← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

وكان الإبراهيمي قوى الحفظ وربما حفظ بعض أشعار الخنقي في الموضوع نفسه قبل سفره إلى المشرق. وقد سمعت الإبراهيمي يشيد بشعر عاشور وقوة عارضته لولا أنه استعمل قلمه كما قال، في موضوع لا طائل تحته. لم يكتب عاشور الشعر فقط، وإنما كتب النثر أيضا رغم أن نثره قليل. وهو الذي يهمنا هنا. ومنذ أحمد بن عمار في آخر العهد العثماني لا نعرف أن أديبا كتب بأسلوب قوي كأسلوبه، سوى عاشور الخنقي. ورغم سلسلة الأسماء الدينية والأدبية التي عرفتها الجزائر بين ١٨٣٠ - ١٨٨٠، فإننا لا نعرف اسما كتب صاحبه بنفس القوة البلاغية التي تميز بها عاشور. وسواء في ذلك الذين درسوا في الجزائر أو خارجها. وقد كنا عرفنا أن عاشور ولد في خنقة سيدي ناجي، وتربى في بيئة عربية، ولكنه كان يتيما وفقيرا معدما. وظهرت موهبته في الحفظ مبكرة فحفظ القرآن في خمسة أعوام ونصف. وكان شيوخه في ذلك ثلاثة من الأشراف حسب قوله. وهو كما قال أيضا، من قبيلة البوازيد الهلالية الشريفة. وكانت الخنقة نفسها مدرسة نافقة في العلم قبل الاحتلال، ولكن العلم صوح فيها، حسب تعبير الخنقي، أثناء حداثته، فنصحه أحد شيوخه بطلبه في زاوية نفطة التي أنشأها مصطفى بن عزيز. وقد جمعت بين عاشور وهذه الزاوية الطريقة الرحمانية الخلوتية أيضا. لا نريد أن نكرر ما كتبناه عن عاشور الخنقي في فصل آخر، وإنما نقصر القول الآن على أسلوبه الثري. لقد تعلم على شيوخ زاوية نفطة الجزائريين والتونسيين. وتعهد لشيخه، مصطفى بن عزوز، بأن لا يقبل وظيفا رسميا. ولما رجع إلى الخنقة بعد وفاة شيخه بعام واحد (١٢٨٦) (١) لم يجد فيها ما يتعلق به رغم أنه كان (يتعهد معاهد العلوم الرسمية ويزور مزارات العلوم الفقهية) فتأسف على اندراس العلوم في الخنقة. وأدركته الفاقة

стр. 3572

والإذاية أيضا فأنشد قول الشاعر: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العوائر ولم تحدثه نفسه فيما يبدو، بالرجوع إلى تونس أو الهجرة إلى المشرق، كما فعل غيره، وإنما شد رحاله إلى قسنطينة حاضرة الأقليم الشرقي. منشدا مع الشاعر: إذا كان أصلي من تراب فكلها ... بلادي وكل العالمين أقارب وعندما حل عاشور بقسنطينة كانت فيها جماعة من الأعيان وعلى رأسهم المكي بن باديس. وكان هؤلاء الأعيان متوظفين عند الدولة الفرنسية في مختلف الوظائف الدينية والقضائية والتعليمية والإدارية. وكان الشيخ محمد الشاذلي. هو مدير المدرسة الكتانية، وهو بوزيدي الأصل، مثل عاشور. ولكننا لا ندري العلاقة الشخصية بينهما. وفي ١٨٦٧ فتح الفرنسيون فرعا للمدرسة السلطانية في قسنطينة، وكانت مزدوجة التعليم وتحت إدارة أوبلان، وكان شيربونو على رأس الحلقة العربية والدراسة الاستشراقية وهو أحد عيون فرنسا على فئة المثقفين بالعربية. وما دام عاشور قد مهد بعدم التوظف فإنه ظل يلقي دروسا حرة في الزوايا والمساجد المعزولة. وكان فيما يبدو متمردا ومندفعا ودخيلا على مجتمع المدينة. وذلك لا يروق الفرنسيين ولا فئة الحضر. ومن ثمة نفهم شكواه من أنهم (حسدوه) على علمه وأغروا به السلطات الفرنسية وربما هي التي حرضت عليه وتوجس منه رجالها. ورغم إقبال الناس عليه وتزاحمهم على دروسه في البداية، كما قال، فإنه سرعان ما واجه معارضة شديدة من أشباه العلماء الذين سعوا به إلى الفرنسيين حتى أخرجوه من جميع المساجد، وهددوه حتى بالقتل!. فتوقف عن الدروس وبقي كاسف البال فقير الحال، عدة سنوات (١). كان عاشور في قسنطينة أثناء ثورة ١٨٧١، وقد اجتمع بالشيخ الحداد

стр. 3573

في سجن قسنطينة وحضر وفاته. وكان من أنصار دعوته وطريقته الرحمانية. وعاش في قسنطينة طويلا (حوالى ربع قرن). عرف أثناءها بداية عهد العرائض والمطالب، وحلول عبد القادر المجاوي بقسنطينة معلمار حرا ثم موظفا رسميا في المدرسة الكتانية. وظهور علماء آخرين أمثال حمدان الونيسي، وحميدة بن باديس، وصالح بن مهنة. وقد وجدناه يتعرض بالنقد الشديد للمجاوي وابن مهنة، دون الآخرين، الأول كمدرس منافس له والثانية كمنتقد لعصاة الأشراف (١). ولا نعرف أن عاشور ساهم في جريدة المنتخب التي ظهرت سنة ١٨٨٢ في قسنطينة، ولا في جريدة المبشر الرسمية التي كان يكتب فيها بعض أدباء قسنطينة أمثال مصطفى بن السادات. ويبدو أن عهد الكتابة عنده قد بدأ في الثمانينات فقط. ويظهر أسلوبه النثري في مقدمات ديوانه منار الإشراف، وفي نقده لحالة العلم واللغة والأدب التي عليها الأدباء، وفي رسالته عن البوازيد. وجاء في ديباجة منار الإشراف أنه سلك فيه (سبيل الجزالة والسهولة والعذوبة والانسجام، أولا تطريبا لأعلام العلماء الأعلام، وثانيا، تقريبا لإفهام الطلبة والعوام. وثالثا تدريبا على سلوك الحكمة الحقة التامة: البلاغة مارضيته الخاصة وفهمته العامة. ورابعا عملا بوارد الحديث ... خاطبوا الناس بما يفهمون). وقد انتقد عاشور أسلوب أهل العصر الجديد لما فيه من التكلف، حسب تعبيره. (فليت شعري أين أهل العصر الجديد، من أرباب المعلقات السبع الصناديد، وفرسان الفصاحة والبلاغة أهل الأسجاع والأناشيد؟) (٢) ونحن نفهم من ذلك أن عاشور كان يميل إلى أسلوب التراث ولا يرضى بأسلوب المتأدبين الجدد. ولعله يقصد أولئك الذين يكتبون بالطريقة التي شاعت في صحف المشرق. أما أساليب الجزائريين فقد ظلت محافظة وضعيفة من جهة أو متأثرة بالتعابير الاستشراقية من جهة أخرى. فنقده للأسلوب الجديد وتفضيله الأساليب البلاغية القديمة يذكرنا أيضا بنقد

стр. 3574

الإبراهيمي لأساليب معاصريه وميله هو (الإبراهيمي) إلى طريقة القدماء اليت كانت مخزونة في حافظته، كما سنرى. استعمل عاشور السجع في كتابته، ولكن قوة تمكنه من اللغة والأدب جعلته غير متكلف في سجعه خلافا لضعاف المواهب الذين سرعان ما تنكشف ضحالتهم ويتعرى نقصهم من الجملة الأولى. أن تراكيب عاشور اللغوية متماسكة وجزلة رغم المسحة القديمة التي عليها. ونثره مليء بالحكمة والإشارات الأدبية، وهو يستمد قوته من المحفوظات والقوالب التراثية، ولكن شخصيته ظاهرة فيه، فهو ليس مجرد مقلد أو ناقل، بل حاضر الفكر قريب المعاني من الواقع. يقول عن الذين تناسخوا شعره أثناء اعتقاله حتى أفسدوه عن قصد أو دون قصد: أنه هرب به إلى المطبعة خوفا. عليه (من كتابة عوج الأيدي وهوج الأضع) فالألفاظ هنا قديمة ولكن استعمالها لتبرير الهروب إلى حروف المطبعة بدل النسخ اليدوي استعمال جديد. وفي منار الإشراف أيضا رسالة لعاشور في شجرة الشرف صاغها بالسجع. وقد ضمنها ما عثر عليه من الوثائق والكتب المتعلقة بالأنساب. وأورد لذلك الأحاديث والآيات والنقول. وقال: (هذه رسالتنا النثرية السجعية المسماة مقدمة الشجرات الشرفية، فينبغي لكل من له شجرة في الشرف الفاطمي الخاص أو في الشرف الهاشمي العام، أن يجعلها مقدمة شجرة نسبه بعد الثبوت التام، حتى تكون لها تحفة من أحسن التحف، وطرفة من أكمل الطرف، في بيان فضل الشرف وما خصه به الله من اللطف، وهي هذه، عائذة بالله خير معاذه). وتعتبر الرسالة من أجمل الكتابات النثرية في ذلك الوقت رغم تحليتها بالسجع. وهي طوية وتقع من صفحة ١٣٠ إلى صفحة ١٥٦ من منار الإشراف. وتاريخ كتابها هو سنة ١٩٠٩. ولعاشور رسالة أخرى في البوازيد لا نعرف أنها قد نشرت. تحدث فيها عن أشراف البوازيد وفروعهم ومكانتهم في التاريخ. وأشار إلى بعض قصائده. وهاجم فيها ابن مهنة، كعادته. وتميزت بطابع الحزن والأسى لأنه

стр. 3575

فيما يبدو ألفها أثناء سجنه وابتلائه بسبب مواقفه التي اشتكى منها بعض الناس للسلطات الفرنسية. وقد يكون وجهها إلى أحد تلاميذه ومعارفه إذ حمله فيها السلام إلى (مولانا ابن علي الشريف) وطلب من سائله أن لا ينساه من دعائه (في خلواتك وجلواتك بالسراح الجميل من هذا الثقاف (السجن) المضروب علي بموجب الذب على حرم الأشراف، وبقضاء الحاجات، إن ربك قريب مجيب الدعوات). ويبدو أن الرسالة طويلة، ولكن ما بقي منها واطلعنا عليه لا يتجاوز اثنى عشر ورقة (٢٣ صفحة) (١). وفي الوقت الذي كان فيه عاشور يعاني الحرمان المادي والإرهاق النفسي، بسبب قلمه وطول لسانه، كان الإبراهيمي قد هاجر إلى الحجاز ملتحقا بوالده الذي سبقه إلى هناك. كان الإبراهيمي قد تكون في زاوية ابن علي الشريف من جهة وعلى يد عمه من جهة أخرى. ثم اتصل في مصر أثناء سفره ببعض الشيوخ مدة ثلاثة أشهر. ومنها توجه إلى المدينة حيث وجد التدريس تقليديا إلا عند شيخ أو اثنين، ومنهم أحد مشائخ تونس، اسمه محمد الوزير، ثم أحد علماء الهند. وبعد ثورة الشريف حسين (١٩١٦) أجبره الأتراك مع عرب آخرين على التوجه إلى سورية مع عائلته. وقد قال إنه كان ضد هذه الثورة التي اعتبرها (مشؤومة)، واستجاب لدعوة العثمانيين بنقل سكان المدينة إلى دمشق بعد أن تعذر نقل الغذاء إليهم لظروف الحرب. ولكن الإبراهيمي لم يكن مواليا للعثمانيين أيضا. فمن جهة رفض وظيفة عرضها عليه جمال باشا، والي دمشق العثماني، ومع ذلك فإن هذا الوالي لم يضطهده كما اضطهد مثقفي وزعماء الحركة القومية في سورية. ومن جهة

