الحكومة وتعرضه لرجال الدين (١).
بالإضافة إلى سوء التفاهم الذي وقع بين عاشور وبعض مشاهير العلماء في قسنطينة، مثل المجاوي وابن مهنة، عارضه الشيخ محمد بن عبد الرحمن الديسي أيضا. وكان ذلك فيما يبدو، بعد نشر (ديوان المنار). وكان الديسي، كما ذكرنا، أحد مدرسي زاوية الهامل. وكان فاقد البصر. فألف كتابا أو رسالة سماها (هدم المنار)، وهو يقصد بذلك (منار الإشراف) لعاشور. وقد هاجمه واعتبره، كما قيل، شيطانا في صورة إنسان، واتهمه بتأليه الأشراف تقربا من أعيانهم من أجل المال (٢). وقد أشار عمر بن قينة إلى أن للعقبي أيضا رأيا في الشيخ عاشور، أو بالأحرى خلافا معه (٣).
وأغراض الشعر عند عاشور الخنقي غير جديدة. فالمدح بالشرف أو غيره، والفخر والهجاء كلها أغراض قديمة عرفها الشعر العربي وجال فيها الشعراء. ولكن هل ذلك كل ما أنتج عاشور؟ ان شاعرا يتمتع بموهبة كبيرة في الأدب واللغة، وعاش في الشرق الجزائري ونفطة في فترة ثورات وانتفاضات، وفترة ضنك للشاعر والشعب، ثم احتلال تونس، والانقلاب العثماني، ونحو ذلك من الأحداث - هذا الشاعر لا يمكن أن يكرس كل شعره في الأمداح لأهل الشرف والتصوف، وبعض الهجاء والفخر. وماذا عن سجنه الطويل، وعن حرمانه ووفاة زوجه وأقاربه؟ ومن الملفت للنظر أنه رغم تقديره القوى لبعض شيوخه في العلم والتصوف، مثل مصطفى بن عزوز
стр. 3712
ومحمد الحداد، لم يذكر أنه نظم في رثائهما أو مدحهما، ونحن نعلم من سيرته أنه حضر وفاة كليهما.
كان عاشور مفتخرا بنفسه إلى حد الغرور، على طريقة المتنبي، أليس هو القائل:
أنا الشاعر الفحل الغيور، ولا وجل ... على جانب الله، ما دام لي أجل
وفي المدح للسلطان عبد الحميد وأبي الهدى الصيادي والبوازيد، قال عاشور، مبتدئا بالصيادي:
شيخ الشريعة والطريقة والحجا ... صدر النقابة في بني الزهرا الخير
في حضرة الآستانة الغراء من ... أعضاء سلطان السلاطين الأخر
مولى الورى (عبد الحميد) حميد ما ... شملتمه سلطنة البرايا من سير
أهل الخلافة كابرا عن كابر ... عن كابر عن كابر عن ذي كبر
من آل عثمان الذي جمع الخلا ... فة في الورى فيما تجاهر واستتر
ولقد بدا أن السلاطين العلا ... من آل عثمان (بوازيد) غرر
وبه تقاسمت البوازيد الخلافة ... هؤلاء ولاتها فيما استتر
وأولئك الأملاك جهرا أهلها ... فالكون طرا للبوازيد العبر
(عاشور) مولاهم ومولى القوم منـ ... ـهم قال جدهم الرسول ولا فخر
لي في البوازيد العلا لا سيما ... أستاذنا، ديوان مدح كالدرر (١)
وقد هجا عاشور معاصره ابن مهنة، وكان إماما وخطيبا في أحد مساجد قسنطينة، وله تآليف سندرس بعضها. وكان قد نشر رحلة الورتلاني وجعل عليها تعاليق، أثارت الزوبعة التي نظم فيها عاشور جل (منار الإشراف). ولا نريد أن نذكر نماذج من هذا الهجاء، وإنما نذكر أن عاشور قد جعل عنوان إحدى قصائده فيه (ترقيص الأطفال)، متهما ابن مهنة
стр. 3713
بالانحراف عن الدين واصفا إياه بالقرمطي واليزيدي والإساءة إلى العلم، ونحو ذلك.
وقد مدح قاضي القل، عبد القادر بن رزيق بأبيات يبدو فيها الصدق، لأنه أنقذه مما كان فيه من بؤس وفاقة، وعده أيضا من الأشراف الفاطميين ومن آل زين العابدين بن الحسين بن الإمام علي، ومدحه كذلك بالعدالة في القضاء والتفقه في الدين وبالمروءة والكرم:
بحر الندا والجود لما أصبحا ... غولا وعنقاء وبيض أنوق
وعلي من عليا نداه جلائل ... لا يستقل بشكرها منطوقي (١)
وله قصيدة مفردة في البوازيد - إضافة إلى ما قاله فيهم في القصيدة الكبرى - وسماها (العقد الفريد) كما عرفت. وهي غير منشورة لأسباب ربما سياسية، لأن البوازيد قد ثاروا ضد الفرنسيين، وهددوهم في الزيبان (ومن ثمة ذكره لواد جدي). وقد ردت السلطات الفرنسية عليهم بتشريدهم في النواحي، وحملت بعضهم إلى زواوة وأوطنتهم هناك. فهل قال عاشور قصيدته الفخرية بعد هذه الثورة (٢)؟.
أما الأغراض الأخرى في شعر عاشور، فلم نطلع عليها، كما لم نطلع على هجائه للمجاوي ولا مدحه لشيخ زاوية الهامل. ولعل أغراضه الأخرى في هؤلاء لا تخرج عما ذكرنا. لكن سكوته، إذا صح، بعد سجنه، يظل محيرا للباحثين.
٣ - ديوان أبي اليقظان (٣): وقد طبعه سنة ١٩٣١. وتحدثنا عن أبي اليقظان في فصل المؤسسات الثقافية - الصحافة، وكان أبو اليقظان واسع المعرفة المعاصرة، درس في ميزاب وتونس. وعاش في العاصمة، وأنشأ
стр. 3714
الصحف. وراسل علماء الوقت وسياسييه. وكان له علاقات خاصة بالشيخ سليمان الباروني، وقد ترجم له في جزئين وجاء بنصوص عديدة تدل على مكانته عنده ومكاتباته معه. أما شعره فيغلب عليه الطابع الاجتماعي، بالإضافة إلى الأغراض التقليدية. وهو أيضا تقليدي في صوره وتعابيره. وكان أبو اليقظان يمتح لا من جرابه الدراسي. ولكن روحه كانت إصلاحية، وأهدافه أخلاقية واجتماعية. ويعتبر ديوانه من الدواوين القليلة التي طبعت في الجزائر في الفترة التي نتحدث عنها. فقد رأينا ديوان الأمير طبع في المشرق، وديوان عاشور يعتبر ديوانا خاصا في موضوعه ولم يسمه صاحبه ديوانا. وإذا شئت فإن ديوان أبي اليقظان هو الأول من نوعه. وكان طبعه في ذلك الوقت يعد في نفسه مغامرة أدبية كبيرة.
