بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في هذا الفصل كثير من القضايا. فنحن سنتناول فيه النثر الأدبي أو الفني ومسائل اللغة من دراسات ومعاجم ونحو وصرف. وفي النثر الأدبي تفريعات عديدة هي: المقالة والمقامة والرسالة والخطبة والتقريظة. وفي الدراسات اللغوية سنتحدث عن اللغة العربية الفصحى ولهجاتها ومن أنتج بها خلال هذا العهد، وما كتبه الفرنسيون عنها من مدح أو طعن وما جاء حول ذلك من ردود على لسان علماء الجزائر. وسنتناول أيضا الدراسات البربرية وما كتب في الموضوع من معاجيم وما نشر من مخطوطات وآثار مكتوبة. كما سنعرض لنشر المخطوطات في إحدى الفقرات لأنه ساهم في النهضة الأدبية والثقافية. وإلى جانب ذلك سنترجم لبعض الأدباء واللغويين الذين أثروا في هذا الميدان.
حالة الأدب والثقافة غداة الاحتلال
إذا حكمنا من الكتابات التي عاصرت الاحتلال في مرحلته الأولى أدركنا أن الثقافة كانت تعاني ضعفا كبيرا. كان هناك شعراء مجلون أمثال محمد بن الشاهد - وقد كان في آخر عمره - ولكن لا وجود لأدباء مجلين. فمدرسة أحمد بن عمار قد تلاشت ولم يخلفه في ميدان النثر الأدبي والفني من ساواه أو قارب. والأدباء الأحرار الذين كانوا ينشطون خارج الإدارة أصبحوا نادرين ومعظمهم هاجروا. أما الكتاب (الخوجات) الإداريون فقد كانوا ضعافا ثقافيا صفة عامة، وكان عملهم الديواني لا يحتاج إلى منافسة أدبية. فإذا رجعنا إلى كتابات مسلم بن عبد القادر الحميري الذي كان كاتبا لباي وهران عند الاحتلال وجدناها متوسطة بل ضعيفة. وحمدان خوجة لم يكن من الكتاب الإداريين فى العاصمة، ولكن كتاباته فى (إتحاف المنصفين
стр. 3504
والأدباء) لا تدل على تمكن قوى في اللغة والأدب، وكان أسلوب فيه أسلوب العالم المتوسط الثقافة. وكان باي قسنطينة وباي التيطري يتخذان كتابا لا نعرف عن آثارهم شيئا، رغم أن وثائق الحاج أحمد باي تشهد على أن شهادات ومحاضر للعلماء قد صيغت لإعلان الولاء له أو مراسلة السلطان العثماني لصالحه. وهي على كل حال شهادات ووثائق إدارية وليست أدبية متميزة، رغم وجود أشخاص مثل أحمد العباسي ومحمد العربي بن عيسى.
وفي العاصمة عرف هذا العهد ابن العنابي والكبابطي. وكلاهما من رجال الدين والإفتاء. فإذا رجعنا إلى آثارهما لم نجد فيها مسحة أدبية تدل على أسلوب خاص. خذ مثلا كتاب (السعي المحمود) - ألف سنة ١٨٢٦ - لابن العنابي فإنك ستجده مليئا بالنقول والأسلوب الفقهي لا الأدبي. وأما رسائل ابن الكبابطي التي عثرنا عليها فهي فقيرة في المعاني وفي الروح الأدبية والأسلوب، وهي قصيرة لا يمكن أخذ نموذج منها على وجود فن الأدب، رغم أن الكبابطي كان ينظم الشعر أيضا. ويبدو أن فن النثر قد تطور على يد هؤلاء وأمثالهم (ابن رويلة، وابن الشاهد، الخ.) على إثر أزمة دينية - فكرية، وهي وجوب الهجرة من الجزائر أو البقاء فيها رغم الاحتلال. وسنعرض إلى ذلك في حينه.
وفي قسنطينة القريبة جغرافيا من جامع الزيونة والمتأثرة بالثقافة المشرقية أكثر من غيرها، نجد مجموعة من رجال الدين والوظائف الرسمية والتدريس. ملتفة حول بلاط الحاج أحمد باي والمدرسة الكتانية ومساجد المدينة وزواياها. ولكن لا عائلة ابن باديس ولا عائلة الفكون كان لها عندئذ أديب لامع. كان الشيخ أحمد العباسي هو الذي يشار إليه عندئذ، ولكن بصفته علما من من أعلام النحو والتدريس والقضاء وليس الأدب. وهناك أسماء لأشخاص متصلين بالزوايا أمثال الشيخ أحمد المبارك، وهو، كما سنرى، مثقف له معارف كثيرة ولكنه ليس أديبا. وقل مثل ذلك في المكي البوطالبي وفي مصطفى بن جلول ومحمد العربي بن عيسى. إنه من الغريب حقا ألا نجد فى قسنطينة عندئذ سوى هذه المجموعة من الأعيان وأمثالهم
стр. 3505
الذين كانوا يعيشون على تراث عريق ولهم مكتبات ومدارس، ومع ذلك ليس لهم أدب راق ولا شعر.
فإذا التفتنا نحو الغرب وجدنا مجموعة أخرى من (العلماء) مرتكزة حول وهران التي أصبحت العاصمة الجديدة للإقليم بعد معسكر، منذ ١٧٩١. وكانت مازونة والقيطنة وتلمسان روافد لمدرسة وهران هذه. ولكن الإشعاع كان محدودا. فبالإضافة إلى بعض الكتاب (الخوجات) الإداريين نجد أيضا في المدارس والزوايا والمساجد أعيانا من المتصوفة والعلماء أمثال الحاج محيي الدين (والد الأمير) وأحمد بن التهامي، وعبد الله سقط، وعبد الله المجاوي، ومحمد بن سعد. وقد اشتهر بعض هؤلاء بالنحو والبراعة في التدريس. ولكن آثارهم الأدبية مفقودة عندنا. وقد بعثرهم الاحتلال بسرعة فهاجر بعضهم إلى المغرب، ودخل بعضهم صفوف المقاومة واختلط عندهم حبر الأقلام بدم الأبطال.
وفي المناطق الأخرى من الوطن لا نكاد نميز أديبا ذاع صيته وترك أثره. فالمدية رغم أنها كانت قاعدة باي التيطري، لم يحفظ لنا التاريخ اسم أديب فيها على ذلك العهد، سواء أكان كاتبا إداريا أو حرا. وكانت جاذبية المدية نحو العاصمة والبليدة. ورغم انتشار الطرق الصوفية في مختلف المدن والقرى فإن التعليم الذي يكون الأدباء كان محدودا ومقصورا على بعض العواصم والمراكز. فلا بجاية ولا ميزاب ولا بسكرة قد قدمت أديبا معروفا. غداة الاحتلال. ولا شك أن الثقافة الشعبية كان لها أدباؤها، ولكن ذلك ليس هو موضوع حديثنا الآن.
والخلاصة أن نمط التعليم وتغلغل التصوف والجمود الثقافي قد جعل من الصعب على الأدباء أن يبرزوا أو يجدوا لهم مكانا في الجزائر غداة الاحتلال؛ ثم كان الاحتلال نفسه (ضغثا على إبالة)، كما يقول القدماء. فقد شرب التعليم ضربة قاضية على إثر مصادرة الأوقاف (الأحباس)، فأغلقت المدارس وتوقفت حلقات الدروس الحرة فى المساجد، وهاجر العلماء
стр. 3506
ونهبت المكتبات. وانشغل الباقون من المتعلمين بحفظ الرمق وخافوا من الكتابة، بينما التحق بعضهم بالمقاومة التي تولاها عبد القادر بن محيي الدين في غرب البلاد والحاج أحمد في شرقها.
وقد تركت لنا فترة الأمير عبد القادر (١٨٣٢ - ١٨٤٧) مجموعة من التراث الأدبي سندرسه في محله، كالرسائل الديوانية، والمراسلات، والخطب. كما أن فترة الحاج أحمد (١٨٣٠ - ١٨٣٧) قد تركت بعض الإنتاج المتمثل في المحاضر والشهادات والمراسلات. وسنعرض إلى ذلك أيضا.
ومنذ الاحتلال، وظف الفرنسيون بعض الجزائريين في مختلف المجالات الدينية والديوانية والترجمة والصحافة (وهي فن جديد عليهم). فنشأ عندئذ أدب مختلف عن سابقه فكرا وروحا وأسلوبا، متأثرا بالمخالطات الاجتماعية والتأثيرات اللغوية والفكرية الفرنسية. ولم يظهر ذلك فجأة وإنما أخذ يتطور مع الأيام ويتسع مع الحاجة. فقد وظف الفرنسيون بعض رجال الدين في الإمامة والإفتاء والقضاء، كما وظفوا آخرين في التدريس والترجمة، وعينوا محررين ومصححين في الصحافة التي أنشأوها. وقد أصبح هؤلاء ينشؤون الرسائل الإدارية والمقالات الصحفية ويلقون الخطب الوعظية في الجمعة والأعياد على الطريقة الجديدة المعينة لهم من الإدارة الفرنسية. ومن ثمة أخذ ينشأ في الجزائر نوع آخر من الأدب العربي - الفرنسي أو (الفرنكو - أراب). وقد ظهر ذلك في رسائل رجال الدين إلى الإدارة الفرنسية (١). وفي مقالات أحمد البدوي وأحمد الفكون وعلي بن عمر وأضرابهم الذين تعاملوا مع جريدة (المبشر). وسيتوسع هذا الفن ليشمل العرائض أيضا. ويجب أن يكون مفهوما من البداية أن هذا النوع من الإنتاج العربي - الفرنسي (أو المتفرنس) قد استمر طيلة الاحتلال واتخذ لذلك
стр. 3507
أطوارا. كما أنه كان محدود المجال ومقصورا على الفئات المذكورة تقريبا، إلى أن ظهرت فئة الأدباء الأحرار والمعلمين الأحرار، كما ظهرت حركة التأليف ونشر المخطوطات والتأثر بالثقافة العربية الحديثة القادمة من المشرق في عهد النهضة الأدبية منذ أول هذا القرن.
إن هذا التطور الذي حدث في أساليب الكتابة يرجع في الواقع إلى عدة عوامل منها: إنشاء المدارس الرسمية الثلاث، وهي التي سميناها المدارس العربية - الفرنسية الشرعية (١)، وقد بدأت تحت رقابة محدودة سنة ١٨٥٠، ثم مرت إلى رقابة كاملة منذ ١٨٧٦، وتفرنست إدارتها وبرنامجها منذئذ. وكانت أساسا مدارس لتخريج رجال الدين والقضاء في ظل الثقافة الفرنسية. وقد أخرجت فعلا بعض العناصر الجيدة أمثال ابن الموهوب وشعب بن علي ومحمد بن شنب ومالك بن نبي. غير أن هؤلاء كانوا أصحاب مواهب متميزة. وكان من أساتذتها عبد القادر المجاوي ولكنه لم يتخرج منها، فقد تخرج من القرويين في المغرب، كما تخرج محمد الزقاي من الأزهر، وهو شيخ آخر من شيوخ هذه المدارس؛ ومن العوامل أيضا إنشاء المعهد النابليوني سنة ١٨٥٧، فقد درس فيه أمثال حسن بن بريهمات. وهو أديب بارع بمقياس المدرسة العربية - الفرنسية. ومنها رجوع عدد من الجزائريين الذين درسوا في المشرق أو المغرب إلى بلادهم رغم القيود الكثيرة التي كانت مسلطة عليهم.
