ولم يكن حوحو وحده في الميدان، ولكنه كان هو المجلى فيه، فإلى جانبه ظهر عدد من كتاب القصة، بعضهم استكمل أو كاد شروطها الفنية، وبعضهم حاولها كفن أدبي جديد، ثم سار إلى غيرها من مقالة ودراسة وشعر إلخ (١). ومن هؤلاء أحمد بن عاشور، والشريف الحسيني ومحمد الطاهر فضلاء وعبد الله ركيبي وأبو العيد دودو، وسعدى حكار (٢) ثم ظهر جيل آخر كان منه زهور ونيسي والطاهر وطار وعبد الحميد بن هدوقة. وقبل أن نتحدث عن الرواية والقصة باللغة الفرنسية نتحدث عن فن المقامات ، باعتبار المقامة من فنون النثر الأدبي.
المقامات
المقامات فن قديم في الجزائر، وقد تعرضنا إليه في الجزء الثاني. وإنما الجديد هو ما نشأ في العهد الذي ندرسه، والذي نريد أن نعرف ما إذا كان قد تأثر بالحياة الجديدة. وإذا كانت المقامات تعتمد الأسلوب الشيق والقص الطريف والشخصيات الذكية والثقافة الواسعة، فإن ذلك لم يتوفر لها في العهد الذي ندرسه إلا نادرا. فخلال القرن الماضي ولا نكاد نجد كاتبا واحدا للمقامات الجيدة المتوفرة على الشروط التي ذكرنا. كانت هناك محاولات بدون شك، بعضها في الجزائر وبعضها على يد من هاجروا منها. وكانت بعض المقامات قريبة من الدارجة وبعضها بالفصحى. ومما نلاحظه أنه بعد تقدم التعليم واطلاق تباشير النهضة الأدبية حدث تجديد في الشعر
стр. 3642
وفي المقالة وظهرت القصة والمسرحية، ولكن المقامة بقيت نادرة. وربما كان البعض ينظر إليها على أنها وسيلة للغموض والتقعر والتفاصح الفارغ، سيما إذا كان الذين يحاولونها غير ملمين بالأحداث الكبرى ولا يحسنون فن القص الأدبي. وقد ذكرنا أن الإبراهيمي قد برع في أسلوب معين سماه سجع الكهان نشر منه نماذج بين ١٩٤٧ - ١٩٥٢.
والمقامات التي علمنا بوجودها أو اطلعنا عليها قليلة. وها نحن نذكرها حسب ترتيبها بقدر الإمكان:
١ - المقامة الصوفية أو شبه المقامة، وقد وضعها الأمير عبد القادر في صورة قصصية، كمقدمة لكتابه (المواقف) في التصوف. تصور الأمير أنه كان في مجمع من الأصحاب فأخذوا يتساجلون أثناء بحثهم عن الحقيقة الإلهية، وهي كما قال محمد طه الحاجري، تلك الغائية الفاتنة (١). والمعروف أن التصوف لم يكن جديدا على الأمير، فقد ورثه عن الأسرة، وكانت طريقة والده هي القادرية، ولكنه اتصل بعد حجته الثانية بعدد من المتصوفين في الحجاز ومنهم الشيخ محمد الفاسي الذي أدخله الطريقة (النقشبندية؟). لقد كانت حجته (١٨٦٣ - ١٨٦٤) فرصة لتجديد العهد بأقطاب التصوف والعودة إلى ملكوته اللامتناهي.
وقد اختار الأمير لمقامته اسم المعشوقة وهو يقصد بها الحقيقة. وجاء فيها (حضرت محاضرة من محاضرات الشرفا، ومسامرة من مسامرات الظرفا، في ناد من أندية العرفا، فجاؤوا في سمرهم بكل طرفة غريبة ومستظرفة عجيبة، وكان الحديث شجونا وألوانا وفنونا، إلى أن تكلم عريف الجماعة ومقدم أهل البراعة، فقال: أحدثكم بحديث هو أغرب من حديث عنقاء مغرب، فاشرأبوا لسماعه ومدوا أعناقهم، وفرغوا قلوبهم وحدقوا أحداقهم، فقال: إن في الوجود معشوقة غير مرموقة، الأهوية، إليها جانحة، والقلوب بحبها طافحة، والأبصار إلى رؤيتها طامحة، يطير الناس إليها كل
стр. 3643
مطار، ويرتكبون الأخطار، ويستعذبون دونها الموت الأحمر، ويركبون لطلبها المكعب الأسمر (أي قناة الرمح)، ولا يصل إليها إلا الواحد بعد الواحد في الزمان المتباعد، فإذا قدر لأحد مشارفة حماها، ومقاربة مرماها، ألقت عليه اكتسترا لا له مادة ولا مادة، ولا هو عين ممتدة، فيحصل انقلاب عينه، وجميع الأعيان في عينه، إلى عين هذه المعشوقة، التي هي غير مرموقة، المعلومة المجهولة، المغمودة المسلولة، الباطنة الظاهرة، المستورة الساترة، الجامعة للتضاد ... ولا يقدر أن يعبر عنها بعبارة ... أكثر من قوله: وصلتها وحصلتها. وبعد التعب والعنا ... وجدت هذه المعشوقة (هي) أنا، ويتبين لي أنني الطالب والمطلوب والعاشق فما كان هجري للذاتي، إلا في طلب ذاتي ... ولا وصولي إلا إلي، ولا تفتيشي إلا علي، ولا كان سفري إلا مني في إلي) (١).
٢ - ومن العائلات المهاجرة عائلة المبارك، هاجرت منذ بداية الاحتلال - الأربعينات - ومنها محمد المبارك بن محمد. وقد تميزت العائلة في بلاد الشام بإتقان اللغة العربية والتوسع في الأدب حتى أن هذه (الصنعة) قد توارثتها أجيالها، ولد محمد في بيروت سنة ١٨٤٨ وعاش إلى أن توفي في دمشق سنة ١٩١٢. ثم واصل أبناؤه وأحفاده مسيرته. وقد درس على علماء جزائريين وشاميين، وتوظف في عدة وظائف، ومنها القضاء في أزمير، وأسس مدرسة النهضة العلمية، وترك مجموعة من الآثار الأدبية، منها رسالة في رثاء الأمير بعنوان (لوعة الضمار في رثاء الأمير عبد القادر) وهي مطبوعة، كما طبع أعمالا في شكل مقامات (حسب عناوينها)، منها (غريب الأنباء في مناظرة الأرض والسماء) و (غناء الهزار في محاورة الليل والنهار). والمناظرة والمحاورة فن آخر من أسلوب المقامة.
أما أعمال محمد المبارك المخطوطة فمنها: (المقامة اللغزية والمقالة
стр. 3644
الأدبية)، و (المقامات العشر لطلاب العصر) و (أبهى مقامة في المفاخرة بين الغربة والإقامة). فإذا ثبت أن هذه كلها من نوع المقامات التي نحن بصددها، فإن محمد المبارك يكون من المكثرين من هذا النوع الأدبي (١). وقد توفر لمحمد المبارك في المشرق، مع الطباعة والجو الأدبي والجرائد، ما لم يتوفر لمواطنيه في الجزائر. وإذا أتيحت للأدباء الجزائريين الفرص والظروف المناسبة فإنهم يبدعون ويبزون غيرهم، كما حدث مع الشيخ طاهر الجزائري أيضا.
٣ - وشبيه بالشيخ المبارك في الإكثار من المقامة، الشيخ الديسي (محمد بن عبد الرحمن). وقد عرفنا أنه كان ضريرا ومعلما في زاوية الهامل قرب بوسعادة وأنه كان متقنا للغة العربية رغم محاربتها من السلطات الفرنسية. وقد لاحظ الشيخ محمد بيرم الخامس أثناء زيارته للجزائر في آخر السبعينات من القرن الماضي أن العربية بقيت في النواحي الصحراوية النائية وبعض المراكز كالزوايا حيث يتغرب طلبتها في سبيل العلم ثم يرجعون لبثه بين المواطنين بطريقة التهريب تقريبا. ولا ندري إن كان الديسي قد تغرب في سبيل العلم ولكن عددا من زملائه قد فعلوا ذلك، ومنهم الشاعر عاشور الخنقي. والشيخ محمد بن بلقاسم مؤسس زاوية الهامل.
وحفظت الأيام عددا من مقامات الديسي، منها واحدة مطبوعة بعنوان (المناظرة بين العلم والجهل) (٢). وقد قال عنها صاحب تعريف الخلف أنه قد
стр. 3645
ضمنها فوائد تاريخية ولطائف علمية وإشارات إلى حوادث عظمى تتميز بها الأجيال والممالك في الماضي والحاضر. ونفهم من ذلك أن المؤلف قد ساقها في مجال العبر والاتعاظ. وها هو الديسي يقول بنفسه (بعد حمد ملهم الصواب، وكاشف الأوصاب، والصلاة الكاملة، المتواصلة الشاملة، على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه والفئة العالمة العاملة، فقد اقتضى الحال، أن يقع بين العلم والجهل مناظرة وجدال، فاجتمع قوم، وعينوا لذلك يوم. وقد شاخ وأسن، وأدركه الضعف والوهن، بادئ الإعواز، يتوكأ على عكاز ... وقال: يا جهل! ما أنت لخطابي بأهل ...) أما على لسان الجهل فقد قال مخاطبا: (يا قليل الجدوى، يا داعية الكبر والدعوى، أتفخر ببنيك الشعث الغبر، الذين ليس لهم، عند أهل الدنيا اعتبار ولا قدر ...) (١). وللديسي مقامات أخرى.
٤ - وفي سنة ١٩١٣ نشر فرنسيان مستعربان كانا مهتمين بالأدب الجزائري، وهما ج. ديلفان، والجنرال فور بيقي مجموعة من المجالس الأدبية أطلق عليها صاحها (المقامات العوالية). والمؤلف هو محمد بن علي بن الطاهر الجباري، وهو من قبيلة الجبارة في ناحية سعيدة الآن. وكان الجباري قد سكن وهران، وقيل إن أصله من بطيوة، وربما درس في المدارس القرآنية وبعض الزوايا قبل أن يلتحق بمدرسة تلمسان الفرنسية الرسمية لتخريج القضاة. وقد حكى ديلفان أن الجباري قد وصل إلى رتبة عالية في ميدان القضاء. ولكن عصره كان عصر حرب شعواء ضد القضاة والقضاء الإسلامي. ويبدو أنه توفي مغموما محروما بعيدا عن أهله وبلدته، رغم أن ديلفان يقول إنه سعى في تبديله لدى السلطات ولكن دون جدوى. ولم يترجم المستعربان الفرنسيان نص مقامات الجباري إلا بعد وفاته بسنوات
стр. 3646
طويلة. وقد وصفه ديلفان بالشرف والإخلاص.
