باعتناق الإسلام وأن يتزوج ابنة سيده لتتم عملية الاندماج. غير أن هذه العملية لم تتم رغم أن ابنه قد أصبح مفتيا. فهل أراد حسن شكري أن يقول للفرنسيين إن الجزائري مهما اعتنق من مبادئهم وتأثر بثقافتهم وتزوج من نسائهم فإنه لا يمكنه أن يندمج فيهم؟ إن بعض النقاد يرون ذلك ويرون من الرواية إعلانا فشل سياسة الاندماج (١). أما في (مأمون) فإن شكري جعل بطله يندمج في الثقافة الفرنسية ويغرق في التمدن (؟) بشرب الخمر والتقليد، ولكنه مع ذلك أبقى على بعض الفوارق مثل لبس الطربوش. ولا ندري إن كان حسن شكري من (المطورنين) الذين تجنسوا فرفضهم الجزائريون والفرنسيون معا (٢).
ولا ندري إن كان محمد ولد الشيخ من أبناء قبيلة أولاد سيدي الشيخ الشهيرة. فقد ولد في بشار في فبراير سنة ١٩٠٥ ودرس في المدرسة الأهلية الفرنسية هناك ثم التحق بثانوية وهران ولكنه لم يكمل شهادته فيها لأسباب لا نعرفها أيضا. ولعله أخرج من المدرسة بسبب عنصري أو لكبر سنه أو فشله. ولما رجع إلى مسقط رأسه واصل تكوين نفسه. وكان يكتب الشعر ويراسل به الصحف، وقد نشر سنة ١٩٣٠ مجموعة شعرية بعنوان (أغنى إلى ياسمينة) وكان يعاني مرضا صدريا مزمنا، فكان عليه أن يقصد بعض الأماكن للاستشفاء، مثل فيشي (فرنسا) وتلمسان. ولكن المرض قتله في فاتح سنة ١٩٣٨. وخلال عمره القصير نشر رواية هي (مريم بين النخيل) سنة ١٩٣٦. وقد عبر فيها عن استحالة الاندماج الذي يدعو إليه بعض الفرنسيين والجزائريين، وكان يميل إلى دعوة جمعية العلماء الإصلاحية وإلى محاربة الطرق الصوفية المنحرفة والبدع، وقد دافع عن الإسلام واللغة العربية (٣).
стр. 3677
وتأثر بالأدب الفرنسي والعربي. ويبدو أن مطالعاته بالفرنسية قد غلبت عليه.
وقصة (إدريس) لعلي الحمامي تمثل موضوعا آخر وإن كانت لغتها فرنسية. صاحبها هو علي الحمامي أحد مناضلي المغرب العربي سياسيا. ولد في تيارت سنة ١٩٠٢، وبعد عهد لا ندري كم طال ذهبت أسرته إلى الحج فرافقها، وعندما رجعت لم يرجع معها، ظل مغامرا جوالا في البواخر التجارية. ويذهب أبو عمران الشيخ إلى أن الحمامي بدأ حياته مناضلا في الريف المغربي مع عبد الكريم الخطابي، وأنه شارك أيضا مع الأمير عبد المالك بن الأمير عبد القادر في ثورته ضد الفرنسيين بالمغرب. وإذا صح ذلك فإنه يكون قد شارك في النضال أثناء مرحلة متقدمة من حياته، لأن الأمير عبد المالك ثار سنة ١٩١٥ واستمر إلى مقتله سنة ١٩٢٤، والأمير الخطابي اعتقل ونفي سنة ١٩٢٦. ومهما كان الأمر فإن قصة (إدريس) كانت من وحي الحياة بالريف المغربي وليس الجزائر.
وقد عايش الحمامى حياة متشردة بين الحربين، اتصل خلالها بالأمير خالد في فرنسا، ثم ذهبا إلى روسيا وتكون على يد المعادين للاستعمار، ثم ظل فترة يتنقل ين البلدان الأروبية، وتعرف عليه الأمير شكيب أرسلان، وتدخل لصالحه لدى الملك عبد العزيز آل سعود وكذلك لدى السلطات العراقية. ونتيجة لذلك أقام الحمامي في العراق سنوات واشتغل مدرسا، وفي ١٩٤٦ ذهب إلى القاهرة، وانضم بعد ذلك إلى مكتب تحرير المغرب العربي برئاسة الأمير الخطابي. وفي القاهرة نشر قصة إدريس سنة ١٩٤٨، وقدمها بالعربية الأمير الخطابي (أخو بطل الريف؟).
وقصة إدريس تروي قصة شاب ريفي اعتنق الوطنية وذهب للدراسة في القرويين، ثم شارك في إحدى المظاهرات لكنه قتل برصاص القوات الاستعمارية. وكان والده من الجيالة يعيش على الفلاحة، وله مبادئ بسيطة
стр. 3678
في التعليم. وقد تناول الحمامي في القصة عدة لوحات تارخية واجتماعية، ولوحات أخرى عن الاستعمار وحقوق الإنسان. وانتقد أنشطة الكاردينال لافيجري والراهب دي فوكو، كما انتقد القديس أوغسطين لأنه عارض الحركة الدوناتية التحررية في نظره. وانتقد كذلك مبادئ الرئيس ويلسون التي خيبت آمال الشعوب. وتعرض إلى ضعف أساليب التعليم في بلدان المغرب العربي، وتمجيد الأولياء، وحبذ الحمامي الحركات الإصلاحية الإسلامية، وطالب بأخذ العلوم عن الغرب (١). إن قصة إدريس نموذج جديد في تسخير الأدب لخدمة القضية الوطنية ويقظة الشعب.
...
ولنلخص الآن أهم ما عرفنا من روايات وكتابات الجزائريين بالفرنسية غير التي ذكرناها:
١ - عبد القادر حاج حمو (المعروف باسم عبد القادر فكري) نشر سنة ١٩٢٥ رواية باسم (زهرة). والظاهر أنه كان من الأوائل المتصلين كثيرا بالأدباء الفرنسيين. فقد كان عضوا في جمعية الكتاب الفرنسيين في الجزائر التي تأسست سنة ١٩٢٠. وكانت هذه الجمعية تصدر مجلة بعنوان (إفريقيا) ظهرت سنة ١٩٢٤ (استمرت إلى سنة ١٩٦٠). وأصبح فكري هذا نائبا لرئيس الجمعية سنة ١٩٥٢. ومن الجزائريين الذين كانوا أعضاء في الجمعية
стр. 3679
أيضا: جميلة دبيش ومحمد زروقي والبودالي سفير. وكان زروقي وفكري من كتاب المجلة المذكورة (١). ويبدو أنهم اختاروا فكري ليكون نائبا لرئيس الجمعية عندما أصبح في آخر أيامه إذ توفي سنة ١٩٥٣. وكان فكري قد نشر مع روبير راندو عملا أدبيا تحت عنوان (أصحاب البستان) (٢). كما حضر المؤتمر الذي نظمته ماري بوجيجا في قسنطينة عن المرأة الجزائرية خلال الثلاثينات.
٢ - جميلة دبيش، بالإضافة إلى ما ذكرنا عنها، نشرت رواية بعنوان (ليلى فتاة جزائرية) سنة ١٩٤٧. كما نشرت أخرى بعنوان (عزيزة) سنة ١٩٥٥. وجميلة دبيش من مواليد سطيف وكانت تقيم في فرنسا وتعمل في الإذاعة الفرنسية. وساهمت بمقالات عن التعليم والوضع المهني للمرأة. وترأست مجلة (العمل) المتخصصة في شؤون المرأة أيضا (٣).
٣ - محمد زروقي سابق الذكر، نشر عدة أعمال منها (حي روبنسون عربي) سنة ١٩٤٨، وعمر الخيام ١٩٥٢، والمعري سنة ١٩٥١ وطه حسين سنة ١٩٥٢، وهي مقالات كان ينشرها في مجلة البحر الأبيض، ومجلة معلمي شمال إفريقية.
٤ - سليمان بن إبراهيم بامر، وهو رفيق الفنان إتيان ديني (ناصر الدين) في رحلته إلى الحجاز ومشاركه في تأليف بعض الكتب، ومنها (خدة راقصة أولاد نائل) سنة ١٩١٠ (٤).
стр. 3680
٥ - مالك بن نبي نشر رواية بعنوان (لبيك)، أو حج الفقراء، سنة ١٩٤٨. وهي قصة رجل فحام من عنابة، كان سكيراو ولكنه أدى فريضة الحج مع طفل كان يعمل ماسح أحذية في نفس المدينة. وقد اختفى الطفل في الباخرة متبعا لركب الحج. وفي آخر القصة قبل الطفل أن يكون ابنا للفحام الذي تاب من غوايته. وقال الكاتب إنه أراد أن يشارك بروايته في جزء هام من الفولكلور الجزائري (١).
٦ - سعد الدين بن شنب، كتب مقالات وبحوثا هامة عن مختلف الموضوعات المتصلة بالأدب والثقافة والتاريخ. ولا يمكن الآن الإحاطة بها. إنما نذكر له (حكايات مدينة الجزائر) التي نشرها في وهران ١٩٤٦. وهي حكايات مترجمة عن العربية. ومن مقالاته (كتاب الجزائر بالفرنسية) في الموسوعة الكولونيالية والبحرية، وقد خصص منها عدة صفحات للكتاب بالعربية أيضا (٢). ومنها مقالته عن الشاعر (محمد العيد حمو علي) في (الوثائق الجزائرية) عدد ٧ (١٩٤٦).
٧ - رشيد بن شنب، كتب (ثلاث قصص صيد من منطقة المدية)، ونشرها في المجلة الإفريقية، م ٦٠.
٨ - أما حمزة بو بكر فقد كتب قصة (اعتراف مسلم القرن) ونشرها في مجلة (إيقاع العالم - ريثم دي موند) رقم ٣، سنة ١٩٤٧، وكذلك (مذكرات صحراوي) في نفس المصدر، رقم ١، سنة ١٩٥٧. وله غير ذلك من المنشورات.
٩ - مصطفى الأشرف ترجم سنة ١٩٥٣ (الأغاني العربية لبنات مدينة
стр. 3681
الجزائر) كما أشارت إلى ذلك بعض المراجع، ولكننا لا ندري أين نشر ذلك (١). وكنا قد ذكرنا أن الأشرف نشر أوائل عهد الثورة مسرحية في مجلة (الفكر) التونسية، وقد قامت المجلة بالترجمة من الفرنسية إلى العربية.
١٠ - محمد ديب عرف برواياته وقصصه، ومنها الدار الكبيرة والحريق والمنسج، وقد أصبحت أعمالا كلاسيكية. وكان كذلك كتب المقالات والتعاليق الأدبية والنقدية في جريدة (الجزائر الجمهورية)، ومنها مقالة سنة ١٩٥٠ عن (المثقفين الجزائريين والحركة الوطنية) (٢٦ أبريل). كما نال محمد ديب جائزة فرنسية عن الدار الكبيرة. وقد ترجمت معظم أعماله إلى العربية.