ولذلك يمكن القول إن ثقافة المشرق قد أثرت في الجزائر رغم سيطرة المدرسة الفرنسية. ولدينا عدد ممن درسوا في الأزهر والقرويين وزوايا تونس. ومنهم محمد الزقاي الذي سبق ذكره والذي تولى إدارة مدرسة تلمسان، وكان من كتاب الصحافة أيضا. ثم عاشور الخنقي الذي درس في زاوية نفطة وبعد ذلك انتصب للتدريس في قسنطينة خلال السبعينات، ثم في
стр. 3508
زاوية الهامل حيث عاش فترة طويلة. ومنهم من هاجر أولا، إلى دمشق ودرس بها ثم رجع إلى الجزائر وتولى بها الوظائف الرسمية. ومن هؤلاء الطيب بن المختار، وهو شاعر وناثر، وكذلك عدد من عائلة بوطالب المعسكرية. ومن أدباء هذه العائلة أحمد المجاهد الغريسي وأبو بكر بوطالب.
أما في القرن العشرين فقد وجدنا مجموعة أخرى من الجزائريين الذين درسوا بالأزهر أو عاشوا بالشام أو هاجروا إلى الحجاز ثم رجعوا إلى وطنهم وشاركوا في نهضته، وقد تولى بعضهم الوظائف الدينية الرسمية. وتحضرنا الآن أسماء المولود الزريبي، وأبي يعلى الزواوي، والطيب العقبي، والبشير الإبراهيمي، والمولود الحافظي، والعربي التبسي، وأحمد رضا حوحو. وقد نضيف إليهم عبد الحميد بن باديس. والواقع أن العهد الأخير قد شهد أيضا عودة مجموعة من المتعلمين الجزائريين من الزيتونة وإلى حد ما من القرويين. وكان بينهم أدباء متميزون أمثال الشاعرين محمد العيد ومفدي زكريا. وكان من المتوقع أن يحدث صراع بين المدرسة العربية والمدرسة الفرنسية، وهو صراع بقي إلى عهد الاستقلال.
وهناك أدباء (بعليون)، إذا صح التعبير، ونعني بهم أولئك الذين درسوا بوسائلهم الخاصة وعانوا مرارة الحياة خارج النظام الاستعماري، ثم وجدوا أنفهسم داخل هذا النظام أو على هامشه. ومنهم أحمد البدوي الذي كتب للأمير عبد القادر، ثم أصبح محررا في جريدة (المبشر) مع المستشرق البارون دي سلان. وقد وظفت أسرة المبشر أيضا شخصا آخر له ثقافة غزيرة واستفادت من علمه وأدبه وهو الحفناوي بن الشيخ (أبو القاسم) صاحب كتاب تعريف الخلف. فقد وظفه المستشرق (آرنو) مدة طويلة. ومنهم محمد الديسي الذي درس في الزوايا المحلية وظل طول حياته مدرسا ومؤلفا في زاوية الهامل، وهو صاحب المقامات والإجازات والتقاريظ العديدة. وقد نذكر من هؤلاء شخصا آخر كان له قلم وفكر وكان أيضا بعليا عصاميا وهو محمد العاصمي.
стр. 3509
وهكذا يمكننا القول إن الثقافة العربية قد عاشت في ثلاثة مراكز وانطلقت منها: المركز الأول: المدارس العربية الفرنسية (الرسمية)، والمركز الثاني: المعاهد والزوايا في البلدان العربية والإسلامية، والمركز الثالث: الزوايا والمدارس البعلية أو الحرة في الجزائر نفسها. وإذا كان التقارب قد وقع في غالب الأحيان بين طلاب المركزين الثاني والثالث، فإنه قلما وقع مع طلاب المركز الأول. وكان على الثقافة العربية أن تعاني من هذه الإزدواجية إلى اليوم. وهي ليست إزدواجية الثقافة الفرنسية المحض والثقافة العربية المحض، ولكنها إزدواجية الثقافة المتأثرة بالفكر الفرنسي والثقافة البعيدة عن هذا الفكر، بل المضادة له. ومهما كان الأمر فإن لكل مدرسة نتاجها. وسنرى عند تناولنا لهذا الإنتاج أيها كان أكثر ارتباطا بالتراث وأبعد تأثيرا في المستقبل.
التعامل مع اللغة العربية
اعتبر الفرنسيون اللغة العربية لغة أجنبية والفرنسية هي اللغة الرسمية. وكان ذلك موقفا واضحا من الدين الإسلامي أيضا لأن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم ولغة الحضارة التي كتب بها تراث الدولة الإسلامية. ومن جهة أخرى كان موقفا سياسيا واضحا أيضا، لأن العربية كانت هي لغة البلاد الإدارية والقضائية والتعليمية. فإذا استثنينا الجهاز المركزي بالعاصمة حيث كان الخلط بين العربية والتركية، فإن إدارة الأقاليم والأوطان والجماعات والمدارس والمحاكم كانت كلها باللغة العربية. وهكذا فإن اعتبار اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية كان نفيا لما عداها، مما يعني السيادة السياسية لفرنسا وضرب الدين الإسلامي ولغته وحضارته.
ولكن هذا لا يعني استغناء الفرنسيين عن اللغة العربية. لقد فهموا أن حاجاتهم الإدارية والاجتماعية لا يمكن أن تنجز إلا باستعمال هذه اللغة. وقاموا من أجل ذلك بمحاولتين، الأولى هي إهمال تدريس العربية في
стр. 3510
المدارس القديمة، وذلك بقطع مصادر الوقف عنها. والثانية هي الاكتفاء بتدريس العربية الدارجة لضباط الجيش والراغبين في العمل الإداري من الفرنسيين. وقد تركوا المسلمين يحفظون القرآن وحده في الكتاتيب بدون دراسة للعلوم المساعدة على فهمه وتفسيره. ومن ثمة بقي القرآن في الصدور دون الكتب ودون تطبيق تعاليمه على الحياة العامة. وكادت تختفي العلوم العربية (النحو والصرف والبلاغة والإنشاء والعروض، الخ). والعلوم الدينية (الفقه والتوحيد والحديث والتفسير، الخ). لولا وجود الزوايا القليلة التي تأثرت هي أيضا ولوضع العام (الاستيلاء على الأوقاف والحروب، والغلق) ولكنها مع ذلك واصلت تعليم العلوم المذكورة بطريقة تقليدية.
أما تدريس العربية الدارجة فقد تولاه الفرنسيون أنفسهم. حقا لقد بدأه بعض المشارقة الذين رافقوا جيش الحملة، مثل جوني فرعون (وهو سوري - مصري) سنة ١٨٣٢، ثم واصله لويس برينييه منذ ١٨٣٦ (١). وقد شاركه في ذلك عدد آخر من المستشرقين الذين انتشروا في غرب البلاد وشرقها، ومنهم شيربونو في قسنطينة، وماشويل في وهران. وصدرت عن هؤلاء مجموعة من الكتب التعليمية بالعربية الدارجة والفرنسية، وهي كتب تقرأ من اليسار إلى اليمين، كما صدرت عنهم قواميس في نفس الموضوع. وكان التلاميذ في كل ولاية بين الثلاثين والخمسة عشر في كل موسم. ومعظمهم كانوا عسكريين في المرحلة الأولى (إلى ١٨٧٠)، وكانت تعقد لهم المسابقات وترصد الجوائز. وكانت تنتظرهم الوظائف في المكاتب العربية العسكرية، وفي الإدارة المركزية، كما أن بعض المدنيين قد استفادوا من هذه الدروس. وقد أصبح الخريجون عادة مترجمين بدرجات متفاوتة تحدث عنها شارل فيرو في كتابه (مترجمو الجيش الإفريقي) (٢)، ويمكن أن نسميهم مستعربين.
وهل يعني هذا أن الفرنسيين لم يدرسوا اللغة العربية الفصحى؟ الواقع
стр. 3511
أن بعضهم قد فعل، ومنهم هوداس وشيربونو ودي سلان وبرينييه وكور. وقد اعتبروها ضرورية لبلادهم من الناحية السياسية والتجارية والعلمية. ونشروا منها نصوصا عديدة وترجموا من تراثها الكثير، ولا سيما فئة المستشرقين المتأخرين أمثال فانيان وباصيه وماسينيون. وقد استعانوا بمجموعة من الجزائريين في هذا المجال نذكر منهم محمد بن شنب والحفناوي بن الشيخ وعلي بن سماية ومحمود كحول (ابن دالي) وأبا يعلى الزواوي.
وعاشت العربية الفصحى أيضا، في المدارس الرسمية الثلاث التي بدأت تعمل، كما ذكرنا، سنة ١٨٥٠. ومرت بمراحل من حيث البرمجة: مرحلة التعريب الكامل، ومرحلة الفرنسة الجزئية (١٨٧٦)، ثم مرحلة ازدواجية البرنامج (العربي والفرنسي) بعد وضعها تحت إشراف مستشرقين فرنسيين منذ التسعينات من القرن الماضي. وكانت الدراسة بالفرنسية في المواد الفرنسية، كما أن الإدارة وطرق التعليم كانت أيضا فرنسية. ولذلك كانت اللغة العربية غريبة في المدارس الرسمية - في المرحلتين الأخيرتين - فهي كما قلنا تدرس كلغة أجنبية وكانت وسيلة تعليمها هي اللغة الفرنسية طبعا. وكذلك كان حال العربية في مدرسة ترشيح المعلمين أو في الثانويات الفرنسية.
ذكرنا أن الفصحى ظلت تقاوم في بعض الزوايا التي سمح لها بالنشاط التعليمي، مثل بعض زوايا زواوة، وزاوية الهامل، وزاوية طولقة. وكانت المساجد الرسمية قد حافظت أيضا على الفصحى إلى حد كبير من جهتين: الجهة الأولى هي الخطب الدينية، فهي على بساطتها وسذاجتها كانت بالعربية الفصحى أو المعربة، ومن ثمة تأتي العلاقة بين العربية والدين، مما جعل بعض الفرنسيين يشبه العربية باللاتينية في الكنائس ويحكم بأنها لغة ميتة كاللاتينية أيضا. والجهة الثانية هي بعض الدروس العامة. وقد كانت الدروس في أول الأمر مقتصرة على جمهور محدود من عامة الناس القريبين من المسجد وعلى موضوع محدود وهو الفقه. ولكن المدرسين كانوا، باستثناء عدد منهم، يستعملون اللغة القريبة من الفصحى بحكم النصوص التي ينقلون عنها وتأثرهم بالمدرسة التى تخرجوا منها. وكان هؤلاء المدرسون قد سمح
стр. 3512
لهم في نهاية القرن الماضي بتطوير تدريسهم ليشمل تعليم الشباب والتلاميذ المترشحين للمدارس الثلاث وليشمل أيضا موضوعات غير دينية كالنحو والأدب، والبلاغة. وإلى جانب هذه الدروس (الرسمية) رخصت الإدارة لبعض المدرسين (الأحرار) بإعطاء دروس في مساجد قراهم حول نفس الموضوعات. وهكذا كانت اللغة العربية الفصحى تنافس الدارجة العربية والبربرية والفرنكوية. وكل ذلك كان قبل ظهور الحركة الإصلاحية وانطلاق مدارسها ودروسها في التعليم والوعظ بالعربية الفصحى المتطورة.
