محمد بكداش. وكان عزل العلماء من وظيفتهم أخف الضررين. كما أن النفي كان أحد طرق التخلص من العلماء. والعلماء فئة احتكرت مجالات معينة في المجتمع، وهي الإفتاء والقضاء والتعليم والإمامة والخطابة. ورغم تعدد هذه المجالات فإنها كانت ضيقة ومحددة، ولذلك كثر التنافس عليها بينهم. وكان هذا التنافس بدوره سببا في إضعاف دورهم السياسي لأن الباشوات والبايات كانوا يضربون هذا بذاك ويغلبون فريقا على فريق وعائلة على عائلة عند الضرورة. ورغم قرب القضايا التي يعالجونها والوظائف التي يؤدونها من الشعب فإن العلماء،

стр. 381

وخصوصا في المدن، قد ابتعدوا عن الشعب وأصبحوا ينظرون إليه نظرة فوقانية (١)، وكادوا لا يفترقون في تصورهم للمجتمع الجزائري عن العثمانيين أنفسهم الذين كانوا غرباء عن الشعب، كما سبق القول. فمصالح العلماء كانت إذن في إرضاء الباشوات وكسب ودهم وليس في خدمة الشعب والتقرب منه ورفع مستواه. ومن ثمة أصبحت فئة العلماء طبقة متميزة بالمعنى الحديث للكلمة، لها خصائصها ومصالحها ونمط عيشها، وحتى مؤامراتها ومناوراتها. وكانت بعض الأسر العلمية تتميز بالثراء الغزير. فقد لاحظ التمغروطي في أواخر القرن العاشر أن علماء الجزائر تغلب عليهم المادية، فقال (إن حب الدنيا وإيثار العاجلة والافتتان بها غلب عليهم) (٢)، وقد لاحظنا أن المفتي سعيد قدورة كان ذا مال يشارك به بعض التجار، وجاء في كتاب ابن المفتي أن عمار بن عبد الرحمن المستغانمي كان ينفق على ضيوفه بين ثلاثين وأربعين ريالا في الليلة الواحدة (٣) وقيل عن المفتي أحمد الزروق بن داود أنه كان صاحب ثروة، وكذلك كان العالمان سعيد المقري في تلمسان وعمر الوزان في قسنطينة. ومن المعروف أن عائلة الفكون وابن باديس وابن آفوناس في قسنطينة كانت من العائلات الغنية. والمحافظة على الثروة ومحاولة الاستزادة منها كانت السبب في التنافس الشديد الذي سنذكر نماذج منه بين هؤلاء العلماء. ولكن العلماء لم يكونوا جميعا أغنياء. فقد كان فيهم الفقراء بكثرة، وخصوصا أولئك الذين كانوا خارج الوظيف أو الذين كانوا يمتهنون التعليم. ومصادر تكوين أو تخريج العلماء ثلاثة: الأول المدرسة الجزائرية (بما في ذلك المساجد والزوايا) التي كانت تصل بالمتعلم إلى نهاية المرحلة