والجباري كان أديبا بطبعه، محبا للغة العربية، ينظم الشعر ويهوى التمثيل، ويعرف خبايا الناس في الوسط الديني الذي درس فيه والوسط الإداري الذي ارتبط به عمله غير المجدى، كما يقول ديلفان. كان الجباري حريصا على تأليف مقامات يحفظ بها اللغة العربية من الضياع، ولعله أحس بغريزته أن هذه اللغة كانت تتدهور وتتلاشى فكتب مقاماته مستوحيا الحريري والهمذاني، ثم قدم ذلك ديلفان تاريخا وأسلوبا ولغة وموضوعا. قال إن المؤلف (الجباري) قد عاش في وهران وسعيدة ومعسكر والدليمة التي سماها الفرنسيون سان لوسيان، وكان أصله من بطيوة (أرزيو). وما دام الجباري قد تنقل بين أماكن عديدة فمن الصعب، في نظر ديلفان، أن تكون المقامات بلهجة واحدة، فلا بد أن يكون قد تنقل من جامع إلى آخر، على عادة الطلبة القدماء، بحثا عن العلماء والمخطوطات والأوقاف.
اعتمد الجباري في كتابة مجالسه التسعة عشر على الذاكرة، فكان محفوظه غزيرا. وكان يروي المغامرات المسلية، ويتداخل فيها. فمقاماته نوع من السيرة الذاتية له أيضا. لقد كتبها بأسلوب هزلي مفصل. واختار لها الكلمات المناسبة في الوقت الذي لا وجود فيه للمسرح عند الجزائريين. وقال ديلفان إن الجباري كان يقترب كثيرا من الفصحى ويستعير منها، وحذر من أن يظن المستعربون الفرنسيون أن في ذلك تعديا على اللغة الفصحى. وكان الجباري حريصا على اللغة والتراث، ولذلك كان يورد أيضا أبياتا شعرية على طريقة المقامات، لتمليح النص. وكان أحيانا يذكر شعرا ملحونا أو زجلا. وقد كان هو نفسه شاعرا (١).
أخبر ديلفان أنه عندما كان يقيم في وهران وصل إلى يده مجلس من مجالس الجباري أو مقاماته. فنظر إلى أهمية ما جاء فيه من حيث لهجة المنطقة - وكان المستشرقون مهتمين بذلك - فبدأ مساعيه للحصول على كل
стр. 3647
المجالس التي سمع أنها بلغت تسعة عشر، كما ذكرنا. طلب ذلك من المؤلف نفسه، وكان صديقا له، ولكن الموت عاجله، فلم يتم تحرير كل المجالس. وأقر ديلفان أنه حصل على اثنى عشر مجلسا. بصعوبة ومثابرة. وحرصا على هذه المجالس قدمها للنشر بعد ترجمتها والتعليق عليها، وقد قال إن المؤلف لم يكن في نيته أن يرى عمله مطبوعا ذات يوم (١).
اعتقد الجباري أنه من الأهمية وضع مدخل لمجالسه يطرح فيه نظريته في التغيير الذي أصاب اللغة العربية الفصحى في المغرب العربي من جراء تأثير البربرية، فما بالك بتأثير الفرنسية. ومما يذكر أنه أجرى الحديث على لسان بطل يسمى سي الحبيب بن عيسى العوالي، وهو أحد الجماعة في الدوار، وكان أيضا من الطلبة، قضى حوالي ثلاثين سنة من عمره في التعلم، لكنه بقي جاهلا ولم يكن يعرف سوى معلومات عامة، وكان لا يحسن حتى النطق بالإعراب والأدب في المجالس، ولم يكن هناك من يتعاطف مع هذا النوع من الطلبة. ولكن أهل الدوار احتفلوا به عند قدومه مع ذلك، لأن قدومه كان فقط فرصة لاستعادة الذكريات. وكان ابن عيسى العوالي بدينا بعد أن تقدمت به السن. ويبدو أن الجباري أراد المساهمة عندئذ في مهاجمة التعليم التقليدي - الزوايا والكتاتيب - لأنه تعليم في نظره عقيم، فالمرء يقضي سنوات طويلة ثم يخرج ولا يحفظ سوى القرآن عن ظهر قلب، ولا يحسن القراءة والكتابة والحساب، ولا يستطيع منافسة أنداده المتخرجين من المدارس الفرنسية رغم دراستهم القليلة. هذه الظاهرة النقدية انطلقت مع آخر القرن الماضي، وظهرت في عدة أعمال منها كتاب (أوضح الدلائل) لابن زكري وكتابات الزواوي.
وعنوان المقامات الكامل هو (كتاب المقامات العوالية في أخبار
стр. 3648
العلالية) على اللغة المغربية (المغرابية؟). وهذه هي الفاتحة: (يقول عبيد الله القاهر الباري، محمد بن علي بن الطاهر الجباري. الحمد لله الذي هدانا للهداية، وأرشدنا للاستقامة، وملك أعنتنا فقهر، وعفا عن عباده الصالحين وتجاوز عن سيئات من زاغ منهم وغفر ... أما بعد، فإني لما سيقت بي الأقدار بجولات الأماكن، جعلت استقراري بمدينة بلاد (سان لوسيان) (١)، فوجدتها ذات قيمة سنية، موجودة بوطن الظليمة فصرت كمن جلس بين فرشين وتوسد مخدتين، فشرعت أهوى الخلطة مع بعض من طلبة نجع الغرابة، وأتقلب طورا مع بعض من عرش الزمالة، وأخرى أحاكي بها الظهرة والغابة، وقد طال ما بحثت عن إفادة بعض العلوم، فلم أجد مرشدا عليه والى من إليه يقوم، حتى خلت أن شجرة العلم لم يغرس ببلادهم، ونبذة الأدب لم يزرع بترابهم ... فما لبثت على ذلك إلا قليلا ... إذ بي وجدت ابن عيسى العوالي يتقلب بالأوصاف والأحوالي، فمرة يحضر مع الطلبة والجنائز، وطورا يقصد خطبة العجائز، وتارة يميل إلى مجالس العلامة (العلماء؟)، وأخرى يحضر مع كبار الجماعة، وساعة يأتي راكبا مع الميعاد، ويتخالى مع الأمراء والقياد ... بيد أنه مع تقلب أوصافه أن مع عرب البربر قوالا. فرميت النظر عليه، وتسببت في الخلطة إليه ... ثم إني امتزجت معه كما يمتزج الماء باللبن، وانطلقت بدواخله كالحكة في الجبن ... فلما رأيت من ارتكام ظلمات الجهل، وانقطاع الأدب بهذه الواسطة على الأصل، تذكرت ما سمعت عن بعض الثقة والأمان ... أن رياسة الرجال الصناديد من بلاد الشرق لما وصلوا لهذه الأوطان، وأمروا بفتح تلك المدن، بتعريب (؟) أصحاب هذه البلدان، بعد معاركتهم ومحاربتهم إياهم، أن يدخلوا في الإسلام طوعا ومحبة لأعلاهم.
(فلما عرفوا لذة لغتنا وفوائدها استعملوها، ومع أن كانوا يبعدونها من قواعدها وعن صافي أصلها واستأصلوها، فقد حصل لها بسبب إدخالها بعض
стр. 3649
الألفاظ الملحونة، من لغاتهم المختلفة المثبونة، مثل الشلحة، والتمزيغية والتوارقية والوارقلية، اختلاف عجيب واتساع، ليس له يزيد الإشفاع، فبإضافة لغتهم إلى لغتنا لم يتركوا سائر ألفاظ اللسان المضبط، حتى صاروا العلماء لا يفهمون لها نمط مرتبط، لا سيما ناس الشرق الذين لم يسملوا (يصلوا) هنا، ولم يخالطوا المستعربة من أوطاننا، لأنهم لا يعثرون على هذه الألفاظ في سائر كتوبهم العظام).
(ولا يخفى أنه في بلاد الغرب كثير من فصحاء الكلام، منهم المؤرخون، والمداحون، والراويون، والشيوخ أرباب التلحين والقوالون. وأنهم الآن ليست لهم شهرة عند العامة ولا عند ناس الشرق ولا المجانبة ... فلما رأيت خبو هذا المنهاج ... تضجرت وتأملت وتنمرت ... ثم إني اتبعت الفكرة الهامدة وامحنت (امتحت) القريحة الهانية (١)، وعزمت لإتيان مرامه، اثنتا عشر مقامة (٢)، أتلو فيها جملة من الألفاظ المستعملة، في ناحية القبلة والظهرة، وفي نجوع التل والصحرة، عند ناس الديار وأهل الخيام، والبداوي والمدني والقرى والمقام ...).
ثم أخذ يتحدث عن المشائخ والطلبة، وعن الفلاحين وفلاحتهم، والصناع وصنائعهم. وتتضمن المقامات أحاجي مغاربية وانظاما (أشعارا) ومواعظ ووقائع. وقد جعل كل ذلك في شكل إملاءات على لسان ابن عيسى العوالي، وأسند روايتها إلى محمد بن العربي. وكان هدفه خدمة اللغة العربية الفصحى وتطريب قارئها. وأخبر أنه ألفها على شكل المقامات، وأن سلفه في ذلك هو بديع الزمان والحريري، وأنه قصد بذلك تنشيط الطلبة وتسليتهم (٣).
стр. 3650
وإليك الآن عناوين المقامات الاثنى عشرة: فقد سمى الأولى المقامة الصحراوية وضمنها أخبار الشيخ ابن عيسى العوالي عندما كان سخارا وجوالا في الصحراء. وروى على لسان امحمد بن العربي قال (كنت في زمان سعيد الكوكب أنه سمع وهو تاجر في الصحراء بثورة بوعمامة وأنه (نافق - ثار- بأعلامه، وطاح على الطرافي بازدحامه، وأخذ أولاد إبراهيم وخوض الإمامة، فلما تحققنا بهذا العبث، وخشينا الهلاك في اللبث، فافترقت رفقتي قبل النفث، فمنهم من قصد المنقار الفوقاني، ومنهم من وعد المنقار التحتاني، ومنهم من توجه لأبي سمغون، ومنهم من بقي في العقلة (١) متأملا فيما يكون، فالتفت لما سمعت هذه البلية، ودخلت لبلاد المشرية، فانخزنت فيها كما يتخزن المخوف ...) (٢). ونفهم من هذا أن الجباري قد عاصر ثورة بوعمامة وأنه كان ضدها، ولكنه أجرى الحديث على لسان الرواة حتى لا يعلن عن موقفه الصريح. والمقامة من هذه الناحية تضمنت فائدة تاريخية هامة، بالإضافة إلى فائدتها اللغوية والأدبية.
أما المقامات الأخرى فنقتصر منها على العناوين، وهي أيضا تتضمن فوائد اجتماعية وتاريخية ذات بال:
١ - المقامة الكرموسية (الكرموس = التين)، وتتضمن أوهام ابن عيسى العوالي وطمعه وخلاف وعوده، ومدح التين بالشعر.
٢ - المقامة الدوايرية (جمع دائرة، والدوائر عرش كبير معروف) وهي تتحدت عن رحلة ابن عيسى والدواير السبع وتذكره وتأسفه وفرحه وحزنه.