وإلى جانب العربية والتركية كان بالجزائر غداة الاحتلال لهجات كثيرة عربية وبربرية، بالإضافة إلى لهجة ساحلية (لغة إفرنكية) يتحدث بها أصحاب السفن وعمال الموانئ والتجار. ان اتساع رقعة الجزائر جعل استعمال وشيوع لهجة واحدة غالبة أمرا مستحيلا. كما أن نظام الحكم نفسه ساعد على عزلة الناس عن بعضهم. فهو حكم أقلية غريبة عن أهل البلاد. فظلت أقلية متقوقعة على نفسها. ونتيجة لذلك كانت العاصمة عاصمة فقط من حيث المركزية السياسية والسلطة. أما ثقافيا وحتى تجاريا فلم تكن هي عاصمة البلاد. كان كل أقليم له عاصمته، وكانت السلطات الإدارية (المخزنية) قد جعلت البلاد تشكل وحدات (فدراليات) مستقلة ولكن دون حدود تجارية ولا تعليمية. وهذا الوضع كله قد ساعد على بقاء اللهجات مجهولة عند بعضها البعض، سواء أكانت لهجات عربية أو غيرها. أما التركية فلم تكن معروفة خارج الإدارة المركزية بالعاصمة والثكنات. وقد كانت وسيلة التواصل بين الجزائريين هي اللغة العربية، مهما تباعدوا في المكان، وهي لغة الكتابة عندهم، ولغة الخطاب الرسمي، واللغة الأدبية والدينية. وبها كانوا يتعلمون وبها يحررون السجلات القضائية والمداولات العرفية ويعقدون الاتفاقات الدولية والصفقات التجارية (١)، بالإضافة إلى تأليف الكتب وقرض الشعر.
وكان على الفرنسيين منذ البداية أن يدرسوا اللغة العربية ولهجاتها
стр. 3513
لينجحوا في مهمتهم. وقد فهموا ذلك رغم غيرتهم على لغتهم التي كانوا يسمونها (لغة السادة). وفهموا أنه لا التركية ولا اللهجات العربية أو البربرية ولا الخليط الساحلي الإفرنكي (اللغة الإفرنكية) سيجعلهم يفهمون الجزائريين وتراثهم. لذلك عقدوا العزم على تعلم العربية مهما كان الثمن، وبرروا ذلك بأنه لا يمكن مطالبة المغزوين (الجزائريين) بتعلم لغة الغزاة (الفرنسيين) فورا. (وكان الرأي العام كله مع هذه الفكرة (حسبما جاء في كتاب فور ميسترو Fourmestront) (١) .
ولقد أكد ذلك أكثر من واحد خلال فترة الاحتلال الأولى. فهذا بريسون، المتصرف المدني سنة ١٨٣٦، كتب إلى المفتش العام للتعليم قائلا إن مهمة فرنسا في الجزائر تتوقف على دراسة اللغة العربية والتوسع فيها، من أجل التعرف على الأهالي والاتصال بهم، كما أن الاستعمار نفسه (الإستيطان واستغلال الأرض) يتوقف على معرفة اللغة العربية. ولا يكفي في ذلك الاعتماد على المترجمين. ومن جهة أخرى أكد بريسون على ضرورة دراسة اللهجات أيضا كلما توسع الاحتلال في الجزائر، وأخبر أن الإدارة سوف لا تقبل مستقبلا من الفرنسيين إلا الذين يعرفون العربية والفرنسية (٢).
وفي نفس هذا المعنى أعلن الدوق دورليان، وهو ابن الملك لويس فيليب، وقد شارك في حملات عسكرية، واجتاز مع الجيش الفرنسي مضائق البيبان قادما من قسنطينة إلى العاصمة عن طريق البر سنة ١٨٣٨، وهو الاجتياز الذي تسبب في أزمة بين الأمير والفرنسيين. قال دورليان إن معرفة اللغة العربية ضرورية لتقريب الفرنسيين من الجزائريين، وأن جيشه الذي عبر البيبان كان يعرف العربية من ثمة كان نجاحه في العبور. ولم يكن في حاجة إلى مترجمين لأن هؤلاء قد أساؤوا في نظره أكثر مما أحسنوا (٣).
стр. 3514
وهذا المؤرخ المحافظ جان بوجولا، مؤرخ عهد بوجو، والمتحمس كثيرا لاستعادة الكنيسة، أعلن أن الأروبيين كانوا، سنة ١٨٤٤، يتعلمون اللغة العربية لتكون علاقاتهم مع الأهالي أكيدة ومنتجة. وأعلن أيضا أن تعلم اللغة العربية شرط أساسي لتسريب الأفكار والعادات والثقافة الفرنسية إلى الأهالي. وطالب بحرية رجال الدين في تعلمها لكي يتصلوا بالأهالي ويبثوا الأفكار النصرانية عن طريقها (١).
وكان المارشال بوجو قد أصدر قرارا بأن تكون اللغة العربية شرطا أساسيا في الوظيف ابتداء من يناير ١٨٤٧. وجرى التحضير لذلك بالمسابقات والجوائز والامتحانات. وكان لويس برينييه هو المشرف على هذا البرنامج. وهكذا عممت العربية في الإدارة المدنية المركزية والمكاتب العسكرية المتصلة بالأهالي سواء في العاصمة أو خارجها. ونشطت حركة الترجمة وتوسعت حلقات اللغة العربية في وهران وقسنطينة. وبدأ الحديث عن إنشاء معهد عربي - فرنسي في فرنسا، ثم أنشئ في الجزائر المعهد النابليوني بدلا منه سنة ١٨٥٧، كما أشرنا. ويقول أوغست كور إن العربية يمكن أن تقدم لفرنسا فوائد جمة لأنها كانت لغة الحديث منذ قرون. وهو يضيف بأن العربية لن تمكن الفرنسيين من فهم الذين يحكمونهم فقط ولكن ستمكنهم من تذويقهم طعم الحضارة الفرنسية. وتوسع كور في هذا المعنى قائلا إن دراسة أدب الجزائريين سيؤدي إلى معرفة عبقريتهم وأصالة فكرهم وشعرهم المؤثر، ومعرفة كتبهم في مختلف العلوم، ومن ثمة معرفة أصول أفكارهم وأحكامهم وتقاليدهم (٢).
وهناك آراء أخرى عديدة من العسكريين والمدنيين، السياسيين
стр. 3515
والمستشرقين، وكلها كانت تحث على تعلم اللغة العربية كوسيلة لفهم الجزائريين ونشر الثقافة الفرنسية. وقد أضيف إليها منذ آخر القرن الماضي مبرر آخر وهو بناء الروابط التجارية والسياسية مع البلاد العربية والإسلامية. ولكن هذه الآراء لم تكن آراء كل الفرنسيين في القرن الماضي، فقد انتصرت عندئذ السلطة في فرض اللغة الفرنسية وأصبح المغلوبون هم الذين عليهم أن يتعلموا لغة الغزاة، حسب تعبير بعض الكتاب. والغريب أنه بقدر ما كان الفرنسيون مؤمنين بضرورة تعلم العربية لأنفسهم كانوا يمنعون الجزائريين من تعلمها، رغم أنها لغتهم القومية والوطنية والدينية.
ومنذ التسعينات انطلقت الدراسات الاستشراقية للهجات العربية في الجزائر. ويعترف رينيه باصيه الذي كان مديرا لمدرسة الآداب بالجزائر سنوات طويلة، أن هذا الاهتمام بدأ حوالي ١٨٩٠. ونتيجة لذلك أخذ كل مستشرق يدرس لهجة أو أكثر في المدن والأرياف، فكان يذهب لزيارة المكان ويتصل بأهله، وربما يستعين بتلاميذه الجزائريين في الناحية، ويأخذ في جمع المادة والمقارنة ثم يكتب دراسة أو كتابا لنشره مسلسلا في المجلات ثم في المطابع. وهذا لا يعني أن دراسة اللهجات العربية لم تبدأ إلا سنة ١٨٩٠، ولكنه يعني أن الخطة قد وضعت عندئذ لتطوير الدراسات وتوسيعها للوصول إلى غرض اجتماعي وسياسي وهو حصر اللهجات ومعرفة الأصول اللغوية والعرقية للسكان ومدى تأثير لهجة ما على ما جاورها، وكيف تنقلت القبائل عبر العصور واستوطنت جهات عديدة، رغم أنها قد تكون من أصل واحد.
وفي هذا النطاق صدرت دراسات عن اللهجات الآتية - لاحظ أنها غير خاصة بالجزائر: دراسة عن أشراف سيق، ووهران، وأولاد إبراهيم بسعيدة، وتلمسان، والجزائر، وقسنطينة، ثم لهجة طنجة، ولهجة الحسنية بموريطانيا، ولهجة الجبالة. وأنت لا تكاد تفتح كتابا أو مجلة عندئذ إلا ستجد فيه دراسة عن لهجة كذا، ولهجة كذا .... le parlé arabe de. وقد اختص بعض المستشرقين بلهجة أو ناحية أو ظاهرة أدبية، مثل اهتمام
стр. 3516
الإسكندر جولي في أول هذا القرن بالشعر العربي الشعبي في البوادي.
وبينما كانت المؤسسات الحكومية، بل الحكومة نفسها، تدفع تكاليف الطبع وتخصص الجوائز لطبع الدراسات الخاصة باللهجات البربرية - في الجزائر والمغرب - لا نجد الحكومة ولا مؤسساتها تساهم في طبع دراسات عن اللهجات العربية. وربما يعود ذلك إلى أن عددا كبيرا من المؤلفات قد ظهرت بالعربية الدارجة منذ الاحتلال، وقد أشرنا إلى ذلك. يقول رينيه باصيه: ظهرت منذ الاحتلال أكوام من المعاجم والقواميس وكتب المحادثة ومجموعات الرسائل بهدف تعليم العربية الدارجة. انها مكتبة كاملة. أما الدراسة العلمية للهجات العربية فلم تبدأ إلا حوالي سنة ١٨٩٠ (١). ويؤكد هذا قول أوغست كور إن المسؤولين الفرنسيين لم تختلف نظرتهم إلى اللغة العربية (الدارجة)، لا في أهمية دراستها من الناحية السياسية ولا في مبدأ تعليمها، إلى نهاية القرن التاسع عشر (٢). وكانت هذه القناعة العامة ترجع إلى التقرير الذي كتبه سولفي Ch. Solvet سنة ١٨٤٦ وأوصى فيه بضرورة تعليم العربية (الدارجة؟) لتوفير المترجمين الإداريين والاحتياطيين لدفع فكرة التقدم ودمج الأهالي إذا أمكن (٣).
