← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

وظاهرة الاشتغال بالسياسة عند الأطباء الجزائريين ظاهرة ملفتة للنظر. فنحن نلاحظ أن معظم هؤلاء الأطباء قد مارسوا بل اندمجوا في (المشكل الأهلي)، وربما كان ذلك من أجل تسوية وضعهم الخاص، لأن القوانين الفرنسية جعلتهم من جهة في الطليعة المثقفة، ومن جهة أخرى كانوا لا يتمتعون بالحقوق السياسية ولا بالمساواة إلا إذا تخلوا عن أحوالهم الشخصية الإسلامية، وربما كانوا يعتقدون - وهم قلة قليلة - أن حل مشكلتهم كطليعة سيؤدي إلى حل جميع المشاكل الجزائرية الأخرى. فإذا كان الأمر كذلك فإنهم كانوا على خطأ، ذلك أن التيار الذي سيحل المشاكل هو تيار الأمير خالد وحركة الإصلاح ونجم شمال افريقية وحزب الشعب. وليس التيار الإندماجي الذي كان على رأسه: مرسلي وابن التهامي، وابن جلول، وسعدان، وفرحات عباس. ومع ذلك فإن المشاركة السياسية للأطباء والصيادلة قد ساعدت على بلورة القضية الوطنية بكونها قدمت الأطروحة المضادة للأطروحة الوطنية في أغلب الأحيان. ٢ - كان الطيب مرسلي أحد أبناء الجنود الصبائحية من نواحي وهران. ولا ندري كيف استقر الطيب في قسنطينة بعد تخرجه من مدرسة الطب في الجزائر، كما لا ندري أين أكمل دراسته التخصصية وما الأطروحة التي قدمها، وربما لم يفعل ذلك. وقد تزوج الطيب مرسلي بامرأة فرنسية وتجنس في أغلب الظن بالجنسية الفرنسية. ومنذ الثمانينات وجدناه قد برز على الساحة السياسية في قسنطينة، وذلك أثناء موجة تقديم العرائض والاحتجاجات ضد قانون الأهالي وإلغاء المحاكم الإسلامية والمطالبة بالتمثيل النيابي. ورغم ارتباطه بالفرنسيين وثقافتهم، فإنه كان حاضرا في التوقيعات التي كان يجمعها أعيان قسنطينة وكان قريبا من طموحهم. وقد كتب وحده بعض المقالات في جريدة (حرية المستعمرات)، وألف كتيبا عنوانه (مساهمة في المسألة الأهلية الجزائرية) (١). وكان يشغل وظيفة

стр. 3292

مستشار بلدي في قسنطينة في وضع شبيه بوضع ابن العربي بالعاصمة. وكان مرسلي نشيطا في هذه الأمور أثناء عهدة أرنست ميرسييه الذي تولى بلدية قسنطينة عدة مرات. وقد دافع مرسلي في كتاباته عن الحضارة العربية والشعب الجزائري، وقال إن فرنسا نفسها قد عرفت عهودا من الهمجية. ولم يكشف عن رأيه في إدماج الجزائريين أو القضاء عليهم، وهي دعوة كانت رائجة عندئذ. وإنما قال إنه يعتمد على عنصر الزمن، وأنه (ليس من السهل القضاء على شعب كان سيد العالم)، وقال (إن الحضارة العربية قد لمعت وبهرت العالم عندما كانت أوروبا غارقة في بحر الظلام)، واعترف أن (لنا نقائص) وأن الصحافة في أيدي أعداء العرب، وقد سماهم الرأسماليين، وأن (كراهية العربي هي النغمة السائدة في الجزائر، عند الفرنسيين). وكان مرسلي معتزا بقومه مع ذلك، وقال إن الأهالي كانوا (وسادة البلاد السابقين) ولكنهم الآن أصبحوا لا شيء (١). وهو موقف قد تبناه غيره فيما بعد، ولا سيما فرحات عباس. وقد أدى مرسلي فريضة الحج، مع أنه كما قيل كان متجنسا، وربما أرسلته الإدارة الفرنسية في نطاق مهنته كطبيب للحجاج (٢). وكان مرسلي يدرس علم الصحة في مدرسة قسنطينة الرسمية (الكتانية) سنوات طويلة، لأننا عرفناه كذلك في أوائل القرن، ثم استمر إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، ولا ندري ما إذا كان قد ألف أعمالا في الطب والتوجيهات الصحية، أو أن الحالة السياسية قد استأثرت به فترة. غير أننا نلاحظ أن مرسلي لم يساهم في الحياة السياسية بقوة منذ فاتح القرن. ويبدو أنه كان محل احترام

стр. 3293

الأوساط الحضرية في قسنطينة. ٣ - وفي أوائل هذا القرن (١٩٠٥) حصل بلقاسم بن التهامي على الدكتواره في الطب أيضا، وكان من مدينة مستغانم، ومن جيل الإندماجيين، وقد تجنس وتزوج في الجزائر، كما سبق، وانخرط في الماسونية وجمعية حقوق الإنسان. وحصل على شهادته الأولى من مدرسة الطب في الجزائر ثم ذهب إلى جامعة مونبلييه الفرنسية للامتحان. وبعد تخرجه أصبح من العاملين في الطب وفي السياسة والحياة العامة. عين في مستشفى مصطفى باشا لأول مرة ومارس هناك مهنته، ثم فتح عيادة خاصة به في منزله الذي كان أمام محكمة قاضي الصلح بالجزائر، وساهم في الانتاج الطبي مع زملائه أعضاء المدرسة الطبية (كلية الطب فيما بعد)، ونال بعض الجوائز. وقد كتب عنه معاصره إسماعيل حامد وأشاد به، وكذلك أشادت به بعض صحافة الوقت (١). شارك ابن التهامي في الحياة السياسية قبل الحرب الأولى بتوليه قيادة الاندماجيين الذين كانوا يطالبون بالحقوق والمساواة ولا يمانعون من التجنيد الإجباري. وفي باريس استقبلهم رئيس الوزراء بوانكريه. وكان في الوفد أيضا، الدكتور موسى من قسنطينة. ووصفه أجرون بأنه رجل عصامي. تعلم وترقى حتى وصل إلى صف القيادة. وبناء على أجرون أيضا فإن ابن التهامي تجنس في فبراير سنة ١٩٠٦، أي بعد حصوله على الدكتوراه. ولم يواجه صعوبة، ومنذ ١٩٠٤ سماه شارل جونار معيدا احتياطيا في الطب. وفي ١٩٠٧ دعي للتعليم في العيادة البصرية (الانتمولوجيا) ثم واصل نشاطه الطبي إلى جانب نشاطه السياسي. فبالنسبة للنشاط السياسي بدأ في ممارسته منذ فاتح القرن، وقد واجه

стр. 3294

بعض الصعوبات في البداية، إذ كان زميله أحمد بوضربة (محامي) هو صاحب الصيت الذائع عندئذ. وكان مثله متجنسا ومتزوجا من فرنسية وماسونيا. وكان بوضربة من أنصار العلمانية، فكان ينكر على المسلمين تمسكهم بالتعليم الديني. وفشل ابن التهامي في الانتخابات البلدية سنة ١٩٠٤، ولكنه، وقد نجح في الدكتوراه، أصبح سنة ١٩٠٨ مستشارا بلديا، وأعيد انتخابه سنة ١٩١٣، ونشط في الجمعية الرشيدية أيضا. وفي أبريل ١٩١٤ أنشأ مع زملائه تنظيما سماه (الاتحاد الفرنسي - الأهلي) وهو التنظيم الذي سيذكرنا به (التجمع الفرنسي? الإسلامي) الذي أنشأه ابن جلول سنة ١٩٣٨. وكان (الاتحاد) تنظيما سياسيا يمثل الاندماجيين. ولعلهم أحسوا بضعفهم أمام الجماهير فانضموا للأمير خالد، رغم أن هذا لم يكن نشيطا سياسيا بعد. ولم يظهر اسم خالد إلا نادرا عندئذ، منها سنة ١٩٠٣ عند زيارة الشيخ عبده التي اعتذر عن حضورها، وسنة ١٩١٣ حين دعي إلى المؤتمر العربي في باريس، فاعتذر أيضا عن الحضور وأرسل برقية موافقة على خط المؤتمر. ويذهب أجرون إلى أن جماعة ابن التهامي قد انضموا للأمير خالد لأن بقية الأعيان والقادة كانوا يعتبرونهم طموحين ومرتدين (١). وقد سبق القول إلى أن ابن التهامي قد عاش فترة ما بين الحربين، وساهم في الحياة السياسية كما كان، وعارض الأمير خالد. وأنشأ جريدة (التقدم) خلال العشرينات. وشايع التيارات السياسية اليمينية الفرنسية. وكاد يحدث له ما حدث لمعاصره ابن جلول، أي الصعود إلى القيادة ثم السقوط إلى الهوة، وإذا كان ذلك مقبولا لدى السياسيين المحترفين، فإننا لا ندري كيف يكون الحال إذا حدث لطبيبين في مجتمع متخلف. وقد ظلت السياسة تحطم الأطباء والصيادلة في الحركة الوطنية، مرورا بالحكيم سعدان،

стр. 3295

والحكيم دباغين، والصيدلي فرحات عباس (١). مدرسة الطب تحدثنا عن مدرسة الطب ثم كلية الطب في فصل التعليم (٢). ونود هنا الإشارة إلى بعض المعلومات الإحصائية عنها. كانت بداية هذه المدرسة متواضعة، رغم صلة الاستعمار بالشعب الذي وقع فريسة له، ورغم اختلاف البيئة التي حل بها الفرنسيون أنفسهم، ولقد بقي الطب والأطباء مرتبطين بفرنسا حتى بعد تأسيس المدرسة (الكوليج) المذكورة سنة ١٨٥٧. فقد بدأت بثمانية من الأساتذة المرسمين وبأربعة من الاحتياطيين. وكانت تقبل التلاميذ الأهالي الذين قضوا سنتين أو أكثر في المدرسة السلطانية (الكوليج الإمبريالي). وكانت تخصص بعض المنح (حوالي عشرة) لأبناء الموظفين والجنود الجزائريين. ولكن عدد التلاميذ الجزائريين لم يصل إلى أكثر من اثنين أو ثلاثة. قلنا إن الدولة قد خصصت بعض المنح للتلاميذ الجزائريين في مدرسة الطب، ولكنها جعلت معرفة اللغة الفرنسية إجبارية. فلم يلب هذا الشرط سوى تلميذين سنة ١٨٦٧. وفي سنة ١٨٦٩ لم تقبل المدرسة سوى ثلاثة تلاميذ. والواقع أن المنح المذكورة ليست من ميزانية الدولة الفرنسية وإنما هي مما كان يسمى (غرامة العرب)، وهي ضريبة إضافية فرضها الاحلال، وكانت تستعمل في أغراض مختلفة (٣). وأخبرت جريدة المبشر أنه تخرج من

