بقي أن نتحدث عن الخطب الدينية ثم التعليمية والتأبينية. ونعني بالخطب الدينية خطب المساجد الخاصة بالجمعة والأعياد، وهي عادة يلقيها خطباء مختصون، ويمتازون بالفصاحة والبيان، والقدرة على الإسماع وحفظ القرآن، وكان الإمام العادي لا يقوم بالخطابة وإنما يؤدي الصلوات، أما الخطيب فله دوره وميزاته الأخرى كالتأثير في الناس وطلاقة اللسان، والتمكن من التفسير والحديث. ولذلك كان تجنيد الخطباء ليس بالأمر الهين، لأن عامة الناس هم الذين يحضرون للصلوات اليومية، أما صلاة الجمعة والأعياد فيحضرها الأعيان وقد يحضرها كبار المسؤولين والضيوف. وهكذا يحتاج الأمر إلى شخصيات علمية وسياسية أيضا.
أما في العهد الفرنسي فقد ضعفت الخطابة الدينية بالتدرج لضعف مستوى الثقافة وهجرة العلماء الأكفاء وإعطاء الوظيف لمن سأله لا لمن استحقه، بل لمن رضيت عنه السلطات الفرنسية. وكانت الإدارة هي التي تعد الخطب وتصوغها وتقدمها للخطيب فلا يخرج عنها إلا للأدعية والأذكار إذا شاء. وموضوعات الخطب سلبية جامدة، فلا تتحدث إلا عن العبادات وأحوال الآخرة والأموات وعذاب القبر.
وقد لاحظ حمدان خوجة منذ البداية أن العلماء قد ذلوا ولم يعد في إمكانهم مصارحة السلطات الفرنسية بما يجري أو بما يعتقدون لكثرة القمع والجوسسة من حولهم. وكانت أية كلمة إضافية خارجة عن نطاق الورقة المكتوبة يحاسب عليها صاحبها، حتى الدعاء للسلطان والخلفاء الراشدين ونصرة الدين قد غير صيغته الفرنسيون منذ بداية الاحتلال، ولم يعد في استطاعة الخطيب في الجمعة مثلا أن يدعو بالنصر للسلطان العثماني ولا باتباع السلف الصالح، بل إن الإدارة الفرنسية جعلت الخطباء ينوهون بأعياد فرنسا والدعاء لحكامها. يضاف إلى ذلك ضعف اللسان وقهر الجنان. ولقد
стр. 3607
شاهدنا خطباء في المساجد الرسمية لا يكادون يهجون حروف الخطبة المكتوبة. فنحن إذن أبعد ما نكون عن البيان والبلاغة والبحث عن نماذج للخطابة الأدبية التي نحن بصددها.
هناك أسماء لعلماء اشتهروا مع ذلك بالخطابة في المساجد الرسمية. وقد أشاد بهم معاصروهم، لأن خطبهم لم تصل إلينا. فبالإضافة إلى مصطفى الكبابطي الذي كان يمثل بقية الجيل السابق للاحتلال نذكر حميدة العمالي وعلي بن الحفاف، وكلهم خطباء الجامع الكبير بالعاصمة. وكان أبو القاسم بن الشيخ قد ولى الخطابة في الجامع الكبير أيضا ولكن بعض تلاميذه قالوا إنه كان ينيب غيره في ذلك. ولا شك أن ذلك ليس تواضعا منه، فإما أن يكون خجولا أو خائفا، أما علمه فلا شك فيه، كما أن المنصب المذكور قد تولاه محمود كحول، وكان من الكتاب والصحفيين والشعراء والمدرسين. ولا ندري تأثيره في الخطابة ما دام لا يستطيع الخروج عما رسم له.
أما في قسنطينة فقد اشتهر من الخطباء والمفتين المولود بن الموهوب. وقد سبقه في الخطابة بالجامع الكبير محمد الصالح بن مهنة الذي سنتحدث عن خطبه. وكان علي بن عبد الرحمن مفتي وهران مدة طويلة، ولكننا لا نعرف أنه كان متوليا للخطابة فيها أيضا. وكان ابن عبد الرحمن هذا من علماء الوقت. وكان هناك خطباء جمعة وأعياد آخرون قادرين لو أتيحت لهم الفرصة ومنحت لهم الحرية في القول والإنشاء وتناول الموضوعات الحيوية المتعلقة بالمعاملات والحياة الاجتماعية. وقد عرف من الخطباء المرتجلين - وهذا غريب - الشيخ أبو يعلى الزواوي، وهو الذي سن نوعا من الخطب سنتحدث عنه بعد قليل. لقد كان الفرنسيون يعتبرون اللغة العربية قد ماتت ولم يبق لها سوى الاستعمال التعبدي في الصلوات حيث لا يفهمها أحد وحيث يكون مصيرها هو مصير اللاتينية.
ولكن ليس كل رجال الدين كانوا موظفين لا يخطبون إلا من أوراق مكتوبة أو كانوا عاجزين عن الخطابة الفنية. نحن سلم أن المساجد منها
стр. 3608
الرسمي الموضوع تحت إدارة الشؤون الأهلية ومنها ما هو مستقل عنها. والنوع الأول هو الذي كان خطباؤه معينين رسميا ولا يخرجون عما ترسمه لهم الإدارة قيد أنملة، وهي التي كانت تدفع إليهم المرتبات الشهرية. أما النوع الثاني من المساجد فقد كان خطباؤه أحرارا مستقلين عن الإدارة ولا تدفع لهم شيئا، وإنما كانوا يعينون من قبل الجماعات أو كانوا متطوعين. وبعض المساجد كانت تابعة للزوايا وكان خطباؤها من المرابطين. والمساجد الأخيرة - المستقلة أو التابعة للزوايا - هي التي كان خطباؤها يعالجون موضوعات غير مملة، موضوعات اجتماعية ودينية تهم العامة والتربية العمومية. ولكن الإدارة الفرنسية كانت تراقب هذا النوع من خطباء المساجد عن طريق المكاتب العربية الرسمية وعن طريق الجواسيس الذين تبثهم في المصلين والمستمعين، وكذلك عن طريق القياد وشيوخ الأعراش وأعوانهم.
ولكن الزمام كان يفلت أحيانا من يد الإدارة عند وقوع ثورة من الثورات، مثل ثورة ١٨٧١ وثورة ١٨٨١. فالخطيب حنيئذ يصبح هو نفسه داعية للتمرد وتصبح الكلمات مثورة ومهيجة. وليس لدينا أمثلة كثيرة على ذلك. ومنه ما قام به أبو القاسم البوجليلي أثناء ثورة ١٨٧١، فقد كان يخطب الجمعة ويعلن ولاءه للسلطان عبد العزيز العثماني. والمعروف أن فرنسا عندئذ قد هزمت في أروبا على يد بروسيا وأن حالة الاستنفار قد أعلنت في الجزائر على يد عدد من دعاة الثورة. وكان البوجليلي من الزعماء الرحمانيين ومن كبار المربين في وقته. وقد قيل إن خطبه كانت تدعو على هذا النحو: اللهم انصر خليفتك الإمام الناشر لواء الإسلام، ذا الأمانة والأمان، عبد الحميد (كذا) خان، اللهم انصره نصرا تعز به الدين، وتذل به رقاب الكافرين، اللهم أهلك الكفرة وما ابتدعوا، وشتت شملهم وما جمعوا، ووهن كيدهم وما صنعوا، واجعلهم فيئا للمسلمين، وغنيمة للموحدين، وانصرنا عليهم يا خير الناصرين) (١).
стр. 3609
ولا شك أن هناك خطباء آخرين مستقلين أو مرابطين كانوا يجيدون الخطبة بقطع النظر عن الموضوعات السياسية والثورات. لأن هؤلاء عادة كانوا يتطوعون عندما يحسون في أنفسهم القدرة على هذه المهمة وهي الخطابة الارتجالية ذات الموضوعات الحية واللغة السليمة. كما أن إقبال الناس عليهم كان متوقفا على إجادتهم فن القول والإقناع.
والنوع الأخير من الخطب هو ذلك الذي كان يلقى في مناسبات تعليمية أو تأبينية. والمقصود بالتعليمية تلك التي تكون في الاحتفالات بافتتاح المدارس أو بتوزيع الجوائز على التلاميذ. وقد حدث ذلك أثناء الاحتفالات التي كان يحضرها المديرون وبعض الوزراء، وكان بعض الجزائريين يتكلمون فيها ترغيبا في العلم وإشادة بجهود فرنسا. ومن نماذج ذلك ما خطب به حسن بريهمات عندما كان متوليا إدارة المدرسة السلطانية - الرسمية - بالعاصمة، وفي عدة مناسبات أخرى.
من ذلك الحفلة التي أقيمت في قسنطينة في يوليو ١٨٦٩ لتوزيع الجوائز على تلاميذ المدرسة السلطانية - في عامها الثاني عندئذ - ومن التلاميذ المجازين: عبد الكريم بن باديس الذي تفوق في الترجمة، وحسن بن محمد العنابي (١) في الأدب، وحميدة بن عمر في الرياضيات. بينما الخطابة الرئيسية تولاها الحاج أحمد المبارك صاحب تاريخ حاضرة قسنطينة، وكان المبارك هو أحد المدرسين بالمدرسة، وكان مفتيا أيضا ومن أعيان المتصوفة. وكانت خطبته مسجعة على هذا النحو: (الحمد لله الذي شرف من هداه بالعلم لحسن العمل، وزينه بالآداب المنيلة لغايات الأمل ...) وقد دعا فيها بطول العمر لنابليون الثالث وسماه في الخطبة
стр. 3610
(مولانا وولي نعمتنا السلطان الأعظم والملك الأفخم ... أن من عظيم النعم الإلهية على هذه الأمة الإسلامية، أن تكلفتها (كذا) ولاية هذا السلطان الكريم، الشفيق الحليم). والغريب أن الشيخ أحمد المبارك الذي كان من أنصار الحاج أحمد باي حتى عندما انهزم واستسلم سنة ١٨٤٨، وهو الموقف الذي تسبب في عزل الشيخ نفسه من وظيفته فترة، قد تحول إلى نصير علني لنابليون الثالث واعتبر احتلال الجزائر (من الألطاف الخفية). فقد قال الشيخ في خطبته التي كان من المفروض أن تقتصر على العلم والجوائز: (ومن الألطاف الخفية استيلاؤه (أي نابليون) على هاته الأرض الجزائرية ... ومن أوامره السعيدة ... إحداث هذا القصر المشيد ... لتعليم أولادنا وتأديبهم، ونفع ذلك عائد عليهم وعلى أهليهم ... وما رغبة مولانا السلطان إلا الاتحاد بين الجنسين ومؤخات (كذا) الفريقين (١)).
كما حضر الوزير الفرنسي، كومبس، سنة ١٨٩٦ توزيع الجوائز على بعض المدرسين والمتعلمين في مدرسة الجزائر وألقيت بين يديه كلمات من الأعيان، بعضها باللغة الفرنسية (٢). وقد حدث ذلك أيضا عند افتتاح المدرسة الثعالبية الجديدة، ونحو ذلك، ولكن في معظم هذه المناسبات كانت الخطابة روتينية وفيها عبارات المجاملة، وأحيانا بالفرنسية. فهي لا تدخل فيما نحن فيه تجاوزا. غير أن حفلات افتتاح المدارس وتوزيع الجوائز قد اتخذت طابعا آخر في عهد الحركة الإصلاحية، وكانت مناسبة هامة في حياة اللغة العربية حيث يتفاصح الخطباء مشيدين بالعلم والتربية، داعين للنهضة، طالبين للتبرعات وتوسيع المشاريع الخيرية.