...
أما عن تمسك الجزائريين باللغة العربية ونضالهم من أجلها فله أدبيات كثيرة لا يتسع المقام لذكرها هنا جميعا. ويكفي أن نذكر فصلا عما يسميه جوزيف ديبارمي (بردود الفعل اللغوية). لقد احتج أوائل الجزائريين ضد التعسف الذي ضرب مؤسسات التعليم العربي منذ الاحتلال وفرض الفرنسية. ونشير هنا إلى قصة المفتي مصطفى الكبابطي سنة ١٨٤٣، فقد كان موقفه
стр. 3517
الرافض لإدخال الفرنسية في المدارس القرآنية سببا في عزله من وظيفه ونفيه إلى فرنسا ثم الإسكندرية (١). ويقول ديبارمي إن الأهالي سرعان ما شعروا بالخطة الفرنسية وخطورتها على اللغة العربية، لأنها خطة تقتضي إماتة هذه اللغة ودراساتها كلغة ميتة، فوقف الجزائريون ضد هذه الخطة من البداية. فقد علموا أن الأساتذة الذين عينهم الفرنسيون منذ جوني فرعون، كانوا يسمون أساتذة اللغة العربية الدارجة، وأن هذه الدارجة لا تكتب، وأنها لهجة شفوية ينشدها المداحون في الاحتفالات والأعراس وليالي الطرب. وكان ديبارمي ضد استعمال الفصحى لأنها لغة القرآن - لغة مقدسة حسب تعبيره - ولأنها تفصل الجزائريين عن الفرنسيين، وتجعل هؤلاء لا يعرفون (أسرار المسلمين) لأن هذه الأسرار لا تكون بالدارجة (٢).
ويقول المستشرق فيليب مارسيه سنة ١٩٥٦ إن المتعلمين بالعربية في الجزائر قليلون جدا، وهم، حسب تقديره، لا يتجاوزون عشرة آلاف. وليس لهم معرفة بالنصوص الصعبة. ولكنه لاحظ أنهم سواء كانوا متعلمين أو نصف متعلمين أو مبتدئين فإن لهم رغبة مشتركة ومخلصة وأحيانا حادة، في معرفة أعمق للعربية والحصول من الفصحى على نصيب أوفر يستطيع أن يدغدغ عواطفهم ويشرف هيبتهم كمسلمين (٣). إن هذا الشعور الصادق لدى الجزائريين في ضرورة تعلم لغتهم والالتصاق بها والمحافظة عليها كان واضحا في مختلف المطالب والعرائض الفردية والجماعية، والحزبية التي صدرت عبر مراحل الاحتلال. ولنشر إلى مقالات احمد بن بريهمات في الثمانينات، وعرائض أهل قسنطينة في نفس الفترة، وكتابات محمد بن رحال في نهاية التسعينات، وعريضة رؤساء عدة بلديات من نواحي قسنطينة، وهي
стр. 3518
العريضة المسماة (مقالة غريق) والموجهة إلى لجنة مجلس الشيوخ (١٨٩٢). وفي ١٩٠٤ طالب الوفد الزواوي (القبائلي) في مجلس الوفود المالية بتكوين مدرسة في بجاية على غرار مدرسة تلمسان وقسنطينة والثعالبية لتحفظ التراث العربي الإسلامي، ولكن السلطات الفرنسية رفضت الطلب متعللة بعدم وجود ميزانية.
وفي ١٩٢١ وقف محمد بن رحال أمام مجلس الوفود المالية ونادى بضرورة تعليم اللغة العربية في المرحلة الابتدائية. وهي اللغة الأم لملايين الأطفال المسلمين. وتساءل ابن رحال: كيف يعبر شعب بدون لغة عن أفكاره أو يتصور أفكار الآخرين، أو يثقف نفسه ويصلح أخلاقه وسلوكه. وهاجم أولئك الذين يرون آلاف الأطفال وهم لا مدارس لهم سوى كتاتيب فيها ألواح يحفظون بها القرآن وبعض الحروف العربية، ويزعمون مع ذلك أن الأطفال لا يتعلمون إلا التعصب، ويطالبون من أجل ذلك بغلق هذه الكتاتيب. ولذلك نادى ابن رحال لدعم التعليم الإسلامي الابتدائي، لأن المسلمين يدفعون الضرائب لميزانيته، ولأن ذلك من مصلحة الجزائريين والفرنسيين معا (مصلحتنا ومصلحتكم). وكان هذا الرأي سببا في الهجوم على صاحبه من قبل أعداء التعليم العربي من الكولون. وقد علمنا أن زملاءه النواب في المجلس قد أيدوه (١).
وقد نقل ديبارمي عن جرائد الوقت، ومعظمها صدر خلال العشرينات، مثل النجاح والمغرب (لأبي اليقظان) والبلاغ والشهاب. فقال إن المغرب نشرت في عددها الأول دعوة إلى الشباب ليتعلم العربية الفصحى (٢٦ مايو ١٩٣٠) لأنها لغة القرآن والرسول ﷺ . ونقل عن البلاغ قولها إن العربية لغة الملايين وأنها مقدسة (٣٤ يناير، ١٩٣١)، أما النجاح فنقل عنها مقالة عنوانها (اللغة العربية فى الجزائر) وقالت إنها هى أساس القومية المغاربية
стр. 3519
والدين الإسلامي. وقد نقل عن جريدة الإقدام سنة ١٩٢٣ أنها قالت إن تخلي الإنسان عن لغته (العربية) يعتبر انتحارا. وأخبرنا ديبارمي الذي تابع الموضوع بدقة ربما بالغ فيها، أن الأهالي جميعا يعتبرون المسألة اللغوية مسألة حياة أو موت للشعوب المغاربية. وهم الآن قد وضعوها موضع الدرس والاهتمام، واعترف ديبارمي أن العربية الفصحى قد عرفت سقوطا تدريجيا خلال النصف الثاني من القرن ١٩، ثم تسارع سقوطها، حسب رأيه، خلال النصف الأول من هذا القرن. ولكن الجزائر تشهد الآن (١٩٣١) (ثورة لغوية) وهي ظاهرة تحتاج إلى تفسير. ذلك أن المثقفين بالعربية أصبحوا يرفضون الدارجة والفلكلور والشعر الملحون باعتباره (كلام العوام) (١).
وقد فسر ديبارمي هذه الثورة اللغوية بالتطور السياسي لبلاد المغرب عموما. ذلك أن هذه المنطقة تتقوقع حول نفسها إذا ما حاصرتها الدول الإسلامية (الخلافة من المشرق أو من المغرب، كما يقول) فتصبح مهتمة بالفكرة الإقليمية أكثر من الفكرة الإسلامية أو العالمية. أما في وقته فقد أصبحت بلاد المغرب العربي محاصرة بدولة نصرانية. لذلك كان على أهل هذه البلاد أن يبحثوا عن قواعدهم في الأصالة والرجوع إلى الجسور القديمة والروابط الإسلامية. وأول ما يفعله مواطن هذه البلاد عندئذ هو أن يتكلم لغته. واستشهد بكلام جريدة النجاح (أول يناير ١٩٣١) الذي وجهته إلى الشباب طالبة منهم الإبقاء على الفصل بين العربية والفرنسية وأن لا يرطنوا بكلام عربي ممزوج بالفرنسية. وفي عدد آخر من النجاح نفسها (١٥ يناير ١٩٣٠) قالت: إن العربية هي لغة آبائنا وأجدادنا، ولغة نبينا وكتابنا المقدس، وعلينا أن نحميها وننشرها. وأضافت البلاغ أن العربية والعقيدة توأم (٢١ أكتوبر ١٩٣٠). وأن دراسة العربية تضمن للجزائري الشخصية أو الذاتية والجنسية، بينما دراسة الفرنسية تجعله لا يعرف، حسبما روى ديبارمي،
стр. 3520
سوى تاريخ فرنسا وأفكارها. وقالت النجاح إن النهوض باللغة العربية هو خدمة للوطنية. وروى ديبارمي أن أطفال المدارس إذا رددوا ما جاء في الكتب الفرنسية من أن أجدادهم هم سكان بلاد الغال (فرنسا) فإن أطفالا آخرين يجيبونهم بأن أجدادهم هم العرب المسلمون يصلون بهم عن طريق اللغة العربية وأنهم يتصلون بالرسول عن طريق الشرق (١).
واللهجة العربية في الجزائر - والمغرب العربي؟ - يسميها ديبارمي في شيء من السخرية، البوربري Beurbri . وهي العربية الفصحى بعد أن عجمت ودخلت عليها الأصوات والتأثيرات البربرية وغيرها. وقد سخر ديبارمي حتى من أستاذه هوداس لأنه نصح المعلمين الفرنسيين باستعمال الفصحى بدل الدارجة، وعندما طلب هوداس التحدث بالفصحى (ابتسموا منه). وهكذا أصبحت الدارجة عند ديبارمي ومدرسته هي لغة أهل المغرب العربي المتبربرة. ولكن هل ذلك ينفي اللهجات البربرية؟ إن ديبارمي لا يجيب على ذلك ويكتفي بالقول إن جميع الأشعار الملحونة التي صيغت بالعربية الدارجة إنما هي في نظره بالبوربرية. فهي موجودة في أشعار الشعراء الذين مدحوا الأمير أو هجوه، وهي موجودة في النثر غير الخاضع للقواعد النحوية والبلاغية. وقد كانت هذه اللهجة الملحونة هي لغة الشعر والنثر - حسب رأيه - عند الاحتلال. ولم يبق للعربية الفصحى عنده إلا مجال اللغات الميتة، وهي النصوص الفقهية والقضائية والصلوات، بعد أن حوصرت على كل الجبهات: الجبهة الفرنسية والجبهة البوربرية (الدارجة) وجبهة اللهجات البربرية.
وقد ذكرنا أن ديبارمي يعتبر الفصحى قد ماتت إلا في بعض النصوص الدينية، وأن البوربرية أيضا قد تقلصت وكادت تضمحل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ثم تسارع سقوطها في النصف الأول من القرن العشرين. وقد استشهد بكلام صاحب كتاب (الكنز المكنون) عندما قال إنه نشر الأشعار
стр. 3521
الشعبية الدارجة (البوربرية) لأنه يعتقد أن الناس قد نسوها، بعد أن كانوا غير راضين عنها في الماضي، ولعلهم قد أضاعوها تماما. ومن رأي ديبارمي أن صاحب الكتاب المذكور قد وجه تلك الأشعار إلى العامة (الأميين) الذين لا يذوقون طعم الأدب، ثم إلى طلبة الزوايا حيث ما يزالون يتذوقون اللغة. ولكن الأمر اختلف بعد بضع سنوات، وحدثت (الثورة اللغوية) حسب تعبير ديبارمي، وهي التي كانت تقودها الصحف العربية المكتوبة باللغة المقدسة، بلغة قريش القديمة، وهي ظاهرة تحتاج في نظره إلى تفسير (١).
