← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

جان سيرفييه من الصحفيين وليس من اللغويين أيضا. فشن حملته على الإسلام والجامعة الإسلامية والعرب، واعتبرهم جميعا خظرا داهما على الفرنسيين. ولكنه من الوجهة السياسية اعتبر اللغة الدارجة خليطا من الفينيقية، وقال إن الفاتحين المسلمين لم يحملوها معهم. وسار مارسيل موران، الأستاذ في الشريعة الإسلامية والأعراف البربرية في جامعة الجزائر، على ذلك النهج أيضا، فقال إنه كان على فرنسا ألا تعين القضاة المسلمين على مناطق الأوراس والبيبان لأن ذلك اعتراف منها بأن أهلها مسلمون راسخون. وأعلن موران أيضا أن هناك تنازعا بين الشريعة الإسلامية والعرف الزواوي لأن أهل زواوة في زعمه (قد رفضوا الشريعة القرآنية تماما) (١). وقد تجاهل موران طلب زعماء زواوة في نفس الوقت بتعيين القضاة المسلمين عليهم وكتابة السجلات باللغة العربية أسوة ببقية الوطن، بل كانوا يطالبون بالتخلص من العرف، ولكن لوسياني وجونار وشارل ليطو أبقوا على العرف البربري لأسباب سياسية. ومع ذلك ظل المواطنون يتوجهون إلى القضاة والموثقين المسلمين الذين كانوا يحررون السجلات بالعربية. وحتى ألبان روزي الذي قيل عنه إنه كان صديقا للجزائريين، طالب سنة ١٩١٣ بأن تحرر كل البيانات الموجهة إلى أهل زواوة بالفرنسية أو بالزواوية (أي بالحروف اللاتينية فقط). ومنذ أعلن روزي ذلك أيدته الصحافة الاستعمارية التي كانت قد عارضته في مواقفه الأخرى، ولكنها طالبت بأن تكون البيانات محررة بالفرنسية فقط (٢). وكانت كتابات الشيخ محمد السعيد الزواوي المعروف بأبي يعلى تهاجم منذ نهاية الحرب العالمية الأولى ما آل إليه الوضع القضائي في زواوة. وكان الزواوي تارة يصب نقده على قومه لركونهم إلى ما فرضه الفرنسيون عليهم من إجراءات مقصودة. وتارة يصب غضبه على الإدارة التي سعت عن قصد إلى الإبقاء على الأعراف القديمة في المنطقة لضرب الشريعة، وتعرض أبو يعلى إلى مسألة عدم توريث المرأة وعدم الاحتكام إلى الشريعة في ذلك.

стр. 3537

أما الجانب اللغوي فقد أعلن الزواوي أنه كتب مقالات عن النحو والصرف في الزواوية ونشرها في بعض الصحف المصرية خلال الحرب الأولى. وبحث كذلك في أصول اللهجات والمفردات المنتشرة في بلاد المغرب وفي المشرق. وانتهى إلى أن لغة البربر لغة يمنية قديمة، وأنها تعتمد على حروف المسند الحميري. وقد جاء بألفاظ وعبارات تبدو بربرية تماما ميل: (آيت) و (مقران)، وقال إنها موجودة أيضا في مناطق عربية اليوم مثل اليمن والعراق (١). وهكذا تكون الدراسات البربرية قد تسيست من قبل الإدارة والمستشرقين الفرنسيين كما تسيست الدراسات العربية عندهم. فقد كانت كل الدراسات تخدم الهيمنة الاستعمارية وتهدف إلى الإبقاء على الاستعمار قويا ثابتا - عن طريق تفتيت الروابط اللغوية والدينية والثقافية للجزائريين، لكي تسود اللغة الفرنسية ومشتقاتها الثقافية (٢). وكان على الحركة الوطنية أن تناضل بقسوة لكي تتغلب على هذه العراقيل وتخلق في المواطنين روحا، وطنية واحدة ولسانا واحدا. ورؤية واحدة. الدراسات النحوية والمعاجم حال توقف التعليم العالي واضطراب أحوال العلماء دون الإنتاج في ميدان الدراسات النحوية والمعجمية. وظلت الدروس النحوية الباقية تعتمد

стр. 3538

على الكتب التقليدة القديمة مثل قطر الندى والألفية. ورغم ظهور الطباعة فإن التأليف في علم النحو لم يستأنف إلا في آخر القرن الماضي، وعلى أيدي عدد قليل من العلماء الجزائريين. وقد ظل بعض علماء الزوايا التعليمية يختصرون لتلاميذهم المطولات أو يضعون لهم موجزات في النحو تتلاءم مع عقولهم، كما فعل أبو القاسم البوجليلي وعبد القادر المجاوي. إن الجناية على اللغة العربية في عهد الاحتلال تظهر أكثر ما تظهر في توقف الإنتاج الأدبي والدراسات النحوية والصرفية. أما المعاجم فقد ساهم فيها الجزائريون أيضا بطريقة تختلف عن نهج أجدادهم لأنها طريقة كانت تخدم اللغة والثقافة الفرنسية، أكثر مما كانت تخدم العربية إذ أنهم وضعوا قواميس عربية دارجة - فرنسية أو اشتركوا فيها مع بعض المستشرقين والعسكريين الفرنسيين. أما العلماء الفرنسيون فقد أكثروا من هذه المعاجم إكثارا يدل على اهتمامهم بالدارجة العربية والبربرية معا، ويدل على أنهم قد أخذوا هذه الدراسات في أيديهم ونزعوها من أيدي الجزائريين بعد أن قضوا على الحركة الأدبية واللغوية منذ قضائهم على تعليم اللغة نفسها. وسنلاحظ أن بعض الفرنسيين قد تعاونوا أيضا مع بعض المشارقة مثل، أحمد فارس الشدياق، في وضع قاموس فرنسي - عربي موجه إلى أهل الجزائر وغيرهم. انقطعت الدراسات النحوية واللغوية إذن بانقطاع تيار التعليم العام. وقد عرفنا أن تعليما مقيدا جدا ظل متواترا في بعض الزوايا التعليمية مثل زاوية ابن أبي داود وزاوية طولقة وزاوية الهامل. وكان شيوخ هذه المؤسسات يستعملون النصوص والشروح القديمة وقلما يخرجون عنها. الى غيرها. وهي لا تكاد تخرج عن شرح قطر الندى، وشرح ابن عقيل على الألفية، وكذلك شرح الآجرومية للشريف ابن يعلى. وربما لا يدرسون الأشموني إلا في المعاهد الإسلامية خارج الجزائر. وقد ظلت هذه المؤلفات هى المستعملة أيضا فى المدارس الثلاث

стр. 3539

الرسمية التي أسسها الفرنسيون سنة ١٨٥٠. فقد كان من مدرسيها من قرأ في الجزائر فقط مثل محمد الشاذلي، وحسن بن بريهمات، ومن تخرج من المغرب مثل عبد القادر المجاوي، ومن مصر مثل محمد الزقاي. وهناك آخرون تلاحقوا بعدهم. كما أن دروس المساجد الرسمية قد اشتملت منذ أول هذا القرن على دروس في النحو موجهة إلى التلاميذ الراغبين في متابعة دراستهم في المدارس الرسمية الثلاث. وهكذا انتصب عدد من الشيوخ لتدريس مادة القواعد النحوية والصرفية على مستوى بسيط مما اضطر بعضهم إلى وضع مختصرات، كما ذكرنا. ومن جهة أخرى كان المستشرقون الفرنسيون قد تكفلوا بوضع كتب مدرسية على المقاس الرسمي، وبعضها قد ترجموه من العربية إلى الفرنسية لكي يتماشى نظام التعليم متوحدا، فيعلم المعلم العربية بواسطة الفرنسية. فقد تكونت لجنة رسمية للتأليف والترجمة في آخر القرن الماضي وعهد إليها بهذه المهمة. ولا يعني هذا أنه لم يشتهر من الجزائريين علماء في النحو والقواعد، أو كان حظهم من ذلك هو فقط الحفظ والنطق. فالنحو مادة تعتمد على المنطق والأدب والذاكرة القوية. وكلما اشتهر أحد الجزائريين في حفظ القواعد النحوية لقبوه بسيبويه زمانه. فكان ذلك مثله هو حال الشيخ ابن يامنة بن دوخة، خال الأمير عبد القادر، وهو من أشراف غريس وأولاد سيدي أعمر (١). وكان الطيب بن المختار من الأدباء والنحويين، ولكنه لم يؤلف في ذلك على ما نعلم (٢). ونحن هنا إنما نتحدث عما وصلنا أو اطلعنا عليه من مطبوعات أو مخطوطات. ومن الأكيد أن هناك ما لم يصل إلينا. ولنذكر باختصار ما وصل إلى علمنا من مؤلفات مخطوطة أو مطبوعة، أولا في علم النحو، وثانيا في المعاجم:

стр. 3540

١ - اشتهر الشيخ محمد بن يوسف أطفيش بالتأليف، ووصلت تآليفه إلى ٣٠٠ بين صغير وكبير، ومنها أرجوزة نظم بها كتاب المغني لابن هشام، وهي في ٥٠٠ بيت. ٢ - لأبي حامد المشرفي تقاييد على شرح المكودي على الألفية. ولم نعرف حجم ولا أهمية هذا العمل. وكان المشرفي يشتغل مؤدبا للصبيان، فلا نظن أنه وضع الكتاب لهذا المستوى من التلاميذ. ٣ - أبو القاسم البوجليلي من علماء القرن الماضي، ومن شيوخ الزوايا المتنورين. ذكر له الباحثون عدة مؤلفات لا نعرف أنه طبع منها شيئا. ومن ذلك: (أ) النور السراجي في إعراب مقدمة الصنهاجي، انتهى منه عام ١٢٨٦ هـ. وقد نسب إلى شيخه محمد أمزيان الحداد أنه قال إن علم النحو فرض عين (١). ولا نعرف الآن حجم التأليف ولا منهجه فيه. (ب) شرح شواهد السيد الشريف ابن يعلى على ابن آجروم، انتهى منه البوجليلي سنة ١٣٠٠ هـ. وقد اطلع عليه بعضهم مخطوطا عند حفيد المؤلف، ولا نعرف أيضا حجمه ولا منهجه (٢). وذكر علي أمقران أن السمة الغالبة على تآليف البوجليلي في النحو هي التكرار والتقليد، والصفة المدرسية. ومع ذلك فهي مفيدة لأنها تحتوي على معلومات حول الوضع السياسي أيضا، والعلاقات مع بعض الأعيان. ويضيف أمقران أن شرح شواهد ابن يعلى كان معتمدا في التدريس بزواوة. وهو يقع في ٨٠ صفحة (٣).