١١ - مولود معمري ومولود فرعون وحسن شبلي نال كل منهم جائزة فرنسية، الأول عن روايته الربوة المنسية، والثاني عن روايته الأرض والدم، والثالث عن شعره.
وكل ذلك كان قبل الثورة. ثم توالى الإنتاج والجوائز الفرنسية لأعمال أخرى لهؤلاء، وكذلك لأعمال جيل آخر من الكتاب أبرزهم كاتب ياسين وآسيا جبار ومالك حداد ومالك واري (٢). والمعروف أن الجوائز كانت تعطى لتشجيع الإنتاج باللغة الفرنسية وليس لإبداع الأدبي في حد ذاته.
وهكذا يتبين أن الأدب الجزائري باللغة الفرنسية أخذ مكانا واضحا منذ
стр. 3682
مطلع الخمسينات، وأخذ ينافس الأدب العربي القديم والحديث في الجزائر، وقد زادت أحداث الثورة من بلورة هذا الأدب وظهوره على المسرح العالمي أيضا، وكادت الجزائر لا يعرفها العالم إلا به حتى بين أدباء المشرق عندئذ، تحت شعار أن الاستعمار الفرنسي قد جرد الجزائريين من لغتهم وثقافتهم الأصلية حتى أنهم اندمجوا في لغة المستعمر ذاته ونسوا لغتهم.
وقد أثمرت جهود الكنيسة والحركة الشيوعية فتولد عنهما أدب هجين ظهرت آثاره بعد الحرب الثانية. وليس هناك من سبيل إلى دراسته هنا، ولكننا ننبه إلى أن الكنيسة والحركة الشيوعية - على اختلافهما في الأيديولوجية - تمكنتا من إخراج بعض الروائيين والكتاب. فقد أخرجت الكنيسة أو مدارسها الخاصة أمثال جان عمروش وأوغسطين أيبازيزن (١)، وكان الأول قد كتب حياة يوغرطة وألف الثاني سيرة ذاتية برر فيها لماذا اختار اسم أوغسطين رغم أن عائلته عائلة إسلامية معروفة. وربما كان حسني لحمق من هذه المدرسة أيضا، وكذلك مولود فرعون صاحب المؤلفات الأدبية التي منها (الطرق الصاعدة) و (التلميذ والدرس). وكان فرعون ضحية منظمة الجيش السري سنة ١٩٦٢. أما لحمق فلا نعرف له سوى (الرسائل الجزائرية) التي نشرها سنة ١٩٣٣.
وعشية الثورة دخلت الرواية الجزائرية بالفرنسية عصرها الذهبي. وقد صنف النقاد الفرنسيون كتابها في مدرسة البحر الأبيض (؟) من حيث الانتماء الأقليمي، وإلى المدرسة الفرنسية من حيث اللغة، وإلى الثقافة العربية -الإسلامية من حيث الروح والتراث. أما النقاد العرب فقد اعتبروا هؤلاء الكتاب ضحايا الاستعمار، فهم يعبرون بقلب عربي وبربري وقلم فرنسي. وكان مالك حداد أكثرهم صراحة وصدقا حين اعتبر نفسه منفيا فى اللغة الفرنسية وذهب إلى المشرق ليسترد هويته.
стр. 3683
ومن جهة أخرى أخرجت الحركة الشيوعية كتابا وأدباء نذكر منهم، البشير حاج علي، وعمار أوزقان، والصادق هجرس، إضافة إلى كاتب ياسين الذي تألق نجمه منذ الخمسينات، وقد رجع أوزقان إلى أحضان الوطنية والعمق الحضاري، أما الآخرون فقد ظلوا على ولائهم للمذهب الشيوعي الرافض للوطنية الضيقة. وكان أدبهم يعبر على ذلك (١). ولكن الثورة استطاعت أن تصهر هذه العناصر وأن تقارب بين الجزائريين على اختلاف ميولهم وثقافتهم، رغم أن بعضهم رجع بعد الاستقلال إلى خطه القديم، ولعله لم يتحول عنه أصلا.
стр. 3684
الفصل الثاني
الشعر
стр. 3685
مدخل في تطور حركة الشعر
نعالج في هذا الفصل الشعر الفصيح والزجل (الملحون) خلال أكثر من قرن، أي من ١٨٣٠ إلى عشية ثورة نوفمبر ١٩٥٤. والشعر الفصيح ليس كله فصيحا حقا، فسيكون فيه القوي والضعيف والجميل والتافه. ولكن المصطلح سيحترم. فالفصيح هنا هو الذي سار على قواعد اللغة وطبق مبادئ العروض. أما الزجل فهو ذلك الذي خرج عن هذه القواعد والمبادئ وعبر بالدارجة وتوجه عادة إلى العامة. وسيتضمن الزجل أيضا بعض الأشعار البربرية التي عثرنا عليها، وقد كان شعراء البربرية متعلمين أو غير متعلمين، متأثرين بأصول العروض العربية. أما الشعراء الجزائريون بالفرنسية فسنشير إليهم إذا وجدوا، لنعلم فقط إلى مدى وقع التأثير اللغوي والأجنبي عليهم. ولكننا لن نتناول هنا الشعراء الفرنسيين الذين عاشوا في الجزائر أو زاروها.
الأغراض التي تناولها الشعراء كثيرة، وتكاد تكون هي أغراض الشعر العربي المعهودة. فنحن سنلاحظ أن شعر الفخر والهجاء ما يزال يواصل مسيرته. أما الرثاء والمدح والغزل والتوسل فهو ملح الطعام في كل العصور. وسنجد الوصف قد أخذ حظا وافرا في هذا الشعر. وهناك ميدان خب فيه الشعراء، كل على حسب جهده، وهو الشعر الوطني والاستنهاض، والشعر القومي والإسلامي. وقد ارتبط بذلك ظهور الشعر الإصلاحي - الاجتماعي. فبدل الغوثيات والتوسلات ومدح شيوخ الزوايا جاء شعر التحرر من البدع والخرافات والدعوة إلى الإسلام الصحيح والتضامن. وقد كان شعر الغزل من ضحايا هذا الاتجاه، فقد أصبح ينظر إليه على أنه شعر العبث واللهو، وذلك غير مقبول في وقت كانت البلاد في معاناة وشدة. فكان على الشعراء أن
стр. 3686
يجدوا ولا يهزلوا وأن يتضامنوا مع الشعب ولا ينفردوا عنه.
أما طريقة المعالجة فإننا سنذكر، بعد المدخل، الدواوين المعروفة سواء المطبوعة أو المخطوطة، وكذلك المجاميع من الشعر. وسنذكر ما نعرف عن كل ديوان أو مجموع. وإذا لم نتمكن من الإطلاع على بعضها فسنشير إلى ذلك. وبعد ذلك نعالج أغراض الشعر غرضا غرضا، مع ذكر النماذج. بقدر ما توفر أو ما تسمح به المساحة. أما القسم الثاني من هذا الفصل فسيخصص للشعر الملحون أو الزجلي، وسنحاول أن نصنفه أيضا إلى أغراض، وكذلك سنفعل مع شعر البربرية.
وفي الوقت الذي كان فيه الشعراء يواصلون رسالتهم كان بعض المتعلمين والأدباء يصنفون لهم ولغيرهم مؤلفات في علم العروض وقواعده. وهي مؤلفات ليست كثيرة إذا قيست بغيرها ولكنها تدل على الترابط بين الشعر وعلم العروض (١). ومن أوائل المصنفين في ذلك هو الشيخ محمد بن يوسف أطفيش إذ وضع كتابا سماه (مختصر الكافي في العروض والقوافي). ويدل العنوان على أن الشيخ لم يضع تا ليفا وإنما اختصر التأليف المعروف بالكافي، وهو ما فعله غيره أيضا. فقد قام المولود بن الموهوب بنظم شرح الكافي وسماه (التبر الصافي). وخدمة لهذا الاتجاه شرح إبراهيم العوامر السوفي هذا النظم وسماه (مواهب الكافي على التبر الصافي) (٢). ولكن التأليف الذي تميز عن غيره بالمنهج العلمي والأسلوب الجذاب والشواهد المفيدة هو كتاب (تحفة الأدب في ميزان أشعار العرب) لمحمد بن أبي شنب. وقد طبع هذا الكتاب عدة طبعات، منها واحدة بتصديرنا (٣). وآخر من ألف في علم العروض وجمع بينه وبين الشعر هو الشيخ موسى نويوات الأحمدي (٤).
стр. 3687
ويزدهر الشعر عادة بازدهار التعليم ووسائل النشر والحوافز والنقد. غير أن هذه جميعا كانت منعدمة تقريبا قبل ١٩٢٠. وإذا استثنينا بعض الصحف التي ظهرت أوائل هذا القرن فإن الشعراء لم يجدوا أين ينشرون قصائدهم ودواوينهم (١). ولم تكن حركة التعليم نشطة حتى تخرج شعراء متمرسين باللغة العربية ومطلعين على التراث ومسايرين لروح العصر. وليس هناك حوافز معنوية أو مادية تجعل الشعراء ينطلقون في تجربتهم ومتنافسين في فنهم. أما النقد فلم تعرفه الحركة الأدبية إلا خلال الثلاثينات عندما أخذت الشهاب تعلق على ما كان ينشر فيها، ثم ظهرت البصائر، وكان النقد عندئذ ما يزال اختراعا جديدا. ولا يعني ذلك أن من قال شعرا لا يتعرض للذم أو الاستحسان ولكننا هنا نشير إلى النقد كقواعد و (علم) بذاته لتقييم الشعر.
وقد يكون من التناقض أن نوقع شعراء يظهرون في بلاد سيطرت عليها الأمية طيلة سبعين سنة تقريبا وتحت احتلال عنصري بغيض. فمنذ وضع الفرنسيون لديهم على الأوقاف الإسلامية وانهمكوا في هدم المدارس والمساجد وتشريد العلماء والطلبة، جفل العلماء وخلت حلقات الدرس وجفت ينابيع المعرفة، بل إن ذلك كان دافعا قويا لهجرة عدد من الأدباء وسكوت الآخرين. وقد رثى بعض الشعراء حالة الوطن بعد الاحتلال، وأنجبت المقاومة شعراء الفصيح والزجل، والأنصار والمعارضين. ولكن هذه الظاهرة انتهت تقريبا مع بداية الخمسينات من القرن الماضي، أي مع الجيل الذي كان شاهدا على وقوع البلاد في براثن الأعداء. وهكذا اختفى أمثال: محمد بن الشاهد، والأمير عبد القادر، وابن التهامي، بحلول سنة ١٨٥٠.
