← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

إلى الجاه والنفوذ، المال وأكل مال الأوقاف وأموال اليتامى. كما اشتهر معظمهم بالجهل لأحكام الدين وإصدار الأحكام جزافا. وكانت الخطابة هي الوظيفة الثالثة في الأهمية، وكانت مقاييسها صعبة لأن الجمهور يشترك في الحكم على الخطيب بخلاف المفتي والقاضي اللذين يتوليان وظيفة سياسية - دينية. ومن شروط الخطيب الفصاحة وجودة الصوت وسعة الاطلاع والجرأة الأدبية. ومن الطبيعي ألا تكون هذه هي كل الشروط التي وضعها الجاحظ للخطيب، ولكن في الجزائر العثمانية كان يكتفي ببعضها على الأقل. وكان الخطيب يؤدي صلاة الجمعة وصلاة العيدين، وأحيانا يجمع إلى ذلك الصلوات الخمس. فهو بذلك إمام أيضا. غير أن بعضهم كان يقوم بالإمامة في جامع والخطابة في آخر، كما كان سعيد قدورة في أول الأمر. وكان العلماء يتنافسون على وظيفة الإمامة والخطابة كما يتنافسون على الإفتاء والقضاء. وكان بعض الخطباء لجرأتهم وفصاحتهم وصلتهم بالجمهور يثيرون خوف الحكام فيحذرون منهم. وقد يبثون حولهم العيون إذا تكاثر الناس من حولهم. وقد يعزلونهم أو ينقلونهم إتقاء لشرهم، كما وقع لقرباش أفندي، خطيب الجامع الجديد. وهناك خطباء يفخمون الخطبة ويجعلون لها شأنا عظيما وسمعة كبيرة، مثل مصطفى بن عبد الله البوني. وهناك العييون والخجلون الذين يهينون الخطبة وينفرون الناس من سماعها. ونفهم من ابن المفتي الذي عالج هذا الموضوع أكثر من غيره فيما نعلم، أن محمد خوجة بن مسلم قد صان الخطبة وجعل لها شأنا بالبقاء في داره بدل الجلوس في المقهى، كما كان يفعل بعض من سبقه (١). ولأهل الحي دور في اختيار الخطيب، فهم الذين يرشحون للباشا من استحسنوا صوته وفصاحته وعلمه وأخلاقه ليكون خطيب جامع حيهم. وليس هناك سلطة للمفتي على الإمام والخطيب. ومتى عزل؛ وتخلى عن الخطابة والإمامة يعود العالم إلى عمله الأصلي وحياته العادية كبقية الناس.

стр. 387

ورغم ما قلناه عن الخطيب الناجح فإن بعض الخطباء كانوا من العي والجهل بحيث أصبحوا مضرب المثل. ومن هؤلاء المفتي عمار المستغانمي الذي كان، رغم علمه، عاجزا عن الخطبة يعتريه خجل حتى يتصبب عرقا. وكان لا صوت له في الخطبة بينما كان جهيره في الدرس (١). لذلك كان المستغانمي ينيب عنه في الخطابة صهره أخ زوجه. وقد روى الفكون أنه هو الذي كتب خطبة الجمعة لأحمد بن باديس عند توليه إفتاء وخطابة جامع القصبة في قسنطينة (٢). وجاء في رحلة العياشي أن خطيب الجمعة في توات ألقى (خطبة عظيمة وعظية حسنة تلقفها من صحيفة، إلا أنه أكثر فيها اللحن)، ولاحظ نفس الكاتب أنه حضر صلاة الجمعة في جامع ورقلة (وخطب الخطيب بخطبة أكثر فيها اللحن والخطأ والتحريف والتقديم والتأخير مع إدغام أكثر حروفها حتى كأنها همهمة)، حتى خاف العياشي أن صلاته قد لا تجوز معها، بل اعتقد أن الخطبة كانت تعود إلى زمن الموحدين لأن فيها دعاء للمهدي بن تومرت (٣). وحكم الفكون أيضا حكما قاسيا على أحمد بن حسن الغربي الذي تولى خطة الفتوى وكان (أمي الخطابة والكتابة) وكان لا يعرف الخط ولا الرسم ولا الهجاء حتى أنه كان يطلب ممن يجالسه إصلاح فساد الرسم (٤). وهكذا نجد أنه بقدر ما كانت الفصاحة مدحا كان العي ذما. ولكن المسألة هنا ليست العي مع العلم ولكن العي والجهل معا. وما أكثر النماذج على ذلك. ومن الوظائف العامة للعلماء وظيفة المدرس. وقد سبق لنا الحديث عنها في فصل التعليم. غير أننا نود أن نلاحظ أنها كانت أحيانا تابعة لوظائف أخرى، فالمفتي والخطيب يتوليان التدريس، ولكن العكس غير صحيح. ذلك أن أكثر المدرسين لم يكونوا مفتين ولا خطباء، وإنما كانوا يلقون

стр. 388

دروسهم ثم يعودون إلى منازلهم. ولا شك أن تنافس العلماء على وظيفة التدريس كان أقل من تنافسهم على الوظائف الأخرى، ان التدريس كان أكثر مجلبة للفقر. وتجدر الملاحظة إلى أن بعض المدرسين كانوا يعملون كل الوقت وبعضهم كان يعمل بعض الوقت. وكان مدرسو المدن الكبيرة يعينون من قبل السلطة الحاكمة، أما من الباشا أو من خلفائه في الأقاليم (١). وكان لقب العالم يطلق أيضا على بعض الفئات الأخرى في المجتمع. ولنذكر هنا من ذلك ثلاثة أنواع، الأول كتاب الإنشاء أو الخوجات، والثاني المثقفون الأحرار، والثالث المرابطون. فأما النوع الأول فقد كان أصحابه يكتبون للباشوات والبايات ويسجلون محاضر جلسات الديوان والمفاوضات والمعاهدات مع الدول الأخرى. وكانوا يتبعون تحركات الباشوات والبايات في حلهم وترحالهم ويسجلون أخبارهم وأعمالهم. ورغم أن هذا النوع يدخل فيما نسميه اليوم بالإدارة والبيروقراطية فإن انتماء أصحابه إلى أهل العلم يجعلنا نتحدث عنهم هنا وندرجهم ضمن فئة العلماء. وأما النوع الثاني (المثقفون الأحرار) فلا ريب أنهم يندرجون في فئة العلماء أيضا ولكن غير الموظفين. وكان هؤلاء أكثر كفاءة من زملائهم الفقهاء في الغالب. كما كانوا في ثورة دائمة على السلطة وعلى زملائهم الموظفين من جهة أخرى، بل إن بعضهم كانوا يحذرون من خدمة الحكام ويعتبرون خدمتهم بيعا للضمير وسقوطا للعلم. وإذا ضاقت الأرض ببعض هؤلاء كانوا يهاجرون من الجزائر تماما كما فعل أكثر من واحد. وأخيرا هناك المرابطون الذين خصصنا لهم فصلا بعد هذا. وبالإضافة إلى المهمات التي ذكرناها كان العلماء يقومون بأعمال أخرى كالسفارة. ومن أقدمها سفارة محمد بن علي الخروبي الطرابلسي إلى

стр. 389

المغرب أكثر من مرة مبعوثا من باشوات الجزائر إلى سلاطين المغرب لتحديد الحدود وتأمين العلاقات بين البلدين. وقد صادف الخروبي في المغرب استقبالا حافلا وكان ذلك في القرن العاشر. وتتحدث الأخبار أيضا عن سفارة قام بها القاضي محمد القوجيلي إلى إسطانبول سنة ١٠٦٥. ونحن إذا كنا لا ندري الآن فحوى هذه المهمة بالضبط فإن القوجيلي قد جاء على لسانه أنه ذهب إلى إسطانبول مقر الخلافة في شأن (الأهوال) التي مرت بها الجزائر عندئذ (١). ومن أشهر السفارات التي قام بها العلماء بسفارة محمد بن العنابي إلى المغرب الأقصى عقب حملة أكسموث الإنكليزي سنة (١٨١٦) ١٢٣١، حين أرسله عمر باشا لطلب المعونة العسكرية من السلطان سليمان. كما أننا نعرف أن ابن العنابي قد قام بغارة أخرى إلى إسطانبول سنة ١٢٣٢، ولعلها كانت لنفس الغرض الذي ذهب من أجله إلى المغرب (٢). لقد كان العلماء يعيشون في دائرة اجتماعية ضيقة. فهم قبل كل شيء يعتبرون أهل حضر يسكنون المدن ويفكرون بالمادة ويتعلقون بالمصالح التي تدر عليهم المال والجاه. وكانت لديهم مشاعر الترفع على علماء الريف (٣). حقا ان عددا منهم قد جاء من الأرياف كجبل زواوة وميلة ونقاوس والونشريس وغيرها. غير أن العائلات الحضرية العريقة كانت تعارض تولي علماء الريف الوظائف الكبيرة، وكان هذا واضحا في قسنطينة وتلمسان. أما في العاصمة فقد كان الأمر يختلف لأنها كانت مدينة مفتوحة كما أشرنا

стр. 390

وكانت تستقبل ليس علماء الجزائر فحسب ولكن أيضا علماء المغرب وتونس وإسطانبول وسورية وتمنحهم الإقامة والوظائف. وكانت معسكر أيضا مدينة مفتوحة كعاصمة للإقليم الغربي، لكنها كانت تفتقر إلى التقاليد المحلية العريقة فكان يتوافد عليها العلماء من نواحي كثيرة ولم يتطور فيها الشعور بمضادة علماء الريف أو الغرباء. ومن مظاهر عيش العلماء في دائرة ضيقة توريثهم الوظائف لأبنائهم وأقاربهم. وقد عرفنا أن المفتي سعيد قدورة قد أناب عنه ابنه محمدا، رغم صغر سنه، في الخطابة بالجامع الكبير. وبعد وفاته أصبح محمد هو المفتي الرسمي وظل في ذلك الوظيف حوالي أربعين سنة ثم خلفه أخوه أحمد، وهكذا. وولي المفتي محمد بن إبراهيم المعروف بابن نيكرو، ولديه خطة الخطابة (ليراهما ويسر بهما). وقد تولى محمد خوجة بن مسلم الخطابة بعد والده. وكانت عائلة ابن العنابي تتوارث الإفتاء والقضاء خلال قرن من الزمن، كما كانت عائلة ابن باديس والفكون في قسنطينة. وحين تولى الشاعر ابن علي الإفتاء الحنفي ١١٥٠ هـ، كان مستندا على تاريخ جده الذي تولى القضاء قبله بحوالي قرن، وبالإضافة إلى ذلك هناك شبه احتكار للوظائف في أسرة واحدة مدة طويلة. فالشيخ ابن الأمين كان قد تولى الفتوى عدة مرات، يعزل منها ثم يعاد إليها. وكذلك كان الحال بالنسبة إلى عائلة ابن الشاهد وعائلة ابن جعدون. وهذا يعود بدون شك إلى تغيير الحكام أنفسهم بسرعة. فالباشا كان يعزل العالم من وظيفته ويعين بدله آخر، فإذا جاء الباشا الجديد عزل العالم الذي وجده وأعاد الأول إلى وظيفته، وهكذا. وبالإضافة إلى علاقة البنوة والأخوة في الوظيف هناك علاقة المصاهرة، ذلك أن مراجعة تاريخ الأسر العلمية تكشف عن العلاقة العائلية بينها، ولا سيما المصاهرة. فعائلة قدورة كانت تصاهر عائلة المرتضى، وهي عائلة كانت فيها نقابة الأشراف. وكانت بين عائلة الزهار، وهي من الأشراف أيضا، وعائلة ابن المبارك بالقليعة، وهي أسرة مرابطين، مصاهرة أيضا. ويذكر الفكون أن زوج ابن المفتي أحمد بن باديس كانت