стр. 3541

(ج) وقد نسب عمار طالبي إلى البوجليلي عمر آخر في النحو بعنوان (المبنيات) ولا ندري الآن شيئا آخر عنه. ٤ - ولأبي القاسم البزاغتي شرح على نظم مقدمة ابن آجروم لابن الفخار، كما أشار إلى ذلك صاحب تعرف الخلف. والبزاغتي من قضاة القرن الماضي. ٥ - ظل عبد القادر المجاوي حوالي أربعين سنة في التدريس في كل من قسنطينة والعاصمة. وفي الثلث الأخير من حياته عكف على التأليف في المواد التي كان يدرسها لتلامذته. من ذلك كتاب (الدرر النحوية) وهو مطبوع، وتناول فيه شرح الشبرخيتي. ولعل له تآليف أخرى في نفس الاختصاص. ٦ - من مؤلفات إبراهيم بن محمد الساسي (العوامر؟) السوفي نظم وضعه على الآجرومية. وهو قصيدة وليس رجزا. وله عناوين حسب أبواب النحو المعروفة، تنتهي بباب مخفوضات الأسماء. ويقع في إحدى عشرة ورقة، وانتهى منه سنة ١٣٢٢. أوله: حمدار لمولانا والصلاة تترى على ... خير الخلائق من بالحق قد فصلا وبعد فالنظم قد ساغت موارده ... فصغت ما لابن آجرومنا حللا (١) ٧ - عبد السلام بن عبد الرحمن السلطاني، وقد ألف أشهر وأكمل عمل في النحو بين الحربين، وهو (شرح شواهد الأشموني). وكان الشيخ من أولاد سلطان بناحية عين التوتة بأقليم الأوراس. وقد طبع كتابه في تونس، وأجازه له علماء الزيتونة، وأصبح من المؤلفات المعتمدة في التدريس بالزيتونة. ورغم كثرة العارفين بقواعد النحو منذ الحرب العالمية الأولى فإننا

стр. 3542

لا نعلم أن آخر قد أقدم على مثل هذا العمل الشاق. ٨ - ألف إدريس بن محفوظ الدلسي كتابا، في النحو بعنوان (حلية فكر السامع في تحقيق الفعل المضارع). ولا نعلم إن كان مطبوعا. ٩ - ومن تآليف أحمد الطيب بن محمد الصالح الزواوي شرح على الآجرومية، بعنوان (مفيد الطلبة). والمؤلف من أسرة تمارس التعليم في زاوية الشيخ الأزهري بوقبرين. ولذلك لا نستغرب أن يكون هذا التأليف داخله في المجال الذي وصفناه وهو التأليف المدرسي (١). ١٠ - شرح لامية الأفعال في التصريف لابن مالك، ألفه عبد القادر المسعدي وبدأه بقوله (وبعد، فإن علم العربية في الدين بالمحل الأعلى والمقام الأسنى). وقيل إن هذا المخطوط لعالم من الجلفة (٢). وهناك بعض الأعمال غير المتأكدين الآن من نسبتها إلى جزائريين. ونحن نذكرها لعل بعض الباحثين يرجعون بها إلى أصلها. من ذلك: ١١ - القصيدة الكفيلة بثمن الفوائد الجليلة، نظم عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الثامري. ويبدو أنها نظم للفوائد الجليلة لابن هشام المصري في النحو. والقصيدة تقع في ثلاث صفحات مرقونة (٣). ١٢ - سوق عكاظ فيما تكلموا فيه من اللغات والألفاظ، ذكره الخالدي ونسبه إلى بعض المهاجرين الجزائريين في المشرق. ويبدو أنه نشر في الكويت سنة ١٩٧٦. أما النسخة الأصلية فتوجد في دمشق (٤).

стр. 3543

١٣ - ومن تأليف الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في البحث اللغوي: - بقايا فصيح العربية في اللهجة العامية بالجزائر. قال الإبراهيمي عنه (التزمت فيها اللهجة السائدة اليوم فهي مواطن هلال بن عامر) ولكنه لم يحدد هذه المواطن، وهي كثيرة. - النقايات والنفايات في لغة العرب (جمعت فيه كل ما جاء على وزن فعالة من مختار الشيء أو مرذوله). - أسرار الضمائر العربية. - التسمية بالمصدر. - الصفات التي جاءت على وزن فعل (بفتح العين). - نظام العربية في موازين كلماتها. - الإطراد والشذوذ في العربية. وهي رسالة قال عنها إنها (في الفرق بين لفظ المطرد والكثير عند ابن مالك). - رسالة في ترجيح أن الأصل في بناء الكلمات العربية ثلاثة أحرف لا اثنان. - رسالة في مخارج الحروف وصفاتها بين العربية الفصيحة والعامية (١). والغالب أن هذه المباحث والرسائل لم تنشر لا في حياة الشيخ الإبراهيمي ولا بعد وفاته. ولعلها ما تزال في أوراقه. وقد كان الإبراهيمي عالما بأسرار اللغة العربية، وهو من الجزائريين المعاصرين القلائل العارفين بها، بل نادر بينهم. ١٤ - ترك محمد بن أبي شنب مجموعة من الكتب والبحوث اللغوية أيضا. وكان مطلعا على تراكيب اللغة العربية وتاريخها وعلى اللغات الأخرى القديمة والأروبية. ومن مؤلفاته في هذا الميدان: - تحقيق كتاب تحبير الموشين للفيروزآبادي. وهو مطبوع في حجم صغير.

стр. 3544

- بقايا الألفاظ الفارسية والتركية في لهجة أهل الجزائر (وهو جزء من أطروحة الدكتوراه) (١). ١٥ - من مؤلفات أبي يعلى الزواوي: الفرق بين المشارقة والمغاربة في اللغة العربية وغيرها، وقد ذكره بنفسه بين مؤلفاته. ١٦ - ولشعيب بن علي الجليلي، قاضي تلمسان، تأليف بعنوان (نشر الأعلام النورانية في ذكر ماثور اللغة العربية والسريانية وما قيل في كل منهما أنها اللغة البرزخية الجنانية، وفي أولية الحروف العربية الهجائية، وفي إيحاء اللغة إلى نبينا ﷺ . ما نظن أن هذا التأليف مطبوع (٢). ١٧ - تاريخ الأبجدية منذ أقدم العصور، تأليف عبد الرحمن بن الحفاف. وهو مطبوع، ويقدم أطروحة جديدة عن أصل اللغات، مفادها أن الأرض (البيئة؟) هي التي تنتج لغتها دون اعتبار لأصل السكان، وبذلك برهن على أن العربية غير محصورة في الجزيرة العربية، بل إن لها مجالات أوسع من ذلك. ... أما المعاجم والقواميس التي وضعها الجزائريون أو شاركوا في وضعها مع الفرنسيين فهي وفيرة نسبيا. وتشمل اللهجات العربية والبربرية. وطابعها تعليمي في أغلب الأحيان، ونستطيع أن نقول إنه طابع تجاري، لأنها صدرت في وقت انطلق فيه الاستشراق الفرنسي في البحث في اللهجات من جهة ومن جهة أخرى انطلقت المدرسة الفرنسية في تعليم الجزائريين تعليما مزدوجا، كما حدث في المدارس الثلاث، وبعض الدروس الرسمية المدعومة من الإدارة منذ مدار القرن. - أحمد بن بريهمات ولويس رين تعاونا على تأليف كتاب (قاموس) في

стр. 3545

القراءة الفرنسية والعربية عنوانه (اللسان يكمل الإنسان). وقد صدر سنة ١٨٨٢ في ١٤٣ صفحة، لكل لغة، وهو موجه إلى تعليم الجزائريين اللغة الفرنسية. - أبو بكر عبد السلام بن شعيب، كان قد تولى القضاء والتدريس في مدرسة تلمسان. وتعاون مع بول بوري على إصدار كتاب فرنسي - عربي، بوهران، ١٩١٣. وهو كتاب في المحادثة العربية - الفرنسية موجها إلى من يجهل العربية من الفرنسيين ويرغب في السفر والتنقل بين أقطار المغرب العربي الثلاثة. وهو في ١٣٢ صفحة. ويبدو أنه عمل سياحي - تجاري ودعائي للغة الفرنسية أيضا (١). - قاموس عربي - فرنسي وآخر فرنسي - عربي من وضع بلقاسم بن سديرة (انظر لاحقا). - تعليم اللغة العربية الدارجة والفصيحة، جزآن، تأليف عبد الرحمن (؟)، ولا نعرف الآن بقية اسم المؤلف ولا تاريخ التأليف. - دروس القراءة والإلقاء في العربية الدارجة ١٨٩٧، أو الطريقة المباشرة لتعليم العربية الدارجة ١٩٠٤ للسيد فتاح (؟). ويبدو أنه كان في وقته كتابا. مشهورا. - طريقة عملية لتعليم العربية الفصحى، تأليف محمد صوالح. وله تآليف أخرى حول نفس الموضوع بالاشتراك مع فلوري الفرنسي. - مجموع في العربية الدارجة، تأليف علاوة بن يحيى، في ١١٩ صفحة. ظهر سنة ١٨٩٠ بمستغانم. - محادثة عربية - فرنسية، تأليف الطاهر بن النقاد، فسنطينة، ١٨٦٣، في ١٨٢ صفحة. - دروس في العربية الدارجة، تأليف الدكتور علي فخار، ليون،

стр. 3546

١٩١٣، ٤٣٩ صفحة. وهو كتاب عليه أيضا الطابع السياحي والتجاري. وقد سماه (دروس في العربية الدارجة المراكشية والجزائرية)، وذكر بوفا الذي راجعه في حينه أنه كتاب الساعة وأنه يهم الفرنسيين، وقال عنه إنه يخدم العربية الدارجة من جهة، ويعتبر موسوعة صغيرة حقيقية عن إفريقية الشمالية من جهة أخرى، وامتدحه بوفا Bouvat كثيرا. والكتاب في ثلاثة أقسام. الأول في النحو ويبلغ ٢٠٠ صفحة، ويشمل مراجعة القواعد والنطق والتراكيب والأسلوب، والثاني في الموضوعات المختلفة، ومعها لوحات تمثل الأشياء المتحدث عنها. فهو من هذه الناحية دليل للحياة اليومية: القصص، والخطب، وأحوال الصحة، وغيرها. أما القسم الثالث فيضم نماذج من الحكايات والكتابات المغربية، مع الإشارة إلى بقايا اللغة التركية في لهجة تلمسان (١). واعتمد بوفا في مدح الكتاب على إفادته للكولون والإداريين وأهل اللغة - المستشرقين. وهكذا نرى أن بعض متعلمي الجزائر قد أصبحوا (خدما) للمستشرقين الفرنسيين وأدوات للاستعمار الفكري. ولم يكن ابن علي فخار وحده في ذلك، فقد ركب هذه الموجة ابن سديرة وبوليفة وابن شنب وأبو بكر عبد السلام وإسماعيل حامد وعدد آخر من (النخبة الإندماجية). ومما يذكر أن ابن علي فخار كان أول جزائري يحصل على الدكتوراه في الشريعة الإسلامية من الجامعة الفرنسية. ثم أصبح أستاذا في اللغة العربية بالغرفة التجارية، بمدينة ليون الفرنسية (٢). - قاموس فرنسي - عربي، وضعه بكير خوجة سنة ١٩٠٨. - المعجم الفرنسي - الشلحي والمازيغي، وضعه سعيد الصدقاوي، باريس، ١٩٠٧. ولا نعلم الآن الكثير عن الصدقاوي، غير أن باصيه يقول عنه إن من بني صدقة. وقد انتقده انتقادا مرا. ذلك أن باصيه راجع معجم