أما الخطب التأبينية فنعني بها الكلمات التي تلقى تنويها بجهود بعض الأعيان المتوفين. وكانت هذه الكلمات بالعربية الفصحى وأحيانا كانت
стр. 3611
ارتجالية وأحيانا مكتوبة. وكان بعضها يلقى عند الوفاة وبعضها بعد حين، كإقامة ذكرى الأربعين. ولنبدأ بالإشارة إلى حفل التأبين الذي أقيم في العاصمة للخليفة حمزة زعيم أولاد سيدي الشيخ سنة ١٨٦١ (١). وكان الخطيب هذه المرة هو حسن بريهمات وهو الذي تقبل التعازي أيضا بتكليف من المارشال بيليسييه. وحين توفى أحمد بن محمد التجاني سنة ٧ ١٨٩ أقيم له حفل تأبين في الجامع الجديد بالعاصمة خطب فيه بعض الأيمة والمرابطين والقياد بحضور جول كامبون (الحاكم العام) على رأس من حضر من الجهاز الإداري الفرنسي.
وكثيرة هي المناسبات التأبينية والخطابة فيها. فحين توفي المستشرق موتلانسكي، مدير مدرسة قسنطينة الرسمية، أقام له الفرنسيون هناك حفلة تأبين ودعوا إليها بعض العلماء الجزائريين، فألقى هؤلاء خطبا مناسبة. ولكن مجلة (روكاي) نشرت كل الكلمات ما عدا كلمات العلماء الجزائريين لأنها - كما قالت - بالعربية! ووقع تأبين محمد بن شنب الذي توفي سنة ١٩٢٩ في حفلة أقامها أدباء وعلماء العاصمة، وحضرها الإبراهيمي والمدني والعاصمي والهادي السنوسي ومحمد العلمي وعبد القادر الحاج حمو (فكري). وقد جمعت هذه الكلمات في كتاب بعنوان (ذكرى الدكتور ابن شنب) (٢). وقد ذكر المدني في شيء من المبالغة أن مدينة الجزائر قد أقامت لابن شنب حفلة تأبين لم تعرفها من قبل ولا عرفها شمال إفريقية!.
وعند وفاة ناصر الدين ديني، الفنان الفرنسي الشهير، أقيمت له حفلة تأبين في بو سعادة إثر جلب جثمانه من فرنسا حيث توفي، وكان ذلك في آخر يناير ١٩٣١. وقد حضر الحفلة وخطب فيها الشيوخ: المدني والعقبي وغيرهما، وكلماتهم مسجلة في الصحف المعاصرة (٣).
стр. 3612
أما الخطب السياسية الحديثة فقد كانت انطلقت مع ظهور الأحزاب والتجمعات والمؤتمرات والانتخابات. وقد أصبح لكل حزب وجمعية خطباؤها. واستعملت لذلك العربية والفرنسية واللهجات المحلية. وكان خطباء جمعية العلماء لا يتدخلون في السياسة علنا، ولذلك نجد تدخلاتهم مصبوغة بالصبغة الدينية والاجتماعية أو مغلفة. المناسبات السياسية التي ظهروا فيها وألقوا خلالها بخطبهم إلى الجمهور، هي المؤتمر الإسلامي ولواحقه سنة ١٩٣٦، وقد ظهر فيه ابن باديس والعقبي والإبراهيمي بشكل واضح. ويجد الباحث وصفا لذلك في الجرائد والمجلات المعاصرة كالشهاب والبصائر.
والمناسبة الثانية هي انعقاد ندوة جبهة الدفاع عن الحرية سنة ١٩٥٢. وقد خطب فيها الشيوخ: العربي التبسي ومحمد خير الدين وأحمد توفيق المدني. والنصوص موجودة في البصائر والمنار. وكان الشيخان التبسي والمدني من المرتجلين للخطب، ويغلب على الأول الطابع الديني والاجتماعي، وعلى الثاني الطابع السياسي. وقد حضرت بنفسي خطابا مرتجلا للشيخ المدني (وكان من طبعه ارتجال الخطب) في باتنة سنة ١٩٥٤ عند افتتاح إحدى المدارس أمام جماهير غفيرة، فكان خطابه مؤثرا ومثورا. كما حضرت خطاباته السياسية في القاهرة باسم جبهة التحرير الوطني في عدة مناسبات وأمام جموع الطلبة والمثقفين المشارقة. وكانت الموضوعات عند الخطباء المذكورين وأمثالهم هي السياسة العامة، والحقوق، والمظالم، والتربية والتعليم، وإحياء الأمجاد والإشادة بالعرب وأبطال المسلمين، والدفاع عن العربية والإسلام.
أما الخطب السياسية التي كانت الأحزاب الأخرى تشارك بها باللغة العربية، فكانت قليلة. وقد قيل إن الخطابة السياسية الحديثة بدأت بالأمير
стр. 3613
خالد. وكان حزب الشعب قد جند عددا من الخطباء بالعربية بعد الحرب الثانية، وهم عادة من خريجي الزيتونة أو المدارس العربية في الجزائر. فظهرت أسماء العربي دماغ العتروس، وأحمد بوده، وهما عضوان في الحزب وخطيبان باسمه. ورغم انتماء الشيخ العباس بن الشيخ الحسين وعبد القادر الياجوري إلى جمعية العلماء فإن خطبهما كانت سياسية وتميل إلى سياسة حزب الشعب، ولا سيما الثاني. ولكن خطباء الأحزاب السياسية كانوا ضعافا في العربية إلا القليل منهم. مثل عبد الحميد مهري ولم نجد لحركة النواب ولا لحزب البيان خطباء بالعربية، بل كانت خطب زعماء الهيئتين بالفرنسية. ومثال ذلك خطب مصالي، زعيم حزب الشعب. فرغم أنه كان يتحدث العربية الدارجة فإنه كان يفضل الخطابة بالفرنسية، وربما يرجع ذلك إلى أن أتباعه كانوا يفهمونه بالفرنسية أكثر من العربية. ومن خطبه المزدوجة ما ألقاه في تجمع المؤتمر الإسلامي سنة ١٩٣٦ (١) بالعاصمة عند رجوعه إليها لأول مرة بعد غيبة دامت اثنتي عشرة سنة، ومن الخطباء السياسيين بالفرنسية الدكتور محمد الصالح بن جلول وفرحات عباس والحكيم سعدان. وكان الأمير خالد يخطب باللغتين. ومن خطبه السياسية بالفرنسية خطابه أمام رئيس الجمهورية الفرنسية سنة ١٩٢٢، عند زيارته للجزائر. وبعد نفيه (١٩٢٣) ألقى الأمير خالد عدة خطب بالفرنسية في باريس، ولا سيما أثناء عقد المؤتمر الأول لعمال شمال إفريقية سنة ١٩٢٤. أما خطبه السياسية بالعربية فلعل في جريدة (الإقدام) نماذج منها.
محمد الصالح بن مهنة وكتابه
محمد الصالح بن مهنة (٢) طور الخطابة في نظره وجعل لها أسلوبا
стр. 3614
ونماذج. وألف في ذلك كتابا ما يزال مخطوطا. وكان تلاميذه وبعض الخطباء يتداولونه للاستفادة منه. وحياته قد ألممنا بها في عدة بطاقات من مخطوطاته التي اطلعنا عليها، ومن تعاليقه على رحلة الورتلاني التي نشرها بتونس. ولكن تلك البطاقات قد ضاعت منا كلها سنة ١٩٨٨، ولم نستطع تعويضها جميعا، وإنما تمكنا من إعادة الاطلاع على كتابه (الفتوحات الأزهرية في الخطب المنبرية الجمعية). ومن الواضح أن الكتاب في الخطب الجمعية. وكان هو نفسه قد تولى ذلك في الجامع الكبير بقسنطينة فترة طويلة. وكان قد درس في الأزهر في ظروف لا نعلم الآن منها كيف سافر ولا متى ولا كم أقام هناك ولا بعض شيوخه. فهل عاش في مصر زمن الخديوي إسماعيل وجمال الدين الأفغاني والثورة العرابية والاحتلال الإنكليزي؟ أو عاش فيها بعد ذلك؟ وما الظروف التي وظفته فيها السلطات الفرنسية بينما هي كانت تشك في كل من درس خارج الجزائر؟ وقد صادف ابن مهنة في قسنطينة علماء آخرين واردين عليها مثل عاشور الخنقي وعبد القادر المجاوي ومحمد بن شنب. وحسب بعض المعلومات فإن ابن مهنة كان من مدينة القل أو نواحيها. وقد تعرض في بعض كتاباته، وربما خطبه أيضا إلى مسألة الأشراف، ويبدو أنه فرق بين الطائعين منهم والعصاة. ونفهم من هجوم عاشور الخنقي عليه أنه اعتبر عصاة الأشراف مثل كل العصاة. وكانت هذه المسألة حساسة في الجزائر بل في المشرق أيضا. فقد كثر المرابطون وأدعياء الشرف منذ السبعينات من القرن الماضي، وروجت الدعاية العثمانية عن طريق أبي الهدى الصيادي، نقيب الأشراف على مستوى الدولة، لفكرة الشرف وأهميته بالنسبة لسلاطين آل عثمان أنفسهم، وارتبط كل ذلك بفكرة الجامعة الإسلامية.
وأمام ذلك كان رأي ابن مهنة في مسألة الشرف له أهمية خاصة. وقد وقعت ردود فعل استفادت منها الإدارة الفرنسية لضرب الأنصار والخصوم معار لفكرة الشرف ومعارضة توسع الجامعة الإسلامية. وقد اعتقلت الإدارة في البداية الشيخ عاشور الخنقي بدعوى أنه أساء إلى بعض الأعيان، ونفته
стр. 3615
وفرضت عليه الإقامة الجبرية والسجن. ثم وصل الأمر إلى محمد الصالح بن مهنة نفسه بدعوى أنه أساء إلى الدولة الفرنسية، وأنه تفوه بكلام ضدها وضد علماء الوقت لا يناسب مع وظيفته كخطيب في جامع رسمي. وادعت جريدة (الأخبار) الفرنسية شبه الرسمية أن ابن مهنة قد أوقفته الإدارة عن عمله (١٩٠٥) لأنه (انتقد ... انقادا شنيعا على الحكومة وعلى كثير من فضلاء المسلمين). ثم نشر ابن مهنة رسالة (أنكر فيها كلية ما نسب إليه من الانتقادات على الحكومة الفرنسية وعلى تنظيماتها)، وأن نقده إنما كان للعقائد، وليس للحكومة. وزعمت أنه سب المفتين والقضاة وجميع العلماء. وعلى أية حال فقد أعيدت إليه كتبه بعد حجزها كما أعيد إلى منصبه (١). ونفهم من بعض أشعار عاشور الخنقي أن ابن مهنة قد تعرض لأبي الهدى الصيادي بالسب (٢). أما هجاء عاشور لابن مهنة فقد أشرنا إليه في فصل الشعر (٣).
