أشرنا إلى تأليف ريشاردو سنة ١٨٩٦، وهو عمل صغير الحجم تناول فيه أشهر الأمراض في الجزائر على عهده، وقد لخصها في ثلاثة، وهي: حمى المستنقعات، والزهري (السيفليس) والجدري. وكان حمدان خوجة في أول الاحتلال قد ألح على وجود بعض هذه الأمراض، مثل حمى المستنقعات لتنفير الفرنسيين من الاحتفاظ بالجزائر. ولكن الزهري والجدري جاءا مع الفرنسيين. وهناك أمراض أخرى جاءت معهم أيضا، ومن رأي الدكتور ريشاردو أن هناك أمراضا شائعة في الريف وأخرى في المدن، وأن لكل بيئة أطباءها الشعبين. واشتهرت في الريف أسماء مثل (بوموس)، وهو (الطبيب) المداوي بالوسائل المعروفة الحجامة والختان والكي. أما (بو عجب) فهو (الطبيب) الذي يستعمل الخرافات ويلجأ إلى السحر ونحوه كالأحجبة وخط الرمل. وهذان الطبيبان متنافسان على الفوز بالمريض وإظهار الشفاء. وكلاهما جاهل ولكن فيه فطانة. وكان أطباء المدن أيضا يلجأون إلى الخرافة، وهم طبعا غير الأطباء الفرنسيين. وقد ذكر ريشاردو مجموعة من الأمراض الأخرى وعلاجها الشائع عند الأهالي وكيف يمكن للطب الحديث أن يعالجها.
ولذلك أوصى في آخر كتابه بتوسيع التسهيلات الطبية للأهالي في البلديات، لأنه لاحظ أن المستفيدين من الطب هم الأوروبيون فقط. وطالب بجعل (الكينا) تحت تصرف الأهالي ضد حمى المستنقعات، ونصح بوضع بيان بالعربية لطريقة استعمال هذا الدواء، وكذلك نصح بنفس التسهيلات حول مرض الزهري، بإنشاء محطات علاجية لدى (الأطباء الاستعماريين). - هكذا التعبير الأصلي? لكي يوزعوا الجرعات اللازمة على المصابين من الأهالي. أما عن الجدري فقد نصح بالتلقيح ضده إجباريا. وأكد أن الأهالي
стр. 3257
لن يعارضوا ذلك لأنهم يرون في الأطباء الفرنسيين (محررين) لهم. وهم خاضعون تماما لعلاجهم. وهذا يؤكد ما ذهب إليه الدكتور بيرتيراند من أن الجزائريين يكون احتراما خاصا للأطباء والحكماء عموما.
وامتدح ريشاردو إنشاء بعض المستشفيات في المناطق العربية، وهي مراكز خاصة بالأهالي. ونصح بأن تسند إدارة هذه المراكز إلى الأطباء الداخليين أو إلى الآباء البيض (المنصرين) في بعض المناطق. وأوصى باحترام العادات والتقاليد. كذلك نوه ببعثة الحاكم العام الطبية إلى الأوراس للاطلاع على تقاليد التوليد، وكانت البعثة تقودها السيدة شيلييه، ولاحظ أنها قد استقبلت استقبالا حسنا وأن الأهالي قدموا لها المعلومات حول الولادة. وليست بعثة الأوراس هي الوحيدة، فقد بعث الحاكم العام عندئذ (جول كامبون) بعثات مشابهة إلى مناطق أخرى. وفي نظر ريشاردو أن هذه الطريقة ستجعل فرنسا تؤدي مهمة كبيرة لدى الأهالي، وهي الخدمة الصحية، والصحة هي أغلى ما يملك الإنسان (١).
ولا شك أن الأطباء الجزائريين الذين تخرجوا بالشهادات العليا، رغم قلتهم، قد كتبوا أطروحاتهم حول مواضيع اختاروها وتناولوا فيها الأمراض وعلاجاتها في ضوء الطب الشعبي والحديث. ولكننا الآن لم نطلع على هذه الأطروحات. وربما غيرنا سيفعل ذلك غير بعيد (٢).
...
وعقيدة الطب عند الجزائريين كانت دينية واجتماعية. فالدين كان يحث
стр. 3258
على معرفة الطب والوقاية من الأمراض، ويحث على العلاج وحفظ الصحة - صحة الأبدان -. أما من الناحية الاجتماعية فالممارسات للطب والعلاج لم تتوقف أو تضعف. وكانت على نوعين على الأقل، نوع (علمي) قائم على التجربة والملاحظة واستخدام الوسائل المادية بطريق عقلية، ولكن الجهل والتخلف والاستعمار منعت من تطوير الممارسات لكي تصبح علمية بمعنى الكلمة، اللهم إلا في فترة متأخرة. أما النوع الثاني من الممارسات فقد كان (خرافيا) قائما على السحر والشعوذة، وبعيدا كل البعد عن الدين والعلم، وقد أشرنا إلى ذلك.
في عهد الأمير عبد القادر وجدنا القيادة الوطنية كانت تهتم بالطب حسب الامكانات المتوفرة، ولم تكن تمارس الشعوذة ولا كانت ضد التداوي الخالي من الدعاية والتمويه. يقول محمد بن الأمير عبد القادر في (التحفة) إن والده قد أحدث ما كان معروفا عن ملوك المغرب، وهو إنشاء المستشفيات (البيمارستانات) لمرضى جنوده في مختلف المقاطعات. وقد عين الأمير في كل مستشفى (بيمارستان) أربعة أطباء، يرجع أمرهم إلى طبيبه الخاص، وهو أبو عبد الله (محمد) الزروالي. وقيل عن محمد الزروالي إنه كان ماهرا في علم الطب وكان مشهودا له بذلك. ولم يكن الزروالي بالطبع على نمط الأوربيين في علمه أو متخرخا من مدرستهم. فنحن لا نعلم حتى أين تمهر في هذه الصنعة، ولعله إنما وصل إلى ذلك عن طريق الوراثة والتجربة. يقول صاحب (التحفة) عنه إنه كان (عالما بخواص الأعشاب على اختلاف صنوفها، وكان يخرج الرصاص من داخل العضو المصاب بوضع عشب على مدخله فيخرج بعد بضع ساعات من موضعه بسهولة دون ألم) (١).
وقد أكد ذلك الفرنسيون الذين زاروا معسكرات الأمير. فكتب توستان دي منوار (سنة ١٨٤١) أن في جيش الأمير طبيبين بلقب باش جراج (كبير
стр. 3259
الجراحين). وكان الجراحون عادة من المرابطين، حسب قوله، أي أنهم كانوا من العلماء ورجال الدين. ولكن دي منوار ذهب، لأسباب معروفة، إلى أن العرب يثقون في الأطباء الفرنسيين أكثر من الأطباء الأهالي. ونفهم من كلام دي منوار أن الجزائريين لم يكونوا أبدا ضد الطب المتقدم، كما كانت تدعى السلطات الفرنسية. وقد زاد منوار ذلك تأكيدا بقوله إن كلمة (طبيب) عندهم كلمة سحرية، وهي وسيلة للدخول إلى نفوسهم وإلى معرفة دواخلهم، ونصح بأن ممارسة الطب من قبل أناس (فرنسيين) متعلمين وغير مرتبطين بمصالح ولهم ضمائر حية، ستكون ربما إحدى الوسانل الأكثر نجاعة لتسريب الحضارة الفرنسية بين الجزائريين. وزعم أن الفرنسيين استطاعوا أن يخففوا من تأثير العديد من الأمراض عنهم (١).
ونفس هذه الملاحظات تقريبا أبداها أدريان بيربروجر الذي زار معسكر الأمير، على رأس وفد هام، سنة ١٨٣٧. فقد تحدث عن احترام العرب للأطباء وسحرية كلمة طبيب بينهم أيضا، وكذلك كلمة حكيم. وقد وصف كيف تجمهر حولهم الجنود عندما علموا أن طبيبا. كان ضمن الوفد، وأن كل من له شكوى من مرض تقدم من الطبيب الفرنسي المرافق، بما في ذلك بعض قادة الجيش (٢). ولكن بيربروجر لم يحدثنا - كما فعل زميله دي منوار - عن أطباء الأمير ولا كبير أطبائه محمد الزروالي. ومهما كان الأمر فإن الشهادتين تثبتان أن الجزائريين لم يكونوا مقاطعين للأطباء الفرنسيين. وربما كانت المقاطعة مقتصرة على العامة الذين كانوا يخشون على أنفسهم من المزج بين الدين والطب، أو لأسباب لغوية وحواجز حضارية أخرى.
وهناك ممارسات تبدو في غاية العقلنة، رغم التقاليد، كان يمارسها الخبراء في كل قبيلة وقرية. وهي ممارسات قائمة على الطب الشعبي. وهو
стр. 3260
مزيج من الطب الديني والعلمي والوراثي. وقد تحدث الأوروبيون عن بعض هؤلاء الأطباء الشعبيين. فالضابط ريشارد قد سجل قائمة بأسمائهم. وهم كما قال آخر، ليسوا من خريجي المدارس، بل كانوا لا يعرفون حتى الكتابة والقراءة، ولعلهم كانوا يعتقدون أنها غير مفيدة لهم، ولا يقوم هؤلاء (الأطباء) بأي بحث في الموضوعات الطبية. وإنما كانوا يتعلمون بالوراثة والملاحظة والتجربة، ولهم ذكاء فطري، وقد لاحظ أحد الفرنسيين أن أعلام الطب (الإسلامي) أمثال الرازي وابن سينا وابن رشد، غير معروفين حتى للمتعلمين من الجزائريين سنة ١٨٧٠. وهذه الحالة في الواقع، حجة على الفرنسيين أنفسهم. واستغرب ذلك الفرنسي من أن كتب الأطباء العرب التي سيطرت على المدارس الأوروبية إلى منتصف القرن السادس عشر أصبحت مجهولة عند أحفادهم (١). وهو تعليق يذكرنا بتعليق الدكتور شو عن الجزائريين في القرن الثامن عشر.
ومن الأطباء الشعبيين من حذق عملية ثقب الجمجمة، ومن يعرفون كيف ينزعون الأسنان بحذق ويمارسون الحجامة، ويقومون بختان أحفادهم وأبناء العشيرة، ولهم طرقهم الخاصة وآلاتهم التي تجبر الأعضاء المكسورة. وقد وصف الدكتور بيرتوراند Bertherand ذلك في تأليفه السابق، فقال: (إن لعرب الجزائر اليوم عددا أكبر من الأطباء، أو بالأحرى عدد أمن الأفراد الذين يمارسون فن العلاج الطبي، ويمكن تقسيم هؤلاء إلى قسمين، حسب درجة تعلمهم: أولئك الذين يمارسون فن العلاج الطبي، ويمكن تقسيم هؤلاء إلى قسمين، حسب درجة تعلمهم: أولئك الذين يمارسون الطب التقليدي (الأطباء)، وأولئك الذين يجمعون إلى معرفة الطب معرفة أخرى واسعة في العلم والدراسة. ولهم أيضا قدرة على الكتابة عن الأدوية، وهؤلاء هم (الحكماء) أو الأطباء العلماء. وهناك صنف ثالث في نظره، وهم المداوون أو الأطباء الذين يسهرون على عملية جراحية داخلية. وصفة (المداوي) هنا
стр. 3261
تعني الطبيب الذي يأتي بالدواء الذي يستعمله بنفسه والذي يصفه للمريض. وهناك أيضا اسم (الجراح) وهو القادر على إجراء عمليات جراحية واستعمال العلاج المناسب للبرء. وفي الصحراء قال الدكتور بيرتيراند إن هناك (الخبير) الذي يعني الدليل ومرشد القوافل، ولكنه يعني أيضا عند أهل الصحراء العارف بأمور الصحة الواجبة لكل منطقة والأدوية اللازمة لأمراضها، مثل عضة الثعبان ولدغة العقرب والكسور (١).