стр. 3688
وعانت حركة الشعر تبعا، لمعاناة تجربة التعليم بين ١٨٥١ - ١٨٨٠. فنحن خلال هذه الفترة لا نكاد نسمع بشاعر فصيح. وربما كانوا موجودين ولكنهم لم ينشروا شعرهم لأنه لا يوجد أين ينشرونه ولا من يتذوقه. ومهما كان الأمر فإن القليل من الشعر الذي بقي لا يدل على ثقافة أصحابه ولا على إخلاصهم لأن فكرة نبيلة. ولا شك أن الذى ملأوا الفراغ هم شعراء الزجل (الملحون). فهم الذين سجلوا الملاحم، ووصفوا الطبيعة والصيد والمرأة والمآسي التي تعرض لها الشعب، وهم الذين مدحوا أبطالهم من المجاهدين وبكوا أبناءهم ورفاقهم من الشهداء. أما القطع الباقية من الشعر الموزون فلا تكاد تخرج عن مدح بعض الفرنسيين، مثل نابليون الثالث أثناء زيارتيه للجزائر - ١٨٦٠، ١٨٦٥ - وتهنئة بعضهم بعيد الميلاد، كما فعل محمد الشاذلي مع بواسونيه. وقد احتفظت لنا الوثائق أيضا بنمادج من الشعر الإخواني كالذي تبادله الأمير ومحمد الشاذلي في سجن امبواز (فرنسا). وما دار بين الشاذلي ومصطفى بن التهامي وغيره من حاشية الأمير في نفس المناسبة. ولا بد من القول إنه لم تكن توجد عندئذ أية وسيلة لنشر الشعر. فالجريدة الوحيدة التي كانت تصدر بالعربية (المبشر) هي جريدة رسمية للإعلانات والتوجيهات الحكومية، ولا نعرف أنها نشرت من الشعر غير بعض القصائد في مدح القادة الفرنسيين أو بعض القطع لحسن بن بريهمات وأمثاله، وهي قطع في موضوعات اجتماعية ودينية غالبا تخدم أهداف الجريدة.
وهذا لا يعني أن الشعراء كفوا في هذه الفترة (١٨٥١ - ١٨٨٠) عن قرض الشعر. ولكن نلاحظ أن جلهم قد لجأ إلى شعر التوسلات والغوثيات، وما نسميه بالشعر الديني المتجه إلى التصوف والاستسلام للأمر الواقع، مع الضعف الشعري الذي يلازم ضحالة التعليم وانعدام الحوافز. ولم يكن هناك سوى مصدرين لتعليم متوسط ومحدود جدا خلال هذه الفترة، الأول وجود المدارس الثلاث الرسمية التي كانت تستقبل أعدادا قليلة من تلاميذ الزوايا وغيرها لتخرج منهم قضاة. والثاني الزوايا التي سمح لها بالاستمرار في
стр. 3689
تحفيظ القرآن الكريم وبعض المعارف العربية والإسلامية، مثل زوايا الجنوب وزواوة. وتنسب إلى مصطفى بن التهامي غوثية هامة عندئذ، وكذلك منظومات لمحمد الشاذلي، وكان رجال السلك الديني (رجال الإفتاء والخطابة والإمامة) يتعاطون هذا النوع من الشعر الديني أيضا، كما كانت لهم أراجيز وقطع تعليمية تدور حول الفنون التي كانوا يدرسونها. ومن هؤلاء المفتي حميدة العمالي.
وفي المرحلة الثانية (١٨٨١ - ١٩١٩) برزت الصحف وانتشر التعليم قليلا وسمح بالتعبير المحدود عن خلجات النفس في عهدي كامبون (١٨٩١ - ١٨٩٧)، وجونار (١٩٠٣ - ١٩١٢) في الميادين غير السياسية. وكان ذلك سببا في بروز عدد من شعراء اللغة الفصحى معظمهم من الجنوب. ومن أبرزهم على الإطلاق الشيخ عاشور الخنقي الذي كان يعيش في قسنطينة منذ السبعينات ثم انتقل إلى زاوية الهامل للتعليم. وكان ديوانه (منار الإشراف) الذي نظمه خلال التسعينات أول ديوان في الجزائر (طبع كذلك ديوان الأمير في المشرق حوالي نفس الفترة). ولولا أن شعر الخنقي كان معظمه في غرض واحد، وهو الدفاع عن الأشراف بالحق أو بالباطل، لكان صاحبه أعظم شاعر جزائري في آخر القرن الماضي وبداية هذا القرن. وهناك أيضا محمد بن عبد الرحمن الديسي الذي له ديوان غير مطبوع. لقد جرب الشعراء خلال الفترة المذكورة كل أنواع الشعر تقريبا، الشعر السياسي والاجتماعي والصوفي والغزلي والمدحي. وسنرى ذلك بعد قليل، وقد وجد بعضهم في جريدة (المنتخب) وهي جريدة فرنسية خاصة، وسيلة للتعبير (١٨٨٢ - ١٨٨٣) ولكنها سرعان ما اختفت. ولم تظهر الصحف التي نشرت الشعر سوى في العشرية الأولى من هذا القرن، ومنها المغرب، وكوكب أفريقية، والفاروق. ولا بد من الإشارة إلى أن الأولى والثانية جريدتان حكوميتان، أما الفاروق فقد كانت من إنشاء عمر بن قدور، وقد كان ابن قدور نفسه شاعرا وكذلك كان المولود الزريبي المعاصر له. وقبل أن نتحدث عن المرحلة الثالثة، نقول إن بعض الشعراء كانوا قد
стр. 3690
نشروا إنتاجهم، رغم قلته، في جرائد عربية خارج الجزائر خلال الفترة الثانية. فقد نشرت (الجوائب) لأحمد فارس الشدياق و (المنار) للشيخ محمد رشيد رضا و (الحاضرة) لعلي بوشوشة، قصائد وقطعا في المدح والتقريظ والرثاء وغيرها لشعراء جزائريين. ومن هؤلاء أحمد المجاهد الغريسي الذي كان قاضيا، وعمر بن قدور الذي كان محررا في جريدة الأخبار قبل الفاروق، ومحمد بن مصطفى خوجة الذي كان صحفيا في المبشر ثم مدرسا في أحد مساجد العاصمة، بالإضافة إلى مشاركة إخوة الأمير عبد القادر وأولاد أخوته في الحركة الشعرية بالمشرق. ومما يذكر أن محيي الدين بن الأمير عبد القادر له ديوان شعر في مستوى راق بمفهوم وقته. فالحركة الشعرية في المشرق كانت أكثر خصوبة منها في الجزائر عندئذ، نظرا لمستوى التعليم وانتشار الصحف وشيوع الترجمة وظهور النقد الأدبي.
والمرحلة الثالثة للشعر تبدأ من ١٩٢٠ وتستمر إلى عشية ثورة نوفمبر ١٩٥٤. وهي أخصب الفترات إنتاجا. وخلالها برز عدد من الشعراء الذين كانوا غالبا مستقلين، وكان بعضهم من رجال الدين الرسميين أو من المساندين للإصلاح الذي تبنته جمعية العلماء المسلمين. ورغم اختلاف المستوى بين شاعر وآخر، فإن الحركة على العموم كانت تتقدم وتتسع إلى أن وصلت إلى قمتها على يد محمد العيد ومفدي زكريا. لقد انتعشت حركة التعليم العربي منذ شرع ابن باديس في تأسيس المدارس عبر القطر، وأخرجت الدارس الرسمية أيضا عناصر معربة أو مزدوجة اللغة، وانتشر الطلاب الجزائريون ينشدون التعليم العربي في تونس ومصر والمغرب، ثم رجع بعضهم بزاد وفير. وكذلك رجع بعض العلماء المهاجرين من الحجاز (العقبى) وسورية (الإبراهيمي). وزيادة على ذلك ظهرت الصحف العربية المستقلة عن الحكومة، وتنافست في نشر القصائد مما سمح للشعراء أن ينشروا إنتاجهم، فكانت الإقدام والشهاب، وجرائد الشيخ أبي اليقظان العديدة، والنجاح، والبلاغ، والبصائر، والإصلاح، والمنار، ميادين لهؤلاء الشعراء. وكانت تقدم للقصائد بعبارات الاستحسان والمدح أحيانا.
стр. 3691
وفي هذا الصدد نشرت أول مجموعة شعرية عشية مرور مائة سنة على الاحتلال. وكانت تضم ترجمات ومختارات لعدد من الشعراء المتمايزين سنا وجودة وفكرا. فقد كان منهم الشيخ والشاب، والمتوسط الشعر وجيده، والمصلح المستقل والموظف الرسمي، ومع ذلك جمعهم محمد الهادي السنوسي، صاحب (شعراء الجزائر في العصر الحاضر) في كتاب واحد بجزئين مع صورهم أحيانا (١). وقد تلا ذلك نشر ديوان الشيخ أبي اليقظان أيضا. وكان أبو اليقظان صحفيا بارعا وشاعرا اجتماعيا مطبوعا. ويمكن اعتبار ديوانه ثالث ديوان يطبع بعد ديواني الأمير وعاشور الخنقي.
أما أنماط الشعر خلال هذه الفترة فقد تنوعت. فأنت تجد الشعر الذاتي عند عدد من الشعراء، منهم رمضان حمود ومبارك جلواح والطاهر البوشوشي وعبد الكريم العقون. وتجد الشعر السياسي الصريح أو المغلف عند البعض مثل ابن باديس ومفدي زكريا، والربيع بوشامة ومحمد العيد، والشعر الاجتماعي عند هذا وعند أحمد سحنون وأبي اليقظان والصادق خبشاش والهادي السنوسي. ومن شعراء الدين والتصوف أحمد المصطفى بن عليوة. وكان بعض الشعراء يجمعون بين عدة أغراض مثل محمد العيد.
وتجدر الإشارة إلى أن شعر التمثيل قد ظهر أيضا خلال هذه الفترة. ذلك أن الحركة الأدبية قد نمت وارتبطت بالتراث العربي والثقافة الإسلامية، وأصبحت تستمد أمثلتها من الشعراء القدماء والمحدثين وتقلد ما ظهر في المغرب والمشرق مما يسمى بالشعر التمثيلي. فكان الشعراء يكتبون لتلاميذهم روايات شعرية قصيرة يمثلونها في المناسبات الدينية والاجتماعية، كالمولد النبوي والأعياد، ومن ذلك مسرحية (بلال) لمحمد العيد.
ومن الممكن أن نلحق بذلك الأناشيد المدرسية التي كان ينظمها الشعراء بروح دينية إصلاحية وطنية لينشدها التلاميذ في المدارس تربية لهم
стр. 3692
وتنشيطا لهممهم. ومن الذين برعوا في ذلك ابن باديس ومحمد العيد ومحمد بن العابد الجلالي.