стр. 3296

مدرسة الطب عام ١٨٦٩ ثلاثة في مستويات مختلفة. فالشهادات ليست دكتوراه أو ما يقاربها وإنما هي شهادات لممارسة بعض المهن المتعلقة بالصحة، مثل: طبيب مسؤول صحي، وصيدلي مركب أدوية من الدرجة الثانية، ولم تخبر المبشر عن شهادة التلميذ الثالث (١). وقد ظل رقم ثلاثة هو الرقم السحري في مدرسة الطب والصيدلة، ولا نعلم كم من أصحاب هذا الرقم استطاعوا مواصلة تعلمهم في فرنسا، أي للحصول على الدكتوراه. ففي ١٨٨٢ كان العدد ما يزال ثلاثة فقط (٢) (من ٦٩ أوروبيا، رغم فارق عدد السكان). وفي ١٩٠٥ كتب باولي يقول: إنه لم يسجل في مدرسة الطب منذ إنشائها عام ١٨٥٧ سوى ثلاثة وثلاثين طالبا جزائريا، منهم اثنان في الصيدلة، وصلا إلى القسم الثاني فقط. ومن العدد المذكور (٣٣) إثنا عشر فقط حصلوا على دبلوم مسؤول صحة، وستة على الدكتوراه. وأضاف باولي أن الباقين لم يواصلوا تعليمهم (٣) (؟). ويجب أن نفرق بين التخرج من المدرسة الطبية بالجزائر وبين الحصول على الدكتوراه في الطب من فرنسا. ومن المعلومات الأخرى عن مدرسة الطب أنها كانت مدرسة (تحضيرية) فقط، لكن منذ ١٨٨٩ ارتفع مستواها إلى درجة التكوين الكامل، ومع ذلك بقي الامتحان في المستويات الثالث والرابع ومناقشة الدكتوراه لا يكون إلا في باريس، وكانت مدرسة الطب تحضر للدكتوراه في الطب، كما تمنح دبلومات في الصيدلة والتوليد. وظل عدد الجزائريين قليلا جدا في هذه المدرسة بشكل ملفت للنظر، حتى للفرنسيين أنفسهم. ففي إحصاء سنة ١٩٢٩ - ١٩٣٠ كان عدد الطلبة الفرنسيين في كلية الطب ٣٢٤ وفي كلية الصيدلة ٢١١، أما الطلبة الجزائريون

стр. 3297

في الطب فكانوا سبعة وفي الصيدلة ستة (١). وفسر باولي سنة ١٩٠٥ (تحفظ) الجزائريين من دخول مدرسة (كلية) الطب تفسيرا غريبا هدفه إلقاء مسؤولية الجهل على الجزائريين أنفسهم، فقد قال إن هناك مادة ترجع إلى مرسوم ١٢ يوليو ١٨٣٢ (قبل تأسيس مدرسة الطب) تقول بجواز ممارسة الأهالي للطب والجراحة على أهل دينهم دون امتحان مسبق. وهذا في الواقع يتنافى مع الممارسة، لأن الفرنسيين كانوا يعاقبون من مارس الطب الشعبي والجراحة من الأهالي بدون رخصة - وقد سبق ذلك عند الحديث عن الطب في الأوراس -. ومن جهة أخرى فإن (تصفية) التلاميذ كانت في يد الفرنسيين منذ الابتدائي، وهم الذين يسمحون أو لا يسمعون بمتابعة الدراسة، كما أن المنح كانت في أيديهم أيضا. وهكذا نرى أن الأطباء والصيادلة الجزائريين الذين تخرجوا من مدرسة ثم كلية الطب والصيدلة كانوا من النوادر. فمن اثنين أو ثلاثة في منتصف القرن الماضي إلى سبعة (طب) وستة (صيدالة) في النصف الأول من هذا القرن. الفلك استمرت العناية بالفلك حسب الطريقة القديمة، ولكنه بالتدرج تأثر بالدراسات العلمية الحديثة، سيما منذ الحرب العالمية الأولى، وقد حدث ذلك مع انتشار التعليم والإصلاح. وهذا لا يعني أن علم الفلك، كما عرفه الأولون وقلده المتأخرون قد انتهى. وإذا حكمنا من الإنتاج المتوفر في هذا العلم (الفلك)، فإننا نستطيع أن نؤكد بأنه قد تدهور أثناء العهد الاستعماري. فإلى عهد المجاوي (ت ١٩١٤)

стр. 3298

والحافظي (ت ١٩٤٨) لا نظفر بكتاب يعالج تعديل الكواكب ورصد حركات الأفلاك بالطريقة التي كان يستعملها ابن حمادوش وابن علي الشريف في القرن الثامن عشر، بل إن المزاول (ج. مزولة) قد تخلفت تقنياتها، وبقي الاعتماد في أغلب الأحيان على الظل وميلان الشمس والشروق والغروب ونحوها من علامات أوقات الصلاة. وقد اهتم الفرنسيون بآثار الجزائريين في الفلك، وشمل البحث عن هذه الآثار مختلف اللجان التي تكونت، منذ اللجنة الإفريقية سنة ١٨٣٣ إلى اللجنة العلمية ١٨٣٩ إلى لجنة فيري سنة ١٨٩٢. وقد أسس الفرنسيون مرصدا مهما في أعالي بوزريعة، قرب العاصمة. وعكفوا على دراسة الانتاج العربي في علم الفلك، سواء كان مكتوبا أو شفويا بناء على التقاليد والأساطير الموروثة، بما في ذلك خطوط الرمل، ومعرفة أسرار الحروف والأعداد. وإلى سنة ١٩٣٥ كان الميلي يكتب عن تأثير (شمس المعارف) للبوني وغيرها فيقول: (ترى من تعلموا القراءة والكتابة من الجزائريين ينكبون على دراسة كتاب البوني المذكور، فيأخذون منه أقوالا وأعمالا مبنية على علم الحروف المنظور فيه إلى طبائع الكواكب المزعوم أنها الحاكمة في هذا العالم) (١). وهكذا فإنه في الوقت الذي أسس فيه الفرنسيون المرصد ومدرسة العلوم (كلية العلوم فيما بعد) وغيرها من المنشآت العلمية لمعرفة قوانين الأشياء ودراسة العلوم بدقة وبملاحظة نقدية، كان الجزائريون بعيدين عن الروح العلمية، لجهلهم بتراث أجدادهم من جهة ولإغراقهم في الخيالات والشعوذة من جهة أخرى. ولنتصور أن أقصى عدد وصله الجزائريون في كلية العلوم بين الحربين هو أربعة عشر طالبا فقط. بينما تردد عدد منهم على مدرسة ترشيح المعلمين (النورمال)، وزاول آخرون دروسهم العلمية في الابتدائي الفرنسي وفي المدارس الرسمية الثلاث.

стр. 3299

ورغم شهرة الجزائريين بتناول علم الفلك قدما، لصلته بالملاحة البحرية وأوقات الصلاة، فإننا لا نكاد نجد في العهد الاستعماري من ألف في الفلك إلا عددا ضئيلا جدا. ومنهم المكي بن عزوز وعبد القادر المجاوي والمولود الحافظي. وكان المجاوي مدرسا، فكان كتابه في الفلك تعليميا بالدرجة الأولى. أما الحافظي فقد مارس علم الفلك من خلال الدين، أي أنه كان يربط بين هذا العلم والصلاة ونحوها، كما أنه مارس التدريس أيضا. ولنذكر ما عرفناه من هذه المؤلفات: ١ - نظم متروكات السوسي: والنظم للشيخ السعيد بن أبي داود، (ت. ١٨٤٠) وكان هذا تلميذا للشيخ الحسين بن أعراب. وقد علق على النظم حفيد الناظم، وهو أحمد بن أبي القاسم بن أبي داود. وهو تعليق موجز، كما جاء في مراسلة مع الشيخ علي أمقران السحنوفي (٨ مايو ١٩٨١). ٢ - الجوهر المرتب في الربع المجيب: تأليف المكي بن عزوز، ولا نعرف ما إذا كان مطبوعا. ٣ - الفريدة السنية في الأعمال الجيبية: تأليف عبد القادر المجاوي. وقد طبع سنة ١٩٠٤ (١٣٢١)، على نفقة الإدارة الفرنسية. وربما كان الكتاب موجها إلى التلاميذ بتغطية من الحكومة، لأن المدارس الرسمية الثلاث كانت تدرس هذا العلم. ومما يلاحظ أن جل مؤلفات المجاوي (عدا إرشاد المتعلمين) (١) قد ألفها في فترة بقائه في العاصمة، وفي آخر عمره، رغم أنه أقام بقسنطينة قرابة ربع قرن. وقد تحدث في (الفريدة) عن الارتفاع أو بعد الشمس عن أفق البلد المعني، وعن ميلان الشمس وعرض البلد. وفي المقدمة التي وضعها المجاوي للفريدة لخص خطته وهدفه فقال: وبعد فهذه رسالة صغيرة الحجم، وعجالة مختصرة كثيرة العلم، في كيفية العمل بالربع المجيب في الأوقات، مشتملة على مقدمة وعشرين بابا وخاتمة فيما يتعلق بالتعديل والميقات.

стр. 3300

وفي المقدمة أيضا تحديث المجاوي عن الأرض ودوائرها ومحيطها وأقاليمها وخطوطها. ويبدو المجاوي في هذا متأثرا. بالقدماء أمثال الإدريسي وابن حمادوش. وقد نقل عن علماء اشتهروا بعلم الفلك مثل مؤلف كتاب (سعود المطالع) وكتاب (تقويم البلدان) لأبي الفداء. وفي (الفريدة) حديث أيضا عن عدد الشهور وكيفية استخراج المنازل والفصول، واستخراج الشهور العربية، والفصول الأربعة. ومن الأبواب حديث عن ارتفاع الشمس وغيرها من الأجرام في أفق البلد المعني. ثم معرفة جيب القوس وقوس الجيب. وفي ميلان الشمس وغايته. وتناول المجاوي أيضا عرض البلد وبعد القطر والأصل والمطلق. وضمن العشرين بابا التي اشتمل عليها الكتاب ساق المجاوي أراجيز لنظم المعاني التي يتناولها، وذلك يؤكد توجه الكتاب إلى التلاميذ. لأن حفظ بعض الأبيات من قبلهم كان مقصودا له. وقد خصص الخاتمة في معرفة الضرب والقسمة، وأخذ الجذور بربع الجيوب (١). ٤ - نظم في الفلك: منسوب إلى الشيخ محمد الطيب اليعلاوي. والنظم غير معروف (٢). وقد عاش الناظم إلى حوالي ١٢٩٦ هـ. ٥ - آلة بركار: من وضع سليم الجزائري، شهيد القضية العربية سنة ١٩١٦. وقد قيل إنه اخترعه، وهو آلة تحمل في الجيب، وكان يرسم بها الخطوط المتوازية والمستقيمة والدوائر (٣). ٦ - شرح على رسالة في علم الميقات: وضعه الشيخ صالح السمعوني، أحد المهاجرين الجزائريين إلى الشام في القرن الماضي. وكان الشيخ السمعوني من المولعين بالفلك (٤).