أما عند الحضر فقد أخبرنا الضابط فيون بأنهم لا يعرفون الطب وأنواع العلاج لانتشار الجهل بينهم، وشيوع الخرافة. وتكاد الجراحة عندهم تنحصر في ممارسة الحجامة والختان وخلع الأسنان.
وأما في الريف فالأطباء هم كبار الأعراش، وهم حكماؤها الذين مارسوا مهنتهم مدة طويلة حتى أصبحت لديهم خبرة واسعة، وهم يتلقون هذه المعرفة إما بالوراثة والتقاليد، وإما بطريق الرحلة إلى تونس والمغرب وغيرهما، أو قراءة جداول للطب السحري والشعوذة، وأحيانا كانوا يعتمدون على الطب النبوي الذي كانوا يخلطونه بالخرافات. والجراحة أكثر شيوعا عند أطباء الريف منها لدى أطباء الحضر. وأطباء الريف يأتون إلى الأسواق وينصبون خيمة خاصة بهم لاستقبال المرضى (٢).
وفي ١٩١١ وصف السيد سيكار Sicard بعض الممارسات الطبية التي تجمع بين الطب والخرافة، وهو يقول إنها كانت شائعة في بلدة تقيطونت. وكان سيكار متصرفا إداريا للبلديات المختلطة. فقد لاحظ أن سكان هذه البلدة كانوا يترددون على الأطباء الشعبيين والأطباء الأوربيين أيضا. ومن المعالجات عند الأطباء الشعبيين أن الحمى مثلا كانوا يتخلصون منها عن طريق كتابة ألفاظ كروم وفيروم وحمانة على ثلاثة أنوية (جمع نواة) ثم تحرق ويشم المريض دخانها. وقد يكتب لهم الطبيب الشعبي آية قرآنية على ورقة
стр. 3262
كلخة ثم يعلقها المريض في رقبته، وقد يلجأون إلى حرق أوراق بعض الأشجار أو كتابة أسماء الجن. ويعالجون مرض الصفير بجرح أعلى الرأس ووضع غبرة (بودرة) الشاص المحروق على مكان الجرح. ومن علاج أمراض المعدة كتابة آية قرآنية في كوب من الماء ثم يشرب المريض ماء الكوب. ويعالجون ضيقة الصدر (الربو) بمشروب الخنجلان وسنكنجبير، والكي، واستعمال الأعشاب كمشروبات وكضمائد. وكانت المهارة في العلاج لا تتوقف عند معالجة أمراض الإنسان بل تشمل معالجة أنواع الحيوانات. والذين يقومون بالعلاج، حسب سيكار، هم المرابطون والطلبة (وهو هنا يعني المتعلمين عموما) (١).
اهتم الفرنسيون بترجمة آثار المسلمين في الطب، فكانت أعداد مجلة الغازيت الطبية تحتوي على مجموعة من هذه الآثار، فقد ترجم بيرون كتاب الطب المعروف (بالناصري) الذي ألفه أبو بكر بن بدر للسلطان الناصر بن قلاوون، وهو، كما فهمنا، في الطب البيطري، وترجم الدكتور بيرون (Perron) أيضا كتاب الطب النبوي من تأليف جلال الدين داود (أبو سليمان) وقدم له بمقدمة طويلة ونشر ذلك على حلقات في (الغازيت) (٢). كما ظهرت ترجمة لكتاب الرحمة في الطب والحكمة لجلال الدين السيوطي، ونسبت الترجمة لفرعون (ولعله لبيرون نفسه). وقد كتب المقدمة الدكتور بيرتراند وقال فيها إن المسلمين لم يكونوا متخلفين في الطب كما كان يظن الفرنسيون (٣). وفي أحد أعداد الغازيت نشر الدكتور بيرتراند مقالة أعلن فيها، بعد أن جرب العمل سنوات طويلة، في المستشفيات الأهلية، أن
стр. 3263
العرب المسلمين لهم أسنان بيضاء وصحية، وأنهم يستعملون للتنظيف والمحافظة على اللثة نباتات معينة، ذكر منها نماذج (١).
وقد اهتم الدكتور بيرتراند أيضا باستعمال المخدرات عند الناس وانتشار الفساد الذي جاء مع الفرنسيين بعد أن كانت البلاد (الجزائر) محافظة على قواعد الصحة والأخلاق. فقد تعرض لآثار الحشيش والكيف والتكروري. وكان الحشيش أكثرها انتشارا حسب قوله. كما تحدث عن انتشار الدعارة وعن كون الإسلام قد أباح تعدد الزوجات والتسري. فبعد أن كان عدد النساء المسجلات رسميا، ١٧٥ سنة ١٨٣٣ ازداد سنة ١٨٣٨ حتى وصل إلى ٣٧٥ امرأة، بينهن ٩٤ أوروبية. أما سنة ١٨٥٦ فقد بلغ عدد البغايا ٥٠٨ منهن ٣١٩ أوروبية (٢). وهو الأمر الذي ترتب عليه انتشار مرض الزهري.
ممارسات طبية في الأوراس
ومنذ ١٩١٣ وخلال سنوات الحرب العالمية الأولى عاش أحد العلماء الإنكليز في الجزائر ووصف زيارته لجبال الأوراس وممارسة حكمائه فن الطب العربي التقليدي إلى ذلك العهد. وقد سمى كتابه (بين أهل الجبال في الجزائر) (٣). وفي فصل عنوانه (فن العلاج) في الأوراس قال المؤلف إنه شاهد فن الجراحة والطب هناك فعزم على كتابة كتاب يصف التجربة الفريدة التي شاهدها. ولا ندري إن كان قد فعل ذلك، ولكنه ترك على كل حال فصلا من كتابه المذكور اقتصر فيه على وصف تجارب أطباء الأوراس، وهي التجارب التي يمارسونها في الأكواخ والمنازل. وقد تنقل الباحث بينها
стр. 3264
وجمع المعلومات عنها بنفسه. وبناء عليه فإنه، رغم انشار فن السحر والشعوذة، في المنطقة، فإن هناك أيضا علم الطب والجراحة الحقيقي الذي يقوم به بعض الأطباء على أساس مدروس وموروث. وقال سيمسون إن الناس قد يتخيلون أن الأوراسيين يمارسون السحر والطلاسم والحروز عند المرض والعطب، ولكنهم سيكتشفون أن فنون الطب التي كانت موجودة في العصور الوسطى (العصر الذهبي عند العرب والمسلمين) ما تزال موجودة في قرى الأوراس وفي خيام الصحراء القريبة منه.
وقد كان الفرنسيون قد علموا بهذه الأنواع من العلاج منذ أمد طويل، إذ أن كل شخص في الأوراس يحمل أثرا للجراحة يدل على أنه قد خضع لهذه المعالجة. وأصدر الفرنسيون قانونا يجعل من يتسبب في موت من يعالجه بهذه الطريقة مسؤولا على حياته ويخضع للعقاب. وذلك هو سبب السرية المتناهية، والتخفي عند ممارسة العمليات الجراحية المذكورة، تفاديا للعقوبة إذا حصلت الوفاة، وابتعادا عن طلب المؤهلات من الفرنسيين في المداواة. وقد أصبح أولئك الأطباء المحليون يكرهون الفرنسيين بل ويعتقدون أنهم لا يعرفون مهنة العلاج. ومن جهة أخرى فهم يخشون بوار صنعتهم لأن المواطن إذا علم أن الفرنسيين فتحوا عيادات قريبة فإنه قد يذهب إليها ويتركهم. فكان الجراح الشاوي (الأوراسي) إذن يلجأ إلى إخفاء طريقته في العلاج، ويستنقص الطريقة الفرنسية في ذلك ويتهمهم بالجهل إلا في حالات لا يفعلها المسلم مثل بتر الفخذ والأعضاء. ولذلك فإن السائح أو المسافر العادي لا يمكنه، في دعوى السيد سيمسون، أن يطلع على الأعمال الجراحية في منطقة الشاوية ولا يمكنه التعرف على وسائلهم وآلاتهم التي لا توجد قبل ١٩١٤ حتى في المتاحف.
ويبدو أن في هذا الادعاء شيئا من المبالغة لتبرير ما سينشره سيمسون بالصور والوصف للعمليات الجراحية في الأوراس. ومهما كان الأمر فقد بدأ مساعيه للاطلاع والتعرف على طريقتهم في ذلك. وقد تنكر في زي جوال لا يعرف من الطب إلا قليلا. وقام هو ومن معه بإعداد لوازم الاسعافات وحمل
стр. 3265
بعض الأدوية غير الخطرة، وكانوا يقدمون منها إلى السكان الذين التفوا حولهم وجاؤوا إليهم من بعيد. وشملت إسعافاته المريض والمعطوب وحتى الأصحاء. وتفادى العمليات الجراحية ومداواة الصمم وماء العينين ونحوها.
وقص سيمسون كيف حصل على المعلومات (السرية) حول الجراحة والجراحين في الأوراس، وهي العملية التي اشتهرت في أوروبا وبلغت انكلترا. ولكنه هو وفريقه لم يحصلوا على طائل لأن السكان كانوا متمسكين بالسرية وكانوا يكتفون بالقول، إذا سئلوا، إن كل مريض أو مصاب يذهب إلى الطبيب الفرنسي. ثم غير سيمسون ورفاقه الطريقة فسألوا ما إذا كان في المنطقة من يحتاج إلى آلة المبضع الإنكليزية، وأخرج واحدة منها كانت في جيبه. وهنا قال كبير الحاضرين: دعنا نسأله (يعني الجراح) إنه حاضر معنا. فوقف رجل تبين أنه هو الذي كان يقوم بالجراحة. ووعده سيمسون بأنه لن يعطي اسمه للسلطات الفرنسية، وطلب منه سيمسون ورفاقه أن يقبل ببعض الهدايا الطبية التي كازا يحملونها معهم، وأن يطلعهم على طريقته في الجراحة والأدوات التي يستعملها. وكان ذلك في ربيع سنة ١٩١٣ (١). وحصلوا منه فعلا على مختلف الأدوات المستعملة. وعرفوا منه أيضا طريقة التطبب والعلاج بالأعشاب.
وفي جولات لاحقة في المنطقة حصلوا من (أطباء) آخرين على عدد آخر من الآلات الطبية حتى بلغ ما جمعوه ١٥٠ قطعة، وقد وضعوا حوالي ٦٠ قطعة منها في متحف بيت - ريفرز Pitt - Rivers في أكسفورد. وقد أخبرنا سيمسون أن هؤلاء الأطباء كانوا يتدربون فترة طويلة قبل بدء العمليات الجراحية. وكان أجدادهم قد تعلموا هذه الصنعة وعلموها لأولادهم. فهي ميراث عائلي منذ العصور الوسطى. وهذه الصنعة كانت تمارس: ايضا في مناطق أخرى بالجزائر. والآلات المذكورة متنوعة، منها الحديدية والخشبية.