стр. 3576

أخرى كان الإبراهيمي يعرف الأمير فيصل بن الشريف حسين الذي دخل دمشق على رأس الجيش العربي بمساعدة الإنكليز. وقد عرض عليه فيصل بعض الوظائف الرسمية فاعتذر أيضا. واكتفى بالتدريس في الجامع الأموي وفي بعض المدارس الرسمية. وبعد دخول سورية تحت طائلة الانتداب الفرنسي وطرد فيصل من سورية، اختار الإبراهيمي الرجوع إلى الجزائر. ولم يذكر هو سبب رجوعه: هل كان لأسباب سياسية أو عائلية أو مادية؟ ففرنسا كانت في الجزائر وها هي الآن في سورية. وقد انتهى الحكم العثماني والحكم العربي في سورية. وقد أحس بعض الجزائريين بالحرج من الانتداب الفرنسي وهو في سورية، فقد كان منهم الأعداء الألداء لفرنسا وهم أحفاد المهاجرين الأوائل، غير أن بعضهم رأى الاستفادة من الوجود الفرنسي بعد أن أعلن الفرنسيون أنهم كانوا يحمون (رعاياهم) الجزائريين. ومن جهة أخرى نعلم أن الإبراهيمي كان على صلة بالشيخ ابن باديس منذ لقائهما في المدينة المنورة سنة ١٩١٣، وكان لهما مخطط سري يقتضي العمل المشترك لإنشاء حركة إصلاحية - تعليمية في الجزائر. ومهما كان دافعه في الرجوع إلى وطنه سنة ١٩٢٠، فإن الإبراهيمي لم يجد طريقا مفروشة بالزهور. وقد ظل سنوات وهو يعاني الحرمان كما عاناه الشيخ عاشور. فلا وظيفة ولا تجارة ولا تدريس. يقول الشيخ الإبراهيمي عن نفسه إنه تظاهر لفرنسا بالتجارة منعا للشك فيه. ولكن السلطات الفرنسية كانت ربما لا تخفى عليها خافية. وأية تجارة؟ إنها عملية بسيطة تتمثل في شراء بعض الأشياء كالبرانيس والشحوم ثم بيعها للناس بالتقسيط. ولكن أمثال الإبراهيمي لم يخلقوا للتجارة، فمن أين كان يعيش؟ لقد قيل إن أسرة ابن علي الشريف قد اتصلت به وحاولت منحه وظيفة مدرس في زاويتها ليعيش منها. وقيل إنهم قد عرضوا عليه وظيفة مفتي في بجاية، وهو وظيف لا تمنحه إلا إدارة الشؤون الأهلية وتوقيع الحاكم العام. ولكن شيئا من ذلك لم يتم. إنها مجرد محاولات وربما جس نبض أمام ضغط الحاجة المادية.

стр. 3577

أما الثابت فهو أن الإبراهيمي قد وجد صديقه ابن باديس قد هيأ الجو النفسي في الشعب بنشر التعليم منذ ١٩١٤ وتخريج التلاميذ. ولكننا لا نعرف أن الإبراهيمي قد أسس مدرسة خلال العشرينات ولا واظب على محاضرات ودروس في مسجد معين. وأول لقاء معروف بينه وبين ابن باديس كان سنة ١٩٢٤ (١). وهو الاجتماع الذي كان في سطيف والذي وقع فيه نقاش حول تأسيس رابطة أو جمعية علمية، سماها الإبراهيمي جمعية الإخاء العلمي، وهي تسمية تذكرنا بجمعية الإخاء العربي التي كانت في المشرق تدعو إلى القومية العربية، وكان فيصل من أعضائها (وربما كان الإبراهيمي أيضا؟). حدث ذلك اللقاء بين ابن باديس والإبراهيمي، ولكنه لم يسفر عن اتفاق لأن الفكرة لم تنضج بعد. وكان الجو السياسي أيضا غير مهيء، لأن السلطات الفرنسية قد نفت الأمير خالد سنة ١٩٢٣، وأخذت تتهيأ للاحتفال بالاحتلال من مركز القوة دون اعتبار لمشاعر الجزائريين. وعلى إثر ذلك الاحتفال ولدت جمعية العلماء المسلمين، وانتخب الإبراهيمي نائبا لرئيسها. وهو أول منصب بارز يتولاه منذ رجع إلى الجزائر. ثم ترقى الإبراهيمي في المسؤوليات فتولى الدعوة الإصلاحية في غرب البلاد، ومركزه تلمسان، منذ ١٩٣٢، ولعب دورا أساسيا في المؤتمر الإسلامي سنة ١٩٣٦، ثم في إنشاء دار الحديث بتلمسان والاحتفال بها سنة ١٩٣٧، وقد اعتقلته السلطات الفرنسية ونفته إلى آفلو (في وضع شبيه بنفي عاشور أيضا مع اختلاف الأسباب طبعا) سنة ١٩٤٠. ولكن الحلفاء أطلقوا سراحه أوائل سنة ١٩٤٣، وكان الإبراهيمي قد انتخب غيابيا رئيسا لجمعية العلماء خلفا لابن باديس الذي توفي في أبريل ١٩٤٠. وبعد حوادث ٨ مايو ١٩٤٥ اعتقل الإبراهيمي وسجن في سجن الكدية بقسنطينة ولم يطلق سراحه إلا بعد العفو العام سنة

стр. 3578

١٩٤٦. ومنذئذ تولى تسيير الجمعية وتحرير البصائر وقيادة الحركة العلمية بما فيها المدارس ومعهد ابن باديس. وفي فاتح ١٩٥٢ توجه الإبراهيمي إلى المشرق للدعوة إلى فتح معاهد الشرق في وجه تلاميذ الجمعية وجلب المساعدات المادية لها. وقد اندلعت ثورة نوفمبر وهو في المشرق فظل يدعو لدعم الثورة في العالم العربي والإسلامي إلى الاستقلال الوطني. وقد رجع إلى الجزائر سنة ١٩٦٣ (١). لا يعنينا هنا نشاط الإبراهيمي في ميدان السياسة والإصلاح والصحافة، ولكن يعنينا دوره في اللغة والأدب. فقد كان أديبا فذا قلما أنجبت الجزائر مثله في العقود الأخيرة. وإذا اعتبرنا بالجو الثقافي الذي كان سائدا أثناء ميلاده وطفولته اعتبرناه (وحيد زمانه) كما يقول القدماء. وتمتع الإبراهيمي بحافظة نادرة، وحب للأدب العربي القديم. فنهل من حياضه ما شاءت نفسه وطموحه. حفظ دواوين الشعراء ومتون اللغة وخزائن الأدب والشواهد. ولذلك بهر المعاصرين في المشرق والمغرب بحفظه واستحضاره ذخائر التراث. وقد ظهر ذلك على لسانه وقلمه. لم يؤلف الكتب لأن وقته كان مكرسا، كما قال، لتكوين الرجال، وهم التلاميذ في الأدب والخطباء في النوادي، والأنصار في المجتمع. وحين أجبر على الإقامة في آفلو قضى وقته في نظم الأراجيز ووضع الأسجاع وتأليف القصص الغريبة مثل رسالة الضب، وكاهنة الأوراس، والأدباء الثلاثة. ولما رجعت البصائر سنة ١٩٤٧ تولى تحريرها وكتب فيها المقالات الطوال في شؤون الحياة والدين والسياسة، ولكن بعضها كان نماذج من الأدب الطلي الذي تكلف فيه الإبراهيمي وخرج

стр. 3579

به عن مألوف المقالة العادية. وقد اختار هو ما رآه خالدا من تلك المقالات لما فيها من قيم بلاغية وأخلاقية وأدبية ونشرها تحت عنوان (عيون البصائر) (١)، وهي عيون لا من حيث موضوعاتها الهامة فقط ولكن من حيث أسلوبها النادر الجميل. ومن مساهماته في هذا الميدان مقالاته القصيرة التي نشرها تحت عنوان (سجع الكهان). وهي قطع من الأدب الصرف رجع فيه إلى أساليب العرب القديمة في صوغ السجع على لسان الكهان، واستعاد فيه صفاء اللغة وإشراق الأسلوب مع معالجة موضوعات حديثة. وكان كثير من التلاميذ في المدارس والمعلمين وهواة الأدب الراقي يحفظون تلك الأسجاع عن ظهر قلب ويتهادون بها ويقلدونها، لطرافتها وجمالها وارتباطها بالحياة المعاصرة، مثل القطعة التي تناول فيها الحالة في اليمن عندئذ. والغالب أن الإبراهيمي كان لجأ إلى هذا الأسلوب عندما يريد الابتعاد عن الطريقة المباشرة فيستعمل الرموز ويدير الكلام بالتوية على لسان كاهن من أهل الحي، أو هو كاهن الحي نفسه، كما كان يطلق عليه. وهناك مقالات عادية ولكنها تميزت بأسلوب أدبي دافق. ونشير هنا إلى مقالاته عن الشباب الجزائري كما تمثله له الخواطر. ومقالته عن إضراب طلبة جامع الزيتونة، ومقالته في عبد الحي الكتاني، وغيرها. ومنذ سافر إلى المشرق سنة ١٩٥٢ زار عدة بلدان عربية وإسلامية. وكان لا يكاد يجد وقتا لتحرير المقالات التي تشنف القراء في الجزائر وغيرها، إما لابتعاده عن أوضاع البلاد وإما لكثرة أشغاله وتنقلاته وزواره، وإما لتقدم السن به ومعاناته من بعض الأمراض. ولكنه لم ينقطع عن البصائر