٤ - ديوان المشرفي: بالإضافة إلى التاريخ والتراجم نظم أبو حامد المشرفي قصائد كثيرة معظمها في المدح، ولا سيما في سلطان المغرب، الحسن الأول، الذي كان ولي نعمته. ولكن في الديوان قصائد أيضا في أحوال الجزائر التي ولد وعاش فيها قبل هجرته إلى المغرب، وفي مدح رجال آخرين سواء من الأسرة العلوية أو قواد الجيش في المغرب - المخزن. وفي الديوان بعض الأراجيز، مثل التي نقلها عنه محمد بن الأعرج في الجزء الثالث من (زبدة التاريخ)، وهي أرجوزة تصف ما جرى بين الجزائريين والفرنسيين. وقد اعترف المشرفي أن ديوانه مجموعة من القصائد التي تقادم عهدها، وبذلك نعرف أنه جمع ديوانه في مرحلة متأخرة من حياته. وقد قال ان تسجيلها سيجددها ويخلدها، كما يخلد ذكر صاحبها. هكذا كان يظن عند تسجيلها. ولكن شعره لم يطبع، وقل من اطلع عليه ليجدد ذكرى صاحبه. وقد اطلعنا على نسخة منه فكانت في حجم كبير، وهي بخط الشاعر نفسه (١).
стр. 3715
وللمشرفي ديوان آخر في مدح السلطان الحسن الأول يوجد في المكتبة الملكية بالمغرب (١). ويغلب على الظن أنه هو المسمى (مشموم عرار النجد والغيطان). ومن الصعب أن نتحدث عن أغراض شعر المشرفي وقيمته الفنية ما دامت معلوماتنا عنه ناقصة. وكل ما نستطيع قوله الآن هو أنه شعر بلاط، وأنه يعكس ثقافة صاحبه في معسكر ثم في المغرب. وأن المشرفي قد يكون نظم أيضا في الوصف والتأملات والوصف، وربما الهجاء أيضا.
٥ - ديوان المكي بن عزوز: قيل إنه بلغ حوالي ثلاثة آلاف بيت، وانه مخطوط عند ورثته. والمكي بن عزوز عالم أكثر منه شاعر. ولقد اطلعنا له على قصائد متفرقة، معظمها في الأغراض التقليدية، ومنها الإخوانيات والمراثي والتصوف والزهد ونحوها. وهو من الشخصيات الكبيرة التي تتنازعها الجزائر وتونس، فأصوله وارتباطاته ومصاهراته وبعض ولده جزائرية، وهو بميلاده وتعلمه وارتباطاته الأخرى تونسي. وقد ترجم له السيد محمد محفوظ بما لا مزيد عنه. وجدير بشعر المكي بن عزوز أن يفرد بدراسة، فما بالك بنشاطه السياسي والإصلاحي والتربوي (٢)، وهو عالم متعدد جوانب المعرفة.
٦ - ديوان الديسي: وهو محمد بن عبد الرحمن، وقد اطلعنا على نسخة مخطوطة مصورة منه كانت لدى عمر بن قينة، وعنوان الديوان (منة الحنان). وهو في مجلد ضخم. وقال عبد الله ركيبي انه في جزئين. وشعر الديسي يمتاز بالطلاقة والصفاء، وأغراضه اجتماعية وإخوانية، مع مسحة دينية. وهو، كما سبق، من شيوخ زاوية الهامل، وكان محل تقدير علماء وقته يستجيزونه ويسألون أخباره (٣).
стр. 3716
وقد ذكر الركيبي في دراسته للشعر الديني مجموعة من الدواوين لم نطلع عليها (١). فلنكتف بذكرها هنا، مع ملاحظة أن بعضها ليس بالضرورة في الشعر الديني فقط، وأننا أضفنا إلى المجموعة ما عرفناه من مصادر أخرى، وهي:
٧ - ديوان ابن يوسف (؟): فهل هو شاعر بالفصيح أو بالملحون؟
٨ - ديوان أبي عبد الله البوعبدلي: ويبدو أن الشاعر هو والد الشيخ المهدي البوعبدلي، وقد كان من رجال التصوف أيضا.
٩ - ديوان أحمد بن عليوة: وهو أحمد المصطفى منشئ زاوية مستغانم العليوية. وقد نسبت إليه أشعار جادل خصومه في قدرته على نظمها. والغالب على الظن أن ديوان ابن عليوة مطبوع في تونس (؟) ١٩٢١. وشعره بين الفصحى والعامية، ولكنه شعر صوفي تحدث فيه عن خمرة الكأس وعن الطريق والمريد، وعن المقام الصوفي والحب الإلهي. ولابن عليوة منظومة في ألف بيت تسمى (الرسالة العلوية) تحدث فيها عن أصول الدين والفرائض والتصوف أيضا، وهي على غرار (المرشد المعين) لابن عاشر. وقد نظمها بلغة بسيطة.
١٠ - ديوان الطاهر بن عزوز: ولا نعرف إن كان الشاعر من عائلة ابن عزوز الطولقية أو غيرها.
١١ - ديوان محمد بن سليمان: لعله من أسرة قدور بن سليمان صاحب ديوان عقد لآلي الوفاق، الجزائر، حوالي ١٩٠٥. ويبدو أنه في الشعر الصوفي، لأن ابن سليمان كان من العلماء الزهاد وقد جمع بين عدة طرق صوفية، ولعله من نسل محمد بن سليمان صاحب (كعبة الطائفين) الذي درسناه في غير هذا المكان.
١٢ - ديوان معمر بن صالح (؟): لا نعرف عن هذا الديوان أكثر مما
стр. 3717
ذكره الركيبي وقد يكون مخطوطا وفي التصوف أيضا.
١٣ - ديوان قدور بن عاشور (؟): وعنوانه كنوز الأنهار والبحور في ديوان السر والنور. وهو مطبوع في وجدة، د. ت.
١٤ - ديوان محمد بن يلس: طبع في تلمسان، ١٩٥١. وكان بعض أفراد أسرة ابن يلس قد هاجروا إلى الشام واهتموا بالتصوف (انظر فصل التصوف).
١٥ - ديوان محمد الصغير (؟): وعنوانه: تعطير الأكوان بنشر نفحات أهل العرفان. طبع الثعالبية بالجزائر، ١٩١٦.
١٦ - ديوان عدة بن تونس: وعنوانه آيات المحبين في مقامات العارفين، طبع للمرة الثانية في مستغانم ١٩٥١. وابن تونس هو الذي خلف ابن عليوة في قيادة الزاوية. (انظر فصل التصوف).
١٧ - ديوان عبد الله البيضاوي تحت عنوان: مطلع اليقين في مديح الإمام المبين، طبع مستغانم ١٩٤١. وقد يكون الشاعر من متصوفة الطريقة العلوية.
١٨ - ديوان بلقاسم بن منيع: نزهة اللبيب في محاسن الحبيب، طبع قسنطينة ١٩٢٦.
١٩ - ديوان ابن عبد الله (؟): الحلل الفردوسية في نظم قطب الغريسية، وهران، د. ت. (وغريس بضواحي معسكر اليوم، بل أصبحت جزءا منها).
٢٠ - ديوان الطاهر العبيدي: النصيحة العزوزية، ط. مصر، د. ت.؟ وعن العبيدي انظر فصل العلوم الدينية، ومراسلته مع ابن باديس.