стр. 3266
والآلات الحديدية صنعها الحدادون بالمنطقة. والجراحون لا يستعملون المخدر عند العمليات، وهم يعتمدون على قدرة تحتل المريض وصبره. وللجراح مساعدون يسعفونه. وقد وصف سيمسون بعض النتائج وقال إنها معتبرة.
واستنتج السيد سيمسون عدة نتائج بعد دراسته المستفيضة. من ذلك أن الكتب العربية التي يشار إليها ويرجع إليها أهل الطب والجراحة والصيدلة تشير إلى أن المهنة التي وصفها ترجع إلى عصر الفتح الإسلامي. ومن جهة أخرى قال إن الحجاج كانوا يقضون وقتا بعد أداء الفريضة، في دراسة الطب في تونس أو القاهرة، ثم يحملون معهم الكتب ويرجعون إلى بلادهم. وإن المعرفة الطبية إذن ترجع إلى حوالي القرن الثالث عشر الميلادي. وتناقل ذلك الأبناء والأحفاد عن الأجداد شفويا ويوارثوه إلى الحرب العالمية الأولى. وقد ظل قلب الأوراس يحتفظ بذلك التراث من الطب العربي، لأن العائلات القديمة أدخلت هذا النوع من الطب ومارسته هناك. وهم لا ينظرون إليها على أنها عائلات من المرابطين، كما أن الناس لا ينظرون إلى هذه العائلات نظرتهم إلى من يلجأ إلى الطرق الشيطانية والشعوذة وكتاب الحروز الذين كانوا موجودين أيضا في المنطقة. إن العائلات التي تمارس الطب في الأوراس كان ينظر إليها نظرة خاصة، شبيهة بنظرة أهل أوروبا إلى ممارسة أطبائهم منذ سبعة قرون. وهذا لا ينفي وجود بعض الصفات السحرية عن هذه الممارسات، واستشهد سيمسون بقول بعض هؤلاء الأطباء، إن البومة لها عين يقظة وأخرى نائمة.
لقد قضى سيمسون حوالي أربعة فصول شتوية في الأوراس ليجمع نماذج من الفن (الأهلي) لمتحف (بيت - ريفرز) المذكور. وقد صور في كتابه أدوات جراحية وأعشاب وعمليات جراحية أجريت خلال حضوره. وتعتبر الصور التي التقطها جيدة بمقياس ذلك الوقت. ومن جهة أخرى أثبت أن عملية قد جرت في الجمجمة على أحد المرضى وأنه عندما رجع إلى الأوراس في السنة التالية وجد الرجل الذي كان مريضا في صحة جيدة.
стр. 3267
وبالإضافة إلى وصفة المذكور قام سيمسون بدراسة الاثنوغرافية وأحوال السكان سواء منهم الأوراسيون أو بدو الصحراء القريبة. وربط خلال ذلك علاقات صداقة مع بعض الأطباء المحليين الذين كانوا يعملون في سرية تامة، وقد نشر بعض التفاصيل عن ممارساتهم. وأثبت أن طريقة العلاج قد انتقلت منذ العصور الوسطى من العلماء العرب والمسلمين إلى هؤلاء الأطباء الذين ورثوها بدورهم عن آبائهم في عائلات تسكن الأوراس وتمارس الأعمال الطبية والجراحية، طبقا لتقاليد الطب العربي، وهي عائلات حافظت بشدة على أسرار مهنتها ثمانين سنة بعد الاحتلال. ولاحظ سيمسون أن بعض جراحي الشاوية كانوا يملكون كتب العلماء القدماء، ولكنهم غير قادرين في وقته على الاستفادة منها وقراءتها لانقطاع التعليم عنهم.
وخلال رحلاته في الأوراس كشف سيمسون أن الأطباء هناك كانوا يقضون وقتا طويلا في البحث عن النباتات المفقودة، وقد صورهم وهم يأخذون الأعشاب ويزنون المقادير، ثم وهم يمارسون فنهم على المرضى والجرحى. وكان أعظم ما قاموا به هو عملية ثقب الجمجمة Trepanation التي يجرونها بصفة خارقة للعادة. وقد سبق للسيدين (مالبو) و (فيرنو) أن وصفاها أيضا في (الانثروبولوجي) التي ظهرت سنة ٧ ١٨٩. واشتهر نجاح الأطباء الأوراسيين في المنطقة كلها، إذ كانوا يستبدلون القطعة المكسورة من العظم بقطعة من عظم كلب أو شاة مذبوحة حديثا. كما وصف سيمسون أيضا وبدقة كبيرة العمليات الي أجريت على العيون وأجزاء أخرى من الجسم الإنساني. ويبدو أن الآلات التي استعملت بالأوراس هي أكثر قدما من آلات هيبقراط (بقراط) (١).
والذين راجعوا كتاب سيمسون شهدوا له بالدقة ووضوح الصور. كما شهدوا على قدم ونجاح عمليات الأطباء الأوراسيين. فقد قال أوبري إن وجود الأهالي أثناء العمليات الجراحية وكذلك آثار الجراح المعالجة تدل
стр. 3268
على نجاح العمليات. غير أن المؤلف (سيمسون) لم يستطع أن يحصل على إحصاء دقيق لعدد العمليات الناجحة. وتبين من الكتاب أيضا المعرفة الجيدة للأوراسي بالأعشاب وأنواعها وفوائدها. ويدعى الطبيب الأوراسي أن كل النباتات لها فوائد ومنافع طبية، ولكن الناس لا يعرفون كل خصائصها. وهذا الطبيب كان يجمع بنفسه الأعشاب التي يحتاجها ويعالج بها. كما كان يتردد على صيدليات الأوروبيين من وقت إلى آخر في باتنة وبسكرة، ولكنه لا يستفيد منها إلا القليل، وذكر سيمسون أنواع الأمراض التي كان يعالجها أطباء الأوراس. وفي النهاية نعرف أن سيمسون نشر ملاحظاته عن الطب (العلمي) في الأوراس بينما أجل نشر ملاحظاته عن الطب (السحري) أو الخرافي. وهذا في حد ذاته فصل هام من مسيرة الطب في الجزائر. ولا نعرف أن سيمسون قد نشر الجزء الآخر من كتابه.
الطب السحري والخرافي
لقد كتب الكثير عن الطب الشعبي - الخرافي في الجزائر، من كتاب مسلمين وفرنسيين. ونعني به تلك الممارسات التي ارتبطت بالعقائد القديمة في الأشياء والأشخاص على أساس المضرة أو النفع. فمع انتشار الجهل بين العامة وابتعاد الخاصة عن التعلم واستعمال العقل، وجدنا المجتمع قد اعتقد في وسائل أخرى للتداوي ليست هي دينية ولا علمية. أصبح الشفاء والسقم والنفع والضر يأتي من قبل شجرة أو ضريح ولي أو ماء معين أو كتابة على حرز (حجاب) أو نحو ذلك. وقد شاعت خطوط الرمل وكتابة الحروز وقراءة البخوت واستطلاع الغيب، والكشف الصوفي، كما شاعت أنواع النشترة والعزائم والتمائم التي لها أصول ربما مفيدة، ولكنها تحولت إلى ممارسات استغلالية واستسلام بليد لسلطة روحية ونفسية طاغية. وقد روى الشيخ مبارك الميلي نماذج من ذلك في كتابه (رسالة الشرك ومظاهره)، وهو الكتاب الذي أصدره خلال الثلاثينات من هذا القرن. فقال عن صفة العزيمة إن القارئ يقرأ على من يظن أن به مسا من الجن سورة الجن من القرآن الكريم في غالب
стр. 3269
الأحيان، وتكون بيده فتيلة قد أحرق رأسها ويكوي بها أنف المصاب. وقد يدخن له ببخور، وقد يكتب له شيئا مما هو مدون في كتاب (شمس المعارف) للبوني. أما النساء فلا تسأل عن لجوئهن إلى تنزيل القمر في القصعة حتى كان القمر خبزة، وكم تستعمل النساء السحر وحل الأزواج وربطهم، وكم يصدر عنهن من وصايا سحرية ومن رقى ومن أوصاف أدوية لبناتهن وصاحباتهن (١).
ووصف الميلي أيضا النشرة (بضم وتضعيف النون) وقال إنها من أنواع التطبب ولها حكم الرقية والتميمة حسب قوله. وعرفها بأنها تعويذة يعالج بها المريض والمجنون، وهو يعلقها تميمة أو يمحوها ويشرب ماءها أو يدهن بها. فالنشرة هنا كأنها هي تفريق المرض عن المريض، حسب تعريف الميلي. وتعني النشرة أيضا السحر وإبعاد السحر عن المسحور. وترتبط النشرة بالجن غالبا حتى أن اسم الله لا يذكر على الذبيحة إرضاء للجن (٢). ونسب الميلي هذه التصرفات إلى بعض المشائخ، ومنهم شيخه الذي تعلم عليه القرآن. وأشهر منه الشيخ العبيدي الذي كان يتصرف في الجنون فيخرجه من فلانة ويسجنه في زجاجة، وقد يدعي إحراق بعض الجن وتوبيخ آخرين (٣). وهكذا. أما الطيب العقبي فقد سخر من مثال هذه الممارسات في قصيدته (إلى الدين الخالص) عندما أعلن عن عجز هؤلاء (الأطباء الروحيين) عن إزالة الحشرات فما بالك بجلب البرء ودفع الضرر:
لست أدعوهم، كما قلتم، وقد ... عجزوا عن طرد بق أو قراد
وقد انتشر الطب السحري رغم ظهور بعض الأطباء الجزائريين الذين تخرجوا من الجامعات الفرنسية. ويبدو أن الإغراق في الطب السحري قد جاء مع الإغراق في التصوف منذ أواخر القرن الماضي. وكذلك مع الإغراق
стр. 3270
في الجهل. فقد انقطعت العامة عن الهداية الدينية والعلوم العملية وتدهورت أوضاعها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وتعلق الناس في التداوي والعقائد بالشيوخ والأشباح والجن والأرواح والممارسات الشيطانية. وارتبط ذلك كله بظهور موجة من البدع والخرافات الغريبة عن الدين والعلم والعقل. وكان ذلك يلذ للسلطات الفرنسية، فكلما غرق الناس في البدع والخرافات والسحر والتعلق بالشيوخ كلما هدأت الأوضاع واستقرت البلاد في نظرها. وكان علماء الاجتماع الفرنسيين ينشرون فكرة جديدة أوائل هذا القرن، وهي أن المجتمع الجزائري سيتحلل من الداخل بنفسه وينتهي أجله عما قريب (١).
وظاهرة اللجوء إلى الممارسات السحرية والطب الخرافي لم تكن خاصة بجهة من الجهات. وقد رأينا من النماذج التي ساقها الميلي ما كان يحدث في بعض الجهات الشرقية. وفي سنة ١٩٠٧ كتب أبو بكر عبد السلام بن شعيب دراسة عن (المرابطين المداوين) في الناحية الغربية، سيما تلمسان وضواحيها. وقد بين أن كل ولي عند العامة قادر على علاج مرضى أو أكثر. فالحمى والصداع لهما (أطباؤهما) من الدراويش. وأكد الكاتب أن المسلمين في وقته كانا يفضلون الذهاب إلى المرابطين بدل الأطباء الفرنسيين، (ولكن لماذا الفرنسيون فقط؟) ووصف هؤلاء المسلمين بأنهم جهلة. ولكنه قال إن هذه الممارسات في نظره غير خاصة بالمسلمين. فالعقيدة في الدراويش منتشرة أيضا لدى الكاثوليك. وحاول الكاتب أن يربط بين الإسلام وهذه الممارسات، فقال إن الإسلام لا يمانع في المداواة عند المرابطين بشرط عدم الشرك. ولكن من أين له بذلك؟ وأية مداوداة؟.