стр. 3580

إذ كان يرسل إليها بين الحين والحين مقالات نموذجية سماها (من نفحات الشرق) ومنها مقالة بعث بها من باكستان. وكانت كتاباته التي جادت بها قريحته بعد توقف البصائر (١٩٥٦) تدل على مواصلة قلمه مسيرته الأدبية الطويلة. وقد ظهرت هذه الكتابات أخيرا. في كتاب جديد (١). وهو يضم نماذج من أدبه القوي الذي ساهم به في معركة التحرير وخاطب به الأدباء العرب في المشرق. مثل مقالته عن حرية الأديب وحمايتها، ومن وحي العيد، وعن شعر شوقي. لقد استحق الإبراهيمي التقدير الكبير على أدبه من المعاصرين. فانتخب لمجمع اللغة العربية في القاهرة وفي دمشق. ونوهت به النوادي في تونس والجزائر والعراق وغيرها. وبقدر ما كان أدب عاشور الخنقي حجة على استمرار ومقاومة اللغة العربية وأسلوبها الراقي، رغم اعتبارها أجنبية في بلادها، بقدر ما كان أدب الإبراهيمي حجة أخرى على نبوغ الجزائري في التراث ودفاعه عن الأصالة. وخلافا لعاشور كان الإبراهيمي واسع الجمهور كثير الأنصار والمعجبين، وكان بعيد التأثير في الجزائر والمشرق. ورغم مكانة الإبراهيمي الأدبية في المغرب والمشرق فإن المستشرقيين الفرنسيين وتلاميذهم من الجزائريين لم يعترفوا بأدبه ولم ينوهوا به في كتاباتهم. فالمستشرق هنري بيريز كتب سنة ١٩٥٧ بحثا عن (الثقافة العربية الكلاسيكية في الجزائر) اكتفى فيه بذكر الأمير عبد القادر، رغم أن ثقافة الأمير لا ترجع في الحقيقة إلى العهد الفرنسي، وتجاهل دور ابن باديس والإبراهيمي وغيرهما من أدباء وشعراء (٢). ومن وجهة أخرى كتب

стр. 3581

سعد الدين بن شنب مقالة في مجلة (الأديب) اللبنانية، وأعاد نشرها في مجلة (هنا الجزائر) تناول فيها حالة الأدب العربي تحت عنوان (اللغة العربية والأدب العربي في الجزائر) فلم يدرج الأدباء الجزائريين الذين رفعوا رأس اللغة والأدب العربي واكتفى بذكر نماذج من النوع الذي ترضى عنه السلطات الفرنسية (١). ولكن ابن شنب كتب عن الشاعر محمد العيد وترجم بعض شعره (٢). أما الإبراهيمي وأمثاله فلم يذكرهم، ربما خوفا من سخط الإدارة. الرسائل أدب الرسائل فرع هام من الأدب العربي، برع فيه البعض دون البعض وتفنن فيه آخرون وقصر دونه فريق آخر. والرسائل على أنواع، منها ما هو بين الإخوان والعائلات، وما هو بين العلماء والمثقفين، ومنه ما هو ديواني وإداري. ولكل طابع يميزه. وقد عرف الجزائريون هذه الأنواع من الرسائل. ومن الصعب علينا الإحاطة بها جمعا وتصنيفها، لأن معظمها قد ضاع، وما يزال منها نصيب في المحفوظات الخاصة والعامة. والرسائل التي تعنينا الآن هي التي تدور حول موضوع معين، سياسي أو إداري أو اجتماعي، وفيها يتفنن كاتبوها بعض التفنن في الأسلوب والتعقل في اللغة والتصوير، وهي التي تدور عادة بين الفئات الخاصة وليس العامة. أما ما يدور بين عامة الناس من رسائل بسيطة، الهدف منها قضاء الحاجات وتبليغ السلام والسؤال عن الأحوال، فذلك لا يعنينا هنا. وهو كثير بدون شك.

стр. 3582

ولنبدأ بالرسائل الديوانية، وهي تلك الصادرة عن الإدارة أو باسمها وكذلك الموجهة إليها بنفس الأسلوب والطريقة. وقد كان للإدارة الفرنسية كتاب جزائريون ومترجمون فرنسيون يتولون ذلك، فيكتبون الرسائل إلى أعيان البلاد، ويتلقون رسائلهم ويترجمونها. كان ذلك في الفترة الأولى من الاحتلال، واستمر التعامل به على مستوى المكاتب العربية العسكرية. ولكن هذه الرسائل من الجانبين ليس فيها عناية بالأدب، ولم يكن في المكاتب ولا المترجمين من يتقن اللغة والأساليب إلى درجة الرقي بها إلى مستوى رفيع. ولك أن تقرأ الرسالة التي بعثت بها الإدارة الفرنسية إلى المفتي الحنفي تهدده إذا لم يتراجع عن موقفه إزاء زميله المفتي المالكي (١). وكانت إدارة الأمير عبد القادر قد وفرت الشروط لمراسلات ديوانية رفيعة المستوى. فقد جند الأمير مجموعة من الكتاب المتأدبين، بعضهم معروف بالاسم، مثل قدور بن رويلة ومحمد المخروبي وأحمد البدوي، ومصطفى بن التهامي، وبعضهم غير معروف لنا الآن. وقد قلده خلفاؤه في ذلك، فكان لمحمد بن علال كتابه، ولمحمد البوحميدي كتابه، إلخ. كما أن الخلفاء أنفسهم، والأمير بالطبع، كانوا متعلمين من صنف المثقفين والمرابطين غالبا. ولنذكر منهم الحسين بن عزوز، ومحمد البركاني، وأحمد الطيب بن سالم. وإذا عدنا إلى الرسائل الصادرة عن إدارة الأمير العامة أو إدارة خلفائه، نجدها متقيدة بقواعد اللغة محافظة على الأساليب العربية في الحكمة والمثل والاستشهاد بالشواهد والإيجاز. وهذه الخصائص نجدها في الرسائل الصادرة عن إدارة الأمير سواء كانت موجهة إلى الفرنسيين، أو إلى الجزائريين أو إلى غيرهم من الساسة والعلماء، مثل الرسائل التي وجهها الأمير إلى حكام فرنسا وحكام بريطانيا وأمريكا وإسبانيا، وكذلك حكام المغرب والدولة العثمانية. ومن شاء فليراجع مراسلة الأمير إلى السلطان عبد المجيد (٢).

стр. 3583

وفي هذا النطاق تدخل رسائل محمد بن علال إلى المارشال فاليه، حاكم الجزائر (١). وكذلك بعض الرسائل التي نشرها أوغست كور التي كانت بحوزة شارل فيرو، وهي من بعض القادة الجزائريين إلى السلطات الفرنسية (٢). وبهذا الصدد نذكر أيضا رسائل الحاج أحمد، باي قسنطينة إلى بعض الحكام الفرنسيين من جهة وإلى السلطان محمود الثاني من جهة أخرى. ومنها الرسالة التي وجهها الحاج أحمد، أو كتبت على لسانه، قبيل وفاته، إلى الجنرال دوهوتبول سنة ١٨٥٠. وقد اطلعنا عليها فوجدناها مليئة بالأخطاء. وقد هنأه بولاية حكم الجزائر وتمنى له النجاح في مهمته وتوفير الأمن والعافية للبلاد في عهده، واعدا إياه بالزيارة (وهذا هو المراد) (٣). ومن السجون والمنافي وجه زعماء جزائريون رسائل كثيرة الى السلطات الفرنسية، وقد اتخذ معظمها طابع الشكوى ووصف الحالة السيئة التي كانوا عليها وطلب العفو أو إطلاق السراح. وكثير من هذه الرسائل ما يزال مكدسا في الأرشيف الفرنسي، لم يصنف لأنه بالعربية. وقد اطلعنا على بعضها فوجدنا لغتها ضعيفة، إلا في بعض العبارات أو الاستشهادات. ومن ذلك رسائل الحسين بن عزوز، ورسائل أولاد الصادق بلحاج لطلب السراج من السجن (٤). وهناك الرسائل التي دارت بين مثقفين جزائريين وقادة وأدباء فرنسيين.

стр. 3584

ونبدأ بالإشارة إلى مراسلات الأمير عبد القادر الكثيرة مع نابليون الثالث وغيره. ومن ذلك الرسالة التي بعث بها الأمير إلى المارشال كاستلان سنة ١٢٧٧ شاكرا له بعبارات ضافية مع التمنيات والثناء لنابليون بعبارات شرقية فخمة (وقد كتبت الرسالة على لسانه) (١). والمعروف أن الأمير راسل عدة قادة فرنسيين مجاملة أو طلبا للتدخل لصالح بعض أقاربه وأصدقائه في الوظيف وغيره. كما تدخل لصالح بعض الزعماء المسلمين مثل شامل الداغستاني؛ ونحن نعرف أنه كتب أيضا إليهم بمناسبة دخول ابنه محي الدين للجزائر سنة ١٨٧٠. أما غير الأمير من القادة فقد تراسلوا أيضا مع المترجمين والأدباء والقادة الفرنسيين في أغراض مختلفة، بعضها للمجاملات، مثل رسائل محمد الشاذلي مع بواسونيه، وبعضها لطلب التدخل للتعيين في وظيف مثل رسالة محمد الصالح العنتري إلى شارل فيرو. وهناك رسائل من القاضي شعيب بن علي إلى القاضي الفرنسي زيس. وقد درسنا مراسلات محمد الشاذلي في كتابنا عنه، كما نشرنا رسالة العنتري إلى فيرو في غير هذا. ومن الصعب إحصاء هذا النوع من الرسائل، وقد نشر بلقاسم بن سديرة مجموعة من الرسائل التي دارت بين بعض أعيان الجزائر والمسؤولين الفرنسيين (٢). ولكن الطابع الأدبي يكاد يكون منعدما في أغلبها. وقد عثرنا على مجموعة من المراسلات التي جرت بين عدد من علماء الدين والسلطات الفرنسية. وهي رسائل من المفروض فيها التفنن والتنميق الأدبي، لأنها صادرة عن مثقفين وموظفين بارزين. ولكن خاب ظننا، إذ وجدناها قد اتخذت طابع الأسلوب الإداري المحض: عبارات قصيرة مكتفية بالمرغوب والمطلوب، تطرح المشكلة مثل وفاة موظف أو سفره، وتقترح تعيين خليفة عنه من ثلاثة أشخاص. وهي عادة رسائل تبدأ بالتحية وعبارات

стр. 3585

المجاملة، وتنتهي كذلك مع التوقيع والتاريخ. فهذا النوع من الرسائل رغم أنه صادر عن فئة العلماء ورجال الدين كان ديوانيا - إداريا جافا، لأن المخاطب، وهو الإدارة الفرنسية، لا يروق له الأسلوب الأدبي (الشرقي)، وربما تكون الإدارة قد أوصت بطريقة الكتابة مقدما، لأن كل رسالة كانت لا تقدم إليها إلا بعد ترجمة مرفقة يقوم بها أحد المترجمين المختصين (١). ولم نطلع على رسائل لعلماء الجزائر بالعربية إلى السلطات الفرنسية في هذا القرن، لأن الجزائريين أصبحوا لا يقدمون عملا من هذا الصنف إلا مترجما إلى الفرنسية. ولا ندري الآن هل كانت خطابات جمعية العلماء وزعيمها ابن باديس، ترفع مباشرة إلى السلطات الفرنسية أو بعد ترجمتها إلى الفرنسية. أما البيانات والتصريحات والاحتجاجات الصادرة عن جمعية العلماء فقد كانت بالعربية الجيدة. وسنقسم باقي الرسائل إلى رسائل اجتماعية وإخوانية، وهي تلك التي تبادلها بعض المتعلمين. وهناك نوع آخر من الرسائل تبادله جزائريون مع علماء وأدباء المغرب والمشرق. ورسائل النوع الأول تكون عادة خالية من التفنن والعبارات الأدبية وإنما هي تجري مجرى الخواطر والأشواق بين أفراد العائلة والسؤال عن الأحوال في عبارات بسيطة وموجزة. ومن ذلك الرسائل التي بعث بها الشيخ محمد وعلي السحنوني من المدينة المنورة إلى ابن عمه محمد السعيد بالجزائر. ورغم أنها رسائل اجتماعية فإننا نستفيد منها أخبار الحجاج الجزائريين وسياسة فرنسا نحوهم، وأخبار الحجاز والطرق الصوفية. أما الأخبار الاجتماعية فمنها حالة الفقر التي كان محمد وعلي يعاني منها، وطلبه إرسال النقود إليه، وكذلك إرسال زوجة لعدم ارتياحه لنساء الحجاز (وقد أرسلت إليه امرأة من الجزائر وتزوج