وفي مواجهة القوانين الجائرة والاستبداد الاستعماري، كانت القضايا التي يطرقها الشعراء في الداخل أقل تسيسا من القضايا التي يتناولونها في الخارج. وكانوا أحيانا يعكسون وضع الجزائر بطريق غير مباشر عندما يتناولون قضية عربية أو دولية. فإذا مدح الشعراء أو وصفوا أو رثوا شخصا أو حادثا خارج البلاد فإنهم سرعان ما يمثلون لذلك بحالة بلادهم وأشخاصهم ومواطنيهم. من ذلك رثاء عمر المختار وغازي ملك العراق والشاعرين حافظ وشوقي والأمير خالد. ثم قيام الجامعة العربية ونفي السلطان محمد الخامس واستقلال ليبيا ثم السودان، وثورة مصر، وقنبلة هيروشيما، وتهنئة الحجاج بأداء الفريضة وسلامة العودة.
والقصيدة العمودية هي التي ظلت تميز الشعر خلال مراحله الثلاث، فالوزن والقافية، والمحافظة على مصراعي البيت وحتى البداية بالغزل أحيانا وتعدد الأفكار في القصيدة الواحدة، كل ذلك مما كان يميز شعر هذه المراحل. لقد كان التجديد في الأسلوب الشعري والأغراض غير وارد. ولكن هل يعني ذلك أن قصيدة الثلاثينات من هذا القرن هي نفسها قصيدة الأمير عبد القادر، مثلا؟ الجواب هو أن الروح ظلت واحدة والموسيقى الشعرية أيضا بقيت واحدة تقريبا. أما الذي تجدد فهو الأغراض واستعمال الرمز والإيحاء والمصطلحات والألفاظ. ولا شك أن محمد العيد يعتبر مجددا إلى حد كبير في خطابه الشعري: شاعر المجتمع والجمهور الحاضر، وشاعر القلب الدافق بالحب للدين والوطن والإنسان. وأن مفدي زكريا قد أدخل في الخطاب الشعري، سيما بعد ١٩٥٦، جلجلات الثورة وقعقعات السلاح والتمرد العاطفي لكي يعبر عن إيمان صادق بمستقبل الجزائر الحرة. ولقد عبرت أشعار رمضان حمود وجلواح والعقون عن رعشة القلب في صلواته أمام براءة الطبيعة وذنوب الحاضر الاستعماري.
стр. 3693
ولكن هذا لا يعني أن الشعراء لم يستعملوا قوالب شعرية أخرى غير القصيدة. فقد كتب رمضان حمود نوعا من الشعر الحر أو المتحرر. واستعمل بعضهم القطع القصيرة، والتفعيلات المتعددة في القصيدة الواحدة، وكذلك تنوع القوافي. وقد ظل الموشح مستعملا عند عدد من الشعراء،. ومنهم القديم مثل مصطفى بن التهامي، ومنهم الجديد مثل محمد العيد، مرورا بعمر بن قدور. ولكن الموشح الجديد يلاحظ عليه القصر وحداثة اللغة. كما نجد عند شعرائنا حتى في المرحلة الثالثة من كان يخمس الشعر ومن كان يعارضه، ومن يشطره، ومن يلغزه، ومن يرجزه، الخ. وهكذا فإن (ملاعب) الشعراء القديمة على عهد الآرام والأطلال كانت مزدحمة في عهد السيارات وناطحات السحاب والتقنيات الجديدة وعصر الفضاء والأقمار الصناعية.
لقد ظهرت عدة دراسات تناولت الحركة الشعرية في الجزائر منذ ١٩١٩ - أي المرحلة الثالثة، أما المرحلة الأولى والثانية فغير مدروستين حسب علمنا. وليس من مهمة دراستنا هذه تسليط الضوء على كل ما كتب حول الشعر منذ ١٩١٩ ولا نقده. وإنما نذكر هنا أن عددا من الباحثين قد ركزوا جهودهم في عهد الاستقلال على كتابة أطروحاتهم الجامعية حول هذا الشعر. وقد تسابقوا في الميدان حتى لم يبق فيه ربما مكان لمتسابق. فتناولوا أفرادا من الشعراء، وأغراضا من الشعر، وربطوا بين ذلك والحالة السياسية والاجتماعية والعلاقة مع الحركة الأدبية في البلاد العربية. ومعظم الدراسات وجدت نفسها تعالج الشعر باعتباره نتاج الحركة الإصلاحية التي بعثت اللغة العربية وحررت العقول، وأسالت الأقلام، وأنشأت الجرائد والنوادي والمدارس. والشعر الديني نفسه قد تأثر بهذا الجو، فأصبح الشعراء يتنافسون في الدفاع عن بعض التيارات الدينية، ورغم ظهور الإصلاح فإن التيار الديني أو الصوفي بقي قويا، وله شعراؤه أيضا. وأحيانا كانت الخلافات بينهم تصل إلى حد المهاترات والسباب. ولكن هذا لا يمنع من القول إن الحركة الشعرية كانت من نتاج تطور اللغة العربية في المدارس ولا سيما بعد ظهور معاهد ابن باديس والكتانى والحياة.
стр. 3694
وهناك على الأقل ثلاث دراسات تناولت تطور الحركة الشعرية بالرصد والنقد: الشعر الحديث لصالح خرفي، والشعر الديني لعبد الله ركيبي، ثم الشعر الحديث لمحمد ناصر. ولعل ركيبي هو الوحيد الذي رجع إلى ما قبل سنة ١٩١٩ في بحثه عن الشعر الديني. أما الباحثان الآخران فقد ركزا على الفترة الثالثة المشار إليها. وكان خرفي قد عالج في بحث آخر الشعر في عهد الأمير. إن هؤلاء الباحثين قد درسوا النماذج والظروف وسير الشعراء والأساليب والمؤثرات. وها هي أعمالهم الآن مراجع هامة لتلاميذهم وغيرهم من الباحثين. وهناك دراسات قام بها باحثون آخرون، مثل الشعر عند فلان، ومثل أثر جمعية العلماء في الشعر، والشعر السياسي، والتجديد في الشعر، وغير ذلك من الجوانب. وقد قلنا إن الزحام قد بلغ أشده على هذا النبع حتى كاد يغيض.
وفي هذا الصدد يأتي الحديث عن التأثير الفرنسي في الشعر. ورغم أننا ندرس الشعر العربي فصيحه وشعبيه وما يتصل به من لهجات، فإن السؤال عن التأثير المذكور يظل قائما. فهل أثر الشعراء الفرنسيون في شعراء الجزائر سواء منهم شعراء العربية أو الفرنسية؟ إن بعض المصادر الفرنسية تذكر أنه قد مر بالجزائر أكثر من مائة شاعر فرنسي. ومنهم من تولى مسؤوليات إدارية. ولكن ما مدى صلتهم وتأثيرهم على شعراء الجزائر؟ فالشاعر شانسيل أصبح نائبا لوالي مدينة الجزائر. وقارن في شعره بين روما والجزائر، وتغنى بفتاة موريسكية، وله شعر عنوانه (الجزائرية الأولى) وآخر سماه (مليانة). وتغنى الشاعر الطبيب أوباسي بمدينة البليدة في مجموعته (المغربيات). وتحدث الشاعران الأخوان قونكور عن الفتى البسكري أو الزنجي الصغير سنة ١٨٤٩، وزعما أنه شعر بالحزن عندما رحل عنه الفرنسيون! وعلى هذا النحو طلب الشاعر شارل ماري لوفيفر من فرنسا أن تأتي لترى الجزائر (ابنتها الكبرى) (١). فهل هذه هي الأفكار التي سيؤثر بها الشعراء الفرنسيون على
стр. 3695
الجزائريين؟ إن المدرسة الفرنسية كانت مرتبطة بالإدارة الاستعمارية وبفكرة الهيمنة والتعالي، بل إن الشعراء كانوا أصواتا لهذه الإدارة المهيمنة. ونحن لا نجد عند هؤلاء الشعراء روح التسامي والإنسانية والعلاقات الروحية بين الشعوب، أو الإعجاب بالبربر والعرب وأخلاقهم العالية وشجاعتهم النادرة وإيثارهم الفذ. وإنما كان إعجابهم بالطبيعة وتسخير فرنسا. (الأهالي) لخدمتها.
وأقصى ما قاله العقيد قادشو، وهو يلقي محاضرة عن مجموعة (انطولوجيا) شعرية سنة ١٩٢٠، أنه يحب العرب ويحب البربر ويحترم الروح الإسلامية، ولكنه يعتقد أن السلالة التي ستعيش في الجزائر سوف لا تكون بربرية ولا حتى فرنكو - بربرية، وإنما ستكون سلالة فرنسية، وستنتج أعمالا تنسجم مع وسطها (الفرنسي؟). ان عنوان المجموعة هو (١٣ شاعرا جزائريا) - كذا جزائريا - ولكنها مع ذلك لا تضم إلا الشعراء الفرنسيين، لأن كلمة (الجزائري) هنا تعنيهم هم فقط. وقد قدم لها الأديب الذي ذاع صيته بين الحربين وهو روبير لاندو. ونوه المحاضر، العقيد (؟) قادشو، بالشاعر لاندو وبالشعراء الذين تغنوا بالجزائر، وهم طبعا من الفرنسيين. وجاء برأي شارل ماري لوفيفر الذي سبق ذكره (وكان مستشارا لوالي العاصمة) حين قال يجب تشجيع المحاولات الجزائرية (يعني الفرنسية) الآن على ضحالتها وضعفها لأنها ستصبح ذات يوم مزدهرة، وستمثل فنا بذاته ومتميزا في افريقية (١). اننا إذن في الزمن الذي عرف بعهد (مدرسة الجزائر) وهي التي اختفى فيها الأدب العربي والإسلامي كما اندمج فيها الإنسان الجزائري، في
стр. 3696
نظرهم، في المجتمع الفرنسي، تماما مثلما اختفت نظم القضاء والمعالم الإسلامية والتراث.
رغم انتشار التعليم الفرنسي المحدود منذ أواخر القرن الماضي، ورغم وجود عدد من الجزائريين الذين درسوا الطب والأدب والقانون، فإننا لا نعلم أنهم أنتجوا شعرا بالفرنسية قبل الأربعينات إلا نادرا. إن هناك من بدأ قبل ذلك يكتب القصة والمقالة بها، ولكن الشعر كان آخر المحاولات. ولعل ذلك راجع إلى سيطرة التفكير العربي على العقل الجزائري، ذلك آن الشعر في أية لغة هو علامة على سيطرة تلك اللغة على عقل المتكلمين بها واندماجهم فيها. ونعتقد أن بعض المحاولات قد بدأت بين الحربين، بل في آخر القرن الماضي (١)، ولكنها لم تصل إلى درجة الإبداع بالفرنسية كما حدث بالنسبة للقصة والرواية. وكان هناك جزائريون معجبين ببعض الشعراء الفرنسيين، الأحياء والأموات، يقرأون لهم ويقلدونهم.