стр. 3547

الصدقاوي في المجلة النقدية، كما ذكرنا. وحين قرأ الصدقاوي ذلك النقد نشر كتيبين في الرد على باصيه. ولم نطلع على هذين الكتيبين ولا عن دفاع الصدقاوي، عن نفسه وعلمه. وإنما ذكر باصيه أن الصدقاوي أظهر فيهما غضبه وأنهما شهادتان على غروره المجروح، حسب تعبير باصيه. وقد اتهمه بعدم الكفاءة العلمية في الميدان. وأخذ عليه باصيه أنه ذكر ثلاثا (وليس أربعا) من اللهجات الخطابية في المغرب الأقصى، ومن بينها تمروكيت الشائعة في منطقة الريف، والتي قال عنها الصدقاوي (انها تشبه كثيرا القبائلية في جرجرة) وقد وضع باصيه أمام هذه الجملة علامة تعجب. أما الثانية فهي الشلحية. ولم يذكر باصيه اللهجة الثالثة. وكعادته أشاد باصيه بدراسة ديستان (مدير مدرسة تلمسان في وقته وتلميذه) للهجة بني كومي. واعتبرها دراسة جيدة. وقال باصيه إن هذه اللهجة قد شملت لهجة زكاوة، وبوزقو، وبوسعيد، ويزناسن، وهي إحدى فروع اللهجات الأربع الموجودة في المغرب الأقصى. ثم كرر باصيه نقده للصدقاوي (١). - درس في اللغة القبائلية لبلقاسم بن سديرة (٢). ولا شك أن هناك تآليف أخرى في المعاجم واللغة والنحو سواء بالعربية أوالزواوية أو غيرهما، وتعليمها جميعا بواسطة الفرنسية، وخدمة الاستشراق الفرنسي. وذلك هو الهدف من كل هذه البحوث، كما عرفنا (٣).

стр. 3548

بلقاسم بن سديرة رغم مكانة بلقاسم بن سديرة في البحث اللغوي والنحو والتدريس فإننا لم نعثر له على ترجمة وافية إلى الآن. ويعتبر من المواهب النادرة التي ظهرت خلال الاحتلال، ولكن التوجيه الرسمي جعله في خدمة الاستشراق وليس في خدمة اللغة العربية وثقافتها، كما شلت موهبته إلى حد كبير فاقتصرت على ما ينفع المؤسسات الاستعمارية، وقلما انتفع الجزائريون بعلمه. وهناك قدر مشترك بين ابن سديرة وابن شنب، وهو الموهبة النادرة والبحث المستمر ولكن في خدمة الإدارة والاستشراق أكثر من خدمة الثقافة الوطنية. وسنحاول الآن صياغة المعلومات التي عندنا عن ابن سديرة لعلنا نصل إلى وضع ترجمة مختصرة له، في انتظار توفر معلومات أخرى تكمل ما عندنا. ولد بلقاسم بن سديرة في بسكرة، ربما أوائل الأربعينات. وكانت بسكرة قد احتلت سنة ١٨٤٢. وتداولت عليها الأيدي خلال الأربعينات بين عائلة ابن قانة وخصومهم أولاد بوعكاز الذين كانوا ينافسونهم على مشيخة العرب هناك منذ عهد البايات. ثم تدخل الأمير عبد القادر وحلفاؤه ومنهم الحسين بن عزوز ومحمد بن الحاج وفرحات بن سعيد في أحداث بسكرة. وفي ١٨٤٩ وقعت ثورة الزعاطشة في ناحية بسكرة أيضا. وكانت المعاملة الفرنسية للواحة وأهلها من الوحشية بحيث كانت مضرب المثل في سياسة القمع. ولا ندري كيف تعلم بلقاسم بن سديرة ولا أين في هذه الظروف الصعبة. ولكننا نعرف أن أهل بسكرة كانت لهم (نقابة) في العاصمة وكانوا على صلة بأحداث العالم من خلالها، وكانوا، مثل بني ميزاب وأهل زواوة، يتنقلون بين موطنهم والعاصمة ويرسلون النقود والأخبار إلى أهلهم.

стр. 3549

وفي ١٨٥٧ تأسس في العاصمة معهد متوسط لتخرج فئة من أبناء الجزائريين العسكريين العاملين في الجيش الفرنسي، وسمي بالمعهد السلطاني نسبة إلى نابليون الثالث، وهو المدرسة التي تعني بالثقافة الفرنسية والعربية معا. فهل كان ابن سديرة من أبناء العسكريين الجزائريين، وهل كانت له صلة بعائلة ابن قانة فرشحته لدخول المدرسة المذكورة؟ إن في الرسائل التي سنذكر بعضها ما يدل على هذه الصلة بين ابن سديرة وعائلة ابن قانة. لقد كانت المدرسة مفتوحة أيضا لبعض التلاميذ الآخرين. وكانت تقبلهم في نظام داخلي محكم، وتصرف عليهم صرفا كاملا أو جزئيا، حسب الوضع العائلي وإخلاص الآباء للقضية الفرنسية. ومتى دخل ابن سديرة هذه المدرسة؟ إن مدة الدراسة فيها حوالي ثلاث سنوات. وقد تخرج منها سنة ١٨٦٣. وهي سنة هامة في تاريخ الجزائر إذ قرر نابليون عندئذ أن يغير بنية المجتمع، فاعترف بالملكية الجماعية التقليدية للقبائل والأعراش على أن تحصى بعد ذلك الأراضي وتحد حدودها ثم توزع توزيعا فرديا، وتنشأ بعد ذلك الملكية الفردية لتسهيل مهمة انتزاع الأراضي من أيدي أصحابها (قانونيا) (١). ولم يحضر ابن سديرة الشروع في تطبيق ذلك القانون ولا ثورة أولاد سيدي الشيخ التي حدثت سنة ١٨٦٤، فقد سافر إلى فرنسا لمواصلة دراسته في فرساي حيث مدرسة تكوين المعلمين. وقضى في هذه المدرسة سنتين بنفقة كاملة من وزير الحربية الذي يشرف على شؤون الجزائر. وفي نهاية السنة الأولى أظهر ابن سديرة تفوقه في الدراسة فأرسل مدير المدرسة رسالة إلى الحاكم العام بالجزائر أشاد فيها بنبوغ ابن سديرة، وطلب من الحاكم إرسال النجباء من أمثاله إلى مدرسة فرساي (٢). وفي نهاية السنة الثانية (آخر يوليو) حصل ابن سديرة على الإجازة أو

стр. 3550

الشهادة (١). وأحرز أيضا على تقدير أساتذته ومدير المدرسة. ثم رجع إلى الجزائر ليتولى التدريس في مدرسة ترشيح المعلمين التي تأسست حديثا. ولا تخبرنا المبشر عن نشاط ابن سديرة خارج مدرسة فرساي. فلا نعرف عن زياراته لباريس ولا قراءاته ولا اهتماماته وأصدقائه. ولكن يمكننا أن نلجأ إلى التصور في ذلك. فقد كان شابا في أول العقد الثالث من عمره. ولنا أن نتصور أنه كان مهتما بالآداب والفنون وبالصحافة والمجتمع. وقد خزن في ذاكرته الكثير من ذلك ثم رجع إلى بلاده. إن كتبه المطبوعة تدل على أنه رجل كرس نفسه لخدمة اللغة الفرنسية وتطويع اللهجة العربية الدارجة والزواوية لخدمتها أيضا. ويدل ذوقه في (كتاب الرسائل) على اهتمامه بالخطوط وفن الترسل سواء كان بالدارجة أو الفصحى. ولكن مؤلفاته لا تعكس نشاطه السياسي ولا رؤيته الثقافية ولا أحكامه على الاستعمار. ورغم وجود صحيفة المبشر والمنتخب وغيرهما قبل وفاته فإننا لا نعلم أنه كتب فيهما رأيا. أو تعليقا. وكذلك لا نعرف أنه تراسل مع شخصيات عربية وإسلامية خارج الجزائر سواء عندما كان في فرنسا أو عندما استقر في العاصمة، رغم أن آخر القرن الماضي - فترة نضجه - كان يشهد حركة فكرية وسياسية واسعة في العالم الإسلامي. ومنذ رجع إلى الجزائر عين ابن سديرة في مدرسة ترشيح المعلمين (النورمال)، وهي المدرسة التي تطورت أيضا منذ الثمانينات وأصبح لها فرع أهلي موجه إلى تدريب الجزائريين على التعليم. وهو فرع يدل على التمييز العنصري والثقافي لأن أساتذته وطلابه كانوا من طينة ومقاييس خاصة. وفي السنة التي أنهى ابن سديرة فيها دراسته (١٨٦٥) زار نابليون الجزائر للمرة الثانية، ولما رجع منها أصدر قانونه الشهير - قانون التجنس للجزائريين الراغبين في الجنسية الفرنسية بشرط التخلى عن أحوالهم

стр. 3551

الشخصية الإسلامية. فهل استفاد ابن سديرة من هذا القانون وتجنس كما فعل أمثاله من المتعلمين عندئذ؟ إننا نرجح ذلك ونرجح أيضا أنه قد تزوج من فرنسية أو أروبية. ذلك أن أحد أبناء العائلة، ولعله ابنه، قد تسمى باسم شارل بن سديرة. وهو الاسم الذي كان يتسمى به أطفال الجزائريين المتجنسين (وكذلك لويس وجان الخ.). ومهما كان الأمر فقد دخل ابن سديرة سلك التعليم وبرع فيه وأنتج الكتب التعليمية والقواميس. وذلك هو المنتظر من أمثاله. وكان له تلاميذ ومعارف. وكان هؤلاء يستنجدون به في إعانتهم على قضاء الحاجات. وكان بعضهم يذكره بالعلاقات السابقة. ويدل ذلك على شهرته خلال السبعينات والثمانينات أو بالأحرى على ارتباطاته بالفرنسيين، أو هكذا كان الناس يظنون فيه. وقد أورد هو في كتاب الرسائل نماذج من هذه المراسلات. ثم أصبح معاونا في محكمة الاستئناف بالعاصمة، وهو وظيف كان يتولاه رجال الدين والشريعة، أي أنه كان معاونا للقضاة الفرنسيين في شؤون القضاء الإسلامي بعد أن نزعت السلطات الفرنسية من القضاة المسلمين صلاحيات الحكم في المسائل التجارية والجنائية والمعاملات. كما تولى ابن سديرة التدريس في المدرسة العليا للآداب، واختير عضوا في الجمعية الآسيوية بباريس. وهي الجمعية التي كانت تخدم الاستشراق الفرنسي عموما. وهذه الوظائف كانت تجلب إليه سمعة كبيرة وتجعله هدفا لطموح الطامحين في الوظائف أيضا. ومن ذلك رسالة وجهها إليه شيخ العرب في بسكرة، محمد الصغير بن قانة، سنة ١٨٧٥ يذكره بأنه بمثابة أبيه وأنه هو الذي رباه، وأن له عليه حقوق التربية. وكذلك مجموعة من الرسائل الموجهة إليه من أصحابه وتلاميذه بين ١٨٨٦ - ١٨٨٨، وكان بعضهم يطلب إليه التدخل لصالحه، وآخر يطلب منه مقابلة. ومن مراسليه الشيخ محمد السعيد بن زكري المدرس بالجامع الكبير بالعاصمة، سنة ١٨٨٩، ومحمد أرزقي بن أحمد من القرقور (سطيف) يطلب منه المعونة على