стр. 3586

بها)، وحالة التجارة بين مصر والحجاز ونحو ذلك (١). ويرجع تاريخ الرسائل إلى سنوات ١٨٧٨ - ١٨٩١. وهذه ليست رسائل أدبية بالطبع، وليست من النثر الفني في شيء. ومن رسائل العلماء ما بعث به القاضي شعيب بن علي إلى محمد بن عبد الرحمن الديسي سنة ١٣١٧ هد. فمن تلمسان بعث يشكره على قيامه بشرح عقيدة التوحيد التي كتبها القاضي شعيب، ويعتذر له عن كونه لا يملك نسخة من شرح خطبة بهرام. ومن القاضي شعيب أيضا صدرت رسالة إلى عبد الحليم بن سماية واصفة إياه (بمن له بالرواية غاية العناية، وهو في الدراية آية). ويرجع تاريخها إلى سنة ١٣٢٧ هـ. وأرسل القاضي المذكور رسالة أخرى إلى قدور بن سليمان، وهو من المتصوفين. وقد صدرت عنه مجموعة من الرسائل حفل ببعضها كناش ما يزال مخطوطا، ويعتقد أن الكناش كان بحوزته إلى أن انتقل إلى الشيخ عبد الحي الكتاني (٢). كما تلقى القاضي شعيب رسائل عديدة من بعض المعاصرين الجزائريين، منهم محمد ولد بن عودة بن سليمان. ومحمد بن عبد الرحمن الديسي، وعلي بن الحاج موسى قيم ضح الشيخ الثعالبي، وعبد القادر بن قارا مصطفى، مفتي مستغانم. أما رسائل القاضي شعيب إلى علماء المشرق والمغرب فنذكر منها رسالته إلى المكي بن عزوز. ورغم أن فيها تكلفا واضحا، فهي تعبر عن

стр. 3587

النوازع الأدبية بين الرجلين، وربما كان القاضي شعيب يطلب الإجازة منه. وبدايتها: (المولى الذي يعتقد قلبي محبته، وتود عيني رؤيته، تاج رؤوس الأقران، وبديع العصر والأوان، العلامة الدراكة سيدي محمد المكي بن عزوز). وكان هذا قد أرسل أيضا رسالة إلى القاضي شكيب. ووصلت رسالة أخرى إلى هذا القاضي من أحد أدباء تونس اسمه محمد الشافعي بن محمد النفطي الذي قيل عنه إنه كان كثير الترحال وذلك سنة ١٣٣٠ هـ. ومع الرسالة قصيدة مدح تعبر عن الرغبة في زيارته (١). ولا نعرف أن القاضي شعيب قد تراسل مع علماء مشارقة، أمثال الأفغاني ومحمد عبده، فقد كان معاصرا لهما واكتسب بعض الشهرة على إثر مشاركته في مؤتمر المستشرقين بالسويد سنة ١٨٩٢. وقد ذكره محمد أمين فكري باشا في كتابه (إرشاد الألبا) (٢). ونعتقد أن هناك مراسلات للقاضي شعيب مع غير هؤلاء أيضا مثل مراسلته مع قاضي وجدة، ومع بعض علماء المغرب المعاصرين، ومنهم عبد الحي الكتاني وأحمد سكيرج (٣). ولو جمعت مراسلات الأمير عبد القادر مع غير الجزائريين من الأعيان والأداء لجاءت ربما في مجلد. فالرجل كان علما من أعلام العصر، وكان قاصدا ومقصودا في حياته. كتب مجيبا على أسئلة، وكتب مستفسرا. وكتب شاكرا ومادحا، ومعزيا ومهنئا، ونحو ذلك. وقد دارت بينه وبين الشيخ أبي الهدى الصيادي، والشيخ محمد عبده مراسلات وهو في آخر عمره، وراسل وزراء تونس في شأن المقرانيين وفي شأن ناصر بن شهرة وغيرهم. وربما كتب إلى الخديوي إسماعيل باشا عند مروره بمصر متوجها إلى الحجاز، وبعد حضوره افتتاح قناة السويس.

стр. 3588

ومن رسائله ما كاتب به خير الدين باشا التونسي عند ظهور (أقوم المسالك) سنة ١٨٦٧. وبعد إشادته بالكتاب وبجهود صاحبه كتب الأمير هذه العبارات الطريفة (فلله درك ودر ما به ألمعت، وما قربت من فنون المعارف وبعدت، ثم إنك حميت ضمار الشرع المحمدي وعضدته، وقطعت عنه ضرر الملحدين وخضدته، وذلك بما قررتموه من أن الشريعة المطهرة لائقة بكل زمان، صالحة للحكم في كل أوان ... وقد اطلعنا على (أقوم المسالك) فرأينا فيه ما بهر العقول، وأدى الأفكار إلى الذهول، من قضايا المعقول والمنقول، فاتفقت القلوب على تفضيله، واختلفت الألسنة في تمثيله. أما نحن فقد تركنا التشبيه، وقلنا ما له في فنه مثيل ولا شبيه ... كتاب تنفس الدهر به تنفس الروض في الأسحار ... كتاب يزرى بتاج تراجم الأعيان، وكأنه مرآة انعكست فيه رسوم أخبار الملوك وأفاضل الزمان، فاتخذته مرتع ناظري، ومنتعش خاطري ... ولا يخفى أنه لا بد لكل عصر من رجال يقومون بأعبائه، ويهيمون في أودية أنبيائه) وهناك مراسلات ومهاداة أخرى بين الرجلين يضيق المقام عن ذكرها (١). ومن أشهر رسائل الأمير ما كتب به إلى نابليون (الثالث) على إثر إطلاق سراحه من سجن أمبواز، وهي الرسالة التي قيل إن الأمير قد تعهد فيها بعدم حمل السلاح في وجه فرنسا. وتهمنا نحن هنا صيغتها الأدبية وليس السياسية. فقد صاغها الأمير عن عاطفة أكيدة متأثرا بالحرية التي تعهد له بها ممثل فرنسا في الجزائر، ولكنه خان العهد. فكان الأمير مغتبطا بالحرية، شاكرا لنابليون صنيعه معه، ذاكرا أن الحرب بدأها بإرادة الله وأوقفها أيضا

стр. 3589

بإرادة الله. ومن ثمة لم يغلق الباب في وجه الحرب، كما فهم البعض، ما دام ذلك متوقفا على إرادة الله التي لا يتحكم هو فيها، وإنما قال إنه توقف عنها لأن الله أمره بذلك عندئذ. وذكر أن الدين الإسلامي والشرف العائلي يأمرانه بالوفاء بوعده وعدم الغدر. وإليك بعض العبارات الأدبية منها. قال الأمير متحدثا عن نفسه ومخاطبا نابليون: (جاء إلى حضرتكم العلية بالله يستكثر بخيركم، ويتمتع بالنظر إليكم، فإنكم والله أحب إليه من كل محبوب، وفعلتم معه الفعل الذي هو فوق قدره وما يستأهله، ولكن فعلكم على قدر همتكم وعلو مقامكم وكمال شرفكم، ولستم، أعزكم الله، ممن يمدح بالباطل، أو يخدع بالكذب، وأنكم أمنتم فيه وما صدقتم من شك في أمانته وسرحتموه، وفعلتم من غير وعد، وغيركم وعد وما فعل. وهو (يعني نفسه) أعطاكم عهد الله وميثاقه وعهود جميع الأنبياء والمرسلين أنه لا يخالف أمانتكم فيه، ولا يخرج عن عهدكم، ولا ينسى فضلكم، ولا يرجع إلى قطر الجزائر أبدا، لأنه حين أوقفه الله تعالى وقف وضرب البارود على قدر ما قدر، وحين أراد الله جلوسه جلس ورضى بقضاء الله، وسلمت في الملك وجئتكم، وديني وشرفي يأمرانني بالوفاء بالعهد وعدم الغدر. وأنا شريف لا نرضى أن ينسبني الناس إلى الغدر، وكيف يكون ذلك وقد رأيت من إحسانكم وفضلكم ما نعجز عن شكره، (إن) الإحسان إلى الأحرار سلسلة في رقابهم تقودهم إلى محبة المحسن، وقد شاهدت من فخامة ملككم وقوة عساكركم وكثرة أموالكم ورجالكم وعدالة أحكامكم ونصيحة عمالكم واستقامة أموركم كلها ما نقطع ولا نشك فيه أنه لا يغلبكم ولا يردكم عن مرادكم إلا الله تعالى ...) (١). ولنذكر من النثر الفني خلال القرن الماضي الرسالة التي بعث بها

стр. 3590

الطيب بن المختار إلى الأمير عبد القادر، وهي في وصف ما آل إليه حال العلم في الجزائر وحالة الجهل التي أصابت أهلها والترميز إلى الوضع السياسي المتردي (وإسناد الأحكام إلى غير أهل الرياسة). وديباجتها هي قوله مخاطبا الأمير: (سيدي الذي أستند في جميع أموري بعد الله إليه، ومولاي الذي أعتمد بعد الاعتماد على الله عليه، رب المحاسن التي صورها على منصة التنويه تجلى، والأحاديث التي لا تمل على كثرة ما تملى). وقد حلى الرسالة بشعر له وآخر لغيره، كما هي عادة الأدباء في أغلب الأحيان. ثم شكا الطيب بن المختار من الأوضاع المشار إليها فقال إنها (مجالسة الجهال فجرا والحال أنه ذهب من العمر أكره ... فمن استعاذ من شيء فليستعذ مما نحن فيه، كيف وقد أسند الشيء لغير أصله، ووسد الأمر لغير أهله، ... وقد تصدى من هذا الجنس أقوام لإلحاق الفرع وهيهات، بأصله، ووضع الشيء وليت شعري، في غير محله، فعدموا التوفيق، لتعاطيهم الرواية وما رووا، ودعواهم الدراية وما دروا، فرأوا إقامة الجمعة في غير الجامع، وراموا القياس بقطع النظر عن الأمر الجامع، فكان الأخذ عنهم ضلالا) (١). ولم نطلع على نماذج من المراسلات التي قيل إن الشيخ محمد بن يوسف أطفيش تبادلها مع بعض المعاصرين مثل الشيخ محمد عبده. ونظن، بعد معرفتنا لأسلوب الشيخ أطفيش في بعض تأليفه، أن رسائله ستكون مختصرة وغير مسجعة، مع العناية باللغة والنحو، ولكن العناية أكثر بالموضوع (٢). ولو رجعنا إلى ما دار بين علماء الجزائر وعلماء العصر من مراسلات لملأنا صفحات. إن أمثال المجاوي وأطفيش وابن باديس والعقبى والإبراهيمي والزواوي والمدني والزاهري وأبي اليقظان قد تراسلوا مع علماء