قدمنا هذه السطور لنعرف الظروف التي كان يعمل فيها محمد الصالح بن مهنة، فهو بالرغم من توظيفه الرسمي كان غير قار وغير مرتاح. وكان له فكر نير إلى حد كبير، فلم يكن مع الأشراف في كل أحوالهم وإنما جعل العمل الصالح هو الميزان، ولم يكن كذلك مع المرابطين على ما هم عليه في استغلال العامة وتنويمها وإنما كان مع الزهد الذي يؤدي إلى الإنتاج وخدمة الصالح العام. وكانت دراسته في الأزهر وربما إقامته في تونس قد سلحته بالفكر النير، وربما اضطر فقط إلى قبول الوظيف من أجل العيش.
стр. 3616
ومع ذلك لم يسلم شخصه ولا علمه ولا كتبه من الأذى. وفي الوقت الذي هاجر فيه علماء وأعيان إلى الشرق، مثل حمدان الونيسي، واستعدت فيه عائلة ابن باديس للهجرة في فترة سابقة، وعائلات غيرها من سطيف وقسنطينة، لم نسمع أن ابن مهنة هاجر أو حاول الهجرة. فقد بقي إلى وفاته سنة ١٩١١ في قسنطينة. وقد نوه بأثره في الناس مالك بن نبي الذي سمع عن تأثيره وهو تلميذ. وابن نبي من المعاصرين القلائل الذين ذكروا ابن مهنة. فهو، رغم مكانته ما يزال مجهولا. وقد سلط عليه سليمان الصيد في كتابه عنه بعض الضوء، ولكن ابن مهنة ما يزال في حاجة إلى دراسة شاملة ومرتبطة بالظروف التاريخية والسياسية التي أشرنا إليها مع الاستفادة من الوثائق الفرنسية في الموضوع.
بدأ ابن مهنة كتابه (الفتوحات الأزهرية) بهذه العبارات (أما بعد، فهذا ديوان يشتمل على الخطب المنبرية، والمواعظ الجمعية، أنشأته دررا، وحبرته غررا، اقتطفت أكثره من حديث سيد الكائنات، وجنيت بعضه من الحكم المبتكرات، متجنبا لغريب اللغات، جانحا إلى أوضح العبارات، عل الله ينفع به العباد، ويجعله خير زاد، ويفتح به آذانا صما، وقلوبا غلفا). وقد ذكر أنه احتوى على ألف حديث شريف، بعض الأحاديث أوردها بألفاظها وبعضها بالمعاني فقط. وأخبرنا عن طريقة تأليفه فقال: (من فوائد هذا الديوان، مما اختصر به ولم يوجد في غيره، إني صدرت كل خطبة بحديثين وذيلتها بثلاثة أحاديث ... والتزمت أن يكون الأول من الثلاثة من صحيح البخاري والثاني من صحيح مسلم والثالث من غيرهما، كما التزمت في الصدر أن يكون أحد الحديثين من الشمائل النبوية، والثاني من الترغيب والترهيب، والتزمت أيضا تصدير كل خطبة بآية قرآنية وختمها بآية. فيشتمل الديوان (الكتاب) على نحو مائة آية قرآنية، وعلى نحو ثلاثمائة حديث نبوي (المصرح بها) (١).
стр. 3617
وقد افتخر ابن مهنة بكتابه في الخطب المنبرية واعتبره فريدا من نوعه واعتبر نفسه موضع حسد بسببه. وقد سبقت الإشارة إلى كونه يرى عمله قد احتوى على ما لا يوجد في غيره، ثم أضاف (وبالجملة فهو ديوان يعجز عنه أهل العصر، خصوصا أهل هذا المصر) وهو يقصد هنا علماء الجزائر الذين عجزوا في نظره عن الإتيان بمثله. وقد لمح إلى أنه محسود على علمه، فقال مستشهدا:
إن يحسدوني فإني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل العصر قد حسدوا
والخطب التي أوردها كلها مسجعة. وجعل لبعضها عناوين مثل (في فضائل عاشوراء). وموضوعات الكتاب تدور حول الوعظ والزهد والمولد النبوي والحج ودخول المحرم والموت ورؤية هلال رمضان، والترغيب والترهيب. وآخر الموضوعات هو وداع العام الهجري. وفي المخطوط تعاليق بخط المؤلف وأحيانا بخط الناسخ أو أحد تلاميذ المؤلف. وفي البداية عثرنا على تقريظ مكسور الأبيات لأحد تلاميذ المؤلف اسمه ابن ردسلي عبد الكريم بن عمر. وبدأ ابن مهنة الخطب بشهر محرم فكانت له خطبه، ثم خطب خاصة بكل شهر من شهور السنة الهجرية (١).
خطب أبي يعلى الزواوي
كتب أحمد توفيق المدني سنة ١٩٣١ متحدثا عن الخطابة عند الشيخ أبي يعلى الزواوي، فقال: (أخرج الخطب المنبرية من صيغتها التقليدية العتيقة إلى صيغة قومية مفيدة. فهو يخطب للعامة ارتجالا في مواضيع إسلامية محلية مفيدة. ويعتبر خطابه درسا بحيث لا ينتهي منه إلا وقد اعتقد أن كل من بمسجد سيدي رمضان من رجال ونسوة قد فهموا جيد الفهم
стр. 3618
خطابه، وأشهد أنه قد كان لتلك الخطب الأثر الفعال في النفوس) (١).
وفي سنة ١٣٤٣ (١٩٢٤) أصدر أبو يعلى كتيبا تحت عنوان (الخطب)، وهو أول كتاب يطبع في موضوعه على ما نعرف (٢). وقد بدأه بديباجة مسجعة وطويلة هكذا: (الحمد لله الذي أنطق الخطباء بالكلام الفصيح، وسهل لهم الارتجال بالكلام الصريح ... أما بعد، فإن جل أو كل أحوالنا، معشر المسلمين، طرأ عليها التغير والفساد، في مشارق الأرض ومغاربها وسائر البلاد، في الماديات والأدبيات، إذ قلت الحسنات وكثرت السيئات، ومن جملة ذلك الخطابة في مساجد الجمعات، فقد توقفت كسائر الحركات، وأسباب ذلك لا تخفى على العارفين، الملمين بأحوال المسلمين، إذ ترجع إلى الترقي والتدلي في أدوار أحوال الأمة وأطوارها ...).
ثم واصل الزواوي حديثه على ذلك النحو إلى أن وصل إلى كون أدوار الفصاحة أيضا قد تدرجت حتى انتهت إلى القرآن الكريم كمعجزة. وحدثنا الزواوي عن تعيينه خطيبا في جامع سيدي رمضان، واعتبر ذلك من منن الله عليه، وعمل بعد ذلك على تجديد طريقة السلف في الخطابة، فالتزم أن تكون الخطبة من إنشائه هو، لا من إنشاء الآخرين، مثل الإدارة الفرنسية (؟). واعتبر ذلك أيضا عودة للأصول إذ الأصل هو أن تكون الخطبة من إنشاء الخطيب ودون ورقة، أي ارتجالا. ولا ندري كيف رضيت الإدارة بهذه الطريقة وعلى حساب ماذا (٣). وقضى الزواوي على ذلك النحو سنة ثم بدا له أن يدوون خطبه (لكيلا يقال نقلها عن الغير وحفظها وسرقها، (وأنها) ليست
стр. 3619
من إنشائه ... فنضحى كأن لم نعمل شيئا يذكر فيشكر).
ورغم صغر حجم كتاب (الخطب) فإنه قد احتوى على معلومات مفيدة في تاريخ الخطابة والخطباء. فبعد تعريفه الخطبة في اللغة، تحدث عن الخطابة قبل الإسلام، مثل خطبة قس بن ساعدة، ثم الخطابة في العصر الإسلامي ابتداء من أول خطبة للرسول ﷺ ، ثم خطبته في حجة الوداع، وخطب الصحابة ومن جاء بعدهم مدة ثلاثة قرون، ثم الخطابة في العصر العباسي الثاني والمملوكي، والعصور المتأخرة، أي منذ القرن الثامن (هي خطب المتصوفة أكثرها في فضائل رجب وشعبان ورمضان وصيامها، والذكر والاستغفار وطرز ذلك بالسجعات ... والدعاء لسلاطين آل عثمان). وتدخل الزواوي في موضوع شائك ويعتبر خارجا عن موضوع الكتاب. ولكنه كان شائعا، وهو نسبة آل عثمان للعرب ولقريش خاصة وللشرف، وانتقد هو ذلك بشدة واعتبر الأيمة الذين يدعون إلى ذلك كاذبين. وقال إن آل عثمان مسلمون فقط. وانتقد آل عثمان على إضرارهم باللغة العربية وتخريبها قائلا إن قضاتهم لا يحسنون العربية، وروى أنه اجتمع في الشام مع بعض قضاتهم فكانوا عاجزين عن التفوه بكلمة عربية، بينما البربر والفرس قد خدموا اللغة العربية. وعندما تحدث عن الخطبة الشرعية للجمعة قال إن عليها أن تكون بالعربية، واعترض على الخطبة باللغة التركية سنة ١٣٤١ هـ لأنها في نظره (لغو) ولعله في ذلك كان يرد على من نادى باستعمال غير العربية في الخطب منذ الفرنسيين.
وانتقل إلى الحديث عن الخطبة المحكية أو المنقولة، وقال إن مواضيعها هي درء المفاسد وإرشاد العامة ومحاربة البدع والاهتمام بوحدة التربية والتعليم حتى (نتجنب الخلافات في المذاهب والأحزاب والألسنة وحتى الطرق الصوفية). وذكر أن نكبات التاريخ تشهد على أن الخلافات المذهبية وإن كان أصلها صحيحا، فإنها قد أدت إلى نزاعات، وكان من رأيه التوقف عن ذلك وعن الخلاف في التصوف. وقد أشاد بالخطباء في مصر والشام وقدرتهم على التحكم في اللغة عندما يرتجلون الخطب، ونوه برباطة
стр. 3620
جأشهم، وهم لا ينقلون من ورقة، خلافا لخطباء الجزائر (وكان في ذلك يعزض بهم وبالإدارة التي تقيدهم). وذكر أنه حضر بعض خطباء مصر والشام، ومنهم خالد النقشبندي، في الجامع الأموي، وعابد بن حسين في مصر. واجتمع بالأول على طعام الغداء. ومن رأى الزواوي أن المشارقة (وهو يعرفهم جيدا) بقوا على تقدمهم في الحياة الفكرية بينما تأخر المغاربة منذ سقوط العواصم العلمية كالأندلس والقيروان وبجاية وتلمسان. ورأى أن ذلك قد أدى إلى التصوف وسيادة المتصوفة، (فاقتنعنا بالزهد في العلوم وتصوفنا، فلا مطبعة ولا جمع ولا جماعة ولا مدرسة ... إلا المتصوفة). وقد حول هؤلاء المدارس إلى قباب وفتحوا الصناديق لجمع المال (١).