стр. 3552

الحصول على وظيفة، سنة ١٨٨٩ أيضا (١). وأثناء شهرته كلفته السلطات الفرنسية بدراسة الوضع في زواوة سنة ١٨٨٧. وكانت زواوة محط أنظار هذه السلطات منذ أوائل الثمانينات حيث انطلقت فيها جنود (الأباء البيض) الكاردينال لافيجري. وزارها عدد من الوزراء الفرنسيين. وبدأت فيها بعض المدارس الابتدائية مع إجبارية التعليم. وفي هذا الجو من الاهتمام ذهب ابن سديرة إلى أعماق جرجرة، وبعد البحث والدراسة في العادات والتقاليد واللغة والتوجهات نشر بحثه تحت عنوان (مهمة في بلاد القبائل حول اللهجات البربرية وإدماج الأهالي) (٢). وهو عنوان يوضح المهمة الأساسية التي كلف بها. ولم نطلع على الكتاب لنعرف وجهة نظره في إدماج الأهالي. وفي هذه السنة نشر ابن سديرة أيضا عملا عن اللغة البربرية، وهو العمل الذي أشاد به أبو القاسم بن الشيخ في جريدة المبشر (٣). إن تكليفه بهذه المهمة يدل على ثقة الإدارة الفرنسية فيه علما وسلوكا. وكان إيميل ماسكري، مدير مدرسة الآداب العليا، قد قام أيضا في نفس المكان (زواوة) بنفس المهمة قبل ذلك. وفي هذه الأثناء (١٨٨٠) حل بالجزائر رينيه باصيه، أستاذا في المدرسة المذكورة ومؤسس الدراسات البربرية. وباصيه هو الذي عرف كيف يوظف ابن سديرة وابن شنب وبوليفة لخدمة طموحات الاستشراق والاستعمار. ففي ١٨٩١ نشر ابن سديرة كتابا آخر عن تدريس العربية خاطب فيه التلاميذ الجزائريين بقوله: (إن اللغة الفرنسية هي لغتكم الأم) (٤). والواقع أن ابن سديرة قد ساهم في تسهيل تعلم العربية الدارجة على

стр. 3553

الفرنسيين بمجموعة من المؤلفات سنذكرها. كما أنه ساهم في تعليم البربرية لهم بلهجة زواوة. ومن جهة أخرى ساهم في تعليم الفرنسية لأبناء الجزائر. فرغم تدريسه في مدرسة ترشيح المعلمين وتوليه الوظائف الأخرى التي ذكرناها، نجده قد تعين منذ ١٨٨٠ أستاذا محاضرا في العربية الدارجة بمدرسة الآداب العليا. بينما زميله الهاشمي بن الونيس تعين أستاذا محاضرا في اللهجة البربرية في نفس المدرسة، في الوقت الذي كان فيه رينيه باصيه يتولى مادة الأدب العربي. وكان كميل صابتيه يتولى تدريس مادة النظم والعادات القبائلية (١). ألف بلقاسم بن سديرة حوالي سبعة كتب لا تخرج عن نطاق تعليم اللغة، ومنها: دروس تطبيقية في اللغة العربية (الدارجة)، ودروس تطبيقية في الآداب العربية، ودروس تطبيقية في اللغة القبائلية (الزواوية)، وقاموس عربي - فرنسي، وقاموس فرنسي - عربي. بالإضافة إلى كتاب الرسائل الذي يدخل في نطاق التعليم أيضا. وفي هذا المستوى ساهم ابن سديرة في تكوين عدد من التلاميذ المستعربين والجزائريين. ومن تلاميذه المستشرق باصيه نفسه. توفي ابن سديرة في ٣٠ نوفمبر ١٩٠١ بالعاصمة. وقد نعته مجلة (إفريقية الفرنسية) دون ذكر شيء عن تجنسه، وإنما اعتبرته رجلا ذا كفاءة عالية ذهب مأسوفا عليه، ثم عددت الأوسمة التي حصل عليها والوظائف التي تولاها. أما الوظائف فقد عرفناها، وأما الأوسمة فهي جوق الشرف (ليجون دونور)، ووسام التعليم العمومي (الذي تمنحه الأكاديمية)، ونيشان الافتخار التونسي، والميدالية العسكرية. وإذا كان منح الأوسمة الأولى واضحا، فإننا لا نعرف لماذا منح الميدالية العسكرية، والرجل لم يكن، حسب علمنا، في السلك العسكري. وقد خلفه في تدريس اللهجة العربية بمدرسة الآداب، إدمون دوتيه (٢). وهكذا ترى أن بلقاسم بن سديرة، رغم

стр. 3554

نبوغه قد وظفه المستشرقون - سيما ماسكري وباصيه - وشلوا موهبته. ولم تستفد منه الجزائر إلا حظا ضئيلا، رغم أنه عاش في النصف الثاني من القرن الماضي حين كانت تبحث لها عن مثقف يأخذ بيدها. لقد كان مكنه هو وحسن بن بريهمات والمكي بن باديس وأحمد البدوي وعبد القادر المجاوي وشعيب بن علي ومحمد بن رحال أن يلعبوا دورا وسيطا في مرحلة حرجة من تاريخ الوطن. ولكن التنسيق والوعي كانا مفقودين عندهم، وكانت الطموحات والمؤثرات مختلفة. فكانت جهود ابن سديرة بالخصوص بعيدة كل البعد عن جهود زملائه الآخرين. ولعل جهود ابن سديرة الباقية هي مجموعاته في اللهجة العربية، وفي كتاب الرسائل، وفي مهمته بزواوة والنصوص المحفوظة فيها. عمر بن سعيد بوليفة كان بوليفة من أوائل النخبة الذين وقعوا ضحية المخططات الفرنسية. فهو أحد أبناء زواوة الذى عانوا الفقر واليتم، رغم أصل عائلته الشريف أو المرابط. وقد كان يمكنه أن يصبح في طليعة المثقفين المزدوجين، بعد تلقيه تعليما فرنسيا، إلى جانب تعليم الزوايا أو المعمرات الذي تلقاه في أول عهده، وأن يلعب دورا رئيسيا في الحياة الفكرية. غير أن احتواء الفرنسيين له منذ الطفولة جعله في دور قزم مثله مثل دور ابن سديرة وأحمد بن بريهمات وعلي بوضربة. اسمه العائلي هو بوليفة الذي يبدو أنه ارتضاه بعد تغيير الأسماء والألقاب في الثمانينات من قبل الفرنسيين. أما اسمه الحقيقي أو الأصلي فهو عمر بن سعيد من آل بلقاسم بن عمر. أو عمر أو سعيد آيت بلقاسم أو عمر. ونظرا لأصله المرابط - من رجال الدين والشرف - فإنه يضاف إلى اسمه أيضا لقب سي (سيدي). ولد عمر بوليفة في قرية عدني بزواوة، لعائلة متواضعة الدخل. وقد توفي والده مبكرا فتيتم صغيرا. ولكن والدته احتضنته بشدة

стр. 3555

فقربته من أعيان تامزيرت وهم آل عمر (آيت عمر)، وفيهم قياد؛ وهناك أدخله عمه المدرسة الفرنسية الجديدة، وهي الأولى من نوعها في زواوة، سنة ١٨٧٥. وكان الترشح إليها نادرا. ويمكننا أن نفهم أمرين على الأقل من هذه المرحلة المبكرة من حياة الصبي عمر بن سعيد. الأول أنه فتح عينيه على جرح زواوة الذي ظل مفتوحا منذ ثورة ١٨٧١، فكانت المصادرات والقمع والنفي وأحكام الإعدام. والثاني أن عمه قد يكون أراد التخلص منه بإدخاله المدرسة الفرنسية الوحيدة والجديدة في القرية. فكان القدر يخطط للصبي عمر طريقا آخر، ربما لم يخطر ببال هذا العم الذي لا نعرف الآن مستوى تعلمه ولا تفكيره. ومع ذلك كان طريقا مدروسا ومعروفا. فالذي يتخرج من مدرسة فرنسية ابتدائية قلما يجد له عملا إذا كان من الأهالي. ولكن حظا معينا كان ينتظر أبناء زواوة إذا أكملوا تعليمهم الابتدائي، وهو مواصلة التعلم في الفرع الأهلي من مدرسة ترشيح المعلمين. وهكذا كان الأمر بالنسبة لعمر بن سعيد. فقد بدأ مسيرته معلما ممرنا بسيطا في قرية تامزيرت، ثم أصبح معلما أهليا مساعدا (وهو منصب خاص بالأهالي، ولا يترقى الأهلي إلى رتبة معلم مرسم مهما طالت به الوظيفة) في مدرسة ترشيح المعلمين ببوزريعة، سنة ١٨٩٦. ولم يعترف له الفرنسيون بصفة المعلم في مدرسة ابتدائية إلا قبل وفاته بعشر سنوات، أي سنة ١٩٢٢. ومع ذلك فإنه قضى كل حياته تقريبا في ميدان التعليم الابتدائي: فهو معيد في البربرية سنة ١٨٩٠ بمدرسة النورمال - ترشيح المعلمين -، ثم معيد أيضا في مدرسة الآداب العليا، منذ ١٩٠١، ربما على إثر شغور مكان الهاشمي بن الونيس الذي سبق ذكره والذي عين هناك سنة ١٨٨٠. أو وفاة بلقاسم بن سديرة. صادف وجود بوليفة معيدا في مدرسة الآداب انطلاقة الاستشراق الفرنسي والاهتمام باللهجات المحلية والإسلام والمجتمعات الإسلامية. كما صادف الاهتمام المتزايد لفرنسا بأحوال المغرب الأقصى والتمهيد لاحتلاله. وقد كثرت البعثات الفرنسية إلى المغرب منذ آخر القرن الماضي، وكان فيها

стр. 3556

جزائريون وفرنسيون. ومن الجزائريين إسماعيل حامد الذي حل بالمغرب في مهمة رسمية سنة ١٨٩٩. وفي سنة ١٩٠٤ أرسلت السلطات الفرنسية عمر بوليفة إلى المغرب لدراسة اللهجات البربرية وجمع المعلومات الاجتماعية. ولا ندري كم أقام في المغرب، ولكننا نعلم بعض نتائج مهمته. وقد لخصها أستاذه رينيه باصيه نفسه فيما يلي: أ - جمع عدد من المخطوطات البربرية التي حصل عليها من مراكش، وقد نشرها يد وصف لها، في باريس سنة ١٩٠٥. وقام باصيه بمراجعة هذا المجهود وامتدحه عليه (١). وقال باصيه إن محتوى المخطوطات لا يخرج عن مسائل الدين. أما اللغة المكتوبة بها فهي تماثل تلك اللغة التي كتبت بها مخطوطات أخرى وكانت توجد في مكتبة الجزائر وباريس والمكتبة الملكية ببرلين. إنها صيغة بربرية لبردة البوصيري ومجموعة أشعار في المدائح النبوية وسيرة الصحابة. كما جاء بوليفة بنسخة من مخطوط (الحوض) المكتوب أيضا بالبربرية والحروف العربية، والذي قلنا إن لوسياني كان قد نشره قبل ذلك. ب - أما العمل الثاني الذي قام به بوليفة في المغرب فهو جمعه لنصوص حول الحياة الاجتماعية لقبائل الشلوح، والموضوعات هي: الميلاد، والزواج والختانة والطلاق والحرب والمرض والجنائز والحفلات الدينية، وتحضير الصوف والزيت، وبعض العادات حول الحيوانات، وبعض القصص. جمع بوليفة هذه النصوص بواسطة طالب من دمنات في الأطلس. وكانت مكتوبة بلهجة القبائل المذكورة (الشلوح). وقد طبع منها القسم الأول في باريس أيضا بعنوان (نصوص بربرية من الأطلس المراكشي - المغربي) سنة ١٩٠٨ (٢). وكانت الحكومة الفرنسية هي التي صرفت على نشر هذه المطبوعات.