والذي ننتهي إليه من ذلك هو أن الجزائريين عن طريق نوابهم وصحفهم وسياسييهم قد نادوا بتعلم اللغة العربية، وربطوا بينها وبين الدين، ثم بينها وبين الوطنية والجنسية. ولا داعي لإيراد نماذج أخرى من منقولات جوزيف ديبارمي عن ردود الفعل اللغوي من خلال الصحف التي صدرت قبل ١٩٣١. وقد نشأت جمعية العلماء في هذه السنة (١٩٣١) وكان برنامجها ينص على أن تعليم اللغة العربية يمثل حجر الزاوية في وجودها، وكل أدبيات الجمعية وجرائدها وخطب رجالها، وأعمالهم تشهد على ذلك. ولا نرى داعيا لإيراد شواهد على ما نقول عنها (٢). إنما نذكر أن المؤتمر الإسلامي الجزائري لسنة ١٩٣٦ قد طالب بالحرية الكاملة في تعلم اللغة العربية وإلغاء كل ما اتخذ ضدها من إجراءات وقوانين وإنهاء اعتبارها لغة أجنبية، والاعتراف بها لغة رسمية (٣).
ومنذ ١٩٣٣ نادى نجم شمال إفريقية بتعليم اللغة العربية إجباريا. وقد نصت المادة الثالثة من برنامجه على أن اللغة الرسمية للبلاد ستكون هي اللغة العربية، ونصت المادة السادسة على أن التعليم سيكون باللغة العربية ومجانيا
стр. 3522
وإلزاميا في جميع المراحل (١). وقد نادى المؤتمر العام لحزب الشعب الجزائري سنة ١٩٣٨ بإصدار مرسوم يجعل تعلم اللغة العربية إجباريا في جميع المستويات على غرار الوضع في المغرب وتونس والمشرق العربي. كما طالب بتأسيس كلية للأدب العربية بجامعة الجزائر إلى جانب تدريس التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع باللغة العربية، وتحويل المدارس الثلاث الرسمية إلى جامعات إسلامية يدرس فيها بالعربية أساتذة مسلمون (جزائريون) (٢).
وفي (البيان الجزائري) الذي صاغه وقدمه فرحات عباس باسم الشعب الجزائري إلى الحلفاء سنة ١٩٤٣، وردت المطالبة بالاعتراف باللغة العربية لغة رسمية على قدم المساواة مع اللغة الفرنسية (٣). وقد أكدت ذلك مختلف الوثائق الرسمية الصادرة عن فروع الحركة الوطنية بين ١٩٤٥ و ١٩٥٤. ونتيجة لذلك الضغط المتواصل واعترافا بالأمر الواقع أعلن الفرنسيون سنة ١٩٤٧ في القانون الخاص بالجزائر أن تعليم اللغة العربية سيكون إجباريا ورفعوا عنها صفة اللغة الأجنبية (٤).
...
ومنذ الثلاثينات قامت السلطة الفرنسية بحملة منسقة ضد اللغة العربية باعتبارها أحد مقومات الهوية الوطنية. وتجلت الحملة في إغلاق المدارس
стр. 3523
الحرة والتأكيد على اعتبار العربية لغة أجنبية واضطهاد المعلمين الأحرار، وعدم الترخيص بفتح المدارس وقمع الصحف العربية، وصدور تصريحات معادية تولاها كبار المسؤولين الفرنسيين، كما أطلقوا العنان لبعض الإندماجيين الجزائريين لمهاجمة القومية العربية والوطنية والدعوة إلى أن الفرنسية هي لغة الحضارة للجزائريين (١). كما أن الصحف الفرنسية ذات الاتجاهات المختلفة، بما فيها الاتجاه الشيوعي، أخذت تهاجم اتجاه جمعية العلماء والحركة الوطنية. وقد صرح الجنرال (كاترو) بأن عشرين مدرسة فرنسية ستؤدي إلى اختفاء اللغة العربية تماما من الجزائر خلال عشرين سنة. ونادى وزير العدل (ركار) وغيره بترجمة القرآن إلى الفرنسية وفرضه على الشعب وحذف كل ما يمت بصلة إلى النخوة والقومية فيه، ومنع المسلمين من تعلم العربية. وطالب البعض بعدم الترخيص لأي معلم للعربية إلا بعد اجتياز امتحان خاص في الفرنسية. وكذلك باغلاق حدود تونس حتى لا يتسرب إليها الراغبون في التعلم بجامع الزيتونة (٢).
وردا على هذه الحملة ساهم الشيخ الإبراهيمي بمقالاته في البصائر. وانبرى عدد من العلماء الآخرين ورجال الحركة الوطنية يردون على استخفاف الفرنسيين وذيولهم باللغة العربية. وظهرت هذه الردود في الصحافة موجهة أحيانا إلى الأفراد وأحيانا إلى العموم. كما ظهرت في شكل عرائض صادرة عن جمعية العلماء وأنصارها ومن جمعيات حرية الصحافة العربية، ومنها تقرير وفد مدينة بوفاريك الذي قدم إلى لجنة التحقيق الفرنسية سنة
стр. 3524
١٩٣١ لائحة طالبت برفع الحيف على الجرائد العربية والكف عن اعتبارها صحافة أجنبية (١). وسارت صحيفة النجاح في هذا الاتجاه. ومنذ قرار ميشيل (١٩٣٣) كانت جمعية العلماء ترفع عقيرتها بالاحتجاج والشكوى لأن ذلك القرار أضر بمصالح الجمعية ومنعها من تعليم اللغة العربية ومن إصدار صحفها بانتظام. وتلاقت عبارات التنديد بالإجحاف في حق العربية مع التنديد بدور الآباء البيض ورجال التنصير في الطعن في الإسلام، وسلوك الإدارة بخلق النعرات العرقية. ومن ذلك حملة جوزيف ديبارمي ضد استعمال اللغة الفصحى، وحملة مارسيل موران ضد الشريعة الإسلامية ودعواته للفصل بينها وبين العرف البربري، وادعاءات سيرفييه بأن العربية الدارجة خليط من الفينيقية وغير متصلة بالإسلام والمسلمين (٢).
وكان رد عبد الحميد بن باديس على لويس ماسينيون جزءا من هذه الردود. فقد ادعى هذا المستشرق المعروف أثناء سفره إلى القاهرة لحضور اجتماع مجمع اللغة العربية، بأن (اللغة العربية ليست غريبة عنا - الفرنسيين - بل هي جزء من تراثنا القومي). فرد عليه ابن باديس قائلا: إن ماسينيون لو أراد حقا خدمة العربية لنصح حكومته الفرنسية بالتوقف عن الإساءة إليها في الجزائر حيث هي محاربة وتعليمها مضطهد، ولطالب حكومته بجعل اللغة العربية لغة رسمية، ولدعا إلى حرية تعليمها. واستغرب ابن باديس من قول ماسينيون إن العربية من تراث فرنسا القومي، مؤكدا له أن ذلك مجرد مجاملة منه للمشارقة، وفيهم تلاميذه من أمثال طه حسين وزكي مبارك، أما الحقيقة فهي أن اللغة العربية إنما هي (تراث القومية العربية فقط) وليس لفرنسا شأن في ذلك، بل إن اللغة الفرنسية هي تراث القومية الفرنسية فقط (٣). أما الشيخ أبو يعلى الزواوي فقد رد على لويس ماسينيون من جهة أخرى. فحين دعا ماسينيون العرب إلى استعمال الحروف اللاتينية، كما فعل الأتراك، اتهمه
стр. 3525
الزواوي باستعمال (الخزعبلات والسفسطات) (١)
ويروى ديارمي أنه أراد أن يختبر غيرة أحد الجزائريين المتعلمين بالعربية فقال له: إن الفرنسيين قد تخلوا عن اللاتينية ... فرد عليه ذلك (الطالب) الجزائري قائان: إن الفرنسيين لم يكونوا يقاومون احتلالا أجنبيا. ثم حاجج ديبارمي طالبا آخر في استحالة نشر اللغة العربية (التي يسميها ديبارمي (لغة قريش) (تبعيدا لها عن الجزائريين) فاخبره هذا الطالب أن معجزة الاستقلال تتحقق عن طريق الدين الحق والعقيدة الوطنية. فاستنتج ديبارمي من هذا الرأي أنه يمثل خلاصة الوضع اللغوي وطموحاته في الجزائر، وهو ما يسميه برد الفعل اللغوي (٢).
ولقد لعبت الصحافة والنوادي الجديدة دورا بارزا من أجل تثبيت اللغة العربية الفصحى. واتفقت في ذلك صحافة الحركة الإصلاحية وصحافة الطرق الصوفية والصحافة المستقلة. فأغلبها قد أيد نشر التعليم بالعربية الفصحى. ويصف ديبارمي دور الصحف والنوادي بأنه ليس قيادة الرأي العام فقط ولكن إنشاء (لغة المستقبل)، وهي حسب تعبيره، (لغة قريش القديمة)، أو (اللغة المقدسة). وكان هدف هذه الصحافة هو تطوير اللغة العربية وتطويعها وجعلها مناسبة لشروط الحياة العصرية. إن الصحافة كانت تعطي درسا يوميا للشعب عن اللغة الوطنية. وكانت هذه الجرائد تتوقف من وقت لآخر لعدم وجود القراء - ولم يقل ديبارمي بسبب المنع الإداري? ولكن سرعان ما تظهر صحف أخرى تعوضها وتواصل الهجوم على الجهل. ويقول ديبارمي في شيء من السخرية والمرارة أيضا إن أبطال هذه الصحف يملأون دائما حفر أجداثهم، عارفين أن تضحياتهم لن تذهب أبدا سدى (٣). إن المسألة اللغوية قضية حياة أو موت للشعوب المغاربية، حسب الجرائد الجزائرية. وهي شعوب، كما يقول ديبارمي، متفقة على ذلك. وقد جعلتها
стр. 3526
موضع دراستها واهتمامها الدائم. إن تلك الجرائد أصبحت تصف الإنتاج البوربري (الملحون) بأنه (كلام عوام) وتتعجب من كون المشاركين في الاحتفال المئوي (١٩٣٠) يهتمون بالفلكلور والأدب الشعبي ولا يهتمون بالقصيدة الفصيحة (١). وهكذا نرى أن إهمال الفصحى والعناية بالدارجة الذي بدأ مع الاحتلال قد تحول بعد مائة سنة إلى العكس على يد الشعوب المغاربية، أي العناية بالفصحى وقلة الاهتمام بالدارجة، لأن الفصحى هي لغة الدين والتراث والقومية والاستقلال.