وإضافة إلى هذه الدواوين ذات الطابع الديني والصوفي والتي نظم بعضها بالشعر الملحون، هناك دواوين ومجموعات في أغراض أخرى، ومن ذلك:
٢١ - ديوان الهادي السنوسي: وقد قيل إنه اجتمع لديه شعر غزير،
стр. 3718
سواء قبل طبع (شعراء الجزائر) أو بعده. وكان حقا من الشعراء العاطفيين الذين تدفق شعرهم بقوة خلال العشرينات. ولعله قد استمر على نظمه في سنواته اللاحقة. ومعظم أغراضه كانت اجتماعية وسياسية متطورة ووصفية جميلة. ويبدو أنه أضاع شعره. فقد كتب سنة ١٩٦٣ (ولا أكتمكم أنني جد آسف على ما ضاع لي من شعري الذي هو عصارة أيام الشباب. وما الذي أبقته غير الدهر منه بالشيء الذي يذكر أو ينشر) (١).
٢٢ - مساجلة أدبية اجتماعية أخلاقية: للسنوسي أيضا، طبع قسنطينة، ١٩٢٨. ولم نطلع عليها.
٢٣ - شعراء الجزائر فى العصر الحاضر: لنفس الشاعر، وفيه بعض شعره، انظر لاحقا.
٢٤ - تحية العلم: (الفرنسي)، انظر الشعر السياسي.
٢٥ - مجموع محمد قاضي: المسمى الكنز المكنون في الشعر الملحون، ط. الجزائر، ١٩٢٨. انظر الشعر الشعبي.
٢٦ - كتاب مجموع القصائد والأدعية: طبع الجزائر، ١٣٢٠، لمؤلف مجهول؟ وموضوعه التصوف.
ونكاد نقول ان كل الذين عرفوا بالشعر خلال الفترة التي ندرسها قد اجتمع لهم ديوان. وقد لا يكون اهتمامهم بطبع شعرهم قويا، وربما كانت الظروف تعاكسهم في ذلك أو لا يعرفون الطريق إلى النشر، كما سبقت الإشارة. ومثال ذلك: معظم الشعراء الذين ترجم لهم السنوسي في (شعراء الجزائر) لهم دواوين صغيرة أو كبيرة. ولكنها ظلت مغمورة عند بعض الورثة أو تلفت لأسباب مختلفة (٢).
стр. 3719
٢٧ - ديوان محمد العيد خليفة: جمع هذا الديوان السيد أحمد بوعد، حوالي سنة ١٩٥٢ وسماه (شاعر القرن العشرين). وعلق أحمد بوعد على بعض القصائد، وقسمه إلى جزئين. وهذه المخطوطة أرسلت إلى الشيخ محمد البشير الإبراهيمي لطبعها في المشرق (١). ولكن ذلك لم يحصل إلا في الجزائر بعد الاستقلال وبعد أن أضيفت إلى الديوان أشعار قديمة وجديدة. ونحن لا يعنينا هنا الديوان المطبوع ولكن المخطوط الذي جمع قبل الثورة. لقد ضم الكثير من شعر محمد العيد وليس كله، ويبدو أن ذلك كان باتفاق وتنسيق مع الشاعر نفسه، لأننا وجدنا في المخطوطة إصلاحات وتدخلات من محمد العيد. ولكن جامع الديوان أهمل عددا كبيرا من القصائد والقطع، بعضها فهمنا لماذا أهملها (لأسباب سياسية واجتماعية) وبعضها لم نفهم. وكانت مبررات الإهمال هي الإحراج، أو فوات أوان المناسبة أو عدم رضى الشاعر عن بعض ما نظمه في وقت سابق، أو ضياع أو نسيان بعض القصائد المنشورة.
وقد درسنا شعر محمد العيد في غير هذا المكان. وهو شعر قديم وجديد. قديم في تراكيبه وأوزانه وقوالبه، وجديد في روحه وموضوعاته، لم يتخل محمد العيد عن القصيدة العمودية ولا عن الألفاظ الجزلة والصور التقليدية التي كان يستعيرها الشعراء من قبله. ومن ثمة فهو شاعر قديم محافظ ويمثل استمرار مدرسة حافظ وشوقي والرصافي ونظرائهم المخضرمين. ولكن محمد العيد كان متأثرا بالنهضة الإصلاحية والتطور
стр. 3720
السياسي للجزائر فكانت روحه متسامية ومتحفزة تريد التجديد والتحرر وتطلب فكاك الأسر والتحليق. فتمثل شعره ذلك كله وصوره أحسن تصوير وأخلص له كل الإخلاص، وكانت تتقاسم روح محمد العيد نزعتان: النزعة الإصلاحية - الوطنية التي أشرنا إليها، ونزعة التصوف في أصفى معانيه والانجذاب إلى الله في حب وفناء. وهكذا غلبت على شعره مسحة التربية والأخلاق والدعوة إلى الخير والصلاح إلى جانب الدعوة إلى التحرر والحرية السياسية والتخلص من الاستعمار.
عندما درسنا أغراض شعر محمد العيد في القاهرة قسمناها إلى التالي: المراثي والوصف والوطنيات والدينيات، والاجتماعيات والإخوانيات. وقد أضفنا إلى ذلك مجموعة من القضايا نظم فيها محمد العيد. وقسمناها إلى أربع قضايا، وهي:
أولا: القضايا العامة وتشمل الشعر الذي قاله في افريقية والحبشة وهيروشيما وتركيا.
ثانيا: القضايا العربية وتشمل شعره في الاستقلال والمشاكل التي تعرضت لها هذه البلاد: ليبيا وتونس والسودان ومصر والعراق وفلسطين ومراكش.
ثالثا: القضايا الجزائرية، وقد لخصناها فيما يلي: المرأة والتعليم والاندماج والأحزاب والشباب والدين واللغة وحياة الريف والسياسة والحرية.
رابعا: القضايا الخاصة وهي الإخوانيات والحب والوصف والشكوى والغزل والألغاز (١).
ولكن شعر محمد العيد متعدد الجوانب، ومن الصعب حصره في مجموعة من الأغراض والقضايا، لأن قصائده الطوال ملا تشتمل على العديد من الأفكار والأغراض.
стр. 3721
ومن ثمة فإن أغراض شعره لا تكاد تخرج عن هذه الحقول. وقد رتب السيد أحمد بوعد ديوان محمد العيد على حروف الهجاء ولم يراع الموضوعات. أما الذين جمعوا شعره فيما بعد فقد حاولوا تقسيمه إلى أغراض، فكان أمرا صعبا حقا (١). فأنت تجد في القصيدة الواحدة كما قلنا مجموعة من الأغراض. فالرد على أعداء الإسلام تجد فيه الدعوة إلى النهضة والقومية، وأبيات في توجيه الشباب قد تجد فيها التربية والأخلاق والسياسة، وقصيدة تبدو غزلية فإذا فيها فلسفة وتأملات وتصوف. أما الفخر والهجاء فان محمد العيد لم يطرقهما على حد علمنا. وقد مدح أعيان العلماء، ورثاهم أيضا، وكذلك أعيان السياسة في الجزائر والعالم العربي. وأشاد بالمواقف والنزعات الخيرية والمشاريع القومية. ولم يكن يمدح عن طمع كما فعل شعراء آخرون. فالذين مدحهم (إذا جاز أن نسمي ذلك مدحا) لم يكن لهم ما يقدمون إليه من الوسائل المادية.