стр. 3301

٧ - ساعات شمسية: للمولود الحافظي. وهذا ليس عنوان كتاب ولكنه صنعة أجادها الحافظي الذي كان ماهرا في وضع الجداول ومحبا لعلم الفلك حتى أصبح مرجعا فيه من المتأخرين. وقد كتب في هذا العلم مقالات عديدة نشرها في مثل الشهاب والنجاح. ورغم أننا لا نعرف مؤلفات الحافظي الأخرى فإن بعضهم قد ذكر أنه وضع عملين: الأول كتاب كبير تركه مخطوطا عندما كان في القاهرة عند صديق له يدعى الزايدي التواتي. وهذا المخطوط في الفلك والجغرافية والهيئة. وقيل إن والد علي أمقران السحنوني قد رآه. وأما العمل الثاني الذي قام به الشيخ الحافظي فهو إعداد ربع مجيب من الخشب صنعه أيضا وهو بمصر وسلمه إلى صديقه التواتي. وقد قام التواتي بتسليم هذا العمل إلى زاوية ابن سحنون بتاغراست (١). أما الساعات الشمسية فهي ثلاث، وضعها الحافظي عندما كان أستاذا بزاوية سيدي عبد الرحمن اليلولي، وما تزال آثار الساعات الشمسية في الزاوية. وذهب بعضهم إلى أن الحافظي قد ترك مقالات (وربما مؤلفات)، ولكنها ضاعت فيما ضاع أثناء الثورة. والحافظي من مواليد بوقاعة قرب سطيف، سنة ١٨٩٥، وبعد أن نال حظا من التعلم العام في الزوايا والكتاتيب، سافر إلى تونس حيث عمه، ولم يدرس في الزيتونة، بل عمل في بيع تذاكر القطار (٢)، ثم سافر إلى مصر في تاريخ مجهول، وانخرط في طلبة الأزهر الشريف. وبعد أن مكث طويلا رجع

стр. 3302

إلى الجزائر في تاريخ مجهول أيضا، وربما هو منتصف العشرينات. واشتهر بعلم الفلك وهو بمصر، كما ذكرنا، ولما رجع إلى بلاده انطلق كغيره من العلماء في دروس الإصلاح والكتابة الصحفية. ولكنه لم يكن مثل ابن باديس ولا العقبي ولا الإبراهيمي في التوجه إلى الجمهور العريض. وقد قصد التعليم بالزوايا، وكان في أول أمره من أنصار الحركة الإصلاحية وساهم في تأسيس جمعية العلماء (سنة ١٩٣١). وفي اجتماع السنة الموالية تزعم الحافظي التيار المحافظ الذي أراد أن تكون جمعية العلماء صورة أخرى من جمعية الطرق الصوفية والزوايا، التي تحركها الإدارة الفرنسية. وربما كان الحافظي آلة فقط في ذلك الصراع بين أنصار الإصلاح والتحرر وبين أنصار الانتماء الطرقي والتبعية. وعندما فشل ذلك التيار المحافظ وانتصر تيار ابن باديس وزملائه، أسس الحافظي وأنصاره جمعية موازية باسم (جمعية علماء السنة) سنة ١٩٣٢، ودام على رئاستها حوالي سنتين، ثم فشل المشروع كله لأسباب نجهلها الآن. وبقيت في الساحة جمعية العلماء الأصلية، وكان الحافظي قد كسبته بعض الزوايا مثل زاوية عمر بن الحملاوي. وعند افتتاح المعهد الكتاني سنة ١٩٤٧ كان الحافظي هو رئيسه الشرفي. وكان الحافظي قد نافس ابن باديس وعارض العقبي، وتحالف مع عاشور الخنقي. وخلال وجود الحافظي في الحركة الإصلاحية كتب مقالات طويلة في شؤون الاجتماع والدين والأخلاق والفلك في الصحف. وقد عاش إلى ٣ فبراير ١٩٤٨، ومع ذلك كان إنتاجه قليلا ومساهمته أقل من اسمه وعلمه. ولا ندري سبب الأفول الذي حل به أثناء حياته. ولعل تردده بين الإصلاح وعدمه أو بين الإصلاح التحرري المتسيس والإصلاح الطرقي الراكد، هو الذي كان وراء أفوله. وما تزال آثاره غير مجموعة (١).

стр. 3303

في الحساب والفرائض بقيت المدرسة القديمة في علم الحساب سائدة عند بعض الجزائريين، وهي مدرسة القلصادي والحباك وابن البناء، رغم تعلمهم الحساب الحديث على الطريقة الأوروبية في المدارس الفرنسية الرسمية. ولا ندري إن كان خريجو هذه المدارس قد ساهموا في إحياء الحساب العربي والفرائض عن طريق التأليف، أو اكتفوا بدراسة الحساب الجديد والاستفادة منه في حياتهم العلمية فقط. وإذا صح أن أبناء المدارس لم يؤلفوا في هذا الفن فإننا نعد ذلك خسارة فكرية، لأن علم الحساب القديم لم يستفد من تجربتهم الجديدة. أما الحساب التقليدي فقد ألف فيه عدد قليل من الشيوخ. ومنهم البزاغتي، والدلسي وابن مالك، وإليك هذه النماذج: ١ - منهاج الوصول إلى ما في الإرث من الأصول، لأحمد الطيب الزواوي، المتوفى ١٢٥١، وهو أرجوزة في الفرائض. ولا ندري إن كان قد شرحها أيضا (١). ٢ - شرح على كشف الأستار عن علم الغبار، لأبي القاسم البزاغتي (البوزاغتي) المجاجي، المتوفى بمجاجة سنة ١٨٨٤. وكشف الأسرار هذا في الحساب ومنسوب إلى القلصادي، وقد اختصره من كشف الجلباب عن علم الحساب. ولم يصف صاحب (تعريف الخلف) شرخ البزاغتي المذكور، ولا فائدته. ونحن نعلم أن البزاغتي كان قد عاش وتعلم في معسكر

стр. 3304

وتلمسان، وتولى القضاء على عهد الفرنسيين في الأصنام. ثم تولاه ابنه من بعده، وكان الابن مقربا إلى الفرنسيين. وللبزاغتي تآليف في علوم أخرى ذكرناها في مكانها (١). وقد اعتبره الفرنسيون من أبرز علماء وقته، وعدوه من الأذكياء في الفقه والسياسة. وكان صاحب زاوية أيضا. ٣ - تحفة السرور في أعمال الصحيح مع الكسور، تأليف محمد بن الموهوب بن مالك الزواوي المولود في قرية زكرى (دائرة عكورن) والمتوفى في حدود سنة ١٩٠٠. وقد انتهى من تأليفه في ١٧ أكتوبر ١٣٠٤ (١٨٨٦) وتوجد منه نسخة في مكتبة الشيخ ابن دريوة في بجاية (ضمن مجموع) (٢). وقيل إن لابن مالك مؤلفات أخرى في الرياضيات. وكان المؤلف قد درس في مسقط رأسه ثم في تونس ومصر. ثم رجع إلى بلاده. وكان حيا سنة ١٨٩٦. ولعله اشتغل بالتدريس في إحدى الزوايا في زواوة ولا نظن أنه كان من الموظفين الرسميين. ويقول في خطبة كتابه: (وبعد، فهذه تحفة السرور ... بطريق الكسر الإعشاري ينتفع بها المبتدي ... ويرجع إليها المنتهى، خصوصا في الأعداد الضم، ولا سيما عند إرادة العمل لمن لا يعرف النسبة وحل الأعداد). وقد حث الناس على تعلم الحساب وطريقة الكسور التي طبقها مشافهة، وكأنه يبدي شيئا من التأسف لأنهم لم ينتفعوا بعلمه في الحساب. وقد طلب منهم تعلمه مشافهة لأنه كان يعرف أن الأمية هي السائدة بينهم. ولذلك أخبرنا أنه توقف في تحريرها (كتابتها) لأنه لم يجد لها متنا ولا شرحا. ومع ذلك أقدم على التأليف فيها، وهو يعلم أنه قد لا يكون لبضاعته رواج بين الناس، كما أنه كان غير متأكد من أسلوبه، ولكنه متأكد من معلوماته وطريقته، فكان حريصا على ألا تضيع هذه الخبرة. والمقصود، كما قال، هو فهم العبارة وليس أسلوب التأليف والتفنن فيه. بدأ محمد بن الموهوب تأليفه ببيان نقط الحروف (الأرقام) الهندية

стр. 3305

والمعروفة بالقلم الهندي، وهي تسع كلمات. ثم أخذ في بيان ترحيلها في منازل العدد. والأرقام الهندية هي الأرقام المستعملة الآن في المشرق، وهي (١، ٢، ٣، ٤ الخ). وبعد ذلك تحدث عن باب الجمع وباب الضرب ومنه ضرب الصفر، وباب القسمة، ومنه قسمة المحاصاة وأجزاؤها، ثم باب الكسور. وقد ألحق المؤلف بالكتاب تقييدا حول طريقة تقسيم الحصص، وجاء بنماذج من تقسيم التركات أو الفرائض بطريق الكسور ورسم الجداول، مما يذكرنا بأعمال سلفه عبد الرزاق ابن حمادوش. وقد جمع محمد بن الموهوب هذا التقييد إلى (تحفة السرور). وهو (التقييد) لا يتجاوز الخمس عشرة ورقة. وقد افتتحه بقوله: (وبعد، فهذا تقييد سميته شبه عرس (أو عروس) زفت في اختصار النسبة للمحاصاة إذا كثرت أجزاؤها وتباينت، وكذلك مسائل الفرائض، إذا امتدت فروعها وتشعبت، وهو باب يحتاج إليه الطالب، سيما إذا كان المقسوم عقارا أو أراضي ذات انخفاض وارتفاع أو شعاب وأحجار. وتضمن التقييد كذلك ثلاثة جداول لقسمة الحصص وجدولا واحدا. لتقسيم فريضة، متخذا إياه كنموذج (١). ٤ - النيل الغزير: في القسمة على طريق الزنجير (؟)، لنفس المؤلف السابق محمد بن الموهوب. وهو كتاب في الحساب والفرائض، كما يدل عنوانه. ولكننا لا نعرف الآن معلومات أخرى عنه. ٥ - تنوير الألباب في علم الحساب: تأليف إدريس بن محفوظ الدلسي. وكان الدلسي قد هاجر إلى تونس بعد الاحتلال واستوطن مدينة بنزرت. وانتسب للطريقة الرحمانية على يد مقدمها علي بن عيسى صاحب زاوية الكاف. وله شعر في التصوف والمدائح النبوية، ومنه قصيدة في