٣ - المقامة التمتامية، في خبر ابن عيسى وابنه الجالس في حجره والخوف عليه من الموت وهو حي وفتنته مع جماعة.
٤ - المقامة الزهوانية في سفرة ابن عيسى لوهران ومغامراته الغرامية
стр. 3651
ونظمه للشعر في وصف الحسن والجمال.
٥ - المقامة الوعدانية (الوعدة = النذر) في أخبار ابن عيسى بوعدة الزمالة وصحبته للجمالة وتفسيره الأحاجي.
٦ - المقامة الإخياطية، في ألفاظ ونكت خرجت، كما قال، من بطن ابن عيسى، وجوابه عن مكتوب المحبة.
٧ - المقامة المعسكرية في تأملات ابن عيسى ودخوله حالة الحال الصوفي واستدارة حلقة الدراويش عليه وهو مغشى.
٨ - المقامة العروسية في خبر ابن عيسى أنه كتب لأحد الطلبة رسالة بالواوية في شأن ابنة متعرض، أي الرجل المربوط في حالة تعرسه.
٩ - المقامة الندرومية وفيها يخبر ابن عيسى أنه باع النقط (؟) في سوق ندرومة وما حدث له في تلمسان مع الشرطي.
١٠ - المقامة الكرصية الميدانية في خبر ابن عيسى بوهران وشأن رجل مات مصهودا في الحمام ومن الزهد في الميدان.
١١ - المقامة الفوكية (فوكة قرب العاصمة على ساحل البحر) وهي في شأن المخاصمة التي حدثت هناك حول زردة الربيع وحكم ثبوتها وما جرى فيها (١).
ورغم أن ديلفان قد قال إن مشروع المقامات كان يتضمن تسع عشرة مقامة فقد رأينا أن المؤلف نفسه تحدث في المقدمة عن اثنتى عشرة مقامة فقط. ولاحظ أن الأماكن التي روى فيها المؤلف عن ابن عيسى العوالي هي النواحي الغربية مثل وهران وندرومة ومعسكر وتلمسان والزمالة والدواير وغيرها. والمدينة الوسطية الواردة في النص هي (فوكة) التي تقع على ساحل البحر غربي العاصمة. ويبدو أن الشيخ الجباري كان قد توظف فيها قاضيا.
стр. 3652
ونفهم من ديلفان أن الجباري مات في فوكة قبل أن يتمكن من الانتقال إلى وهران حيث كان يريد. وقد تكون المقامة الفوكية هي آخر مقاماته. ومن جهة أخرى نجد في النص تعاليق من قبل المؤلف نفسه، وهذه التعاليق جاءت حواشي في آخر معظم المقامات لتوضيح الألفاظ والعبارات الغامضة أو المحلية جدا. وقد قام ديلفان بترجمة تلك التعاليق أيضا. والخلاصة أن مقامات الجباري التي كتبت فيما يبدو آخر الثمانينات من القرن الماضي، تعتبر نصا أدبيا وتاريخيا مهما، وتمثل مرحلة في التطور اللغوي لدى بعض المثقفين الجزائريين الذين عاشوا بين مرحلتين وثقافتين.
ومن يدري، لعل هناك مقامات أخرى محفوظة عند أصحابها أو عند ورثتهم، ألفها قضاة آخرون أو مثقفون من كل فئة. وإذا كان ديلفان وبيقي قد نشرا المقامات العوالية ضمن جهود المستشرقين الفرنسيين لتوفير النصوص (الأهلية)، مهما كان مستواها، فإن هناك مقامات أخرى ربما تنتظر من ينفض عنها الغبار ويخرجها إلى النور. أما المقامات المطبوعة فلا نعلم الآن غير ما ذكرنا. والشائع أن الإبراهيمي قد كتب بعض المقامات أثناء اعتقاله في آفلو (١).
أدب العرائض والنداءات والنصائح
هناك أنواع أخرى من الأدب استعمل فيها النثر الراقي والأسلوب الصافي واللغة الجيدة. ونعني بذلك أشكالا من التعبير الفردي أو الجماعي يتفنن فيها الكتاب بعض التفنن لكي تصل إلى السامع أو القارئ مؤثرة نافذة. ولا يمكن أن تصدر هذه الأشكال إلا عن كتاب مهرة وأدباء حذاق، فإذا صدرت عن غيرهم كانت ضعيفة باردة لا تؤثر وإن حصل بها المقصود من
стр. 3653
التبليغ ونعني بها، العرائض والنداءات السياسية والنصائح.
وقد صدرت العرائض عن الجزائريين منذ بداية الاحتلال. وكانت عادة تصدر عن الفئات الاجتماعية التي أصابها الاحتلال في الصميم، فكانت تحاول توصيل شكواها ورغبتها في عريضة جماعية. ومن ذلك ما كتبه أهل مدينة الجزائر مفوضين لأحمد بوضربة والتحدث باسمهم لدى السلطات الفرنسية في فرنسا. وقد حررت إحداها من قبل بعض العلماء المعاصرين وغيرهم من الأعيان، وعليها توقيعات كثيرة (١). ويمكن الإشارة أيضا إلى (النداء) الذي كتبه جماعة من علماء العاصمة، وفيهم المفتيان والقاضيان المالكي والحنفي، وهو موجه إلى سكان متيجة بمناسبة خروج قائد الحملة الفرنسية إلى تلك الناحية. وهو نداء مكتوبة بأسلوب نظيف (٢). وهناك عرائض أخرى صدرت عن أهل العاصمة أيضا في مختلف الأزمنة والأغراض، ولكنها كانت تضعف في صياغتها كلما تقدم الزمن لضعف العارفين باللغة العربية وهجرة أو موت القادرين عليها. كما صدرت عرائض عن أهالي البليدة وشرشال والمدية أيضا. وصدرت عرائض أخرى عن أعيان قسنطينة في عهد الحاج أحمد، ومنها ما وجهوه إلى السلطان محمود الثاني، وكان يمتاز بقوة البيان وجودة الصياغة ووضوح الحجة (٣).
ومن جهة أخرى صدرت أيضا شكاوى فردية وجهت إلى الفرنسيين من قياد ونحوهم من أعيان البلاد. وكانوا يسمون ذلك (شكاية). ورغم أن هذه (الشكايات) كثيرة فإننا لم نعثر منها على نصوص متميزة يمكن أن نتخذها نماذج في أدب الشكوى السياسية. لقد كان الشاكي يكتفي بعرض مشكلته في عبارات مباشرة ودارجة في أغلب الأحيان، وكان يعرف أنه ضعيف اللغة،
стр. 3654
وأن الشخص الموجه إليه الخطاب لا يقرأ العربية الأدبية، وأن هناك مترجما ستمر عليه الشكوى قبل أن تصل إلى هدفها، ولذلك لم يكن الكتاب من هذا النوع يتفننون في الأسلوب لعدم الفائدة من ورائه وعدم شعورهم بأنهم يؤثرون به على المخاطب.
واستمر ذلك الموقف في العرائض الجماعية السياسية التي أخذت في الظهور بعد الثمانينات. فقد صدرت عدة عرائض عن أعيان قسنطينة وتلمسان كتبت أصلا بالعربية الضعيفة ثم ترجمت إلى الفرنسية وقدمت إلى السلطات الحاكمة (١). وبعد تقدم الزمن نحو بداية هذا القرن رأينا العرائض أصبحت تكتب بالفرنسية مباشرة، كما حدث سنة ١٩١٢ عند معارضة التجنيد الإجباري، وسنة ١٩١٩ عندما قدم الأمير خالد عرضته إلى مؤتمر الصلح بباريس حول تقرير المصير. ورغم أن جمعية العلماء قد قدمت مطالبها بالعربية سنة ١٩٣٦، فإن مطالب المؤتمر الإسلامي قد رفعت إلى الحكومة بالفرنسية. كما حدث أيضا في بيان ١٩٤٣، وبيان ١٩٥٤. وكانت جمعية العلماء قد نشرت في صحفها عرائض عديدة بالعربية تحتج فيها على اضطهاد المعلمين واللغة العربية والمساجد. ومن ذلك أيضا ما نشره ابن باديس باسمه تحت عنوان (كتاب مفتوح) إلى النواب الأحرار وقدماء المحاربين والقضاة ومعلمي الفرنسية حول نفس الموضوع (٢).
ونقصد بالنداءات الخطاب المكتوب غير المباشر الذي يكتبه عالم أو سياسي أو أديب ويوجهه إلى الشعب عموما أو إلى قبيلة أو جماعة، طالبا في ندائه الانضمام إلى دعوته أو الانتماء إلى فكرته أو التأييد له. وقد كثرت النداءات في عهود المقاومة، مثل نداءات الجهاد الصادرة عن الأمير عبد القادر والشيخ الحداد والشيخ بوعمامة، ومثل دعوة ابن باديس لعقد المؤتمر
стр. 3655
الإسلامي، وتأييد الإبراهيمي للثورة سنة ١٩٥٤. وقد اتخذت النداءات شكلا آخر بعد ظهور الأحزاب وخوض المعارك الانتخابية، فكان الزعماء يوجهون نداءاتهم إلى الناخبين كتابة ويعلنون عن برامجهم العملية. ولكن في معظم الأحيان كانت اللغة المستعملة في هذه الحالة هي الفرنسية أو الدارجة، وهي لا تعنينا هنا.
ومن النداءات الهامة والتي تدخل في موضوعنا ما وجهه الأمير عبد القادر إلى أهالي فجيج سنة ١٨٣٦ (١٢٥١ هـ). ولا شك أن الذي حرره هو أحد كتاب الأمير البلغاء. وقد جعله في شكل استصراخ ودعوة للجهاد والانضمام إلى صفوف المجاهدين. إن الأمير قد وجه كثيرا من هذه النداءات، ومنها ما كان فيه التحذير أيضا. ومن ذلك النداء الذي وجهه الأمير إلى أولاد سيدي الشيخ، وإلى الزواوة، وإلى الدوائر والزمالة، وإلى شيخ عين ماضي. ولك أن ترجع إلى ندائه الموجه إلى أهل فجيج (١).
أما النداء الذي وجهه الإبراهيمي إلى الشعب الجزائري سنة ١٩٥٤ فقد مثل أسلوبه المعروف. وإليك الفقرة الأولى منه، وكله في الواقع على نسق واحد: (أيها المسلمون الجزائريون ... حياكم الله وأحياكم، وأحيا بكم الجزائر. وجعل منكم نورا يمشي من بين يديها ومن خلفها. هذا هو الصوت الذي يسمع الآذان الصم، وهذا هو الدواء الذي يفتح العيون المغمضة، وهذه هي اللغة التي تنفذ معانيها إلى الأذهان البليدة، وهذا هو المنطق الذي يقوم القلوب الغلف، وهذا هو الشعاع الذي يخترق الحجب والأوهام. كان العالم يسمع ببلايا الاستعمار الفرنسي لدياركم، فيعجب كيف لم تثوروا، وكان يسمع أنينكم وتوجعكم منه، فيعجب كيف تؤثرون هذا الموت البطيء، على الموت العاجل المريح. . .) (٢).