انتصر الزواوي للغة العربية في الخطابة وميز بين الخطب الاجتماعية والدينية والخطب السياسية. ولم يقبل أن تكون الخطابة المنبرية بغير العربية واعتبر أن الخطابة بغيرها لغو من الكلام. وقال: يجب تجنب رطانة ولهجات أهل المغرب والعجم واللهجات المحلية والتغني والتصنع والعجمة الزواوية: (قد طرحت بقدر الإمكان لهجة عجمتنا الزواوة وتغني حضر الجزائر المدينة) (٢). واعتبر الزواوي الدعاء للسلاطين لغوا أيضا وكذلك الكلام غير المشروع والدعاء بالشر، وكل ما هو خارج عن الخطبة. أما الخطب السياسية فهي تلك التي يلقيها الرؤساء والزعماء والوزراء وتنشرها الجرائد. ورأى أن العبرة في هذا النوع من الخطب هي في (القائل والمقول) وليس في الفصاحة والبلاغة. والصحيح أن البيان له دور كبير في الخطب السياسية أيضا، ولا
стр. 3621
يستطيع الخطيب السياسي أن يكون مؤثرا إلا إذا كان فصيح اللسان نافذ البيان.
وموضوعات الخطبة عند الزواوي تدور حول الأمراض الاجتماعية والجهل وفساد الأخلاق وفساد التربية والتعليم، والحاجة إلى الإصلاح، إضافة إلى موضوعات تقليدية كالمولد النبوي والهجرة ومواقف السلف. ثم الوعظ والإرشاد، وأحاديث عن الزكاة والصوم والحج والتعليم والمعاملات الأخرى. واعتذر في كتابه عن عدم ذكر كل الخطب التي كان يلقيها لاستحالة جمع نحو الخمسين خطبة كانت هي نفسها تتغير بحسب الحال والعوارض، واكتفى بذكر نماذج من خطبه في مواضيع شتى. وهي في شكل (مختصرات)، وقد كتبت في عبارات مسجعة نظيفة تتخللها أحاديث وآيات (١). واعترف الزواوي بأنه لم يجرب الخطابة من قبل إلا مرة واحدة عندما ارتجل خطبة الجمعة في الشام زمن حكم جمال باشا. ولكنه بدأ الخطابة بعد رجوعه إلى الجزائر وتعيينه إماما لجامع سيدي رمضان، كما ذكرنا (٢).
...
الروايات والقصص والمسرحيات
الروايات والقصص الشعبية المحكية ظلت نشيطة في الجزائر خلال العهد المدروس. وأمام ضعف الثقافة المكتوبة لجأ الفكر الشعبي إلى التعبير الشفوي القائم على الحفظ والذاكرة والاستمداد من التراث أو من الخيال. وقد أوحى الواقع كثيرا من الرموز والأمثال. فالأبطال والأشراف والفرسان والمرابطون والزعماء كانوا نماذج لإنشاء الروايات الخرافية أو المعتمدة على
стр. 3622
الواقع ولكن في أسلوب خيالي جامح. والثورات التي فشلت كانت تتحول إلى آمال أخرى في النصر، والقادة الذين استشهدوا أو نفوا كانوا يتحولون إلى مهديين منتظرين سيعودون ذات يوم بالنصر. وكان الإيمان بالمكتوب والمقدر يغذى الأمل ولا يترك المكان لليأس. وهكذا كان الرواة والقصاصون يروون في المجالس والمقاهي والأسفار والندوات الحكايات على لسان أبطالهم الواقعيين أو الخياليين. ويذهب بعض النقاد إلى أن الرواية الحديثة لم تظهر في الجزائر إلا خلال السبعينات من هذا القرن (١). وهو رأي قد ينازعه فيه نقاد آخرون في ضوء الإنتاج الذي سنذكره.
ومصادر القصص الشعبية هي في العادة الحياة الشعبية نفسها وكذلك ألف ليلة وليلة، وبالخصوص القصص الهلالية. وقد حاول بعض الفرنسيين أن يجمعوا الروايات والقصص الشفوية ويكتبوها فاستطاعوا أن يجمعوا بعضها في آخر القرن الماضي وأن يترجموها إلى الفرنسية، وقد ترجم بعضها إلى لغات أخرى أيضا (٢). وهي تضم أغاني عاطفية وحكايات وقصصا عربية وبربرية. ولا يمكننا الآن ذكر كل ما ترجم من هذه الآثار الشفوية، فهي كثيرة، ولكننا نذكر بعض ما توصلنا إلى معرفته:
١ - قصة الجازية وذياب، كما راجت في تاريخ أولاد رشاش، وهي تتناول قصة الجازية الهلالية وخليفة الزناتي وغانم بن ذياب. وقد أورد أحد الكتاب الفرنسيين إن القصة أصبحت جزءا من تاريخ أولاد رشاش. وجاء بنصوص منها. (٣)
٢ - مائة حكاية وحكاية (؟) وهي أثر أدبي منسوب إلى الحاج الباهي
стр. 3623
البوني (من عنابة). وقد قيل إن البوني كان حيا سنة ١٨٣٧، والأثر مطبوع بدون اسم صاحبه. وكان الحاج الباهي نساخا سنة ١٢٤٨، أي بعد الاحتلال بسنتين. ولكن قسنطينة عندئذ كانت ما تزال تحت حكم الحاج أحمد. فلعل الحاج الباهي انتقل من عنابة عشية احتلالها إلى قسنطينة، ذلك أن الحاج الباهي نسخ كتابين على الأقل في السلة المذكورة (١٢٤٨) للشيخ محمد العربي بن عيسى، أخ علي بن عيسى قائد جيش الحاج أحمد. وكان العربي بن عيسى من علماء قسنطينة، وله مكتبة ضخمة، وكان متوليا نظارة الأوقاف. ومن المؤلفات التي نسخها له الحاج الباهي كفاية المحتاج لأحمد بابا ونتيجة الاجتهاد للغزال المغربي. وجاء في النسخ أن الحاج الباهي هو (خديم الطلبة) - يعني العلماء - بقسنطينة. وجاء في نهاية كفاية المحتاج أنه نسخة (لسيدي الجهبذ النقاد، العالم العلامة ذى السداد، مأوى الفقراء، مولانا أبي عبد الله السيد محمد العربي ناظر النظراء، ببلد قسنطينة ذات الهواء، فما أسعده من بلد احتوى على عالم الورا) (١) إلخ.
هذه هي كل المعلومات التي نعرفها الآن عن الحاج الباهي البوني مؤلف مائة حكاية وحكاية. فهو من المعاصرين للاحتلال ومن سكان قسنطينة. ولعله عاش إلى احتلال هذه المدينة أيضا سنة ١٨٣٧. ولا ندري ما موضوع حكاياته الآن. هل فيها رموز سياسية ووصف لواقع رهيب؟ إن أحمد شريبط الأستاذ بجامعة عنابة قد أخبرني ذات مرة أنه قد عثر على النسخة الخطية لهذا الأثر الأدبي، وأنه راغب في تحقيقه، وقد طلب مني معلومات عن الحاج الباهي، فلم أستطع أن أفيده. وقتها. ولا ندري ماذا فعل السيد شريبط بعد ذلك، وما تزال تسمية النص المذكور غير معروفة أيضا.
٣ - نزهة المشتاق وقصة العشاق في مدينة ترياق في العراق، ط. الجزائر ١٨٤٨. وهذه الرواية ألفها أحد المترجمين الأجانب واسمه إبراهيم
стр. 3624
دنينوس الذي ولد بالجزائر سنة ١٧٩٧ وعاش فيها. وانضم دنينوس للحملة وتجنس بالجنسية الفرنسية وأصبح من فرقة المترجمين. وكان قد عمل قبل ذلك في المحكمة التجارية بباريس. واستفاد الفرنسيون من خبرته في الترجمة ومعرفة البحر أثناء الحملة. ورافق دنينوس بعثة المولود بن عراش إلى فرنسا سنة ١٨٣٨، وظل حيا إلى ١٨٧٢ (١). روايته المذكورة اعتبرها بعضهم رائدة في باب المسرحيات العربية، ولم تؤلف قبلها سوى (البخيل) لمارون النقاش وربما تكون (نزهة المشتاق) سابقة للبخيل. وقد استعمل دنينوس الأساطير الشعبية، وروايته مكتوبة بأسلوب الموشحات، ولغتها تقف بين الفصحى والدارجة. وهي قسمان، وبينهما فصول صغيرة، وفيها اثنان وعشرون دور، منها ثمانية أدوار للنساء، رغم أن الذي كان يؤدي هذه الأدوار هم الرجال.
وأحداث الرواية كانت تجري في إحدى المدن العراقية وعصرها غير محدد. وبطلتها نعمة، كانت متزوجة من ابن عمها نعمان الذي كان كثير الترحال فكان يقصد الهند ويطيل السفر. وأثناء غيابه حاولت أمها إقناعها بالزواج من ابن خالتها، ولكن نعمة فضلت الوفاء لابن عمها إلى أن رجع وسامحته على غيابه. وفي المسرحية حبكة أخرى وهي وفاء آمنة أيضا لزوجها. ورغم حديث المسرحية عن المدن والأوطان فإنها لا تتعرض للجزائر. ويذهب الأستاذ فيليب سادجروف، أستاذ الدراسات العربية في جامعة أدنبرة (اسكوتلاندا) إن للمسرحية بعدا وطنيا وعربيا. وأنها تتعرض للمجتمع الجزائري بطريقة غير مباشرة. أما عرضها فليس مؤكدا، وربما لم تعرض على المسرح أصلا (٢).
стр. 3625
٤ - وفي هذه الأثناء نفسها كتب أحد الجزائريين رواية شعبية ذات أبطال وأحداث وطنية وشخصيات تاريخية، وهي رواية حكاية العشاق في الحب والاشتياق. ومؤلفها هو الأمير مصطفى بن إبراهيم بن مصطفى باشا. وتاريخ تأليفها هو سنة ١٨٤٩. وكان جد المؤلف (مصطفى باشا) هو أحد دايات الجزائر أول القرن ١٩، وهو الذي بقي اسمه يطلق على ضاحية العاصمة والمستشفى المعروف بها. وكان أبو المؤلف (إبراهيم بن مصطفى) ممن تولى الدفاع عن أهل العاصمة بعد الاحتلال وألف مع حمدان خوجة وغيره لجنة وطنية لتقديم العرائض والشكاوى والاتصال بالصحافة والشخصيات الفرنسية للعمل على جلاء القوات الفرنسية واستقلال الجزائر. وانتهى به الأمر إلى السجن في عنابة والوفاة فيه. وكانت للعائلة أملاك وثروات وسمعة فضاعت كلها ونددت مع الاحتلال. فاستولى الفرنسيون على قصرهم، وحولوا بعض أملاكهم إلى مكان للمكتبة العمومية والمتحف. وكان المؤلف معروفا باسم الأمير مصطفى، وكان متميزا بمظهره التركي الكرغلي. وقد آلت بعض أملاكه سنة ١٨٥٩ إلى عائلة (فيالار) الفرنسية، وفي ١٨٦٣ انتقلت إلى غيره. وهكذا كانت عائلة الأمير مصطفى قد رهنت أملاكها عند الأروبيين، وعندما عجزت عن الدفع لفقرها انتزعت منها الأملاك عن طريق المحاكم (١).