أما شعراء العربية فمن الممكن أن ننفي تأثير الشعر الفرنسي عليهم، رغم أن هناك إشارات تفيد أن بعضهم ربما قد تأثر بعض التأثر. لقد ترجم أحمد رضا حوحو، وهو في الحجاز، بعض أشعار فيكتور هيغو، وحوحو لم يكن شاعرا، ولا نعلم أنه نظم حتى شعرا تقليديا. وكان قد تخرج من مدرسة فرنسية في سكيكدة (الجزائر) قبل هجرته إلى الحجاز سنة ١٩٣٥ (٢). وكان الطاهر البوشوشي شاعرا بالعربية ويحذق الفرنسية، ولا ندري إن كان قد ترجم من هذه اللغة إلى العربية، أو نظم بالفرنسية أيضا، ولكن شعره العربي على قلته، عليه مسحة التأثر بالشعر الفرنسي. وقد قام إسماعيل العربي بترجمة بعض القصائد الفرنسية إلى العربية في الأربعينات، ولكنه لم يكن شاعرا أيضا. كما أننا لا نعلم مدى تأثر شعراء الوقت بهذه القطع المترجمة. والمعروف أن كبار شعراء العربية مثل عاشور الخنقي والديسي ومحمد العيد
стр. 3697
ومفدي زكري وأحمد سحنون لم يكونوا يعرفون الفرنسية، وكذلك شعراء البربرية أمثال إسماعيل أزيكيو ومحمد بن محمد (محند أو محند). فهل بعد ذلك يمكن الحديث عن تأثر الشعر الجزائري بالشعراء الفرنسيين؟ ولا حديث بعد ذلك عن شعراء الزجل في البوادي والمناطق النائية.
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المدخل أن بعض الشعراء لا نعرف من إنتاجهم شيئا الآن، وإنما أخبر الرواة عنهم أن لهم شعرا جيدا (١)، وأحيانا قالوا إن لهم دواوين في أيدي الناس، أو نحو ذلك من التعابير. وقد وقع للشعر ما وقع للنثر والمخطوطات، بعضه ضيعه أهله بالإهمال واليأس والتشرد، وبعضه ضاع منهم بالتلف والسرقة وعدم اهتمام الورثة، وكان الافتقار إلى الطبع والعجز المالي وعدم. المعرفة بأهمية الطباعة، كل ذلك ساهم في ضياع هذا الشعر. ولعل بعضهم كان يعتقد أن شعره لا يستحق الخلود بالتدوين والنشر. وكثيرا ما (تاب) الشعراء في آخر أعمارهم ورأوا أن أول علامات التوبة هو حرق شعرهم غير الديني. فكان الشعر ضحية كل هذه العوامل. ولذلك فإننا نستغرب من بقاء ما بقي منه أمام هذه الظروف، كما أننا سنجد صعوبة في الحكم على الشاعر من قصيدة أو مجموعة من بعض القطع. فنحن هنا لا ندرس دوادين ولكن قصائد ومقطوعات قاومت عوامل الفناء بنقل بعضهم أبياتا منها في مخطوطة له، أو نشر قصيدة للشاعر في إحدى الجرائد أو الكتب، وهكذا.
ولنضرب على ذلك مثالا، يقول محمد بيرم بعد زيارته لضريح الشيخ الثعالبي في العاصمة ولقائه مع خادم هذا الضريح، وهو علي بن الحاج موسى: وله (أشعار جيدة) (٢). أولا ما هي هذه الأشعار؟ وثانيا أين هي؟ ومن المتواتر، ثم من مصادر أخرى نعلم أن ابن الحاج موسى. كان من
стр. 3698
الشعراء خلال القرن الماضي، وأنه بعد خدمة القضاء مال إلى الزهد والعبادة والتأليف. ولكن هذا لا يجعل منه شاعرا مجيدا إلا إذا اطلعنا على شعره وموضوعاته لنعرف مكانته وقيمته. وهذا غير ممكن في الوقت الحاضر. والأمثلة على ذلك عديدة. فعندما يقول لك أحد المؤلفين ان لفلان ديوانا، تميل إلى تصديقه، ولكنك تحتاج إلى دليل.
وإضافة إلى ذلك فإننا سنتحدث عن الشعر وليس عن الشعراء إلا قليلا. وللتوضيح نقول ان كثيرا من المتأدبين والمتعلمين لهم أشعار وقطع في موضوع أو أكثر، وليسوا بالضرورة شعراء بالمعنى الخاص للكلمة. ولو قصرنا حديثنا على الشعراء المحترفين لما وجدناهم بسهولة ولكان عددهم ربما على الأصابع فقط. بينما هناك شعر وفير أنتجه فقهاء وقضاة وأيمة وأبطال وزهاد ومربون وصحفيون. وهذا الشعر هو موضوعنا هنا. وإذا وجدنا الدواوين والمجموعات فسنتناولها بالطبع ولكننا لن نتوقف عندها. وإذا وجدنا شعراء محترفين، فسنترجم لهم أو لبعضهم مبتهجين.
ولقد هاجر الشعر مع المهاجرين أيضا. ففي المغرب والمشرق حط الشعر رحاله مع قوافل العلماء والزهاد الذين فضلوا العيش بعيدا عن الاحتلال الأجنبي لبلادهم، أو نفاهم هذا الاحتلال نفسه من بلادهم. فقد انتقل شعر الأمير عبد القادر معه إلى سجون فرنسا ثم إلى قصور بروسة ودمشق، ولولا ما جمعه له ابنه محمد، وما ترجمه له الضابط دوماس، لضاع شعره كما ضاع شعر غيره. وأنتج أبناء الأمير وإخوته وأبناء عمومته أشعارا لم نسمع إلا ببعضها. ولأبي حامد المشرفي ديوان مخطوط في المغرب يضم أمداحه ومشاعره، ولمحفوظ الدلسي (تونس) وصالح السمعوني (سورية) والكبابطي (مصر)، أشعار تختلف في الجودة ولكنها غائبة في الهجرة. ولأبناء وأحفاد وإخوان هؤلاء دواوينهم وقصائدهم. فهذا سليم الجزائري له شعر وقد نظم النشيد القومي العربي ضد الأتراك. وكان من فتيان العرب الذين قتلهم جمال باشا سنة ١٩١٦ بدعوى التآمر ضد تركيا.
стр. 3699
الدواوين والمجاميع
نذكر هنا الدواوين المطبوعة والمخطوطة التي علمنا بها أو اطلعنا عليها. كما نذكر المجاميع بنفس الطريقة، وهي تلك التي تضم قصائد لشعراء عديدين. وسنلجأ إلى الترتيب الزمني كلما أمكن ذلك.
١ - ديوان الأمير عبد القادر المسمى (نزهة الخاطر في قريض الأمير عبد القادر). وربما كان هذا الديوان أقدم الدواوين التي طبعت. ورغم أنه طبع في مصر بدون تاريخ، فالغالب أنه طبع قريبا من تاريخ طبع (تحفة الزائر) الذي ظهر في مصر أيضا، سنة ١٩٠٣. وكان ابنه محمد (الأمير محمد باشا) هو المسؤول على جمع نزهة الخاطر وطبعا، بعد وفاة والده بربع قرن. ولعل الديوان كان مجموعا في حياة الأمير. ولكن ما ظهر منه لا يضم كل ما قاله الأمير من شعر. فهناك قصائد وقطع معروفة له، وهي غير موجودة في الديوان، فهل هذا راجع إلى اختيار ابنه محمد أو عدم تمكنه من جمع القصائد كلها؟.
وكانت قصاند من شعر الأمير قد ظهرت في بعض مؤلفات الضابط دوماس الفرنسي، سيما كتابه عن (الخيول الصحراوية). وفي بعض كتب دوماس الأخرى ظهرت نماذج أيضا مثل (المرأة العربية). وكان هذا الضابط على صلة بالأمير أثناء سجنه فرنسا، وكان يتقن العربية. وكان الأمير قد كتب فصلا عن الخيول في الجزائر وقدمه مع قصيدته عن البداوة والحضارة إلى هذا الضابط (١).
وقد ذكرت له بعض المصادر الفرنسية الأخرى قصائد في أغراض شتى. منها قصيدة نشرت في النص الفرنسي ولم يذكر نصها العربي، وهي تعبر عن شوقه لإخوته. فكان يحن إليهم بعد فراقهم في المعارك والغزوات. وقد ترجمها المستشرق برينييه ونشرت في (مجلة الشرق). وقد بدأها بأوصاف تناسب كل واحد من إخوته فى نفسه، مثل: يا سويداء قلبى، وروح
стр. 3700
جسمي، وربيع قلبي، وذراعي الأيمن. وحاول المحلل للقصيدة أن ينسب كل وصف من هذه الأوصاف إلى أحد الأخوة. ويبدو أن الفرنسيين قد عثروا على القصيدة إما في حادثة الزمالة وإما باحتجاز بريد الأمير. ذلك أن المترجم وجد على النسخة ملاحظة يبدو أن الأمير قد أملاها على كاتبه وهي: اكتب هذا الشعر (القصيدة؟) على ظهر الرسالة الموجهة إلى محمد السعيد أو إلى مصطفى، واحتفظ بالنسخة الأصلية عندك، وإذا وجدت أخطاء فصححها، وعسى الله أن يوفقنا جميعا بجاه سيدنا محمد وآله وصحبه (١). وهذه القصيدة تقع في حوالي ٢٠ بيتا. وقد ذكرت مجلة الشرق أن الأمير بدأ قرض الشعر وعمره خمسة عشر عاما. وأنه كان معجبا بثورة التجاني ضد حكم الأتراك في معسكر (١٨١٤) وأنه أشاد بالتجاني واعتبره شهيدا. ولكن هذه القصيدة لا تعبر عن ذلك.
وقد نسبت إليه مجلة الشرق أيضا قصيدة قالها في الزلزال الذي أصاب وهران، والذي أجبر الأسبان على مغادرتها (؟). ولكنها لم تورد أيضا نص هذه القصيدة (٢).
وقصيدة (يوم البين) التي قالها الأمير سنة ١٨٤٧ وقع خلاف حولها بين كاتبين فرنسيين. قال (اوغست شيربونو) إن الأمير قالها في امرأة فرنسية، ولكن عائلة ابن رحال (من ندرومة) كانت تحتفظ بنص القصيدة وتعرف مناسبتها. لأن حمزة بن رحال كان قاضيا في عهد الأمير ثم أصبح آغا لدى الفرنسيين. وكان يعرف أن قصيدة (يوم البين) قالها الأمير في توديع الوفد الذي أرسله إلى السلطان عبد الرحمن بن هشام، برئاسة محمد البوحميدي
стр. 3701
صديق الأمير وخليفته على تلمسان. وكان ذلك في شهر نوفمبر ١٨٤٧ عندما انغلقت كل السبل أمام الأمير وأصبح محاصرا بالجيش الفرنسي والجيش المغربي. فالقصيدة كانت في وداع الوفد والفراق. وكأن الأمير يقرأ الغيب، لأن البوحميدي لم يرجع إليه، فقد توفي في فاس في ظروف غامضة. ومات كذلك عضد الأمير الآخر، وهو محمد بن عيسى البركاني في تازة (المغرب)، وهكذا بقي الأمير وحيدا، تقريبا. وقد حصل المستعرب ف. باتورني على نص القصيدة ونشرها مع بعض الملاحظات (١).