ونقصد بالنصائح أو الوصايا النصوص النثرية الصادرة عن بعض العلماء
стр. 3656
والمرابطين لإعلان موقفهم من حادثة من الحوادث أو التصريح بولائهم للسلطات الفرنسية، ونصح المواطنين بالبقاء في هدوء وولاء لفرنسا. لم يكن هؤلاء العلماء والمرابطون يتخذون مواقف جهادية أو نحوها، وإنما كانوا يلبون دعوة السلطات نفسها عندما طلبت منهم البرهنة على ولائهم وأن يدعوا أتباعهم وأنصارهم ليفعلوا مثلهم. وعلى هذا الأساس، قام بعض الموظفين الرسميين من رجال الدين أمثال المولود بن الموهوب وعبد الكريم باش تارزي، وبعض رجال التصوف وشيوخ الطرق أمثال شيخ زاوية الهامل وشيخ زاوية طولقة الرحمانيتين، وكذلك شيوخ الزوايا التجانية والقادرية والشاذلية والدرقاوية والطيبية، بإسداء النصائح إلى الأهالي سنة ١٩١٤. ولقد تحدثنا عن ذلك في غير هذا المكان، والذي يهمنا الآن هو فقط أسلوب الكتابة.
حقيقة، أن اللغة التي كتبت بها النصائح (الوصايا) هي العربية الأدبية، وأن الذين حرروها يعتبرون من عدة وجوه ممثلين لبقايا اللغة العربية في البلاد. وكانوا من أبرز المثقفين بها ومن حماتها أيضا. ولكن هناك ما هو خارج عن طاقتهم. فتكوينهم ليس واحدا ومواهبهم على درجات متفاوتة وكذلك أقلامهم. وعند المطالعة المتأنية للنصائح يكاد المرء يجزم أن ممليها واحد. وهذا يدلنا على أن إدارة الشؤون الأهلية هي التي ربما حررت لهم نموذجا لا يخرجون عنه إلا قليلا وفي التفاصيل. فهناك تحفظ في التعابير عند الجميع واقتصاد في الألفاظ ومراعاة للمجاملات السياسية. ومع ذلك فإن الوصية (النصيحة) الصادرة عن المفتي ابن الموهوب وجماعة من أعيان قسنطينة، يمكن اتخاذها نموذجا من هذا الأدب:
(يا مسلمين! لا يخفى عليكم أن أغراض أمبراطور الألمان القبيحة وسياسته العوجاء صيرت هذا العام، أنحس الأعوام، وأيامه أقبح الأيام. لم يخش هذا الأمبراطور رب الأرباب، الذي أهلك ويهلك من هو أقوى منه لأنه بيده الرقاب. لم يعجب هذا الأمبراطور طريق السلم المحبوب الذي كان قبل الحرب دعي إليه خصوصا من الدولة الفرنسوية، ولم يكن في قلب هذا الأمبراطور ولو قطرة من الرحمة، ولو كان ذلك فيه لأشفق على بني الإنسان
стр. 3657
والإنسانية. لم يتصور هذا الأمبراطور، لتحيره قبل الحرب، ما ينشأ عن الحرب من المصائب وقتل البراء وسيل أودية من الدم وكثرة الخراب ...) وقد جاء في نهاية الوصية هذا الدعاء الملفت للنظر، وهو: (اللهم أعز فرنسا التي هي أمنا ونحن أبناؤها، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير) (١).
أما من شيوخ الزوايا فهناك (وصية) الشيخ الذي قيل إنه مفتي المذهبين المالكي والحنفي بالجزائر العاصمة. ولا ندري الآن من هو، لأن الوثيقة لم تذكر اسمه. وبلغت الوثيقة ثلاث صفحات، وأسلوبها مشابه لما قبلها، ولكنه أكثر استعمالا للعبارات الأدبية. ومما جاء في أولها: (أما بعد، فإن شيطان الألمان، بما له من الزور والبهتان، قد وسوس الدولة العثمانية واستهواها، وأضلها وأغواها، وأصمها وأعماها، وخدعها بمكايده، وأوقعها في حبائله ومصايده، حتى مكرت مكرا كبارا. وأعلنت الحرب جهارا، على الدول العظام، فرنسا وروسيا وانكلترا، وبهذا الغرور قد جاءت شيئا فريا، وأضرت نفسها، وأهلكت جنسها، حيث لم تتأمل في المآل بل أسرعت، وعليه فلا تحصد إلا ما زرعت، وخصوصا إذ خالفت قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ...﴾ (٢). وبالطبع فإن عبارة (في سبيل الله) قد استعملت في غير محلها.
وقد استمر رجال الدين الرسميين والزوايا على عهدهم بإعلان الولاء لفرنسا بالأسلوب السابق. ففي ١٩٣٩ عشية الحرب العالمية الثانية بادر مؤتمرهم الذي عقد في أبريل إلى إعلان ثقتهم في فرنسا أيضا، بنصائح ونداءات أخرى مشابهة.
وأدب التعازي أيضا برع في نثره بعض الكتاب، رغم أن المراثي
стр. 3658
ميدانها الشعر. ولدينا أمثلة من أدب التعازي من عهد الأمير إلى عهد الإبراهيمي. فعند وفاة الأمير أرسل محمد المبارك رسالة تعزية إلى محمد بن الأمير يعتبر أسلوبها من أجمل الأساليب الأدبية في وقتها، وقد جعل عنوانها (لوعة الضمائر ودمعة النواظر في رثاء الأمير عبد القادر). وقد تخللها الشعر أحيانا، من نظمه ومن حفظه، وختمها بقصيدة أشرنا إليها في فصل الشعر (١). بدأ محمد المبارك رسالة التعزية هكذا: (سبحان من تفرد بالبقاء، وكتب على ما سواه الفناء، وأنزل على إمام أهل العرفان، قوله تعالى: ﴿كل من عليها فان﴾ ... وبعد، فلما قضى القادر وحكم، بوفاة عبده السيد العلم، مولانا الأمير، والقطب الشهير، واسطة عقد السيادة، وعين ينبوع السعادة، سيدنا عبد القادر ابن سيدنا محيي الدين، عزيت بفقده شعائر الإسلام والدين، ولبس المجد ثياب الحداد، وصالت الخطوب بأسنة ألسنة حداد) (٢).
وفي سنة ١٨٦٨ توفي أحد أعوان الأمير البارزين في الجزائر أيام حرب المقاومة، وهو الشيخ محمد بن الحاج حمود (٣). فكتب الشيخ حسن بن بريهمات مقالة في التعزية فيه. وهي مقالة طويلة حلاها بالسجع ونمقها بالشعر، ونشرها في جريدة المبشر الرسمية، وهي تدل على قوة عارضة ابن بريهمات في الأدب أيضا، وقد كان بالمهنة فقيها ومديرا لمدرسة الجزائر الرسمية. وظهر عليه التأثر لفقد الشيخ حمو، لأنه عاصره ودرس على نفس المشائخ الذين درس عليهم. كما ظهرت عليه حالة التأثر من وضع الجزائر السياسي والاجتماعي، أي أثناء الجوائح التي أصابت البلاد عندئذ (١٨٦٨ - ١٨٦٧) فأكثر بريهمات من ذكر الفناء والموت في مقالته. وقد جاء فيها (نحمدك اللهم، يا من تقررت ذاتك العلية بالبقاء، واتصفت بالنزاهة
стр. 3659
والنقاء، وتحصنت باستمرار القدم، ولم يطرأ على وجودك الواجب عدم، أو يطرق ساحتك هم ألم، أو ضعف عرض أو ألم ... فسبحانه من إله قهر العباد بالموت، وجرعهم مرارة الفقد والفوت، وكتب عليهم الفناء، وأرصد لهم ملك الموت بالقنا، وعرضهم لسهام المنايا، وحكم فيهم سيف المحن والبلايا، فكل من عليها فان، ولا ينجو ملك ولا إنس ولا جان ... وبعد، فإنه لا شيء مما يحن (كذا) القلوب، ويكدر صفو العيش المحبوب، كفقد المصائب، وأفجع الدواهي والنوائب، إذ هم، كثرهم الله، لمن أراد الطيران أجنحة، ولمن حاول القتال أسلحة، ولا سيما العلماء الأعلام، ومصابيح الظلام، وأيمة الاقتداء، ونجوم الاهتداء، مثل مولانا سيدي محمد بن الحاج حمو، الذي ما قالت الأفاضل أين الفضل إلا قال هلموا ...) (١).
وعند وفاة الشيخ محمد عبده (١٩٠٥ تأخر علماء الجزائر وعزوا فيه رشيد رضا وأتباعه. وكان بعض هؤلاء قد أصبح من تلاميذ الشيخ عبده، قبل أن يروه في بلادهم سنة ١٩٠٣. ومنذ زار الجزائر زادت الروابط الأدبية والعلمية بينهم وبينه. وقد عالجنا هذه النقطة في غير هذا (٢). أما الآن فحسبنا ذكر التعزية التي أرسل بها أحد المتعلمين الجزائريين إلى الشيخ رشيد رضا، ومن خلاله إلى كل (إخوان المرحوم وأبنائه وأحبائه). ومن الأسف أن الشيخ رشيد رضا اختصر هذه التعزية وأن المعزي لم يذكر اسمه وإنما رمز إليه بحرفين (ع. ز.)، ولم نستطع الآن أن نتبين كل الاسم. وقد ذكر المعزي أنه حضر مجالس محمد عبده عند زيارة الجزائر وأن الله قد من (علينا رؤية حضرته الغراء، وطلعته الزهراء، وحاضرناه وشافهناه). ثم أخبر أنه سامره ونال منه علوما كثيرة خلال الأيام التي بقيها الشيخ في الجزائر. (وخاطبنا بخطاب أشهى من طعم الضرب، بأفصح كلام العرب ... وكشف لنا عن
стр. 3660
دقائق المسائل، والناس حوله بين مصغ وسائل). وتحدث المعزي بعد ذلك عن وقع خبر الوفاة على نفوس الجزائريين، وحث على جمع آثار الشيخ وطبعها تعميما لفائدتها (١).