كانت بطلة الرواية هي زهرة الأنس والبطل هو ابن الملك، الذي يغلب على الظن أنه هو الأمير مصطفى نفسه أو والده (٢). واشتملت الرواية على عدة شخصيات أخرى ذكرناها في مكانها.
ولغة الرواية أقرب إلى الفصحى منها إلى الدارجة. وفيها النثر وهو الغالب وكذلك الشعر. وهي تستمد روحها من الأساطير الشعبية ومن ألف
стр. 3626
ليلة وليلة. وفيها نصوص ورموز سياسية، ليس فقط عن الجزائر ولكن عن العائلة أيضا. وفيها أوصاف للحياة الاجتماعية قلما توجد في غيرها. وإلى جانب الشعر تقوم الرواية على الإنشاد والموسيقى واللهو والإدمان على الخمر ونحو ذلك من علامات اليأس والتدهور بعد الاحتلال. وتعتبر (حكاية العشاق) من المسرحيات العربية المبكرة حسب بعض النقاد (١).
٥ - حكاية في ذم الحسد، من وضع الشيخ القاضي عيسى، بوادي سوف. وقد ترجمها لارجو، ومصطفى بن الحاج موسى، كما جاء فى بعض المصادر. ولا نعرف حبكة القصة الآن ولا حجمها (٢).
٦ - بين حمارين جزائري وإفرنجي (فرنسي). فقد جاء في أحد المصادر أن هناك حكاية بعنوان (ما حكاه حمار جزائري)، وهو حوار بين هذا الحمار والحمار الإفرنجي. كذلك لا نعرف الآن موضوع الحوار ولا المؤلف، إن كان (٣). ولعلها في التفاضل بين الأهالي والفرنسيين ولكن على لسان الحيوان.
٧ - قصة المعراج لمحمد بن عبد الله المشرفي. وموضوعها كما هو واضح، ديني، أولها هذه قصيدة (كذا)، وهي قصة المعراج المعروفة في كتب السيرة النبوية. وبدايتها (الحمد لله السميع البصير الذي يبصر دبيب النمل على كيان الرمل تحت أفلاك الليل ... وبعد، فقد حدثنا علي ابن الحسن، قال أخبرنا أبو علي بن عيسى إلخ ... قال رسول الله ﷺ : فبينما أنا ذات ليلة نائم بين الصفا والمروة في ليلة مظلمة ذات رعد وبرق، لا يصيح فيها ديك ولا ينبح فيها كلب ...) إلى آخر القصة. وقد انتهى منها صاحبها، إذ جاء في آخرها: كمل الحديث المبارك بحمد الله وحسن عونه ... على يد
стр. 3627
عبد ربه محمد بن عبد الله بن أحمد بن أحمد بن دح المشرفي نسبا الغريسي وطنا. (١). والمعروف أن عائلة المشرفي (المشارف) من مدينة معسكر وما جاورها من سهل غريس. وقد هاجر عدد منها إلى المغرب بعد الاحتلال وفشل المقاومة. ومنهم محمد العربي المشرفي (أبو حامد).
٨ - قصة شعبية كتبها باللهجة التلمسانية عبد العزيز الزناقي ونشرت سنة ١٩٠٤. ومحتوى القصة مخترع للمتعة والتشويق الأدبي. أما شكلها وإطارها فهو محلي ومن وحي الواقع بتلمسان. وهي تتناول الحياة الاجتماعية بتفاصيلها. وكان الزناقي من خريجي مدرسة تلمسان الفرنسية الرسمية، وأصبح معيدا في مدرسة اللغات الشرقية في فرنسا. ولا ندري هل كتب القصة من تلقاء نفسه أو بطلب من شيوخه المستشرقين الفرنسيين أثناء موجة اهتمامهم بالأدب الشعبي، نثرا وشعرا، وباللهجات إلخ. وقد ترجمها وعلق عليها وقدم لها السيد قودفروا - ديموبيان (٢) G. Demonbeyne .
٩ - لعبة البوقالة (٣)، دراسة موثقة مع النص العربي والفرنسي. وفي الدراسة أشعار شعبية ورقيقة محتوية على حكم وأمثال، مع نكهة من التقاليد القديمة للجزائر. فلعبة البوقالة تركية الأصل، وهي ذات صلة بالبلدان الواقعة على البحر مثل العاصمة ودلس وبجاية أو القريبة من البحر مثل المدية والبليدة والقليعة. وتتمثل اللعبة في حل الكتاب، قراءة الكتاب. فتح الكتاب، أي الكشف عن أسرار الحظ والتكهن. والبوقالة أصيصں فخاري صغير، واللعبة تقوم بها امرأة عجوز أو متقدمة في السن وسط حلقة من النساء، وهي تنادي على الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي اسمه هنا (أبوعلام).
стр. 3628
١٠ - المجالس الأدبية، وهي قصص من وضع فلاحين هما الشيخ محمد بن إبراهيم خوجة ورابح بن قويدر. من نواحي البليدة. وقد حصل على النصين يوسف (جوزيف) ديبارمي، المستشرق الفرنسي سنة ١٩٠٨. وأعطى النصين إلى أحد المتعلمين الجزائريين، وهو من أهل الحضر، ولكنه لم يذكر اسمه وإنما قال إنه غير متعصب (؟). وقام هذا الرجل الحضري بصياغة النصين. وكانوا جميعا لا يعرفون الفرنسية، ولذلك اعتبر ديبارمي رأي الحضري رأي ثالثا في الموضوع. والنصوص في شكل (مجالس) مختلفة أو لقاءات أو ندوات يحكي فيها البطل جزءا من قصة ولا ينتهي منها، ثم يلتقي في المجلس الموالي بالمستمعين فيروي لهم جزءا آخر منها، وهكذا.
ومحتوى المجالس، حسب رواية ديبارمي، يدور على المحاور التالية: المسلم (الجزائري) لا يخرج من داره إلا ذليلا ومحجبا كالمرأة لأن الشارع فيه حضارة أخرى، وهي حضارة الرومي (الفرنسي). المسلمون أهينوا على يد الكفار، أما الترك فهم، رغم استبدادهم، أخف وطأة من الفرنسيين. والقضاة الذين يعينهم الفرنسيون لا يخدمون إلا أنفسهم ولا ثقة فيهم، وكذلك الولاة (القياد) والعلماء، لأن المسلم الحقيقي لا يقبل أن يعمل عند الكفار (الفرنسيين). إن هؤلاء كانوا يغرقون البلاد ببضائعهم، وأن السكر والملابس التي يقدمها الفرنسيون للمرابطين تعتبر نجاسة. وأن الكفار يتسربون إلى صفوف المسلمين ويصلون معهم، ويذهبون معهم حتى إلى الحج لاكتشاف أسرارهم. والكفار يظهرون في البداية لينين ولكنهم قساة في النهاية، فهم يمنعون المسلمين من تعلم الدين الإسلامي والقرآن في المدارس بينما يعلمون اللغة الفرنسية لأبناء المسلمين، ليجعلوهم خارجين عن دينهم، ثم بعد المدرسة تأتي الثكنة والخدمة العسكرية. لكن سيأتي يوم يتحطم فيه النير الفرنسي (النصراني)، حسب رواية ديبارمي عن هذه القصص أو المجالس.
وذكر ديبارمي أن هناك حوالى ثمانين مجلسا (٨٦)، لكل مجلس قصة
стр. 3629
يدور حولها. وقد حضر في آخرها رجال التصوف البارزون في الجزائر - أغواث وأقطاب وأوتاد، أو نوابهم. وكان من بينهم غوث من مرسيليا اسمه سيدي المرسلي الذي تحدث عن خيرات فرنسا، كما حضر رئيس الديوان الصوفي. وقد اتفق هؤلاء الأولياء على تفويض الأمر إلى الله. وتلك هي نهاية الحبكة. ومن الواضح أن الموضوع الرئيسي هو الوضع في الجزائر في آخر القرن الماضي حين سيطرت الإدارة الاستعمارية ولجأ العامة إلى طلب الخلاص من رجال الطرق الصوفية (١). وهذا الإغراق في القدرية والاستسلام كان يتماشى مع سياسة فرنسا أيضا لأنها كانت تشجع عليه بدعوى أن حكمها في الجزائر إنما هو بإرادة الله وقضائه وقدره.
١١ - الفتى، وهي قصة كتبها الشاعر الأديب رمضان حمود ونشرها في تونس. وهي تعكس أيضا جوانب من حياة مؤلفها الشاب الطموح. فهي تمثل شابا كان يعمل على إسعاد شعبه في ظروف سيطر فيها الأجنبي على بلاده. وقد أهدى رمضان حمود قصته إلى والديه بعبارات حانية. ومع ذلك قال إنه لا يقصد من القصة شخصا بعينه ولا وطنا محددا .. بدأ الحديث عن قصة محمد، ذلك الطفل الذي نشأ في إحدى قرى ميزاب، وتابع المؤلف الطفل في نموه في البيئة الصحراوية. ثم سافر الطفل إلى إحدى مدن الجزائر الشمالية، وهناك دخل المدرسة. وتدخل المؤلف ليعظ ويرشد وليذكر بعض الشعر، وليشيد بالتربية وأثرها. وبعد أن عاد الطفل إلى وطنه، سافر من جديد ودخل مدرسة فرنسية، وهكذا يظل يتردد بين مسقط رأسه والمدرسة. وانتهى به الأمر إلى الزواج ودخول ميدان الإصلاح الاجتماعي. وجاء في ذلك بحديث مسهب عن العلوم والدين والفلاحة والكفاح والتجارة. وتلك هي المرحلة الأولى من حياة (الفتى). وقد وعد رمضان حمود بالجزء الثاني
стр. 3630
من هذه القصة الشيقة، ولكنه توفي قبل أن يفي بوعده (١).
...
ونود الآن أن نتحدث عن المسرحيات وليس عن المسرح (٢). كان الجزائريون قبل الاحتلال يمثلون عن طريق خيال الظل المعروف بالكركوز. كما كانوا يعرفون التمثيل بهذه الوسيلة التي كانت شائعة في المشرق العربي أيضا. وكان مسرح خيال الظل مزدهرا سنة ١٨٣٠، وظل بضع سنوات بعد ذلك، وقد وصفه الكتاب الأروبيون الذين سجلوا الحياة العامة في رحلاتهم وكتاباتهم الانطباعية عن المجتمع الجزائري، وحضروا بعض الحفلات. ومن الشخصيات البارزة في مسرح خيال الظل شخصية الحاج عيواز. ولكن مع الاحتلال يبدو أن هذا المسرح قد اتخذ أساليب جديدة.
ويبدو أن السلطات الفرنسية لم ترق لها هذه الأساليب الجديدة، فمنعته تماما في بداية الأربعينات. ففي سنة ١٨٤٣ كتبت (مجلة الشرق) أن مسرح خيال الظل قد أوقفته السلطات (لفظاعته) وأنها جعلت (عقوبات صارمة) ضد من يمارسه. فهل كانت هذه السلطات أكثر حرصا على الأخلاق العامة من السلطات العثمانية السابقة؟ لا نظن ذلك. وإنما الأكيد أن الممثلين قد تسيسوا وأصبح الحاج عيواز رمزا للحكم السابق الذي يريد الفرنسيون محوه من ذاكرة الناس. وكان الحاج عيواز وغيره من الممثلين يستعملون الرموز ضد الوجود الفرنسي، فحكم بوجو على المسرح كله بالإعدام. وقد قيل إن هذا المسرح كان محبوبا، وكان يحضره الشباب الجزائري وحتى الأروبي، وكان ينشط بالخصوص في ليالي رمضان (٣).