стр. 391

أختا لوالدته. كما ذكر أنه هو شخصيا كان متزوجا من إحدى بنات المفتي أحمد بن حسن الغربي. وقد مر بنا أن عمر الوزان قد تزوج من عائلة ابن آفوناس. وكان محمد بن نعمون صهرا لعبد اللطيف المسبح. وكلاهما من أسرة علمية في قسنطينة. كما كانت بين أسرة المقري وأسرة الونشريسي مصاهرة. وكان العلماء، وخصوصا الموظفين منهم، ينقمون على المتصوفة ويعتبرون بعضهم انتهازيين وزنادقة، ورغم حماية السلطة لمعظم رجال الطرق وكبار الصالحين فإن العلماء (الفقهاء) كانوا ينظرون شزرا إلى نشاط المتصوفة، ولا سيما أدعياء التصوف في العهود الأخيرة. ومع ذلك فقد كان معظم العلماء منتمين إلى الطرق الصوفية. وبالمقابل كان المرابطون يضيقون ذرعا بعقلانية العلماء وماديتهم وتزلفهم للسلطة (١). وكثيرا ما كان العلماء الزهاد والمتصوفة يتنهدون أسفا على ضياع العلم وسقوط الفقه بل وذهاب شروط التعليم (٢). وامتلأت (قدسية) الأخضري بالنقمة على المتصوفين المنحرفين. وكان ابن حمادوش، وهو من العلماء العقلانيين قد عرض عدة مرات بالخروج عن جادة العلم إلى التصوف. وأكبر ثورة على أدعياء التصوف والمتاجرة بالدين، يمثلها عبد الكريم الفكون صاحب (منشور الهداية) رغم أنه لا يذكر ما يسميه بالتصوف الحقيقي. أما ابن العنابي فقد أفتى بقتل من سماهم بالدراويش والزنادقة الذين أضروا في نظره بالدين، ودعا الحكام المتنورين إلى محاربتهم، بل اعتبر تصفيتهم جهاد (٣). ويمكننا أن نذكر من العلماء العقلانيين أيضا الشاعر المفتي ابن علي والمفتي الأديب أحمد بن عمار. ومهما كان الأمر فإن المثقفين في

стр. 392

الجزائر العثمانية كانوا على الأقل قسمين: أهل الدنيا وأهل الآخرة (١). وقد كان العلماء في حركة مستمرة داخل البلاد لطلب الوظيف أو لطلب العلم أو للهروب من وضع معين حتى تنجلي السحب. وهناك حوادث كثيرة تدلنا على هذه الحركة المفيدة. ذلك أن بقاء المثقفين في مكان واحد يركد مواهبهم ويحول اهتمامهم من الأمور الإسلامية والدولية إلى الأمور المحلية والشخصية. وهناك نقطة أخرى تتعلق بحركة العلماء داخل القطر، وهي كسر الحواجز الإقليمية وبداية ظهور الثقافة الوطنية. وأكبر حركة كانت من الأرياف إلى المدن. فالمدينة كانت تمثل مركز تجمع ثقافي لا يمكن أن يوجد في الريف: من علماء وكتب ومناظرات وزوار وأخبار ومحاضرات ونحو ذلك. وفي تراجم الفكون عدد من الأسماء التي انتقل أصحابها من قسنطينة إلى العاصمة طمعا في الوظيف وخدمة الأمراء، وفيها أيضا عدد من الأسماء التي ورد أصحابها على قسنطينة من زواوة والعاصمة ونقاوس وبجاية. وقد تنقل الورثلاني في أنحاء الجزائر كما جاء, في رحلته. وزار أبو راس عددا من المدن والمراكز العلمية، كما أخبر بذلك عن نفسه. وهام عيسى الثعالبي في أنحاء القطر وأخذ العلم أثناء ذلك عن الأنصاري في العاصمة وعن محمد التواتي في بسكرة. وفي كتاب (البستان) لابن مريم أسماء لبعض العلماء الذين توجهوا من تلمسان إلى زواوة لطلب العلم، وكان محمد الزجاي يتنقل بين معسكر وتلمسان، وقد قصد الشاعر القرومي مدينة معسكر قادما إليها من قرومة نواحي وادي يسر. وتوجه المفتي محمد بن بوضياف إلى العاصمة وأقام بها مدة. كما جاء أحمد المقري إلى العاصمة ودرس بها، وهكذا. وكانت المراسلات بين العلماء من أهم وسائل الاتصال بينهم، وفي المراسالات تبادل للمعلومات وحفظ للعلائق الودية ووضوح للمسائل العلمية الغامضة. وكان بعض العلماء يتبادلون الألغاز ونحوها، وفي رحلة ابن

стр. 393

حمادوش نماذج من هذه المراسلات بين علماء العاصمة وعلماء عنابة. وذكر الفكون أنه كان يتراسل مع سعيد قدورة بالعاصمة، كما تراسل مع أحمد المقري عندما كان هذا في القاهرة. وكان علماء قسنطينة وعلماء عنابة يتبادلون المراسلات أيضا. ومن ذلك مراسلات بركات بن باديس مع تلميذه أحمد البوني. وكانت بين سعيد المقري في تلمسان وعلماء المغرب مراسلات أثبتها ابن أخيه أحمد المقري في (روض الآس)، وغير ذلك كثير. تنافس العلماء وأخلاقهم إن التنافس بين أصحاب المهنة الواحدة أمر طبيعي، ونكاد نقول أمر ضروري. ولكن هناك فرق بين التنافس الخلاق والتنافس الهدام. وقد كان التنافس بين علماء الجزائر خلال العهد العثماني في أغلبه من النوع الثاني. ذلك أن مجال عملهم كان محدودا جدا كما عرفنا. وبدلا من أن يبحث العلماء عن مجالات أخرى للعمل ويتفوقوا على بعضهم في إتقان المهنة والتقدم فيها دخلوا في حرب بين أنفسهم للظفر بما كانوا موجودا فقط. وكان لهذه الحرب الداخلية ضحاياها بينهم، وكان سلاحهم فيها ليس العلم والأخلاق والكفاءة، ولكن الجهل والصغار والضعف. ولو كان تنافسهم على الأشياء العظيمة لهان الأمر ولكان لهم مبرر فيما يرومون. وقد قال أحد الباحثين بحق بأنهم كانوا لا يتورعون حتى من إسقاط منافس لهم من مكانته (١). وهكذا شاع بينهم، نتيجة ذلك، السجن والتغريم والإهانة والنفي والعزل المشين وحتى الإعدام ومصادرة الأموال، كل ذلك من أجل وظيفة من المفروض فيها أنها لخدمة الدين. وقد أخذ التنافس شكلين على الأقل، الفردي والعائلي. ولعل التنافس الأول أقل ضررا من الثاني لأنه كان ينتهي بانتهاء المتنافسين بالعزل أو الموت، وأما التنافس العائلي فهو طويل المدى وقد يستغرق أجيالا وقد

стр. 394

يؤدي إلى التناحر الشديد والنتائج السيئة. ومن النوع الأول تنافس سعيد قدورة والقوجيلي الذي أشرنا إليه. ومن جهة أخرى حاول المفتي محمد بن نيكرو (١) أن يتخلى من نائبه في الخطابة ولكن هذا لم يذعن له والتجأ إلى الخزناجي وإلى إثارة العامة على ابن نيكرو وانضم إلى خصومه، وهم المفتي الحنفي محمد بن علي ومحمد بن ميمون قاضي بيت المال ومصطفى العنابي. ووصل الأمر درجة حادة إلى أن أصبح عمال الجامع الكبير يهينون ابن نيكرو. وكانت النتيجة أن توفي هذا بعد أيام فقط من هذه الهزيمة (٢). وقد روى الفكون أن محمد بن نعمون كان يتنافس مع أحمد بن باديس على (الرياسة وأحوال الدنيا) وبلغ به الأمر أن سعى هو (ابن نعمون) وجماعته بابن باديس إلى باشوات الجزائر (وكتبوا سجلات ووصفوه بأمور لا يحل الوصف بها ولا الخوض فيها) إلى أن أجبروه على التوجه إلى العاصمة شخصيا حيث غرمه الباشا وسجنه. ولكن هذه الحادثة التي يبدو أن النصر كان فيها لابن نعمون وجماعته قد انقلبت ضده. ذلك أن الصراع قد انتهى بعودة ابن باديس إلى الإفتاء واستقلاله به وعزل ابن نعمون عنه، بل إن العثمانيين في قسنطينة قد اتخذوا إثر ذلك قرارا (لعله كان بطلب من ابن باديس نفسه) وهو (ألا مفتي إلا ابن باديس) (٣)، والأمثلة على ذلك كثيرة. وهناك أمثلة على التنافس العائلي أيضا. فقد كانت أسرة ابن عبد المؤمن تنافس أسرة الفكون في قسنطينة. وقد انتهى الأمر بتغليب العثمانيين الثانية على الأولى، ومنحها (مشيخة الإملام) جزاء لها. وبذلك أصبح الفكون هو شيخ المدينة وأمير ركب الحج، وأصبح مقربا لدى

стр. 395

العثمانيين حتى أن أحدا لا يستطيع مسه بسوء) (١). ولعل التنافس المذهبي يدخل في هذا المجال أيضا. ورغم أن كلا المذهبين الحنفي والمالكي سني وأنه لا وجود لاختلاف مذهبي بمعنى الكلمة بينهما إلا أن تصرف بعض العثمانيين جعل التنافس بين العلماء يظهر وكأنه تنافس مذهبي. فقد كان العثمانيون يقربون المفتي الحنفي والقاضي الحنفي على المفتي المالكي والقاضي المالكي (٢). وإذا وقع نزاع في قضية من القضايا واحتكم فيها إلى المجلس وانعقدت المناظرة رجح الباشا غالبا رأى الأحناف. وقد روى ابن المفتي (وهو حنفي) أن ابن علي المفتي الحنفي كان يقدح بلسانه في المفتي المالكي محمد بن نيكرو - وجاء في رحلة ابن حمادوش (وهو مالكي أشعري كما يقول) أن نفس المفتي (ابن علي) قد غضب منه ذات مرة وخرج ساخطا من المجلس لأن ابن حمادوش لم يقم له تعظيمل وإجلالا .. وقد أشرنا إلى الحكم بالإعدام على أحمد قدورة، وكان مفتي المالكية (٣). وتتحدث الوثائق على الباشوات الذين كانوا يمدون أيديهم إلى المفتي الحنفي لتقبيلها، بينما لا يفعلون ذلك مع المفتي المالكي. ولكن التنافس المذهبي لم يكن حادا ولم تكن له نتائج خطيرة كالتنافس الفردي والعائلي. ويبدو أن هذا الإلحاح في التنافس يعود إلى هبوط أخلاق العلماء بصفة عامة. فقد شاعت بينهم الرشوة والطمع والجهل والتساهل في أمور الدين ومنح الإجازات بسهولة والتعدي على الأوقاف وغير ذلك مما هو ليس من أخلاق العلماء الحقيقيين في شيء. ولعل هبوط المستوى الثقافي عامة هو