ولقد كتبت بعد ذلك تعازي كثيرة بأقلام مختلفة. فكانت المبشر والأخبار وكوكب إفريقية والمغرب وغيرها من الصحف الرسمية وشبه الرسمية تنشر التعازي عن بعض الأعيان في كلمات مركزة وجافة، وتكاد تكون إدارية. وقد احتوت كوكب إفريقية والتقويم الجزائري على تعازي ذات مستوى أدبي إلى حد كبير، لأن الشيخ محمود كحول، مدير النشريتين، كان من أدباء الوقت. ولعل عمر بن قدور قد نشر في جريدته الفاروق بعض التعازي الأدبية. وتدخل الكلمة التي كتبها الشيخ محمد سعيد الزاهري عند وفاة محمد بن شنب في الباب الذي نحن بصدده، وقد نشرها في إحدى الجرائد المشرقية (٢). واشتملت النجاح وجرائد أبي اليقظان على تعازي أدبية. كما أن البصائر الثانية قد تضمنت ساذج من التعازي الأدبية على يد الإبراهيمي وغيره، حول ابن باديس وبعض رجال المغرب والمشرق المرموقين. إن أدب التعازي ليس مجرد مقالة في جريدة، ولكنه كان يحتوي على عناصر هامة تشمل علاقات الحي والميت، واللغة والأسلوب، والظروف الاجتماعية والسياسية، وهو أدب جدير بدراسة منهجية مستقلة.
مؤلفات وشروح أدبية والتحقيق
ونريد أن نشير الآن إلى عنصرين آخرين من عناصر الأدب والنثر، الأول الشروح الأدبية، والثاني تحقيق المخطوطات. ونعني بالأول وضع شرح أو حاشية بقلم أحد الأدباء على عمله الشخصي أو على عمل غيره. وقد
стр. 3661
أشرنا في الجزء الثاني إلى وجود العديد من هذه الشروح والحواشي في العهد العثماني. ولكن هذا النوع قد ضعف في عهد الاحتلال. فقد قلنا إن الثقافة العربية (الكلاسيكية) عموما قد ضعفت. وكان الشراح والمحشون عادة يلجأون إلى تلك الصنعة خدمة لتلاميذهم ونشرا للفائدة. ولكن المدارس التي كانت تستعمل تلك الشروح والحواشي قد اختفت تقريبا، ولم تبق إلا بعض الزوايا المهمشة. أما المدارس الرسمية فقد كان المستشرقون الفرنسيون يختارون لها بأنفسهم النماذج من الكتب العربية القديمة أو المطبوعة حديثا.
ومع ذلك وجدنا بعض الشروح والحواشي سواء فيما كتبه المقيمون أو المهاجرون. ومن المهاجرين نذكر أبا حامد المشرفي الذي كتب وهو في المغرب (شرح الشمقمقية) لابن الونان. وقد سمى شرحه (فتح المنان في شرح قصيدة ابن الونان). وهي من عيون الشعر والأدب، وفيها مواعظ وحكم وأخبار ونسب. وللمشرفي شرح آخر على قصيدة يبدو أنها في التصوف، وسمى هذ الشرح (الفتح والتيسير). وقد تأثر شرح المولود الزريبي لمتن ابن عاشر بالأسلوب الأدبي، رغم أن المتن في حد ذاته في العقائد. ولكن أسلوب عبد القادر المجاوي في (اللمع في نظم البدع) وبعض شروحه الأخرى أسلوب (علمي)، فهو عالم ومدرس أكثر منه أديب. وكان الديسي من الأدباء والشعراء ولكن شرحه على العقيدة التي وضعها القاضي شعيب قد غلب عليه الأسلوب الديني. وكذلك غلب الأسلوب الديني على شرح إبراهيم بن عامر (العوامر) السوفي على المولود بن الموهوب. ومهما كان الأمر فإن الشروح الأدبية ظلت متوفرة ولكنها قليلة (١). على أن الأدباء المعروفين كالإبراهيمي وعاشور الخنقي لم يساهموا فيها. كما كان يفعل كبار الأدباء في العهد العثماني.
وفي نطاق الشروح أيضا ذكر المترجمون أن أبا القاسم البزاغتي له
стр. 3662
(شرح على ملحة الإعراب للحريري) (١). ولا ندري إن كان الشرح محفوظا عند العائلة أو ضاع. فقد تولى البزاغتي القضاء، وكذلك ابنه من بعده. وكان لهما اهتمام بالأدب واللغة. ومن مؤلفات الحاج الداودي (ت. ١٨٥٤) حاشية في البلاغة أيضا عنوانه (فك العاني من ربقة المغاني). والظاهر أنه ما يزال مخطوطا. ولعبد الله حشلاف كتاب بعنوان (الروض المغرب في معرض المغرب) قد يكون في الأدب أيضا (٢). وقد اطلعنا في مكتبة تونس على كتاب أدبي في أسلوب طيب من تأليف المكي بن علي بن أحمد الفكون، وأخذت معلومات ضرورية في وصفه، ولكن البطاقات كانت في جملة ما ضاع مني سنة ١٩٨٨، ولم استدركها. وكل ما أذكره أنه كتاب في النقد والبلاغة، وأن مؤلفه كان من أهل قسنطينة (عائلة الفكون) أوائل هذا القرن. وفي سنة ١٨٧٩ نشر بلقاسم بن سديرة كتابا صنفه المحققون في باب البلاغة وهو (التحفة السنية في النوادر العربية). كما نشر آخر في نفس المعنى في اللغة الزواوية، أي حكايات ونوادر، سنة ١٨٨٧. وله كتب أخرى (٣).
ولا شك أن الكتب الأدبية لا تقتصر على ما ذكرنا. فرمضان حمود مثلا ترك كتابا بعنوان (بذور الحياة) وصفه دارسوه بأنه شحنة من عاطفته الجياشة (٤). ومما ترك الشيخ الإبراهيمي تأليف في الأمثال العربية عنوانه (ما أخلت به كتب الأمثال من الأمثال السائرة).
وترك المهاجرون أيضا مؤلفات في الأدب واللغة. وأشهرهم في ذلك الشيخ طاهر الجزائري، ومحمد المبارك. ونكتفي بالتنويه بهما لكثرة
стр. 3663
إنتاجهما في الموضوع ولا سيما الأول. وكان محمد بن الأمير عبد القادر من الأدباء واللغويين أيضا. وكاد كتابه (تحفة الزائر) يدخل في موضوع الأدب لأسلوبه، ولا سيما النسخة المخطوطة التي عثرنا عليها والتي يغلب على الظن أنها الأصلية. ويعنينا هنا بعض مؤلفاته الأخرى. فقد أشار فى رسالته (كشف النقاب) إلى أن له كتابا عنوانه (بلوغ المرام في شؤون العرب قبل الإسلام). ويبدو أنه كتاب في التاريخ، ولكن محتواه يدل على أنه في الأدب بالمعنى العام والقديم، فقد قال إنه تحدث فيه عن عادات وتقاليد العرب في الجاهلية، كالاحتجاب والسفور عند المصيبة، وفي معاني الألفاظ كالنصيف والخدر، الخ.
وأثناء حياته نشر (سنة ١٩٠٨) محمد بن الأمير كتابا في الأدب أيضا عنوانه (نخبة عقد الأجياد في الصافنات الجياد) (١)، وهو كتاب في الخيل وما جاء فيها. وكان المؤلف قد جمع مادة غزيرة في كتاب عن الخيل العراب سماه (عقد الأجياد في الصافنات الجياد)، ثم بدا له أن يلخصه في الكتاب الأول (نخبة عقد الأجياد) (٢).
...
وقد عني بعض الجزائيين بنشر التراث وتحقيق بعض المخطوطات، أبرزهم في التحقيق محمد بن أبي شنب (انظر لاحقا)، وأبرز من استفاد من كتب التراث، هو أبو القاسم بن الشيخ صاحب تعريف الخلف، وسندرس كتابه في فصل التاريخ والتراجم. وحاول جزائريون آخرون أن ينشروا التراث ويحققوا المخطوطات مستقلين أو بالتعاون مع بعض المستشرقين (٣). فقد قام
стр. 3664
محمد بن مصطفى خوجة بتحقيق تفسير الثعالبي المعروف (بالجواهر الحسان) وأشرف غيره (وربما هو عبد الرزاق الأشرف) على طبع (كشف الرموز في بيان الأعشاب) لابن حمادوش (١)، ونشر آخر (بستان الأزهار) للقلعي. وتعاون نور الدين عبد القادر مع المستشرق جاهيير على نشر (روضة السلوان) في الصيد. كما أن نور الدين أشرف بنفسه على تحقيق ونشر عملين على الأقل، الأول هو (غزوات عروج وخير الدين) (٢)، والثاني هو تاريخ حاضرة قسنطينة لأحمد بن المبارك (٣). وقد ذكرنا في فصل آخر نماذج لهذا (التعاون) مثل مشاركة ألفريد بيل مع الغوثي بوعلي في إصدار بغية الرواد. ولا شك أن هناك تحقيقات فردية أو بالاشتراك لم نشر إليها. كما أن بعض المهاجرين، أمثال الشيخ طاهر الجزائري، قد ساهموا في نشر التراث العربي على العموم.
محمد بن أبي شنب
وهنا نصل إلى الحديث عن محمد بن أبي شنب الذي نشر عددا من المخطوطات محققة، وشرح أيضا بعض الأعمال الأدبية مثل مثلثات نظم قطرب. وقد وضع كتابا في العروض سماه تحفة الأدب في ميزان أشعار العرب. وكانت له مراسلات مع علماء وأدباء العصر مثل محمد كرد علي. وقد تميز عن معاصريه باهتمامه بالتحقيق. وكان قد تأثر كثيرا بأسلوب المستشرقين وشاركهم في أبحاثهم ومؤتمراتهم، وقام بالتدريس معهم في
стр. 3665
كلية الآداب ومدرسة قسنطينة (الكتانية) ومدرسة الجزائر (الثعالبية). كما أنه درس دراسة أكاديمية منظمة إلى أن نال شهادة الدكتوراه. وبهذه الصفة التحق بركب الباحثين وخرج من قافلة الأدباء. ومع ذلك قدم ابن شنب مساهمة عظيمة في خدمة التراث الجزائري والإسلامي عموما. فقد استعمل علمه وقدرته في البحث لتسليط الضوء على آثار الماضين، من الجزائريين والعرب والمسلمين.
بدأ حياته بنشر مقالات ودراسات في المجلات حول الشؤون الاجتماعية كالفكلور والمرأة المسلمة وبعض النصوص الشعبية والرحلات والكلمات الدارجة. ومنذ عودته إلى العاصمة من قسنطينة بدأ مشروعا ضخما صادف أن كانت حكومة جونار مقبلة ومشجعة عليه، وهو تحقيق المخطوطات ونشر التراجم. وكان المستشرقون يفعلون ذلك منذ آخر القرن الماضي، ولكن تحت غطاء الحكومة وتمويلها. وكان حظ أبي القاسم بن الشيخ هو إعداد موسوعة الاعلام الجزائريين، وهي (تعريف الخلف برجال السلف). أما حظ ابن شنب فكان تحقيق جملة من الكتب تطول قائمتها لو ذكرناها جميعا. ومنها نبذة من رحلة ابن عمار، ورحلة الورتلاني، والبستان لابن مريم وعنوان الدراية للغبريني (١). وطريقة التحقيق عنده هي مقابلة أكثر من نسخة، ووضع مقدمة قصيرة في وصف طريقة التحقيق - دون ترجمة المؤلف وعصره ونحو ذلك -. وأهم جهد كان ابن شنب يقوم به في التحقيق هو وضع الفهارس، فهارس الأعلام والأماكن والكتب والموضوعات والشعر وغير ذلك. وهنا تظهر مهارته وطريقته ومساهمته. وكأن ابن شنب كان على
стр. 3666
عجل، فهو لا يهتم بالتنميق ولا بالتطويل، وإنما كان يقتصر في الأسلوب على ما قل ودل. ولذلك قلنا إن أسلوبه أقرب إلى الأسلوب العلمي منه إلى الأسلوب الأدبي.