وهناك باب آخر أكثر منه محمد العيد هو الشكوى والتشكي من الزمان وأهله، وليس ذلك عن تذمر وانزعاج ولكن عن قلق وتوتر شعري وتواجد صوفي. وقد وجدنا له قطعا في مدح قادة الطريقة التجانية المتوفين (مثل الحاج علي التماسيني، وكان الشاعر نفسه قد سمي على أحد شيوخ التجانية، وهو محمد العيد التماسيي المتوفى سنة ١٨٧٥)، وكل ما كانت الطريقة التجانية تفعله نحوه هو حمايته من جبروت السلطة الفرنسية إذا تعرض لسوء، كما حدث له سنة ١٩٥٥. ولكن شعره الذي نحن بصدده قد قيل قبل الخمسينات.
٢٨ - ديوان العقبي: لا نعرف أن له عنوانا، ولكن جاء في (شعراء الجزائر) أن للطبيب العقبي أشعارا كثيرة لو جمعت في ديوان لجاءت في
стр. 3722
مجلد ضخم. وكان العقبي قد نبغ في الشعر وهو في الحجاز، ولا ندري إن كان قد نشر منه في جرائد المشرق. وبعد رجوعه إلى الجزائر أخذ يدرس لمن حوله فنونا شتى، بما في ذلك علم العروض. وقد قيل إن محمد العيد قد تعلم ذلك على يديه. واستمر العقبي يقرض الشعر من وقت لآخر. فكان شعره فيض المناسبات، وهو شعر إصلاحي متمشيا مع مذهب صاحبه. كذلك كتب العقبي التقاريظ، ونوه ببعض الأحداث والأشخاص، ونشر ذلك في الصحف المعاصرة. وقد يكون له شعر لم ينشر شأن أغلب الشعراء، ولكن أولاده ينفون وجود الديوان عندهم.
٢٩ - ديوان الدر النفيس في شعر إدريس: ولم نطلع عليه، والظاهر أنه ما يزال مخطوطا. وقد نسبه إليه بعض المترجمين (١).
٣٠ - ديوان في المديح والإذكار: لعلي البوديلمي، ذكره له صاحب (المرآة الجلية). ويبدو أن الديوان في الدين والتصوف (٢).
٣١ - ديوان الشيخ محمد بن يوسف أطفيش.
٣٢ - ديوان حسن أبو الحبال: اليدري، وهو من الشعراء الذين ضمهم (شعراء الجزائر). وقيل إنه (ساع في جمع ديوانه وله عزم على طبعه) (٣).
٣٣ - ديوان الربيع بوشامة: نشر منه قصائد في البصائر، وقد جمعه ونشره جمال قنان سنة ١٩٩٥. وكان بوشامة من شهداء الثورة سنة ١٩٥٧ (٤).
стр. 3723
وفي المقدمة التي كتبها قنان تفصيل عن حياة الشاعر وظروف استشهاده.
٣٤ - ديوان حسن حموتن: جاء في رسالة منه إلى صلاح مؤيد أنه نظم كثيرا في السنوات الأولى لحرب التحرر. ولكن (تلك القصائد مع الأسف الممض وقعت في يد الجيش الاستعماري) (١). ولم يذكر حسن حموتن شعره قبل الثورة، وهو الذي يعنينا هنا، ونحن نعلم أنه نشر بعض شعره أيضا في البصائر.
ونريد أن نؤكد أن معظم شعراء فترة ١٩١٩ - ١٩٥٤ لهم أشعار لو جمعت لملأت دواوين. ولكن بعضهم أضاعها، أو ضاعت منه، وبعضهم عزف عن نشرها تواضعا أو عجزا ماديا.
...
كتاب شعراء الجزائر في العصر الحاضر
لقد وعدنا أن نخصص لـ (شعراء الجزائر في العصر الحاضر) وقفة خاصة لأهميته في الحركة الشعرية. فقد كان وقع ظهوره يشبه ظهور تاريخ الجزائر لمبارك الميلي، رغم أن شعراء الجزائر ظهر قبله قليلا. ففي الوقت الذي كانت الجزائر تعيش آثار الحرب العالمية الأولى وتعاني من غطرسة الكولون الذين اعتادوا على التمرد بعد كل حرب أو أزمة تعرفها البلاد، ظهر شعراء الجزائر يحمل البشرى لأنصار النهضة والإصلاح دليلا على ميلاد الشاعر الرائد لهذه النهضة والإصلاح. فالكتاب كان يمثل ميلاد الجزائر الجديدة كما تصورها الشعراء. ولا يعني ذلك أن هؤلاء كانوا كلهم سياسيين أو حتى متسيسين، ولكن إحساسهم العميق بالتجربة الوطنية والتعلق بالتراث والحلم بالمستقبل كان واضحا في هذا الكتاب. أين كان أمثال هؤلاء الشعراء
стр. 3724
في القرن الماضي، وأين كانوا في العشرية الأولى من هذا القرن؟ كيف وأين تعلموا حتى يظهروا بهذه القوة وهذه الروح في وقت واحد؟ تلك هي أهمية هذا الكتاب. إن أول ما يفاجئك فيه قول محمد اللقاني بن السائح (١):
بني الجزائر هذا الموت يكفينا ... لقد أغلت بحبل الجهل أيدينا
ومن مزايا هذا الكتاب أنه جمع بين شعر الشيوخ أمثال ابن الموهوب وأحمد الغزالي، وشعر الشباب أمثال محمد العيد ومفدي زكريا. وكان فيهم الموظفون الرسميون وفيهم المدرسون الأحرار، وفيهم الباحثون عن العيش في غير هذا أو ذاك. وقد كان فيهم أيضا خريجو مدارس الشرق مثل العقبي والمولود الزريبي، والزيتونة مثل محمد العيد ومفدي زكريا، ومدارس الحكومة الفرنسية مثل الجنيد أحمد مكي والأمين العمودي. ولكن جمعهم كلهم حب الشعر وحب الوطن وحرف الضاد في وقت ظن المستعمرون فيه أن الأدب العربي، فما بالك بالشعر الجيد، قد اختفى من الجزائر.
فلا غرابة إذن أن يستقبل المتفائلون بمستقبل الجزائر هذا (الديوان) الجماعي بالفرح والسرور، وأن يحتلفوا بصاحبه أيما احتفال، وأن ينظروا من خلال الإنتاج إلى أفق جديد للوطن. وقد قال محمد العابد الجلالي ان العمل كان منتظرا من غير محمد الهادي السنوسي، من أولئك الذين تقدمت بهم السن وأدركوا الحاجة إلى مثل هذا العمل، ولكن الشاب السنوسي أبى إلا أن يأخذ على عاتقه هذا المشروع الطموح. إنه مشروع جاء في وقته، وكانت الحاجة ماسة إلى إحياء الأدب العربي. وبعد أن نوه بالجزء الأول تمنى ظهور بقية الأجزاء (٢). ونوه بالكتاب أيضا أحمد توفيق المدني قائلا إن السنوسي قد
стр. 3725
ترجم لأغلب شعراء وقته وذكر نبذا من أشعارهم وسيرهم (فقام بعمل جليل خلد اسم الجزائر في عالم التاريخ الأدبي الحديث) (١). وجرى احتفال بالشاعر وكتابه في بسكرة يوم ٤ فبراير ١٩٢٧، وحضر الاحتفال عدد من الأدباء، منهم الشعراء الذين ظهروا في الكتاب، مثل محمد العيد والأمين العمودي والطيب العقبي، وعمر العنق، ومحمد الطاهر بن الشيخ حمدان الونيسي وسعيد الزاهري. وشملت كلمات التكريم كلمة ألقاها الشيخ الطيب العقبي بعنوان (العلم خير منتقى) (٢).