стр. 382

الثانوية وبداية العالية، والثانية المدرسة المزدوجة، ونعني بها المؤسسة التي يجمع فيها الجزائريون بين دراستهم في الجزائر ودراستهم في الأقطار الإسلامية ثم يعودون لتولي الوظائف. أما المصدر الثالث فهو المدرسة الإسلامية عموما، ونعني بها المؤسسة التي جاءت منها طائفة من علماء المسلمين الذين لم يكونوا جزائريين في الأصل، ولكنهم استوطنوا الجزائر وتولوا فيها وظائف مختلفة من الإفتاء إلى الإمامة وغيرهما. وكان العثمانيون في أول الأمر يجلبون معهم علماءهم، إما لعدم ثقتهم في علماء الجزائر وإما للقيام بشؤون المذهب الحنفي الذي كانوا يتبعونه. كما أنهم ولوا الوظائف الدينية وكلفوا بالمهمات الدبلوماسية علماء من مختلف الأقطار الإسلامية. ولم يعتمدوا في ذلك على علماء الجزائر، على الأقل في بداية عهدهم. ومهما كان الأمر فإن المدرسة الجزائرية كانت غير كافية لسد جميع الفراغات في الوظائف المفتوحة أمام العلماء. ولعل عدم توحد المدرسة في الجزائر قد أضعف أيضا من فعالية فئة العلماء، ذلك أن أصول تعليمهم وطموحاتهم كانت مختلفة في النهاية. ولا شك أن أعلى وظيفة كان يتولاها العالم هي الفتوى، ذلك أن الفتوى تحتاج إلى درجة عالية من العلم والتعمق في مسائل الفقه ومعرفة قوية للقرآن وعلومه وعلوم الحديث والقياس ونحو ذلك. كما تتطلب قوة الشخصية والنزاهة والعلاج والشجاعة في الرأي والثبات على قول الحق. وكانت شهرة العالم بين الناس في هذه الأمور من بين عوامل ترشيحه لهذه الوظيفة. ونحن نعرف من تاريخ القضاء في الإسلام أن كثيرا من العلماء كانوا يرفضون وظيفة القضاء (ومنها في العهد العثماني وظيفة الفتوى) ويفرون منها ويتحايلون بشتى الحيل حتى لا يغضبوا الحكام برفضهم لها. أما في العهد الذي ندرسه فلا نكاد نسمع أن أحدا من العلماء قد رفض أو اعتذر عن قبول وظيفة المفتي أو القاضي (١). بل إننا سنرى أن التنافس عليها كان على أشده،

стр. 383

ولم يكونوا يقومون بحقها حق القيام، بل إن معظمهم كانوا ينظرون إليها على أنها مكسب للرزق ومطلب للجاه. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على ضعف العلم وضعف أخلاق العلماء أيضا. ولم يكن الإفتاء وظيفة رسمية قبل العثمانيين. فقد كان العلماء قبلهم يستشارون في المسائل الفقهية وغيرها كأساتذة وشيوخ علم وليسوا كموظفين ملحقين بمصلحة من المصالح في الدولة. فكان العالم إذا اشتهر أمره بين الناس وشاع عنه الورع والنزاهة والتمكن من العلم تتوافد عليه الأسئلة من الجهات الشعبية والرسمية فيسجلها عنده ويجيب عنها بما توصل إليه علمه مضيفا إليها عبارة (والله أعلم). وقد وجدنا من هذه الآثار نوازل وفتاوي كتبها علماء كانوا مرجعا في عهدهم وعاشوا قبل العهد العثماني. ولم يكونوا موظفين. لدى ولاة زمانهم. ومن ذلك نوازل المازوني (الدرر المكنونة في نوازل مازونة)، وفتاوي الونشريسي التي ضمنها موسوعته (المعيار). وكان المذهب الذي يفتي به هؤلاء العلماء هو مذهب الإمام مالك لأنه المذهب الذي كان يتبعه جميع السكان باستثناء أتباع المذهب الإباضي. ولما جاء العثمانيون أحدثوا تغييرات في هذا النظام. فقد جعلوا الإفتاء وظيفة من الوظائف الرسمية. ورغم أنهم كانوا كبقية السكان من أهل السنة فإنهم جعلوا الفتوى على مذهبين: مذهب الإمام أبي حنيفة، ومذهب الإمام مالك. وجعلوا المذهب الأول هو المذهب الرسمي، لأنهم كانوا أحنافا، ولكنهم لم يتدخلوا في المذاهب الأخرى. ونظرا لعدم وجود علماء أحناف في الجزائر قبل العثمانيين، ونظرا لعدم الثقة الكاملة سياسيا في علماء الجزائر، فإن سلاطين آل عثمان كانوا يعينون الباشا وكذلك القاضي الحنفي مدة سنتين في أغلب الأحوال، ويرسلونهما لتمثيلهم في الجزائر، الأول يمثل السلطة السيفية، والثاني يمثل السلطة العلمية (وهذان التعبيران كانا شائعين