стр. 396

الذي ساهم في هبوط الأخلاق وضعف الضمير العلمي. وتتحدث وثائق كثيرة عن شيوع الرشوة بينهم أخذا وعطاء، فهذا الفكون، وهو من أسرة علمية، يقول عن محمد بن المسبح إنه أعطى للظفر بخطة نيابة القضاء (مالا لقضاة العجم حتى ولوه إياها. وربما أرشى (أي المسبح) الولاة يمينا وشمالا). وحكى عنه أنه اشتهر بشهادة الزور أيضا. ووصف الفكون أبا عمران موسى الملقب بالفكيرين أنه كان مطلق اليد يأخذ طعاما وعينا من البدو. وهذا الحسين الورتلاني قد ذكر في رحلته شيوع الرشوة بين الحكام لكي يعطوا منصب القاضي أو المفتي لبعض العلماء، مضيفا بأن هذا مخالف للشرع (١). وقد روى ابن المفتي أن محمد النيار، المفتي الحنفي، كان يأخذ الرشوة حتى أنه حين عزل هاجمه الناس مطالبين إياه برد ما أخذه منهم (٢). وشاع بين العلماء أيضا التبذير والطمع، فهذا المفتي عمار المستغانمي، رغم عجزه عن الخطابة كما أسلفنا، كانت له وظائف كثيرة أخرى. ومع ذلك شكا ذات مرة لابن المفتي بأنه لا يملك سوى القميص الذي كان على جلده وأن أولاده حفاة عراة وأنه لا يملك أن يشتري لهم ثيابا جديدة لختانهم. ومع ذلك فقد عرفنا أنه كان ينفق على ضيوفه بين ثلاثين وأربعين ريالا في الليلة الواحدة، وأنه كان يكلف نفسه ما لا يطيق من الأطعمة حتى أنه عندما توفي كان مدينا بأربعة آلاف ريال (٣). وهذا أحمد بن حسن الغربي كان يخدم الولاة بقسنطينة ويعظمهم ويمتهن نفسه ويعطيهم الرشى، وكان يتوسط للولاة في ذلك لدى أهل البلد والرعية وينال بذلك حظا. ومن أجل ذلك ولوه وظيفا صغيرا هو نيابة القضاء (٤). وكان بعضهم لا يتورع عن أكل الحرام. فقد قيل ان ابن نعمون قد تصرف في أكثر من خمسة وثلاثين وقفا، بما في ذلك أوقاف المدينة المنورة، كما فعل غيره مثله أيضا.

стр. 397

وكثير هم العلماء الذين اتخذوا للوظيف طريقا من التذلل والتوسط والتوسل (١). وقد جرى ذلك كله مع التساهل في العلم وفي قضايا الدين أيضا، فقد عرفنا أن بعض الأئمة كانوا لا يحسنون قراءة خطبهم المكتوبة، وكان آخرون لا يبينون إذا تكلموا، وآخرون لا يحسنون حتى إصلاح صلاتهم ولا رسم الكتابة حسب رواية الفكون، ومع ذلك تولوا وظائف سامية كالقضاء والخطابة. وقد ذكر العياشي أن إمام جامع ورقلة وأخاه (أقرب من رأيته في هذه المدينة بسيرة الطلب، وما أظن أحدا منهما يحسن بابا من أبواب العلم) وأضاف العياشي هذا البيت الذي يعبر عن حقيقة مرة، وهو: ولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوح نبتها رعي الهشيم (٢) وعرف عن بعض العلماء عدم الدقة في العلم والتهاون في أمور الدين طلبا وتزلفا للحكام. فابن نعمون المذكور عرف عنه الجهل ومع ذلك كان يدرس الرسالة وخليل وابن الحاجب. وكان المفتي محمد النيار إذا سئل عن مسألة يجيب حسب رغبة السائل. وكان يعتمد في إجابته على مؤلفين محدثين لم يطلع على آثارهم (٣). وكان علي بن داود الصنهاجي لا يتقن البحث والنظر ومع ذلك حصل على إجازة من سالم السنهوري المصري. وحين سئل أحمد المقري صاحب (نفح الطيب) عن إعراب آية أجاب جوابا فيه تقية ولم يبين الخطأ والصواب في الجواب كما أنه مدح صاحب السؤال (وهو الفكون) واكتفى بتزويق الألفاظ حبا في الثناء الجميل. فكان المقري إذا سئل عن مسألة يجيب جوابا كليا لا جزيا كأن يقول هذه مسألة فيها كلام

стр. 398

كثير أو فلان حدوده مدخولة. وكان بعض العلماء لا يفتي بالشاذ إلا في أمور الدنيا. وهكذا كان العلم مسخرا في أغلب الأحوال لقضاء الحاجات الدنيا وكأن الانتماء إلى الدين مطية للوصول إلى الوظيف والجاه وليس لخدمة الدين والشعب. وكان شرب الخمر والسماع (الموسيقى) وتعاطي الربا وتناول الحشيش والخنا أمورا شائعة أيضا عند بعض العلماء. فقد زعم ابن المفتي أن يونس بن الكرتيلو (الذي طعن في كفاءة الشيخ المهدي بن صالح ونادى بتولية مفتي من عائلة قدورة) (كان يتعاطى الربا ويشرب الخمر ويبيعها خفية). والذي يقرأ كتاب الفكون يجد فيه عدة حوادث عن علماء كانوا يتناولون الخمر والحشيشة ولا يتورعون عن الخنا، بل كان في قسنطينة وعنابة جماعة سماها الفكون (نادي جماعة الشرب)، لهم آلات طرب ولهو وتصفيق وشطح وإنشاد. وحين توجه القاضي القوجيلي في طريقه إلى إسطانبول خاطبه أحدهم، ويدعى الشريف السوسي، يستأذنه في السماع فأجابه القوجيلي لذلك (١). وكان السماع عند أغلبهم ليس من أخلاق العلماء في شيء (٢). ورغم هذه الصورة التي قد تبدو كالحة عن أخلاق العلماء في الجزائر خلال العهد العثماني فإن هناك صورة أخرى مضيئة ومشرفة، فليس كل العلماء كانوا على ذلك النحو من الجهل وسقوط الضمير والفساد والطمع. فقد كان هناك علماء حافظوا على المقاييس الأخلاقية التي عرف بها العلماء الحقيقيون عبر العصور. نعم كان بعض العلماء يعيشون تحت ضغط الحاجة أحيانا، وكانوا أحيانا أخرى تحت ضغط السياسة. وتجدر الملاحظة إلى أن بعض الأخلاق السيئة التي ذكرناها لم تكن صادرة عن علماء جزائريين وإنما

стр. 399

عن (علماء) مغامرين جاؤوا إلى الجزائر طلبا للرزق والجاه. والكتابان اللذان رجعنا إليهما بكثرة في هذا الصدد - كتاب ابن المفتي وكتاب الفكون، وكلاهما في نقد سلوك العلماء - قد ذكرا عددا من علماء المشرق والمغرب الذين وفدوا على الجزائر للغرض المذكور. وكانت حظوة هؤلاء قد تواتت مع حظوظ السلطة العثمانية نفسها، وهي السلطة التي كانت بدورها غريبة عن أخلاق أهل البلد. وقد انجذب بعض العلماء الجزائريين نحو المنحدر الذي وصفناه خوفا أو طمعا. وسنعرف أكثر عن هذا التأثير الخارجي حين نتناول حياة بعض المرابطين والمتصوفة. ومن جهة أخرى فإننا لا نشك في تحيز ابن المفتي والفكون أحيانا في تناولهما للعلماء المعاصرين أو العلماء الذين تنافسوا مع أقاربهما على الوظيف. ومع ذلك فإن كليهما كان مدفوعا برغبة شديدة في رؤية العلماء يقفون على أرضية صحيحة ويتمسكون بمبادئ كانت من قبل من أخلاق العلماء، وقد عز على كليهما هبوط هذه الأخلاق والمتاجرة بالعلم في سبيل الجاه وعرض الحياة الدنيا. وهذا الوضع قد أدت إليه السياسة العثمانية التي كانت لا تريد أن ترى فئة العلماء متماسكة وقوية فيؤدي تماسكها وقوتها إلى الإطاحة بالنظام وتداخل الدين والسياسة أو الشريعة والحكم. فقد كان العثمانيون دائما يخشون من العلماء سواء كانوا في الجزائر أو في غيرها. وقد نجحوا في إبقائهم تحت نفوذهم بالوسائل التي ذكرناها وبتشجيع الخلاف بينهم والبحث على الضعفاء منهم والتخلص من الأقوياء وتجنب إعطاء النفوذ لعلماء البلاد المتصلين بالأهالي. وكان بعض العلماء غير راضين على هذا الوضع فثاروا على ذلك، ومن هؤلاء يحيى الأوراسي الذي قاد ثورة في منطقة الأوراس. وفر بعضهم إلى التصوف، كما سنرى، فبعد أن كانوا من أهل العلم والتدريس أصبحوا من أهل التصوف والحضرة لأنهم وجدوا أن الطريق الأول غير مربح. ومنهم من اختار طريقا آخر، وهو الخروج من الجزائر تماما والعيش في الأقطار الإسلامية الأخرى، ولعل هذا ما كان يرغب فيه ويعمل له العثمانيون في