اشتمل الجزء الأول من شعراء الجزائر على إهداء (قصيدة) بعنوان روحي لكم بقلم السنوسي نفسه، ثم مقدمة. أما الشعراء الذين ترجموا لأنفسهم أو لخص السنوسي حياتهم، فهم: محمد العيد، ومحمد اللقاني، ومحمد السعيد الزاهري، والجنيد أحمد مكي، وإبراهيم أبو اليقظان، والطيب العقبي، ومفدي زكريا، وأحمد الغزالي، ورمضان حمود، وإبراهيم امتياز، ثم محمد الهادي السنوسي (المؤلف). ولعل أكبر الشعراء سنا في هذا الجزء هو أحمد الغزالي المولود سنة ١٨٧٣.
أما الجزء الثاني فقد احتوى على عشرة شعراء وهم: الأمين العمودي، المولود بن الموهوب (ولعله أكبرهم سنا في هذا الجزء إذ هو مولود سنة ١٨٦٦، والطاهر بن عبد السلام الذي أطال في ترجمة حياته وكتبها في شكل (مذكرات) قد تكون هي الأولى من نوعها في أدبيات هذا النوع من الكتابة، ثم حسن أبو الحبال، ومحمد الصالح خبشاش، والمولود الزريبي، ومحمد العلمي (وهو من مواليد المغرب)، ومحمد الطرابلسي (من مواليد طرابلس) وأحمد بن يحيى الفحل، وأخيرا محمود بن دويدة. وفي هذا الجزء كتب خمسة منهم حياتهم بينما لخص السنوسي حياة الخمسة الباقين. وقد تضمن
стр. 3726
هذا الجزء مجموعة من التقاريظ أشرنا إليها، ومنها كلمة الشيخ مبارك الميلي التي عنوانها (الأدب الجزائري يبعث من مرقده). كما جرى احتفال كبير بالشاعر وكتابه في تونس، واشترك في التنويه به الأدباء والصحف التونسية، ومنهم جزائريون أيضا مثل الطاهر بن عبد السلام (وهو من بين الشعراء الذين شملهم الكتاب)، وعبد اللطيف سلطاني القنطري. ومن أبرز أدباء تونس عثمان الكعاك وزيد العابدين السنوسي ومصطفى بن شعبان (١).
الشعر الديني
المقصود بالشعر الديني ما تناول الدين والقضايا الإسلامية سواء في نطاق العبادات أو الأخلاق والتربية، فنظم الشعر في الحج والصوم والصلاة وما إليها، وفي سيرة السلف، وفي الدفاع عن الإسلام، وفي الأمداح النبوية، كله داخل في الشعر الديني عندنا. ونضيف إلى ذلك شعر المناقب الصوفية والتوسلات بالشيوخ والغوثيات أو الاستنجاد بالله على أمر من الأمور.
وهناك دواوين مطبوعة ومخطوطة نظمت في الشعر الديني. ودواوين أخرى اشتملت على نصيب من هذا الشعر. وقد أشرنا في فقرة الدواوين والمجاميع إلى ما ذكره عبد الله ركيبي من أعمال مطبوعة في هذا الميدان. كما أن الركيبي قد بحث الموضوع بإسهاب وسلط عليه أضواء هامة سواء من خلال الدواوين المطبوعة والمخطوطة أو من خلال القصائد المتناثرة. فكان عمله أوفى عمل حتى الآن عن هذا الموضوع. وقد درسنا نحن شعر محمد العيد الديني، ودرسه غيرنا أيضا، مثل محمد بن سمينة. وقام دارسون بدراسة الشعر الديني عند شعراء آخرين، ولا نطيل في ذلك الآن. ويكاد يكون لكل شاعر خلوته الخاصة التي يتعبد فيها من وقت لآخر، رغم ما يقال عن الشعراء بأنهم ملحدون وغواة وأنهم في كل واد يهيمون. وما يزال شعراء لم يدرس الباحثون شعرهم الديني وتأثيرهم، مثل أحمد سحنون الذي تميز
стр. 3727
بشعر تعليمي رقيق وسهل، له مسحة دينية جاءت من ورع وتقى صاحبه (١).
ولا تعنينا هنا الدواوين الخالصة بالشعر الديني وروحانية المتصوفين، ولكن تعنينا القصائد المتناثرة والتي قيلت في مناسبات دينية معينة، ونلاحظ من البداية أنها قليلة، وتكاد تنحصر في عدة قصائد. بينما نعتقد أن القصائد الدينية كثيرة، وأن مناسباتها عديدة. فلماذا لم يصلنا منها إلا القليل؟ لعل ذلك راجع إلى أن الشعر الديني في العهد الاستعماري كان للشكوى إلى الله من ظلم الحكام وسوء الحال وتقلب الزمان بأهله. وهذه الظاهرة من القول لا تسر الفرنسيين لأهم يعتبرون ذلك تعريضا بهم وبنظام حكمهم. فكان الشعراء يكتبون شعرهم ويلجأون إلى الرموز أحيانا، ويغرقون في التصوف حتى لا يفهم الآخرون ما يريدون. ويبقى شعرهم موضعا للتأويل فقط. أما الدفاع عن الإسلام ووصف حالة المسلمين من الوجهة الدينية فقلما طرقه الشعراء مباشرة أيضا. وقد هاجم محمد العيد (آشيل) دفاعا عن الدين، واعتز بدخول بعض الأوروبيين الإسلام.
ولا شك أن الطرق الصوفية قد حظيت بالنصيب الكبير من الشعر الديني، لأنها كانت تعمل برخصة من السلطات الفرنسية. فكان الشعراء يجدون الحماية في مدح شيوخ الزوايا ومقدمي الطرق. كما أن للشيوخ أنفسهم أشعارهم، التي ينظمونها للإنشاد في حلقات الذكر وترويج تعاليمهم الصوفية. ويشمل ذلك غوثية الشيخ محمد الموسوم، شيخ الشاذلية في وقته. كما يشمل الطرق الصوفية التي نشطت بالخارج أيضا، كالسنوسية والشاذلية والقادرية. ولنذكر الآن بعض الغوثيات والقصائد.
غوثية مصطفى بن التهامي: وهو مصطفى بن أحمد بن التهامي الغريسي. كان والده من علماء الوقت، وتولى الفتوى في وهران في العهد العثماني. ومن تلاميذه محمد العربي المشرفي (أبو حامد) صاحب التآليف
стр. 3728
العديدة. وأما مصطفى بن التهامي فقد كان صهرا للأمير عبد القادر وخليفة له على معسكر ونواحيها مما شمل، كما يقول المشرفي، قبائل بني عامر وجبال ولهاصة، والترارة، وندرومة. ووصفه المشرفي بأنه سيبويه زمانه بمعرفته بالنحو. وقد درس البلاغة والتفسير في الجامع الأموي بدمشق، بعد الهجرة إليها مع الأمير.