стр. 384

عندئذ للدلالة على فئة الحكام وفئة العلماء). وقد سمى الحكام العثمانيون في الجزائر القاضي الحنفي (وهو أيضا المفتي فيما بعد) شيخ الإسلام كما كان يسمى زميله في إسطانبول، وجعلوه مقدما على زميله المفتي المالكي في الحظوة والاعتبار والرأي، رغم أن الأخير كان يمثل مذهب السكان. وبعد عدة أجيال على هذا النمط أصبح المفتي الحنفي لا يعين من إسطانبول وإنما يعين من أبناء العثمانيين المولودين في الجزائر، وذلك بعد أن أصبح الباشا أيضا يعين في الجزائر نفسها من طرف الأوجاق. ويذكر ابن المفتي أن والده، حسين بن رجب شاوش، كان أول مفتي حنفي يعين من أبناء العثمانيين في الجزائر، وهم المدعوون بالكراغلة. والمعروف أن حسين بن رجب هذا قد تولى بتاريخ ١١٠٢ (١). وكان المفتي يتولى أيضا وظائف أخرى، كما عرفنا، مثل التدريس ووكالة الأوقاف والإمامة والخطابة. وليس من الضروري أن يجمع المفتي كل هذه الوظائف دفعة واحدة. فقد كان له أن ينيب غيره في بعضها، بمن في ذلك أبناؤه، كما فعل سعيد قدورة، وكان يحضر مجلس الشورى الأسبوعي وجلسة الديوان إذا دعي إليها. وإذا اختلف المفتيان تنعقد مناظرة عامة يحضرها القضاة والعلماء والباشا أو ممثله. ويؤخذ الرأي بالأغلبية أو بترشيح الباشا للرأي الذي يميل إليه هو. وفي معظم الأحيان كان الباشا يأخذ برأي المفتي الحنفي، وأحيانا كان يعزل المفتيين معا عند النزاع ويعين بدلهما آخرين، مثل ما وقع لمحمد بن العنابي الحنفي وزميله المالكي سنة ١٢٣٢. ولم يكن الإفتاء مقصورا على مدينة الجزائر، بل إن كل عاصمة إقليمية أو مدينة كبيرة كانت على نمط العاصمة، فيها أيضا المفتي الحنفي والمالكي،

стр. 385

وكانا يقومان بنفس الوظيفة ويخضعان لنفس الظروف ولكن يعينهما الباي أو الحاكم الإقليمي. ومن المعروف أن العثمانيين قد جعلوا في قسنطينة وظيفة شيخ الإسلام في عائلة الفكون وذلك للدور السياسي الذي لعبته في الانتصار للعثمانيين من جهة ولأهمية مدينة قسنطينة من جهة أخرى (١). ويأتي القضاء بعد الإفتاء في الأهمية، بل إن وظيفة القاضي الحنفي في المرحلة الأولى من الوجود العثماني كانت هي الأساسية لأنها كانت (وظلت كذلك) وظيفة سياسية - دينية. وكان القاضي بحكم اتصاله المباشر بمشاكل الحياة اليومية، على خلاف المفتي، من خصومات وعقود زواج وطلاق، وعقود بيع وشراء، وعقود وقف وكراء - في وضع أخطر من وضع المفتي. وإذا كانت أهمية وظيفة المفتي تعود إلى المكانة والاعتبار فإن أهمية وظيفة القاضي تعود إلى التنفيذ والممارسة لشؤون المجتمع. ولذلك كان بعض الفقهاء، كما أسلفنا، يعتذرون عنها خوفا من عدم القدرة على القيام بمتطلباتها وتقديرا منهم لخطورتها، وقد كان قضاة الجزائر قبل العثمانيين مالكية، كما كان للأباضية قضاتهم. ومع الباشوات جاء القضاة أيضا إلى الجزائر للحكم بمقتضى المذهب الحنفي، ولذلك أصبح في الجزائر قاضيان في كل مدينة رئيسية، أحدهما للمذهب الحنفي والآخر للمالكي. وتحت هذين القاضيين مجموعة من القضاة المنتشرين في أنحاء الأقاليم. وكان القضاة أحيانا ينيبون عنهم غيرهم أيضا أو يعين الباي خليفة للقاضي. ومن هذا النوع ما تحدث عنه الفكون في كتابه (منشور الهداية) وسماه (نيابة قضاء العجم)، وهو يعني بهم الأتراك. وبالإضافة إلى ذلك كان هناك قضاة يتبعون الحملات العسكرية في الداخل والغزوات البحرية في الخارج وكانوا يسمون بقضاة العسكر ولهم أهمية كبيرة. وكان منصب القضاة أيضا مدعاة للتنافس بين العلماء. ففيه بالإضافة