стр. 400

الجزائر، لأنهم طالما لجأوا إلى نفي العلماء الخطرين عليهم والضغط عليهم لكي يختاروا هم منفاهم بأنفسهم، بقي أن نذكر أن بعض العلماء عندما وجدوا باب الوظيف مسدودا أو غير أخلاقي ظلوا في الجزائر ولكنهم اختاروا التجارة وغيرها من الأمور غير العلمية. علاقة العلماء بالحكام كان العلماء يمثلون الرأي العام في الجزائر خلال العهد العثماني. فهم رغم ترفعهم الطبقي كانوا على صلة بالناس في الدروس ومجالس الفتوى والقضاء والزوايا وخطب الجمعة ونحو ذلك. وكان بعض العلماء يجلسون في المقاهي ويختلطون بالناس في الأسواق أيضا. وكان بعضهم يكثر عليه الازدحام في الدرس والخطبة حتى يلفت النظر لنفسه فتخشاه السلطة كما مر بنا. ومن جهة أخرى كان الناس يثقون في رجال الدين أكثر مما كانوا يثقون في رجال السياسة والحرب، ولهذه المكانة التي كانت للعلماء كان العثمانيون يقدرونهم ويخشونهم ويتقربون منهم ويطرونهم ويمنحونهم الهدايا، وكانوا أحيانا يلجأون إليهم في موقف تأييد وغير ذلك. كما أن العلماء كانوا في حاجة إلى الباشوات والبايات طمعا في مال أو وظيفة أو تأييد ضد منافس. وكانت هذه العلاقة في الواقع علاقة مطردة، فإذا وقع نفور من أحد الطرفين أو معاملة غير جيدة فذلك يعود إلى تصرف الأفراد في فترة معينة وليس إلى العلاقة في حد ذاتها. ويمكننا أن نقسم هذه العلاقة إلى طيبة وسيئة. وقبل كل شيء نود أن نلاحظ أن حديثنا سينصب في الغالب على علماء الجزائر أو من في حكمهم وليس العلماء الذين كانوا يفدون مع الباشوات من إسطانبول لمدة معينة. فقد كان الحاكم العثماني ملتزما بمبدأ عريق عنده، وهو أنه رجل محارب وسياسي وأن حروبه وسياسته قائمة على الدفاع عن الدين والجهاد في سبيله. فهو يعترف أنه من رجال السيف وأنه لا شأن له بالطرف الآخر من القضية،

стр. 401

وهو الدين والعلم. فهو ليس من رجال الدين كما أنه لا يريد منهم أن يتدخلوا في حروبه وسياسته. وهو بالمقابل لا يتدخل في شؤونهم الدينية والقلمية. فإذا ما حاولوا أن يقتربوا من حدوده غضب وسخط، ويا ويل رجال الدين والقلم من الحاكم العثماني إذا ما غضب وسخط! هذه هي الحدود بين الطرفين، فهي حدود قائمة على الاحترام المتبادل واعتراف كل طرف سيادة الآخر في مجاله (١). ولكن الدين الإسلامي لا يعترف بهذه الحدود التي وضعها الإنسان لغايات غير دينية. لذلك كان بعض العلماء لا يصبرون على هذا الوضع فكانوا يطمعون فيما ليس لهم فيلقون جزاء أليما وعقابا شديدا. وأكبر عمل يستطيع العالم أن يقوم به نحو الحاكم هو (نصحه) وتوضيح ما هو ديني وما هو غير ديني، وحتى هذا النصح كان يغلف في قالب لا يحس منه الحاكم أن العالم يتدخل في شؤونه. وكان بعض العلماء قد وجدوا من التحريض على قتال الإسبان في وهران مجالا حرا للتعبير عما في أنفسهم نحو السلطة ونحو الدين ما دام الباشوات أنفسهم عازمين على حرب الإسبان وعلى الجهاد بصفة عامة. وهذا الموقف لا يسمى تدخلا من العلماء وإنما يعتبر تأييدا لما كان العثمانيون يقومون به ويعتبر تأليبا للرأي العام ضد الإسبان. وكان هؤلاء العلماء يغتنمون الفرصة لكي يطرحوا قضاياهم الخاصة كحرمانهم من مال الأوقاف وسوء أحوالهم المادية، والإشارة إلى انتشار الظلم في البلاد والإجحاف في المعاملات، والتعبير عن كون العلماء هم حماة الدين وممثلو الرأي العام. فقد حرض الشاعر محمد بن آقوجيل الباشا حسين خوجة الشريف على قتال الإسبان بوهران (وكان الباشا بدأ فعلا في الاستعداد لذلك). ثم انتقل من التحريض على القتال إلى الحديث عن حالة العلماء في الجزائر. فنصح

стр. 402

الباشا بأن يشاورهم في الأمر وأن يدع عنه الغواة لأن العلماء ورثة الأنبياء وأن في الجزائر عددا كبيرا منهم اشتهروا بالتفسير والحديث والنثر والشعر وحفظ الأسانيد والأنساب والفقه والمناظرة، ولكنهم مع ذلك لا يجدون مساعدة لأن الباشوات قد أهملوهم فكانت النتيجة أن ضاع العلماء وجاعوا. وكان المفروض أن يأخذوا حقوقهم المعروفة من بيت المال أو من الأوقاف ولكنهم كانوا محرومين من هذا وذاك بينما هناك من يتمتع بهذه الأموال ويستعملها في الفساد الاجتماعي كالخمر وشرب الدخان. وفيما يلي بعض الأبيات من قصيدة ابن آقوجيل الهامة في هذا الموضع في فاتح القرن الثاني عشر (١٨ م)، وهو يوجه كلامه إلى الباشا المذكور: شاور ذوي علم ودين ناصح ... ودع الغواة وكل ذي تزوير فالعلم ميراث النبوة ناله ... قوم لهم حظ من التنوير كم في بلادك من نجيب حافظ ... ومشارك في النظم والمنثور ومحقق ومدقق ومناظر ... من كل دراك الحجى نحرير لكنهم فقدوا الإعانة واغتدوا ... ما أن يراعيهم ذوي التأمير ضاعوا وجاعوا لا محالة وابتلوا ... في ذا الزمان الصعب بالتقتير منعوا حقوقهم بمال الله لا ... يرجى لهم طمع ولو بنقير حتى حبيس كان يلتقطونه ... حرموه، هذا غاية التنفير! لا ينبغي أن يحرم الأحباس من ... إن يعطها يعرف بكل ضرور والبعض يمنحها ويصرفها لدى ... شرب الدخان وخسة وخمور فاردد حبيسا، قل، يمتصونه ... مص النواة ونقرة القطمير يا أيها الملك الذي نرجو به ... عدلا ينوط بذي الغنى وفقير إني نصحتك والنصيحة ديننا ... فاقبل، ولم ينصحك دون خبير (١) ويعتبر ابن آقوجيل شجاعا عندما (نصح) الباشا هذه النصائح التي لا

стр. 403

شك أنه لا يريد سماعها، فهو يحدثه عن الفساد الاجتماعي وحرمان العلماء من حقوقهم وأن الناس يرجون من الباشا العدل الذي يعم الغني والفقير، ولكنه لف كل ذلك في عبارة عامة ودامغة وهي قوله (إني نصحتك والنصيحة ديننا). والباشا لا يستطيع أن يرفض هذه النصيحة رغم أنها تؤذيه. ولا شك أن الشاعر كان يصف العلماء في وقته وأن قصيدته قد وجدت صدى بعيدا في وسطهم فارتاحوا لها وروجوها بينهم وتناقلتها الأجيال حتى وصلت إلينا. وقد اشتهر بعض الباشوات بتقريبهم للعلماء ومراعاتهم، إما حبا في الدين والعلم وإما طمعا في تأييدهم وإما حبا في المدح والثناء. وكان عدد هؤلاء الباشوات قليلا لأننا عرفنا أن طبع الحكام العثمانيين غير ثقافي وأنهم لا يتقربون من العلماء إلا عند الحاجة القصوى. ومن هؤلاء القلة يوسف باشا الذي تولى الحكم عدة مرات خلال الخمسينات من القرن الحادي عشر (١٧ م). فهو الذي أفسح المجال أمام علي بن عبد الواحد الأنصاري الذي ترجمنا له، وعظمت لديه مكانة عيسى الثعالبي الذي سنترجم له. وقد عثرنا على ما يؤكد كلام العياشي من أن يوسف باشا كان يفهم مقاصد العلماء رغم أنه تركي. فقد تبادل هذا الباشا الرسائل مع بعض علماء عنابة مثل محمد ساسي البوني. وملخص إحدى هذه الرسائل أن هذا الباشا يقدر البوني كثيرا ويعرف مكانته في بلده ولذلك أطراه وأشاد به وطلب معونته، كما أخبره بخطته السياسية والعسكرية وطلب منه التدخل لجلب طاعة الرعية، وذلك أثناء محاولة الباشا القضاء على ثورة ابن الصخري (١). وقد رد محمد ساسي البوني على الباشا مبديا استعداده للتعاون ولكنه طلب العفو على أهل عنابة. وتؤكد المراسلات أن الباشا قد استجاب لطلب الشيخ لمكانته عنده وفي قومه (٢).

стр. 404

ويبدو أن الباشا محمد بكداش كان من نوع يوسف باشا لو طال به العهد. ورغم حكمه بالإعدام على المفتي أحمد بن سعيد قدورة، وهي الحادثة التي أشرنا إليها، فإنه كان حسب رواية مادحيه، وخصوصا محمد بن ميمون، يتقرب من العلماء على خلاف زملائه. وهناك قصص قد نسجت حول شخصيته كما نسجت أخرى حول شخصية يوسف باشا، فقد قيل إنه نزل بعنابة قبل توليه الباشوية وأخذ البركة والطريقة من عالمها أحمد بن ساسي البوني. وقيل أيضا انه وعد بأنه إذا أخذ الولاية سيحكم بالعدل، ونحو ذلك من الأخبار التي روجها المعجبون به أو المتزلفون إليه. وعلى كل حال فقد تولى الحكم فعلا سنة ١١١٧ وقتل سنة ١١٢٢. وقد قرب بكداش، بالإضافة إلى البوني، عددا من العلماء، ومنحهم الهدايا والعطايا. كان محمد بكداش إذن يتراسل مع أحمد البوني وكان البوني يتمتع بسمعة دينية وعلمية ليس في عنابة فقط ولكن في خارجها أيضا. فقد أخذ العلم في تونس ومصر والحرمين. ولا شك أن تقرب الباشا منه لم يكن لغرض صوفي، كما تذهب بعض الروايات، ولكن لغرض سياسي شبيه بغرض يوسف باشا من محمد ساسي. وقد قابل البوني هذا الموقف بموقف آخر أحسن منه. ذلك أنه نسب إلى بكداش (الذي لا شك أنه غير عربي وأن اسمه يذكر بصاحب الطريقة البكداشية) الشرف والنسب الهاشمي. فالبوني يقول من أرجوزة وجهها إليه (١). يا طالبا للفضل ... والجود ثم العدل

стр. 405

والعلم والرياسة ... والحكم والكياسة اعمد إلى الظريف ... بكداش الشريف فكل من يطلب الأخلاق والكرم والعدل والعلم والنفوذ والجاه عليه أن يقصد بكداش باشا , فهو شريف ذو حسب ونسب، وهو ظريف كيس عارف بمقاصد العلماء وحاجاتهم. وقد حذر البوني أيضا من صولة هذا الباشا وغضبه: مهد لنا دولته ... ثم قنا صولته ثم شكا إلى الباشا من سوء أحوال عنابة التي شاع فيها، حسب قوله، الظلم وساءت فيها أحوال العلم والعلماء وارتفعت الأسعار وصعبت المعيشة: يا حاكم الجزائر ... يا أنس نفس الزائر أريد أن أخبركم ... أدام ربي نصركم بحال هذي القرية ... بالصدق لا بالفرية قد صال فيها الظالم ... وهان فيها العالم خربت المساجد ... وقل فيها الساجد حبسها قد أسرفا ... ناظره فأشرفا وأهملت أسعارها ... وبدلت شعارها والشرع فيها باطل ... والظلم فيها هاطل والخوف في سبلها ... والقحط في سنبلها وعندما يقرأ المرء الأفكار التي وردت في هذا الرجز يدرك أن ما أرسله البوني للباشا ليس شعرا وإنما هو (تقرير) عن أحوال عنابة الاجتماعية والسياسية والثقافية، استعمل فيه الرجز لأنه طريق إلى التعميم والتلميح، بدل الإحصاء والتصريح، وفيه أيضا اتقاء من نقمة الحكام. وهذا الموقف من البوني يعتبر أيضا - كموقف ابن آقوجيل - موقفا شجاعا، لأنه أعطى الباشا صورة حية عن بلاده ونواحيها. ويلتقي البوني مع ابن آقوجيل في تقديم