стр. 3591

الجزائر ومع علماء المشرق والمغرب في شؤون الأدب والإصلاح والسياسة والدين. مع الثعالبي، وشكيب أرسلان، ومحب الدين الخطيب، وسليمان الباروني وغيرهم من زعماء الحركات الإسلامية والأدبية. وكنا قد نشرنا بعض مراسلات ابن باديس مع الشيخ الطاهر العبيدي أحد علماء سوف، وقد كان العبيدي يقيم ويدرس في تقرت (١). ولابن باديس مراسلات مع أصدقائه وزملائه وتلاميذه وهم كثيرون. وكذلك كان العلماء الذين ذكرنا بعض أسمائهم، وقد تكون في مراسلات الأدباء أمثال حمزة بوكوشة ومحمد العيد ومفدي زكرياء والأمين العمودي ومحمد الهادي السنوسي ورمضان حمود وسليمان بن يحيى (الفرقد) والربيع بوشامة والحفناوي هالي وغيرهم، أخبار أدبية وأساليب بلاغية ونكت حكمية. إن مدرستهم هي التي أحيت الأدب العربي الذي يسميه المستشرقون الفرنسيون الأدب الكلاسيكي تبعيدا له عن ساحة الجزائر (الفرنسية). وأثبتت السير الذاتية لمجموعة من علماء الجزائر أن التراسل كان مستمرا بينهم وبين علماء المشرق. وحين اتصل شكيب أرسلان بكتاب (تاريخ الجزائر) لمبارك الميلي كتب إلى صديقه الشيخ الطيب العقبي يعبر عن إعجابه وأضاف له (كما إني معجب بكتابة ابن باديس. فالميلي وباديس والعقبى والزاهري حملة عرش الأدب الجزائري الأربعة) (٢). لقد كانت بين أبي اليقظان وسليمان الباروني مراسلات مستمرة وكذلك غيره من علماء ميزاب مثل إبراهيم امتياز والأخوين العنق (٣). وكانت بين

стр. 3592

محمد بن شنب ومحمد كرد علي مراسلات متوالية خلال العشرينات. وقد نشرنا بعضها في غير هذا. وهي نماذج من الأدب ولكنها كانت رسائل مختصرة وتكاد تكون إدارية. التقاريظ ارتبطت التقاريظ في أغلب الأحيان بتأليف الكتب. فكان المؤلف يخط كتابه فإذا تلقاه أستاذه أو زميله وأعجب به عبر عن ذلك الإعجاب بقطعة شعرية ونثر مسجوع أو اكتفى بأحدهما. وشاع ذلك قبل وجود الطباعة وبعد ظهورها. ومن أوائل الكتب المطبوعة التي وجدنا عليها تقريظا كتاب هدية الإخوان للعنتري، وإرشاد المتعلمين للمجاوي. وكان الكتاب الأخير قد طبع في مصر، وعليه تقريظ من أحد أدباء الشام المقيمين في مصر. وربما حظيت بعض مؤلفات الأمير عبد القادر المخطوطة بتقريظ لم نعثر عليه. ونذكر هنا أن بعض المستشرقين والمتصلين بالماسونية قد أشادوا بكتابه (ذكرى العاقل وتنبيه الغافل). ولعل علماء المشرق قد نوهوا بكتبه الأخرى مثل (المواقف). أما في الجزائر فإن من أوائل الكتب التي نشرت بتقاريظ هو كتاب (روضة الأخبار ونزهة الأفكار) الذي طبع سنة ١٩٠١، وهو من تأليف أبي بكر بن أحمد بن أبي طالب، أحد أقارب الأمير عبد القادر. وكان أبو بكر صهرا لعبد القادر المجاوي، المدرس المعروف. وكان من القضاة، مثل عدد آخر من عائلته، وكان والده أحمد المجاهد قد درس في دمشق، وتولى منذ ١٨٦٤ القضاء في سطيف ووهران، وتوفي سنة ١٨٩٠. أما أبو بكر فقد تولى القضاء في أماكن عديدة بما في ذلك العاصمة. وقد قرظ كتابه عدد من

стр. 3593

العلماء المعاصرين منهم صهره المجاوي. ومن التقاريظ الأخرى لكتاب روضة الأخبار ما كتبه محمود بن الحاج كحول (ابن دالي) الذي كان عندئذ مدرس العربية بمدرسة سيدي الجليس (فرنسية - عربة) بقسنطينة، وهو أيضا من تلاميذ الشيخ المجاوي. وقد كتب كحول قطعة نثرية مسجعة وقصيرة وضمنها أبياتا شعرية. وكل من تقريظ المجاوي وكحول عليه مسحة أدبية ويدخل فيما نحن فيه من أساليب الكتابة عندنا. وهناك تقاريظ أخرى عليه وهي من النثر القصير، كتبها محيي الدين بن الحاج قدور الشريف، قاضي محكمة مستغانم، وهو من عائلة الشريف الزهار الشهيرة في العاصمة، وكانت فيها نقابة الأشراف. وأيضا تقريظ الأخضر بن الطيب، قاضي محكمة أولاد زيان، ولا نعرف عنه الآن إلا هذا، وربما كان زميلا للمؤلف. وهناك قريبان آخران للمؤلف، كما تدل أسماؤهما، وهما محيي الدين بن أحمد ين أبي طالب قاضي محكمة الحروش (قسنطينة) ومحمد الأمين بن عبد الله بن أبي طالب، قاضي معسكر. فكلاهما كتب تقريظا من النثر القصير (١). وفي هذه الأثناء (١٨٩٧) ألف المزاري بن عودة كتابا بعنوان (طلوع سعد السعود) في التاريخ. وقد تضمن الكتاب تقريظين في شكل إجازة من كاتبين يبدو من اسميهما أنهما مصريان، أحدهما عبد العالي شبكة وثانيهما عبد الرحمن بن سليمان المصري، ولكن عبارات التقريظ ركيكة وفيها مدح سخيف لصاحب الكتاب. ولا ندري ما العلاقة بين المزاري وهذين الكاتبين ولا بين الكاتبين وموضوع الكتاب (٢). وعندما حقق محمد بن مصطفى خوجة كتاب (الجواهر الحسان في تفسير القرآن) للشيخ عبد الرحمن الثعالبي، مقابلا له على عدة نسخ، كتب له

стр. 3594

كل من محمد السعيد بن زكري وعبد الحليم بن سماية تقريظا ينوه بالتفسير والتحقيق. وكان ابن زكري مفتيا ومدرسا بالقسم العالي في المدرسة الثعالبية. أما ابن سماية فكان مدرسا بالجامع الجديد وبالمدرسة الثعالبية أيضا. وكتابة المقرظين تعبر عن فن الكتابة المخضرمة عندئذ، فهي كتابة تجمع بين ازدواجية الثقافة التي ترمز إليها المدرسة الثعالبية وبين التأثر بالتطور الذي حصل في فن الكتابة بالمشرق. وقد نوه ابن زكري في عبارات تقليدية بالقرآن والمفسرين ومنهم الثعالبي، (رحالة زمانه لرواية الحديث ... إمام المتقين، وأستاذ المحققين، منهل المعارف واللطائف ... ملجأ كل خائف). كما نوه بالمحقق محمد بن مصطفى خوجة المعروف بالكمال (١). وأسلوب ابن سماية في التقريظ أدبي وكثير التصنع والتنميق، وهو أيضا أسلوب تقليدي من محفوظات التراث. وجاء فيه (الحمد لله الذي منح أحبابه من كنز مواهبه بالجواهر الحسان، وألبسهم من مطارف المعارف ما يخرس وصفه شقائق اللسان، وعقد لهم على بساط المكارم منبرا، وتضوعت أنفاسهم الزكية بين الورى مسكا وعنبرا ...) وكذلك نوه ابن سماية بالعلم والتفسير وبالشيخ الثعالبي وبمجهود ابن الخوجة على تصحيحه للكتاب ومقابلته على سبع نسخ مع مراجعة بعض الأصول (٢). وفي سنة ١٩١١ ظهر كتاب (القواعد الكلامية) لعبد القادر المجاوي. وهو في علم الكلام ألفه قبل وفاته بقليل، وربما كان حصيلة دروسه التي كان يلقيها على طلبته في المدرسة الكتانية بقسنطينة وطلبة القسم العالي من مدرسة الجزائر (الثعالبية). وقد قرظه تلميذه محمود كحول تقريظا قصيرا ولكن في عبارات أدبية وافية، وهي أيضا عبارات تقليدية في صيغتها يمكن أن تلصق بأي كتاب فلا ينفر منها ولا تظهر غريبة فيه. وبعد أن نوه الشيخ كحول بالمجاوي قال عن الكتاب (تابعت النظر في أبوابه السنية وفصوله

стр. 3595

البهية، ووجدته سلك في هذا الفن الطريقة المثلى التي تقرب شوارده للأذهان، وتزيل ما على غوامضه من الحجب والأستار، وتدني فوائده لكل عاكف عليه). ثم ذكر أن الكتاب قد ظهر في وقت اشتدت فيه الحاجة إله، فهو سهل العبارة وأسلوبه مما يفهمه الصغار والكبار. (مع بساطة في البيان وجزالة التبيان) (١). وهكذا يكون هذا التقريظ قد صيغ في شكل الإعلان عن الكتاب. وعندما ألف أحمد الأكحل كتابه (سائق السعادة في الحسنى وزيادة) (٢) قرظه عدد من الأدباء، وحظي كتاب (تعريف الخلف برجال السلف) لأبي القاسم بن الشيخ بتقريظ محمد بن عبد الرحمن الديسي. وكان المؤلف أيضا من بلدة الديس، وربما قد زاولا الدراسة معا، ولكن الأيام فرقت بينهما فرحل أبو القاسم إلى العاصمة حيث استقر محررا في جريدة المبشر ومدرسا بالجامع الكبير، ومكث ابن عبد الرحمن - وكان ضريرا - مدرسا في زاوية الهامل ناحية بو سعادة. وكلاهما كان من رجال العلم والأدب غير أن علم وأدب أبي القاسم كان في فائدة الإدارة الفرنسية والاستشراق، بينما علم وأدب ابن عبد الرحمن كان لفائدة التلاميذ والعلماء في القطر كله. وحين ظهر الجزء الأول من تعريف الخلف (١٩٠٦) أهدى المؤلف نسخة منه إلى ابن عبد الرحمن فبادر هذا إلى كتابة تقريظ سخي نشره المؤلف في الجزء الثاني من نفس الكتاب. وقد اعتبر ابن عبد الرحمن (تعريف الخلف) كتابا تاريخيا يصل الحاضر بالماضي ويعيد ذكرى الأجداد ويحيى النفوس لتحمل علم الوطنية. والتقريظ كالعادة جمع بين النثر والشعر. يقول الشيخ محمد بن عبد الرحمن في تقريظه: (نحمدك اللهم يا من جعل العلم حلية الأبرار، وقنية المهتدين الأخيار ... أما بعد فإن العلم من أفضل الذخائر ... وأن من أظرف فنونه ... فن التاريخ الجليل، المعظم في