والأمراض الشعبية في نظر أبي بكر على نوعين: بدنية ومعنوية (روحية). فالبدنية هي التي يمكن تفسير أسبابها وطبيعتها مثل الحمى وأمراض العين والصداع. أما الأمراض المعنوية أو الخفية فهي التي لا يمكن تعليلها كالصرع والهستيريا، والعامة تعتقد أنها من فعل الجن، ولذلك ينصح
стр. 3271
الناصحون بالتوجه إلى المرابطين لعلاجها. وقد ذكر الكاتب بعض هؤلاء المرابطين والأماكن الخاصة بطلب العلاج. ففي تلمسان قبة بناحية الوريط تسمى (قبة سيدي محمد بن يعقوب)، ويشاع أن هذا الولي كان يبرئ من أمراض العين، ووجد على القبر شجرة زيتون من أكل من حبوبها شفي من عينيه. أما المرابط سيدي بوراس، حول تلمسان أيضا، فقد شاع عنه العلاج من الصداع. وتذهب الأسطورة إلى أن على المريض أن يطبخ رأس كبش في بيته ثم يحمله معه ويأكله في قبة الشيخ المذكور ويترك العظام حيث أكل. وفي قبة سيدي القيسي يتداوى المرضى من الحمى. وهذه القبة توجد على مقربة من ضريح سيدي ابن مدين الغوث. والمطلوب من المريض أن يذهب إليها ثلاثة أيام متوالية، لكن قبل شروق الشمس أو بعد غروبها، وعليه أيضا أن يحرك الأوراق المتساقطة على قبة الشيخ. وهناك أولياء آخرون يمتاز كل منهم بمداواة مرض من الأمراض، فقد اختصر سيدي الأنجاصي مثلا بمداواة المغص عند الأطفال، وسيدي الداودي بن ناصر في (أغادير) بالمداواة من العقم (١).
وفي الصحراء وغيرها عقائد مشابهة في المداواة، عن طريق السحر وما يشبهه. فلو ذهبت إلى بلاد سوف أو ميزاب أو توات، أو تنقلت في نواحي العاصمة وزواوة لوجدت عشرات القصص والأسماء وطرق العلاج الشعبي المبني على الخرافات شبيهة بما وصف الميلي وأبو بكر. والغريب أن بعض ذلك مرده في الأساس إلى الطب النبوي ولكن بعد تحريفه عن أصله. ولا سبيل إلى استقصاء النماذج من كل جهة، لأن الأمراض تكاد تكون واحدة، وطرق العلاج الخرافي متشابهة.
стр. 3272
وقبل أن نذكر المؤلفات التي تحدثت عن الأمراض وعلاجها، نكرر القول إن السلطات الفرنسية كانت تستمرئ هذا الإغراق في الخرافات، وكانت بصفة عامة تمنع من يدعو المسلمين إلى العلم واليقظة والخروج من التخلف. وما الحركة الاصلاحية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى إلا حركة تمرد على ذلك الوضع. ولكن الأصوات المنادية بتعلم الطب الحديث والخروج من ربقة الجهل قد بدأت مع كتيب المجاوي الذي ظهر سنة ١٨٧٧ ومحاولات أخرى على يد ابن مهنة وابن الموهوب ومحمد بن مصطفى. ومنذ ١٨٨٤ تخرج محمد بن العربي (بلعربي) والطيب مرسلي وبوضربة وبريهمات، وأخذوا ينشرون الطب الحديث بين المواطنين. ولكن الانتقال من مرحلة الخرافة إلى مرحلة العقل والوعي قد أخذ زمنا طويلا حقا.
إن السلطات الفرنسية بدل أن تفتح المجال أمام التعلم وترخص للمصلحين بالدعوة إلى العقل واليقظة كانت تدعو هي، بوسائلها الخاصة، كجريدة المبشر وبعض الكتيبات الموعز بها، إلى العلاج عند الأطباء الفرنسيين ودخول المستشفيات الكنسية، وهو ما جعل الناس ينفرون من الطب ويلجأون إلى الخرافة، ويفضلون المرابطين والعلاج الروحي على الأطباء المستعمرين والعلاج الديني. فإذا ما أوعزت تلك السلطات إلى من يؤلف في الطب الحديث ويخاطب العامة فإنما يكون ذلك لمصلحة الفرنسيين أنفسهم مثل فوائد الخير الصحي للحجاج والمسافرين عموما، ومثل مداواة الأمراض المعدية والتخلص منها، أما الأمراض التي لا تضر إلا بالجزائريين فقد تركت للشعوذة والسحر، كما ذكرنا.
بعض المؤلفات في الطب والصحة
والصحف التي كانت تصدر عن الإدارة، مثل المبشر والمغرب وكوكب افريقية، كانت تنشر المقالات والتوجيهات عن فوائد الصحة وطرق العلاج والتخلص من الأوبئة، للإنسان والحيوان. وكان بعض أطباء الجيش الفرنسي
стр. 3273
وأطباء المكاتب العربية يؤلفون كتبا ذات فائدة عظيمة عن تجاربهم مع الجزائريين في ميدان الطب والعلاج. ومنذ أواخر القرن ظهرت كتيبات على يد بعض العلماء الجزائريين المتصلين بالإدارة أو العاملين في جريدة المبشر، مثل الحفناوي بن الشيخ ومحمد بن مصطفى. ولكننا سنبدأ بأول أثر عن فوائد الحجر الصحي.
١ - إتحاف المنصفين والأدباء في الاحتراز من الوباء: وهو من تأليف حمدان بن عثمان خوجة حوالي ١٨٣٧ (١٢٥٢). وقد رد فيه على المتزمتين الذين لا يقبلون بالتغيير وعلى المتوكلين الذين يتركون كل الأمور إلى مشيئة الله فلا يتخذون حذرا ولا يقدمون الأسباب لتفادي الأوبئة والطواعين. وثقافة خوجة المعاصرة تجعله خير من يكتب عن الموضوع. فقد عاش في الجزائر وتجول في المشرق وفي أوروبا قبل وبعد الاحتلال الفرنسي لبلاده. وكتب هذا الكتاب بعد هجرته إلى اسطانبول. وندد حمدان خوجة بالمسلمين القاعدين الذين كانوا يعتقدون أن طرق الوقاية إنما هي من مبتكرات الفرنجة (النصارى)، ولذلك فهي غير واجبة على المسلمين في زعمهم. ولا شك أنه كان يقصد بذلك علماء الوقت الذين رفضوا الإصلاح. ونحن هنا نجد خوجة ساخطا على علماء المسلمين بشأن الطرق الصحية كما ثار زميله ابن العنابي بهم في شأن الطرق العسكرية (١).
ذكر حمدان خوجة أنه شهد نزول الوباء بالجزائر حوالي عشرين مرة أثناء حياته، وفي كل مرة كان الوباء يصيب المئات وربما الآلاف ويشوه وجوه الناس ووجه البلاد. فاضمحل نتيجة ذلك، العلم وأقفرت المعالم وانقرض العسكر، (لا يراد الممرض على المصح) لأن مبدأ الحريق شرارة. ولو اتبع الناس التعاليم الدينية والعقلية لما أصابهم الوباء. ولفت خوجة أنظار قومه (وكأني به يخاطب علماء المشرق وسياسييه) إلى أن الغربيين
стр. 3274
(الإفرنج)، قد اتخذوا طرق الوقاية وتحرزوا غاية التحرز فلم يعانوا من إصابات الوباء، وظهر خوجة كأنه يتكلم على لسان ابن خلدون، حين قال إن الغربيين قد توارثوا الصنائع المهمة، وزاد آخرهم فيها على أولهم، وطالت أعمارهم، وتوفرت عساكرهم ومتاجرهم (اللتان عليهما المعول) بينما ضعف حال المسلمين. وبعد هذه المقارنة الواضحة قال خوجة إن الغربيين قد استغنوا عن قتال المسلمين بقلة حزمهم، وبذلك أصبح المسلمون يخربون بيوتهم بأيديهم، لأنهم جعلوا من الضعف قوة ومن السراب قوتا. وأفكار خوجة هنا تدل على له كان داعية تغيير في مختلف الميادين التي ضعف فيها حال المسلمين. ويجب أن نتذكر أن خوجة كان يكتب بعد حروب الصرب واستقلال اليونان وغيرها من الأحداث التي أضعفت الدولة العثمانية، وكشفت عن ضعف المسلمين، واكتسب منها الإفرنج قوة. ولما كان خطابه في الحقيقة للخاصة (العلماء ومشائخ الإسلام، كما يسميهم) وليس للعامة، فإنه تمنى أن يقرأوا كتابه بعين الإنصاف، وأن يكتبوا عنه إذا أخطأ.
وكتاب (إتحاف المنصفين) يضم مقدمة وثلاثة أبواب. فالمقدمة حول مسائل عامة كدفع الأذى والتسبب والعلل. وقضية تقدم الإفرنج في العلوم الرياضية والطبيعية. وجعل خوجة المقارنة تظهر كأن المسلمين تأخروا لأنهم متمسكون بدينهم ومتخلون عن دنياهم، وإن أهل الغرب تقدموا لأنهم تخلوا عن دينهم واعتنوا بأمور دنياهم. وهو طبعا لا يريد ذلك. ثم ذكر حقيقة الاحتراز من الوباء بطريق (الكرنتينة) وخاطب في ذلك الراعي والرعية (الحاكم والمحكوم) وطالب بتطبيق هذه الطريقة بتوفير الصحة وضمان المعاش وقوة الدولة.
أما أبواب الكتاب الرئيسية فهي:
١ - الأدلة النقلية والعقلية على جواز الفرار من الوباء.
٢ - جواز الاحتراز من الوباء شرعا.
٣ - بيان تطبيق (الكرنتينة)، وفيه ناقش خوجة ما إذا كان ذلك يتعارض
стр. 3275
مع الدين الإسلامي، ثم بين كيف طبق الغربيون ذلك. وبعد الخاتمة دعا المسلمين إلى المبادرة بتطبيق الاحتراز، عند مداخل عاصمة الدولة (اسطانبول) والاستعانة بتجارب الغربيين في هذا الميدان. كما رد على من زعم أنه لا يجوز الاستفادة من الأجانب (١).
ورغم أهمية الكتاب فإنه غير مدروس وغير معروف، وربما يرجع ذلك إلى عنوانه غير المباشر أو إلى الموضوعات العديدة التي احتواها. وكانت نسخة منه عند محمد بن أبي شنب فسلمها إلى جورج ايفير الذي نشر دراسة مستفيضة عن حمدان خوجة ومذكرته سنة ١٩١٣. وقد استحق ابن شنب ثناء ايفير لأنه ترجم له ما يتعلق بالحجر الصحي، والإهداء إلى السلطان، وبعض التفاصيل عن حياة المؤلف نفسه (٢). وجاء في ترجمة حمدان خوجة التي كتبها عمر راسم أن نسخة من كتاب الاتحاف كانت موجودة (بالعربية والتركية) عند عمر خوجة الجد، القاطن ببئر مراد رايس، وربما كانت بخط خوجة نفسه (٣).