стр. 3306

مؤسس الرحمانية، وقد درس العلم على شيوخ الزيتونة، ومنهم سالم بوحاجب والمكي بن عزوز وعمر بن الشيخ. وفي مقدمة كتابه (تنوير الألباب) ذكر نسبه وأصله فقال إنه: إدريس بن محفوظ بن أحمد الشريف الدلسي. وأما عن كتابه فقال: إنه وضعه على أسلوب غريب جليل، وتحاشى فيه الا? جمال والتطويل، وادعى أنه فريد من نوعه إذ لم يقلد غيره في تأليفه فهو (لم ينسج على منوال، ولم ويجار في مضمار الكمال، جمعت مسائله العبقرية، وفوائده الرائقة السنية، من رياض من تمم المعرفة والدراية ... كتاب الدرة البيضاء للأخضري وكتاب علي القلصادي (دون تحديد عنوان)، وكتاب النخبة السنية) وتلك هي مصادر الدلسي. وأضاف إلى ذلك كتاب شيخه محمد بن مالك سابق الذكر، وقد سماه بكل وضوح هكذا: (رسالة العلامة ... مؤدبنا وشيخنا سيدي محمد (بالفتح) ابن الموهوب بن مالك الشريف الزواوي). كما أضاف إليه (فوائد) من الشيخ المفتي محمد يرم، وأخرى من تحرير (شيخنا سيدي محمد السماتي) الذي قال عنه إنه قد هاجر (إلى طرابلس؟). ونبهنا الدلسي إلى أنه أخذ من غير هؤلاء أيضا، وأنه لن يذكر أماكن النقل في كتابه لأن (الناقل أمين). أما ترتيب (تنوير الألباب) فهو على مقدمة ومقصدين وخاتمة. واشتملت المقدمة على تعريف علم الحساب وموضوعه وفائدته وحكمه. وفي المقصد الأول تحدث الدلسي عن أعمال الصحيح. وبدا رياضيا رغم أنه متعلق بالتصوف، كما بينا. وخصص المقصد الثاني لأعمال الكسور. وجعل الخاتمة لأعمال المحاصة. وداخل كل مقصد أبواب مثل باب الجمع ثم باب الطرح، الخ. واعترف الدلسي أنه ليس من (صناديد هذا المجال) وإنما خشي أن يضيع منه ما تعلمه فسجل معلوماته. واعترف أيضا أنه كان في زمن غير موات للتأليف، فالجهل والفتن كانت سائدة. وقد كانت تونس في آخر القرن الماضي وأول هذا القرن تشهد حركة وطنية فعالة، وكان التصادم بينها وبين

стр. 3307

السلطة الاستعمارية على أشده. وكان الدلسي من العاملين في هذه الحركة. وذلك ربما هو ما يشير إليه بالفتن. أما الجهل فقد كان سائدا في مختلف الأقطار، ومع ذلك فإن الحركة العلمية والأدبية في تونس ربما كانت أفضل منها في الجزائر (١). ٦ - سند العربي بن حمدان: في الفرائض. وهذا ليس كتابا وإنما هو سند في علم الفرائض لأحد علماء الجزائر المعاصرين للاحتلال. وربما ترك ابن حمدان تأليفا في الفرائض لم يصلنا، لأن حبه لهذا العلم واتقانه له تجعلنا مطمئنين إلى أنه ألف فيه. لكن ما وصلنا منه هو نسخة نسخها بيده من كتاب (المقرب المستوفى في شرح فرائض الحوفي) في شهر شعبان سنة ١٢٥٣ (١٨٣٧). وقد حبس ابن حمدان هذا الكتاب على نفسه وعلى من فيه أهلية لدراسة هذا العلم. واحتوى الكتاب على جداول عديدة، وقد اطلعت على بعضها من صفحتين صورها لي الشيخ علي أمقران السحنوني. والعربي بن حمدان هذا ولد ونشأ في الجزائر، وهو يرجع إلى أصل أندلسي. وتعلم على شيوخ الوقت علم الفرائض وغيره كالحساب والفلك. واحتج بحديث يقول إن الفرائض نصف العلم. وهام بحب هذا العلم، وروى سنده فيه، وهو: ١ - كشف الجلباب للقلصادي، وقد درسه الحاج علي بن السفار على الشيخ عبد الغفار (٢).

стр. 3308

٢ - فرائض الشيخ خليل بن إسحاق قرأها على الشيخ محمد بن الشاهد، أحد العلماء الشعراء (تناولنا حياته في غير هذا). ٣ - شرح السيد السجاوندي في فرائض الحنفية، قرأه على الشيخ محمد الجكيكن. ٤ - الدرة البيضاء للأخضري وقرأها على الشيخ الحاج حمودة المقايسي، أحد تلاميذ الأزهر ومرتضى الزبيدي. ٥ - كتاب العصنوني على رجز أبي إسحاق إبراهيم المعروف بابن التلمساني، قرأه على الشيخ الشامي (١)، (ولا نعرف عن الشامي شيئا). إن هذا السند مهم للغاية، لأنه يكشف عن مصادر علم الفرائض الباقية لدى علماء الجزائر غداة الاحتلال، ولأنه يبرهن على أن الشيخ العربي بن حمدان ربما يكون - وقد حصل على هذه الثقافة الواسعة في علم الفرائض - قد ألف فيه. ومن جهة أخرى فإن عبارة (نسخه بيده) تحتمل أن تكون (كتبه بيده) ومهما كان الأمر فإن الكتاب ضخم بلغ الألف صفحة، واحتوى على ١٥٧٣ جدولا (٢). ٧ - شرح على الدرة البيضاء: وضعه الشيخ شعيب، ولعله هو قاضي تلمسان الشهير في وقته. وقد تناولنا حياته في مكان آخر (٣). أما الكتاب فهو منسوخ في يونيو ١٣٣٦ (١٩١٧) (٤). والدرة البيضاء من تأليف عبد الرحمن الأخضري. وكانت عمدة في علم الفرائض والحساب عدة قرون ليس في الجزائر وحسب ولكن في الأقطار الإسلامية الأخرى بما في ذلك الهند. ولا

стр. 3309

ندري إن كان شرح الشيخ شعيب قد طبع. ٨ - المسائل العامرية على مختصر الرحبية، لإبراهيم بن محمد الساسي العوامر السوفي. وكان من قضاء الوقت. أما الرحبية فنسبة إلى محمد بن علي الرحبي. وكانت الرحبية أحد المتون الأساسية في المعاهد الإسلامية يحفظها التلاميذ عن ظهر قلب، وتختص بعلم الفرائض أو قسمة التركات. وقد شرحها إبراهيم السوفي وقسم شرحه إلى أبواب، مثل باب أسباب الميراث، وباب الوارثين من الذكور والوارثات من الإناث. وقد رأينا من هذا العمل نسخة مخطوطة وأخرى مطبوعة. وعلى المخطوطة بعض التعاليق يبدو أنها للمؤلف نفسه، ولكنها بقلم مختلف، وفيها أنه انهى منه في سنة ١٣٢٣ ثم شطبت هذه العبارة (١). ويبدأ الرجز هكذا: الحمد لله وصلى خالقي ... على الرسول الهاشمي الصادق وبعد، فالقصد اختصار ما اشتهر ... من درر (لابن الموفق) الأبر ٩ - القول الراجح: بالعمل المصيب في الفرائض والكسور والجبر والوصايا بالنصيب. ألفه ابن الموفق الصالح بن عبد القادر القسنطيني. ولا ندري الآن الصلة بين اسم هذا المؤلف وعبارة (ابن الموفق) الواردة في البيت السابق. وقد كان إبراهيم بن عامر وابن الموفق في القضاء مدة طويلة. وكان ابن الموفق متقاعدا عندما صدر كتابه المذكور في القاهرة عام ١٣٥٥ (١٩٣٦). وتم طبع الكتاب بالتعاون بين مكتبة النجاح بقسنطينة، ودار الصاوي بالقاهرة. وقد أشرف على طبع الكتاب وتصحيحه شيخان مصريان (محمد مصطفى وعبد الله إسماعيل الصاوي). وواضح من العنوان الطويل أن كتاب ابن الموفق تناول عدة مسائل حسابية أساسها الفرائض والوصايا

стр. 3310

واستعمال الجبر والكسور. وربما كان هذا الكتاب من آخر ما ألف الجيل الماضي في هذا العلم الذي يجمع بين الدين والرياضيات. ١٠ - جلاء الران وتنوير الجنان فيما أشكل من طرق الميراث على الإخوان، تأليف قدور بن سليمان المستغانمي (١). ١١ - مدخل الطلاب إلى علم الحساب: تأليف الشيخ طاهر الجزائري السمعوني. ويبدو أنه كتاب مدرسي، شأن العديد من كتب الشيخ طاهر. وقد عرفنا أن والده كان أيضا مهتما بعلم الفلك. علوم أخرى لا نجد من (العلوم) الأخرى سوى النادر، بل إننا لم نعثر أثناء بحثنا عن تآليف في الجغرافية أو طبقات الأرض أو علم النبات والفيزياء والكيمياء والطبيعيات وعلوم الأحياء عدا النزر اليسير. وهذا غريب في عصر كان فيه بعض الجزائريين متمسكين بالماضي والتراث، وكان فيه آخرون منهم على صلة بالعلوم الأوروبية - الفرنسية، بل وأخذوا يدرسونها في المدارس، كما تشهد بعض إحصاءات كلية العلوم. ولذلك تصدق دراسات الدكتور بيرتيراند في أغلبها على الجزائريين عندئذ (١٨٦٩). فقد كتب في جريدة (الأخبار) الفرنسية تحت عنوان (العلوم الفيزيقية والطبيعية عند عرب الجزائر) في ضوء بداية دخول الشباب العربي - كما قال - في تقاليد الفرنسيين من خلال التعليم والاتصال. وفي نظره أن ذلك سيغير من نظرتهم إلى أنفسهم وإلى العالم من حولهم. وكان الدكتور بيرتيراند عضوا في جمعية المناخ. وتحدث في دراسته عن الفصول الأربعة والشهور والأوقات اليومية، وعن استخراج المياه عند الجزائريين، ونظرتهم إلى الكواكب وإلى الشمس والقمر، وإلى الخسوف والكسوف، وحكمهم