وأثناء سجنه مع الأمير في قلعة امبواز (فرنسا) ضاقت به، وبهم، الحال وطال عليهم الأسر وكاد يصيبهم اليأس. فنظم استغاثته التي سنذكر أبياتا منها. ويقول المهدي البوعبدلي ان هذه الغوثية كانت في حكم الضائعة إلى أن عثر عليها مفتي معسكر الشيخ الهاشمي بن بكار ونشر منها بعض الأبيات في كتابه (مجموع النسب). وقد تحصل عليها البوعبدلي، وقدم لي جزءا كبيرا منها (١).
والغوثية رجز طويل بلغ ٥٣٠ بيتا. وقد وصف فيها ابن التهامي حالته في السجن ثم استغاث بالأنبياء والصحابة والتابعين والصالحين لإطلاق سراحهم وفكاك أسرهم. وشعر ابن التهامي فيه غموض أحيانا، وهو يستعمل الرموز والإشارات. وكنا قد اطلعنا على بعض شعره في مخطوط محمد الشاذلي الذي ذكرناه. وفيه أيضا أغراض دينية أخرى. قال مصطفى بن التهامي في تقديم الغوثية: (ومما قلته مع الرضى والتسليم للقدر والقضاء، متوسلا متضرعا معترفا متبرما مفصلا في الوسائل تارة وتارة مجملا، راجيا النفع لي ولكل من دعا بها (أي الغوثية)، متبذلا، ومؤملا حصول كشف الكرب والفرج).
لما جرى القدر بالخلاف ... ووقع الخلاف بالإتلاف
ووجب الوحش بقفر اليم ... واتحف النقص ببدر التم
واقتنص الصقر عدو صائد ... وللنعام في القرى وصائد
وابتعدت عن العقول حيل ... واقتعدت بالاعتراف جيل
стр. 3729
لم يبق إلا الابتهال والسكن ... للقاهر المالك كل ما سكن
هذا الذي قدمته نجواي ... في رفع ضيمي وبلا بلواي
فامنن علينا بصلاح الحال ... وانقذن من شدة المحال
مولاي يا ذا المد والأفضال ... داو سقام دائم العضال
فنجمع الرفقة والأفذاذ ... من ربقة الأسر إلى اللواذ
بمنزل رحب الجناب والسعة ... ومسجد جماعة وجمعة (١)
ونعتقد أن هناك غوثيات أخرى على هذا النسق لغير مصطفى بن التهامي. فالعصر كان عصر ظلم واضطهاد واللجوء إلى الله لكي ينتقم من الظالم ويفرج الكرب بعد عجز الوسائل الأخرى عن الانتصار. ولعل من ذلك ما ذكره عاشور الخنقي من أن له (منفرجة) على نحو منفجرة ابن النحوي، وقد سماها عاشور الهاملية.
ومن الشعر الديني شعر التوسلات بالرسول وأصحابه وبالصالحين. وقد توسل عاشور الخنقي بأبي التقي وبالأشراف، كما ذكرنا، وذكر الحفناوي بن الشيخ أن لوالده رجزا في التوسل، سماه (القصيدة التوسلية) (٢). وللديسي أيضا قصيدة في التوسل.
وهناك أشعار في الصالحين والأولياء نذكر منها قصيدة إدريس بن محفوظ الدلسي. قالها في مدح شيخ الرحمانية، محمد بن عبد الرحمن الأزهري. وقد هاجر آباء الدلسي إلى تونس وأقاموا ببنزرت، فولد بها، ودرس في هذه المدينة ثم في الزيتونة. ثم أصبح مصححا في المطبعة الرسمية بتونس. ثم انقطع عن ذلك ورجع إلى بنزرت واشتغل بالعلم. وله شعر ديني غزير في مقاصد مختلفة. منه المديح النبوي وعترة الرسول ﷺ والمتصوفة، وهو
стр. 3730
رحماني متحمس للطريقة. وكان قد أخذ العهد على شيخها في الكاف علي بن عيسى، وكانت هناك زاوية رحمانية نشيطة بعد أن طوردت في الجزائر (١). ويقول الدلسي في الشيخ الأزهري الخلوتي:
تب وانكفف عن كل غي وامتثل ... متوسالا بالسيد المفضال
هو ذاك مشهور الكرامات العلا ... من صيتها قد شاع كالأمثال
بدر الكمال الأزهري محمد ... غوث الورى في شدة الأوجال
يحمي من أهوال الحساب شفاعة ... في الاختصار مثبتا وسؤال
في حي جرجرة مطالع شمسه ... أكرم به قد فاق عن أمثال (٢)
وكذلك مدح محمد المازري الديسي، أهل زاوية ابن أبي داود ومشائخها. ولا نعرف نماذج من شعره في ذلك. غير أن الحفناوي بن الشيخ يقول عن القصيدة انها لو نشرت لكانت أحسن. فهو غير راض عن شاعرية صاحبها وإن كان راضيا عن نبل أفكاره (٣).
ومن ذلك قصيدة في مدح الشيخ محمد بن بلقاسم الهاملي، قالها فيه محمد العربي بن أحمد بن أبي داود (٤). وللشيخ المكي بن عزوز قصائد في مدح شيخ زاوية الهامل أيضا، وأخرى في مدح الرجل الصالح علي السني، دفين نفطة، ومطلعها (٥):
أعيدا الندا يا صاحبي فليس لي ... قرار إذا لم تمس سلمى بمنزلي
وكان الشيخ مختار الجلالي، صاحب زاوية أولاد جلال الرحمانية،
стр. 3731
كثير الإنشاد في مدح شيوخه من المتصوفة، مثل محمد بن عزوز. وقد رثاه المكي بن عزوز بقصيدة، بدايتها:
تقلد الهداة من الورى ليل دجا ... من صدمه الإسلام أصبح مزعجا
لا سيما شيخ جليل باذخ ... بذر الرشاد ومنه شاد الأبرجا
كالسيد المختار منشور الهدى ... كم من رجال في الطريقة درجا
سعدت بتربته بنو جلال قد ... أضحت منارا في البلاد مزبرجا (١)
ومدح (أحمد؟) أبو طالب الغريسي عددا من الصالحين المعروفين، منهم سيدي علي مبارك (القليعة) وسيدي أحمد الكبير (البليدة) وأحمد بن يوسف الملياني (مليانة).