стр. 406

النصح للباشا أيضا. فقد استنجد به في تدارك تلك الحالة قبل فوات الأوان وأوصاه بالاعتماد على الله وبحب العلم وفعل الخير، ودعاه إلى حسن اختيار بطانته وإلى استشارة العقلاء، وتوليه الأخيار النبلاء، وعدم خلف الوعد أو الوعيد لأن ذلك يضر بسمعته وحكمه. وأخيرا شكا إليه أحواله الخاصة وحاجته إلى المال قائلا إنه حزين ومثقل بالديون. وهذه الحالة لا تليق بالعلماء في عهده (الباشا) فهو يقول: مطالبي كثيرة ... فطنتكم غزيرة وقد ذكر ابن ميمون الذي أورد هذه الأرجوزة أن الباشا كافأ البوني (بمنقوش من صفحة القمر، وأعطاه فوق ما طلب) (١). وهو قول فيه كثير من المبالغة، ولكنه يدل على أن الباشا قد استجاب لطلب هذا العالم. والظاهر أن الباشا هو الذي طلب من البوني بعض التحف وهي هنا مجموعة من الوصايا والحكم والمواعظ. وقد استجاب البوني وأرسل إليه قصيدة احتوت على ما كان مطلوبا من العلماء عندئذ، وهو نصح الحكام بتقوى الله وتحكيم الشرع في أمور الدولة وتعلم الفقه وتمييز الحرام من الحلال. وهذا ليس بغريب على من يقرأ الأدب العربي القديم، فطالما وجدا بعض الخلفاء يطلبون من العلماء وعظهم فيعظونهم حتى تدمع عيونهم حزنا وخوفا. ولكننا لا نعتقد أن محمد بكداش كان في حاجة إلى هذا النوع من الوعظ والنصح وإنما كان في حاجة إلى توطيد للعلاقة التي بينه وبين شخصية معترف لها بالدين والعلم مثل أحمد البوني. ومن الغريب أن يصف البوني بكداش بأنه حبيبه وخليله وصديقه وأنه قد سبا قلبه وهيج غرامه، فهذا الكلام لا يكون عادة بين الحاكم وبين أحد رعاياه. وبعد، فإن لي حبا وخلا ... سبا قلبي وهيج لي غرامي كما أنه من الغريب أن يصف البوني بكداش بأنه: فقيه لوذعي المعي ... جميل الوجه يلقي بابتسام

стр. 407

ذكي الفهم ذو نسب شريف ... لطه ينتمي خير الأنام سخي عارف بالله حقا ... لأهل العلم يخضع ذو انسجام أراد وصية مني ونصحا ... أنا أولى بمن يبري سقامي وإذا استثنينا نصحه بتحكيم الشرع في شؤون الدولة فإن كل النصائح التي قدمها إليه لا تجعل من الباشا حاكما ناجحا ولكن متصوفا يقرأ الكتب الصوفية ويتدارس علم الفقه وملازما للعزلة والتقرب إلى الله. لذلك يمكننا القول بأن هذا الشعر إما أن صاحبه لا يدرك مهمته ولا مقام مخاطبه وإما أنه كان ينافقه ولا يحترم مهنته: عليك أيا صديقي في مضيق ... بتقوى الله جل على الدوام وحكم شرعه في كل شيء ... ولازم ذكره والدمع هام وصمتا وانفرادا واتضاعا ... وتقليل المنام مع الطعام بعلم الفقه تدرك كل رشد ... وتمييز الحلال من الحرام (١) ومع ذلك فإن السياسة كانت لا تبقى ولا تذر إذا عصفت بغير المحظوظين من العلماء. فالباشا بكداش نفسه هو الذي انتقم من المفتي أحمد قدورة فأعدمه رغم علمه ومكانة أسرته. ولقد لقي هو أيضا نفس المصير. ولا ندري ماذا كانت علاقة البوني بالباشوات الذين جاؤوا بعد بكداش والذين كانوا كثيرا ما ينتقمون من أصدقاء الباشوات الراحلين. وعلى كل فقد توفي البوني وفاة طبيعية في بلاده سنة ١١٣٤ (٢). ومن الأسر العلمية التي كانت لها علاقة بالعثمانيين أسرتا الفكون وابن باديس. وقد سبق الحديث عن مكانة الأسرة الأولى. ونحب أن نضيف إلى ذلك أن أسرة الفكون هي التي انتصرت للباشوات أيام ثورة ابن الصخري، وكذلك عند تمرد صالح باي وأثناء فتنة ابن الأحرش. وقد استحق رئيس

стр. 408

عائلة الفكون وقت هذه الفتنة ثناء الباشا عندئذ، فراسله بهذه العبارات (إلى العالم الأشهر .. العارف بجميع الفنون. نستكثر خيرك من شأن وقوفك وصيانتك للبلاد، ونصحك وحمايتك للعباد .. ثم نلتمس منكم الدعاء الصالح، الجالب لنا ولكم كل المنافع والمصالح ..) (١) كما أرسل الباشا إلى علماء قسنطينة يطمئنهم ويأمرهم بالوقوف والالتفاف حول الشيخ الفكون. أما أسرة ابن باديس فقد مرت بحياة متقلبة مع العثمانيين فيها السجن والتغريم، وفيها الوظائف السامية والتكريم. وأكثر ما كانت تتولاه من المناصب هو الإفتاء والقضاء والتدريس. وكانت علاقتها مع العثمانيين طيبة. وقد مرت بنا قصة أحمد بن باديس مع أحمد الغربي، وجاء في بعض الوثائق أن حوالي أربعين شخصا من هذه الأسرة قد تولوا وظائف سلطانية في العهد العثماني (٢). ومن العلماء الذين شهدوا صعودا وهبوطا خلال هذا العهد المفتي عبد القادر الراشدي والمفتي محمد بن بوضياف. الأول من نواحي فرجيوة والثاني من نواحي أولاد خالد. وكثيرا ما التجأ الباشوات إلى العلماء في الأوقات الحرجة طالبين منهم الرأي وتجنيد العامة للوقوف مع الحكومة. وهي المناسبات التي كان فيها العلماء يشعرون بأن لهم دورا هاما يلعبونه لو كانوا يدركون كيف يستغلونه. ويظهر ذلك عند الغارات الإسبانية على السواحل وعند غارات الأجانب الآخرين على مدينة الجزائر، وعند الثورات الداخلية (٣). ولكن علاقة العلماء بالباشوات قد ساءت على الخصوص منذ

стр. 409

ثورة درقاوة في فاتح القرن الثالث عشر وعانى من ذلك أبو راس والزجاي ومحي الدين والد الأمير عبد القادر وابن العنابي وبوضياف وابن القندوز. فقد كان الباشوات يسلكون مع العلماء أحيانا طريقة الإرهاب والتخويف. ومن الذين خضعوا لهذا الإرهاب الشيخ المهدي بن صالح. ذلك أن الباشا (وهو تلميذه!) قد حكم عليه بالنفي إلى بلاد غير عربية وأهانه إهانة بالغة عندما طلب من كل من قدم إليه هدية أن يحضر ويطلبها منه فهاجمه خلق كثير، حسب رواية ابن المفتي، في السفينة التي كانت ستقله إلى منفاه وأرغم على إعادة معظم ما أخذه من الهدايا (١) وليس من الضروري أن تكون دعوى الهدايا صحيحة، وإن كانت الرشوة أمرا شائعا كما عرفنا، ولكن التشهير بالضحية كان إحدى طرق الإرهاب التي يتخذها الولاة ضد ضحاياهم. ولو كانت الهدايا هي التي استوجبت هذه المعاملة المهنية لواحد من أبرز العلماء في وقته لا نطبق الأمر أيضا على الباشوات أنفسهم، فقد كانت الهدايا هي وسيلة عيشهم وطابع حياتهم. وقد ذكر ابن المفتي أن المهدي بن صالح كان عالما بعلم الحديث الذي برع في تدريسه حتى جلب إليه في الجامع الكبير خلقا كثيرا، وكان ممتازا في أربعة علوم (هي النحو والأصول والخطابة والحديث) أحدها يكفي. ولا شك أن الباشا قد خاف من تجمع الناس حول ابن صالح (٢). أما المفتي الحنفي محمد بن مصطفى المعروف بابن المستي فقد حكم عليه الديوان بالموت ومصادرة أملاكه سنة ١١٣٨. وكان قد تولى الفتوى عدة مرات ابتداء من سنة ١١١٢. وما زلنا لا نعرف ما هي التهمة التي وجهت إليه حتى استحق هذه النهاية. والظاهر أنه

стр. 410

كان كزمليه أحمد قدورة ضحية الانتقام السياسي. وكان بعض العلماء يعانون الإهانة والسجن والتشريد، لا لذنب ارتكبوه هم ولكن لصلتهم بمن ارتكب الذنب. فقد كان القاضي المالكي محمد بن مالك من علماء مدينة الجزائر المشهود لهم بالعلم ووفرة التلاميذ. وكان على صلة بنقيب الأشراف أيضا، ولكنه كان صهرا لعلي خوجة الذي ثار على مصطفى باشا فحكم هذا على ابن مالك بالنفي إلى مدينة القليعة وإيقافه عن الدرس. ولكن لحسن حظه ومعرفته لبعض رجال الدولة وخوضه في السياسة أحيانا تدخل مستشارو الباشا لصالحه على أساس أن له تلاميذ يدرسون عليه وأنه ليس مسؤولا على ثورة صهره. وعندئذ فقط أذن له الباشا بالرجوع إلى درسه (١). وعندما عاد الشيخ حمودة المقايسي من مصر ظنا منه أنه سيجد الجو مناسبا للدرس ونشر العلم والعيش الكريم، تخلى عن ذلك واكتفى بصناعة المقايس (الأساور) ليعيش منها لأنه وجد أن المتصلين برجال الدولة هم فقط أصحاب الحظوة (٢). ولكننا عرفنا أنها حظوة غير ثابتة وأنها خاضعة لمزاج الباشا ومدى خنوع العلماء وتخليهم عن مبادئهم العلمية والأخلاقية. فالجمع بين العلم والوظيف في العهد العثماني، مع المحافظة على الأخلاق، كالجمع بين الماء والنار، وصاحب ذلك كالساكن مع النمر لا يدري متى يفترسه. ولم تكن معاملة البايات للعلماء بأحسن حالا من معاملة الباشوات لهم. فالعلاقة هنا كانت كالعلاقة هناك، صاعدة نازلة وفي اضطراب متواصل. ولدينا عدة مصادر تتحدث عن ذلك، فقد روى ابن مريم في (البستان) ومحمد بن سليمان في (كعبة الطائفين) طائفة من الأخبار عن أحوال العلماء في تلمسان. والمعروف أن كثيرا منهم قد فروا إلى المغرب في عدة موجات بدايتها عند دخول العثمانيين وآخرها عند ثورة درقاوة. ولم