الدراسات البربرية
عرفنا أن دراسة اللغة العربية ولهجاتها كانت قائمة عند الفرنسيين، منذ بداية الاحتلال، على حاجتهم إلى فهم الشعب الجزائري وتوفير وسيلة الاتصال به والتجارة معه ومع غيره. أما دراسة البربرية ولهجاتها فقد جاءت فيما يبدو، نتيجة لما سمي بالسياسة الفرنسية البربرية، وهي السياسة التي قامت على تبعيد السكان عن بعضهم وتقسيمهم إلى بربر وعرب، وأقلية وأغلبية، لكي تظل الكلمة الفصل للفرنسيين أنفسهم.
وعلى هذا الأساس تكون السياسة سابقة للدراسة. وقد عرفنا في مكان آخر أن السياسة البربرية بدأت مع بحوث العقيد كاريت في الأربعينات من القرن الماضي. ثم توسع فيها وعمقها الدكتور وارنييه في الستينات، ثم واصلها وكشف عنها كميل صابتييه خلال الثمانينات والتسعينات. وقد تبنتها إدارة الشؤون الأهلية والكنيسة. أما الإدارة فقد سلكت تلك السياسة في ميادين التعليم والقضاء والضرائب والتقسيم الإداري والنيابة ونحو ذلك. وكان آخر ذلك إحلال القضاء الفرنسي محل الشريعة الإسلامية، وإحلال
стр. 3527
القضاة الفرنسيين محل القضاة المسلمين، في المناطق التي سميت بالبربرية. ومنها إحداث قسمين (عربي وبربري) في المجلس النيابي بالعاصمة سنة ١٨٩٨، وهكذا (١). أما الكنيسة فقد ذهبت تنشط برجالها ونسائها البيض في الجبال والصحارى بحثا عن الضحايا وضعاف الإيمان، حسب رأيها، لكي تنشر بينهم العلاج الطبي ومبادئ اللغة الفرنسية وبعض الصنائع. وبذلك تهيأ الجو لفهم ودراسة البربرية، والمقصود بها عندئذ لهجة زواوة? القبائلية.
يقول رينيه باصيه الذي تخصص بعد وصوله إلى الجزائر سنة ١٨٨٠ في تعلم وتعليم البربرية: إن الاهتمام بلهجاتها ودراستها بدأ منذ حوالي التسعينات. وأخبرنا أن الحكومة وكذلك أكاديمية الآداب والفنون الفرنسية قد شجعت على ذلك ورصدت له الجوائز. ومن جهة أخرى خصصت مؤسسة قارنييه Garnier أموالا لبعثة دراسية للهجة زناقة (صنهاجة) بالسينيغال. وبعد أن ذكرنا باصيه بأعمال هانوتو عن لهجة وشعر ونحو زواوة، قال إن (المجلة الآسيوية) فتحت صفحاتها لأعمال تكمل ما بدأه هانوتو. ثم توالت الدراسات للهجات البربرية الصحراوية في الجزائر والمغرب وليبيا أيضا. وقد قامت الحكومة نفسها بنشر القاموس الذي تركه الراهب، شارل دي فوكو، حول لهجة الهقار (القاموس الهقاري - الفرنسي)، وبنشر عمله أيضا في النحو التارقي (٢).
ثم تضاعفت الدراسات البربرية، لغة ومجتمعا، بإنشاء عدة كراس لها في مدرسة اللغات الشرقية بباريس وفي المعهد الذي أنشأه المارشال ليوطي في الرباط تحت عنوان المعهد العالي للدراسات المغربية، كذلك استحدث في المغرب مشروع الأرشيف البربري في مقابل الأرشيف المغربي الذي بدأ في باريس سنة ١٩٠٦. وبدعم من حكومة الحماية في المغرب نشرت أعمال عن اللهجات الشلحية والبرابر ولهجة النتيفة.
стр. 3528
ومن الدراسات المبكرة للبربرية ما قام به هانوتو. إن هذا الضابط الذي كان حاكما لزواوة فترة طويلة، قد سبق غيره في الاهتمام بلهجتها وأصدر بشأنها عدة مؤلفات جاءت نتيجة اعتماده على علماء المنطقة وبحوثه في عين المكان. وقد خرج من ذلك بالكتاب الضخم الذي أصدره بمعية زميله لوتورنو، بعنوان جرجرة وعاداتها.
كما أصدر هانوتو كتابا آخر عن النحو القبائلي، وثالثا عن الشعر الشعبي في زواوة. وقد تولت نشر ذلك الحكومة والوزارة الفرنسية. ومن أعمال هانوتو حول البربرية كتابه عن النحو التمشقي (لهجة الهقار). كما أن بروسلار ألف قاموسا عن اللهجة البربرية لبجاية. وقد أصدرت نشرة (المراسل الإفريقي) التي كانت تصدر عن مدرسة الآداب في الجزائر، مؤلفات كاملة عن اللهجات البربرية في واحة سيوة وغات والهقار والونشريس، وبنى سنوس وميزاب وزناقة ودمنات بالأطلس المغربي وبعض لهجات تونس. ونحن نعرف أيضا أن إيميل ماسكري قد اهتم باللهجة الشاوية ونشر عنها، بينما موتيلانسكي نشر عن لهجات ميزاب وغدامس وغيرهما. ويخبرنا رينيه باصيه الذي كتب سنة ١٩٢٠، أن ما بقي ينتظر الإنجاز في هذا المشروع - الدراسات البربرية - هو دراسة كل لهجة على حدة، وإصدار مؤلفات عن النحو والمعاجم والألفاظ المقارنة، على امتداد سيوة شرقا والمحيط غربا والأبيض المتوسط شمالا ونهر النيجر جنوبا (١).
وقد نشطت الدراسات البربرية كثيرا. في عهد رينيه باصيه وابنيه وتلاميذه. وقدم هو تقارير عن تقدم هذه الدراسات للمؤتمرات العلمية الأروبية، ومنها مؤتمر المستشرقين الذي عقد في همبورغ سنة ١٩٠٢. فكان تقرير باصيه قد تضمن مسحا كاملا لما أنجز من دراسات حول البربرية والهوسة (٢) خلال سنوات ١٨٩٧ - ١٩٠٢. وبقطع النظر عن رأي باصيه
стр. 3529
والفرنسيين في الموضوع، فإن التقرير ما يزال مفيدا جدا. أما التقرير الثاني فقد قدمه إلى نفس المؤتمر والذي انعقد في كوبناغن سنة ١٩٠٨ (١). ثم تولى ولداه هنري وأندري باصيه المهمة بعده. فعمل أحدهما في الرباط في معهد الدراسات البربرية، وعمل الآخر في الجزائر. وتصادف هذا النشاط مع احتلال المغرب. ولذلك جندت فرنسا لهذه الدراسات بعض الجزائريين من زواوة، ومنهم بوليفة ونهليل ومعمري. فأرسلت الأول في مهمة دراسية إلى المغرب، وأرسلت الثاني والثالث للتدريس والاتصالات. كما تولى ديستان (وهو تلميذ باصيه) كرسي البربرية في مدرسة اللغات الشرقية بباريس بعد أن أدار مدرسة السينيغال.
ويذكر أحد الباحثين، وهو إدمون بورك، أن تنافسا حدث بين مدرسة لوشاتلييه ومدرسة ليوطي حول الدراسات البربرية في المغرب. فبينما كان شاتلييه متوليا لمؤسسة البعثة المغربية العلمية ومجلة العالم الإسلامي وكرسي علم الاجتماع الإسلامي في باريس (الكوليج دي فرانس)، كان ليوطي قد أنشأ في المغرب معهد الدراسات المغربية العالية لدراسة البربرية، وظل (ليوطي) مرتبطا بمدرسة الاستشراق في الجزائر ومدرسة المكاتب العربية العسكرية فيها. وهو الذي جاء بمحمد نهليل الزواوي لتدريس البربرية في المعهد المذكور (٢). ولا شك أن محمد معمري كان يعمل أيضا تحت سلطته.
ومنذ وفاة رينيه باصيه سنة ١٩٢٤، واصل تلاميذه تنشيط الدراسات البربرية في الجزائر، وكان منهم بوليفة وألفريد بيل وجوزيف ديبارمي.
أما من الناحية الإقليمية فقد اعتنى علماء الفرنسيين باللهجات البربرية، وأصدروا بشأنها مؤلفات ومقالات وقواميس. فقد اهتم إيميل ماسكري كما سبق بالبربرية عموما. وزار بنفسه المناطق المدروسة وعمل في بعضها،
стр. 3530
ونشر عنها دراسات وارتبط ببعض علمائها. وقد تعرضنا إلى ذلك في مكان آخر. وكان ماسكري قد ظل على علاقة علمية، وربما سياسية، مع الشيخ محمد بن يوسف أطفيش، وهو الذي استكتبه حول تاريخ ميزاب. وكان ماسكري هو الذي أوصى باحتلال ميزاب سنة ١٨٨٢ بعد أن كانت محمية منذ ١٨٥٣. وفي تنويهه به ذكر أوغسطين بيرنار أن ماسكري يقف على درجة واحدة مع الضباط والإداريين الفرنسيين المخلصين، لأنه فهم أن مهمة فرنسا القائمة على السيف والمحراث قد أتت أكلها وحانت مهمة فرنسا القائمة على الكلمة والقلم، حسب تصور بيرنار (١).
ويأتي موتيلانسكي على أثر ماسكري في الاهتمام باللهجات البربرية الإقليمية. وخلافا لماسكري المولود في فرنسا، ولد موتيلانسكي في مدينة معسكر وتربى بين الجزائريين، ودرس في ثانوية الجزائر. واشتغل في الترجمة العسكرية، وأرسلته حكومته في مهمات إلى ميزاب أثناء احتلالها فدرس لهجتها أيضا ومذهبها وعاداتها ومخطوطاتها. ثم أخذ يتوسع في الاهتمام باللهجات فتاقت نفسه إلى التعرف على لهجات الهقار وغدامس وما وراء ذلك. وبقي خمس سنوات في ميزاب فتمكن من (اكتشاف) الصحراء عن طريق العلماء وأدلاء القوافل وربط علاقات معهم. وكان نشره للمخطوطات الإباضية قد أدخله إلى عالم الاستشراق. فتولى كرسي اللغة العربية وإدارة مدرسة قسنطينة، فكان بذلك يشرف على الدراسات العربية والإسلامية في عاصمة الشرق الجزائري، ولكنه ظل مهتما أيضا بالدراسات البربرية. فكتب بحثاعن لهجات جبل نفوسة (ليبيا) سنة ١٨٨٥. وفي ١٩٠٣ أرسلته الحكومة إلى وادي سوف لدراسة اللهجة الغدامسية عن طريق السوافة الذين كانوا أدلاء القوافل إلى غدامس، وعن طريق تجار غدامس في سوف. وقدم عن ذلك دراسة تاريخية وجغرافية ولغوية ونشرها سنة ١٩٠٤، وفي ١٩٠٦ توجه إلى الجنوب الأقصى لاستكشاف المنطقة ودراسة لهجتها فعاد من ذلك
стр. 3531
ببحث عن غات وغدامس ولهجات التوارق، مع نصوصں وحكايات (١).