وللأمير أشعار متفرقة ضمها مجموع مخطوط كان في حوزة محمد الشاذلي في قسنطينة وانتقل منه إلى مكتبة الشيخ المولود بن الموهوب. وفي تحفة الزائر نماذج أخرى من شعره، كما أن ابنه ذكر له في (نخبة عقد الأجياد) قصيدة البدو والحضر، وكذلك في كتاب (المواقف) أشعار أخرى له. ولا شك أن في مراسلات الأمير أثناء المقاومة وبعدها أشعارا أخرى. ولو جمع كل ذلك لجاء في ديوان كبير، وشمل مختلف الأغراض التي طرقها الأمير.
أما ديوانه المتداول فقد احتوى كما قلنا على بعض شعره (٢). ومهما كان الأمر فقد رتبه ابنه على عدة أغراض. وإذا صح أن الأمير بدأ نظم الشعر مبكرا (١٥ سنة) وأنه نظم في الزلزال والثورة التجانية، فمن الممكن أن نزعم
стр. 3702
أنه كان أيضا شاعر الطبيعة والوصف. فقد ارتحل للحج وشاهد آثار الشرق والإسلام، فهل سجل ذلك في ديوانه؟ ثم إنه كان يمارس رياضة الصيد والفروسية قبل الاحتلال. ونظن أنه نظم حول ذلك أيضا. ورغم أنه تزوج مبكرا، فإن حياة الشباب والغزل ربما لم تمر بدون نفحات خيالية وأشواق ملتهبة. إن ما في الديوان لا يجيب على هذه الأسئلة ولا يسجل هذه المرحلة، وربما تصرف ابنه بما ظن أنه يناسب مقام أبيه وشهرته كرجل دين ودولة وموضع احترام العالم. ولكنه قد حرم بذلك الشعر والباحثين من جانب هام في حياته، إذا صح أنه تصرف كما قلا.
وثقافة الأمير تقليدية، فهي ثقافة الزاوية والمسجد، والدراسة والمشاهدات. درس في القيطنة ووهران، وتتلمذ على شيوخ الوقت ومنهم والده شيخ الطريقة القادرية. ولكن الأمير عاش تجربتين الأولى رحلته إلى المشرق التي أضافت إلى رصيده العلمي أشياء كثيرة، مثل معرفة المذاهب في الحجاز والإصلاح في مصر. والتجربة الثانية هي الاحتلال الفرنسي ومقاومته مع ما يلزم ذلك من معرفة ما عند العدو من وسائل التقدم والتفوق، كالأسلحة والألبسة والتدريب العسكري والانضباط، ثم الصحف والمطابع والمعاهدات والمعاملات. فهل دخل ذلك في شعر الأمير أو تأثر به؟ إن الجواب على ذلك صعب، لأننا لا نملك كل شعره من جهة ولأننا لا نعرف تواريخ هذا الشعر. فإذا استطعنا ذات يوم أن نعرف ما نظمه قبل التجارب التي ذكرنا وما نظمه بعدها استطعنا أن نميز الفرق، إن كان.
أما الأغراض فمعظمها تقليدية، فالفخر والحنين والغزل والوصف والفروسية والمدح، كلها أغراض معروفة في الشعر العربي. ولكن هناك مسحة جديدة في هذا الشعر وهي ارتباطه بوقائع معلومة مع حرارة العاطفة عند صاحبه وصدقه. فهو صادق الفخر إذا افتخر، وهو صادق الفروسية إذا تباهى بها. والجديد أيضا هو أن هذا النوع من الشعر كان غائبا قبل ١٨٣٠ منذ مدة طويلة. فالشعراء قد يتحدثون عن معارك الجهاد ضد الأجانب، ولكنهم لم يكونا هم الفرسان. فالأمير كان هو الشاعر والفارس والمجاهد
стр. 3703
معا. كما كان رجل دولة ودين.
٢ - ديوان عاشور الخنقي: ظهر هذا الديوان سنة ١٩١٤. وهو في الواقع منظوم في نهاية القرن الماضي. ولكن الشاعر جمع ما تفرق من شعره سنة ١٩١٣ وطبعه بعد ذلك (١). وعنوان هذا الديوان هو (منار الإشراف). وقد رتبه بنفسه على النحو التالي:
أولا: خطبة الديوان وفيها حوالي ٥٢ صفحة.
ثانيا: القصيدة الكبرى المسماة (حسن الأمل في فضل الشرف المجرد عن العمل).
ثالثا: القصيدة الصغرى التي اختصرها من الكبرى وسماها (كشف الخفاء عن فضل عصاة الشرفاء ومواليهم من الطرفاء).
رابعا: القصيدة الوسطى التي خمس بها الصغرى وسماها (أعجوبة الأطراف بفضل عصاة الأشراف ومواليهم من الأطراف).
خامسا: القصيدة المسماة صغرى الصغرى، وعنوانها (غاية الإنصاف فضل عصاة الأشراف ومواليهم من الأطراف).
سادسا: رسالة نثرية سجعية، وهي بالطبع ليست من الشعر، ولكنها جزء من ترتيب الديوان.
سابعا: الخاتمة التي ضمت قصيدتين، الأولى سماها (ترقيص أطفال الكتاب)، وهي في هجاء الشيخ صالح بن مهنة، والثانية سماها (غاية الرقى في مدح الشيخ أبي التقى) دفين بالبرج.
فأنت ترى أن الديوان كله تقريبا عن الأشراف والدفاع عنهم ومهاجمة من يتعرض لهم، وقد بالغ في ذلك حتى اعتبر العصاة منهم مغفورا لهم من
стр. 3704
عند الله، بل جعلهم في مقامات فوق البشرية. وذلك ما جلب إليه النقمة من البعض واعتبر هو ذلك حسدا منهم له. ودخل معهم في مهاترات ماكان أغنى الجزائر عنها لو كانوا من العاقلين. وسنذكر ما حصل له من تقلبات ومحن نتيجة ذلك.
ونفهم من الترتيب والتقسيم السابق للديوان أنه لا يضم سوى قصيدتين خارج القسم الخاص بالأشراف. والواقع أن القصيدتين أيضا داخلتان في موضوع الشرف، فالأولى في مهاجمة ابن مهنة، دفاعا عنهم. والثانية في مدح شيخ يعتبره الشاعر أيضا من أهل الشرف. وليس ذلك كل شيء. ففي الديوان قصائد أخرى يبدو أنه أضافها إليه، وهي غير داخلة في الترتيب المذكور، ومنها: قصيدة في مدح القاضي عبد القادر بن زريق الذي احتضنه ووسع عليه عندما جفاه الناس في قسنطينة. وقصيدة في ملح وشكر الشيخ محمد السعيد بن زكري مفتي ومدرس العاصمة على تدخله لإطلاق سراحه بعد سبعة عشر عاما من السجن. وكان ابن زكرى يقول إنه من أشراف زواوة، فتكون القصيدة أيضا في موضوع الشرف.
ونلاحظ أن كل قصائد الديوان نظمت قبل ١٨٩٦ إلا قصيدة أبي التقى فهي سنة ١٩٠٩. وكان الشيخ عاشور قد ضاق به الحال، فاستنجد بالأحياء والأموات، وكان أبو التقى من الصالحين الذين استنجد بهم. أما مدح ابن زكري فنحن نعلم بالقرينة أنه بعد ١٩٠٩ ولعله سنة ١٩١١، حين أطلق سراحه. ولكن ليس ذلك هو كل شعر عاشور الخنقي.
فقد كان كثير الإنتاج واسع الاطلاع قوي الحافظة، وقد أورد في كتابه (منار الإشراف) أن له أشعارا أخرى بل ديوانا آخر. ولكن أين ذلك الآن؟ إن له ديوانا في ذم الشيخ عبد القادر المجاوي سماه (الديوان الباوي في هجو المجاوي) (١). وقد ذكر بعضهم أنه يقع في أكثر من ألف بيت. ولا نعلم سبب الخصومة بين الرجلين، ولكن المعروف أن المجاوي قد حل بقسنطينة
стр. 3705
حوالي ١٨٧٢ في الوقت الذي حل بها عاشور تقريبا. وأخذ المجاوي يدرس للطلبة في أحد المساجد، كما كان يفعل عاشور، ثم إن الفرنسيين عينوا المجاوي مدرسا في المدرسة الكتانية الرسمية التي كان مديرها محمد الشاذلي، ولم يعينوا عاشور. فهل هي الغيرة والحسد فقط؟ إن من مآخذ عاشور على المجاوي أن مجلس درسه كان محل السوق. ومع ذلك نجح المجاوي في تدريسه بقسنطينة وأخفق عاشور حين قاطعه الناس، كما ذكر هو. والجدير بالذكر أن محمد الشاذلي، مدير الكتانية خلال السبعينات كان أيضا من البوازيد الهلاليين، وهم قبيل عاشور، كما سنرى، وقبيل شيخه محمد بن بلقاسم الهاملي.
والديوان الثالث لعاشور الخنقي هو ما نظمه في هذا الشيخ، نعني محمد بن بلقاسم (البوزيدي) الهاملي. وقد سماه (ديوان مديح يشفى غلة القلب القريح) وقال إنه يشتمل على عدة قصائد كلها جمانات وجواهر وفرائد. وفيه القصائد الطوال. ومن هذه القصائد (الرحلة البدرية)، و (بانت سعاد) وأرجوزة سماها (غنية القلوب) وقصيدة (الشافية) وأخرى سماها (الصفاتية في أجوبة الإنكارات السماتية) و (سيوف الأصحاب على رقاب الأحزاب) و (المنفرجة الهاملية). وغيرها من القصائد الطوال والقصار، وقال إنها متفرقة في الأقطار أيدي سبإ. وقد وعد بأنه سيجمعها ويطبعها عن قريب. ولكن لم تظهر في كتاب وظلت في خزائن الخاصة، ولعلها في خزائن الزاوية الهاملية. ومنها ما يبلغ ٦٠٠ بيت.
وهكذا، فنحن أمام شعر غزير، قد يكون ثلاثة دواوين على الأقل، إذا اقتصرنا على ما ذكره هو وما نظمه قبل سجنه، بل إلى حوالي ١٩١٣. ولكن الشعر الذي لم يذكره ربما كثير أيضا، ونعقد أنه استمر في قرض الشعر بعد ١٩١٤، وكان قد دخل مرحلة أخرى في الدفاع عن الأشراف والصالحين حين هاجم الشيخ الطيب العقبي أيضا خلال العشرينات لأن العقبي تعرض لرجال الطرق الصوفية، وفهم عاشور وبعض الناس أنه كان ضد آل البيت وأهل الله.