٢ - وفي سنة ١٨٩٦ كتب ونشر محمد بن مصطفى أيضا كتيبا عن الطب والحجر الصحي (الكرنتينة) وعلاقة ذلك بالشريعة الإسلامية. وكان محمد بن مصطفى إذاك عاملا في جريدة المبشر، وكان واسع الاطلاع على التراث والحياة المعاصرة. وربما كلفه الفرنسيون بوضع مثل هذا التأليف، وقد تكفلت الإدارة بنشره وترويجه. ولا شك أن لهذا الكتاب علاقة بالحج والسفر إلى الخارج. وكان ذلك في عهد الحاكم العام، جول كامبون،
стр. 3276
صاحب الفتوى التي طلب من العلماء المسلمين في الحجاز الموافقة عليها، والتي كان يقصد من ورائها الحد من هجرة الجزائريين نحو الشرق والتحكم في الحجاج (١).
وبعد صدور الكتيب المذكور نشرت (المبشر) حوله كلمة جاء فيها أن المؤلف مدرس في جامع سفير بالعاصمة لكي تبرر علاجه لموضوع ديني - علمي? سياسي. وقالت إنه استدل على آرائه في عدم منافاة الشريعة الإسلامية للحجر الصحي بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وأقوال فقهية. ومن ثمة يفهم الناس أن حفظ الصحة الذي الذي استعمله الفرنسيون ليس ضد الدين الإسلامي، وكذلك إلزام الناس بالحجر الصحي لمنع انتشار الأوبئة. (وامتدحت المبشر الكتيب على أنه ذو قدر عظيم في كافة البلدان الإسلامية، تبعا لقدر المؤلف الذي هو (فقيه جزائري). ونفهم من ذلك أن الفرنسيين كانوا يوزعون الكتيب في بلدان الشرق وأفريقيا أيضا. وقد ترجموه إلى الفرنسية ونشروا الأصل والترجمة في كتيب واحد، وأشادت (صحف شتى) في فرنسا بهذا العمل. إن العلاقة واضحة في هذا التأليف بين الدعاية والعلم.
كما نشرت عن مجلة (أفريقية الفرنسية) تعليقا جاء فيه أن الكتيب يقع في أربعين صفحة، وأن المؤلف تحدث فيه عن الأدوية في الشريعة الإسلامية، ومكانة الطبيب (الحكيم) في الشريعة أيضا، وجاء على ذكر بعض الأعشاب المفيدة الموصى بها دينيا، كما جاء بنصوص من القرآن الكريم والحديث النبوي. والملاحظ أن المؤلف أشار أيضا إلى ما جاء في كتاب (إتحاف المنصفين) لحمدان خوجة حول الحجر الصحي، وذكر أن على المسلمين أن ينشدوا الطب عند غير المسلمين (أي الفرنسيين)، ونفهم من المجلة الفرنسية أن مفتي المالكية ابن زاكور، قد قدم الكتيب ومدح مؤلفه،
стр. 3277
وأن أحمد بوقدورة (المفتي الحنفي) وعلي ابن الحاج موسى (قيم ضريح الشيخ الثعالبي) وابن زكري أستاذ الشريعة بالمدرسة الرسمية كلهم قد قرظوا الكتيب (١).
٣ - الخبر المنتشر في حفظ صحة البشر: وهو ترجمة لكتاب الدكتور دركل في تدبير الصحة. وقد طبع هذا الكتاب سنة ١٩٠٨، وترجمه وأعده الحفناوي بن الشيخ صاحب كتاب تعريف الخلف، ونشرته كذلك الإدارة الفرنسية. وكان الحفناوي محررا أيضا في جريدة المبشر الرسمية. وسنة ١٩٠٨ تذكرنا بعهد (شارل جونار) الذي أخذ فيه الانفتاح على العالم العربي والإسلامي يشق طريقه. ونحن نلاحظ هنا أيضا استعمال رجال الدين الجزائريين للترويج للمصالح الفرنسية من خلال نشر أعمال تبدو بريئة لعلاقتها بحفظ الصحة على العموم.
٤ - القول الصحيح في منافع التلقيح: ألفه أيضا الحفناوي بن الشيخ، ونشرته الإدارة الفرنسية في الجزائر، بدون تاريخ. وواضح من عنوانه أنه يتعلق بالتلقيح ضد بعض الأمراض المعدية وترغيب الجزائريين في ذلك، دون حرج ديني أو صحي (٢).
٥ - تدبير صحة الأبدان في السفر وزيارة البلدان: وهو من تأليف المدني بن الشيخ الديسي (أخو الحفناوي بن الشيخ صاحب تعريف الخلف). وهذا الكتاب قد جمع فوائد عديدة طبية وعلمية وتاريخية. ويبدو أن صلة المدني الديسي بالإدارة لم تكن على نفس المستوى الذي كانت عليه مع أخيه، ومع ذلك فالإدارة هي التي نشرت الكتاب أيضا سنة ١٩١٣، لكونه يستجيب للمواصفات التي تحتاجها منه.
стр. 3278
كان المدني هذا قد ولد في الديس (نواحي بوسعادة) سنة ١٢٨٤. وتلقى العلم على شيوخ الناحية، ومنهم محمد بن عبد الرحمن، عالم زاوية الهامل، وأخذ (الطب والحكمة) عن والده، وعن دحمان بن الفضيل الديسي. ثم اتجه المدني إلى الزوايا بحثا عن العلم، فنزل زاوية ابن أبي داود بزواوة، ثم زاوية علي بن عمر بطولقة، ثم زاوية مصطفى بن عزوز بنفطة. ويهمنا أيضا وصف الشيخ محمود كحول للمدني في (التقويم الجزائري) بكونه يميل إلى (التقدم العصري) ومحبا للاطلاع. وأخبر كحول أيضا أن المدني قد حضر درس الشيخ محمد عبده في تفسير سورة والعصر بالعاصمة حين زارها سنة ١٩٠٣. ومن جهة أخرى فإن المدني قد تأثر علميا بالشيخ المكي بن عزوز، وأنه أخذ الطريقة الرحمانية على الشيخ محمد بن أبي القاسم الهاملي. إن هذا الجمع بين الدنيا والدين، وبين العلم والتصوف، هو الذي رشح كتاب المدني بن الشيخ للنشر من قبل مطبعة فونتانة التي كانت تحت نظر الإدارة الفرنسية (١).
أما محتوى الكتاب فهو مجموعة من المعارف في الصحة والفلك والطب والمستحدثات التقنية ومضار بعض المأكولات والممارسات. وقد قالت عنه جريدة (كوكب افريقية) إن المؤلف جعل له مقدمة في الأسباب التي دفعته للتأليف، ثم تناول فيه الفصول الأربعة وما يختص به كل واحد منها وما يستعمل فيه. ثم تحدث عن السفر وفوائده، وجاء بمناظرة بين البادية والحاضرة، نثرا وشعرا، وما قيل في كل منهما. وتناول الكتاب أيضا علم الطب والتشريح والحواس الخمس كالفلك ونحوه، وحذر المؤلف من الدجاجلة المعاصرين. ولا شك أن ذلك يعني التحذير من اللجوء إلى الشعوذة والسحر والتداوي عند (المرابطين) بالوسائل الشيطانية التي ذكرنا بعضها. كما تحدث المدني عن أمرين آخرين هامين، الأول (المستحدثات العصرية) مثل السكة الحديدية والفوتوغراف، والثاني معاهد العلم التي زارها
стр. 3279
في الجزائر والأعيان الذين اجتمع معهم خلال زياراته. ويبدو أن هذا الفصل مفيد لمن يريد الاطلاع على حال الزوايا ورجال العلم عندئذ. وفي الأخير تحدث المدني بن الشيخ عن تدير الصحة المنزلية وعن أمراض بعض المطاعم، ومضا الفلفل، كما تحدث عن أصحاب خط الرمل (١). فأنت ترى أن الكتاب ليس كله في الطب وحفظ الصحة، ولكنه كتاب عام فيه فوائد مختلفة، وهو بذلك يجعل المؤلف في الخط الذي تريده الإدارة للجزائريين.
٦ - أقوال المطاعين في الطعن والطواعين: لأبي حامد المشرفي. المتوفى بالمغرب سنة ١٨٩٦. والمشرفي يعني (بالطواعين) الأوبئة. وقد جمع فيه آراء وحوادث ونقولا هامة. وكنا قد أخذنا منه بطاقات سنة ١٩٧٣ أثناء زيارتنا للمغرب، ثم ضاعت منا سنة ١٩٨٨ ولم نستطع تعويضها إلى الآن.
٧ - تحفة المحب في أصل الطب: تأليف محمد بن يوسف أطفيش، المتوفى سنة ١٩١٣. وقد طبع بمصر في عهد المؤلف، ربما على يد تلميذه سليمان الباروني الذي أنشأ المطبعة البارونية هناك. ولا نستطيع أن نصف الكتاب لعدم اطلاعنا عليه. وقد ذكره أبو اليقظان في ترجمة الباروني باختصار (٢). ووجدنا في مصدر آخر أن الكتاب يتناول (الطب المأثور)، فهل هو ما نعنيه بالطب العربي أو الشعبي المبني على استعمال النباتات والعقاقير والمستوحى أيضا من الطب النبوي؟.
٨ - الطب العربي في ولاية الجزائر: أطروحة محمد بن العربي (بلعربي) التي نال بها شهادة الدكتوراه من فرنسا سنة ١٨٨٤. وهي أول أطروحة في بابها، وصاحبها أول جزائري يحصل على الدكتوراه في الطب في العهد الفرنسي. وقد ترجم السيد علي بوشوشة (أصله من الجزائر) هذه الأطروحة إلى العربية ونشرها يونس سنة ١٨٩١. وقد اطلعنا على الترجمة
стр. 3280
العربية أوائل الثمانينات لكي نعطي فيها رأينا في إعادة طبعها واغتنمنا الفرصة وأخذنا منها فوائد جمة لكتابنا هذا، ثم أعدناها إلى صاحبها، ولكنها لم تطبع، وضاع منا ما أخذناه منها، سنة ١٩٨٨ سوى قائمة من رجال العلم والثقافة كانوا (حوالي سنة ١٨٨٤) يتفاعلون في حياة الجزائر، وجاء ذكرهم في الأطروحة، وكذلك أسماء أعلام من الفرنسيين، مثل الشاعر فيكتور هيغو والقاضي زيس. وفي ١٩٨٨ نشرت جريدة جزائرية دراسة لأحد الأطباء عن حياة وأطروحة الحكيم ابن العربي (١) فأخذنا منها المعلومات التالية:
بدأ ابن العربي أطروحة بحديث شريف مفاده إذا سألتم الله فاسألوه المغفرة والصحة، فليس هناك أثمن من الصحة. وفي مدخل الأطروحة خاطب فرنسا: هل من العدل أن ترفض للشعوب التي تستعمرها الاستفادة من المعارف النافعة، وتنكر عليهم حق استخدام قواهم العقلية، وتعاملهم معاملة البرابرة والسلالات الدنيا؟ وهو في ذلك يشير إلى ما كان يتردد على لسان الحاكم العام لويس تيرمان والكولون من أن عدم تعليم الأهالي أفضل لفرنسا، أو ليس هناك مال لتعليمهم.