стр. 3557

ويبدو أن رحلة بوليفة إلى المغرب كانت هي الرحلة الوحيدة له خارج الجزائر. فلا نعرف أنه زار فرنسا، ولا أنه زار المشرق أو توجه إلى الحج. فهل فقد بوليفة ارتباطه بالمرابطية واعتبر نفسه منسلخا عن تراثه بعد هذه التجربة في المدرسة الفرنسية؟ ولكي نحكم عليه في ذلك يجب الرجوع إلى أوراقه الخاصة. وقد قيل إن مكتبته قد أحرقت خلال حرب الحرير من قبل العدو، أما زمامه أو دفتره الخاص الذي سجل فيه رحلته إلى المغرب فقد أنقذ. كما أن كتابه في تاريخ جرجرة يضم بعض أفكاره، ولكننا لا نملكه الآن. ويبدو أن بوليفة كان مثل ابن سديرة، غير مهتم بأحوال العصر الاجتماعية والسياسية فلم يكتب في صحيفة ولم يناقش قضايا الوقت، مكتفيا بجمع النصوص والتعليم في أغلب الأحيان. ولكن أعماله الأدبية والتاريخية تشهد على غزارة إنتاجه وتنوع اهتمامه. ففي ميدان الأدب واللغة جمع مجموعة من الشعر الزواوي (القبائلي) ونشرها سنة ١٩٠٤ (١). وقد ترجم ذلك إلى الفرنسية وعلق عليه. ويتمثل معظمها في الأغاني الشعبية. وفي نظر باصيه أنها أغاني (أشعار) لم يسبقها إلا مجموعة هانوتو عن الشعر الزواوي، ولكنها في نظر باصيه الذي اعتاد الحط من كل ما يقوم به الجزائريون، كما فعل مع الصدقاوي أيضا، أشعار أقل أهمية مما جمع هانوتو، لأنها لا تكاد تخرج عن موضوع المرأة. ولكن باصيه قال إنه بالرغم من ذلك فإن المجموعة تحتوي على وثائق هامة حول المجتمع البربري المعاصر، ولذلك ألح على أهمية العمل من الوجهة اللسانية وليس الأدبية. ولبوليفة عمل آخر سماه (توفيقي أو قانون عدني). وعدني هي مسقط رأسه كما عرفنا، وتضم عرشا يقطن خمس قرى بين تيزي وزو وعين الحمام

стр. 3558

(فور ناسيونال)، حسب تحديد باصيه. (وقانون عدني) هو البحث الذي تقدم به بوليفة إلى مؤتمر المستشرقين الرابع عشر الذي عقد بالجزائر سنة ١٩٠٥، ثم نشره على حدة. وقد أحال باصيه (١) على كتاب هانوتو ولوتورنو في أهمية القوانين (الأعراف) في زواوة ومجتمعها. فهي قوانين غير مكتوبة ولكن تحتفظ بها الذواكر عند القدماء، واعترف باصيه أن إحلال القوانين والتشريعات الفرنسية محل هذه الأعراف سيجعلها تختفي، ومن ثمة تظهر أهمية العمل الذي قام به بوليفة، فقد دون قانون عدني ودرسه، وقام بعمل يضاهي، حسب باصيه، عمل ماسكري وابن سديرة وهانوتو (٢). ومن أعمال بوليفة التي دخل في اختصاصه التعليمي: منهج اللغة القبائلية الموجه للسنة الثانية، وهو دراسة لغوية واجتماعية لأهل جرجرة. وقد ضم نصوصا متبوعة بقائمة مفردات (٣). وهو عمل يخدم أيضا اللغة الفرنسية. ولكن أبرز أعمال بوليفة التي يبدو أنه ختم بها حياته العلمية، هو (جرجرة عبر التاريخ)، الذي تناول فيه حياة المنطقة من أقدم العصور إلى الاحتلال الفرنسي (١٨٣٠). وقد ظهر الكتاب سنة ١٩٢٥ مؤشرا إلى عدة اعتبارات. منها أنه ظهر أيام له النشاط السياسي للحركة الوطنية بالأسلوب الجديد، بعد تجربة ثلاثين سنة من العرائض والاحتجاجات والمطالب ومخاض النهضة. وظهر على إثر نفي الأمير خالد، وعشية ميلاد نجم الشمال الإفريقي، وكذلك عشية الاستعداد للاحتفال المئوي بالاحتلال. وكانت الحرب العالمية الأولى قد تركت بصماتها على الجزائريين، ولا سيما العمال والجنود الذين كان شباب جرجرة من أكثرهم عددا واغترابا في فرنسا. وكان قد سبقه إلى الظهور بقليل كتاب (تاريخ الزواوة) للشيخ أبي يعلى الزواوي، في دمشق سنة ١٩٢٤. وكان الزواوي قد فكر في الكتابة

стр. 3559

عن هذا الموضوع منذ ١٩١٢، ثم طوحت به الحرب إلى مصر والتقى بالشيخ طاهر الجزائري السمعوني هناك ثم خرجت الفكرة في الكتاب المذكور. وهكذا فإن (جرجرة عبر التاريخ) يجب ألا ينظر إليه معزولا عن هذه المعطيات كلها. وفي الكتابين المذكورين ظهرت الروح الأقليمية قوية خلافا لمن كتبوا من قبل تاريخ المدن (قسنطينة مثلا) مجردا عن الإحساس بالأقليمية، بل عبارة عن تسجيل للحوادث، وخلافا أيضا لمن كتب التاريخ الوطني في نفس الوقت، كما فعل الشيخ محمد مبارك الميلي سنة ١٩٢٩. وقد ألح بوليفة على أن زواوة كانت مستقلة في العهد العثماني عن الإدارة المركزية. وهو إلحاح لم يعجب الفرنسيين أيضا إلا بالمقدار الذي يباعد بين الزواويين والعثمانيين (١). ظهر بوليفة في ثوب الباحث الجاد في كتابه عن تاريخ زواوة وكذلك في بحثيه قانون عدني وقانون زاوية سيدي منصور. فقدم البحث الأول إلى مؤتمر المستشرقين كما ذكرنا؛ وقدم البحث الأخير إلى الكتاب التذكاري (ميلانج) المكرس لباصيه عشية وفاته (٢). ومنذ هذا التاريخ لا نعرف أن بوليفة قد ألف أو نشر أعمالا أخرى. فلم يعترف به الفرنسيون معلما ابتدائيا إلا سنة ١٩٢٢، كما أشرنا، ثم تقاعد سنة ١٩٢٩، ووافته المنية في ٨ جوان ١٩٣١، بالغا من العمر حوالي ستين سنة (٣)، ورغم أنه عاش حتى أدرك الاحتفال المئوي بالاحتلال، فإنه ترك وطنه وقد استفاق وتكونت فيه الأحزاب والجمعيات وارتفعت فيه أصوات الوحدة والحرية والاستقلال.

стр. 3560

لم يترك بوليفة أولادا. ولم يذكر من ترجموا له حياته العائلية. ولكنه ربى ابني أخيه أحمد وبلقاسم. وكان صالح بن بلقاسم هو الذي زود سليم شاكر بالمعلومات عن عمر بن سعيد بوليفة - عم أبيه. وكان صالح ما يزال يعيش في عدني عندما كتب شاكر مقالته عن بوليفة سنة ١٩٨٧. وكانت والدة صالح هي التي أنقذت بعض أوراق بوليفة من النيران خلال حرب التحرير. وقد نوه شاكر بسي عمر بوليفة على أنه (بربري) متعدد الجوانب ومن رواد اليقظة البربرية - الزواوية. فهو بتدريسه اللغة البربرية واتخاذه الطريقة المسماة (المباشرة) في تعليمها، واهتمامه بتاريخ وآداب زواوة، كل ذلك في نظر شاكر، جعل منه رائدا من الرواد في هذا المجال (١). ونحن نرى أن عمل بوليفة كان بالأساس موجها من قبل المستشرقين والإداريين لأسباب شرحناها. وليس الأمر مقصورا عليه، بل كان هو وغيره من ضحايا هذا المخطط. ولم تكن له مبادرة فيه أو اختيار إلا في كتابة تاريخ زواوة، ربما. أما تدريس اللغة وجمع نصوص آدابها وأغانيها فقد كان ضمن الحملة الاستشراقية التي اشترك فيها الجميع، جزائريون وفرنسيون، وشمل زواوة وغيرها. وحتى الاهتمام بتاريخ زواوة فقد رأينا أن أبا يعلى الزواوي قد سبق بوليفة في ذلك، أي منذ ١٩١٢، وقد أخرج الزواوي كتابه سنة ١٩٢٤، سنة قبل ظهور كتاب بوليفة. كما أن الشيخ محمد السعيد بن زكري سبق إلى الحديث عن زوايا زواوة وقوانينها قبل أن يكتب بوليفة قانون عدني وقانون زاوية سيدي منصور. فكتاب (أوضح الدلائل) لابن زكري طبع سنة ١٩٠٣، وربما كان هذا الكتاب مصدر وحي واهتمام لبوليفة الذي لم يبدأ في نشر بعض أعماله إلا سنة ١٩٠٤. وليس هذا تفضيلا لأحد على آخر ولكنه فقط الاجتهاد في البحث وإعطاء كل ذي حق حقه من الريادة. وهو أيضا إنصاف لمن كتبوا بغير الفرنسية من مثقفي زواوة.