стр. 3706
كانت العلاقة وطيدة بين الشيخ القاسمي وعاشور. وقد كشف عاشور عن عدة جوانب منها، من ذلك أن الشيخ القاسمي هو الذي وظف عاشور في زاويته لتدريس العروض والمنطق. وكان عاشور قد قرأ الأوزان في نفطة على الشيخ المدني بن عزوز وأجازه فيها. وجاء عاشور إلى الزاوية الهاملية بزوجته (باية) وأقام بها هناك إلى أن توفيت، وقال إنها كانت تقرأ القرآن. وخصص له الشيخ راتبا بمائة فرنك من أحباس الزاوية فأغناه عن الناس، وكانت بينهما رابطة خاصة حتى أن الشيخ كان مستعدا للتنازل له على إحدى زوجاته - بعد العدة - لو لم يكن الشيخ عاشور متزوجا. هذا جانب، والجانب الآخر أن الشيخ القاسمي هو الذي قال لعاشور إنه عنده بمنزلة حسان بن ثابت، وكان يسميه (شاعري). وذكر عاشور أن الشيخ كان يطرب لشعره ويتواجد حتى يخرج عن أحواله الظاهرة. وهذا قد يدل على تذوق الشيخ للشعر وعلى طغيان النازع الصوفي عليه، رغم أن شعر عاشور ليس صوفيا كله ولا روحيا عميقا، وإنما هو شعر يمتاز بالجزالة والتدفق. والشيخ القاسمي هو الذي شجع عاشور على خوض معركة الدفاع عن الأشراف، وكان، كما يقول عاشور، مثله من البوازيد، رغم أن الذين ترجموا للشيخ القاسمي لم يهتموا بذلك (١). وعندما قرأ الشيخ القاسمي قصائد عاشور الكبرى والوسطى والصغرى قال: (أحيا الشرف في هذا الزمن المظلم، الله يحييه!).
والغريب أن الشيخ القاسمي إذا كان هو الذي شجع عاشور على التصدي لمن هاجموا الأشراف كما فهموا، مثل الشيخ محمد الصالح بن مهنة، فإنه لم ينقذه مما وقع له رغم مكانته عند الفرنسيين وعند الرأي العام. ويقول عاشور بصراحة إن الذي حمله على نظم منار الإشراف هو محمد بن أبي القاسم، وذلك عند ظهور دعوة ابن مهنة (حتى لا يقتدي به ضعفاء العقول)، ونفهم أن عاشور بقي سجينا أو تحت الإقامة الجبرية سبعة عشر عاما وبضعة أشهر، قبل سنة ١٩١١، فيكون قد سجن حوالي ٦ ١٨٩. ونحن
стр. 3707
نعلم أن الشيخ محمد بن بلقاسم قد توفي سنة ١٨٩٧. وربما كان ذلك من سوء حظ عاشور، لأن الذين تولوا شؤون الزاوية بعد الشيخ لم يعترفوا له بما كان الشيخ يرتبه له، وربما لم يتذوقوا شعره كما كان يفعل الشيخ، وربما شعروا بالراحة والتخلص منه، سيما وأن من خصومه أيضا الشيخ محمد بن عبد الرحمن الديسي. وهو صاحب كلمة في الزاوية، وكان عالما قوي المعرفة وشاعرا بارزا أيضا، كما سنرى.
وأثناء سجنه الطويل عبثت الأيدي بشعر عاشور، وخشي عليه من الضياع والتحريف. وقد قال إنه كان ينوي جمعه وطبعه بين ١٨٩٥ - ١٨٩٦، ولكن ما حدث له أخره عن إنجاز رغبته. وتوجه الشك لخصومه الذين سماهم (عوج الأيدي وهوج الأصابع) ظانا بهم ظن السوء. وكان بالطبع يعني ابن مهنة وأنصاره، فقد اتهمهم بالزيادة والنقصان في شعره، ولذلك وجد شعره، بعد خروجه من السجن مشوها في عدة نسخ. فأخذ (يرقعه) - كما قال، فجمع القصائد المتفرقة (على أنني غير مكترث في ترقيعه بما وافق الأصل الفاسد أو خالفه، بموجب التباسه علي بكثرة المخالفة، ومطاولة الأجل المهول على العهد الأول). ونفهم من ذلك أنه وجد صعوبة في الحصول على الأصل أو في جعل المطبوع قريبا من الأصل. ومع ذلك أقدم على جمعه وطبعه إنقاذا له، وقد طلب من كل من لديه نسخة غير المطبوعة ألا يعتمد عليها (١).
ورغم أن المنار قد احتوى على قصيدة في مدح البوازيد، فإن هناك قصيدة أخرى له فيهم غير مذكورة في المنار، وهي القصيدة الدالية التي افتخر فيها أنه منهم وأن آل المقراني، وآل عثمان من البوازيد أيضا، وهي التي سماها (العقد الفريد في فضائل البوازيد)، وأولها:
стр. 3708
أبرق على وادي جدي ن يصعد ... فبشر أن الحي بالري مسعد
وسنذكر منها أبياتا في فقرة الفخر. ولكننا لم نعثر على أشعار أخرى له غير ما ذكره هو في ديوانه المطبوع أو ما قال إنه نظمه في الشيخين محمد بن بلقاسم الهاملي وعبد القادر المجاوي. ومهما كان الغرض الذي نظم فيه الشيخ عاشور فإن شاعريته تظل عندئذ بدون تحد، ولغته كانت حقا متينة، ولم يكن أحد من الأدباء قادرا، على مجاراته في الميدان. ولعل ما وقع له في قسنطينة لم يكن كله حسدا شخصيا، بل قد يكون وراءه أغراض أخرى. فالرجل قد هاجر في طلب العلم إلى نفطة وتغرب، ولكنه نال ما تمنى. ولم يكن المجاوي من المهاجرين في طلب العلم، ولكن والده هو الذي أنجبه في المغرب ورباه وعلمه في القرويين. وكان وراء المجاوي مصاهرة عائلة الأمير عبد القادر ولم يكن ذلك متوفرا لعاشور. وكان عاشور فيما يبدو هجاء سليط اللسان ومعتدا بشعره ونبوغه، ولم يكن المجاوي ولا ابن مهنة من الشعراء (١).
وقد حملت مسألة الشرف عاشور إلى مدح السلطان عبد الحميد الثاني ونقيب الأشراف في الدولة العثمانية أبي الهدى الصيادي. ونوه عاشور بالصيادي وشرفه وبكتابه (ضوء الشمس)، وجعل نسب البوازيد وبني عثمان واحدا. كل ذلك في وقت كانت السلطة الفرنسية فيه تراجع سياستها الإسلامية وتصد تيار الجامعة الإسلامية القادم، حسب الفرنسيين، مع عملاء الدولة العثمانية. ويبدو لنا أن سجن الشيخ عاشور وإبعاده عن مسرح الأحداث لم يكن كما فهمه هو من فعل ابن مهنة وأنصاره، ولكنه من فعل المخابرات الفرنسية، ومن فعل إدارة الشؤون الأهلية التي كانت ترى في لسانه وشعره وعلاقاته خطرا على سياستها في الجزائر. وتلفيق التهم التي أشار إليها عاشور كان أمرا هينا على أمثال دومينيك لوسيانى وجان
стр. 3709
ميرانت عندئذ (١). انظر إلى عاشور كيف فهم القضية: (استعجلني على ذلك (أي طبع الكتاب) مصيبة النفي والتغريب، واسترهقتني عليه مشيئة السجن والتعذيب، مدة سبعة عشر عاما، أو تزيد أشهرا وأياما، بموجب هذا المجموع الشريف ... بإغراء ذلك الدجال الضال (ابن مهنة؟) وأشياعه على ذلك الضلال، ولاة الأمر اليوم من أهل دولة الفرنسيس، بما افتروه علي وأضافوه إلي من أراجيف التدليس، على وجه التخليط والتلبيس) (٢). فالاتهام هنا موجه إلى خصومه الجزائريين الذين أغروا به السلطة الفرنسية ولبسوا له التهم فسجنته، وهذا فهم ساذج في نظرنا.
وإلى جانب كونه قد مدح السلطان العثماني ونقيب الأشراف في اسطانبول، كان عاشور رحمانيا (خلوتيا)، ومن تلاميذ الشيخ محمد بن أمزيان الحداد زعيم ثورة ١٨٧١. وهذا وحده كاف لقمع شاعر كعاشور وقطع لسانه إذا أمكن. وقد روى عاشور كيف أخذ الطريقة على الشيخ الحداد في سجن قسنطينة (توفي الشيخ الحداد في سجنه). ونعته بالقطب والأستاذ، وحاول تبرئته من الضلوع في الثورة خدمة لأنصاره، ربما (اتهم الأستاذ القطب بتلك الثورة، فأتي به فيها إلى تلك الحضرة (قسنطينة)، وعلى الحقيقة هو منها برئ سليم ... حسبما أخبر بذلك المؤلف (عاشور) بمشافهته السنية، من قصة تقتضي الإطالة) (٣). ويسمى عاشور عام
стр. 3710
١٨٧١ عام (الثورة المقرانية على الدولة الفرنساوية). وأخبر عاشور أن له جلسات ومحاضرات، مع الشيخ الحداد وأنه ذاكره عدة مرات، وذهب إلى أن الشيخ الحداد كان يوصي أتباعه باغتنام فرصة الطريقة الرحمانية لأنها منتقلة إلى أشراف الهامل. وكان الحداد، كما قال عاشور، ينوه بالشيخ محمد بن بلقاسم. غير أننا نعرف من المصادر الفرنسية (لويس رين) أن وصية الحداد بالخلافة كانت لابن الحملاوي وليس للشيخ الهاملي ولا الشيخ البوجليلي (١).
وهناك ناحية أخرى كانت تغضب الفرنسيين على الشيخ عاشور، وهي أنه درس في نفطة عدة سنوات. وكانت الزاوية العزوزية بنفطة عدوة لفرنسا، وهي أيضا رحمانية. وكانت خلال دراسته، تأوي ثوار الجنوب من محمد بن عبد الله إلى ناصر بن شهرة، إلى المقرانيين في أول السبعينات. ولعل للإدارة الفرنسية شبهات أخرى ضد عاشور لا نعلمها الآن. وقد اغتنمت الإدارة فرصة المهاترات التي وقعت بينه وبين بعض المعاصرين، وسجنته وغربته مدة طويلة. ونحن نفهم أن يكون السجن لمدة قصيرة (تأديبا) له وإرضاء للشاكين معه، ولكن كيف يظل سجينا أو تحت الإقامة الجبرية في إحدى القرى طيلة سبعة عشر عاما وشهورا! من أجل ماذا؟ هل يصدق عاقل أن فرنسا تفعل ذلك به غيرة على الأشراف؟ وماذا عساها تستفيد هي من ذلك؟ ان ذلك هو ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن وراء سجنه أو بالأحرى قطع لسانه تهمة سياسية، ولكننا لا نعلم الآن حيثياتها بالضبط، وهو نفسه لم يكن ربما يعلمها لأنه لم يتهم بها بصراحة. وها هو يصف السجن: (وبينما أنا على تلك الشجون (التنقل بين القرى والبادية لتغيير المنكر والتدريس - كما قال)، إذ حملت إلى مختلف السجون ... بعضها ظلمات فوق بعض، مع أجلاف، أو منفردا مع الفئران) (٢). ولم يسلم ابن مهنة أيضا من (التأديب) الرسمي إظهارا (العظمة الدولة الفرنسية)، كما قالت جريدة (الأخبار) شبه الرسمية. فقد أوقفوه أيضا عن الإقامة، واحتجزوا كتبه وأوراقه لانتقاده
стр. 3711
الحكومة وتعرضه لرجال الدين (١).