стр. 3311

على الأعشاب والاستفادة منها. ولاحظ أن بعض الجزائريين، سيما في بني ميزاب وفي زواوة كانوا يقيسون طبقات الأرض لمعرفة وجود المياه، كما أن الرعاة كانوا يعرفون أنواع النبات المفضلة لحيواناتهم. غير أن الجزائريين لا يعرفون البوصلة، ولا يعرفون أيضا تشكيلة الجسم سواء كانت بسيطة أو مركبة. ولكنه قال إن الجزائريين يفرقون بين عطور المرأة وعطور الرجل، فالياسمين مثلا للمرأة والعنبر للرجل. ومن رأي بيرتيراند أن الخرافة قد انتشرت بين الجزائريين. فثقافتهم في رأيه محدودة. وما الخرافة إلا وليدة الجهل. فهم يكتفون بحفظ القرآن - وهذه كانت سياسة فرنسية مدروسة وليست اختيارا منهم، كما لاحظنا في فصل التعليم الإسلامي - ويعتقدون أن كل شيء موجود في القرآن. وهم يربطون الأحداث والألوان والأشياء ما حدث في الإسلام، ولا سيما تقاليد الرسول ﷺ . أما عن الجغرافية فقد قال إن الجزائريين لا يعرفون منها شيئا تقريبا. وهم لا يعرفون من بلادهم سوى ما مشت عليه أقدامهم (١). كان بيرتيراند قد كتب ذلك بعد نشأة جيل كامل في حكم الاحتلال الفرنسي. ولا شك أنه عدل في مقاله ما كان تبناه في كتابه السابق. والوضع الذي وصفه صحيح في مجمله، ولكنه لم يقل إن الجزائريين لم يكونوا كذلك قبل هذا الجيل. وإذا غضضنا النظر عن العامة التي أهملتها السلطة الفرنسية تماما، فأين نتائج المدارس التي أنشئت منذ ١٨٥٠ (المدارس الرسمية الثلاث، ومدرسة الطب، والمدرسة السلطانية؟)، ألا يدل ذلك على فشل المهمة الحضارية التي تدعيها فرنسا طولا وعرضا في الجزائر؟. وفي سنة ١٨٩٤ ألف الطبيب رايسير كتابا في تربية النحل. فقام الشيخ

стр. 3312

الحفناوي بن الشيخ بتعريبه على حلقات في جريدة (المبشر) تعميما للفائدة، لأنه موجه كما قيل لتعليم المسلمين كيفية تربية النحل. وكانت السلطة الفرنسية تشجع كل ما من شأنه أن يخدم الاقتصاد الفرنسي. وفي تعريبه لم يلتزم الحفناوي بالنص بل تصرف فيه بما يتلاءم والذوق العربي والإسلامي. فكان يذكر أبياتا من الشعر، ويروى على لسان خبير يصفه (أبو النحل)، وهو يعني أحد الجزائريين الخبراء في هذه الصنعة، كما أن الحفناوي كان يذكر آداب الإسلام (١). وفي وقت لاحق جمعت تلك المقالات ونشرت في كتاب تحت عنوان (رفع المحل في تربية النحل)، وقد طبع على نفقة الحكومة (٢). وكانت الإدارة الأهلية عندئذ تحت وصاية دومنيك لوسياني (٣). مدرسة العلوم أما عن المدرسة العليا للعلوم فقد تأسست سنة ١٨٧٩، مثل مدرسة الآداب والحقوق. ثم أصبحت تدعى كلية العلوم سنة ١٩٠٩ عندما تأسست جامعة الجزائر. وكانت في أولها تضم فقط تسعة من الأساتذة ومن المكلفين بالدروس، بالإضافة إلى ستة بعنوان مكلفين بالتحضير. وكان برنامج مدرسة العلوم في الجزائر هو برنامج الكلية المماثلة في فرنسا. والفرق هو أن مدرسة العلوم في الجزائر لا تمنح شهادة الليسانس. وعلى الطالب أن يحصل على ذلك في فرنسا، قبل تأسيس جامعة الجزائر، لكن المدرسة تمنح شهادات أقل درجة من الليسانس في الفيزياء والكيمياء. ومن اهتمامات المدرسة العناية بالزراعة، والبيئة الصحراوية، واستخدام

стр. 3313

الكهرباء (١). ولكن عدد الجزائريين فيها كان ضئيلا جدا، فهو لا يتجاوز الخمسة في آخر القرن الماضي. أما خلال الثلاثينات من هذا القرن فقد وصل عددهم إلى أربعة عشر (٢). بينما كان عدد الفرنسيين فيها ١٩٨. فمن أين للشعب إذن أن يستيقظ من الخرافة وأن يعتمد على العلم تحت الاحتلال؟. ومهما كان الأمر فإن مدرسة العلوم قد توسعت حين ضم إليها المرصد الفلكي الذي كان في القبة ثم نقل إلى بوزريعة. وكذلك ضمت إليها مصلحة الأرصاد الجوية بعد أن أعيد تنظيمها سنة ١٨٨٤. وكان للمدرسة عدة مخابر لمواصلة البحث. وكان طلبة الطب يدرسون فيها أيضا المواد الطبيعية (الفيزيائية) والكيميائية، وللمدرسة بحوث ونشرات أيضا. ومن ملحقات المدرسة، المحطة الحيوانية (الزولوجية) ودراسة النباتات وإجراء التجارب عليها. وكانت المدرسة تخدم الإدارة الاستعمارية والأشغال العامة والأبحاث الزراعية ومصالح الغابات (٣). وكانت بدايتها متواضعة رغم أن اختصاصاتها قديمة في الجزائر، ففي سنة ١٨٩٥ كان بها ثلاثون طالبا فقط، ثم نمت سنة ١٩٠٤ فأصبحت تضم ١٣٤ طالبا واستمرت في النمو بعد تأسيس الجامعة (١٩٠٩) وبعد توسع الأبحاث في الجنوب وتكاثر الاهتمامات بتطوير البحث العلمي. وفي سبيل البحث النباتي والحيواني وجعل الجزائر حجر الزاوية للانتاج الذي تحتاجه فرنسا، تكونت منذ ١٨٣٢ حديقة للتجارب في الجزائر، أي قبل أن تعلن فرنسا رسميا احتفاظها بها. كان اسم الحديقة في البداية: الأبحاث عن الانتاجات. وكانت الحديقة حكومية واستمرت كذلك إلى سنة ١٨٦٧ حين تسلمتها الجمعية الجزائرية العاملة التي كان يسهر عليها

стр. 3314

أصحاب سان سيمون، وكان عضو هذه الجمعية البارز هوبولان تالابو. وقد نجحت التجارب نجاحا كبيرا، ففي سنة ١٨٩٠، كان إنتاج الجزائر من الطماطم مثلا يصل أسواق مرسيليا في نفس اليوم. وحين درست لجنة التحقيق الرسمية سنة ١٨٣٣ مستقبل الجزائر، شمل برنامجها الإنتاج الزراعي والحيواني، وثرواتها الطبيعية كالمناجم. وكانت أكاديمية العلوم الفرنسية تواصل اهتمامها بالبحث وتتعاون وتنسق مع وزارة الحربية المسؤولة على العمليات العسكرية. وبطلب من هذه الوزارة أنشئت محطة مناخية في الجزائر ودراسة تأقلم النباتات والحيوانات والإنسان. وكانت عضوية اللجنة المسؤولة على المحطة تتبدل من وقت لآخر. وقد أعطت الوزارة سنة ١٨٥٥ إلى اللجنة ثلاث سنوات لتقديم تقرير كامل وبسيط عن نتائج عملها، وكانت الجمعية المناخية الفرنسية للتأقلم وراء هذا النشاط أيضا، وكانت برئاسة المستشرق المعروف أرنست رينان. وكانت الوزارة المذكورة تحث على اختيار رجال أكفاء مستعدين لتقديم المعلومات واختيار الوسائل الصالحة. وهناك جمعية باريسية دائمة تابعة للوزارة وتضم أعضاء من العلماء والإداريين، وكانت تهتم بحالات التأقلم سواء في فرنسا أو خارجها، وكانت تضم تسعة عشر عضوا سنة ١٨٦٠. ومن أعضائها الجنرال يوجين دوماس الذي طالما عمل في الجزائر في عهد المارشال بوجو، وألف عنها عدة كتب منها واحد حول الخيول العربية، وكان مولعا بصيد الصقور. وأصبح دوماس الذي رافق الأمير عبد القادر أيضا، هو الرئيس الشرفي للجمعية منذ ١٨٥٥. وكان دوماس قد ساعد، عندما كان في وزارة الحربية، على نقل البذور والنباتات إلى الجزائر لتجريبها في حدائق ومحطات حكومية خاصة. ومن ذلك نقل شجرة (تيك) TEEK من السينيغال إلى الجزائر. وكان الهدف هو منافسة الإنكليز في بناء السفن والنشاط البحري. وكانت تجربة الشجرة المذكورة تجري في بسكرة والجزائر في منتهى السرية. كما جرب الفرنسيون نباتات من أمريكا اللاتينية مثل شجرة (سينكونة) التي يستخرجون منها مادة

стр. 3315

(الكينا) لمعالجة حمى المناطق الاستوائية. وقد اهتمت هذه الجمعية بكل ما يحمي ويحفظ ويساعد الاستعمار في الجزائر، من المستحثات (الآثار) إلى علوم الزراعة. وبالإضافة إلى دوماس الذي ترأس الجمعية سنة ١٨٥٨، ظهر انطوان دي كنال CANAL الخبير في علم الطب العسكري وفي تنشئة الخيول أيضا. لقد كان كنال مشاركا في الخدمة العسكرية في الجزائر منذ الثلاثينات، وكان يتولى أثناء المعارك ضد المقاومة الوطنية فحص ثروة البلاد الزراعية والحيوانية. ثم رجع سنة ١٨٥٧ إلى الجزائر لاختبار آثار التأقلم على الحيوانات والأفراد والسلالات بعد إخضاعها للمناخ الجديد والتدجين والعمل والصحة والتغذية. فقد رافق كنال زميله ألبير سان هيلير في السنة المذكورة وتجولا في الجزائر شرقا وجنوبا ووسطا، ونشر (كال) تقريرا في مجلة الجمعية. ومن الأماكن التي زارها محطة تربية وتحسين الأغنام بالأغواط، كما زار محطات أخرى تهتم بتربية الحيوانات والحشرات والنباتات. وكان تقريره يتعلق بذوات الأربع. وقد أوصى فيه بإدخال الأبقار والخيول الأجنبية إلى الجزائر وانتقد طريقة الرعي وتربية المواشي الأهلية فقال بأنها تنتج انواعا ضعيفة. ورأى أن إدخال الحيوانات الغريبة عن البيئة الجزائرية ضروري لتقدم وتطوير الزراعة فيها. ومن رأيه أن أبقار مملكة بيدمونت (إيطاليا) التي جاء بها الكولون تدر حليبا أفضل من البقر الذي يربيه الأهالي. ويجب أن نذكر أن هذه التجارب شملت أيضا: إنتاج دودة القز (الحرير)، وتهجين الحيوانات. وقد أوصى كنال في تقريره بأمور أخرى نذكرها بسرعة، وهي إنشاء حديقة تجارب للحيوانات، وأخرى للنباتات، وضرورة مراقبة التجارب بدقة. وتعتمد نظريته على أنه يمكن للحيوانات الأجنبية والنباتات والشعوب أن تتأقلم في الجزائر. ولذلك كانت سفن الجيش الفرنسي تقوم بنقل ذلك إليها (حيوانات، نباتات، أناسي). ومن ثمة يتضح أن الفرنسيين اعتبروا الجزائر بلادا سائبة أو حقل تجارب، يزرعون فيها