стр. 411

يحظ الباقون منهم في ندرومة ومعسكر ومازونة ومستغانم بالمعاملة اللائقة أيضا (١) فهاجر منهم من هاجر وانزوى منهم من انزوى، وتوجه بعضهم إلى مدينة الجزائر نفسها. وهناك علماء اشتهر أمرهم في الجزائر ولكنهم توجهوا إلى غيرها مثل المنور التلمساني وعبد القادر المشرفي وسعيد المنداسي. وقد عرفنا أن العلماء قد جعلوا وقود المعركة بين الإسبان والجزائريين في وهران سواء أثناء الفتح الأول سنة ١١١٩ أو الفتح الثاني سنة ١٢٠٥. فكل من الباي مصطفى بوشلاغم والباي محمد الكبير قد جند العلماء وجعلهم في الطليعة، ولا سيما الأخير. ومع ذلك فإن كتاب الباي الأخير يذكرون من محاسنه اهتمامه بالعلماء، لأنه أغدق عليهم الهدايا وجلبهم إليه بالإحسان وأنشأ لهم المدرسة المحمدية والجامع الأعظم، كما عرفنا. لذلك كثر مادحوه ووفد عليه الوافدون وطمع في عطاياه الطامعون. ومن هؤلاء أحمد القرومي الذي وفد على الباي من نواحي الأخضرية ومدح منشآته، كما أشرنا، وعاد من عنده مملوء الوطاب على مدحته (٢). ولكن حظ العلماء لم يكن دائما كحظ القرومي وأمثاله، فهذا القائد حفيظ، حاكم تلمسان، قد أساء معاملة الشيخ ابن للو التلمساني وهو الذي اشتهر بالعلم، وخصوصا تفسير القرآن الكريم، وقد روى أبو حامد المشرفي أن ابن للو قد ختم التفسير في الجامع الأعظم بتلمسان. ورغم استرضاء

стр. 412

القائد حفيظ للشيخ بالدقيق والسمن ونحوهما فإن ابن للو قد رد كل ذلك عليه. بل تذهب الرواية إلى أن ابن للو قد أمسك بلحية القائد وجذبه منها إلى أن أخد منها شعرا، ثم أقسم أن يخرج من تلمسان (لأمر ما) ويسكن بلد النصارى. فأخذ أهله ونزل موضعا بوادي غريس ومنه إلى معسكر حيث استفتى العلماء في يمينه (١) ولا شك ان معاملة القائد التركي الآخر، وهو محمد بن سوري، للعلماء في تلمسان أيضا تستحق الذكر في هذا الصدد، وهي المعاملة التي أشار إليها صاحب (كعبة الطائفين) بالتفصيل، ويبدو منها أن مقام العلماء عندئذ كان غير محمود (٢). وهنا تحضر إلى الذهن أيضا معاملة الباي حسن بوهران للشيخ محي الدين وابنه عبد القادر (الأمير فيما بعد) حين توجههما إلى الحج سنة ١٢٤٣، فقد حجزهما عنده بدعوى الخوف عليهما. ولم يسمح لهما بالسير إلا بعد تدخلات وتوسلات واستعمال الرشوة. أما في قسنطينة فإن تدخل العسكر والبايات في شؤون العلماء كان أمرا ملفتا للنظر حقا. وإذا رجعنا إلى (منشور الهداية)، الذي عالج فيه صاحبه العلاقة بين العلماء والولاة، نجده يذكر الكثير من الحوادث التي سجن فيها العلماء وغرموا ونفوا وأهينوا وصودرت أموالهم حتى أن بعضهم كان يموت في سجنه، وبعضهم كان يمنع من (رفع القلم)، والمرء يحس وهو يقرأ هذه الحوادث أنه أمام رواية مضحكة مبكية في نفس الوقت. فهذا جد المؤلف، وهو عالم مفسر، يجد نفسه في قصر الباشا بالجزائر ثم يفر، رغم شيخوخته، إلى زواوة ثم يلقي عليه القبض ويعاد إلى الجزائر فيسجن ثم يطلق سراحه.

стр. 413

وكان معه في هذه المغامرة العجيبة عبد اللطيف المسبح أحد العلماء الفقهاء والرياضيين. كما روى نفس المؤلف أن جده لأمه (وهو محمد بن قاسم) الذي كان يشغل وظيفة مزوار الشرفاء والذي تصدر الفتيا، قد (متحن حين أراد العسكر قتله ومنع من رفع القلم والصعود إلى دار الإمارة) (١). ونفس المصير لقيه يحيى بن باديس، فقد (امتحن حيث أشرف (هو ومحمد بن قاسم المذكور) على الهلاك من فتنة العسكر) وكان الشيخ يحيى هذا متوليا للقضاء في قستطينة وخطابة جامع القصبة. وهذا أيضا يحيى بن محجوبة قد (تعددت محنه من دار السلطنة وكثرت سجونه وكثيرا ما يفر من الأوامر الواردة في الانتقام منه وأغرم مرارا) (٢) رغم أنه كان مفتيا وقاضيا. ولم يسلم الشيخ عبد العزيز النفاتي من المصير المظلم الذي كان ينتظر هؤلاء العلماء. فقد كان بينه وبين الباي محمد بن فرحات (الذي كان يحكم قسنطينة باسم العثمانيين) مغرم فطلبه منه فشح عليه به فوضعه في السجن إلى أن مات فيه. وقد ذكرت المصادر أيضا أن مفتي بسكرة قد فر إلى سيدي عقبة خوفا من عامله (٣). كما أن محمد بن بوضياف قد أساء بعض البايات معاملته حتى هدد في حياته رغم أنه تولى القضاء والفتيا (٤). ولكن بعض البايات كانوا على علاقة طيبة مع العلماء، فأمرة ابن جلول وأسرة البوني، بالإضافة إلى أسرتي الفكون وابن باديس اللتين ذكرناهما من قبل، كانت في الغالب محل ثقة واحترام البايات. وكان العلماء من جهتهم يعرفون أيضا مكانتهم عند البايات فيشاركونهم في السراء والضراء، فهم يهنئون الفائز ويعزون المحزون ونحو

стр. 414

ذلك من المواقف التي تحافظ على العلاقات الودية بين الطرفين (١). هجرة العلماء تحدثنا من قبل عن الهجرة الداخلية للعلماء حيث ينتقل بعضهم من مدينة إلى أخرى طلبا للعلم أو الحظوة أو الوظيف، أو من قرية إلى مدينة حيث الثقافة أكثر انتشارا، أو من المدينة إلى الريف للفرار من أوضاع معينة. ولكننا هنا نود أن نعالج ناحية أخرى من حركة العلماء وهي هجرتهم إلى خارج القطر الجزائري. وسنقصر حديثنا عن نوعين من الهجرة الخارجية: الهجرة المؤقتة والهجرة الدائمة. فأما الأولى فقد كانت في أغلب الأحيان لطلب العلم أو مجاورة بيت الله الحرام، وأما الثانية فقد كانت أغلبها هروبا من أوضاع غير مرضية، وللنوعين من الهجرة أسباب نود أن نأتي عليها باختصار. ويمكن حصر الأسباب في عوامل السياسة والاقتصاد والدين والعلم، فقد هاجر بعض علماء الجزائر، ولا سيما من تلمسان ونواحيها، إلى المغرب عقب استيلاء العثمانيين على مملكة بني زيان، وظلت موجة الهجرة نحو المغرب مستمرة حتى بعد أن استقرت الأوضاع للعثمانيين. وهناك عائلات انتقلت بأسرها إلى المغرب، ولا سيما فاس. والذي يقرأ (دوحة الناشر) و (البستان) يعرف الكثير من أسماء العائلات التي هاجرت إلى المغرب خلال القرن العاشر. ومعظم العائلات العلمية التي شاع أمرها بتلمسان في القرن التاسع انتقلت إلى هناك في القرن الذي يليه (٢).

стр. 415

ولم تكن معاملة الأتراك هي السبب المباشر في هذه الهجرة، ذلك أن الحروب الداخلية التي عرفتها المملكة الزيانية في أخريات أيامها وعلاقتها بالإسبان في وهران وضغط بني وطاس عليها من الغرب والعثمانيين من الشرق قد جعل العلماء لا يشعرون بالراحة ولا بالجو الملائم والاجتهاد في الرأي والحياد السياسي. فما كان من العديد منهم إلا أن حمل أمتعته وأهله وترك البلاد جملة حتى يهدأ غبار الفتن والمعارك. ومن أشهر من هاجر في تلك الظروف أحمد الونشريسي صاحب (المعيار) الذي درسناه في الفصل الأول. وقد كان وحده خزانة علم ودائرة معارف فقدت البلاد بهجرته ركنا أساسيا من أركان الحياة العلمية. وقد ظل ابنه عبد الواحد في فاس أيضا. وهو لا يقل شهرة عن والده. وقد قال عنه معاصروه انه (كان شاعرا مجيدا لا يقارعه أحد من أهل عصره) وأنه امتاز بالمهارة (في صناعة الإنشاء وعقد الشروط والوثائق). وكان لعبد الواحد مجلس خاص لا يحضره إلا أكابر العلماء. وقد تولى الفتيا والقضاء والتدريس. وظل قاضيا ثماني عشرة سنة ثم تفرغ للإفتاء. واشتهر بأنه كان لا يخشى صاحب السلطة في أمور الدين. وكان ذلك سببا في قتله على يد عملاء السلطان محمد المهدي الشيخ السعدي عندما رفض عبد الواحد الونشريسي مبايعته وخلع بيعة أحمد الوطاسي. وهكذا مات مقتولا عند أحد أبواب جامع القرويين سنة ٩٥٥ ضحية التقلبات السياسية (١). وقد ذكر ابن مريم جملة من هؤلاء العلماء الذين هاجروا إلى المغرب. فهذا محمد بن مرزوق الخطيب الذي دخل فاس وأجاز بها والذي كان حيا سنة ٩١٨. وهذا أحمد الواعزاني الذي استوطن فاس وتوفي بها سنة ٩٨١. وهذا محمد بن شقرون الوجديجي الذي نزل فاس وتولى الإفتاء في مراكش وأدركته الوفاة في فاس سنة ٩٨٣. وكذلك محمد بن عزوز الديلمي الذي انتقل من البادية إلى الحاضرة ثم قصد فاس حيث توفي. ونفس الشيء يقال