стр. 3596

كل أمة وقبيل، الذي لولاه ما عرفت سير الملوك والعظماء، ولا حفظت تراجم العلماء والحكماء. وأن من أبدع مصنفاته وأحسنها، وأجل مؤلفاته وأتقنها، السفر المسمى (بتعريف الخلف برجال السلف) ... كتاب جليل الموضوع، أحيا به مجد علماء القطر ... وقد قلنا أبياتا في مدح المؤلف وتأليفه: حبذا عقدا جمان ودرر ... صاغه الحبر الجليل المعتبر وكفانا شاهدا إبرازه ... تحفة في العصر تسبى من نظر ضمنها تعريفه بالعلما ... من رجالي ذكرهم ويجلى الكدر جملوا (الغرب) وأعلوا قدره ... وهم للغرب نعم المفتخر (١) وقد قرظ الشيخ ابن عبد الرحمن أيضا منظومة (ستر العورة) للشيخ الطاهر العبيدي سنة ١٣٣٧ هـ (١٩١٨ م). ولم نطلع على هذا التقريظ، غير أننا اطلعنا على تقريظ عبد الحميد بن باديس للمنظومة نفسها. فيقول ابن باديس: (وبعد فإني بعد أن سمعت هذه المنظومة من مؤلفها العالم العلامة الشيخ سيدي الطاهر بن العبيدي قلت هذه الأبيات خدمة للعلم وإشادة بفضل هذا الرجل العظيم، ومنظومته المزرية بالدر النظيم، على حسب ما سمح به الخاطر الكليل القاصر: ذى درر حسنة التنضيد ... سالمة من وصمة التعقيد جامعة للقصد والمزيد ... تدنى الجنى لكل مستفيد من نظم زين العلما العبيدي ... جازاه رب الناس من مفيد بالعلم والعمل والتأييد (٢)

стр. 3597

ومن الواضح أن التقريظ كان للمخطوطة كما سمعها أو تلقاها ابن باديس من ناظمها. أما طبعها فقد تم في مرحلة متأخرة. وكانت بين الشيخ أبي يعلى الزواوي وبعض شيوخ العصر من جزائريين وغيرهم معارف وصلات. وحين وضع مشروع كتابه عن تاريخ الزواوة أشاد به الشيخ طاهر الجزائري، وهو في مصر. ثم التقى الرجلان أثناء الحرب العالمية الأولى في مصر ووضعا تصورا لما يجب أن يقوما به في سبيل المشروع المذكور. وقد اعتز أبو يعلى بشهادة كل من الشيخ طاهر ومحمد السعيد بن زكري على عمله. ولكنه أهدى كتابه إلى أحمد بن علي الشريف واعتبره من عظماء زواوة وأشرافها (هاشميا فاطميا زواويا) قائلا في عبارات فخمة: (مولاي! كان لتاريخ الزواوة شأن عظيم وأنتم من الأعاظم، وكان لهم نسب كريم وأنتم من الاكارم). ويقول أبو يعلى إن التقريظ الذي يطلبه المؤلفون غير طبيعي وغير جيد، أما التقريظ الذي يصدر نتيجة قناعة من المقرظ فهو عمل حسن ودلالة على صدق التقريظ. واعتز بشهادة الشيخ طاهر لمشروعه (أي قبل أن يصبح كتابا) حين قال له (أحى منك نزعة إصلاحية ونهضة زواوية، وقد أثبت لي كتابك (خطابك) هذا ما بلغني عنك من غير واحد. ومن الذين قرظوا الكتاب (وقد صدر سنة ١٩٢٤) الشيخ السعيد اليجري في نص قصير (١)، جاء فيه: (وما أهديتموه إلينا من جواهر آدابكم استودعناه الحافظة واستنارت به البصيرة، فيجدر بنا أن نجعل رسائلك البليغة الولائم، لأنها تفوق لدينا الأعياد والمواسم). ومنذ العشرينات كانت الكتب تظهر مرفقة ببعض التقاريظ التي تجود

стр. 3598

بها أقلام الأصدقاء والمعجبين والأنصار. وأحيانا كانت تكتب المقالات الصحفية في الإشادة بالتأليف بعد ظهوره في الصحف والمجلات. وهكذا ترافقت حركة التأليف مع موجة التقاريظ. ومن التقاريظ ما كان شعرا كما عرفنا، وهو ما لا يهمنا هنا. لقد حظي (شعراء الجزائر) لمحمد الهادي السنوسي بالتقاريظ عند ظهوره سنة ١٩٢٧، وكذلك مؤلفات وبحوث أحمد توفيق المدني ومبارك الميلي وصحف أبي اليقظان وابن باديس، ودروس العقبي وبلاغة الإبراهيمي. ولقد حاول مبارك الميلي أن يعفى كتابه (تاريخ الجزائر) من هذا التقليد وهو طلب التقاريظ من إخوانه، معترفا أن ذلك كان ديدن المؤلفين، ولكنه لم يستغن عن رأي عالم جليل في كتابه، وهو الشيخ عبد الحميد بن باديس. ولا يمكن إيراد رسالة التقريظ بحذافيرها هنا، لأنها طويلة نوعا ما. ولنكتف بالعبارات المقصودة بالتنويه بالكتاب وبأسلوب ابن باديس الذي قلنا إنه يتميز بالعمق والحرارة والسرعة على قدر أعصاب ووقت صاحبه. فقد اعتبره (أول كتاب صور الجزائر في لغة الضاد صورة تامة سوية، بعدما كانت تلك الصورة أشلاء متفرقة هنا وهناك. وقد نفخت في تلك الصورة من روح إيمانك الديني والوطني ما سيبقيها حية على وجه الدهر، تحفظ اسمك تاجا لها في سماء العلا، وتخطه بيمينها في كتاب الخالدين ... إذا كان من أحيا نفسا فكأنما أحيا الناس جميعا، فكيف من أحيا أمة كاملة؟ أحيا ماضيها وحاضرها، وحياتهما عند أبنائها حياة مستقبلها. فليس - والله - كفاءة عملك أن تشكرك الأفراد، ولكن كفاءة أن تشكرك الأجيال ...) (١). وآخر ما نذكره من التقاريظ الآن هو ما كتبه الشيخ أحمد الأكحل في تقريظ كتاب (مجموع النسب) من تأليف الشيخ الهاشمي بن بكار حوالي ١٩٦١. وكان كلا الرجلين من أهل العلم والدين والوظيف الرسمي في

стр. 3599

وقتهما. ونعرف من مصادر أخرى أن أحمد الأكحل كان من الأدباء أيضا، وله شعر رائق. وامتاز تقريظه بالجمع بين النثر والشعر، وغلبة الطابع الديني والتكلف، ولعل تقدم السن والوظيفة (كان عند الكتابة يشتغل بوظيفة صاحب التوقيت في الجامع الكبير بالعاصمة). وهذه بعض العبارات: (بعد مستوجب الحمد مستمطر من سحب جوده غيث الخير الأعم، وبشكر مستحق الشكر نستهل من ينبوع كرمه مزيد المبرات والنعم، وبالصلاة والسلام على أشرف نبي عدنان، روح الوجود وسيد الأكوان ... أما بعد، وفي كل ركب بنو سعد، فإن من منن الله جلت حكمته، وتوالت بالحمد والشكر نعمته، وجود سيد شريف، ذى قدر منيف، ضم تالد الشرف إلى طارفه، ولبس من ثياب المجد أحسن مطارفه، ألا وهو الأستاذ الهاشمي بن بكار، من هو إلى الأعمال الصالحات بكار ...). وبعد مقدمة على هذا المنوال الذي يذكرنا بأسلوب القدماء، أورد قصيدة صوفية في روحها وتقليدية في أسلوبها. يقول فيها: إن ترد ترقي إلى أوج الجمال ... فارق بالروح إلى مأوى الكمال حيث تلقى زمرة قد أدركت ... ما سوى الباري خيال في خيال بالتسابيح نشاوي حول عرش ... المجيد المتجلى ذى الجلال راحة الأرواح زهد وتقي ... راحة الأرواح ذكر وابتهال ونلاحظ أن الأبيات، وقد اختصرناها، لم تذكر من قريب أو بعيد اسم الشيخ الهاشمي بن بكار. وفي آخر النص جاء أن أحمد الأكحل من آل خليفة الشارف صاحب الضريح بعرض صبيح، وأنه كتب التقريظ في العاصمة في فاتح رجب سنة ١٣٨٠ (١٩٦٠) (١).

стр. 3600

ونعتقد أن هناك تقاريظ أخرى لم نقف عليها. ويمكن أن تدخل ضمن التقاريظ أيضا تلك التعاليق التي كتبها المتأدبون على الإنتاج الأدبي، مقالة أو قصيدة أو كتابا، كإشادة الإبراهيمي وشكيب أرسلان والطيب العقبي بشعر محمد العيد في مناسبات عديدة (١). الخطابة نعني هنا الخطابة باللغة العربية ارتجالا أو كتابة. وقد مرت بمراحل سنذكرها. وتنوعت إلى أربعة أنواع على الأقل، وهي الخطب السياسية - الجهادية، والخطب الدينية، والخطب الإصلاحية - الاجتماعية، والخطب التعليمية والتأبينية. ومن الجدير بالذكر أن الخطباء نادرون لأسباب يرجع بعضها إلى طبيعة الجزائري نفسها التي تتميز بالتحفظ والتردد في الكلام عادة، وإلى ظروف السياسة التي قيدت الخطباء وحرية التعبير وأنشأت قوانين القمع والرعب، وأخيرا يرجع إلى ضعف المستوى الثقافي الذي تحدثنا عنه في فصول التعليم ومحاربة اللغة العربية. والمراحل الرئيسية التي مرت بها الخطابة هي عهد الأمير، وعهد الأشراف والمرابطين، ثم عهد المصلحين والساسة. ففي العهد الأول وجدنا الخطابة متصلة بزعماء المقاومة وعلى رأسهم الأمير عبد القادر. فكان خطيب الأمة وخطيب الجهاد وخطيب الصلوات. أول خطبة ألقاها تتمثل في قبول البيعة والحث على الجهاد والطاعة. ثم توالت بعد ذلك الخطب في