стр. 3561

النثر الأدبي إن فنون النثر كثيرة، وسنعرض إليها مفصلة بعد تقديم عام. ونقصد بالنثر الفني الكتابة المتميزة بالطابع الأدبي والمحافظة على قواعد اللغة والتي يعتني أصحابها بالأسلوب. إنها كتابة خاصة وليست عامة. فالخطب المنبرية المعتادة والكتابات الفقهية والفتاوى والنثر التعليمي والرسائل الإدارية المحض وما شاكل ذلك، لا تعنينا هنا. فإذا أخذنا ذلك بعين الاعتبار فإننا سنلاحظ أن العهد الذي ندرسه، رغم ضعف المستوى الثقافي عموما وفي اللغة والأدب العربي، قد عرف نماذج من فنون النثر تدل على استمرارية المدرسة القديمة من جهة والتأثر، عند البعض، بالثقافة والتيارات المعاصرة. ومن الجديد في هذا العهد الاهتمام بالمقالة الصحفية، وقد جمع بعضهم مقالاته في كتاب بعد نشرها في الصحف. وقد حصرنا فنون النثر فيما يلي: المقالة الصحفية، والتقاريظ، والرسائل، والخطابة، والعرائض وما يتصل بها، والبلاغات أو النداءات، والتعازي، والمقامات والروايات والمسرحيات. ويمكن إلحاق فنون أخرى مثل الردود ومقدمات الكتب. وقبل أن نتحدث عن كل فن نود أن نذكر أننا وجدنا عددا من العلماء قد عرفوا عند المعاصرين بالإجادة في التدريس وتخريج المسائل. وكان تلاميذهم والمعجبون بهم يمدحونهم (بالبلاغة) وحسن القول، دون أن نطلع على تآليفهم، كما أنهم لم يشتهروا بين الناس بالتأليف وإنما بالصناعة في التدريس. فهذا الشيخ أحمد العباسي المتوفى سنة ١٨٣٦ قد تولى وظائف الفتوى والقضاء في عهد الحاج أحمد، باي قسنطينة، ولكنه كان معروفا كأستاذ مؤثر وبليغ. ولذلك كرر مترجموه بأنه كان مشاركا في علم البلاغة من بيان ومعان. وكان العباسي قد تخرج من الزيتونة وتشبع بثقافة

стр. 3562

الوقت (١). وقد اهتم بعض العلماء بالبلاغة حتى في عهد الاحتلال، رغم قلة الفاهمين لها والعاملين بها. ومنهم أحمد بن المبارك المعروف بالعطار والمتوفى سنة ١٨٧٠. فقد تولى التدريس في الكتانية بقسنطينة، وألف في علم البلاغة بوضع حاشية على شرح عبد الرحمن الأخضري (الجوهر المكنون) (٢). ولا شك أن البلاغة قد استمر تدريسها كعلم من علوم العربية في المدارس الثلاث الرسمية، وهي المدارس التي كانت في وقت ما تضم بعض المثقفين العصاميين أمثال: محمد الزقاي (تلمسان) وحسن بن بريهمات (العاصمة) ومحمد الشاذلي (قسنطينة). وقد ترك كل منهم عملا يدل على مستواه في فن الكتابة. فالشاذلي كان شاعرار وناثرا. وبريهمات كان ناثرا أكثر منه شاعرا، وله اطلاع واسع على فنون الأدب. أما محمد الزقاي فلا نعلم له سوى مقالة نشرها في جريدة المبشر، وكان متنوع الثقافة إذ درس في الجزائر والأزهر (وربما درس في المغرب أيضا). ثم جاء جيل آخر من الكتاب، جيل الثلث الأخير من القرن الماضي، وفيه درس وألف عدد من الأدباء. نذكر منهم الشاعر الناثر عاشور الخنقي، والناثر عبد القادر المجاوي، والشاعر الناثر الطيب بن المختار. ومن يرجع إلى إرشاد المتعلمين (٣) للمجاوي ثم كتاباته اللاحقة، يعرف أنه كان ضليعا في فنون النثر بعامة، سواء في تدريسه أو تأليفه. ولكنه اشتهر، مع ذلك، بالتدريس. أما عاشور فقد انتصب للتدريس في قسنطينة ثم في زاوية الهامل، وكان متمكنا من ناصية اللغة والأدب، ويعتبر فلتة في وقته. وكان قد تخرج من زاوية نفطة، بينما تخرج المجاوي من القرويين بالمغرب. ومن أبرز أدباء هذه الفترة أيضا الطيب بن المختار ومحمد بن يوسف أطفيش. وكان الأول قاضيا وشاعرا وله نثر أدبي راق (انظر تحفة الزائر). أما الشيخ أطفيش فقد كان يهوى الأدب ويدرسه لتلاميذه، رغم شهرته بالتأليف في فنون أخرى كالتفسير

стр. 3563

والحديث والفقه. وكان محمد بن مصطفى خوجة من أدباء هذه الفترة أيضا. ومن مدرسي البلاغة والأدب أوائل هذا القرن عبد الحليم بن سماية في العاصمة والمولود بن الموهوب بقسنطينة. وهناك أدباء آخرون أخذوا في الظهور، وكانوا معاصرين لهؤلاء، نذكر منهم المولود الزريبي وعمر بن قدور ومحمود كحول (ابن دالي). وقد تولى الزريبي الوعظ وفشل فيه لاندفاعه وثورته، غير أنه ترك بعض التآليف التي تدل على نبوغه اللغوي والبياني؛ وظهرت موهبة عمر بن قدور في المقالة الصحفية الجديدة. بينما اشتغل كحول بالتدريس والصحافة، وعرف حفظ اللغة والأمثال والشعر والأسلوب المتين. ورغم أن ابن شنب قد ألف في العروض وحقق كتب الأدب فإنه لم يكن أديبا بالمقياس الذي نتخذه الآن. ولقد كان من هذا الجيل الذي أتقن اللغة العربية وألف وحقق بها. أما الجيل الرابع فقد تميز بظهور مدرسة شاملة في فنون النثر. فالخطابة قد وجدت مجالها في النوادي والمساجد، والرسائل تبادلها عدد من الأدباء مع بعضهم أو مع أدباء المشرق والمغرب. والتقاريظ واكبت حركة التأليف والنشر. وأبرز ما ميز هذه الفترة هو المقالة الصحفية التي وجدت في تعدد الصحف والآراء منطلقا لها على يد أدباء اتصلوا بالحركة الرومانتيكية والأدب المهجري أو تمكنوا من تطوير التراث والأسلوب. ومن هؤلاء رمضان حمود، وسليمان بو جناح (الفرقد) وعبد الحميد بن باديس والإبراهيمي وأبو يعلى الزواوي وأحمد توفيق المدني. ولم تكد تنتهي الحرب العالمية الثانية حتى ظهر جيل التف حول جريدة البصائر، ومنهم أحمد سحنون وباعزيز بن عمر وحمزة بوكوشة وأحمد رضا حوحو. وكلهم استعملوا المقالة الصحفية في أغراض متعددة: الأدب والإصلاح الاجتماعي والسياسة. وليس بوسعنا دراسة كل هؤلاء، ولعل تقسيم الفترة إلى أجيال، وتفريق فنون الأدب والبلاغة على العناوين التي أشرنا إليها، يكفي في رصد المعالم. ولنبدأ بالمقالة الصحفية.

стр. 3564

المقالة الصحفية عندما تذكر الصحافة في الجزائر خلال القرن الماضي لا بد أن ينصرف الذهن إلى (المبشر) الرسمية لأنها كانت الجريدة الوحيدة التي ظهرت خلال السنوات (١٨٤٧ - ١٩٢٧). ويجب ألا يحتج بالمنتخب لأنها كانت ترجمة في أغلبها للنسخة الفرنسية ولأنها لم تهتم بالأدب والمقالات، كما أنها لم تبق إلا فترة قصيرة. والمعروف أن الصحافة التي يديرها جزائريون لم تظهر إلا أوائل هذا القرن. ولقد ظهر على صفحات المبشر عدد من الأسماء. ومن الصعب أن ننسبهم للأدب بدون تحفظ، ولكن أقلامهم كانت ترشح بثقافتهم. فإذا عدنا إلى إنتاجهم لاحظنا عليه المسحة الأدبية ومتانة الأسلوب والكتابة الخاصة، كما ذكرنا. ومن هؤلاء حسن بن بريهمات وابن علي الشريف وسليمان بن صيام، ومحمود بن الشيخ علي (الذي ألف والده رسالة هامة في البلاغة) (١). وقد كتب محمود هذا عدة مقالات، منها واحدة سنة ١٨٦٧ بعنوان (نصيحة عمومية لأهل الحضر والبادية)، ونشرها على صفحة كاملة من المبشر وبخط رقيق. نلاحظ أنه رغم طول المقالة لم يستعمل السجع، ولكنه استعمل الشواهد الكثيرة من أحاديث وآيات قرآنية وشعر. وأسلوبه فيها بسيط (٢). وفي أوائل هذا القرن ظهر عمر بن قدور بأسلوبه الصحفي الجذاب مع تناوله موضوعات حية وهامة. ونشر في صحف الجزائر، ومنها جريدته الفاروق، وجرائد الشرق وتونس. وقد تعرضنا إلى حياته وموضوعاته في مكان آخر (٣). وكان أسلوبه حديثا وقد طوع اللغة إلى روح العصر، ويبدو أنه تأثر بالمدرسة النثرية الجديدة في المشرق. وكانت بعض صحف المشرق

стр. 3565

تصل إلى الجزائر مثل اللواء والمؤيد ومجلة المنار. وساهم محمود كحول في جريدة (كوكب إفريقية) التي عاشت سنوات. كذلك ظهرت عدة أقلام على جريدة (المغرب). ومن كتابها جريدة (المغرب) مصطفى الشرشالي، وابن سماية وابن الموهوب والمجاوي. لقد تقدمت المقالة الصحفية عندئذ وخرجت من أسلوب جريدة المبشر الذي كان يدور في فلك الاستشراق إلى أسلوب الصحف العربية الرائجة في المشرق. ولم تكد الحرب العالمية الأولى تنتهي حتى ظهرت النجاح والإقدام والمنتقد والشهاب والبصائر وجرائد أبي اليقظان، فاحتضنت عددا من كتاب المقالة. وهؤلاء الكتاب لم يتخرجوا من مدرسة الصحافة ذات البرامج والقواعد المضبوطة، ولكنهم تمرسوا في الميدان وجربوا أقلامهم في صحف ليس لها من كتاب غيرهم. كان الطيب العقبى والبشير الإبراهيمي وأبو يعلى الزواوي قد عرفوا الصحافة في المشرق، في المدينة المنورة وفي سورية ومصر. وعرف ابن باديس الصحافة في تونس والمشرق. فنقلوا تجاربهم إلى الجزائر، وامتلأت بهم أعمدة الصحف المذكورة. ويجب أن نذكر هنا دور أحمد توفيق المدني في تطوير المقالة الصحفية بمساهمته الغنية في الشهاب ثم البصائر وتغطيته أبوابا دائمة في السياسة وأحوال المغرب العربي. بل إن تقويم المنصور الذي بدأه في تونس وواصله في الجزائر قد احتوى على مقالات له وأخرى لغيره، مثل محمد العاصمي. وكان كفاح جرائد أبي اليقظان. قد جعل أبواب الصحافة مفتوحة أمام الكتاب (١). وقد كتب محمد مبارك الميلي مقالات في الإصلاح الديني الاجتماعي، ثم جمعها في كتاب خلال هذه الفترة أيضا سماه (رسالة الشرك ومظاهره). ويبدو أن كتاب (الإسلام في حاجة إلى دعاية) للزاهري كان في الأصل مقالات نشرها في الجرائد، ومنها مجلة (الفتح) المصرية.