وحياة ابن شنب معروفة إلى حد كبير ولكنها غير مرتبطة عند من ترجموا له بحوادث الزمان وظروف العمل والمحيط. أخذ معظم الذين ترجموا له من سيرته الذاتية التي كتبها بنفسه لعضوية مجمع اللغة العربية (المجمع العلمي العربي) في سورية. ولم يرجعوا حتى لكلمات التأبين التي كتبها في حقه بعض الفرنسيين أمثال ألفريد بيل. أما نحن فقد تناولناه من خلال حيان في الجزائر مع الاستعانة بكتاباته عن نفسه. ولد ابن شنب في المدية على قمة الأطلس، وحفظ بعض القرآن، فانطبع في نفسه وحفظ قلمه ولسانه من العجمة. ثم تفرغ للمدرسة الفرنسية بالمدية نفسها، ومنها انتقل إلى المدرسة النورمالية - ترشيح المعلمين - في بوزريعة بالعاصمة حيث أنشأ الفرنسيون قسما، خاصا بالأهالي تمشيا مع مبدأ العنصرية الذي طبقوه في كل المجالات. وقد لاحظ ابن شنب ذلك التمييز منذ دراسته في المدية ولكنه عاشه أكثر من ذلك في بوزريعة. وبعد عام أجيز ابن شنب للتعليم في المدارس الابتدائية الفرنسية - الأهلية. ولا ندري إن كان قد علم في هذا المستوى أو تفرغ للدراسة في مدرسة الآداب العليا حيث كان المستشرق رينيه باصيه وجماعته (١). والذي نعرفه أنه حصل على الليسانس في الآداب من هذه المدرسة. ومنها تعين في قسنطينة - المدرسة الكتانية - لتدريس النحو والصرف والعروض والأدب، مكان الشيخ المجاوي الذي استدعى إلى مدرسة الجزائر الرسمية - الثعالبية - سنة ١٨٩٨. وقد بقي ابن شنب في قسنطينة حوالي ثلاث سنوات، ففي ١٩٠١ رجع إلى العاصمة وأصبح من مدرسي مدرستها إلى جانب المجاوي وابن سماية وابن زكري. وبعد حوالى
стр. 3667
أربع عشرة سنة أصبح من مدرسي القسم العالي بها، وهو القسم الذي استحدث سنة ١٨٩٥. وظلت المواد التي يدرسها هي اللغة والأدب والمنطق. وقد انعكس ذلك على نوع التأليف التي صدرت عنه أو التي حققها خلال هذه الفترة.
فقد ألف في الأدب والعروض والمنطق كما ذكرنا، وظهرت علاقته بالاستشراق في مؤلفاته وبحوثه، وفي تحقيقه للنصوص والتعريف بالإجازات والتراجم، وقد شارك سنة ١٩٠٥ مشاركة بارزة في مؤتمر المستشرقين ١٤ بالعاصمة حيث قدم بحثين، وقام بكتابة تقرير عن قسم اللغات الشرقية في المؤتمر، نشر في المجلة الإفريقية. وكان عندئذ في منتصف عقد الثلاثين. وكان طموحا في مجال العلم متمكنا من اللغات الشرقية والأروبية (سيما الفرنسية)، فكان لا ينفك عن البحث والتحقيق إلى أن حصل سنة ١٩٢٢ على الدكتوراه في الأدب عن أبي دلامة من كلية الآداب (المدرسة العليا سابقا)، وكان بحثه الثاني للدكتوراه عن الألفاظ الفارسية والتركية في لهجة العاصمة. وشهدت سنة ١٩٢٤ وفاة شيخه باصيه، عميد كلية الآداب، وتعيينه هو أستاذا بهذه الكلية، ولكن بصفته أهليا (أندجين) إذ كانت العنصرية الفرنسية تمنعه من أن يكون أستاذا كامل الحقوق.
في الوقت الذي كان فيه ابن شنب يتكون علميا كانت الجزائر كلها تمر بمرحلة انتقالية هامة. فإذا طرحنا سنوات طفولته في المدية - السبعينات - وجدنا العقود التالية كلها متميزة بأحداث كان لها أثر كبير على جيله. وقد ظهر ذلك في فشل الثورات، وارتماء العامة في حضن التصوف، وفتح الفرنسيين بعض المدارس (الأهلية) بما فيها قسم بمدرسة بوزريعة خاصا بتكوين المعلمين الجزائريين. وحلت بالجزائر لجنة التحقيق الفرنسية الشهيرة سنة ١٨٩٢، وأعيد النظر في برنامج المدارس الرسمية الثلاث الخاصة بتخريج القضاة والمدرسين والأيمة. وراجع الفرنسيون سياستهم عن العالم الإسلامي والدولة العثمانية، وتركزت أطماعهم على المغرب الأقصى وإفريقية، وكان كل ذلك قد وقع خلال عهدي جول كامبون وشارل جونار.
стр. 3668
وفي أوائل هذا القرن حدثت أحداث أخرى هامة، مثل التجنيد الإجباري وظهور الجرائد والنوادي والجمعيات وتأليف الوفود، واحتلال ليبيا والمغرب وزيارة الشيخ عبده. فأين كان ابن شنب من كل ذلك؟ الواقع أننا لا نعرف له أي نشاط ظاهري خارج التعليم والتأليف في هذه الأثناء، وحتى إرساله إلى المغرب في مهمة خاصة تحدث عنه ألفريد بيل، ولا نعرف متى وقع ذلك بالضبط ولا تحديد المهمة. كما أن الحرب قد غيرت موازين عديدة في داخل البلاد وخارجها، وكان من أثرها ظهور حركة الأمير خالد السياسية. وحركة ابن باديس الإصلاحية. ومع ذلك فإن اسم ابن شنب كان غير معروف لا في هذه ولا تلك.
وعند وفاة ابن شنب سنة ١٩٢٩ شاه الرأي العام الجزائري والفرنسي. وكتب عنه الجزائريون والفرنسيون. فقد مشى في جنازته (النصارى والمسلمون) على حد تعبير هنري ماسيه. ومن النصارى مارتينو، عميد كلية الآداب، الذي خلف باصيه في هذه الوظيفة. وفي خطبة التأبين قال عنه مارتينو إن ابن شنب كان (صورة للأديب المسلم الذي عرف كيف يطلع على الأساليب الأروبية في العمل بدون أن ققد شيئا من صفاته وعاداته، وإن أستاذه باصيه هو الذي كان يتولى هدايته في العمل. وأن ابن شنب قد عرف لوازم النقد العلمي). وكذلك ابنه ألفريد بيل الذي كان له فيه رأي شبيه برأي مارتينو، غير أنه خالفه في أمور أساسية ومنها التركيز على ولاء ابن شنب لفرنسا وتصنعه في الاحتفاظ باللباس العربي. أما هنري ماسيه فقد قال إن ابن شنب كان مثال (التآلف) الفرنسي - الإسلامي في الجزائر وتنبأ بأن أحد المؤلفين سيكتب كتابا يجعل فيه ابن شنب رمزا لهذا التآلف والانسجام.
وقد نوه الجزائريون المعاصرون بابن شنب أيضا ونظروا إليه نظرة المعجب المفتخر، لأنه تمكن من العلم وحافظ على هندامه الوطني ووصل إلى أعلى درجات الوظيفة الأكاديمية، ونشر كتب التراث مع تواضع ووقار، وانتخب لعضوية المجامع العلمية. وشارك في ذلك التنويه محمد السعيد
стр. 3669
الزاهري والبشير الإبراهيمي وأحمد توفيق المدني وآخرون (١). وهكذا احتل ابن شنب مكانا مرموقا في حياة الأدب واللغة والتراث. وستبقى للأجيال اللاحقة كلمة أخرى فيه.
الأدب باللغة الفرنسية
دراسة هذا الأدب غير داخلة في مخطط الكتاب، وإنما نتعرض له باعتباره جزءا من التراث الجزائري خلال مرحلة معينة وشاذة، وكنا تعرضنا قبل هذا إلى بعض آثار المستشرقين الفرنسيين. إننا هنا نسجل ما حدث لجيل من الجزائريين وقع فريسة للمدرسة الاستعمارية فحولته من تراثه إلى تراثها ونقلته من عالمه إلى عالمها. وهو جيل لعب مع ذلك، دورا في الثقافة والسياسة ونحوهما، وها هو الآن ينقرض لتعود الأمور إلى نصابها وتتصل حلقة الأجيال ببعضها وتنطلق الوحدة الثقافية بين الجزائريين، وهي الشرط الأساسي للإبداع الوطني.
ومراحل التأثر باللغة الفرنسية ثلاث على الأقل، من ١٨٣٠ إلى ١٨٨٠، ولا نكاد نجد فيها تأثيرا فى ميدان الكتابة، لا فى المقالة ولا فى الرواية ولا في غيرها. وخلالها وقع انفصام بين الشعبين وإهمال للمدرسة والتعليم. ولا نكاد نجد اسما جزائريا كتب أو ألف عملا بالفرنسية خلال هذه المرحلة. وما وجد من بعض الآثار كان مترجما من العربية مثل كتاب المرآة لحمدان خوجة، ومذكرات بوضربة والحاج أحمد وعبد العزيز الحداد. وهكذا مرت خمسون سنة على الجزائريين هي سنوات التجهيل بالعربية والفرنسية معا.
والمرحلة الثانية تمتد من ١٨٨٠ إلى ١٩٢٠، وقد شهدت ظهور كتاب
стр. 3670
المقالات والعرائض والكتيبات وحتى بعض الكتب والدراسات، ولكن لم تعرف الإنتاج الأدبي أو الإبداعي باللغة الفرنسية. ويرجع ظهور بعض الكتاب إلى فتح المعهد الإمبريالي (المدرسة السلطانية) سنة ١٨٥٧ في العاصمة و ١٨٦٧ في قسنطينة، ثم البدء في تأسيس المدارس الأهلية الابتدائية في بعض المناطق، سيما في الزواوة، وظهور الفرع الأهلي لمدرسة المعلمين ببوزريعة، وفرنسة المدارس الثلاث الرسمية (العاصمة وتلمسان وقسنطينة) منذ ١٨٧٦ وخصوصا منذ ١٨٩٥. وكان التعليم كاد يقتصر على أبناء العسكريين الجزائريين المتطوعيين في الجيش الفرنسي وأبناء بعض الموظفين. فهم الذين استقبلت منهم المدرسة السلطانية، وخصصت لهم المنح، أما بعد الثمانينات فقد بدأت (المدرسة الأهلية) تخرج بعض المعلمين من غير أبناء العسكريين وأبناء الموظفين، غير أن بعض الخريجين الجدد كانوا من الأبناء الذين تكونوا على يد الآباء البيض في المدارس الكنسية التي أسسها الكاردينال لافيجري. ومهما كان الأمر فقد شهدت المرحلة ظهور الكتابات الجزائرية باللغة الفرنسية، ولا سيما المقالة والدراسة على يدي أحمد بن بريهمات، والمجوب بن قلفاط، والطيب مرسلي، ومحمد بن رحال، وابن علي فخار، وأبو بكر عبد السلام، وإسماعيل حامد.