واعتنى ديستان بلهجة بني سنوس أثناء توليه إدارة مدرسة تلمسان بعض الوقت. وأثناء ذلك أيضا تعرف على لهجات معسكر وندرومة وتلمسان وسعيدة، واللهجات البربرية المحيطة بالمنطقة، مثل لهجة بني سنوس. وعن طريق تلاميذه كان ديستان يحصل على المعلومات - وهي طريقة سلكها معظم الدارسين (المستشرقين وغيرهم) الفرنسيين كما لاحظنا - فبواسطة تلميذ له يدعى بلقاسم بن محمد تمكن من نص بربري مكتوب بالحروف العربية، وهو نص يتعلق بالاحتفال بشهر الناير أو رأس السنة عند البربر (٢). وقد صادف نشر هذا النص حملة المستشرقين الفرنسيين في جمع النصوص العربية والبربرية ودراستها وتصنيفها.
وفي هذه الأثناء نشر دومينيك لوسياني عدة نصوص بربرية مترجمة إلى الفرنسية وأحيانا مع حروفها العربية. وقد استعان على ذلك بالشيخ محمد السعيد بن زكري، أحد علماء زواوة، وكان ابن زكري من المدرسين والمفتين أوائل هذا القرن. وبواسطته نشر لوسياني بعض النصوص للشيخين: إسماعيل أزيكيو ومحمد بن محمد (سي محند). كما نشر لوسياني نص كتاب بالبربرية في الفقه بالحروف العربية ألفه أحد فقهاء السوس بالمغرب، وهو محمد بن علي بن إبراهيم، من أهل القرن ١٨ الميلادي. وعنوان الكتاب هو (الحوض) (٣).
стр. 3532
إن هذه الدراسات البربرية والبحث في لهجات البربر عبر مساحة شاسعة في منطقة المغرب العربي قد امتدت أيضا إلى المناطق الصحراوية والجنوبية، كما ألمحنا. وقد بدأ ذلك في وقت مبكر أيضا. فكتابات كاريت في الأربعينات من القرن الماضي عن التجارة الصحراوية وعن طرق القوافل قد مهدت لذلك. كما مهد لذلك تقرير جيسلان Geslin الذي استقر في الأغواط منذ أوائل الخمسينات واتخذ منها نقطة اهتمام بالجنوب. وقد ذكرنا أنه كتب خمسة عشر كراسا عن اللهجات مع النصوص وقدمها إلى الحاكم العام (راندون) الذي قدمها بدوره إلى جمعية المستشرقين في باريس. وقد تولى المستشرق رينو Rienaud قراءة تقرير عنها في أكاديمية الفنون والآداب ١٤ و ١٩ مارس ١٨٥٦ وكانت اللجنة التي استمعت إلى التقرير مؤلفة من أعيان الاستشراق الفرنسي، ومنهم جومار ودي سولسي، وكوسان. لقد جمع جيسلان معلوماته من أفواه العلماء والرحالة الذين كانوا بالأغواط أو كانوا يترددون عليها. ووصل اهتمامه إلى جنوب الصحراء وإفريقية الوسطى (١).
ثم توالت الرحلات والاهتمامات باللهجات البربرية وحالة سكان الصحراء والجنوب. فكانت رحلة إسماعيل بوضربة إلى غات سنة ١٨٥٨ (٢) ثم رحلة هنري دوفيرييه إلى غات وغدامس سنوات ١٨٥٩ - ١٨٦١. وقد ترك لنا الأخير معلومات هامة عن لهجات الناحية والأبجدية المستعملة. ومن أفواه سكان الناحية وعلمائها نعلم أن اللهجة كانت تسمى التماشك (التمشق) أو التماهق، حسب الأمكنة. وأن العرب قد أطلقوا عليها اللهجة التارقية،
стр. 3533
نسبة إلى المتكلمين بها، وهم التوارق = التوارك. وقد حصل دوفيرييه على نسخة من كتاب في تاريخ الأزجر والهقار، ألفه الشيخ إبراهيم ولد سيدي، أحد علماء التوارق. وكان قد كتبه بطلب من الشيخ محمد العيد بن الحاج علي التماسيني، شيخ الزاوية التجابة. وقد جاء في الكتاب أن الأصول القبلية لسكان الأزجر ترجع إلى الأدارسة، فهم أشراف، وقبائلهم هي الإيفوغاس والإيمنان (السلاطين). على أن بعضهم كانوا من بني أمية، حسبما جاء في الكتاب. وبدون شك فإن بعضهم كانوا من أشراف البربر، وقد اختلطت دماؤهم وأحسابهم بأشراف العرب سواء كانوا من المغرب والأندلس أو من صحراء الجزائر اليوم. وتدل أسماؤهم ولهجتهم على الأصول البربرية.
وأخبر دوفيرييه أن هناك فرنسيين قبله اهتموا باللهجات البربرية، وذكر منهم فانتور دي برادي وديلابورت وبروسلار وهانوتو. كما ذكر أن المكتشف الدكتور أودني ouadny قد جمع أبجدية من تسعة عشر حرفا سنة ١٨٢٢ كان التوارق يعبرون بها عن كلامهم وأفكارهم. ولا ندري كيف توصل هانوتو إلى معرفة لهجة الهقار - التمشق - حتى ألف كتابا في نحوها وجمع شعرا وحكايات وقصصا حولها. فنحن نعلم أنه لم يذهب إلى هناك وربما لم يخالط أحدا من أهلها. والغريب أنه ألف ذلك الكتاب في نحو اللغة التمشقية، وظهرت الحروف المعروفة بالتفيناغ (الفينيقية) في المطبعة أيضا. وقد عرفنا في مكان آخر أن أحد علماء الهقار قد زار باريس وأخذه الفرنسيون إلى المطبعة وطبعوا أمامه نصا بالحرف التفيناغ والحروف اللاتينية لتخليد الذكرى. وفي سنة ١٨٦٢ أصدرت مطبعة هريسون الإنكليزية كتابا في النحو بلهجة التمشق عنوانه (الخلاصة النحوية في لهجة التماشق) وقد ألفه ستانلوب فريمان الذي كان حاكما لمدينة لاغوس (بنيجيريا اليوم). وكانت الجمعية البيبلية (الإنجيلية) الإنكليزية قد أصدرت قبل ذلك بلندن بعض الكتابات حول لهجة التماشق بناء على ما عثر عليه جيمس ريتشاردسون الذي توفي أثناء رحلته الاستكشافية.
стр. 3534
وبناء على دوفيرييه فإن لهجة جنوب الهقار تسمى التماشق ولهجة شماله تسمى التماهق. وأن النساء هن اللائي كن يعرفن القراءة والكتابة بهذه الحروف. أما الرجال فلا يتجاوز الذين يعرفونها الثلث. وعندما طلب من يعلمه إياها تطوع بعض النسوة لذلك. وقد أطلعهن على كتاب هانوتو في النحو التماشقي، فتعجبن منه وافتخرن به (؟) ونعلم من دوفيرييه أن هانوتو لم يزر المنطقة، ولذلك لم يفرق بين لهجتي الشمال والجنوب. ونعلم أيضا أن بنواحي الهقار أربع قبائل رئيسية تتكلم لهجات مختلفة ولكنها حافظت على نفس الحروف الكتابية. غير أن أشكال الحروف كانت تختلف من لهجة إلى أخرى حسب إرادة العلماء والنساخ، وهكذا فإن الحروف التي شاهدها دوفيرييه لا تختلف، في رأيه، عن حروز التقة Tugga المعاصرة للعهد القرطاجني.
وتكتب التفيناغ من اليمين إلى اليسار كالعربية، ولكنها ذات حروف حرة يمكن كتابتها عموديا أو أفقيا أو من فوق إلى أسفل أو العكس. وفي كل الحالات يمكن للحرف أن يلتفت نحو اليمين أو نحو اليسار، أو إلى فوق أو إلى أسفل. وهكذا فإن حرف ط وشكله هو E يمكن أن يكتب: E، أو w أو m وقد أورد دوفيرييه الأبجدية التفيناغية على صفحة ٣٨٨ (١). ومن جهة أخرى أخبر أن الكتابة التفيناغية موجودة في شكل حروف على الصخور والأسلحة والآلات الموسيقية والأساور والجلود والمطروزات، الخ. أما الكتابات الجادة كالمراسلات والتواريخ والمؤلفات فهي بالعربية. وهناك نسخة من كتاب في الشريعة والفقه مترجمة إلى التماهك بالحروف العربية. وقد أخبره الشيخ عثمان أن نسخة منها توجد عند الشيخ إبراهيم ولد سيدي، عالم قبيلة إيفوغاس الذي سبق ذكره. ويبدو أن دوفيرييه قد حصل على نسخة
стр. 3535
منها لأن الشيخ عثمان وعده بذلك، كما حصل من قبل (أي دوفيرييه) على نسخة من التاريخ الذي كتبه إبراهيم ولد سيدي ليحملها إلى الشيخ محمد العيد التجاني (١).
...
إن الصلة بين عائلة دوفيرييه والدكتور وارنييه كانت وطيدة. فقد كان وارنييه صديقا لوالد هنري دوفيرييه الذي كان من الكولون البارزين. وعندما رجع هنري من رحلته مرض وكاد يقضي نحبه لولا علاج وارنييه له. ولم يعاود هنري رحلته إلى الصحراء رغم محاولات الضغط عليه، لأنه كان في مقتبل عمره عندما قام بالرحلة الأولى. وفي الوقت الذي نشر كتابه عن أحوال التوارق ولهجاتهم وحروفهم وطعن في المسلمين المتعصبين، كما قال، والعرب الفاتحين، كان الدكتور وارنيه يشن حملته ضد مشروع المملكة العربية الذي قيل إن نابليون الثالث قد تبناه. فقد نشرت رحلة دوفيرييه سنة ١٨٦٤ وهي السنة التي أصدر فيها الدكتور وارنييه أيضا - كتابه الأول ضد المشروع المذكور ثم كتابه الثاني سنة ١٨٦٥. وإذا كان تركيز دوفيرييه على الجغرافية واللهجات والأحوال الاجتماعية للتوارق فإن تركيز وارنييه كان على الأعراق والطبائع والملامح الاجتماعية والأنثروبولوجية للبربر. فهو لم يكن مهتما باللهجات إلا بقدر ما تساعده على الوصول إلى إحصاءاته في عدد السكان البربر ومواقعهم (٢).