стр. 386

إلى الجاه والنفوذ، المال وأكل مال الأوقاف وأموال اليتامى. كما اشتهر معظمهم بالجهل لأحكام الدين وإصدار الأحكام جزافا. وكانت الخطابة هي الوظيفة الثالثة في الأهمية، وكانت مقاييسها صعبة لأن الجمهور يشترك في الحكم على الخطيب بخلاف المفتي والقاضي اللذين يتوليان وظيفة سياسية - دينية. ومن شروط الخطيب الفصاحة وجودة الصوت وسعة الاطلاع والجرأة الأدبية. ومن الطبيعي ألا تكون هذه هي كل الشروط التي وضعها الجاحظ للخطيب، ولكن في الجزائر العثمانية كان يكتفي ببعضها على الأقل. وكان الخطيب يؤدي صلاة الجمعة وصلاة العيدين، وأحيانا يجمع إلى ذلك الصلوات الخمس. فهو بذلك إمام أيضا. غير أن بعضهم كان يقوم بالإمامة في جامع والخطابة في آخر، كما كان سعيد قدورة في أول الأمر. وكان العلماء يتنافسون على وظيفة الإمامة والخطابة كما يتنافسون على الإفتاء والقضاء. وكان بعض الخطباء لجرأتهم وفصاحتهم وصلتهم بالجمهور يثيرون خوف الحكام فيحذرون منهم. وقد يبثون حولهم العيون إذا تكاثر الناس من حولهم. وقد يعزلونهم أو ينقلونهم إتقاء لشرهم، كما وقع لقرباش أفندي، خطيب الجامع الجديد. وهناك خطباء يفخمون الخطبة ويجعلون لها شأنا عظيما وسمعة كبيرة، مثل مصطفى بن عبد الله البوني. وهناك العييون والخجلون الذين يهينون الخطبة وينفرون الناس من سماعها. ونفهم من ابن المفتي الذي عالج هذا الموضوع أكثر من غيره فيما نعلم، أن محمد خوجة بن مسلم قد صان الخطبة وجعل لها شأنا بالبقاء في داره بدل الجلوس في المقهى، كما كان يفعل بعض من سبقه (١). ولأهل الحي دور في اختيار الخطيب، فهم الذين يرشحون للباشا من استحسنوا صوته وفصاحته وعلمه وأخلاقه ليكون خطيب جامع حيهم. وليس هناك سلطة للمفتي على الإمام والخطيب. ومتى عزل؛ وتخلى عن الخطابة والإمامة يعود العالم إلى عمله الأصلي وحياته العادية كبقية الناس.

стр. 387

ورغم ما قلناه عن الخطيب الناجح فإن بعض الخطباء كانوا من العي والجهل بحيث أصبحوا مضرب المثل. ومن هؤلاء المفتي عمار المستغانمي الذي كان، رغم علمه، عاجزا عن الخطبة يعتريه خجل حتى يتصبب عرقا. وكان لا صوت له في الخطبة بينما كان جهيره في الدرس (١). لذلك كان المستغانمي ينيب عنه في الخطابة صهره أخ زوجه. وقد روى الفكون أنه هو الذي كتب خطبة الجمعة لأحمد بن باديس عند توليه إفتاء وخطابة جامع القصبة في قسنطينة (٢). وجاء في رحلة العياشي أن خطيب الجمعة في توات ألقى (خطبة عظيمة وعظية حسنة تلقفها من صحيفة، إلا أنه أكثر فيها اللحن)، ولاحظ نفس الكاتب أنه حضر صلاة الجمعة في جامع ورقلة (وخطب الخطيب بخطبة أكثر فيها اللحن والخطأ والتحريف والتقديم والتأخير مع إدغام أكثر حروفها حتى كأنها همهمة)، حتى خاف العياشي أن صلاته قد لا تجوز معها، بل اعتقد أن الخطبة كانت تعود إلى زمن الموحدين لأن فيها دعاء للمهدي بن تومرت (٣). وحكم الفكون أيضا حكما قاسيا على أحمد بن حسن الغربي الذي تولى خطة الفتوى وكان (أمي الخطابة والكتابة) وكان لا يعرف الخط ولا الرسم ولا الهجاء حتى أنه كان يطلب ممن يجالسه إصلاح فساد الرسم (٤). وهكذا نجد أنه بقدر ما كانت الفصاحة مدحا كان العي ذما. ولكن المسألة هنا ليست العي مع العلم ولكن العي والجهل معا. وما أكثر النماذج على ذلك. ومن الوظائف العامة للعلماء وظيفة المدرس. وقد سبق لنا الحديث عنها في فصل التعليم. غير أننا نود أن نلاحظ أنها كانت أحيانا تابعة لوظائف أخرى، فالمفتي والخطيب يتوليان التدريس، ولكن العكس غير صحيح. ذلك أن أكثر المدرسين لم يكونوا مفتين ولا خطباء، وإنما كانوا يلقون