والمرحلة الثالثة من ١٩٢٠ إلى ١٩٥٠، وخلالها انتشر التعليم الفرنسي والعربي، وأصبح غير مقتصر على أبناء فئة معينة في غالب الأحيان. وأدى التطور السياسي إلى ظهور الأحزاب والجمعيات، وظهور الصحف الناطقة باسم هذا الاتجاه أو ذاك. ولكن أغلب الأسماء التي شاركت في الكتابة بالفرنسية خلال هذه المرحلة ترجع إلى أسماء العائلات التي كانت في الوظيف القيادي من قبل، أو في التعليم، وكانت الصحافة هي المجال الذي شارك فيه الكتاب (١). ومن هؤلاء فرحات عباس والزناتي والفاسي بين
стр. 3671
الحربين، ثم مالك بن نبي وعبد الرحمن بن الحفاف وعمار أوزقان بعد الحرب الثانية. وفي هذه المرحلة ظهرت المحاولات الأدبية أيضا لأول مرة، ربما بدأها بعض أبناء العسكريين أو بعض العسكريين أنفسهم، ثم أخذت تنتشر، فوجدنا روايات وأشعارا قد ظهرت بين الحربين، ثم انطلقت الرواية بالفرنسية على يد جيل من الكتاب منذ مطلع الخمسينات. والأدباء الذين ظهروا بين الحربين هم: محمد ولد الشيخ، وابن الشريف، وحسن خوجة شكري، والحاج حمو المعروف بعبد القادر فكري.
أما الجيل الذي انطلق بالرواية منذ مطلع الخمسينات فلا يعنينا هنا. وقد درست آثاره وما تزال، وحظي باهتمام خلال حرب التحرير في الشرق والغرب. وكان على رأسه: محمد ديب، وكاتب ياسين ومالك حداد ومولود فرعون ومولود معمري. ومن الممكن أن نضيف إليهم، في غير مجال الرواية، مالك بن نبي ومصطفى الأشرف (١).
...
وبعد هذا التمهيد نقول إن المجال الأدبي قد احتكره الفرنسيون منذ الاحتلال. فأدباؤهم وفنانوهم قد (اكتشفوا) الجزائر، ووردوا عليها بطريقة حرة أو منظمة، فقد كانت وزارة الحربية ترسل أعيان الأدباء والفنانين الفرنسيين للاطلاع والكتابة عن مشاهداتهم لتغري بها الرأي العام والراغبين في إستيطان الجزائر، وقد كان ذلك هو حال الإسكندر دوماس وارنست فيدو Feydeau مثلا. ومهما كان الأمر، فقد شاعت صناعة نشر أدلاء السياحة منذ ١٨٣٠ (les guides). فكان الراغب في السفر يجد في الدليل وصف المدن الجزائرية (٢) والجبال والطرق والسكان ووسائل الإقامة والمفردات اللغوية.
стр. 3672
وهكذا ظهرت أعداد متوالية من الأدلاء، مثل دليل فرنسي الجزائر، والخلاصة الطوبوغرافية لمملكة الجزائر، وخريطة مملكة الجزائر، ودليل المسافر إلى الجزائر، والدليل التاريخي والوصفي للجزائر، والدليل الشعبي الذي ظل يطبع على التوالي بين ١٨٦٢? ١٨٩٣.
وإذا رجع المسافرون إلى فرنسا نشروا أعمالهم عن الجزائر، فأثرت المكتبات وأقبل القراء على القراءة. وهكذا ظهرت مؤلفات في شكل مشاهدات وذكريات ومراسلات. وكانت المبالغة طابع هذه الأعمال. وكان مؤلفوها عسكريين أحيانا وموظفين مدنيين أحيانا، حلوا بالجزائر في مهمات خاصة أو رسمية. ومعظم الكتابات على هذا العهد كانت تتحدث عن (الغرائب) الموجودة في الجزائر، غرائب أهلها، وغرائب مناخها، وغرائب أسرارها. ومن الذين تركوا آثارهم في القرن التاسع عشر فرومانتان، وثيوفيل قوتييه، وألفونس دوديه، وإدمون وجول دي قونكور، والإسكندر دوماس، والفنان هوراس فيرنيه، والفنان دو لاكروا، والفنان ثيودور شاسيرو، والكاتب فيبو، والأديب غوستاف فلوبير (١).
وكان إنتاج هؤلاء فيه الغث والسمين. وقد كتب الضابط أوسيد دي صال رواية (علي والثعلب أو قصة احتلال الجزائر)، وكان هو قد شارك في الحملة ونشر الرواية سنة ١٨٣٢. ومعظم الكتاب أصبحوا - عندما يكتبون عن الجزائر - يتحدثون عن شخصيات عربية، رجالا ونساء، فكانت العنصرية والأحكام الدينية المسبقة والعداء الاستعماري هي التي تتحكم في أهوائهم. ولذلك افتقرت أعمالهم إلى الدقة والنزاهة. ومعظم أسماء النساء المستعملة في رواياتهم هي عائشة (واسم عائشة استعملوه ربما لأنها كانت أول امرأة مسلمة هربت من دارها إلى الفرنسيين سنة ١٨٣٤ وتزوجت من فرنسي بعد أن
стр. 3673
عمدتها الكنيسة وهربتها إلى فرنسا) (١). وكذلك اسم باية. وكانت المرأة الجزائرية في الروايات الفرنسية تظهر شهوانية تبحث عن الغرام لدى الضباط الفرنسيين. كما أن الزواج بين المسلمات والفرنسيين كان من الموضوعات المحببة في هذه الروايات. وكانوا يتحدثون عن الجزائري في شيء من السخرية كما فعل هوق لورو مع المقراني في روايته (رجل الساعة).
وهكذا كان المجال محتكرا للكتاب الفرنسيين. ومنذ عقد التسعينات بدأ الاحتكار يزول (٢). فقد كتب محمد بن رحال قصة (انتقام الشيخ) ونشرها سنة ١٨٩١ (٣).
وفي سنة ١٩١٢ نشر أحمد بوري رواية مسلسلة في جريدة (الحق) التي كانت تصدر بوهران، وعنوان الرواية (المسلمون والمسيحيون). ورغم أن عنوانها غير روائي، فإن بعض النقاد أكد على أنها تمثل ربما الرواية بالمعنى الحقيقي للكلمة وليست مجرد محاولة (٤).
وفي فاتح هذا القرن ألف بعضهم أعمالا إبداعية في شكل روايات، ولكننا لا ندري هل المؤلف جزائري أو أجنبي، رغم أن الاسم يظهر جزائريا، وهو الصديق بن الوطا (اسم نكرة؟). وقد نسبت إليه رواية (الخيمة الكبيرة) التي رمز بها إلى الأجواد والمرابطين الذين رغم تأثرهم بالحياة الفرنسية بقوا على حالهم من العادات والتقاليد. وقد ميزهم بالطموح والبخل وحب الحياة المادية ونسب إليهم مجموعة من السيئات. والبيئة التي تصفها
стр. 3674
الرواية هي جبال زكار وثنية الحد ومنطقة الشلف. وفي الرواية شخصية امرأة شابة اسمها (تبن) تلعب دورا رئيسيا وهي معتزة بنفسها وبجمالها وتدعي أنها قادرة على الوصول إلى ما تريد لأنها جميلة. وذهب أحد النقاد إلى أن المؤلف امرأة. ونسبت إلى الصديق بن الوطا أعمال أدبية أخرى مثل (إيالة الجزائر) و (ضربة المروحة). ونترك للباحثين العثور على أصله واسمه أو اسمها الحقيقي. فإذا ثبت أنه (أنها) من الجزائريين فستكون الرواية فعلا مبكرة (١).
ولا ندري متى ألف عبد الله شعابنة روايته (العجوز والطفل) التي نسبها إليه أحد الكتاب (٢). فهل هو العسكري المتقاعد الذي أشار إليه جغلول؟ (٣) كما أشار هذا الكاتب إلى أن زيد بن ديب (واسمه النكرة هو عمر سمار) قد نشر في جريدة (الحق) العنابية رواية مسلسلة تحت عنوان (يا علي يا أخي) سنة ١٨٩٣.
وكان الضابط ابن الشريف في آخر أيامه عندما نشر بعض الأعمال الأدبية سنة ١٩٢٠. فقد نشر في باريس رواية باسم غريب وهو (أحمد بن مصطفى غومييه). وقيل إنها رواية تمثل سيرته الذاتية، وقد روى فيها مغامرات رومانتيكية لجندي جزائري في المغرب وفرنسا ووقوعه في أسر الألمان. كما تحدث فيها عن حياة الصالون والعبث في باريس، ثم المرض والوحدة في سويسرا. ويذهب جغلول إلى أنه بالرغم من التناقض الذي يظهر في الولاء للجزائر وفرنسا لدى العسكريين الذين عملوا في الجيش الفرنسي
стр. 3675
فإن ابن الشريف قد ذكر أنه انتقل من مرحلة الحرب من أجل الشرف والقبيلة إلى مرحلة الوطن (١). ولكن هل هذا يكفي؟ وأي وطن يقصد؟ إن المثقفين الاندماجيين، من بلقاسم بن التهامي إلى فرحات عباس، كانوا يعتقدون عندئذ أن الوطن هو فرنسا? الوطن الأم.
وقد سبق لابن الشريف أن نشر عملا آخر سة ١٩١٩ عند هاشيت المشهورة، وهو رحلته إلى مكة لأداء فريضة الحج. وقد وصف في هذا الكتاب شعائر الحج وشعور المسلمين وسوء معاملة الحجيج من المطوفين. ولا ندري إن كانت له مهمة أخرى من حجه؟ ومن المعروف أن الذي قدم الكتاب الأخير هو الحاكم العام السابق الجزائر شارل جونار الذي أشاد بابن الشريف واعتبره من أبناء فرنسا المخلصين (٢). وكان ابن الشريف قد شارك في الحرب العالمية الأولى، ثم ذهب إلى الحجاز في دور غامض حين كانت فرنسا تخطط لاحتلال سورية ولبنان، وكان الوضع في الحجاز غير مستقر للشريف حسين. ولا غرابة أن يجمع ابن الشريف عندئذ بين زيارة الحجاز وسورية وفلسطين.