стр. 3601

المؤتمرات وجموع القبائل والحشود العسكرية. وقد ذكر المترجمون للأمير مجموعة من تلك الخطب السياسية - الجهادية. وليرجع من شاء إلى هذه المؤلفات: تحفة الزائر، وحياة الأمير عبد القادر لتشرشل. ومن ذلك خطبته بعد البيعة الأولى والبيعة الثانية. وقد قال صاحب (تحفة الزائر) في الخطبة الأولى إنها (مبتكرة طويلة تحتوي على وعظ ووعد ووعيد وأمر ونهي وحث على الجهاد). وقد تحدث عنها أيضا تشرشل (١). ومن الخطب البليغة والمؤثرة في عهد الأمير خطبة عمه علي بن أبي طالب سنة ١٨٣٧. وكان مدار الخطبة هو إقناع المعارضين لمعاهدة التافنة بقبولها لأنها تخدم، في نظر الخطيب، مصالح الدين والوطن. وقد استعمل فيها علي أبو طالب السجع الجميل في أغلبه، ولمح فيها إلى الشواهد المؤثرة في سامعيه. وربما التجأ إليه الأمير لإقناع المعارضين في مجلس الشورى وذلك لمكانة عمه الدينية والأخلاقية. وكان الأمير متزوجا ابنة عمه المذكور. وفي الخطبة وصف لحالة الحرب وحالة البلاد عموما في ذلك التاريخ. وقد تميزت بأسلوب فني كان له مفعوله على جمهور الحاضرين. وكانت معاهدة التافنة قد وقعت في نهاية الأمر بين الأمير والجنرال بوجو، ممثل فرنسا عندئذ في وهران وما احتله الفرنسيون من أقليمها. بدأ علي أبو طالب خطبته - بعد أن حمد الله وصلى على النبي - ص- بقوله: (وقد علمتم أيها السادة أنه لما تكاثرت المظالم، وتواطأ العمال ومن وافقهم على ارتكاب الماثم، انتقم الرب تعالى منهم وعمنا ذلك منهم، قال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾. وهو يشير (بالعمال) إلى الحكام العثمانيين - الأتراك - الذين أشاعوا الظلم والفساد في نظره، وهو سبب الاحتلال (فسلط الله علينا عدو ديننا فتكالب على بلادنا، واستولى على مراسينا، واستبدل مساجدنا فيها بالكنائس، وأخلاها من المدرس

стр. 3602

والدارس). ثم ذكر كيف تبدلت الأحوال واضطرب الناس وغاب عنهم القائد وتحيرت عقولهم (فمرج لذلك أهل قطرنا، وضاقت بهم أرض مغربنا، واستبدلوا القصور المشيدة بخيام الشعر ومضارب الوبر، وتفرقوا أوزاعا في المواطن، وتباينوا في الموارد والمعاطن ... إلى أن طالت القصة، وعز ما ندفع به عن هذه الغصة، ومالت شمس الاتفاق إلى الأفول، وتهيأ جند التناصر والتعاضد للرواح والقفول، فأظهر الله تعالى بلطفه بدر الدين، ومؤيد كلمة المؤمنين، ابن أخي هذا السيد عبد القدر بن محيي الدين، فبذل جهده في الذب عن الدين والوطن، وأتى في ذلك من العجائب والغرائب ما هو به قمن). ثم وصف علي أبو طالب مسيرة المقاومة تحت راية الأمير وما حققته، وتوالت الحروب والإمدادات العسكرية الفرنسية. وكيف (استدعى حضرة الأمير ... ملوك الإسلام في أقاصي البلاد، واستنصرهم للجهاد، فأعاروه أذنا صماء ولم يسمعوا له نداء، بل أجابه لسان الحال لا حياة لمن تنادى، ولا معين على من تمادى). وخلص الخطيب إلى أن الأمير إذا لم يقبل ما عرضه العدو عليه فإنه، وهم جميعا معه، سيكونون ممن يلقون بأيديهم إلى التهلكة. وبذلك يرجع الفساد وتمشى سماسرة الفتنة بين الناس. ولكن (اذا صحت النية، وصحت المقاصد السنية، فلا حرج على حضرة الأمير فيما استشاركم فيه واستلفتكم إليه، إذ هو من سياسة السلف، ومن تبعهم من ملوك الخلف، وهو الذي عليه فتوى الفقهاء وبه عمل العلماء ... وصون دماء المسملين فرض متعين حتى في الجهاد. وقد قيل ... الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شرطه الأمن على النفس والأهل والمال مع ظن الإفادة ... فالنظر أيها السادة إنما هو للإمام لا لغيره ...) وقد أنهى الخطبة بحث أعضاء المجلس على قبول الصلح وتوكيل الأمير في ذلك. وهو ما وقع بالفعل (١).

стр. 3603

وبعد الأمير كادت الخطبة السياسية - الجهادية تنحصر في خطب الأشراف والمرابطين الذين تميز بهم العهد من ١٨٤٨ إلى ١٨٨٢. وكان هؤلاء يظهرون بين الفينة والأخرى فيهزون المجتمع هزاه عنيفا، ولا سيما المجتمع الريفي، فيدعون إلى الجهاد وجمع الكلمة وتوحيد الصفوف والطاعة، وذلك في عبارات قصيرة وحماس وغيرة على الدين والوطن. وهؤلاء الخطباء عادة يحلون كلامهم بالقرآن والحديث لإقناع سامعيهم والتأثير عليهم. ومن هؤلاء الشريف بو بغلة، والشريف بوزيان، والشريف المقراني والشريف محيي الدين (ابن الأمير) والمرابط محمد الحداد وابنه عبد العزيز، والمرابط بو عمامة، والأجواد من عائلة أولاد سيدي الشيخ. ولا توجد حتى الآن خطب مكتوبة أو مدونة لهؤلاء لأنهم كانوا يلقون كلامهم في الجموع ثم يفترقون استعدادا للجهاد. ومنذ فاتح هذا القرن اختلطت بعض الخطب بالدروس المسجدية، وظهرت الخطبة الإصلاحية على يد الشيخ المولود بن الموهوب. وكان نادى صالح باي في قسنطينة مجالا لابن الموهوب لبث هذا النوع من الخطب التي تسمى أحيانا (محاضرات) بلهحة الصحف عندئذ. ومن أشهر ذلك خطبة قبوله وظيفة الفتوى سنة ١٩٠٨ وقد حث فيها على التعلم واغتنام فرصة فتح المدارس الفرنسية. وهي خطبة مكتوبة، وقد عثرنا على نصها ونشرناه (١). وظهر خطباء آخرون في النوادي التي تأسست في العاصمة مقل نادي الرشيدية ونادى التوفيقية ثم نادى الترقي، ونحن نعرف أن الناديين الأولين قد تميزا بـ (المحاضرات) وليس بالخطب، أما نادي الترقي فقد عرف عدة خطباء بالمعنى الذي نقصده هنا، وهو استعمال اللغة العربية الفصيحة والارتجال في الكلام وتناول الموضوعات الإصلاحية. وكان أبرز الخطباء في النادي الأخير (تأسس سنة ١٩٢٧) هو الشيخ الطيب العقبي وابن باديس وأحمد توفيق المدني (٢).

стр. 3604

وهناك مناسبات عديدة ظهر فيها هؤلاء، وبالأخص العقبي وابن باديس، مثل الحفلات السنوية لبعض المدارس والجمعيات، وزيارة بعض الأعيان من العرب، وتأسيس جمعية العلماء واجتماعاتها السنوية، وهكذا. ومن المناسبات التي احتضنها نادي الترقي المؤتمر الإسلامي سنة ١٩٣٦، وقد ألقيت فيه الخطب التحضيرية فقط، لأن نشاط المؤتمر قد وقع في بعض دور الحفلات أو في الملاعب العامة. وقد توسعت الخطبة الإصلاحية في عهد جمعية العلماء لارتباط الجمعية باللغة العربية واستعمالها في التعليم والوعظ والإرشاد والصحافة وتعميمها في كامل القطر. وهكذ ظهر، بالإضافة إلى من ذكرنا، خطباء ووعاظ ومدرسون من أمثال أبي يعلى الزواوي والعربي التبسي، ومبارك الميلي وأحمد سحنون، وعبد القادر الياجوري. وكان الأخير من أبرز خطباء هذه المرحلة وقد جمع بين الخطاب السياسي والإصلاحي، وكان محركا للجماهير وموقظا للنفوس بطريقة مؤثرة (١). إن الخطبة الإصلاحية على يد هؤلاء قد خرجت من موضوع الاستنهاض والسلفية إلى الموضوعات الاجتماعية كالفقر والغنى والتكافل والتضامن والمرأة والتعليم، والموضوعات الوطنية كتاريخ الجزائر والعرب والإسلام والاستعمار واستقلال الشعوب وحريتها. وقد أعدت مدارس جمعية العلماء منهجا تربويا لتكوين الخطباء، فألزمت المعلمين بتعليم الأطفال فن الخطابة من الصغر وتشجيعهم على الإلقاء أمام زملائهم وفي الحفلات العامة وارتجال الكلمات المناسبة. كما أن جمعية العلماء قد أسست النوادي ليتبارى فيها الخطباء في المناسبات المختلفة. وسنرى أن الجمعية قد شجعت أيضا التمثيل كجزء من تشجيع الخطابة بين الشباب. لقد اشتهر ابن باديس بخطبه النافذة والمؤثرة. وكان مخلصا في كلامه

стр. 3605

صادقا في تعابيره، حاضر البديهة، كثير الاستشهاد بالشواهد، ومع ذلك كان محافظا على توازن القول فلا يميل إلى الهجوم ولا يغالي في التقريع. فكان اعتداله من خصائص شخصيته ومن أسرار نجاحه وتأثيره. وربما على النقيض منه الطيب العقبي الذي بدأ الخطابة في مساجد بسكرة ثم في نادي الترقي بالعاصمة حوالي عشر سنوات قبل أن تحل به أزمة ١٩٣٦ الشهيرة والتي أدت إلى اعتقاله وسجنه (وترويضه). وكان العقبي قبل هذه الحادثة مندفعا كالتيار، اعتبره معاصروه من أخطب الخطباء ارتجالا ومن أفصحهم لسانا وأكثرهم تأثيرا على جمهوره. وربما يرجع ذلك إلى مزاجه الحاد وبيئته الصحراوية وتعليمه في الحجاز قبل رجوعه إلى الجزائر. هاجم العقبي الطرق الصوفية الضالعة في ركاب الإدارة الاستعمارية ومن خلالها مس الإدارة نفسها والأجهزة الفاعلة فيها. فلم يغفروا له اجتيازه الخطوط الحمراء. أما خطابة الإبراهيمي فتميزت بالطابع الأدبي والبلاغي واستحضار المحفوظات والشواهد، وكان مؤثرا في الخاصة أكثر من العامة. وهو يجيد النكتة السريعة واللمحة الدالة. وقد ألقى الإبراهيمي الخطب الكثيرة في الجزائر، عند افتتاح مدرسة دار الحديث واجتماعات جمعية العلماء، وفي حفلات الزوار الأعيان، وافتتاح المدارس الحرة. ومن أشهر خطبه تلك التي ألقاها في باريس فاتح سنة ١٩٥٢، وهو في طريقه إلى المشرق، وكانت أثناء الحفل الذي حضرته الوفود العربية. وفي المشرق اشتهر الإبراهيمي بالخطب المرتجلة في جمعية الشباب المسلمين وأثناء زياراته للأزهر ودار العلوم بمصر، وزياراته أيضا للأقطار العربية. وقد غطت البصائر كثيرا. من هذا النشاط قبل أن تتوقف عن الصدور سنة ١٩٥٦ (١).