стр. 3566

وكانت مقالات ابن باديس تمتاز بالعمق والقصر والدلالة. أما العمق فذلك يرجع إلى بعد غوره ووفرة أفكاره وشدة ملاحظته والتجائه إلى التلميح والترميز أحيانا. وأما القصر فلأن ابن باديس كان كثير الأشغال والترحال والدروس، وليس متخصصا للصحافة أو متفرغا للكتابة. ولذلك كان يقتطع من وقته بعض الساعة فيكتب فيها مقالاته الأسبوعية لهذه الصحيفة أو تلك. وقد بدأ الكتابة في جريدة النجاح لمامي إسماعيل، ثم تفرغ قلمه للمنتقد والشهاب، وهما جريدتاه، ثم البصائر جريدة جمعية العلماء. وأما الدلالة فهي ترجع إلى أن ابن باديس كان يرمي إلى معان بعيدة يوجه إليها خطابه ومخاطبه ويترك له الحرية في القرار مع لمسة لضميره ونفحة في قلبه. إن المقالة عند ابن باديس فن بذاته يترجم عن روحه الثورية وتفكيره العميق وغيرته الوطنية. ومن حسن الحظ أن مقالاته قد جمعت وصنفت في عدة مجلدات (١). وهي تشهد على ما نقول. ولدينا شهادتان على تمكن محمد العاصمي من فن المقالة. الأولى من أحمد توفيق المدني الذي أورد صورته في تقويم المنصور ووصفه بأنه كاتب بليغ وبحاثة وأنه قام بجولات في البلاد (الجزائر) وأورد له مقالة هامة في التقويم عنوانها (المجتمع الجزائري وعماد نهضته الراهنة). وقد امتدح العاصمي فيها تمسك الفرد الجزائري بالملية القومية (الوطنية؟) ومظارها أمام موجة التحضر ... ونفى أن يكون الدجل والشعوذة من العلم في شيء. واعتبر الدين الإسلامي من أقوى دعائم التمسك بالملية المذكورة. وحكم بأن الإنسان الجزائري يمقت الطفرة والجمود، وأنه حذر، ولكنه حلو المعشر، وأنه يحب الحرية حتى أنه يعبدها عبادة، كما أنه متعلق باللغة العربية أشد التعلق (٢). وقد رتبها المدني تحت عنوان أدب المقالة الاجتماعية.

стр. 3567

أما الشهادة الثانية عن جودة أدب المقالة عند محمد العاصمي، فهي لكاتب آخر كان في المقام الأول من الاحترام والوطنية، وهو محمد العابد الجلالي، صاحب كتاب تقويم الأخلاق. وقد نشر للعاصمي مقالة في (الأخلاق والآداب الإسلامية) وهي في أخلاق العرب في الجاهلية والإسلام مع جولة في التراث والمجتم المعاصر، وأمثلة ومقارنات بالأخلاق الغربية. ورغم أنه لا وجود لاسم الجزائر فيها فإن كل المؤشرات تدل على أن الكاتب (العاصمي) كان يعني قومه. ومن جوانب هذه المقالة الحديث عن الفلسفة والأخلاق عند القدماء والنفس وأنواعها ... الغضبية والبهيمية، ثم عند العرب والمسلمين، وعند الغربيين، وجاء فيها أيضا، حديث عن الدين والعقل وتارخيهما. واعتبر العاصمي أن المدنية والدين صنوان، وأبرز دور المساواة العامة في الشريعة، كما أبرز حقوق المرأة وحرية الفكر، والديموقراطية الحقة في نظره، وكذلك حرية الاعتقاد بالنسبة للآخرين، وضرورة الانتهاء من تحكيم العصبيات والجنسيات القبلية، والابتعاد عن الجمود الديني، وبين الحكمة من الزكاة والصوم والصلاة والحج. وأخيرا دعا إلى إلغاء الواسطة بين الله والإنسان أو الخالق والمخلوق. إن مقالة العاصمي هذه تعالج موضوعا كأنه هو موضوع الساعة. ولا شك أنه كان موضوعا يشغل أذهان المثقفين المتنورين بين الحربين أيضا. ومن المفيد أن الجلالي قد أورد أيضا صورة العاصمي مع ترجمة قصيرة له، وذكر معها أنه رجل لا يحب الظهور ولا الشهرة ولا يهمه (إلا الحب الخالص لأبناء وطنه مع ملازمة التستر). وامتدحه بأنه قد التزم بتعليم الناشئة والكتابة في الصحف الوطنية، وأنه بمنزلة عالية من الخبرة والاطلاع وسداد الرأي. واعتبر مقالته غزيرة المادة العلمية وطيعة الأسلوب (١). ويبدو أن هذه

стр. 3568

الخصائص كانت غير غائبة عن إدارة الشؤون الأهلية الفرنسية، فسعت إلى ترويض العاصمي وإبعاده عن هذا التيار الذي امتدحه عليه المدني والجلالي. وقد تعرضنا إلى ذلك في غير هذا (١). وكان للمقالة الأدبية أيضا رجالها. ومن هؤلاء رمضان حمود الذي عاش عمرا قصيرا. وكان مثالا للشباب الطموح، والنهاية المأساة التي يلذ للرومانتكيين البحث عنها في المجاهل والأدغال والمغامرات. نشر رمضان حمود مجموعة من المقالات النقدية حول الأدب والشعر، وحول الجمود والتقليد والتراث والتجديد. وكان صوتا ثائرا على التقاليد البالية وعلى من سماهم (عبيد التقليد وأعداء الاختراع). وقد نشر مقالاته في جريدة (الشهاب) الإصلاحية، ثم جمعها ونشرها في كتاب بعنوان (بذور الحياة). وكان حمود قد أظهر نقده بالخصوص في المجال الشعري، فلم يعجبه شعر شرقي ولا شعر الذين يقلدونه إعجابا به، بل لم يعجبه الشعر التقليدي، ودعا إلى الصدق الفني والتجديد في هيكل القصيدة وأشكالها. ولكنه ظل في دائرة الوطنية والقومية. وبقدر ما أعجب ببعض الشعراء الأجانب فإنه لم ينبهر بهم كما فعل بعض شعراء المشرق (٢). وسليمان بن يحيى بوجناح المعروف بالفرقد، كان مثل رمضان حمود في ثورته وشبابه. وكانا متعاصرين. ويقول عنه محمد العابد الجلالي إنه كان دون العشرين. ومع ذلك فإن مقالاته تدل على أنه قد عاش الدهر. وشهد على أن مقالاته كانت تمتاز بالغيرة الدينية وحصافة العقل والذكاء والوطنية وعزة النفس، وقد فصله الجلالي عن (الشباب الآخر) الذي انفصل عن (شرقيته) وتعلم لغة قوم آخرين فانقطعت بذلك أسباب الاتصال بينه وبين

стр. 3569

أصوله. ولا شك أن الجلالي كان يلح بذلك إلى من يسمون بالنخبة لأنهم حبذوا الاندماج في الفرنسيين ونسوا وطنهم. ولذلك قال الجلالي عن الفرقد إنه (برمحه العريي وسنانه الفرنسوي (يعني أنه كان مزدوج اللغة) جاء طليعة لكتائب النصر الحقيقي ... بقلمه العربي والفرنسوي). وقد وصفه بالشاب الأديب، وجاء بصورته ووعد بإيراد ترجمة وافية له في أعداد لاحقة. وقال إن الفرقد كان من نجباء ميزاب الذين أخذوا العلوم العربية في تونس (١). ونحن نعلم أن الفرقد طبع كتيبا صغيرا بعنوان (كتاب الفرقد) ونفدت طبعته في مدة قصيرة، ولتوارد الطلب عليه من الشباب أعيد طبعه (ترويجا للأدب واللغة العربية الشريفة والفكرة الحرة ومبادئ الوطنية الصادقة) (٢). ولكن سليمان بن يحيى قد واجه صعوبات في حياته أثرت على قلمه وهدت من جسمه. وقد عرفت المقالة الأدبية أيضا تطورا آخر على يد حمزة بوكوشة، وأحمد رضا حوحو، ثم الابراهيمي .. وليس بوسعنا تتبع إنتاج هؤلاء جميعا. لقد ساهم بوكوشة في الجرائد المعاصرة تم أنشأ جريدة باسم (المغرب العربي) في وهران. وكانت دراسته بتونس ومعاصرته لحركة التجديد الأدبي، بما فيها الحركة الرومانتيكية، قد أثرت على أسلوبه، وكان بالإضافة إلى ذلك شاعرا رقيقا، ولكنه كان مرتبطا بالحركة الإصلاحية. فجاءت مقالاته تصب في هذا التيار. ومثله في ذلك محمد العيد الذي يعرفه الناس شاعرا فقط، ومع ذلك نجد له فى صدى الصحراء والبصائر بعض المقالات القصيرة.

стр. 3570

وكان مزج أحيانا مقالته بأبيات من عنده. ومن ذلك مقالته (لماذا ابتليت الأخلاق بالخيبة والإخفاق؟) (١) وفي الثلاثينات هاجر أحمد رضا حوحو إلى الحجاز ولكنه لم ينقطع عن الحركة الأدبية في الجزائر. فكان يساهم بمجلة المنهل بالحجاز، ويراسل البصائر أحيانا (٢). وقد دلت كتاباته التي نشرت أخيرا على أنه كان دائم الصلة بوطنه وبالإنتاج الأدبي فيه. ولكن مساهمته الكبيرة ستكون بعد ١٩٤٧، فى المقالة والقصة. أما الإبراهيمى فسنفرد له حديثا قصيرا بعد حين. الأسلوب من عاشور الخنقي إلى الإبراهيمي تحاصر الإيراهيمي مع عاشور الخنقي فترة من الزمن ولكن عاشور أكبر منه سنا، وقد توفي في أغلب الظن خلال الثلاثينات. وفي الوقت الذي كانت فيه شهرة الخنقي ذائعة بسبب مسألة الأشراف كان الإبراهيمي تلميذا في زاوية ابن علي الشريف بآقبو، أو مراهقا في معاهد سطيف. ولم يكن (منار الإشراف) قد طبع عندما هاجر الإبراهيمي إلى الحجاز، سنة ١٩١٠ (٣)، ولكن قصائد عاشور وقصته مع ابن مهنة واعتقاله ونفيه كلها كانت معروفة عند المتعلمين والمتأدبين، أمثال الإبراهيمي ولا سيما في دوائر الزوايا حيث مسألة الشرف كانت مسألة حساسة. كما أن زاوية الهامل كان لها ضلع في دفع عاشور إلى الدفاع عن الأشراف، وقد أقر عاشور نفسه بذلك. وكانت عائلة ابن علي الشريف ممن يهمها الأمر أيضا لأنها تقول إنها من الأشراف.