والمادحون لشيوخ الصوفية معظمهم من الأتباع المتفانين سواء قربت ديارهم أو بعدت، وسواء كان الشيوخ أحياء أو أمواتا. وقد كان محمد العيد قد رضي بالإصلاح والوطنية رغم انتمائه الطرقي. فكان أبوه مقدما للتجانية في العين البيضاء ثم في بسكرة. ولا ندري إن كان محمد العيد قد تمرد بعض الوقت عن التجانية ثم رجع إليها أو أنه كان فقط يخفي انتماءه إليها. والغالب أنه كان قد انجذب كشاعر صادق لمشاعره نحو الحركة الوطنية والإصلاحية بعدما شاهد شراسة الاستعمار وتواطؤ بعض الطرق الصوفية معه. ولكنه لم يهاجم الطرق الصوفية أثناء انتمائه الإصلاحي والوطني. فهو بالرغم من صداقته وتأثره بالشيخ العقبي الذي شهر سلاحه البتار ضدها، فانه (آي محمد العيد) لم يسايره في هجوماته. وقد ظهر لنا تمرد محمد العيد في فترة ما بين الحربين على الطرق الصوفية في شعره الذي توسل به إلى شيوخ التجانية بعد ذلك، ولا سيما الشيخ الحاج علي التماسيني. وقد درسنا شعره الديني في كتابنا عنه، ولكن شعره في رجال التجانية لم نكن قد اطلعنا عليه عند صدور الطبعات الثلاث من تأليفنا (شاعر الجزائر). لذلك نسوق هنا ما قاله
стр. 3732
محمد العيد عند زيارته لقبر الشيخ التماسيني سنة ١٩٥٦ (١) (٤٢ بيتا):
سلام وارث الختم التجاني ... عليك مبارك سامي المعاني
أقدمه أسير الذنب مضنى ... كسير القلب معقود اللسان
وقد رجحنا أن يكون محمد العيد قال هذا الشعر بعد أن قبض عليه وسيق إلى الموت ثم عفى عنه بتدخل محتمل من الزاوية التجانية. بينما نفذ الإعدام في غيره من المثقفين أمثال أحمد رضا حوحو والربيع بوشامة وعبد الكريم العقون والشيخ العربي التبسي، إلا من سجن أو هرب منهم مثل مفدي زكريا.
أما عن توبته فيقول محمد العيد في قصيدة لا ندري متى قالها، ولعلها ترجع إلى بداية الخمسينات أيضا. وهي موجهة إلى الحاج ابن عمر، شيخ زاوية عين ماضي. ولنتأمل هذا الشعر الغريب عن محمد العيد، فهو يطلب الشفاعة والضمانة من الشيخ التجاني، ويعترف أنه قد غوى بعض الوقت، ولكنه انتبه الآن، وبرهن على أنه كان منذ طفولته تجانيا. وقد كنا شككنا في أول الأمر أن يكون هذا الشعر صادرا من محمد العيد الذي نعرف شعره الآخر، غير أن التوقف عند معاني وألفاظ القصيدة وأسلوبها يدل على أنها لمحمد العيد:
يا ابن التجاني المضيء بنوره ... وشبيهه في اليأس والإقدام
كن ضامنا لي عند جدك انني ... قد همت عن واديه بعض هيام
في فترة للقلب هاروتية ... بالسحر، إضغاثية الأحلام
ثم انتبهت فلم أزل متضرعا ... متطلبا منا الرضى بدوام
فعساه يسعفني ببذل لبانتي ... وعساه يسعدني بنيل مرامي
هو قائدي للصالحات وراشدي ... وكفيل تربيتي بها وإمامي
أحببته طفلا ولذت به فتى ... ومجاوز الخمسين في الأعوام
стр. 3733
فليشهد الكونان والثقلان لي ... أني له أبدا من الخدام (١)
والشعر الديني الصوفي أكثر من أن نحصره في نماذج هنا. وكثير من رجال الطرق كانوا ينظمون أشعارا يروحون بها عن أنفسهم ويتقربون بها إلى خالقهم، ويعلمون بها تلاميذهم ومريديهم. وقد اشتهر الأمير عبد القادر ومحمد الموسوم وأحمد المصطفى بن عليوة وغيرهم بالشعر الصوفي ومدح مشائخهم أيضا. وقد أشرنا إلى دواوين بعضهم في ذلك.
وقد شاع أيضا شعر النصائح الذي هو باب من أبواب الشعر الديني. ومن ذلك النصيحة العزوزية، ونصيحة الشباب للطاهر العبيدي (٢). وقد تكون النصيحة موجهة للأبناء، كما فعل محمد الشاذلي، أو لعامة المسلمين مثل نصيحة محمد بن آمنة ابن دوبة. وجدنا لمحمد الشاذلي قصيدة طويلة ولكنها ضعيفة النسخ، قدم فيها لإبنه نصائح لقمانية، أي ملأها بالوعظ والتوجيه التربوي والأخلاقي (٣). أما ابن آمنة فنصيحته تتحدث عن خواطر النفس وعن الشباب والمشيب، وعن الهجرة الروحية وتجارب الزمن، والصلة بالناس:
ذكرني خلابه عهد خلا ... إيماض برق سرى من سفح قبا
وفي فؤادي قدحت نيرانه ... وحرها بين الضلوع والحشا
стр. 3734
جدد لي عهدا بمن هويته ... وما نسيت عهد أيام الصبا
والقصيدة بلغت ١٤٣ بيتا. وهي مليئة بالأدب والأمثال والتربية النفسية. وصاحبها من علماء غريس في أوائل الاحتلال وهو من خريجي الأزهر الشريف، وله إجازات من علمائه، وهو الذي كتب صك البيعة الذي بمقتضاه بايع الناس الأمير عبد القادر على الحكم والجهاد وبناء الدولة الجديدة، وكان ذلك بحضور علماء الناحية (١). وقد أفادني الشيخ البوعبدلي أن نصيحة ابن آمنة اشتملت أيضا على توجيهات دنيوية كالاقتصاد في المعيشة، وحسن استقبال الضيوف، والابتعاد عن عبدة الدرهم والدينار، وعدم مخالطة الحكام الظلمة (٢).
أما بالنسبة للمديح النبوي فهناك القصائد والمقطعات وحتى الدواوين. وشعراء هذا المديح هم عادة من رجال الدين الذين كنا نتحدث عنهم. وقد يكونون من شعراء الحياة العامة ولكن في لحظة من الزمان تنتابهم مشاعر خارقة للعادة فيتذكرون أنسابهم وارتباطاتهم بالإسلام والتراث، فينظمون المدائح التي نحن بصددها. والواقع أننا لا نجد قصائد (عصماء) في ذلك على غرار البردة والهمزية وبانت سعاد ولا حتى تقليدها، كما فعل شوقي. إنما هي قصائد من شعر عادي، تقال في المناسبات الدينية، مثل المولد النبوي الشريف، والحج الذي يذكر بتاريخ الإسلام وظهور الرسالة. ومن ذلك قصيدة السعيد بن أبي داود (٣). وقصائد لإدريس الدلسي والديسي (٤).
ولمحمد العيد أيضا (أنشودة الوليد) التي نشرها قصيدة مستقلة سنة ١٩٣٨، وهي موجهة للناشئة الجزائرية لكي تقتدي بالرسول ﷺ ، وتعارض تقليد الفرنسيين وترفض الاندماج، فهي من الشعر المديحي الإصلاحي، وقد
стр. 3735
قالها محمد العيد وهو مدير لمدرسة الشبيبة بالعاصمة (١).