ولا نعتقد أن التمثيل قد انقطع بعد إلغاء مسرح الكركوز. فقد بقيت
стр. 3631
أشكاله ماثلة في الحفلات الصوفية، وفي مجالس اللهو والطرب، ولعله قد ظهر من جديد بعد مرحلة المقاومة العنيدة، أي منذ الخمسينات. وكانت حفلات الزنوج في العاصمة، والحفلات الشعبية في غيرها تلجأ إلى التمثيل وتستحضر الشخصيات العربية والإسلامية القديمة، مستمدة من ألف ليلة وليلة الإطار وبعض الأدوار. فكان جحا ومجنون ليلى وعنتر العبسي وغيرهم. ومع ذلك لم نقرأ عن تمثيليات جزائرية مكتوبة قبل الحرب العالمية الأولى، رغم وجود بعض الروايات التي تصلح للتمثيل مثل (نزهة المشتاق) و (حكاية العشاق)، إلخ.
أما منذ ١٩٢١ فقد ألف بعض الجزائريين مسرحيات معظمها، كما قال سعد الدين بن شنب، كانت باللغة العربية الفصحى. من ذلك مسرحيات علي الشريف الطاهر. ورغم أن اسم علي الشريف مشهور في العاصمة، فإن اسم علي الشريف الطاهر غير معروف في مجال الأدب. ومع ذلك نسب إليه الباحثون المسرحيات التالية:
١ - الشفا بعد العنا، وهي بالعربية الفصحى، وكانت تشتمل على بعض الأغاني. وموضوعها يدور حول الخمر. وقد مثلها قدماء تلاميذ الثانوي (الليسيه) الفرنسية بالجزائر. وكانت الفرقة تسمى (المهذبة) وتأسست سنة ١٩٢١، وهي التي مثلت أيضا المسرحيتين التاليتين:
٢ - خديعة الغرام، وهي مسرحية من نوع التراجيديا، اشتملت على أربعة فصول، وقد مثلت على مسرح الأوبرا بالعاصمة سنة ١٩٢٣. ويحتمل أن تكون تطويرا لموضوع المسرحية الأولى. ولا ندري إن كان ممثلوها هم أنفسهم الذين مثلوا الأولى ..
٣ - بديع، وهي مسرحية أيضا تتحدث عن الخمر وعواقبها. وقد مثلت على أحد مسارح العاصمة - المسرح الجديد - سنة ١٩٢٤.
والمفهوم أن الموضوع الرئيسي الذي دارت حوله هذه المسرحيات الثلاث هو الخمر والحب، وذلك من الموضوعات الاجتماعية الهامة عندئذ،
стр. 3632
لأن هناك سياسة مقصودة، لإغراق الشباب في النسيان عن طريق الخمر والإجرام والإفساد الاجتماعي. فكان دور المسرح هو التنبيه على ذلك محافظة على الأسرة والأخلاق والعلاقات الاجتماعية السليمة. وسيكون موضوع الخمر أيضا هو الموضوع المفضل - بعد الدعوة إلى العلم والنهضة - في عقد الثلاثينات.
٤ - في سبيل الوطن، وهي مسرحية مثلت في ٢٩ ديسمبر ١٩٢٢ بالعاصمة على المرسح الجديد الذي كان سابقا يدعى (الكورسال). وهي مسرحية في فصلين، وليس لها مؤلف معين. وقد مثلتها فرقة كانت بصدد التكوين، ولعلها كانت تتألف من الشباب المتأثر بحركة الأمير خالد وأفكار النهضة العربية، لأن الموضوع الذي تناولته موضوع حساس وسياسي، ولذلك منعت السلطات الفرنسية تمثيل المسرحية من جديد. والإقدام على تمثيلها من جديد يدل على إقبال الناس عليها، وقد تناولتها بعض الصحف اليومية. ولم يكن من العادة تمثيل المسرحية أكثر من مرة لقلة الجمهور الراغب في التمثيل، ولكن موضوع هذه المسرحية (في سبيل الوطن) جعل الممثلين يحاولون إعادة تمثيلها، فمنعتها السلطات الفرنسية. ولم يذكر ابن شنب لغة مسرحية في سبيل الوطن. والظاهر أنها كانت أيضا بالفصحى لأنه ذكر في مكان آخر أن معظم التمثيليات بين ١٩٢١ - ١٩٢٤ كانت بالفصحى.
٥ - المصلح، قامت فرقة أخرى بتمثيل مسرحية المصلح سنة ١٩٢٣. وكانت هذه المسرحية من تأليف أحمد فارس، وباللغة الفصحى. وقد خصص دخلها لفائدة جمعية الطلبة المسلمين في المغرب العربي. ويبدو من العنوان أن المسرحية كانت أيضا من وحي الواقع. وقد لاحظ ابن شنب أنه كان للمرأة دور واحد في هذه المسرحيات، فمثله أحد الرجال لفقدان المرأة الممثلة عندئذ (١).
стр. 3633
كان الموضوع الاجتماعي هو السائد في المسرحيات، كما لاحظنا. ويرجع ذلك إلى أسباب منها قطع العلاقة بين المواطن وتاريخه وثقافته الأصلية. كما أن الموضوعات التاريخية تحتاج إلى ثقافة خاصة لدى المؤلفين للمسرحيات، وهو ما كان منعدما عندئذ. ولذلك كانت الموضوعات التاريخة رغم أهميتها مضببة عند المؤلفين وعند الممثلين معا. وكانت إلى حد ما معقدة وتحتاج إلى مراجع وفهم للأحداث. ولذلك كان المؤلفون يستمدون شخصياتهم التاريخية من التراث المحفوظ في الذاكرة وليس من الكتب، وكانوا يحولون الأشخاص التاريخيين إلى أشخاص تقبلهم الذهنية العامة في أسلوب ساخر. من ذلك شخصية عنتر بن شداد، فهو عند المؤلف الجزائري ليس عنتر التاريخي، ولكنه عنتر الحشايشي الذي لم يبق منه إلا اسمه الراسب في الذاكرة. كما حول المؤلفون أسماء هارون الرشيد إلى قارون الراشي ومنصور إلى مسرور وجعفر البرمكي إلى جعفر المرخي. كما أن المؤلفين لجأوا إلى استعمال الدارجة بدل الفصحى وبالخصوص دارجة العاصمة. وبذلك تحولت المسرحيات إلى مسرحيات شعبية في لغتها وموضوعاتها وأدائها. وظهر ممثلون - مؤلفون من أمثال رشيد القسنطيني وعلالو. وكانت أول مسرحية تحرز نجاحا هي مسرحية جحا.
٦ - جحا ألفها، حسب بعض نقاد المسرح - كل من علالو ودحمون سنة ١٩٢٦، ومثلت بالدارجة على المسرح الجديد، في ١٢ أبريل ١٩٢٦. وقد مثلت ثلاث مرات متوالية لنجاحها. وجاء ذلك بعد توقف التمثيل سنتين (١٩٢٤ - ١٩٢٦). وكانت السنة الأخيرة قد سجلت ميلاد نجم شمال إفريقية بفرنسا وهزيمة عبد الكريم الخطابي في المغرب الأقصى، وانطلاق حركة الإصلاح في الجزائر.
стр. 3634
٧ - اللونجا الأندلسية من تأليف رشيد القسنطيني، وهي أيضا بالدارجة، وكل مسرحياته الكثيرة كانت بالدارجة. وقد مثلت (اللونجا) على مسرح الأوبرا بالعاصمة في ٢٨ فبراير، ١٩٢٨. ورغم أن موضوعها تاريخي، فإن المؤلف قد تصرف في التاريخ واستمد من الذاكرة الشعبية وليس من بطون الكتب (١).
٨ - موت كليوبترا، وهي من تأليف الشاعر أحمد شوقي، وتتناول أحداثا تاريخية، ولغتها فصيحة طبعا، وقد مثلت بالعاصمة في ٢ مايو، ١٩٣٢. وقيل إنها لم تنجح عند الجمهور. ولعل عدم نجاحها يرجع إلى ابتعاد أحداثها عن الذاكرة والواقع معا، وليس إلى اللغة التي كتبت بها.
كان المسرح الجزائري قد تطور أيضا خلال الثلاثينات. وقد وقع تحت عدة تأثيرات منها التأثر بالمسرح الفرنسي العريق والذي ظهرت أنشطته منذ الاحتلال. فكان في كل مدينة مسرح وتمثيل وروايات. وفي العاصمة نفسها عدد من المسارح الفرنسية. كما أن زيارات الفرق العربية من تونس ومصر قد ساهمت في تنشيط المسرح بالجزائر تقليدا أو منافسة. ومن أوائل الفرق الزائرة المعروفة فرقة الجوق التونسي التي زارت الجزائر سنة ١٩١٣ ومثلت عدة مسرحيات (٢). وغداة الحرب العالمية الأولى حلت بالجزائر الفرقة المصرية بقيادة جورج أبيض ومثلت بعض التمثيليات بالفصحى. وحوالي ١٩٣٢ زارت الجزائر فرقة فاطمة رشدي المصرية وأحرزت نجاحا (٣). وكان ذلك أثناء ازدهار مسرح رشيد القسنطيني الشعبي. وأوائل الخمسينات زارت الجزائر فرقة مصرية بقيادة يوسف وهبي، واحتفى بها الجزائريون شعبا وقادة (٤). وكان نجاحها يرجع ربما إلى انتشار التعليم بالعربية وارتفاع الذوق
стр. 3635
الأدبي لدى الجمهور على ما كان عليه أوائل العشريات.
وإذا كان المسرح الشعبي على يد رشيد وعلالو ومحيي الدين باش تارزي قد سار في اتجاهه الباحث عن الجمهور والموضوعات الاجتماعية الساخرة، فإن المسرح الأدبي - التعليمي (إذا صح أن نسميه كذلك) قد ظهر على يد نخبة من المعلمين في مدارس جمعية العلماء أوأنصار التيار الإصلاحي الذي كانت تسير عليه. فظهر مؤلفون للمسرحيات من المعلمين أنفسهم، منهم محمد العيد، ومحمد العابد الجلالي، ومحمد النجار. وكانت الموضوعات اجتماعية وتاريخية وحتى سياسة. وكان الممثلون أحيانا هم التلاميذ أنفهسم.