وقد اختار موضوع أطروحته الأبحاث السابقة في ميدان الطب والصيدلة عند العرب الجزائريين، وهي في نفس الوقت أبحاث مفيدة للفرنسيين أنفسهم وتخصصهم في الطب، فهي مصدر ثمين لهم. ثم قسم الأطروحة إلى ثلاثة فصول، فجعل الفصل الأول في تاريخ الطب العربي في المغرب والمشرق. فتناول أشهر الأطباء الذين ترجمت مؤلفاتهم إلى الفرنسية، مثل عبد الرزاق بن حمادوش، ومنها كتاباه: كشف الرموز في الأعشاب والعقاقير، وتعديل المزاج بسبب قوانين العلاج (٢).
стр. 3281
وفي الفصل الثاني تناول ابن العربي الطب الحديث أو المعاصر عند العرب الجزائريين، فوصف الإصابات والعلاجات الطبية، وجاء من ذلك بأمثلة: فحب العرق علاجه بالبخار في الحمام وعصير الرمان والحنا وعصير الطماطم. كما جاء على حبة بسكرة التي تصيب الجلد، وعلاجها يكون برغوة الصابون الأخضر والتردد على المياه المعدنية. ثم الإصابة بعرق المدينة الذي يضرب أطراف الجسم، ثم الداء المعروف بداء الفيل وعلاجه. وفي هذا الفصل أيضا تحدث عن علم الجراحة عند العرب، وذكر أنهم كانوا يرفضون تقديم أجسامهم لعمليات جراحية (دموية) كبيرة وأنهم كانوا يفضلون الموت المؤكد والعاجل على البقاء بضع سنوات أخرى على حساب تبديد الجسم. ووصف عمليات الختان والحجامة ومعالجة الكسور بالجبيرة (١).
وخصص ابن العربي الفصل الثالث من أطروحته للنظافة، مقدما على ذلك سبع وصفات لتركيب الكحل، وتسع وصفات للحنا، كما وصف فوائد الاستحمام، ودافع عن التلقيح ضد الجدري الذي قال إنه وجد منذ القديم في بلاد المغرب. كما وقف ابن العربي ضد ادعاء الفرنسيين بأن الجزائريين لهم أمراض عديدة كالزهري. وقال إن الإحصاءات تثبت أن هذا المرض قدم إلى الجزائر مع الأوروبيين (وقد أشرنا إلى ذلك)، وهو ليس خاصا بالجزائريين. وتناول ابن العربي التطبب بالأعشاب ومختلف النباتات لأنها مفيدة، ثم إنها أدوية تستخرج من البلاد نفسها فلها عندئذ جانب اقتصادي هام، فهي صناعة محلية. ومن النباتات التي ذكرها: الخروب، والرمان، والعناب، وبونافع، وكرموس (التين) النصارى، والنخيل الذي عزا له وحده (النخيل) إنني عشر وصفة علاجية، من الإسهال إلى الضعف الجنسي. ونلاحظ أن ابن العربي لم يهتم إلا بالطب المقبول شرعا، وعقلا،
стр. 3282
أما الطب السحري والخرافي كالتعاويذ والأحجبة فلم يهتم بها.
أما الفصل الرابع والأخير فقد خصصه للطب الشرعي. فتناول فيه مدة الحمل، وشكل المولود (الراقد) من الوجهة الفقهية والقانونية. وكان هذا الموضوع يثير جدلا كبيرا بين الفقهاء وأهل القانون. وتناول كذلك قضية المرأة الغائب عنها زوجها. ففي بعض الجهات كان عليها أن تنتظر أربع سنوات، وفي بعضها سبع سنوات أو عشرة. وكان هذا الموضوع يتصل بشرف العائلات، وكذلك يتصل بالطب والشرعية، ومسألة الأبوة، وشرعية الولادات، والميراث. وقد ذكر ابن العربي أيضا بعض الأمراض والعلاجات الأخرى مثل الرمد وأمراض العيون بأنواع من العلاجات، إذا لم يشف المريض خلال ثمانية أيام. وذكر أيضا عملية ثقب (فتح) الرأس التي كانت شائعة في الأوراس والآلات التي كانت تستعمل في ذلك (١). ولعل ذلك هو ما شجع بعض الأوروبيين، ومنهم الإنكليز، على التعرف على هذه الطريقة، ولو بالحيلة، كما فعل سيمسون وفريقه سنة ١٩١٣.
٩ - رسالة في الطاعون عنوانها: (الدر المصون في تدبير الوباء والطاعون) ألفها محمد بن رجب وقدم لها ثم توسع فيها محمود بن علي بن الأمين، المعروف بابن الشيخ علي. وقد تحدثنا عن هذه الرسالة في الجزء الثاني، كما أشرنا إلى عمل ابن الشيخ علي فيها. وقد تمكنا من معرفة معلومات هامة حول المؤلف الثاني (ابن الشيخ علي) والرسالة. فهو ابن علي بن عبد القادر بن الأمين، أحد أعيان الجزائر في أوائل القرن الثالث عشر (١٩ م)، وكانت وفاته قبل الاحتلال. وكان من خريجي الأزهر (٢). أما ابنه محمود فقد عاصر الاحتلال وتأقلم معه، وتولى الوظائف الدينية، وكان يشتغل بالنساخة والخطاطة، فكان، كما قال صاحب (تعريف الخلف) (كتوبا عجيبا وله مشاركة في الفنون وأفكار غريبة). وكان محمود قد تولى أيضا
стр. 3283
التدريس في الجامع الأعظم (بالعاصمة)، والإمامة في الثانوية الفرنسية الوحيدة في وقته. وكتب بعض المقالات في جريدة (المبشر) الرسمية ودعا الأهالي إلى تعلم الفرنسية (١) وكانت وفاته سنة ١٨٩٧.
أما عمل محمود ابن الشيخ علي في (الدر المصون) فيتمثل في كتابة مقدمة جاء فيها: (أما بعد، فلما وقعت بيدي مبيضة رسالة في تدبير أمر الوباء والطاعون، جمعها السيد محمد بن رجب الجزائري، سنة ١٢٠٠ من كتب عديدة في الطب وغيره ... أردت استخراجها، وأن أجعل لها مقدمة قبل الشروع فيها تذييلا بعد تمامها، ليمكن النفع بها، وأبين بعض ألفاظها قدر الوسع والطاقة). ويذكر صاحب تعريف الخلف أن محمود بن الشيخ علي قد كتب مقدمة وسبعة فصول وخاتمة. ولم يذكر شيئا عن الفصول وهل هي مرتبة على المواد الطبية. أما بيان الألفاظ فإننا نفهم منه أن ابن الشيخ علي قد شرح غريب الألفاظ والاستعمالات في حالات العلاج والوصفات. ولم نعرف من تحدث عن هذه الرسالة غير الحفناوي بن الشيخ، وربما يكون محمد بن العربي قد اطلع عليها أيضا، أو اطلع على أصلها الذي تركه محمد بن رجب الجزائري. وكان الشيخ الحفناوي قد حصل على نسخة من تأليف محمود بن الشيخ علي عن طريق علي بن الحداد (٢).
١٠ - الأدوية الشافية: رسالة ألفها محمد الطيب اليعلاوي المتوفى حوالي ١٢٩٦ هـ. وربما هي في الأدوية الشعبية وحتى السحرية منها. ولهذا الشيخ مجموع في الطب نقله عن كتب الأولين مثل ابن سينا وكتاب الهارونية وكتاب الرحمة الخ. وقد قيل إن مؤلفات هذا الشيخ مفقودة الآن (٣).
١١ - كتاب الصحة: لمؤلف مجهول، صدر سنة ١٩٢٣، بالعربية
стр. 3284
والفرنسية. وهو من كتب الإعلام والدعاية ونشر المعارف العامة. وقد صدر عن معهد باستور بالجزائر، وكان الهدف منه تنوير الرأي العام المسلم، حول موضوعات التغذية وقواعد الصحة لدى العائلات والأفراد، الأطفال والكبار، وطرق الوقاية والعلاج، وذكر بعض الأمراض البشرية والحيوانية، كالسل والزهري.
يقول من راجع الكتاب إن نصه العربي بلغ ١١٢ صفحة، وهو بالعربية الفصحى. أما النص الفرنسي فقد بلغ ١٩٦ صفحة. وفيه نصوص (دينية) تساعد على كونه موجها إلى المسلمين. وقد قال من قدمه للقراء إنه في حاجة إلى من يقدم الكتاب من رجال الدين المسلمين ليساعد على تبليغ رسالته. لكن الرؤساء الأهالي (؟) الموجه إليهم الكتاب لا يقرأون العربية. ولاحظ المقدم أيضا أن ذلك يعني جعل النص الفرنسي هو المقروء، سواء مباشرة أو عن طريق مترجم آخر.
وإليك ما تضمنه هذا الكتاب من مسائل:
١ - القواعد التطبيقية والأوليات المتعلقة بالصحة الشخصية والسكنية.
٢ - واجب رب العائلة العناية بحفظ صحة أبنائه وعائلته.
٣ - العناية بالأم في ساعة الولادة.
٤ - طريقة تغذية الطفل وتنشئته إلى بلوغه العامين.
٥ - طريقة الوقاية من الأمراض المعدية.
٦ - علامات المرض المميزة سواء لدى الإنسان أو الحيوان. وقد حث الكتاب على ضرورة التبليغ على هذه الأمراض (المعدية) فور التعرف على علاماتها لتفاديها.
٧ - وأخيرا واجب الرؤساء الأهالي في العمل المشترك من أجل حفظ الصحة العامية (١).
стр. 3285
ولا شك أن معهد باستور والمراكز الطبية والإدارات الخاصة بالصحة قد أصدرت نشرات وإعلانات حول طرق حفظ الصحة، خلال الحربين. ولكن التقدم الطبي بين الجزائريين ظل ضعيفا جدا. وكان عدد المتخرجين ضئيلا أيضا. فمهما صدرت البلاغات والنشرات فإنها لن تكون مفيدة إذا لم تكن موجهة إلى جمهور قارئ ومتفتح الذهن ومستعدا لتطبيق الإرشادات.
١٢ - الإرشادات الطبية في الأمراض الجلدية: من تأليف أبي سعيد عدون بن بكير سنة (؟). وقد نوه الشيخ أحمد توفيق المدني بهذا المؤلف، وقال عنه إنه (من رجال المستقبل في العلم والعمل) (١)، ونحن نفهم أن السيد عدون بن بكير كان من رجال الطب وأنه كان ما يزال شابا.
بعض التراجم
بالإضافة إلى ذلك نذكر أن عددا من الأطباء قد برزوا في الميدان، وكانت لهم أطروحاتهم ومشاركاتهم في التأليف والنشر. ومن هؤلاء: الطيب مرسلي، وقدور بن العربي، وبلقاسم بن التهامي، وعلي بوضربة، والدكتور موسى (قسنطينة)، وزروق بن أحمد بن بريهمات، ومحمد الصالح بن جلول، والشريف سعدان، وربما عدون بن بكير أيضا.