стр. 416

عن محمد بن محمد العباس الذي رحل إلى فاس. ولكن ابن مريم يقول إنه رجع بعد مدة إلى تلمسان (١). وأكبر موجة من الهجرة نحو المغرب حدثت بعد فشل الحملة السعدية على تلمسان. فقد رافق السلطان السعدي عند عودته إلى بلاده كثير من العلماء الذين كانوا قد أيدوا تدخله في تلمسان. وكان ذلك حوالي سنة ٩٦٨ هـ. ومن الذين هاجروا في هذه الأثناء محمد بن أحمد المعروف بابن الوقاد التلمساني الذي تولى عدة وظائف رسمية كالقضاء والإفتاء والتدريس في مدن مختلفة من المغرب كفاس ومكناس وتارودانت وسجلماسة. وقد أدركته الوفاة بتارودانت سنة ١٠٠١ هـ. وقد قيل إن ابن الوقاد رغم هذه الوظائف التي تولاها والظروف التي عاشها في تلمسان وفي المغرب على العهد السعدي قد حذر من العمل لدى الحكام حتى نسب إليه هذا البيت: كل التراب ولا تعمل لهم عملا ... فالشر أجمعه من ذلك العمل (٢) ومن الذين كانوا ضحية هذه الأوضاع بين العثمانيين والسعديين محمد بن عبد الرحمن المغراوي المعروف بابن جلال. فقد ولد بتلمسان سنة ٩٠٨ واشتهر بعلومه ومكانته وارتبط بالسلطان السعدي هناك. ولما حان وقت عودة السلطان إلى فاس رافقه ابن جلال إليها سنة ٩٥٨، فكان محظوظا لديه حتى قلده وظيفة الفتيا والتدريس والخطابة بجامع الأندلس ثم جامع القرويين. وظل في الموضعين أكثر من عشرين سنة. وقد أصبح ابن جلال عارفا بعلوم الوقت كالمنطق والفقه والعقائد والبيان والحديث والتفسير. وكانت له شخصية قوية حسب من ترجموا له. وفي فاس أصبح له تلاميذ معترف لهم كأحمد المنجور صاحب الفهرس. ويكفي ابن جلال أنه علم ابنه

стр. 417

المعروف بمحمد المرابط والذي تولى مثله الخطابة بالقرويين وجامع الأندلس (١). ولم يكن أحمد المقري صاحب (نفح الطيب) قد اشتهر أمره في تلمسان عندما هاجر منها إلى فاس. ذلك أن شهرته العلمية قد بدأت أثناء وجوده بالمغرب ثم بالمشرق. وعلى كل حال فقد قصد هو أيضا فاس وتولى بها الوظائف وانغمس في حمأة السياسة حتى كادت تأتي عليه رياح الفتنة التي أتت من قبل على عبد الواحد الونشريسي. ومهما كان الأمر فقد انفلت من ذلك الوضع بذهابه إلى مدينة الجزائر ومنها إلى المشرق حيث ظل إلى أن توفي، كما سنرى (٢). وهناك عالمان كان لهما شأن عظيم في المغرب خلال هذا العهد، الأول محمد بن عبد الكريم الجزائري، والثاني محمد بن أحمد القسنطيني المعروف بابن الكماد. ولا ندري موطن ابن عبد الكريم ولكنه يبدو أنه كان من علماء العاصمة لأن نسبته (الجزائري) عادة نسبة إلى مدينة الجزائر في ذلك الوقت. ومن جهة أخرى نعرف أن (عمدته) في التعليم هو سعيد قدورة، وهو من علماء العاصمة البارزين في وقته. كما أنه أخذ العلم على عدد من علماء مصر مثل علي الأجهوري والبابلي والفيشي والزرقاني والشنواني. أما في المغرب فمن مشائخه عبد القادر الفاسي وأبو علي اليوسي. وقد هاجر ابن عبد الكريم إلى فاس سنة ١٠٨٣ وكان قد تردد عليها قبل هذا التاريخ. ولعل ذلك كان بإغراء من علماء السلطان إسماعيل. فقد قدم على هذا السلطان الذي (أكرمه مرارا وكان يجله ويعظمه). ويبدو أن كفاءته العلمية هي التي مهدت له هذا الطريق لدى السلطان. فقد قيل إنه كان حسن الحديث والمحاضرة ممتع المجالسة. وإنه كان (دائرة للأدب

стр. 418

والتواريخ)، وهذا ما كان يرغب فيه السلاطين المتذوقين للآداب والأخبار بخلاف ولاة بلاده الجزائر. وقد توفي ابن عبد الكريم في فاس سنة ١١٠٢ (١). أما ابن الكماد (محمد بن أحمد القسنطيني) فقد رحل من قسنطينة إلى المغرب، وهو من عائلة شهيرة بالعلم والشرف تولت القضاء والتدريس والإفتاء في قسنطينة جيلا بعد جيل. وقد ذكرنا منها عمر الوزان. ولكن المنافسين كانوا كثيرين، وكانت طرق المنافسة غير شريفة. لذلك اختار عدد من العلماء الهجرة على الدخول في حمأة المنازعات الشخصية، ومنهم محمد بن الكماد الذي كان ينتسب إلى الشرفاء ويضيف إلى اسمه نسبة (الحسني). فبعد أن درس في زواوة على محمد المقري وفي العاصمة على محمد بن سعيد قدورة واشتهر بالحفظ، قصد فاس التي كانت موئل العلماء، لوجود جامعة القرويين من جهة ولأنها عاصمة سياسية غير عثمانية تحترم فيها العربية وعلومها. ولعلمه وفضله ازدحم الناس عليه ولا سيما عند تدريس الأصول على جمع الجوامع للسبكي. ولفت ذلك إليه نظر السلطان وارتفعت مرتبته (لدى أرباب الدولة ونال حظوة كبيرة) وكان دؤوبا على المطالعة لا يراه الرائي إلا دارسا أو مطالعا أو مقرئا. فهو منقطع للدرس كثير الصمت حتى (واجتمعت الكلمة على أنه أحفظ علماء عصره) وكان ابن الكماد قد دخل أيضا تطوان. ويبدو أنه لم يجد فيها الاستقبال اللائق به فقال بيتا ذهب مضرب المثل: لهف نفسي على كسوف ... شمس العلوم وذلة الغرباء ولانقطاعه للتدريس لم يؤلف الكتب. ويذكر له مترجموه أجوبة على نوازل مختلفة كانت ترد إليه من العامة والخاصة. ولكننا لا نعرف ما إذا كانت

стр. 419

هذه الأجوبة مدونة ومحفوظة أو هي قد ضاعت (١). وقد توفي سنة ١١١٦ وترك تلاميذ من أبرز علماء المغرب في وقتهم مثل محمد بن عبد السلام البناني الذي تحدث عن شيخه في فهرسه (٢). وإدريس بن محمد المنجرة الذي ترجم له أيضا في فهرسه. وكان ابن الكماد متمكنا من علوم شتى كالمنطق والتوحيد والحديث والفقه وفروعه (٣). ويعتبر سعيد المنداسي من أبرز الشعراء المهاجرين إلى المغرب لأسباب سياسية أيضا، وهو من الشعراء المهرة في الفصيح والملحون، وصاحب القصيدة الشهيرة (بالعقيقة). وقد قال في الترك شعرا يهجوهم فيه هجاء مقذعا. وسنعود إليه عند حديثنا عن الأدب. وقد قيل إن السلطان محمد بن الشريف العلوي قد منح المنداسي نحوا من خمسة وعشرين رطلا من خالص الذهب جائزة له على بعض أمداحه فيه (٤). ولكن هجرة الجزائريين نحو المغرب لم تكن كلها لأسباب سياسية، فقد كان طلب العلم أهم مقصد لهم. غير أن بعض العلماء كانوا يجدون بعد ذلك الحياة في المغرب أفضل وأرحب منها في الجزائر فيختارون الإقامة، ثم أن عددا منهم كانت لهم جذور تاريخية من أسر وأنساب وتجارة وغير ذلك. وقد كان الجو العلمي في المغرب أفضل منه في الجزائر رغم تقلب الأحوال السياسية فيه، فقرب المغرب من الأندلس وكثرة مراكز التعليم والعواصم العلمية ووفرة المكتبات ووجود القرويين وتقدير ولاة المغرب لأهل العلم - كل ذلك لعب دورا في جلب علماء الجزائر إلى هناك. وسنعرف بعد قليل أن

стр. 420

بعض علماء المغرب كانوا يقصدون الجزائر لأغراض مختلفة. ومن أسباب هجرة العلماء الجزائريين تورط بعضهم في المشاكل السياسية المحلية. وقد حدث ذلك لعيسى الثعالبي الذي كان محظي يوسف باشا، كما أسلفنا، وحدث أيضا ليحيى الشاوي. وكلاهما هاجر إلى المشرق. ومنهم أيضا ابن الترجمان، وهو علي بن محمد الجزائري (من مدينة الجزائر) الذي قال عنه الجبرتي إنه كان (أحد أذكياء العصر، ونجباء الدهر، من جمع متفرقات الفضائل، وحاز أنواع الفواضل، الصالح الرحلة ..) وقد ولد ابن الترجمان بمدينة الجزائر سنة ١١٣٠، وهو من عائلة تنتمي إلى الشرف. وقد حصل كثيرا من العلوم. وممن أجازوه المنور التلمساني. وكانت لابن الترجمان حياة مليئة بالمغامرات والتقلبات. ولعل ذلك كان سبب بلائه وموته بعيدا عن بلاد الإسلام. فقد أقام بمصر طويلا وبنى بها دارا حسنة قرب الأزهر. وكانت له بها مكانة خاصة لدى الأمير أحمد آغا، أمين دار ضرب السكة. فكان لا يفارقه وهو الذي أغدق عليه العطايا. وكان ابن الترجمان أيضا كثير الشعر والترحال. وكان رغم ترحاله يدعي أنه لا يستغني عن النساء، فكان يصطحب معه واحدة أو اثنتين منهن. وقد سافر إلى أناضوليا وحظي عند (أرباب الدولة) بمقام كبير، واشتهر عنه أنه صاحب عشرة حسنة. وصادف سفره إلى إسطانبول استعداد الدولة العثمانية للجهاد ضد روسيا. فكتب ابن الترجمان إلى السلطان مصطفى يخبره أن من قرأ استغاثة أبي مدين الغوث في الجهاد حصل له النصر على عدوه. ولكن السلطان كان أذكى منه إذ دعاه أن يشترك بنفسه في الجهاد وأن يدعو بنفسه أيضا باستغاثة أبي مدين. وتذكر المصادر أن ابن الترجمان قد توجه (رغم أنفه مع المجاهدين) ولكن الدائرة دارت على الجيش العثماني فأسر ابن الترجمان مع الأسرى المسلمين وأخذ إلى روسيا ومات مأسورا في موسكو (شهيدا غريبا) لأن أحدا لم يتقدم لافتدائه أو يفاوض عليه، كما يقول الجبرتي. وكانت وفاته سنة ١١٨٥.