стр. 388

دروسهم ثم يعودون إلى منازلهم. ولا شك أن تنافس العلماء على وظيفة التدريس كان أقل من تنافسهم على الوظائف الأخرى، ان التدريس كان أكثر مجلبة للفقر. وتجدر الملاحظة إلى أن بعض المدرسين كانوا يعملون كل الوقت وبعضهم كان يعمل بعض الوقت. وكان مدرسو المدن الكبيرة يعينون من قبل السلطة الحاكمة، أما من الباشا أو من خلفائه في الأقاليم (١). وكان لقب العالم يطلق أيضا على بعض الفئات الأخرى في المجتمع. ولنذكر هنا من ذلك ثلاثة أنواع، الأول كتاب الإنشاء أو الخوجات، والثاني المثقفون الأحرار، والثالث المرابطون. فأما النوع الأول فقد كان أصحابه يكتبون للباشوات والبايات ويسجلون محاضر جلسات الديوان والمفاوضات والمعاهدات مع الدول الأخرى. وكانوا يتبعون تحركات الباشوات والبايات في حلهم وترحالهم ويسجلون أخبارهم وأعمالهم. ورغم أن هذا النوع يدخل فيما نسميه اليوم بالإدارة والبيروقراطية فإن انتماء أصحابه إلى أهل العلم يجعلنا نتحدث عنهم هنا وندرجهم ضمن فئة العلماء. وأما النوع الثاني (المثقفون الأحرار) فلا ريب أنهم يندرجون في فئة العلماء أيضا ولكن غير الموظفين. وكان هؤلاء أكثر كفاءة من زملائهم الفقهاء في الغالب. كما كانوا في ثورة دائمة على السلطة وعلى زملائهم الموظفين من جهة أخرى، بل إن بعضهم كانوا يحذرون من خدمة الحكام ويعتبرون خدمتهم بيعا للضمير وسقوطا للعلم. وإذا ضاقت الأرض ببعض هؤلاء كانوا يهاجرون من الجزائر تماما كما فعل أكثر من واحد. وأخيرا هناك المرابطون الذين خصصنا لهم فصلا بعد هذا. وبالإضافة إلى المهمات التي ذكرناها كان العلماء يقومون بأعمال أخرى كالسفارة. ومن أقدمها سفارة محمد بن علي الخروبي الطرابلسي إلى