وقد جاء في ترجمة بلقاسم بن التهامي أنه ألف عدة كتب بالاشتراك مع أساتذة المدرسة الطبية العليا (كلية فيما بعد) بالجزائر. وذكرت بعض المصادر أن زروق بريهمات قد نشر سلسلة من المقالات حول الصحة العامة للعائلات الأهلية في جيدة كوكب افريقية (٢) سنة ١٩٠٨ وأنه كان من
стр. 3286
المدرسين في علم الصحة بالمدرسة الثعالبية. وكان مرسلي يفعل نفس الشيء في المدرسة الكتانية بقسنطينة.
وقد اشتغل عدد من الأطباء الجزائريين بالسياسة، ابتداء من الطيب مرسلي الذي كتب (مساهمة في المسألة الأهلية) سنة ١٨٩٢ عشية زيارة لجنة التحقيق الفرنسية للجزائر. وقد استمر على ذلك المنوال فترة من الزمن. وكان ابن التهامي كذلك قد دخل ميدان السياسة والمطالبة بالحقوق والمساواة من الفرنسيين، ثم وجدناه سنة ١٩١٢ على رأس الوفد الجزائري الذي زار باريس مطالبا بتعويض الخدمة العسكرية الإلزامية بالحقوق السياسية، ومنها المساواة، ثم أسس بعد الحرب جريدة (التقدم) وعارض الأمير خالد سياسيا. وأصبح محمد الصالح بن جلول من زعماء السياسة في قسنطينة حيث رأس (هيئة النواب) ثم أصبح على رأس المؤتمر الإسلامي سنة ١٩٣٦، وأسس حزبا باسم التجمع الفرنسي - الإسلامي، إلى أن أفل نجمه سياسيا منذ الحرب العالمية الثانية. وكان الشريف سعدان من أقطاب السياسة في بسكرة والجنوب منذ الثلاثينات، ثم دخل في حزب البيان سنة ١٩٤٦. وقد انضم الأمين دباغين إلى حزب الشعب. وهكذا كان الأطباء الجزائريون في الصفوف الأولى للعمل السياسي منذ بدأ الحديث عن المسألة الأهلية في أعقاب القرن الماضي.
وكان بعض الأطباء نوابا في البلديات ومجالس الولايات. فهذا علي بوضربة كان نائبا في مجلس بلدية العاصمة قبل وفاته سنة ١٩٠٧ عن ٤٣ سنة. وكان محمد بن العربي (الذي ستحدث عنه) أيضا نائبا في نفس البلدية.
والملاحظ أن بعض الأطباء عملوا خارج الجزائر أيضا. فهذا قدور بن العربي (أخو محمد المذكور) سبق له العمل طبيبا في بلاط بآيات تونس فترة. وقد ذكره أخوه في أطروحته وكذلك ذكره ابن العابد في (تقويم الأخلاق) (١).
ومعظم هؤلاء الأطباء كانوا متجنسين بالجنسية الفرنسية، أي أنهم
стр. 3287
دخلوا تحت طائلة القانون الفرنسي، وتخلوا عن أحكام الشريعة الإسلامية استجابة لقانون ١٨٦٥، كما أنهم كانوا في الغالب متزوجين بفرنسيات. ومن هؤلاء الطيب مرسلي وعلي بوضربة، وابن التهامي والشريف سعدان. وكان بعضهم عضوا في الجمعية الماسونية، مثل ابن التهامي، وكانوا جميعا تقريبا يؤمنون بالاندماج.
وفي ميدان الصيدلة تخرج عدد قليل من الجزائريين أيضا. والمتتبع لسيرة زعماء الاندماجيين سيجد هذه الأسماء من الصيادلة: علاوة بن جلول وحفيظ (حفيز) بومدين، ومحمد حميدوش وفرحات عباس. وكان بعضهم أيضا أعضاء في الجمعية المهنية والسياسية والتاريخية، مثل زروق بريهمات وولعة بلقاسم.
ومن الجلو بالذكر أن أوائل الأطباء في عهد الاحتلال كانوا من أبناء الجزائريين الذين تولوا الوظائف لدى الفرنسيين، وهم الذين فرض عليهم الفرنسيون تقديم أولادهم إلى المدارس الفرنسية عندما كان الجزائريون الآخرون نافرين منها. وهكذا وجدنا أوائل الأطباء كانوا في الواقع من أبناء القياد وجنود الصبائحية والقضاة. وقد ذكرنا أن مدرسة الطب قد تأسست في الجزائر سنة ١٨٥٧. فلنا إذن أن نتصور أن أوائل الدفعات كانت خلال السبعينات، ولكننا مع ذلك لا نعرف من تخرج من الجزائريين قبل الثمانينات. فربما لم يتمكن أي جزائري من الوصول إلى شهادة دكتوراه قبل محمد بن العربي. أما الآخرون فكانوا يتوقفون في منتصف الطريق، أو لا يسمح لهم بالمواصلة فيكتفون بوظائف بسيطة في ميدان الطب والتمريض، وسنعرف من تاريخ مدرسة الطب أنها كانت أيضا متعثرة إلى بداية الثمانينات.
١ - محمد بن العربي: ولد في شرشال سنة ١٨٥٠، وأسرته أندلسية الأصل. وكان والده من أنصار الاستفادة من الحضارة الغربية. ولا ندري إن كان والده من الموظفين في الإدارة، والغالب أنه كان كذلك. وقد وجه أبناءه
стр. 3288
إلى التعليم الديني - العربي والتعليم الفرنسي. فتخرج ثلاثة منهم متعلمين بالفرنسية، فكان قدور ومحمد طبيبين وكان ثالثهم مترجما عسكريا، في الجيش الفرنسي. وقد ذكرنا أن قدور أصبح طبيبا لبايات تونس، وربما كان ذلك قبل احتلالها سنة ١٨٨١.
درس محمد بن العربي في شرشال إلى بلوغه العاشرة، ثم انتقل إلى مدارس العاصمة حيث أصبح يسكن ويدرس، وتدرج في ذلك من المتوسط إلى الثانوي إلى العالي. ومن مدرسة الطب العليا بالجزائر توجه إلى جامعة باريس (السوربون) وبقي بها إلى أن حصل على الدكتوراه في الطب سنة ١٨٨٤، كما ذكرنا. والمعروف أن جميع الشهادات كانت لا تمنح إلا من فرنسا حتى لفرنسيي الجزائر، إلى أن تأسست جامعة الجزائر سنة ١٩٠٩. وكان ابن العربي قد درس من اللغات اليونانية واللاتينية أيضا، حسب متطلبات منهج الدراسة عندئذ. وكان له أصدقاء من الفرنسيين في باريس وغيرها، ومنهم الشاعر فيكتور هيغو الذي حضر مناقشة الأطروحة. وقد ذكر ابن العربي نفسه عددا منهم في أطروحته، فبالإضافة إلى هيغو، ذكر وقرسلي (وزير الحربية) والمستشرق شيربونو الذي اشتغل في قسنطينة وفي الجزائر بالتدريس والبحث قبل أن يتحول إلى مدرسة اللغات الشرقية في باريس. ومنهم أيضا لاتيلي، وبيرتيراند، وتيكسييه (١)، وماشويل الذي كان معلما مستعربا في الجزائر ثم أصبح مديرا لشؤون التعليم في تونس بعد احتلالها، وغيرهم (٢).
стр. 3289
وعشية حصوله على الدكتوراه في الطب زار ابن العربي موطن أجداده، الأندلس، فتوجه إلى قرطبة وأشبيلية وغرناطة. وكحل عينيه بأطلالها وشنف سمعه بأخبارها، واسترجع الذكريات. وقال عن نفسه إنه ما حل بمكان إلا توقف عنده للعبرة والتذكر، وعبر عن ذلك بقوله إنه جدد إسلامه في الأندلس بعد أن وجد الإسلام في الجزائر وقد اعتراه التحول على يد الفرنسيين. ولا ندري إن كان قد تجول في غير فرنسا والأندلس (أسبانيا). والغالب أنه فعل، فلعله زار بلدانا أخرى في أوروبا والشرق وربما يكون قد أدى فريضة الحج.
ومنذ ١٨٨٨، وهي فترة حكم لويس تيرمان في الجزائر، فترة التجهيل الرسمي وقانون الأهالي البغيض، أصبح ابن العربي يجمع بين العمل كطبيب والعمل في بلدية العاصمة نائبا عن قومه. مارس الطب أولا في أماكن مختلفة تحت نظر الإدارة الفرنسية ثم استقر به الحال في العاصمة. وتقول بعض المصادر إن الأهالي هم الذين ألحوا على الحكومة في ذلك (١)، ونحن نستبعد أن تستجيب لهم في مثل هذا الإلحاح، وإنما سمحت له لظروف أخرى لا نعرفها الآن. وقد حل ابن العربي بالعاصمة وأصبح يمارس فيها الطب والسياسة، وكان المفتي أحمد بوقندورة الذي قيل إنه حث الناس على مؤازرة رجوع ابن العربي إلى العاصمة، كان من المقربين جدار للسلطات الفرنسية (٢)، وقد بقي في الفتوى فترة طويلة. وربما كانت بينه وبين ابن العربي مصاهرة.
وأثناء أداء ابن العربي واجب النيابة في بلدية الجزائر، وهو وظيف كان بالتعيين الإداري وليس بالانتخاب، سجلت له بعض المواقف المأثورة. فقد وقف ضد هدم الجامعين الكبيرين الباقيين في العاصمة، الجامع الأعظم والجامع الجديد، وكان الفرنسيون يخططون لإزالتهما وبناء فندقين في مكانهما (تجميلا) للعاصمة. وقد سبق لهم هدم عشرات المساجد منذ
стр. 3290
الاحتلال تحت شعار التجميل والتوسيع والمنافع العامة. ولولا حنكة ابن العربي وغضبة الجزائريين الذين تجمعوا في الجامع الجديد لنفذ الفرنسيون المشروع أو لوقعت ثورة لا يعرف أحد مداها (١). وقد ظلت مسألة هدم الجامعين تظهر وتختفي إلى أن حسم أمرها سنة ١٩٠٥ أثناء عهد جونار، وذلك بالإبقاء على الجامعين، رغم ما حل بهما من التشويه والهدم الجزئي.
والموقف السياسي الثاني الذي سجل لابن العربي هو ظهوره أمام لجنة فيرى سنة ١٨٩٢، وهي لجنة التحقيق في أوضاع الجزائر. وكان ظهوره أمامها عند حلولها بالعاصمة، ثم في باريس عندما توجه مع زميله محمد بن رحال إليها لتقديم مطالب الجزائريين في القضاء الإسلامي والحالة المدنية وقانون الأهالي والنيابة والتعليم العربي.
أما من حيث مهنة الطب فلا ندري سوى أنه كان يمارسها بالعاصمة. وأنه كان (حكيما) ناجحا ومحل ثقة مواطنيه. وقد قيل إن له كتابات، وهي فيما يبدو بالفرنسية. ولكننا لا ندري إن كانت في شؤون الحياة العامة وحقوق الجزائريين أو كانت في مهنة الطب وتطور البحث فيها. والغريب أن الذين تناولوا حياته بشيء من التفصيل ركزوا على مواقفه السياسية وأهملوا حياته المهنية. وكان ابن العربي يلبس اللباس التقليدي (الشاشية والعمامة والبرنس والسروال الواسع). وعندما كتب عنه ابن العابد سنة ١٩٢٧ قال إنه كان في منتهى الشيخوخة، ولكنه عاش أكثر من عشر سنوات بعد ذلك، إذ توفي خلال أكتوبر سنة ١٩٣٩ بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية (٦ رمضان ١٣٥٨) ولكنه لم يشهد هزيمة فرنسا. وقد ترك ابن العربي أبناء وأحفادا، منهم ابنه رشيد الذي بلغ ٧٣ سنة في عام ١٩٨٨، وحفيده سليمان الذي كان معلما للإنكليزية في إحدى المتوسطات بالعاصمة (٢).