٩ - عاقبة القمار والجهل. رواية البعثة التعليمية، ألفها محمد العابد الجلالي، ومثلت في شهر رمضان. وقد مثلها تلاميذ مدرسة التربية والتعليم حيث كان الجلالي معلما، على مسرح كلية الشعب بقسنطينة، وقدمها المؤلف نفسه للجمهور ولخصها له. وحضرها، حسب جريدة البصائر، جمهور غفير. وتحتوي الرواية - المسرحية على ثلاثة فصول وتسعة مناظر. الفصل الأول منها يمثل الرجل الثري الذي أرسل بعثة علمية على نفقته للدراسة في المشرق، والفصل الثاني عن المقامرين ومصيرهم بعد أن ضبطتهم الشرطة ومروا بالمحكمة، والثالث عن الاحتفال بتكريم البعثة التي رجعت غانمة بعد نجاحها العلمي. وكان للرواية هدف اجتماعي وتعليمي وسياسي واضح. فقد حضرها ابن باديس، وخطب في نهاية التمثيل وألقى نشيده المعروف: اشهدي يا سماء (١).
١٠ - عاقبة الجهل ألفها بعض المعلمين أيضا ولكنه غير معروف الاسم. وهي في خمسة فصول، وقد مثلها التلاميذ أيضا في قسنطينة (؟). ووجدنا في جريدة البصائر التي تحدثت عنها باختصار أن هؤلاء التلاميذ قد تلقوا التمثيل على يد الأستاذ يوسف وهبي في مدرسة شاطودان. وحكمت
стр. 3636
الجريدة على أن الرواية (ممتازة في بابها). ولا نعرف عنها الآن أكثر مما جاء في البصائر (١).
١١ - الدجالون. مسرحية ألفها محمد النجار. ومثلتها جمعية محبي الفن في مدية قسنطينة. وجرى التمثيل في عنابة بمناسبة عودة الحجاج، وموضوعها هو العلم والخرافة، وتوجيه الرأي العام إلى اليقظة والابتعاد عن الخرافات والإقبال على العلم. وهذا هو اتجاه الحركة الإصلاحية عندئذ. وإليك ما كتبته البصائر في تعليقها على الرواية: (أبدع (المؤلف) وأفاد حيث جعلها دليلا حقيقيا على حالة الجزائري ... ومن جهة أخرى أظهر لنا براعة قلمه في هذه الرواية، وسبكها في قالب لم يسبق إليه، ولغتها مفهومة عند جميع الطبقات) (٢). فهل كانت بالدارجة القريبة من الفصيحة؟ أما الجمعية التي مثلتها فكانت تضم مجموعة من الهواة وليس التلاميذ. وسيرد اسمها.
١٢ - شبان اليوم، وهي مجهولة المؤلف. ولكن مثلتها جمعية الشباب الفني لمدينة قسنطينة في ١٠ أبريل ١٩٣٨ على المسرح البلدي. وهي تقع في ثلاثة فصول. وتقول البصائر إن الرواية تتناسب مع ذوق وعقل الجمهور، أي أنها رواية تربوية. فهي (متدرجة مع عقله، محققة لفائدته) كما قالت. والرواية تعالج موضوعا اجتماعيا و (تتخللها جريمة تحدث في ظروف غريبة وسلسلة حوادث ووقائع تأسر حواس الجمهور وتستثير مشاعره). وتتخلل الرواية فواصل موسيقية أيضا (٣). وفي تعليق آخر ذكرت أن مؤلفها رجل قسنطيني وأنه أراد منها تسلية المتفرج وتهذيبهه. وعن موضوعها قالت إنه التزوج على الطريقة العصرية، هذا الموضوع الذي يمثل مشكلة خطيرة (تكاد تهدم دعائم الأسرة الجزائرية). وقد أشادت بحوارها وأداء الممثلين
стр. 3637
لأدوارهم، وحسن إخراجها، وأنها رواية ترضى الخاصة والعامة (١).
١٣ - عباقرة العرب، وهي من تأليف محمد العابد الجلالي. وقد مثلها سبعة من كبار التلاميذ. وموضوعها تاريخي وسياسي أيضا. فهو هداية العرب للشعوب الأخرى بالدعوة الإسلامية، بدون تمييز لأحد ولا تقديم قبيلة على أخرى. وقد مثلت على مسرح كلية الشعب بمدينة قسنطينة. وشمل الأداء البنات والبنين. وظهر طابعها السياسي في أنها تنتهي بمصافحة الجميع على الاتحاد وسط تصفيق الجمهور (٢).
١٤ - النهضة الجديدة، وهي بدون مؤلف، وفيها ثلاثة فصول واثنا عشر منظرا. وقد مثلتها كثافة الرجاء بباتنة. ويشمل الفصل الأول الرجل الغني الذي يبخل بماله، والفصل الثاني في الخمر، وسجن المدمنين ومحاكمتهم أمام الجمهور، والثالث يمثل المدرسة والاحتفال بالناجحين (٣). وتذكرنا هذه الرواية بأخرى سبقت، وهي (عاقبة القمار)، التي ألفها محمد بن العابد الجلالي. وكلتاهما تعالج موضوعا اجتماعيا والدعوة إلى الإصلاح والعلم.
١٥ - بلال بن رباح، ألفها الشاعر محمد العيد، وهي مسرحية تاريخية وشعرية فصيحة. وموضوعها الصبر على المكاره في سبيل الدين والمبدأ. واتخذ منها محمد العيد رمزا لصبر الشعب على الاستعمار في مقابل صبر بلال على التعذيب والاضطهاد. وتلك هي رسالة المسرحية. مثلت أول مرة في قسنطينة في ٤ يناير ١٩٣٩ على المسرح البلدي. وكان الشاعر وقتها في العاصمة. وقد مثلها تلاميذ جمعية التربية والتعليم بمشاركة الفرع الموسيقى لجمعية الشباب الفني. وقد قالت البصائر إن الناس قد ضاق بهم المسرح (٤).
стр. 3638
وبعد ذلك جرى تمثيلها في عدة مناسبات وأمكنة.
١٦ - المدرسة، وهي رواية هزلية، حسب جريدة البصائر. مثلتها جمعية الشباب الفني لقسنطينة. ولا نعرف لها مؤلفا. واعتمد الممثلون على التنكيت والضحك دون الجد مما جعل البعض ينتقدون طريقة الأداء ورسالة الرواية. كما أن الجمعية المذكورة مثلت رواية أخرى حول المولد النبوي. ونعرف من بعض التعاليق أن رواية (المدرسة) أحرزت نجاحا كبيرا. غير أننا لا نعرف من هو مؤلفها ولا أين مثلت (١).
١٧ - سحار بالرغم منه، من تأليف وتمثيل محيي الدين باش تارزي. وقد مثلها بمناسبة انعقاد المؤتمر الكشفي في يوليو ١٩٣٩ (؟) (٢).
...
ومنذ هذا التاريخ اندلعت الحرب العالمية وتوقفت البصائر والشهاب ومعظم الجرائد. وتوقفت أيضا حركة التمثيل المسرحي وتأليف الروايات. وكانت موضوعات الروايات المذكورة تعالج قضايا الدين والمجتمع والتاريخ والسياسة، كما سبق القول. وقد تعمدنا ذكر نماذج من المسرحيات التي أنشأها المعلمون ومثلها التلاميذ في أغلب الأحيان لنبرهن على أن المسرح لم يكن حكرا على هواته في العاصمة فقط، ولا على اللغة الدارجة فقط ولا على الموضوعات الساخرة التي تشوه التاريخ أحيانا ولا تربي الذوق ولا تدعو إلى الرقي الأدب والفني. فقد رأينا أن معظم لغة الروايات التعليمية كانت فصيحة، وأن الجمهور كان حاضرا بكثافة ومنسجما مع تيار المسرحيات. كما أن المسرح قد خرج من العاصمة إلى الأقاليم، ولا سيما قسنطينة حيث النهضة التعليمية والأدبية وحيث يلتقي الجمهور مع المؤلف. ومن جهة أخرى لجأنا إلى ذكر هذه النماذج لأن الذين درسوا المسرح
стр. 3639
والمسرحيات لم يتحدثوا عن المسرح المدرسي واقتصروا في حديثهم عن المسرح على تجارب علالو ورشيد وباش تارزي، ومعظمها كانت تجارب في العاصمة التي كانت تغلب عليها اللغة الفرنسية والمزيج اللغوي والذوق الأجنبي.
وبعد الحرب العالمية الثانية ألف الأدباء الجزائريون روايات ومسرحيات، ولكنها كانت محدودة، بالنظر إلى تقدم حركة التعليم ومسيرة النهضة الوطنية. ومن ذلك:
١٨ - أدباء المظهر، من تأليف أحمد رضا حوحو، سنة ١٩٤٨. وهي مسرحية في فصلين (١). وموضوعها هو النقد الاجتماعي.
١٩ - حنبعل، تأليف أحمد توفيق المدني. وهي مسرحية ذات فصول. وموضوعها سياسي تاريخي، إذ ربط فيها الكاتب بين مقاومة حنبعل للاستعمار الروماني ومقاومة الشعب للاستعمار الفرنسي. ووجهها المؤلف إلى الشباب الناهض. وقد مثلت عدة مرات (٢).
٢٠ - امرأة الأب، تأليف أحمد بن ذياب. وهي رواية اجتماعية للقراءة الأدبية. ولا ندري إن كانت قد صيغت للتمثيل أيضا (٣).
٢١ - غادة أم القرى، تأليف أحمد رضا حوحو، وهي قصة/ رواية، عن المرأة العربية في الحجاز، ورمز بها المؤلف إلى المرأة الجزائرية أيضا. ولا نعلم أنها قد مثلت على المسرح.
٢٢ - كاهنة الأوراس، من تأليف الشيخ محمد البشير الإبراهيمي. وقال عنها إنه كتبها (بأسلوب مبتكر يجمع بين الحقيقة والخيال).
стр. 3640
٢٣ - خواطر مجموعة لعبد المجيد الشافعي، وقد نشرها سنة ١٩٥٢. ولنفس المؤلف محاولات أخرى. ولكن بعض النقاد، مثل ابن هدوقة لا يعتبر هذه الأعمال قد اكتملت لها عناصر الرواية.
...
بالنسبة للقصة القصيرة، لقد تناولها عدد من النقاد في بحوث جامعية وغيرها. أرخوا لأوائلها، وأظهروا أنها ابتدأت في شكل حكاية قصيرة أو في شكل لوحة أدبية، أو مقالة صحفية، ثم ظهرت القصة الفنية بعد أن استكملت عناصرها على يد بعض الأدباء. ومن الذين تناولوا هذا الموضوع باستيعاب عبد الله ركيبي، وعمر بن قينة، وذهب عبد الحميد بن هدوقة (وهو قصاص وكاتب رواية) إلى أن القصة القصيرة الحقيقية لم تولد إلا خلال الثورة (١).
ورغم محاولات سابقة، فإن الكلمة تكاد تتفق على أن أحمد رضا حوحو كان أول من كتب القصة القصيرة. وكان حوحو قد هاجر إلى الحجاز وساهم في مجلة (المنهل) بمقالاته وقصصه وترجماته عن الفرنسية. وفي الكتاب الذي ألفه صالح الخرفي عن حوحو في الحجاز أضواء جديدة على حياته الأدبية هناك. ومن قصصه المبكرة ما نشرته له (المنهل) في العدد الممتاز في خاتمة سنتها الأولى. فقد نشر حوحو فيها قصة بعنوان (نبيل) وهي القصة التي أشارت إليها في حينها البصائر أيضا (٢).