وكان موقف بعض الكتاب والباحثين من البربرية موقفا سياسيا. محضا. فكميل صابتييه لم يكن دارس لهجات ولا متخصصا في التعليم والبحث وإنما استعمل البربرية (الزواوية) سلاحا سياسيا. فهو رجل إداري وسياسي قبل كل شيء. وقد ظهرت محاولاته في مجال التشريعات والنظم، مثل إنشاء فرع خاص بأهل زواوة في مجلس الوفود المالية الذي أنشئ سنة ١٨٩٨. وكان
стр. 3536
جان سيرفييه من الصحفيين وليس من اللغويين أيضا. فشن حملته على الإسلام والجامعة الإسلامية والعرب، واعتبرهم جميعا خظرا داهما على الفرنسيين. ولكنه من الوجهة السياسية اعتبر اللغة الدارجة خليطا من الفينيقية، وقال إن الفاتحين المسلمين لم يحملوها معهم. وسار مارسيل موران، الأستاذ في الشريعة الإسلامية والأعراف البربرية في جامعة الجزائر، على ذلك النهج أيضا، فقال إنه كان على فرنسا ألا تعين القضاة المسلمين على مناطق الأوراس والبيبان لأن ذلك اعتراف منها بأن أهلها مسلمون راسخون. وأعلن موران أيضا أن هناك تنازعا بين الشريعة الإسلامية والعرف الزواوي لأن أهل زواوة في زعمه (قد رفضوا الشريعة القرآنية تماما) (١). وقد تجاهل موران طلب زعماء زواوة في نفس الوقت بتعيين القضاة المسلمين عليهم وكتابة السجلات باللغة العربية أسوة ببقية الوطن، بل كانوا يطالبون بالتخلص من العرف، ولكن لوسياني وجونار وشارل ليطو أبقوا على العرف البربري لأسباب سياسية. ومع ذلك ظل المواطنون يتوجهون إلى القضاة والموثقين المسلمين الذين كانوا يحررون السجلات بالعربية. وحتى ألبان روزي الذي قيل عنه إنه كان صديقا للجزائريين، طالب سنة ١٩١٣ بأن تحرر كل البيانات الموجهة إلى أهل زواوة بالفرنسية أو بالزواوية (أي بالحروف اللاتينية فقط). ومنذ أعلن روزي ذلك أيدته الصحافة الاستعمارية التي كانت قد عارضته في مواقفه الأخرى، ولكنها طالبت بأن تكون البيانات محررة بالفرنسية فقط (٢).
وكانت كتابات الشيخ محمد السعيد الزواوي المعروف بأبي يعلى تهاجم منذ نهاية الحرب العالمية الأولى ما آل إليه الوضع القضائي في زواوة. وكان الزواوي تارة يصب نقده على قومه لركونهم إلى ما فرضه الفرنسيون عليهم من إجراءات مقصودة. وتارة يصب غضبه على الإدارة التي سعت عن قصد إلى الإبقاء على الأعراف القديمة في المنطقة لضرب الشريعة، وتعرض أبو يعلى إلى مسألة عدم توريث المرأة وعدم الاحتكام إلى الشريعة في ذلك.
стр. 3537
أما الجانب اللغوي فقد أعلن الزواوي أنه كتب مقالات عن النحو والصرف في الزواوية ونشرها في بعض الصحف المصرية خلال الحرب الأولى. وبحث كذلك في أصول اللهجات والمفردات المنتشرة في بلاد المغرب وفي المشرق. وانتهى إلى أن لغة البربر لغة يمنية قديمة، وأنها تعتمد على حروف المسند الحميري. وقد جاء بألفاظ وعبارات تبدو بربرية تماما ميل: (آيت) و (مقران)، وقال إنها موجودة أيضا في مناطق عربية اليوم مثل اليمن والعراق (١).
وهكذا تكون الدراسات البربرية قد تسيست من قبل الإدارة والمستشرقين الفرنسيين كما تسيست الدراسات العربية عندهم. فقد كانت كل الدراسات تخدم الهيمنة الاستعمارية وتهدف إلى الإبقاء على الاستعمار قويا ثابتا - عن طريق تفتيت الروابط اللغوية والدينية والثقافية للجزائريين، لكي تسود اللغة الفرنسية ومشتقاتها الثقافية (٢). وكان على الحركة الوطنية أن تناضل بقسوة لكي تتغلب على هذه العراقيل وتخلق في المواطنين روحا، وطنية واحدة ولسانا واحدا. ورؤية واحدة.
الدراسات النحوية والمعاجم
حال توقف التعليم العالي واضطراب أحوال العلماء دون الإنتاج في ميدان الدراسات النحوية والمعجمية. وظلت الدروس النحوية الباقية تعتمد
стр. 3538
على الكتب التقليدة القديمة مثل قطر الندى والألفية. ورغم ظهور الطباعة فإن التأليف في علم النحو لم يستأنف إلا في آخر القرن الماضي، وعلى أيدي عدد قليل من العلماء الجزائريين. وقد ظل بعض علماء الزوايا التعليمية يختصرون لتلاميذهم المطولات أو يضعون لهم موجزات في النحو تتلاءم مع عقولهم، كما فعل أبو القاسم البوجليلي وعبد القادر المجاوي. إن الجناية على اللغة العربية في عهد الاحتلال تظهر أكثر ما تظهر في توقف الإنتاج الأدبي والدراسات النحوية والصرفية.
أما المعاجم فقد ساهم فيها الجزائريون أيضا بطريقة تختلف عن نهج أجدادهم لأنها طريقة كانت تخدم اللغة والثقافة الفرنسية، أكثر مما كانت تخدم العربية إذ أنهم وضعوا قواميس عربية دارجة - فرنسية أو اشتركوا فيها مع بعض المستشرقين والعسكريين الفرنسيين. أما العلماء الفرنسيون فقد أكثروا من هذه المعاجم إكثارا يدل على اهتمامهم بالدارجة العربية والبربرية معا، ويدل على أنهم قد أخذوا هذه الدراسات في أيديهم ونزعوها من أيدي الجزائريين بعد أن قضوا على الحركة الأدبية واللغوية منذ قضائهم على تعليم اللغة نفسها. وسنلاحظ أن بعض الفرنسيين قد تعاونوا أيضا مع بعض المشارقة مثل، أحمد فارس الشدياق، في وضع قاموس فرنسي - عربي موجه إلى أهل الجزائر وغيرهم.
انقطعت الدراسات النحوية واللغوية إذن بانقطاع تيار التعليم العام. وقد عرفنا أن تعليما مقيدا جدا ظل متواترا في بعض الزوايا التعليمية مثل زاوية ابن أبي داود وزاوية طولقة وزاوية الهامل. وكان شيوخ هذه المؤسسات يستعملون النصوص والشروح القديمة وقلما يخرجون عنها. الى غيرها. وهي لا تكاد تخرج عن شرح قطر الندى، وشرح ابن عقيل على الألفية، وكذلك شرح الآجرومية للشريف ابن يعلى. وربما لا يدرسون الأشموني إلا في المعاهد الإسلامية خارج الجزائر.
وقد ظلت هذه المؤلفات هى المستعملة أيضا فى المدارس الثلاث
стр. 3539
الرسمية التي أسسها الفرنسيون سنة ١٨٥٠. فقد كان من مدرسيها من قرأ في الجزائر فقط مثل محمد الشاذلي، وحسن بن بريهمات، ومن تخرج من المغرب مثل عبد القادر المجاوي، ومن مصر مثل محمد الزقاي. وهناك آخرون تلاحقوا بعدهم. كما أن دروس المساجد الرسمية قد اشتملت منذ أول هذا القرن على دروس في النحو موجهة إلى التلاميذ الراغبين في متابعة دراستهم في المدارس الرسمية الثلاث. وهكذا انتصب عدد من الشيوخ لتدريس مادة القواعد النحوية والصرفية على مستوى بسيط مما اضطر بعضهم إلى وضع مختصرات، كما ذكرنا. ومن جهة أخرى كان المستشرقون الفرنسيون قد تكفلوا بوضع كتب مدرسية على المقاس الرسمي، وبعضها قد ترجموه من العربية إلى الفرنسية لكي يتماشى نظام التعليم متوحدا، فيعلم المعلم العربية بواسطة الفرنسية. فقد تكونت لجنة رسمية للتأليف والترجمة في آخر القرن الماضي وعهد إليها بهذه المهمة.
ولا يعني هذا أنه لم يشتهر من الجزائريين علماء في النحو والقواعد، أو كان حظهم من ذلك هو فقط الحفظ والنطق. فالنحو مادة تعتمد على المنطق والأدب والذاكرة القوية. وكلما اشتهر أحد الجزائريين في حفظ القواعد النحوية لقبوه بسيبويه زمانه. فكان ذلك مثله هو حال الشيخ ابن يامنة بن دوخة، خال الأمير عبد القادر، وهو من أشراف غريس وأولاد سيدي أعمر (١). وكان الطيب بن المختار من الأدباء والنحويين، ولكنه لم يؤلف في ذلك على ما نعلم (٢).
ونحن هنا إنما نتحدث عما وصلنا أو اطلعنا عليه من مطبوعات أو مخطوطات. ومن الأكيد أن هناك ما لم يصل إلينا. ولنذكر باختصار ما وصل إلى علمنا من مؤلفات مخطوطة أو مطبوعة، أولا في علم النحو، وثانيا في المعاجم:
стр. 3540
١ - اشتهر الشيخ محمد بن يوسف أطفيش بالتأليف، ووصلت تآليفه إلى ٣٠٠ بين صغير وكبير، ومنها أرجوزة نظم بها كتاب المغني لابن هشام، وهي في ٥٠٠ بيت.
٢ - لأبي حامد المشرفي تقاييد على شرح المكودي على الألفية. ولم نعرف حجم ولا أهمية هذا العمل. وكان المشرفي يشتغل مؤدبا للصبيان، فلا نظن أنه وضع الكتاب لهذا المستوى من التلاميذ.
٣ - أبو القاسم البوجليلي من علماء القرن الماضي، ومن شيوخ الزوايا المتنورين. ذكر له الباحثون عدة مؤلفات لا نعرف أنه طبع منها شيئا. ومن ذلك:
(أ) النور السراجي في إعراب مقدمة الصنهاجي، انتهى منه عام ١٢٨٦ هـ. وقد نسب إلى شيخه محمد أمزيان الحداد أنه قال إن علم النحو فرض عين (١). ولا نعرف الآن حجم التأليف ولا منهجه فيه.
(ب) شرح شواهد السيد الشريف ابن يعلى على ابن آجروم، انتهى منه البوجليلي سنة ١٣٠٠ هـ. وقد اطلع عليه بعضهم مخطوطا عند حفيد المؤلف، ولا نعرف أيضا حجمه ولا منهجه (٢). وذكر علي أمقران أن السمة الغالبة على تآليف البوجليلي في النحو هي التكرار والتقليد، والصفة المدرسية. ومع ذلك فهي مفيدة لأنها تحتوي على معلومات حول الوضع السياسي أيضا، والعلاقات مع بعض الأعيان. ويضيف أمقران أن شرح شواهد ابن يعلى كان معتمدا في التدريس بزواوة. وهو يقع في ٨٠ صفحة (٣).