стр. 3316

ما يشاؤون وينقلون إليها ومنها كل ما يرغبون. وكان لويس مول MOLL، وهو أستاذ مادة الزراعة والعضو في معهد الفن والحرف بباريس، أول من ألف كتابا رئيسيا عن الزراعة في الجزائر، وقد أوضح فيه مبادئ الزراعة للمستوطنين سواء كانوا فقراء أو أغنياء. وكان الهدف من ذلك تحويل الجزائر من بلاد منتجة للقمح إلى نموذج للمنتوجات الاستوائية، وكانت الوسيلة إلى ذلك هي حديقة التجارب. وكانت جمعية التأقلم والمناخ (١) التي ذكرناها تعتمد على نظرية الحماية الاقتصادية، وهي تقوم على أن للوطن الأم (فرنسا) أن يقتطع أكبر قدر ممكن من ثرواته من مالكها، وأن على المستعمرة ألا تتاجر إلا مع الوطن الأم. كما أن هذه الفلسفة كانت تقوم على أن المستعمرة المثالية هي التي تقدم المواد الأولية للوطن الأم ولا تتاجر إلا معه، وأن المستعمرة ما هي إلا سوق مفتوح لهذا الوطن الأم. وقد أصبح للجمعية لجان إقليمية. وخصصت، منذ اجتماعها سنة ١٨٥٨، جوائز عديدة وأوسمة، وكانت بعض الجوائز تهم التقدم في معرفة أنواع الحيوانات الثديية. وقيل إن ثلاث جوائز تتعلق بإنتاج نوع من السمك وعدة أنواع من أغنام (الباقا) ونوع من العسل قد خصصت لإنتاج الجزائر. ومن جهة أخرى أنشأت وزارة الحربية معرضا دائما للانتاج المتطور من المستعمرات، بناء على تعليمات الحكومة وإشراف الجمعية (٢). تلك هي بداية البحث في مجالات العلوم بالجزائر على يد الفرنسيين. وبالتدرج أخضع هؤلاء كل إمكانات البلاد، بما فيها أهلها، لخدمة الاقتصاد والأمن الغذائي الفرنسي. وكان لتطور البحوث وإنشاء المعاهد المتخصصة

стр. 3317

في القرن العشرين والتوسع في غرب افريقية وجنوب الصحراء حوافز أخرى واكتشافات هامة في العلوم، إذ تضافرت جهود الفرنسيين، من رجال الدين إلى رجال الإدارة والجيش، على تسخير الأرض والإنسان لخدمتهم. وكان حظ الجزائريين في ذلك، تعلما وبحثا وإنتاجا، منعدما تقريبا. ... وفي مجال النباتات الطبية نشير إلى أن الفرنسيين قد اهتموا أيضا بها بحثا، وترجمة للوصول إلى مكافحة الأمراض الخطيرة. ونشير هنا بالخصوص إلى كتاب بيرتيراند عن الطب والنظافة الصحية عند العرب الجزائريين. وقد أشرنا فيما مضى إلى مؤلفين آخرين (١). وقد اهتم لوسيان ليكليرك بترجمة بعض الآثار العربية، ومنها آثار ابن حمادوش الجزائري، حول النباتات والعقاقير (٢). وتعاون نور الدين عبد القادر مع الطبيب غبريال كولان على نشر قصيدة السلوانة في الصيد. ولكن مساهمة الجزائريين في التأليف في العلوم نادرة أو منعدمة، وهو أمر ملفت للنظر.

стр. 3318

الفصل الرابع التاريخ والتراجم والرحلات

стр. 3319

سنسير في هذا الفصل على منوال فصل التاريخ في الجزء الثاني. فنذكر أهم ما طرأ على مفهوم التاريخ وما تفرع منه من تغييرات، ثم ندرس التواريخ العامة أو التي ليس لها علاقة مباشرة بتاريخ الجزائر، والغرض من ذلك هو معرفة الميادين التي اهتم بها المؤرخون الجزائريون في عهد الاحتلال. وبعد ذلك نذكر تاريخ الجزائر بصفة عامة، سواء بدأ المؤرخ كتابه من القديم أو بدأه من مرحلة متأخرة أو كان شاملا لكل العصور. وقد احتل التاريخ المحلي قسما هاما في هذا الكتاب لأننا رأينا أن المؤرخين قد اهتموا بمناطقهم دون قطرهم، وهي طريقة تقليدية من جهة وموجهة من قبل المحتلين من جهة أخرى. وتسهيلا للبحث قسمنا التاريخ المحلي إلى ما يتعلق بالغرب الجزائري وما يتعلق بالشرق ثم بالجنوب. وكما فعلنا في الجزء الثاني خصصنا فقرات من هذا الفصل للأنساب أيضا. وقد عثرنا على نماذج من ذلك تدل على أن النسابة كانوا حريصين على تسجيل أصولهم. وكان الأشراف والمرابطون ورجال التصوف والارستقراطية حريصة على تخليد ذكرها في وقت فقدت فيه كل النفوذ السياسي والاقتصادي. ويتصل بذلك أيضا. الحرص على تسجيل المناقب أو التراجم المديحية التي تأتي عادة من وحي الإعجاب بل التقديس أحيانا. وليس كل ما كتب في هذا الباب داخله في المناقب، بل منه ما يدخل فقط في التراجم العادية. ولكن هذا النوع من الإنتاج غير كثير، كما سنرى. وأنت ترى أن المناقب والتراجم تتفق في أمور وتختلف في أخرى. وللرحلات في هذا الفصل مكانة بارزة، ولكننا لاحظنا أن هذا الانتاج

стр. 3320

مع ذلك كان قليلا جدا، رغم تنقل العلماء والمثقفين شرقا وغربا وشمالا وحتى جنوبا. فالجزائريون قصدوا المشرق وفرنسا والمغرب الأقصى وأفريقية. ومع ذلك فإن رحلاتهم المسجلة في جملتها قليلة وصغيرة الحجم. ويضاف إلى ذلك المذكرات والتقاييد. وتعتبر المذكرات أو السيرة الذاتية نوعا جديدا في هذا الباب، وقد ألف عدد قليل من السياسيين والعلماء والأعيان عن حياتهم الخاصة وعبروا عن آرائهم في شؤون الحياة والناس. وكدنا نعتبر كتاب المرآة لحمدان خوجة من أوائل كتب المذكرات. أما التقاييد فليست فنا جديدا، ولكننا اعتبرناها من ضمن التواريخ الذاتية، إذا صح التعبير. مفهوم التاريخ وتعريفاته يبدو أن مفهوم التاريخ لم يتطور كثيرا خلال الاحتلال، وإذا كان هناك من تطور فقد بدأ مع نهاية الحرب العالمية الأولى ومع الوعي الوطني والسياسي والبحث عن ماضي الجزائر، تعبيرا عن رفض الاندماج وتغييب الذاكرة الجماعية، وهو التغييب الذي فرضه الفرنسيون عن طريق تعليم تاريخهم فقط وقطع الصلة بين الجزائريين وتاريخهم. وإلى عهد السبعينات من القرن الماضي كان أبو حامد المشرفي يعرف التاريخ بأنه علم الجغرافية (١). وكانت التواريخ عندهم تبدأ عادة من حياة آدم. ولعل أول كتاب تناول الجزائر في ماضيها وفي علاقتها بالمغرب العربي القديم ثم مرورا بمختلف العصور الإسلامية إلى الاحتلال، هو محمد ابن الأعرج السليماني صاحب (زبدة التاريخ وزهرة الشماريخ) في آخر القرن الماضي، ثم جاء

стр. 3321

بعده بقليل محمد بن الأمير عبد القادر الذي أرخ للجزائر بصورة سريعة في مختلف العهود ثم تاريخها منذ الاحتلال وبالأخص أثناء مقاومة والده الطويلة. وكلا الكتابين يؤرخ للجزائر باعتبارها امتدادا في التاريخ عبر العصور المختلفة، خلافا لمعظم مؤرخي القرن التاسع عشر المحليين من الاكتفاء بناحية أو قبيلة أو مدينة، وبشكل مقطوع عن الماضي الجماعي. ولنذكر الآن بعض التعاريف للتاريخ. والواقع أن المشرفي قد عرف بفضل التاريخ ونوه به في صفحات عديدة من كتابه (الحسام المشرفي لقطع لسان الجعرفي) إذ خصص قرابة أربع عشرة صفحة منه لهذه المسألة (ص ٢٦ - ٤٢). وفي الجزء الأول من (ذخيرة الأواخر والأول) مقدمة عرف فيها أيضا بالتاريخ رغم أنه ابتدأ الكتاب من آدم. وفي آخر الجزء الثاني منه خاتمة ضمنت الحديث عن أهمية علم التاريخ. وحين قرظ محمد بن عبد الرحمن الديسي كتاب (تعريف الخلف) للحفناوي عرف التاريخ بأنه (الفن الجليل، المعظم في كل أمة وقبيل، الذي لولاه ما عرفت سير الملوك والعظماء، ولا حفظت تراجم العلماء والحكماء). وهو تعريف واسع يجعل التاريخ جامعا للسياسة والتراجم. وبعد أن أورد الشيخ عبد الرحمن الجيلالي طائفة من أقوال العلماء في تعريف التاريخ وأهميته، وهم من الشرق والغرب، قال عن التاريخ في المصطلح بأنه (علم تعرف به أحوال الماضين من الأمم الخالية، من حيث معيشتهم وسيرتهم ولغتهم وعاداتهم، ونظمهم وسياستهم واعتقادهم وآدابهم حتى يتم بذلك معرفة أسباب الرقي والانحطاط في كل أمة وجيل). وجاء الجيلالي بما يشترط في المؤرخ أيضا، وهو في نظره (العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات واختلاف الأمم والبقاع والأعصار ... والإحاطة بالحاضر من ذلك ومماثلة بينه وبين الغائب ... وتعليل المتفق منه والمختلف) (١). وهو تعريف رغم استناده إلى مبادئ ابن خلدون في التاريخ