стр. 421

وقصة ابن الترجمان تذكر المرء بقصة رحالة آخر ومغامر مثله، وهو عاشور القسنطيني المعروف بالفكيرين. فقد كان والده من علماء قسنطينة، وتنقل عاشور في الأرض كثيرا فدخل بلاد السودان وتونس وحج وتولى وظائف التدريس وخصوصا في تونس. ولما رجع إلى قسنطينة صادف (مظلمة) فاختار الخروج منها ثانية ولم يعد إليها. فقد أدركته الوفاة مهاجرا في مكة المكرمة سنة ١٠٨٧ (١). ومهما يكن من شيء فإن الأوضاع السياسية والاقتصادية والمظالم هي التي كانت السبب في هجرة عاشور الفكيرين الأولى والثانية. وهناك شخصية غريبة أخرى اختارت مصر مستقرا لها، ومع ذلك لا نعرف عنها إلا القليل، فقد روى الجبرتي أن أحمد الجزائري (ويسميه أبا العباس المغربي) الذي كان من صحراء عمالة الجزائر قد دخل مصر صغيرا وتتلمذ على مشائخها، مثل علي الصعيدي، ومهر، كما يقول الجبرتي (في الأدب والفنون)، ثم أذن له في التدريس فصار يقريء الطلبة برواق المغاربة، وشاع أمره وذاعت أخباره لفصاحة لسانه وجودة حفظه. وبعد أداء الحج سنة ١١٨٥ والمجاورة بالحرمين عاد إلى مصر وأصبحت له فيها مكانة عالية، وعظم أمره حتى أشير إليه بالمشيخة في الرواق ولكن تعصب البعض ضده، فلم يحصل له ذلك. وكل ما حصل عليه أحمد الجزائري هو نظارة المدرسة الجوهرية. وكان لذلاقة لسانه وكثرة أتباعه له خصوم أيضا. فقد قال عنه الجبرتي إنه كان (يتقى شره). وقد توفي سنة ١٢٠٢ (٢). وما تزال حياة أحمد بن عمار غامضة في نهايتها على الأقل. فنحن نعرف أنه أيضا قد حج وجاور بالحرمين مدة طويلة، وأنه ذهب إلى تونس

стр. 422

ومصر، كما سنعرف (١). ولكننا لا نستطيع أن نجزم هنا أن أحمد بن عمار كان من المهاجرين نهائيا. كما أننا لا نستطيع أن نؤكد ذلك بالنسبة لمعاصره وصديقه عبد الرزاق بن حمادوش، صاحب الرحلة والآثار العلمية الأخرى. فقد ولد ابن حمادوش وعاش وتثقف بالجزائر وتوظف، ثم تنقل بين المغرب وتونس ومصر والحجاز، ولكننا لا نعرف ما إذا كان قد عاد إلى بلاده أو ظل خارجها إلى وفاته (٢). ويمكننا أن نغامر فندعي بأن كلا من ابن عمار وابن حمادوش مات في مهجره ولم يعد إلى الجزائر. ومن الذين كانوا يشعرون أيضا بمأساة خارج الجزائر لأسباب لا نعرفها (ولعل من بينها النفي السياسي) الشيخ محمد بن أحمد الشريف الذي كان دائما يكتب بعد اسمه أنه جزائري المولد والنشأة أزميري الوطن والملجأ. فقد ذكر أن من شيوخه في الجزائر محمد بن عمر المانجلاتي ومحمد زيتونة التونسي ومصطفى بن إبراهيم الأزميري. وقد ترك محمد بن أحمد الشريف عدة تآليف في الحديث والفقه سنعرض إليها في الجزء الثاني. ويبدو أنه استوطن بعد الجزائر أزمير واتخذها منفاه، ثم تنقل فذهب إلى الحجاز حيث بقي فترة مجاورا وتعرف هناك على أحد الوزراء العثمانيين، وهو أحمد باشا نعمان، الذي أصبح شيخا للحرم الشريف. وقد استجازه هذا الوزير فأجازه (تطييبا لخاطره، وتنشيطا لفكره وناظره) سنة ١١٥٤. والغالب على الظن أن محمد بن أحمد الشريف قد توفي في مهجره حوالي سنة ١١٥٩. وتطول بنا القائمة لو حاولنا استقصاء العلماء الذين هاجروا وقضوا حياتهم في المهجر، فالأسباب عديدة وقد أشرنا إلى أهمها. والبلدان التي توجهوا إليها متعددة المشارب حسب المغريات العلمية والسياسية التي يجدها المهاجر. غير أن بعضهم كان يعود إلى وطنه كحمودة المقايسي

стр. 423

والحسين الورتلاني وأبي راس ومحمد الزجاي، وبعضهم يظل في مهجره. وقد زاد من المخاطر التي كان العلماء يتعرضون إليها، بالإضافة إلى ما ذكرناه، كثرة الأوبئة والنكبات الطبيعية. وإذا كانت هذه النكبات تترك آثارها على كل الناس وتصيب كل المجتمع فإنها بدون ريب كانت تترك آثارا أخطر على فئة العلماء، لأن (الكرام قليل) وعدد المثقفين كان قليلا حقا. وتتحدث كتب التراجم عن العلماء الذين أودى بحياتهم الطاعون. فصاحب (البستان) يذكر الطاعون الذي حدث سنة ٩٨١ ووفيات العلماء الذين كانوا ضحية له، أمثال محمد أبو السادات، ومحمد الجابري، ومحمد بن موسى الوجديجي. ويذكر الفكون أيضا الطاعون الذي حدث سنة ٩٨٢ وسنة ١٠٣١ ويذكر ضحاياهما من العلماء أمثال شيخه محمد التواتي وأحمد بن ثلجون وبركات المسبح وعبد اللطيف بن عبد الكريم بن سعيد. وهناك مصادر أخرى تتحدث عن أثر الوباء على العلماء مثل رسالة (أنيس الغريب والمسافر) لمسلم بن عبد القادر. فإذا أضيف ذلك إلى عوامل السجن والنفي والإعدام والإبعاد عن الوظائف السياسية ونحوها أدركنا الجو الذي كان يعيش فيه علماء الجزائر في العهد العثماني وأدركنا بالضرورة أنه لم يكن جوا يساعد على الاستقرار والإنتاج الثقافي. العلماء المسلمون في الجزائر من الصعب تحديد عدد العلماء المسلمين الذين وردوا على الجزائر خلال العهد العثماني وبيان وظائفهم وذكر بلدانهم ونوع ثقافتهم وأهدافهم. فالعالم الإسلامي كان وطنا واحدا يتنقل فيه العالم من طرفه إلى طرفه الآخر دون أن يسأله أحد أين هو ذاهب. وكان العلماء من حيث المبدأ لا وطن لهم، فهم حيث مصالحهم الخاصة والعامة. ومع ذلك فقد وجدت ظروف ساعدت على هجرة العلماء من بلد إلى آخر. وقد عرفنا منها الظروف السياسية والاقتصادية وطلب العلم.

стр. 424

وكان العلماء يترددون على الجزائر ويعملون فيها حتى قبل مجيء العثمانيين. فقد نزلها علماء الأندلس قبل نكبة ٨٩٧ (١٤٩٢) وبعدها (١). ورافق بعض العلماء الحملات العثمانية على سواحل المغرب العربي، كما رافقوا الباشوات الذين عينوا من إسطانبول لإدارة البلاد وتمثيل السلطان. وكان بعض هؤلاء العلماء موظفين رسميا كالقاضي الحنفي. ولكن بعضهم كان يأتي بدون تعيين. فهو باحث عن الفرص والمال أو عن نشر العلم والطرق الصوفية. وكان بعض العلماء يتعاطون أيضا التجارة في بلدانهم فجاؤوا إلى الجزائر إما للاستمرار في التجارة وإما للتدريس بدلها. ولم يكن كل العلماء الذين وردوا على الجزائر على جانب كبير من العلم والنزاهة فقد كان فيهم المغامر والانتهازي ودعاة المذاهب السرية. وكان بعضهم قد استقروا في الجزائر ولم يعودوا إلى بلدانهم. فقد كانوا يتزوجون ويظلون مع أزواجهم وأطفالهم حتى بعد الانتهاء من الوظيفة التي عينوا للقيام بها - وقد ذكر ابن المفتي عددا من هؤلاء. ومن العلماء القادمين على الجزائر من لم يكن عالما بمعنى الكلمة وإنما كان في ركاب أهل العلم كالخطاطين والنساخين والوراقين وغيرهم. وقد ذكرنا بعضهم فيما مضى (٢). وقد ظل بعض رجال العلم العثمانيين يأتون إلى الجزائر حتى بعد تقادم العهد. ففي النصف الثاني من القرن الحادي عشر ورد على الجزائر في ظروف غامضة أحد القضاة، وهو القاضي المولى علي، الذي يبدو أنه كان يتمتع بشهرة دينية واسعة، حسب رواية الفكون. فقد قال عنه إنه جاء إلى قسنطينة زمن السلطنة الأحمدية (أي السلطان أحمد ١٠١٣ - ١٠٢٧) فهرع إليه عسكرها وواليها وعظموه تعظيما لا نظير له. ونزل هذا القاضي عند الفكون باعتباره (شيخ الإسلام) في قسنطينة. وكانت له مكتبة ضخمة ينقلها معه، وله مشاركة في علوم كثيرة, ومن قسنطينة توجه القاضي إلى مدينة

стр. 425

الجزائر وأقام بها وصار له هناك صيت عظيم. واستقل أياما بالإمارة حتى صدر الأمر عن نظره. وقد تزوج بمدينة الجزائر أيضا وأصبح من أهلها. ولكن الدائرة دارت عليه. فهل جاء المولى علي ليعيد نفوذ السلطان لدي الأوجاق إلى سالف عهده ففشل؟ أو هل كانت له أغراض أخرى لم يكشف عنها إلا للمقربين إليه؟ وعلى كل حال فإن السلطات العثمانية قد قلبت له ظهر المجن بعد أن عرفت غرضه، فامتحنته امتحانا عسيرا ثم نفته من الجزائر، بل أخرجه عسكر الجزائر (وهم الأوجاق) عن أهله وماله، فذهب إلى تونس حيث توفي (١). ومن الأتراك الذين وردوا على الجزائر في العهد العثماني الأخير الشيخ مصطفى خوجة، فقد حل بها سنة ١١٦٨ وعين منذ وصوله إماما لجامع خضر باشا حيث ظل ثماني عشرة سنة. ثم تولى وظائف أخرى إدارية مثل حامل الراية وكاتب التذكرات، وشارك شخصيا في الحرب ضد الأوروبيين أثناء حملة أوريلي الشهيرة على الجزائر، وبالإضافة إلى الإمامة والجهاد ألف بعض التآليف بالتركية عن الحوادث التي جرت أمامه وعاشها. ومن ذلك كتابه (التبر المسبوك في جهاد غزاة الجزائر والملوك) (٢) و (رسالة مضحكات وعجائبات) (٣)، وهي عن الصلح بين الجزائر وإسبانيا. ولا ندري بأية لغة
следующие страницы →