стр. 3571

وكان الإبراهيمي قوى الحفظ وربما حفظ بعض أشعار الخنقي في الموضوع نفسه قبل سفره إلى المشرق. وقد سمعت الإبراهيمي يشيد بشعر عاشور وقوة عارضته لولا أنه استعمل قلمه كما قال، في موضوع لا طائل تحته. لم يكتب عاشور الشعر فقط، وإنما كتب النثر أيضا رغم أن نثره قليل. وهو الذي يهمنا هنا. ومنذ أحمد بن عمار في آخر العهد العثماني لا نعرف أن أديبا كتب بأسلوب قوي كأسلوبه، سوى عاشور الخنقي. ورغم سلسلة الأسماء الدينية والأدبية التي عرفتها الجزائر بين ١٨٣٠ - ١٨٨٠، فإننا لا نعرف اسما كتب صاحبه بنفس القوة البلاغية التي تميز بها عاشور. وسواء في ذلك الذين درسوا في الجزائر أو خارجها. وقد كنا عرفنا أن عاشور ولد في خنقة سيدي ناجي، وتربى في بيئة عربية، ولكنه كان يتيما وفقيرا معدما. وظهرت موهبته في الحفظ مبكرة فحفظ القرآن في خمسة أعوام ونصف. وكان شيوخه في ذلك ثلاثة من الأشراف حسب قوله. وهو كما قال أيضا، من قبيلة البوازيد الهلالية الشريفة. وكانت الخنقة نفسها مدرسة نافقة في العلم قبل الاحتلال، ولكن العلم صوح فيها، حسب تعبير الخنقي، أثناء حداثته، فنصحه أحد شيوخه بطلبه في زاوية نفطة التي أنشأها مصطفى بن عزيز. وقد جمعت بين عاشور وهذه الزاوية الطريقة الرحمانية الخلوتية أيضا. لا نريد أن نكرر ما كتبناه عن عاشور الخنقي في فصل آخر، وإنما نقصر القول الآن على أسلوبه الثري. لقد تعلم على شيوخ زاوية نفطة الجزائريين والتونسيين. وتعهد لشيخه، مصطفى بن عزوز، بأن لا يقبل وظيفا رسميا. ولما رجع إلى الخنقة بعد وفاة شيخه بعام واحد (١٢٨٦) (١) لم يجد فيها ما يتعلق به رغم أنه كان (يتعهد معاهد العلوم الرسمية ويزور مزارات العلوم الفقهية) فتأسف على اندراس العلوم في الخنقة. وأدركته الفاقة

стр. 3572

والإذاية أيضا فأنشد قول الشاعر: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العوائر ولم تحدثه نفسه فيما يبدو، بالرجوع إلى تونس أو الهجرة إلى المشرق، كما فعل غيره، وإنما شد رحاله إلى قسنطينة حاضرة الأقليم الشرقي. منشدا مع الشاعر: إذا كان أصلي من تراب فكلها ... بلادي وكل العالمين أقارب وعندما حل عاشور بقسنطينة كانت فيها جماعة من الأعيان وعلى رأسهم المكي بن باديس. وكان هؤلاء الأعيان متوظفين عند الدولة الفرنسية في مختلف الوظائف الدينية والقضائية والتعليمية والإدارية. وكان الشيخ محمد الشاذلي. هو مدير المدرسة الكتانية، وهو بوزيدي الأصل، مثل عاشور. ولكننا لا ندري العلاقة الشخصية بينهما. وفي ١٨٦٧ فتح الفرنسيون فرعا للمدرسة السلطانية في قسنطينة، وكانت مزدوجة التعليم وتحت إدارة أوبلان، وكان شيربونو على رأس الحلقة العربية والدراسة الاستشراقية وهو أحد عيون فرنسا على فئة المثقفين بالعربية. وما دام عاشور قد مهد بعدم التوظف فإنه ظل يلقي دروسا حرة في الزوايا والمساجد المعزولة. وكان فيما يبدو متمردا ومندفعا ودخيلا على مجتمع المدينة. وذلك لا يروق الفرنسيين ولا فئة الحضر. ومن ثمة نفهم شكواه من أنهم (حسدوه) على علمه وأغروا به السلطات الفرنسية وربما هي التي حرضت عليه وتوجس منه رجالها. ورغم إقبال الناس عليه وتزاحمهم على دروسه في البداية، كما قال، فإنه سرعان ما واجه معارضة شديدة من أشباه العلماء الذين سعوا به إلى الفرنسيين حتى أخرجوه من جميع المساجد، وهددوه حتى بالقتل!. فتوقف عن الدروس وبقي كاسف البال فقير الحال، عدة سنوات (١). كان عاشور في قسنطينة أثناء ثورة ١٨٧١، وقد اجتمع بالشيخ الحداد

стр. 3573

في سجن قسنطينة وحضر وفاته. وكان من أنصار دعوته وطريقته الرحمانية. وعاش في قسنطينة طويلا (حوالى ربع قرن). عرف أثناءها بداية عهد العرائض والمطالب، وحلول عبد القادر المجاوي بقسنطينة معلمار حرا ثم موظفا رسميا في المدرسة الكتانية. وظهور علماء آخرين أمثال حمدان الونيسي، وحميدة بن باديس، وصالح بن مهنة. وقد وجدناه يتعرض بالنقد الشديد للمجاوي وابن مهنة، دون الآخرين، الأول كمدرس منافس له والثانية كمنتقد لعصاة الأشراف (١). ولا نعرف أن عاشور ساهم في جريدة المنتخب التي ظهرت سنة ١٨٨٢ في قسنطينة، ولا في جريدة المبشر الرسمية التي كان يكتب فيها بعض أدباء قسنطينة أمثال مصطفى بن السادات. ويبدو أن عهد الكتابة عنده قد بدأ في الثمانينات فقط. ويظهر أسلوبه النثري في مقدمات ديوانه منار الإشراف، وفي نقده لحالة العلم واللغة والأدب التي عليها الأدباء، وفي رسالته عن البوازيد. وجاء في ديباجة منار الإشراف أنه سلك فيه (سبيل الجزالة والسهولة والعذوبة والانسجام، أولا تطريبا لأعلام العلماء الأعلام، وثانيا، تقريبا لإفهام الطلبة والعوام. وثالثا تدريبا على سلوك الحكمة الحقة التامة: البلاغة مارضيته الخاصة وفهمته العامة. ورابعا عملا بوارد الحديث ... خاطبوا الناس بما يفهمون). وقد انتقد عاشور أسلوب أهل العصر الجديد لما فيه من التكلف، حسب تعبيره. (فليت شعري أين أهل العصر الجديد، من أرباب المعلقات السبع الصناديد، وفرسان الفصاحة والبلاغة أهل الأسجاع والأناشيد؟) (٢) ونحن نفهم من ذلك أن عاشور كان يميل إلى أسلوب التراث ولا يرضى بأسلوب المتأدبين الجدد. ولعله يقصد أولئك الذين يكتبون بالطريقة التي شاعت في صحف المشرق. أما أساليب الجزائريين فقد ظلت محافظة وضعيفة من جهة أو متأثرة بالتعابير الاستشراقية من جهة أخرى. فنقده للأسلوب الجديد وتفضيله الأساليب البلاغية القديمة يذكرنا أيضا بنقد

стр. 3574

الإبراهيمي لأساليب معاصريه وميله هو (الإبراهيمي) إلى طريقة القدماء اليت كانت مخزونة في حافظته، كما سنرى. استعمل عاشور السجع في كتابته، ولكن قوة تمكنه من اللغة والأدب جعلته غير متكلف في سجعه خلافا لضعاف المواهب الذين سرعان ما تنكشف ضحالتهم ويتعرى نقصهم من الجملة الأولى. أن تراكيب عاشور اللغوية متماسكة وجزلة رغم المسحة القديمة التي عليها. ونثره مليء بالحكمة والإشارات الأدبية، وهو يستمد قوته من المحفوظات والقوالب التراثية، ولكن شخصيته ظاهرة فيه، فهو ليس مجرد مقلد أو ناقل، بل حاضر الفكر قريب المعاني من الواقع. يقول عن الذين تناسخوا شعره أثناء اعتقاله حتى أفسدوه عن قصد أو دون قصد: أنه هرب به إلى المطبعة خوفا. عليه (من كتابة عوج الأيدي وهوج الأضع) فالألفاظ هنا قديمة ولكن استعمالها لتبرير الهروب إلى حروف المطبعة بدل النسخ اليدوي استعمال جديد. وفي منار الإشراف أيضا رسالة لعاشور في شجرة الشرف صاغها بالسجع. وقد ضمنها ما عثر عليه من الوثائق والكتب المتعلقة بالأنساب. وأورد لذلك الأحاديث والآيات والنقول. وقال: (هذه رسالتنا النثرية السجعية المسماة مقدمة الشجرات الشرفية، فينبغي لكل من له شجرة في الشرف الفاطمي الخاص أو في الشرف الهاشمي العام، أن يجعلها مقدمة شجرة نسبه بعد الثبوت التام، حتى تكون لها تحفة من أحسن التحف، وطرفة من أكمل الطرف، في بيان فضل الشرف وما خصه به الله من اللطف، وهي هذه، عائذة بالله خير معاذه). وتعتبر الرسالة من أجمل الكتابات النثرية في ذلك الوقت رغم تحليتها بالسجع. وهي طوية وتقع من صفحة ١٣٠ إلى صفحة ١٥٦ من منار الإشراف. وتاريخ كتابها هو سنة ١٩٠٩. ولعاشور رسالة أخرى في البوازيد لا نعرف أنها قد نشرت. تحدث فيها عن أشراف البوازيد وفروعهم ومكانتهم في التاريخ. وأشار إلى بعض قصائده. وهاجم فيها ابن مهنة، كعادته. وتميزت بطابع الحزن والأسى لأنه

стр. 3575

فيما يبدو ألفها أثناء سجنه وابتلائه بسبب مواقفه التي اشتكى منها بعض الناس للسلطات الفرنسية. وقد يكون وجهها إلى أحد تلاميذه ومعارفه إذ حمله فيها السلام إلى (مولانا ابن علي الشريف) وطلب من سائله أن لا ينساه من دعائه (في خلواتك وجلواتك بالسراح الجميل من هذا الثقاف (السجن) المضروب علي بموجب الذب على حرم الأشراف، وبقضاء الحاجات، إن ربك قريب مجيب الدعوات). ويبدو أن الرسالة طويلة، ولكن ما بقي منها واطلعنا عليه لا يتجاوز اثنى عشر ورقة (٢٣ صفحة) (١). وفي الوقت الذي كان فيه عاشور يعاني الحرمان المادي والإرهاق النفسي، بسبب قلمه وطول لسانه، كان الإبراهيمي قد هاجر إلى الحجاز ملتحقا بوالده الذي سبقه إلى هناك. كان الإبراهيمي قد تكون في زاوية ابن علي الشريف من جهة وعلى يد عمه من جهة أخرى. ثم اتصل في مصر أثناء سفره ببعض الشيوخ مدة ثلاثة أشهر. ومنها توجه إلى المدينة حيث وجد التدريس تقليديا إلا عند شيخ أو اثنين، ومنهم أحد مشائخ تونس، اسمه محمد الوزير، ثم أحد علماء الهند. وبعد ثورة الشريف حسين (١٩١٦) أجبره الأتراك مع عرب آخرين على التوجه إلى سورية مع عائلته. وقد قال إنه كان ضد هذه الثورة التي اعتبرها (مشؤومة)، واستجاب لدعوة العثمانيين بنقل سكان المدينة إلى دمشق بعد أن تعذر نقل الغذاء إليهم لظروف الحرب. ولكن الإبراهيمي لم يكن مواليا للعثمانيين أيضا. فمن جهة رفض وظيفة عرضها عليه جمال باشا، والي دمشق العثماني، ومع ذلك فإن هذا الوالي لم يضطهده كما اضطهد مثقفي وزعماء الحركة القومية في سورية. ومن جهة
следующие страницы →