стр. 3606

بقي أن نتحدث عن الخطب الدينية ثم التعليمية والتأبينية. ونعني بالخطب الدينية خطب المساجد الخاصة بالجمعة والأعياد، وهي عادة يلقيها خطباء مختصون، ويمتازون بالفصاحة والبيان، والقدرة على الإسماع وحفظ القرآن، وكان الإمام العادي لا يقوم بالخطابة وإنما يؤدي الصلوات، أما الخطيب فله دوره وميزاته الأخرى كالتأثير في الناس وطلاقة اللسان، والتمكن من التفسير والحديث. ولذلك كان تجنيد الخطباء ليس بالأمر الهين، لأن عامة الناس هم الذين يحضرون للصلوات اليومية، أما صلاة الجمعة والأعياد فيحضرها الأعيان وقد يحضرها كبار المسؤولين والضيوف. وهكذا يحتاج الأمر إلى شخصيات علمية وسياسية أيضا. أما في العهد الفرنسي فقد ضعفت الخطابة الدينية بالتدرج لضعف مستوى الثقافة وهجرة العلماء الأكفاء وإعطاء الوظيف لمن سأله لا لمن استحقه، بل لمن رضيت عنه السلطات الفرنسية. وكانت الإدارة هي التي تعد الخطب وتصوغها وتقدمها للخطيب فلا يخرج عنها إلا للأدعية والأذكار إذا شاء. وموضوعات الخطب سلبية جامدة، فلا تتحدث إلا عن العبادات وأحوال الآخرة والأموات وعذاب القبر. وقد لاحظ حمدان خوجة منذ البداية أن العلماء قد ذلوا ولم يعد في إمكانهم مصارحة السلطات الفرنسية بما يجري أو بما يعتقدون لكثرة القمع والجوسسة من حولهم. وكانت أية كلمة إضافية خارجة عن نطاق الورقة المكتوبة يحاسب عليها صاحبها، حتى الدعاء للسلطان والخلفاء الراشدين ونصرة الدين قد غير صيغته الفرنسيون منذ بداية الاحتلال، ولم يعد في استطاعة الخطيب في الجمعة مثلا أن يدعو بالنصر للسلطان العثماني ولا باتباع السلف الصالح، بل إن الإدارة الفرنسية جعلت الخطباء ينوهون بأعياد فرنسا والدعاء لحكامها. يضاف إلى ذلك ضعف اللسان وقهر الجنان. ولقد

стр. 3607

شاهدنا خطباء في المساجد الرسمية لا يكادون يهجون حروف الخطبة المكتوبة. فنحن إذن أبعد ما نكون عن البيان والبلاغة والبحث عن نماذج للخطابة الأدبية التي نحن بصددها. هناك أسماء لعلماء اشتهروا مع ذلك بالخطابة في المساجد الرسمية. وقد أشاد بهم معاصروهم، لأن خطبهم لم تصل إلينا. فبالإضافة إلى مصطفى الكبابطي الذي كان يمثل بقية الجيل السابق للاحتلال نذكر حميدة العمالي وعلي بن الحفاف، وكلهم خطباء الجامع الكبير بالعاصمة. وكان أبو القاسم بن الشيخ قد ولى الخطابة في الجامع الكبير أيضا ولكن بعض تلاميذه قالوا إنه كان ينيب غيره في ذلك. ولا شك أن ذلك ليس تواضعا منه، فإما أن يكون خجولا أو خائفا، أما علمه فلا شك فيه، كما أن المنصب المذكور قد تولاه محمود كحول، وكان من الكتاب والصحفيين والشعراء والمدرسين. ولا ندري تأثيره في الخطابة ما دام لا يستطيع الخروج عما رسم له. أما في قسنطينة فقد اشتهر من الخطباء والمفتين المولود بن الموهوب. وقد سبقه في الخطابة بالجامع الكبير محمد الصالح بن مهنة الذي سنتحدث عن خطبه. وكان علي بن عبد الرحمن مفتي وهران مدة طويلة، ولكننا لا نعرف أنه كان متوليا للخطابة فيها أيضا. وكان ابن عبد الرحمن هذا من علماء الوقت. وكان هناك خطباء جمعة وأعياد آخرون قادرين لو أتيحت لهم الفرصة ومنحت لهم الحرية في القول والإنشاء وتناول الموضوعات الحيوية المتعلقة بالمعاملات والحياة الاجتماعية. وقد عرف من الخطباء المرتجلين - وهذا غريب - الشيخ أبو يعلى الزواوي، وهو الذي سن نوعا من الخطب سنتحدث عنه بعد قليل. لقد كان الفرنسيون يعتبرون اللغة العربية قد ماتت ولم يبق لها سوى الاستعمال التعبدي في الصلوات حيث لا يفهمها أحد وحيث يكون مصيرها هو مصير اللاتينية. ولكن ليس كل رجال الدين كانوا موظفين لا يخطبون إلا من أوراق مكتوبة أو كانوا عاجزين عن الخطابة الفنية. نحن سلم أن المساجد منها

стр. 3608

الرسمي الموضوع تحت إدارة الشؤون الأهلية ومنها ما هو مستقل عنها. والنوع الأول هو الذي كان خطباؤه معينين رسميا ولا يخرجون عما ترسمه لهم الإدارة قيد أنملة، وهي التي كانت تدفع إليهم المرتبات الشهرية. أما النوع الثاني من المساجد فقد كان خطباؤه أحرارا مستقلين عن الإدارة ولا تدفع لهم شيئا، وإنما كانوا يعينون من قبل الجماعات أو كانوا متطوعين. وبعض المساجد كانت تابعة للزوايا وكان خطباؤها من المرابطين. والمساجد الأخيرة - المستقلة أو التابعة للزوايا - هي التي كان خطباؤها يعالجون موضوعات غير مملة، موضوعات اجتماعية ودينية تهم العامة والتربية العمومية. ولكن الإدارة الفرنسية كانت تراقب هذا النوع من خطباء المساجد عن طريق المكاتب العربية الرسمية وعن طريق الجواسيس الذين تبثهم في المصلين والمستمعين، وكذلك عن طريق القياد وشيوخ الأعراش وأعوانهم. ولكن الزمام كان يفلت أحيانا من يد الإدارة عند وقوع ثورة من الثورات، مثل ثورة ١٨٧١ وثورة ١٨٨١. فالخطيب حنيئذ يصبح هو نفسه داعية للتمرد وتصبح الكلمات مثورة ومهيجة. وليس لدينا أمثلة كثيرة على ذلك. ومنه ما قام به أبو القاسم البوجليلي أثناء ثورة ١٨٧١، فقد كان يخطب الجمعة ويعلن ولاءه للسلطان عبد العزيز العثماني. والمعروف أن فرنسا عندئذ قد هزمت في أروبا على يد بروسيا وأن حالة الاستنفار قد أعلنت في الجزائر على يد عدد من دعاة الثورة. وكان البوجليلي من الزعماء الرحمانيين ومن كبار المربين في وقته. وقد قيل إن خطبه كانت تدعو على هذا النحو: اللهم انصر خليفتك الإمام الناشر لواء الإسلام، ذا الأمانة والأمان، عبد الحميد (كذا) خان، اللهم انصره نصرا تعز به الدين، وتذل به رقاب الكافرين، اللهم أهلك الكفرة وما ابتدعوا، وشتت شملهم وما جمعوا، ووهن كيدهم وما صنعوا، واجعلهم فيئا للمسلمين، وغنيمة للموحدين، وانصرنا عليهم يا خير الناصرين) (١).

стр. 3609

ولا شك أن هناك خطباء آخرين مستقلين أو مرابطين كانوا يجيدون الخطبة بقطع النظر عن الموضوعات السياسية والثورات. لأن هؤلاء عادة كانوا يتطوعون عندما يحسون في أنفسهم القدرة على هذه المهمة وهي الخطابة الارتجالية ذات الموضوعات الحية واللغة السليمة. كما أن إقبال الناس عليهم كان متوقفا على إجادتهم فن القول والإقناع. والنوع الأخير من الخطب هو ذلك الذي كان يلقى في مناسبات تعليمية أو تأبينية. والمقصود بالتعليمية تلك التي تكون في الاحتفالات بافتتاح المدارس أو بتوزيع الجوائز على التلاميذ. وقد حدث ذلك أثناء الاحتفالات التي كان يحضرها المديرون وبعض الوزراء، وكان بعض الجزائريين يتكلمون فيها ترغيبا في العلم وإشادة بجهود فرنسا. ومن نماذج ذلك ما خطب به حسن بريهمات عندما كان متوليا إدارة المدرسة السلطانية - الرسمية - بالعاصمة، وفي عدة مناسبات أخرى. من ذلك الحفلة التي أقيمت في قسنطينة في يوليو ١٨٦٩ لتوزيع الجوائز على تلاميذ المدرسة السلطانية - في عامها الثاني عندئذ - ومن التلاميذ المجازين: عبد الكريم بن باديس الذي تفوق في الترجمة، وحسن بن محمد العنابي (١) في الأدب، وحميدة بن عمر في الرياضيات. بينما الخطابة الرئيسية تولاها الحاج أحمد المبارك صاحب تاريخ حاضرة قسنطينة، وكان المبارك هو أحد المدرسين بالمدرسة، وكان مفتيا أيضا ومن أعيان المتصوفة. وكانت خطبته مسجعة على هذا النحو: (الحمد لله الذي شرف من هداه بالعلم لحسن العمل، وزينه بالآداب المنيلة لغايات الأمل ...) وقد دعا فيها بطول العمر لنابليون الثالث وسماه في الخطبة

стр. 3610

(مولانا وولي نعمتنا السلطان الأعظم والملك الأفخم ... أن من عظيم النعم الإلهية على هذه الأمة الإسلامية، أن تكلفتها (كذا) ولاية هذا السلطان الكريم، الشفيق الحليم). والغريب أن الشيخ أحمد المبارك الذي كان من أنصار الحاج أحمد باي حتى عندما انهزم واستسلم سنة ١٨٤٨، وهو الموقف الذي تسبب في عزل الشيخ نفسه من وظيفته فترة، قد تحول إلى نصير علني لنابليون الثالث واعتبر احتلال الجزائر (من الألطاف الخفية). فقد قال الشيخ في خطبته التي كان من المفروض أن تقتصر على العلم والجوائز: (ومن الألطاف الخفية استيلاؤه (أي نابليون) على هاته الأرض الجزائرية ... ومن أوامره السعيدة ... إحداث هذا القصر المشيد ... لتعليم أولادنا وتأديبهم، ونفع ذلك عائد عليهم وعلى أهليهم ... وما رغبة مولانا السلطان إلا الاتحاد بين الجنسين ومؤخات (كذا) الفريقين (١)). كما حضر الوزير الفرنسي، كومبس، سنة ١٨٩٦ توزيع الجوائز على بعض المدرسين والمتعلمين في مدرسة الجزائر وألقيت بين يديه كلمات من الأعيان، بعضها باللغة الفرنسية (٢). وقد حدث ذلك أيضا عند افتتاح المدرسة الثعالبية الجديدة، ونحو ذلك، ولكن في معظم هذه المناسبات كانت الخطابة روتينية وفيها عبارات المجاملة، وأحيانا بالفرنسية. فهي لا تدخل فيما نحن فيه تجاوزا. غير أن حفلات افتتاح المدارس وتوزيع الجوائز قد اتخذت طابعا آخر في عهد الحركة الإصلاحية، وكانت مناسبة هامة في حياة اللغة العربية حيث يتفاصح الخطباء مشيدين بالعلم والتربية، داعين للنهضة، طالبين للتبرعات وتوسيع المشاريع الخيرية. أما الخطب التأبينية فنعني بها الكلمات التي تلقى تنويها بجهود بعض الأعيان المتوفين. وكانت هذه الكلمات بالعربية الفصحى وأحيانا كانت
следующие страницы →