بالإضافة إلى سوء التفاهم الذي وقع بين عاشور وبعض مشاهير العلماء في قسنطينة، مثل المجاوي وابن مهنة، عارضه الشيخ محمد بن عبد الرحمن الديسي أيضا. وكان ذلك فيما يبدو، بعد نشر (ديوان المنار). وكان الديسي، كما ذكرنا، أحد مدرسي زاوية الهامل. وكان فاقد البصر. فألف كتابا أو رسالة سماها (هدم المنار)، وهو يقصد بذلك (منار الإشراف) لعاشور. وقد هاجمه واعتبره، كما قيل، شيطانا في صورة إنسان، واتهمه بتأليه الأشراف تقربا من أعيانهم من أجل المال (٢). وقد أشار عمر بن قينة إلى أن للعقبي أيضا رأيا في الشيخ عاشور، أو بالأحرى خلافا معه (٣).
وأغراض الشعر عند عاشور الخنقي غير جديدة. فالمدح بالشرف أو غيره، والفخر والهجاء كلها أغراض قديمة عرفها الشعر العربي وجال فيها الشعراء. ولكن هل ذلك كل ما أنتج عاشور؟ ان شاعرا يتمتع بموهبة كبيرة في الأدب واللغة، وعاش في الشرق الجزائري ونفطة في فترة ثورات وانتفاضات، وفترة ضنك للشاعر والشعب، ثم احتلال تونس، والانقلاب العثماني، ونحو ذلك من الأحداث - هذا الشاعر لا يمكن أن يكرس كل شعره في الأمداح لأهل الشرف والتصوف، وبعض الهجاء والفخر. وماذا عن سجنه الطويل، وعن حرمانه ووفاة زوجه وأقاربه؟ ومن الملفت للنظر أنه رغم تقديره القوى لبعض شيوخه في العلم والتصوف، مثل مصطفى بن عزوز
стр. 3712
ومحمد الحداد، لم يذكر أنه نظم في رثائهما أو مدحهما، ونحن نعلم من سيرته أنه حضر وفاة كليهما.
كان عاشور مفتخرا بنفسه إلى حد الغرور، على طريقة المتنبي، أليس هو القائل:
أنا الشاعر الفحل الغيور، ولا وجل ... على جانب الله، ما دام لي أجل
وفي المدح للسلطان عبد الحميد وأبي الهدى الصيادي والبوازيد، قال عاشور، مبتدئا بالصيادي:
شيخ الشريعة والطريقة والحجا ... صدر النقابة في بني الزهرا الخير
في حضرة الآستانة الغراء من ... أعضاء سلطان السلاطين الأخر
مولى الورى (عبد الحميد) حميد ما ... شملتمه سلطنة البرايا من سير
أهل الخلافة كابرا عن كابر ... عن كابر عن كابر عن ذي كبر
من آل عثمان الذي جمع الخلا ... فة في الورى فيما تجاهر واستتر
ولقد بدا أن السلاطين العلا ... من آل عثمان (بوازيد) غرر
وبه تقاسمت البوازيد الخلافة ... هؤلاء ولاتها فيما استتر
وأولئك الأملاك جهرا أهلها ... فالكون طرا للبوازيد العبر
(عاشور) مولاهم ومولى القوم منـ ... ـهم قال جدهم الرسول ولا فخر
لي في البوازيد العلا لا سيما ... أستاذنا، ديوان مدح كالدرر (١)
وقد هجا عاشور معاصره ابن مهنة، وكان إماما وخطيبا في أحد مساجد قسنطينة، وله تآليف سندرس بعضها. وكان قد نشر رحلة الورتلاني وجعل عليها تعاليق، أثارت الزوبعة التي نظم فيها عاشور جل (منار الإشراف). ولا نريد أن نذكر نماذج من هذا الهجاء، وإنما نذكر أن عاشور قد جعل عنوان إحدى قصائده فيه (ترقيص الأطفال)، متهما ابن مهنة
стр. 3713
بالانحراف عن الدين واصفا إياه بالقرمطي واليزيدي والإساءة إلى العلم، ونحو ذلك.
وقد مدح قاضي القل، عبد القادر بن رزيق بأبيات يبدو فيها الصدق، لأنه أنقذه مما كان فيه من بؤس وفاقة، وعده أيضا من الأشراف الفاطميين ومن آل زين العابدين بن الحسين بن الإمام علي، ومدحه كذلك بالعدالة في القضاء والتفقه في الدين وبالمروءة والكرم:
بحر الندا والجود لما أصبحا ... غولا وعنقاء وبيض أنوق
وعلي من عليا نداه جلائل ... لا يستقل بشكرها منطوقي (١)
وله قصيدة مفردة في البوازيد - إضافة إلى ما قاله فيهم في القصيدة الكبرى - وسماها (العقد الفريد) كما عرفت. وهي غير منشورة لأسباب ربما سياسية، لأن البوازيد قد ثاروا ضد الفرنسيين، وهددوهم في الزيبان (ومن ثمة ذكره لواد جدي). وقد ردت السلطات الفرنسية عليهم بتشريدهم في النواحي، وحملت بعضهم إلى زواوة وأوطنتهم هناك. فهل قال عاشور قصيدته الفخرية بعد هذه الثورة (٢)؟.
أما الأغراض الأخرى في شعر عاشور، فلم نطلع عليها، كما لم نطلع على هجائه للمجاوي ولا مدحه لشيخ زاوية الهامل. ولعل أغراضه الأخرى في هؤلاء لا تخرج عما ذكرنا. لكن سكوته، إذا صح، بعد سجنه، يظل محيرا للباحثين.
٣ - ديوان أبي اليقظان (٣): وقد طبعه سنة ١٩٣١. وتحدثنا عن أبي اليقظان في فصل المؤسسات الثقافية - الصحافة، وكان أبو اليقظان واسع المعرفة المعاصرة، درس في ميزاب وتونس. وعاش في العاصمة، وأنشأ
стр. 3714
الصحف. وراسل علماء الوقت وسياسييه. وكان له علاقات خاصة بالشيخ سليمان الباروني، وقد ترجم له في جزئين وجاء بنصوص عديدة تدل على مكانته عنده ومكاتباته معه. أما شعره فيغلب عليه الطابع الاجتماعي، بالإضافة إلى الأغراض التقليدية. وهو أيضا تقليدي في صوره وتعابيره. وكان أبو اليقظان يمتح لا من جرابه الدراسي. ولكن روحه كانت إصلاحية، وأهدافه أخلاقية واجتماعية. ويعتبر ديوانه من الدواوين القليلة التي طبعت في الجزائر في الفترة التي نتحدث عنها. فقد رأينا ديوان الأمير طبع في المشرق، وديوان عاشور يعتبر ديوانا خاصا في موضوعه ولم يسمه صاحبه ديوانا. وإذا شئت فإن ديوان أبي اليقظان هو الأول من نوعه. وكان طبعه في ذلك الوقت يعد في نفسه مغامرة أدبية كبيرة.
٤ - ديوان المشرفي: بالإضافة إلى التاريخ والتراجم نظم أبو حامد المشرفي قصائد كثيرة معظمها في المدح، ولا سيما في سلطان المغرب، الحسن الأول، الذي كان ولي نعمته. ولكن في الديوان قصائد أيضا في أحوال الجزائر التي ولد وعاش فيها قبل هجرته إلى المغرب، وفي مدح رجال آخرين سواء من الأسرة العلوية أو قواد الجيش في المغرب - المخزن. وفي الديوان بعض الأراجيز، مثل التي نقلها عنه محمد بن الأعرج في الجزء الثالث من (زبدة التاريخ)، وهي أرجوزة تصف ما جرى بين الجزائريين والفرنسيين. وقد اعترف المشرفي أن ديوانه مجموعة من القصائد التي تقادم عهدها، وبذلك نعرف أنه جمع ديوانه في مرحلة متأخرة من حياته. وقد قال ان تسجيلها سيجددها ويخلدها، كما يخلد ذكر صاحبها. هكذا كان يظن عند تسجيلها. ولكن شعره لم يطبع، وقل من اطلع عليه ليجدد ذكرى صاحبه. وقد اطلعنا على نسخة منه فكانت في حجم كبير، وهي بخط الشاعر نفسه (١).
стр. 3715
وللمشرفي ديوان آخر في مدح السلطان الحسن الأول يوجد في المكتبة الملكية بالمغرب (١). ويغلب على الظن أنه هو المسمى (مشموم عرار النجد والغيطان). ومن الصعب أن نتحدث عن أغراض شعر المشرفي وقيمته الفنية ما دامت معلوماتنا عنه ناقصة. وكل ما نستطيع قوله الآن هو أنه شعر بلاط، وأنه يعكس ثقافة صاحبه في معسكر ثم في المغرب. وأن المشرفي قد يكون نظم أيضا في الوصف والتأملات والوصف، وربما الهجاء أيضا.
٥ - ديوان المكي بن عزوز: قيل إنه بلغ حوالي ثلاثة آلاف بيت، وانه مخطوط عند ورثته. والمكي بن عزوز عالم أكثر منه شاعر. ولقد اطلعنا له على قصائد متفرقة، معظمها في الأغراض التقليدية، ومنها الإخوانيات والمراثي والتصوف والزهد ونحوها. وهو من الشخصيات الكبيرة التي تتنازعها الجزائر وتونس، فأصوله وارتباطاته ومصاهراته وبعض ولده جزائرية، وهو بميلاده وتعلمه وارتباطاته الأخرى تونسي. وقد ترجم له السيد محمد محفوظ بما لا مزيد عنه. وجدير بشعر المكي بن عزوز أن يفرد بدراسة، فما بالك بنشاطه السياسي والإصلاحي والتربوي (٢)، وهو عالم متعدد جوانب المعرفة.
٦ - ديوان الديسي: وهو محمد بن عبد الرحمن، وقد اطلعنا على نسخة مخطوطة مصورة منه كانت لدى عمر بن قينة، وعنوان الديوان (منة الحنان). وهو في مجلد ضخم. وقال عبد الله ركيبي انه في جزئين. وشعر الديسي يمتاز بالطلاقة والصفاء، وأغراضه اجتماعية وإخوانية، مع مسحة دينية. وهو، كما سبق، من شيوخ زاوية الهامل، وكان محل تقدير علماء وقته يستجيزونه ويسألون أخباره (٣).