وتبدو أعمال حسن خوجة شكري أكثر اتصالا بما نحن فيه. فقد ولد ودرس في العاصمة في المدارس الرسمية. ويذهب جغلول إلى أن شكري قد ولد سنة ١٨٩١، ودرس في مدرسة الجزائر حتى حصل على دبلوم اللغة العربية. ومنذ ١٩١٠ دخل الوظيف الإداري - مترجما.؟ - وقد نشر روايتين، الأولى سنة ١٩٢٨ وهي (مأمون)، والثانية سنة ١٩٣٠ وسماها (العلج أسير بربروس). وصدور الرواية الأخيرة أثناء فترة الاحتفال بالاحتلال بمثل في حد ذاته نقطة تحول. فقد استعمل المؤلف التاريخ لتسليطه على الحاضر. ووقع البطل المسيحي أسيرا في قبضة القراصنة، وكان عليه أن يخرج من الرق
стр. 3676
باعتناق الإسلام وأن يتزوج ابنة سيده لتتم عملية الاندماج. غير أن هذه العملية لم تتم رغم أن ابنه قد أصبح مفتيا. فهل أراد حسن شكري أن يقول للفرنسيين إن الجزائري مهما اعتنق من مبادئهم وتأثر بثقافتهم وتزوج من نسائهم فإنه لا يمكنه أن يندمج فيهم؟ إن بعض النقاد يرون ذلك ويرون من الرواية إعلانا فشل سياسة الاندماج (١). أما في (مأمون) فإن شكري جعل بطله يندمج في الثقافة الفرنسية ويغرق في التمدن (؟) بشرب الخمر والتقليد، ولكنه مع ذلك أبقى على بعض الفوارق مثل لبس الطربوش. ولا ندري إن كان حسن شكري من (المطورنين) الذين تجنسوا فرفضهم الجزائريون والفرنسيون معا (٢).
ولا ندري إن كان محمد ولد الشيخ من أبناء قبيلة أولاد سيدي الشيخ الشهيرة. فقد ولد في بشار في فبراير سنة ١٩٠٥ ودرس في المدرسة الأهلية الفرنسية هناك ثم التحق بثانوية وهران ولكنه لم يكمل شهادته فيها لأسباب لا نعرفها أيضا. ولعله أخرج من المدرسة بسبب عنصري أو لكبر سنه أو فشله. ولما رجع إلى مسقط رأسه واصل تكوين نفسه. وكان يكتب الشعر ويراسل به الصحف، وقد نشر سنة ١٩٣٠ مجموعة شعرية بعنوان (أغنى إلى ياسمينة) وكان يعاني مرضا صدريا مزمنا، فكان عليه أن يقصد بعض الأماكن للاستشفاء، مثل فيشي (فرنسا) وتلمسان. ولكن المرض قتله في فاتح سنة ١٩٣٨. وخلال عمره القصير نشر رواية هي (مريم بين النخيل) سنة ١٩٣٦. وقد عبر فيها عن استحالة الاندماج الذي يدعو إليه بعض الفرنسيين والجزائريين، وكان يميل إلى دعوة جمعية العلماء الإصلاحية وإلى محاربة الطرق الصوفية المنحرفة والبدع، وقد دافع عن الإسلام واللغة العربية (٣).
стр. 3677
وتأثر بالأدب الفرنسي والعربي. ويبدو أن مطالعاته بالفرنسية قد غلبت عليه.
وقصة (إدريس) لعلي الحمامي تمثل موضوعا آخر وإن كانت لغتها فرنسية. صاحبها هو علي الحمامي أحد مناضلي المغرب العربي سياسيا. ولد في تيارت سنة ١٩٠٢، وبعد عهد لا ندري كم طال ذهبت أسرته إلى الحج فرافقها، وعندما رجعت لم يرجع معها، ظل مغامرا جوالا في البواخر التجارية. ويذهب أبو عمران الشيخ إلى أن الحمامي بدأ حياته مناضلا في الريف المغربي مع عبد الكريم الخطابي، وأنه شارك أيضا مع الأمير عبد المالك بن الأمير عبد القادر في ثورته ضد الفرنسيين بالمغرب. وإذا صح ذلك فإنه يكون قد شارك في النضال أثناء مرحلة متقدمة من حياته، لأن الأمير عبد المالك ثار سنة ١٩١٥ واستمر إلى مقتله سنة ١٩٢٤، والأمير الخطابي اعتقل ونفي سنة ١٩٢٦. ومهما كان الأمر فإن قصة (إدريس) كانت من وحي الحياة بالريف المغربي وليس الجزائر.
وقد عايش الحمامى حياة متشردة بين الحربين، اتصل خلالها بالأمير خالد في فرنسا، ثم ذهبا إلى روسيا وتكون على يد المعادين للاستعمار، ثم ظل فترة يتنقل ين البلدان الأروبية، وتعرف عليه الأمير شكيب أرسلان، وتدخل لصالحه لدى الملك عبد العزيز آل سعود وكذلك لدى السلطات العراقية. ونتيجة لذلك أقام الحمامي في العراق سنوات واشتغل مدرسا، وفي ١٩٤٦ ذهب إلى القاهرة، وانضم بعد ذلك إلى مكتب تحرير المغرب العربي برئاسة الأمير الخطابي. وفي القاهرة نشر قصة إدريس سنة ١٩٤٨، وقدمها بالعربية الأمير الخطابي (أخو بطل الريف؟).
وقصة إدريس تروي قصة شاب ريفي اعتنق الوطنية وذهب للدراسة في القرويين، ثم شارك في إحدى المظاهرات لكنه قتل برصاص القوات الاستعمارية. وكان والده من الجيالة يعيش على الفلاحة، وله مبادئ بسيطة
стр. 3678
في التعليم. وقد تناول الحمامي في القصة عدة لوحات تارخية واجتماعية، ولوحات أخرى عن الاستعمار وحقوق الإنسان. وانتقد أنشطة الكاردينال لافيجري والراهب دي فوكو، كما انتقد القديس أوغسطين لأنه عارض الحركة الدوناتية التحررية في نظره. وانتقد كذلك مبادئ الرئيس ويلسون التي خيبت آمال الشعوب. وتعرض إلى ضعف أساليب التعليم في بلدان المغرب العربي، وتمجيد الأولياء، وحبذ الحمامي الحركات الإصلاحية الإسلامية، وطالب بأخذ العلوم عن الغرب (١). إن قصة إدريس نموذج جديد في تسخير الأدب لخدمة القضية الوطنية ويقظة الشعب.
...
ولنلخص الآن أهم ما عرفنا من روايات وكتابات الجزائريين بالفرنسية غير التي ذكرناها:
١ - عبد القادر حاج حمو (المعروف باسم عبد القادر فكري) نشر سنة ١٩٢٥ رواية باسم (زهرة). والظاهر أنه كان من الأوائل المتصلين كثيرا بالأدباء الفرنسيين. فقد كان عضوا في جمعية الكتاب الفرنسيين في الجزائر التي تأسست سنة ١٩٢٠. وكانت هذه الجمعية تصدر مجلة بعنوان (إفريقيا) ظهرت سنة ١٩٢٤ (استمرت إلى سنة ١٩٦٠). وأصبح فكري هذا نائبا لرئيس الجمعية سنة ١٩٥٢. ومن الجزائريين الذين كانوا أعضاء في الجمعية
стр. 3679
أيضا: جميلة دبيش ومحمد زروقي والبودالي سفير. وكان زروقي وفكري من كتاب المجلة المذكورة (١). ويبدو أنهم اختاروا فكري ليكون نائبا لرئيس الجمعية عندما أصبح في آخر أيامه إذ توفي سنة ١٩٥٣. وكان فكري قد نشر مع روبير راندو عملا أدبيا تحت عنوان (أصحاب البستان) (٢). كما حضر المؤتمر الذي نظمته ماري بوجيجا في قسنطينة عن المرأة الجزائرية خلال الثلاثينات.
٢ - جميلة دبيش، بالإضافة إلى ما ذكرنا عنها، نشرت رواية بعنوان (ليلى فتاة جزائرية) سنة ١٩٤٧. كما نشرت أخرى بعنوان (عزيزة) سنة ١٩٥٥. وجميلة دبيش من مواليد سطيف وكانت تقيم في فرنسا وتعمل في الإذاعة الفرنسية. وساهمت بمقالات عن التعليم والوضع المهني للمرأة. وترأست مجلة (العمل) المتخصصة في شؤون المرأة أيضا (٣).
٣ - محمد زروقي سابق الذكر، نشر عدة أعمال منها (حي روبنسون عربي) سنة ١٩٤٨، وعمر الخيام ١٩٥٢، والمعري سنة ١٩٥١ وطه حسين سنة ١٩٥٢، وهي مقالات كان ينشرها في مجلة البحر الأبيض، ومجلة معلمي شمال إفريقية.
٤ - سليمان بن إبراهيم بامر، وهو رفيق الفنان إتيان ديني (ناصر الدين) في رحلته إلى الحجاز ومشاركه في تأليف بعض الكتب، ومنها (خدة راقصة أولاد نائل) سنة ١٩١٠ (٤).
стр. 3680
٥ - مالك بن نبي نشر رواية بعنوان (لبيك)، أو حج الفقراء، سنة ١٩٤٨. وهي قصة رجل فحام من عنابة، كان سكيراو ولكنه أدى فريضة الحج مع طفل كان يعمل ماسح أحذية في نفس المدينة. وقد اختفى الطفل في الباخرة متبعا لركب الحج. وفي آخر القصة قبل الطفل أن يكون ابنا للفحام الذي تاب من غوايته. وقال الكاتب إنه أراد أن يشارك بروايته في جزء هام من الفولكلور الجزائري (١).
٦ - سعد الدين بن شنب، كتب مقالات وبحوثا هامة عن مختلف الموضوعات المتصلة بالأدب والثقافة والتاريخ. ولا يمكن الآن الإحاطة بها. إنما نذكر له (حكايات مدينة الجزائر) التي نشرها في وهران ١٩٤٦. وهي حكايات مترجمة عن العربية. ومن مقالاته (كتاب الجزائر بالفرنسية) في الموسوعة الكولونيالية والبحرية، وقد خصص منها عدة صفحات للكتاب بالعربية أيضا (٢). ومنها مقالته عن الشاعر (محمد العيد حمو علي) في (الوثائق الجزائرية) عدد ٧ (١٩٤٦).
٧ - رشيد بن شنب، كتب (ثلاث قصص صيد من منطقة المدية)، ونشرها في المجلة الإفريقية، م ٦٠.
٨ - أما حمزة بو بكر فقد كتب قصة (اعتراف مسلم القرن) ونشرها في مجلة (إيقاع العالم - ريثم دي موند) رقم ٣، سنة ١٩٤٧، وكذلك (مذكرات صحراوي) في نفس المصدر، رقم ١، سنة ١٩٥٧. وله غير ذلك من المنشورات.
٩ - مصطفى الأشرف ترجم سنة ١٩٥٣ (الأغاني العربية لبنات مدينة