стр. 389

المغرب أكثر من مرة مبعوثا من باشوات الجزائر إلى سلاطين المغرب لتحديد الحدود وتأمين العلاقات بين البلدين. وقد صادف الخروبي في المغرب استقبالا حافلا وكان ذلك في القرن العاشر. وتتحدث الأخبار أيضا عن سفارة قام بها القاضي محمد القوجيلي إلى إسطانبول سنة ١٠٦٥. ونحن إذا كنا لا ندري الآن فحوى هذه المهمة بالضبط فإن القوجيلي قد جاء على لسانه أنه ذهب إلى إسطانبول مقر الخلافة في شأن (الأهوال) التي مرت بها الجزائر عندئذ (١). ومن أشهر السفارات التي قام بها العلماء بسفارة محمد بن العنابي إلى المغرب الأقصى عقب حملة أكسموث الإنكليزي سنة (١٨١٦) ١٢٣١، حين أرسله عمر باشا لطلب المعونة العسكرية من السلطان سليمان. كما أننا نعرف أن ابن العنابي قد قام بغارة أخرى إلى إسطانبول سنة ١٢٣٢، ولعلها كانت لنفس الغرض الذي ذهب من أجله إلى المغرب (٢). لقد كان العلماء يعيشون في دائرة اجتماعية ضيقة. فهم قبل كل شيء يعتبرون أهل حضر يسكنون المدن ويفكرون بالمادة ويتعلقون بالمصالح التي تدر عليهم المال والجاه. وكانت لديهم مشاعر الترفع على علماء الريف (٣). حقا ان عددا منهم قد جاء من الأرياف كجبل زواوة وميلة ونقاوس والونشريس وغيرها. غير أن العائلات الحضرية العريقة كانت تعارض تولي علماء الريف الوظائف الكبيرة، وكان هذا واضحا في قسنطينة وتلمسان. أما في العاصمة فقد كان الأمر يختلف لأنها كانت مدينة مفتوحة كما أشرنا

стр. 390

وكانت تستقبل ليس علماء الجزائر فحسب ولكن أيضا علماء المغرب وتونس وإسطانبول وسورية وتمنحهم الإقامة والوظائف. وكانت معسكر أيضا مدينة مفتوحة كعاصمة للإقليم الغربي، لكنها كانت تفتقر إلى التقاليد المحلية العريقة فكان يتوافد عليها العلماء من نواحي كثيرة ولم يتطور فيها الشعور بمضادة علماء الريف أو الغرباء. ومن مظاهر عيش العلماء في دائرة ضيقة توريثهم الوظائف لأبنائهم وأقاربهم. وقد عرفنا أن المفتي سعيد قدورة قد أناب عنه ابنه محمدا، رغم صغر سنه، في الخطابة بالجامع الكبير. وبعد وفاته أصبح محمد هو المفتي الرسمي وظل في ذلك الوظيف حوالي أربعين سنة ثم خلفه أخوه أحمد، وهكذا. وولي المفتي محمد بن إبراهيم المعروف بابن نيكرو، ولديه خطة الخطابة (ليراهما ويسر بهما). وقد تولى محمد خوجة بن مسلم الخطابة بعد والده. وكانت عائلة ابن العنابي تتوارث الإفتاء والقضاء خلال قرن من الزمن، كما كانت عائلة ابن باديس والفكون في قسنطينة. وحين تولى الشاعر ابن علي الإفتاء الحنفي ١١٥٠ هـ، كان مستندا على تاريخ جده الذي تولى القضاء قبله بحوالي قرن، وبالإضافة إلى ذلك هناك شبه احتكار للوظائف في أسرة واحدة مدة طويلة. فالشيخ ابن الأمين كان قد تولى الفتوى عدة مرات، يعزل منها ثم يعاد إليها. وكذلك كان الحال بالنسبة إلى عائلة ابن الشاهد وعائلة ابن جعدون. وهذا يعود بدون شك إلى تغيير الحكام أنفسهم بسرعة. فالباشا كان يعزل العالم من وظيفته ويعين بدله آخر، فإذا جاء الباشا الجديد عزل العالم الذي وجده وأعاد الأول إلى وظيفته، وهكذا. وبالإضافة إلى علاقة البنوة والأخوة في الوظيف هناك علاقة المصاهرة، ذلك أن مراجعة تاريخ الأسر العلمية تكشف عن العلاقة العائلية بينها، ولا سيما المصاهرة. فعائلة قدورة كانت تصاهر عائلة المرتضى، وهي عائلة كانت فيها نقابة الأشراف. وكانت بين عائلة الزهار، وهي من الأشراف أيضا، وعائلة ابن المبارك بالقليعة، وهي أسرة مرابطين، مصاهرة أيضا. ويذكر الفكون أن زوج ابن المفتي أحمد بن باديس كانت
следующие страницы →