стр. 3291
وظاهرة الاشتغال بالسياسة عند الأطباء الجزائريين ظاهرة ملفتة للنظر. فنحن نلاحظ أن معظم هؤلاء الأطباء قد مارسوا بل اندمجوا في (المشكل الأهلي)، وربما كان ذلك من أجل تسوية وضعهم الخاص، لأن القوانين الفرنسية جعلتهم من جهة في الطليعة المثقفة، ومن جهة أخرى كانوا لا يتمتعون بالحقوق السياسية ولا بالمساواة إلا إذا تخلوا عن أحوالهم الشخصية الإسلامية، وربما كانوا يعتقدون - وهم قلة قليلة - أن حل مشكلتهم كطليعة سيؤدي إلى حل جميع المشاكل الجزائرية الأخرى. فإذا كان الأمر كذلك فإنهم كانوا على خطأ، ذلك أن التيار الذي سيحل المشاكل هو تيار الأمير خالد وحركة الإصلاح ونجم شمال افريقية وحزب الشعب. وليس التيار الإندماجي الذي كان على رأسه: مرسلي وابن التهامي، وابن جلول، وسعدان، وفرحات عباس. ومع ذلك فإن المشاركة السياسية للأطباء والصيادلة قد ساعدت على بلورة القضية الوطنية بكونها قدمت الأطروحة المضادة للأطروحة الوطنية في أغلب الأحيان.
٢ - كان الطيب مرسلي أحد أبناء الجنود الصبائحية من نواحي وهران. ولا ندري كيف استقر الطيب في قسنطينة بعد تخرجه من مدرسة الطب في الجزائر، كما لا ندري أين أكمل دراسته التخصصية وما الأطروحة التي قدمها، وربما لم يفعل ذلك. وقد تزوج الطيب مرسلي بامرأة فرنسية وتجنس في أغلب الظن بالجنسية الفرنسية. ومنذ الثمانينات وجدناه قد برز على الساحة السياسية في قسنطينة، وذلك أثناء موجة تقديم العرائض والاحتجاجات ضد قانون الأهالي وإلغاء المحاكم الإسلامية والمطالبة بالتمثيل النيابي. ورغم ارتباطه بالفرنسيين وثقافتهم، فإنه كان حاضرا في التوقيعات التي كان يجمعها أعيان قسنطينة وكان قريبا من طموحهم. وقد كتب وحده بعض المقالات في جريدة (حرية المستعمرات)، وألف كتيبا عنوانه (مساهمة في المسألة الأهلية الجزائرية) (١). وكان يشغل وظيفة
стр. 3292
مستشار بلدي في قسنطينة في وضع شبيه بوضع ابن العربي بالعاصمة. وكان مرسلي نشيطا في هذه الأمور أثناء عهدة أرنست ميرسييه الذي تولى بلدية قسنطينة عدة مرات.
وقد دافع مرسلي في كتاباته عن الحضارة العربية والشعب الجزائري، وقال إن فرنسا نفسها قد عرفت عهودا من الهمجية. ولم يكشف عن رأيه في إدماج الجزائريين أو القضاء عليهم، وهي دعوة كانت رائجة عندئذ. وإنما قال إنه يعتمد على عنصر الزمن، وأنه (ليس من السهل القضاء على شعب كان سيد العالم)، وقال (إن الحضارة العربية قد لمعت وبهرت العالم عندما كانت أوروبا غارقة في بحر الظلام)، واعترف أن (لنا نقائص) وأن الصحافة في أيدي أعداء العرب، وقد سماهم الرأسماليين، وأن (كراهية العربي هي النغمة السائدة في الجزائر، عند الفرنسيين). وكان مرسلي معتزا بقومه مع ذلك، وقال إن الأهالي كانوا (وسادة البلاد السابقين) ولكنهم الآن أصبحوا لا شيء (١). وهو موقف قد تبناه غيره فيما بعد، ولا سيما فرحات عباس.
وقد أدى مرسلي فريضة الحج، مع أنه كما قيل كان متجنسا، وربما أرسلته الإدارة الفرنسية في نطاق مهنته كطبيب للحجاج (٢). وكان مرسلي يدرس علم الصحة في مدرسة قسنطينة الرسمية (الكتانية) سنوات طويلة، لأننا عرفناه كذلك في أوائل القرن، ثم استمر إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، ولا ندري ما إذا كان قد ألف أعمالا في الطب والتوجيهات الصحية، أو أن الحالة السياسية قد استأثرت به فترة. غير أننا نلاحظ أن مرسلي لم يساهم في الحياة السياسية بقوة منذ فاتح القرن. ويبدو أنه كان محل احترام
стр. 3293
الأوساط الحضرية في قسنطينة.
٣ - وفي أوائل هذا القرن (١٩٠٥) حصل بلقاسم بن التهامي على الدكتواره في الطب أيضا، وكان من مدينة مستغانم، ومن جيل الإندماجيين، وقد تجنس وتزوج في الجزائر، كما سبق، وانخرط في الماسونية وجمعية حقوق الإنسان. وحصل على شهادته الأولى من مدرسة الطب في الجزائر ثم ذهب إلى جامعة مونبلييه الفرنسية للامتحان. وبعد تخرجه أصبح من العاملين في الطب وفي السياسة والحياة العامة. عين في مستشفى مصطفى باشا لأول مرة ومارس هناك مهنته، ثم فتح عيادة خاصة به في منزله الذي كان أمام محكمة قاضي الصلح بالجزائر، وساهم في الانتاج الطبي مع زملائه أعضاء المدرسة الطبية (كلية الطب فيما بعد)، ونال بعض الجوائز. وقد كتب عنه معاصره إسماعيل حامد وأشاد به، وكذلك أشادت به بعض صحافة الوقت (١).
شارك ابن التهامي في الحياة السياسية قبل الحرب الأولى بتوليه قيادة الاندماجيين الذين كانوا يطالبون بالحقوق والمساواة ولا يمانعون من التجنيد الإجباري. وفي باريس استقبلهم رئيس الوزراء بوانكريه. وكان في الوفد أيضا، الدكتور موسى من قسنطينة. ووصفه أجرون بأنه رجل عصامي. تعلم وترقى حتى وصل إلى صف القيادة. وبناء على أجرون أيضا فإن ابن التهامي تجنس في فبراير سنة ١٩٠٦، أي بعد حصوله على الدكتوراه. ولم يواجه صعوبة، ومنذ ١٩٠٤ سماه شارل جونار معيدا احتياطيا في الطب. وفي ١٩٠٧ دعي للتعليم في العيادة البصرية (الانتمولوجيا) ثم واصل نشاطه الطبي إلى جانب نشاطه السياسي.
فبالنسبة للنشاط السياسي بدأ في ممارسته منذ فاتح القرن، وقد واجه
стр. 3294
بعض الصعوبات في البداية، إذ كان زميله أحمد بوضربة (محامي) هو صاحب الصيت الذائع عندئذ. وكان مثله متجنسا ومتزوجا من فرنسية وماسونيا. وكان بوضربة من أنصار العلمانية، فكان ينكر على المسلمين تمسكهم بالتعليم الديني. وفشل ابن التهامي في الانتخابات البلدية سنة ١٩٠٤، ولكنه، وقد نجح في الدكتوراه، أصبح سنة ١٩٠٨ مستشارا بلديا، وأعيد انتخابه سنة ١٩١٣، ونشط في الجمعية الرشيدية أيضا. وفي أبريل ١٩١٤ أنشأ مع زملائه تنظيما سماه (الاتحاد الفرنسي - الأهلي) وهو التنظيم الذي سيذكرنا به (التجمع الفرنسي? الإسلامي) الذي أنشأه ابن جلول سنة ١٩٣٨. وكان (الاتحاد) تنظيما سياسيا يمثل الاندماجيين. ولعلهم أحسوا بضعفهم أمام الجماهير فانضموا للأمير خالد، رغم أن هذا لم يكن نشيطا سياسيا بعد. ولم يظهر اسم خالد إلا نادرا عندئذ، منها سنة ١٩٠٣ عند زيارة الشيخ عبده التي اعتذر عن حضورها، وسنة ١٩١٣ حين دعي إلى المؤتمر العربي في باريس، فاعتذر أيضا عن الحضور وأرسل برقية موافقة على خط المؤتمر. ويذهب أجرون إلى أن جماعة ابن التهامي قد انضموا للأمير خالد لأن بقية الأعيان والقادة كانوا يعتبرونهم طموحين ومرتدين (١).
وقد سبق القول إلى أن ابن التهامي قد عاش فترة ما بين الحربين، وساهم في الحياة السياسية كما كان، وعارض الأمير خالد. وأنشأ جريدة (التقدم) خلال العشرينات. وشايع التيارات السياسية اليمينية الفرنسية. وكاد يحدث له ما حدث لمعاصره ابن جلول، أي الصعود إلى القيادة ثم السقوط إلى الهوة، وإذا كان ذلك مقبولا لدى السياسيين المحترفين، فإننا لا ندري كيف يكون الحال إذا حدث لطبيبين في مجتمع متخلف. وقد ظلت السياسة تحطم الأطباء والصيادلة في الحركة الوطنية، مرورا بالحكيم سعدان،
стр. 3295
والحكيم دباغين، والصيدلي فرحات عباس (١).
مدرسة الطب
تحدثنا عن مدرسة الطب ثم كلية الطب في فصل التعليم (٢). ونود هنا الإشارة إلى بعض المعلومات الإحصائية عنها. كانت بداية هذه المدرسة متواضعة، رغم صلة الاستعمار بالشعب الذي وقع فريسة له، ورغم اختلاف البيئة التي حل بها الفرنسيون أنفسهم، ولقد بقي الطب والأطباء مرتبطين بفرنسا حتى بعد تأسيس المدرسة (الكوليج) المذكورة سنة ١٨٥٧. فقد بدأت بثمانية من الأساتذة المرسمين وبأربعة من الاحتياطيين. وكانت تقبل التلاميذ الأهالي الذين قضوا سنتين أو أكثر في المدرسة السلطانية (الكوليج الإمبريالي). وكانت تخصص بعض المنح (حوالي عشرة) لأبناء الموظفين والجنود الجزائريين. ولكن عدد التلاميذ الجزائريين لم يصل إلى أكثر من اثنين أو ثلاثة.
قلنا إن الدولة قد خصصت بعض المنح للتلاميذ الجزائريين في مدرسة الطب، ولكنها جعلت معرفة اللغة الفرنسية إجبارية. فلم يلب هذا الشرط سوى تلميذين سنة ١٨٦٧. وفي سنة ١٨٦٩ لم تقبل المدرسة سوى ثلاثة تلاميذ. والواقع أن المنح المذكورة ليست من ميزانية الدولة الفرنسية وإنما هي مما كان يسمى (غرامة العرب)، وهي ضريبة إضافية فرضها الاحلال، وكانت تستعمل في أغراض مختلفة (٣). وأخبرت جريدة المبشر أنه تخرج من