стр. 3322

والعمران فإنه ينظر إلى الأساليب الحاضرة وشروط المعرفة والموضوعية والتعليل. وستعرف في فقرة أخرى رأي أبي يعلى الزواوي ومحمد مبارك الميلي وأحمد توفيق المدني في التاريخ. والمفهوم السياسي للتاريخ ظهر ربما لأول مرة، على يد حركة الأمير خالد وما تلاها. فقد استشهد خالد في خطبه وعرائضه بتاريخ جده وبكفاح الجزائريين خلال القرن التاسع عشر. وكان ذلك منبها للغافلين، فانتشرت فكرة الربط بين التاريخ والوطنية ولم تتوقف الفكرة عند الكفاح المذكور بل رجعت إلى الماضي البعيد. وكان الجزائريون في الخارج قد درسوا التاريخ المتعلق بالشعوب الأخرى ودرسوا كذلك تاريخ الإسلام وما قام به الأولون، ورجعوا إلى بلادهم بأفكار واضحة عن الاطلاع والكشف والمنافسة للشعوب الأخرى. وقصد من هؤلاء ابن باديس والزريبي والإبراهيمي والعقبي وأبا يعلي الزواوي. وكان الزواوي - وكذلك سعيد بوليفة - قد ألف عملا في التاريخ يفيض (بالوطنية) ولكنه خاص بالزواوة. وخلال العشرينات أيضا نشر أحمد توفيق المدني في (تقويم المنصور) فصولا في التاريخ واهتم بالتاريخ السياسي. وكانت تونس سباقة إلى ربط الحاضر بالماضي. وقد تأثر الجزائريون الذين درسوا فيها منذ بداية القرن بالتاريخ المشترك وبالمفهوم السياسي الذي نتحدث عنه. ورغم أن التنظيمات السياسية (الأحزاب) كانت أولى بالاهتمام بالتاريخ واستثماره للحاضر، فإنها كانت في أول أمرها، بعيد عن ذلك، إما لجهل أصحابها بالتاريخ الإسلامي وتاريخ الجزائر بالذات، وإما لابتعادها منذ البداية عن التراث والأصالة وتعلقها بالفكر الاقتصادي الماركسي والصراع الطبقي الذي يؤدي عندهم إلى انتزاع السلطة من يد أرباب العمل ويضعها في يد العمال. وكانت الأناشيد السياسية تشير إلى وقائع تاريخية معينة وإلى أسماء شهيرة مثل يوغرطة وماسينيسا وعقبة بن نافع، ولكن الزعماء السياسيين لم يكونوا يهتمون أو لم يكونوا يعرفون الضروري عن الكتابة التاريخية ولو من أجل توظيفها في البرامج السياسية لأحزابهم.

стр. 3323

وأمام طغيان المدرسة الفرنسية التي جردت الجزائريين من الاتصال بماضيهم كثر الحديث عن أن الجزائر لم تكن شيئا مذكورا قبل الاحتلال الفرنسي. كانت المدرسة الفرنسية تدعي أن الجزائر كانت ممرا للمحتلين الذين يتداولون عليها، الغالب بعد الغالب، وأنها لم تكن دولة في يوم من الأيام، وأن فرنسا هي التي (صنعتها) وألحقتها بها، فهي ابنتها عند البعض، وهي فرنسا الصغيرة عند آخرين. وكانت تدعى أيضا أن الفرنسيين هم الذين حققوا الأمن والرخاء، ونظموا البلاد وجعلوا الجزائر جنة فوق الأرض. كما أشاعت أن سكان الجزائر لا يمثلون شعبا له ماض عريق، ولكن مجموعة من (المتساكنين) الذين لولا فرنسا لأكلوا بعضهم البعض. إن هذه الادعاءات نجد أصداءها في كتابات عديدة صدرت عن بعض الجزائريين الذين انقطعوا عن ماضيهم، نذكر منهم أبا بكر بوطالب صاحب (نزهة الأفكار) وفرحات عباس في كتاباته قبل ١٩٤٣. ولكن يجب ألا نعمم هنا، ذلك أن بعض الأفراد من المتعلمين في المدارس الفرنسية كانوا على صلة بالحضارة العربية الإسلامية، وكانوا يرفضون الأطروحة الفرنسية المذكورة، ونحن نجد ذلك في كتابات حسن بريهمات وابنه أحمد، وكتابات بعض النواب مثل عريضة ١٨٩١ التي تقدم بها أعيان من نواحي قسنطينة (١). ومهما كان الأمر فإن هذه الروح هي التي دفعت بأعيان الإصلاح إلى (إصلاح التاريخ) إلى جانب إصلاح العقيدة والمجتمع. وعلى رأس هؤلاء الشيخ مبارك الميلي. فقد حكى أنه لم يكن قد درس التاريخ صغيرا ولا كبيرا، ولكنه كان مهتما بتراجم الماضين وتاريخ صدر الإسلام والتاريخ الحديث، فقرأ واستوعب، ورأى كيف زيف الفرنسيون تاريخ بلاده وأثروا بذلك على عقول فئة من الجزائريين كان يعرفها ويختلط بها، وكانت هذه الفئة تنكر أن للجزائر تاريخا جديرا بالدراسة والإطلاع، فعزم على كتابة تاريخ لوطنه يسد به الفراغ في انتظار ظهور مؤرخين أكفاء. ومن يقرأ

стр. 3324

مقدمات كتابه (تاريخ الجزائر في القديم والحديث) سيجده مركزأ كثيرا على ذلك الدافع. ونعني به الجهل بالتاريخ الوطني مضافا إليه التنكر له أيضا والقدح فيه. وسنتناول كتابه في حينه. وفي اعتقادنا أن الميلي كتب تاريخا هو في الواقع درس في السياسة والوطنية وجزء من مهمته كمرشد وواعظ ومدرس في مدرسة الإصلاح. ويبدو لنا أن الذين تلقوا عليه الدروس العامة كانوا أيضا يتلقون عليه دروس الوطنية لأن أفكاره في دروسه هي أفكاره في كتابه. ودعك ممن قال عن هذا النوع من الكتابات إنها (دعاية) وعمل سياسي، بينما سكت هذا القائل عن كتابات ايميل غوتييه (العهود المظلمة في بلاد المغرب)، وربما اعتبرها في منتهى الموضوعية (١). إن الاعتماد على المراجع ونقد الأعمال المتقدمة وذكر محتوى الكتاب وغير ذلك من تقنيات البحث لم تكن جديدة على مؤرخي الجزائر. وكان الذين تناولوا التاريخ خلال القرن التاسع عشر قد عمدوا إلى ذلك بصفة عامة، ما عدا ربما نقد الماضين. كما أن مؤرخي هذه الحقبة كانوا يبدأون من التواريخ الغابرة، وأحيانا من سيرة الأنبياء والأمم المتمدنة. ومثال ذلك الكتاب المنسوب إلى الأمير عبد القادر والذي حرره أثناء سجنه بفرنسا. ولكن (اللمحة) التاريخية التي كتبها حمدان خوجة سنة ١٨٣٣ لم يرجع فيها إلا إلى تواريخ العهد العثماني وميزاته. وتقنيات البحث الأوروبي ظهرت في أعمال الذين اتصلوا بالمستشرقين وتعلموا منهم. ونخص بالذكر ابن أبي شنب وبوليفة ومن جاء بعدهما. الأول ظهر عليه ذلك في دراساته وتحقيقاته. ومن ذلك رحلة الورتلاني، والبستان لابن مريم، فقد استعمل فيهما تقنيات البحث من فهرسة ومقابلة والرجوع إلى النسخ الأخرى. ولكن كتاب التراجم الذي أصدره أبو القاسم الحفناوي في بداية هذا القرن لم يظهر عليه التأثر بالأوروبيين رغم اختلاط

стр. 3325

المؤلف بهم والعمل معهم سنوات طويلة، كما شهد على ذلك بنفسه حين قال إنه ظل في رفقة آرنو قرابة أربعين سنة. أما بوليفة فقد ظهر عليه التأثر بالأوروبيين في كتابه (جرجرة عبر التاريخ) واستفاد من تجاربهم في البحث واستخدام المصادر والنقد وما إلى ذلك. ولكن معاصره أبا يعلي الزواوي لم يفعل مثله في كتابه (تاريخ الزواوة)، فقد ظل فيه على الطريقة القديمة رغم أنه رجع إلى المراجع العديدة وانتقد بعضها. فقد كان أبو يعلي الزواوي من الذين ربطوا التاريخ بالوعي القومي وبالجنس (العرق) ونهضة الشعوب، وقد يكون الزواوي رائدا في ذلك. فمشروع كتابه عن الزواوة كتبه سنة ١٩١٢، وظل كما قال عشر سنوات يعمل على استيعاب معنى التاريخ وعلاقته باليقظة والماضي والأمجاد. فرأى أن الفرنسيين والإنكليز لم يتقدموا إلا بعد دراسة التاريخ الوطني. ورأى أن الشعوب المناهضة هي التي فهمت تاريخها ودرسته وحافظت عليه. فعزم على كتابة كتاب يكون رائدا أيضا في هذه الفكرة. ونحن نجده يقول بذلك عن نفسه. وقد عاب أبو يعلي من لا يدرس التاريخ ويتعظ به ويعمل بما جاء فيه، ومن ينظر إلى التاريخ على أنه أخبار وحكايات أو شكك في فائدته. فقال: إن قوما ظنوه خبرا يروى (تخشى آفته). وقال آخرون، فيما روي، إن التاريخ هو (أسطورة الأباطيل) يجب الابتعاد عنه والعقيدة فيه. بينما هناك من يذهب إلى أن التاريخ هو خير العبر لأنه هو (ديوان المبتدأ والخبر). وهذا هو رأي أبي يعلى الذي يبدو أنه استعاره من تاريخ ابن خلدون، أو من عنوان كتابه على الأقل. وأكد أبو يعلي أن (القرآن نفسه تاريخ وعبر). ثم أخذ يعرف التاريخ تعاريف عامة وعاطفية، مثل إنه (حياة الأمم الذي يحملها على المطالبة بمجد الغابرين ... (ولعل في ذلك ردا على الفرنسيين الذين طمسوا تاريخ الجزائر، ومنه تاريخ الزواوة). ويخبرنا أبو يعلي أن الفرنج (ولم يقل الفرنسيين) قد عرفوا التاريخ وفضله فدونوه، ووضعوا له الأسس والأصول. ومن الدول التي أحياها التاريخ بعد الحرب العالمية الأولى دولة بولونيا