ومنذ رجع حوحو إلى الجزائر أخذ ينشر القصص في البصائر وغيرها، ثم جمع ما نشره في كتاب (مع حمار حكيم) و (صاحبة الوحي وقصص أخرى)، و (نماذج بشرية). وقد نشر الكتاب الأخير بعد وفاته. ونشر حوحو أيضا في مجلة (إفريقية الشمالية) التي كان يصدرها إسماعيل العربي، مثل قصة جريمة حماة، وكذلك نشر في مجلة (هنا الجزائر) حسب الظن.
стр. 3641
ولم يكن حوحو وحده في الميدان، ولكنه كان هو المجلى فيه، فإلى جانبه ظهر عدد من كتاب القصة، بعضهم استكمل أو كاد شروطها الفنية، وبعضهم حاولها كفن أدبي جديد، ثم سار إلى غيرها من مقالة ودراسة وشعر إلخ (١). ومن هؤلاء أحمد بن عاشور، والشريف الحسيني ومحمد الطاهر فضلاء وعبد الله ركيبي وأبو العيد دودو، وسعدى حكار (٢) ثم ظهر جيل آخر كان منه زهور ونيسي والطاهر وطار وعبد الحميد بن هدوقة. وقبل أن نتحدث عن الرواية والقصة باللغة الفرنسية نتحدث عن فن المقامات ، باعتبار المقامة من فنون النثر الأدبي.
المقامات
المقامات فن قديم في الجزائر، وقد تعرضنا إليه في الجزء الثاني. وإنما الجديد هو ما نشأ في العهد الذي ندرسه، والذي نريد أن نعرف ما إذا كان قد تأثر بالحياة الجديدة. وإذا كانت المقامات تعتمد الأسلوب الشيق والقص الطريف والشخصيات الذكية والثقافة الواسعة، فإن ذلك لم يتوفر لها في العهد الذي ندرسه إلا نادرا. فخلال القرن الماضي ولا نكاد نجد كاتبا واحدا للمقامات الجيدة المتوفرة على الشروط التي ذكرنا. كانت هناك محاولات بدون شك، بعضها في الجزائر وبعضها على يد من هاجروا منها. وكانت بعض المقامات قريبة من الدارجة وبعضها بالفصحى. ومما نلاحظه أنه بعد تقدم التعليم واطلاق تباشير النهضة الأدبية حدث تجديد في الشعر
стр. 3642
وفي المقالة وظهرت القصة والمسرحية، ولكن المقامة بقيت نادرة. وربما كان البعض ينظر إليها على أنها وسيلة للغموض والتقعر والتفاصح الفارغ، سيما إذا كان الذين يحاولونها غير ملمين بالأحداث الكبرى ولا يحسنون فن القص الأدبي. وقد ذكرنا أن الإبراهيمي قد برع في أسلوب معين سماه سجع الكهان نشر منه نماذج بين ١٩٤٧ - ١٩٥٢.
والمقامات التي علمنا بوجودها أو اطلعنا عليها قليلة. وها نحن نذكرها حسب ترتيبها بقدر الإمكان:
١ - المقامة الصوفية أو شبه المقامة، وقد وضعها الأمير عبد القادر في صورة قصصية، كمقدمة لكتابه (المواقف) في التصوف. تصور الأمير أنه كان في مجمع من الأصحاب فأخذوا يتساجلون أثناء بحثهم عن الحقيقة الإلهية، وهي كما قال محمد طه الحاجري، تلك الغائية الفاتنة (١). والمعروف أن التصوف لم يكن جديدا على الأمير، فقد ورثه عن الأسرة، وكانت طريقة والده هي القادرية، ولكنه اتصل بعد حجته الثانية بعدد من المتصوفين في الحجاز ومنهم الشيخ محمد الفاسي الذي أدخله الطريقة (النقشبندية؟). لقد كانت حجته (١٨٦٣ - ١٨٦٤) فرصة لتجديد العهد بأقطاب التصوف والعودة إلى ملكوته اللامتناهي.
وقد اختار الأمير لمقامته اسم المعشوقة وهو يقصد بها الحقيقة. وجاء فيها (حضرت محاضرة من محاضرات الشرفا، ومسامرة من مسامرات الظرفا، في ناد من أندية العرفا، فجاؤوا في سمرهم بكل طرفة غريبة ومستظرفة عجيبة، وكان الحديث شجونا وألوانا وفنونا، إلى أن تكلم عريف الجماعة ومقدم أهل البراعة، فقال: أحدثكم بحديث هو أغرب من حديث عنقاء مغرب، فاشرأبوا لسماعه ومدوا أعناقهم، وفرغوا قلوبهم وحدقوا أحداقهم، فقال: إن في الوجود معشوقة غير مرموقة، الأهوية، إليها جانحة، والقلوب بحبها طافحة، والأبصار إلى رؤيتها طامحة، يطير الناس إليها كل
стр. 3643
مطار، ويرتكبون الأخطار، ويستعذبون دونها الموت الأحمر، ويركبون لطلبها المكعب الأسمر (أي قناة الرمح)، ولا يصل إليها إلا الواحد بعد الواحد في الزمان المتباعد، فإذا قدر لأحد مشارفة حماها، ومقاربة مرماها، ألقت عليه اكتسترا لا له مادة ولا مادة، ولا هو عين ممتدة، فيحصل انقلاب عينه، وجميع الأعيان في عينه، إلى عين هذه المعشوقة، التي هي غير مرموقة، المعلومة المجهولة، المغمودة المسلولة، الباطنة الظاهرة، المستورة الساترة، الجامعة للتضاد ... ولا يقدر أن يعبر عنها بعبارة ... أكثر من قوله: وصلتها وحصلتها. وبعد التعب والعنا ... وجدت هذه المعشوقة (هي) أنا، ويتبين لي أنني الطالب والمطلوب والعاشق فما كان هجري للذاتي، إلا في طلب ذاتي ... ولا وصولي إلا إلي، ولا تفتيشي إلا علي، ولا كان سفري إلا مني في إلي) (١).
٢ - ومن العائلات المهاجرة عائلة المبارك، هاجرت منذ بداية الاحتلال - الأربعينات - ومنها محمد المبارك بن محمد. وقد تميزت العائلة في بلاد الشام بإتقان اللغة العربية والتوسع في الأدب حتى أن هذه (الصنعة) قد توارثتها أجيالها، ولد محمد في بيروت سنة ١٨٤٨ وعاش إلى أن توفي في دمشق سنة ١٩١٢. ثم واصل أبناؤه وأحفاده مسيرته. وقد درس على علماء جزائريين وشاميين، وتوظف في عدة وظائف، ومنها القضاء في أزمير، وأسس مدرسة النهضة العلمية، وترك مجموعة من الآثار الأدبية، منها رسالة في رثاء الأمير بعنوان (لوعة الضمار في رثاء الأمير عبد القادر) وهي مطبوعة، كما طبع أعمالا في شكل مقامات (حسب عناوينها)، منها (غريب الأنباء في مناظرة الأرض والسماء) و (غناء الهزار في محاورة الليل والنهار). والمناظرة والمحاورة فن آخر من أسلوب المقامة.
أما أعمال محمد المبارك المخطوطة فمنها: (المقامة اللغزية والمقالة
стр. 3644
الأدبية)، و (المقامات العشر لطلاب العصر) و (أبهى مقامة في المفاخرة بين الغربة والإقامة). فإذا ثبت أن هذه كلها من نوع المقامات التي نحن بصددها، فإن محمد المبارك يكون من المكثرين من هذا النوع الأدبي (١). وقد توفر لمحمد المبارك في المشرق، مع الطباعة والجو الأدبي والجرائد، ما لم يتوفر لمواطنيه في الجزائر. وإذا أتيحت للأدباء الجزائريين الفرص والظروف المناسبة فإنهم يبدعون ويبزون غيرهم، كما حدث مع الشيخ طاهر الجزائري أيضا.
٣ - وشبيه بالشيخ المبارك في الإكثار من المقامة، الشيخ الديسي (محمد بن عبد الرحمن). وقد عرفنا أنه كان ضريرا ومعلما في زاوية الهامل قرب بوسعادة وأنه كان متقنا للغة العربية رغم محاربتها من السلطات الفرنسية. وقد لاحظ الشيخ محمد بيرم الخامس أثناء زيارته للجزائر في آخر السبعينات من القرن الماضي أن العربية بقيت في النواحي الصحراوية النائية وبعض المراكز كالزوايا حيث يتغرب طلبتها في سبيل العلم ثم يرجعون لبثه بين المواطنين بطريقة التهريب تقريبا. ولا ندري إن كان الديسي قد تغرب في سبيل العلم ولكن عددا من زملائه قد فعلوا ذلك، ومنهم الشاعر عاشور الخنقي. والشيخ محمد بن بلقاسم مؤسس زاوية الهامل.
وحفظت الأيام عددا من مقامات الديسي، منها واحدة مطبوعة بعنوان (المناظرة بين العلم والجهل) (٢). وقد قال عنها صاحب تعريف الخلف أنه قد
стр. 3645
ضمنها فوائد تاريخية ولطائف علمية وإشارات إلى حوادث عظمى تتميز بها الأجيال والممالك في الماضي والحاضر. ونفهم من ذلك أن المؤلف قد ساقها في مجال العبر والاتعاظ. وها هو الديسي يقول بنفسه (بعد حمد ملهم الصواب، وكاشف الأوصاب، والصلاة الكاملة، المتواصلة الشاملة، على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه والفئة العالمة العاملة، فقد اقتضى الحال، أن يقع بين العلم والجهل مناظرة وجدال، فاجتمع قوم، وعينوا لذلك يوم. وقد شاخ وأسن، وأدركه الضعف والوهن، بادئ الإعواز، يتوكأ على عكاز ... وقال: يا جهل! ما أنت لخطابي بأهل ...) أما على لسان الجهل فقد قال مخاطبا: (يا قليل الجدوى، يا داعية الكبر والدعوى، أتفخر ببنيك الشعث الغبر، الذين ليس لهم، عند أهل الدنيا اعتبار ولا قدر ...) (١). وللديسي مقامات أخرى.
٤ - وفي سنة ١٩١٣ نشر فرنسيان مستعربان كانا مهتمين بالأدب الجزائري، وهما ج. ديلفان، والجنرال فور بيقي مجموعة من المجالس الأدبية أطلق عليها صاحها (المقامات العوالية). والمؤلف هو محمد بن علي بن الطاهر الجباري، وهو من قبيلة الجبارة في ناحية سعيدة الآن. وكان الجباري قد سكن وهران، وقيل إن أصله من بطيوة، وربما درس في المدارس القرآنية وبعض الزوايا قبل أن يلتحق بمدرسة تلمسان الفرنسية الرسمية لتخريج القضاة. وقد حكى ديلفان أن الجباري قد وصل إلى رتبة عالية في ميدان القضاء. ولكن عصره كان عصر حرب شعواء ضد القضاة والقضاء الإسلامي. ويبدو أنه توفي مغموما محروما بعيدا عن أهله وبلدته، رغم أن ديلفان يقول إنه سعى في تبديله لدى السلطات ولكن دون جدوى. ولم يترجم المستعربان الفرنسيان نص مقامات الجباري إلا بعد وفاته بسنوات