стр. 3326

(بولندا) وغيرها، في نظره. وعاب على قومه وعلماء المسلمين عامة إهمالهم للتاريخ حتى أنهم إذا جادلوا علماء أوروبا في التاريخ عجزوا. ومن المهم جدا هنا اان كتاب الزواوي - خلافا للمشروع الذي سبقه - قد تحدث عن نتائج الحرب العالمية الأولى في العالم العربي. ولكي يقنع قومه بالتحولات التي طرأت على العالم الإسلامي قال إن هذا العالم قد مر من الجاهلية والوثنية إلى الفتوحات، وغيرها - ولعله يريد أن يصل إلى الاحتلال وكونه مرحلة فقط في هذا التطور التاريخي -. وقد أعلن الزواوي أن الهدف من كتابه هو تنوير الجيل الجديد حتى يكون على بصيرة بمسيرة سلفه، وليتعلموا ما فعل الآباء والأجداد، ويقتدوا بالأمجاد. وأشار إلى أن الجيل الذي خاطبه قد يأخذ ببعض القديم وبعض الجديد. وكان همه الرئيسي أن (أنفخ فيهم روحا قوية، وأبعث منهم ذوي همم علية، وأهدي إليهم هذا الكتاب المستطاب ...) (١). وهكذا يتضح أن أبا يعلي قد تحول خلال عشر سنوات من التاريخ العرقي (بالنظر إلى فكرة الآرية وطهارة الدم) إلى التاريخ الجهوي، ومن هذا إلى مبدإ التاريخ العام، أو من الطائفة إلى الأمة، وكم للإنسان من تقلبات وأحوال!. والميلي الذي أهمه التاريخ كثيرا عندما رأى قومه وقد أهملوه ورأى الغربيين وقد اتقنوه بدراسة الآثار والاقتصاد ونحوه، قد عرف التاريخ بأنه وسيلة لمعرفة (سنة الكون وطبيعة العمران) وسير الأبطال والأنبياء والأولياء والسياسيين. ثم أكد على ذلك بقوله إن (التاريخ مرآة الغابر ومرقاة الحاضر ... ودليل وجود الأمم، وديوان عزها، ومبعث شعورها، وسبيل اتحادها وسلم رقيها) يدرسه الشباب فلا تبتلع قومية أخرى قوميتهم، وأدركوا ما لآبائهم من الأمجاد والشرف) (٢). ومن جهته عرف المدني التاريخ بأنه (عرض وتحليل وتعليل وحكم).

стр. 3327

وقال عن المؤرخ بأنه (حاكم نزيه حر الضمير، يدرس الوثائق والمستندات، ويستخرج الحقائق من بين النصوص، ويستمع بإمعان إلى ما يقوله هؤلاء وما يقوله هؤلاء، فإذا أسفر أمامه وجه الحق ناصعا، أصدر حكمه عادلا، لا عاطفة ولا رياء ولا محاباة) (١). وهكذا يظهر أن التغيير الهام في مفهوم التاريخ وتقنياته قد ظهر مع نهاية الحرب العالمية الأولى، وكان ذلك مرتبطا بظهور الحركة الاصلاحية من جهة والحركة الوطنية (المطالب السياسية) من جهة أخرى. فكانت جهود ابن باديس في الأولى وجهود الأمير خالد في الثانية هي التي نبهت إلى ميلاد المفهوم الجديد للتاريخ. ومن نتاج ذلك العهد: تاريخ الميلي وتاريخ المدني ومن جاء بعدهما. والجدير بالذكر أن ذلك التغيير كان مرتبطا أيضا بالظاهرة التاريخية في المغرب العربي عامة. فالمدني مثلا كان نتاج حركة التاريخ في تونس، وهي أكثر تطورا مما هي عليه في الجزائر، منذ ابن أبي الضياف وخير الدين التونسي ومدرسة الشبان التونسيين. وكان التاريخ الإسلامي والعربي والسيرة النبوية والفتوحات تدرس في كل من القرويين والزيتونة. وكان لقاء الطلبة المغاربة دوريا في فرنسا وعواصم المغرب العربي خلال الثلاثينات قد عمق فكرة التاريخ المشترك، بالإضافة إلى الاهتمام بتاريخ كل قطر. ومن يرجع إلى محاضر تلك اللقاءات سيجد أن الاهتمام بالتاريخ في المدارس وضرورة تدريس التاريخ الإسلامي والعربي كان من بين مطالب المجتمعين (٢). وقد ارتبط أيضا الاهتمام بالتاريخ القديم للمنطقة بالمستقبل السياسي لها. ففي نادي جمعية الطلبة المسلمين الشمال إفريقيين بفرنسا، ألقى السيد شريف ساحلي محاضرة بعنوان (مقاومة الوطنيين بالشمال الإفريقي للاستعمار

стр. 3328

الروماني). وقالت جريدة (البصائر) التي نشرت الخبر عندئذ إنه اختار موضوعا يمثل العلاقة المتينة بين الطالب وتاريخه، لأن ذلك يظهر سيرة السلف الصالح الذي قام بواجب الجهاد ضد الاستعمار الغشوم. ولا شك أن ذلك إسقاط للماضي على الحاضر. وقد تحدث الشريف ساحلي عن (الأمة المغربية) - المغاربية - ورد على كل من كان ينفي وجود شعور وطني مغاربي، وأثبت وجود الوطنية المغاربية بحديثه عن يوغرطة وباكوس (١). ويجب ألا يفهم من حديثنا هذا أن تطور مفهوم التاريخ كان من جهة الوطنية والمذهب السياسي فقط، فنحن نتحدث عن ظاهرة عامة في الواقع، تشمل استخدام المراجع بطريقة نقدية وتصنيفية، واستخدام المراجع الأوروبية والرد على بعضها، ونقد المراجع العربية القديمة، والرجوع إلى المخطوطات والوثائق، والنقوش والآثار ومقابلة الآراء ببعضها، وقبول الحكم إذا كان صادقا ولازما ولو كان ضد النفس، بالإضافة إلى تقنيات البحث الجديدة من تعاليق وفهرسة وتبويب وصور وإحصاءات. فكل ذلك يدخل في ظاهرة التطور المشار إليها. وقد عانى التاريخ من ضعف شديد لم يكن ذاتيا، ولكنه أثر عليه مع ذلك. ونلخص جوانب الضعف فيما يلي: ١ - تغييب تدريس التاريخ الجزائري والإسلامي في المدارس الرسمية، مما تسبب في انقطاع المتعلم عن المراجع والبحوث والآراء حول الكتابة التاريخية. ومنذ ١٨٨٠ أجبر بعض التلاميذ على دراسة تاريخ وجغرافية فرنسا فقط، وكان هؤلاء التلاميذ، وكذلك زملاؤهم في المدارس الابتدائية يرددون مع التلاميذ الفرنسيين أن أصول الجزائريين فرنسية (بلاد الغال). أما في الزوايا التي بقيت مفتوحة في العهد الاستعماري فلم يسمح فيها بتدريس التاريخ الإسلامي ولا الجزائري ولا السيرة النبوية والغزوات.

стр. 3329

وكانت المواد المسموح بها هي الفقه والنحو والتوحيد والأدب. ٢ - استيلاء ضباط المكاتب العربية والمستشرقين على المخطوطات التاريخية واستثمارها فيما يخصهم ثم تضييعها بعد استلافها من أصحابها تحت إغراءات وتهديدات مقنعة. وبذلك فقد تاريخ الأشراف والمدن والعائلات الكبيرة والوقائع. وكان ذلك من أسباب شكوى المؤرخ عندما شعر بواجبه في كتابة تاريخ بلاده. وقد حمل عدد من الفرنسيين الذين ذكرناهم مخطوطات جزائرية في التاريخ إلى بلادهم بعد انتهاء إقامتهم، ولا نعرف الآن مصيرها. ٣ - بدراستنا لأحوال المخطوطات عرفنا أن كثيرا منها ضاع بطرق مختلفة، ومنها مخطوطات تاريخية هامة، فمنها ما جمعه وحمله أدريان بيربروجر إلى العاصمة من أبرز المدن بعد الحملات العسكرية الفرنسية، وكون منه نواة المكتبة الوطنية التي كانت في الواقع مكتبة فرنسية لخدمة الاستشراق والإدارة الاستعمارية. ومن جهة أخرى فإن مكتبات كاملة قد اختفت مثل مكتبة الجامع الكبير بالعاصمة التي كانت في العهد العثماني من أغنى المكتبات (١)، أو بعثرت ثم بيعت كما يباع ورق العطارين، مثل مكتبة الفكون في قسنطينة التي كان يضرب بها المثل في الغنى. وكانت معرفة العربية والفرنسية من عوامل تطور الكتابة التاريخية فقد استثمر المؤرخ الجزائري الجديد معرفته للفرنسية فرجع إلى مصادر مختلفة واتسعت رؤيته وشحذت آراؤه وأفكاره بالآراء الأجنبية التي كانت أحيانا مخالفة لما كان متداولا أو معروفا من نظريات، مثل أصول السكان والوحدة الوطنية والدين الإسلامي والوجود الاستعماري والنمو الاقتصادي. وهكذا لاحظنا أن معظم الذين ألفوا في التاريخ خلال القرن العشرين كانوا يعرفون الفرنسية إلى جانب العربية، مثل ابن أبي شنب وبوليفة، والحفناوي، والساحلي والمدني، من الجيل الذي نتناوله. ولعل الاستثناء هو الشيخ

стр. 3330

الميلي الذي اعترف أنه اعتمد على تلاميذه وأصدقائه للوصول إلى المراجع الفرنسية. أما الإنكليزية وغيرها من اللغات الأوروبية والشرقية والتي لها صلة بتاريخ الجزائر، فلا نعلم أن أحدا قد استفاد منها في تأليفه، عدا ربما ابن أبي شنب الذي قيل إنه كان يعرف عددا من اللغات، بما فيها التركية والفرنسية. وكان خوجة يعرف التركية، وكذلك أحمد الجزائري صاحب رسالة (كيف دخل الفرنسيون الجزائر). ويغلب على الظن أن البعض ممن كانوا متصلين بالمخزن، مثل مسلم بن عبد القادر، كانوا يعرفون التركية (العثمانية) أيضا. سيرة نبوية وتواريخ عامة تشتمل هذه الفقرة على المؤلفات المنسوبة إلى أصحابها، وهي جميعا مؤلفات تعتبر خارجة عن تاريخ الجزائر، غير أن مؤلفيها جزائريون بالميلاد أو بالوفاة أو بالنسبة الأصلية (١). وهي مؤلفات قليلة العدد، وتعتني عادة بتاريخ الإسلام والعرب والشعوب الأخرى قديما وحديثا. وهناك مؤلفات في السيرة النبوية والبلدان الإسلامية مثل تونس والمغرب، ثم صقلية وفرنسا، رغم أن فرنسا غير إسلامية. وقد لاحظنا أن بعض هذه التآليف كان خاصا بأحد الموضوعات المذكورة، بينما يكتفي المؤلف أحيانا بفصل أو نحوه من كتابه اخير الجزائر. وإليك الآن هذه المؤلفات: ١ - شمائل الرسول ومعجزاته، تأليف أحمد بن المبارك المعروف بالعطار القسنطيني. وقد تناولنا حياة المؤلف في غير هذا المكان، وقال (دورنون) الفرنسي عن هذا الكتاب إنه يقع في جزئين وإن عنوانه هو (سلم الوصول في الصلاة على الرسول) (٢). ٢ - تقاييد في شمائل المصطفى، تأليف أبي حامد المشرفي.
следующие страницы →