الشعر السياسي
والشعر السياسي أنواع، منه ما قصد به الشاعر التعبير عن تذمره من الأوضاع السياسية والشكوى من الاضطهاد. ومنه ما قيل في الفرنسيين ورجالهم وأعمالهم. وهناك شعر سياسي آخر، وهو ذلك الذي شارك به الشاعر في الأحداث الوطنية والإسلامية، مثل حرب طرابلس. ولم يظهر الشعر السياسي الوطني الصريح إلا بعد الحرب العالمية الأولى، ونقصد بذلك تناول الشاعر لقضية الحرية والاستقلال والوحدة الوطنية والإشادة بالعرب والبربر وتاريخ الأمجاد.
ومن الملاحظ أن الشعر السياسي الفصيح كاد يختفي بعد فشل المقاومة سنة ١٨٤٧. ولا ندري هل كان لهجرة الشعراء أثر على ذلك، أو هو غياب الثقافة والتعليم العربي أو كلاهما. إن الذي تولى التعبير عن خلجات الناس بعد ذلك هو الشعر الشعبي. ولم يعد الشعر السياسي الوطني للظهور إلا عشية الحرب العالمية الأولى أو في المهجر. وفي فترة المقاومة ظهر شعراء ينافحون عن الدين والوطن، وتعلقوا بالأمير عبد القادر، كما فعل محمد الشاذلي (٢)، ولكن كان هناك أيضا خصوم للأمير. وخلال تلك الفترة نظم حمدان خوجة أبياتا في السلطان محمود الثاني. وهناك من نظم في السلطان عبد الرحمن بن هشام.
стр. 3736
ورغم تفاهة الشعر السياسي الذي قيل في الفرنسيين فإنه يمثل جزءا من هذا الإنتاج في المرحلة المدروسة. ومعظم هذا الشعر جاء في شكل التهنئة بمولود أو بحلول رأس السنة الميلادية، وقد كدنا نعد هذا من شعر الإخوانيات والمناسبات لولا أنه قيل في الفرنسيين تزلفا لهم أو نفاقا أو وفاء لصديق منهم. وقد أكثر من هذا الشعر محمد الشاذلي، ولا سيما مع الضابط بواسوني وبعض الشخصيات الفرنسية الأخرى التي كان على صلة بها وله مصلحة معها. وقيل إن مصطفى بن الكبابطي كتب أيضا أبياتا هنأ بها بميلاد ابن لملك فرنسا. ولم نطلع نحن على هذه الأبيات، ولكن حديث علي بن الحفاف عنها يدل على وجودها، بل ووجود عبارات نثرية (بليغة) مع الأبيات. وقد أغضبت هذه الأبيات ابن الحفاف وقدور بن رويلة وغيرهما من شيعة الأمير عبد القادر والمقاومة عندئذ. وكان الكبابطي وقتها مفتيا لدى الفرنسيين، أي قبل أن يعزلوه وينفوه سنة ١٨٤٣، ومن غضبه على الكبابطي عبر ابن الحفاف عن مولود الملك الفرنسي قوله: (المقصوف الذي ازداد، قطع الله نسله). ومن جهة أخرى كتب الكبابطي أبياتا أربعة في تهنئة ومدح الدوق دورليان، وهو أحد أبناء ملك فرنسا، وشبهه بالنيل، وأشاد بفضله. وقيل ان هذه الأبيات قد رسمت على رخامة ووضعت بداخل الجامع الكبير. ولم نطلع عليها أيضا (١).
وحظى نابليون الثالث بأشعار من بعض الجزائريين: بعض هذا الشعر قيل فيه وهو رئيس جمهورية، وبعضه عندما كان امبراطورا. ورغم ضعف هذا الشعر وكسره فإن جريدة المبشر كانت تبادر إلى نشره لأنه يخدم هدفا واضحا عندها وهو تعلق بعض الجزائريين بالحكام الفرنسيين أو التقرب منهم. والغريب أن يصدر هذا الشعر من أحد أفراد أسرة الأمير عبد القادر التي طالما حاربت الفرنسيين واعتبرتهم مغتصبين. والقصيدة التي نشير إليها هي التي
стр. 3737
قالها أحمد بوطالب الغريسي، وعائلة بوطالب فرع من فروع عائلة الأمير، سنة ١٨٤٩، أي أثناء وجود الأمير في السجون الفرنسية. وقد قالها بعد انتخاب لويس نابليون رئيسا للجمهورية الفرنسية ونشرت في المبشر، ومطلعها:
جاءت توفى لنا سعدى بميعاد ... من بعد مهد فألفتنا بمرصاد
لما غدا (بونابرطي) هو رايسها ... رغما على أنف عنتاد وحساد
قد عرفت به يا أعراب ساحته ... نتائج نالها من إرث أجداد
وقد جاء في آخرها هذا البيت:
خذها على فرح زهوا لطالبها ... واطلب لتاريخها حكيم تعداد (١)
ولنفس الشاعر قصيدة أخرى في مدح الامبراطور نابليون الثالث، بعد زيارته الثانية للجزائر سنة ١٨٦٥. وقد شاع عندئذ أن نابليون صديق للعرب، وأنه أمر ممثليه في الجزائر بالعدل في معاملتهم وتعليمهم واحترام أراضيهم، ونحو ذلك. وظهرت بين الكولون إشاعة تقول ان نابليون يريد إنشاء ما سمي بالمملكة العربية في الجزائر. وهكذا تحرك الشعر ليعبر عن هذه الروح الجديدة. فقال أحمد بوطالب أيضا مرحبا بنابليون:
أهلا بمن سعت به الأزمان ... وتشرفت بقدومه الأوطان
يا أيها الملك المؤيد مرحبا ... بك إذ حللت بنا فحل أمان
أشبهت عمك في النهي بل فقته ... وورثت فخرا ديمه هتان
عمت محامدك السنية إذ بدا ... منها لـ (عبد القادر) الإحسان
والشاعر يشير (بعمه) إلى نابليون الأول، وبالإحسان إلى عبد القادر أي إطلاق سراحه من السجن. كما أشاد بما قدمه نابليون الثالث من أعمال
стр. 3738
للمسلمين، في نظره، كالمساجد والمدارس، والأمن، والجسور والمصانع. وهذا الشعر، إن كان لنفس الشاعر (١)، فهو أجود من سابقه من الناحية الأدبية. وتقع القصيدة في عشرين بيتا.
وهناك أبيات غير معروفة الشاعر وضعيفة النسج الشعري، قيلت بمناسبة ميلاد ولي العهد، سنة ١٨٥٦. وقد أراد الشاعر أن يهنئ نابليون الثالث بولده وأخذ يمدح الطفل بما رآه فيه من مخايل المستقبل. ومع ركاكتها نشرتها المبشر لقيمتها السياسية وليس لقيمتها الأدبية، والغريب أنها نشرتها بعد تسعة أعوام من نظمها أو من ميلاد ولي العهد (٢).
والشخص الثاني الذي حظي بالمدح والتنويه من بعض الشعراء هو شارل جونار، الذي حكم الجزائر عدة مرات، وأطولها سنوات ١٩٠٣ - ١٩١٢. وقد ظهر لبعض الجزائريين، ومنهم الشعراء، أنه خير من غيره، وأنه تعاطف مع آمالهم في التعليم واحترام التقاليد وحرية الصحافة، رغم أن ذلك في الواقع كان سياسة ظاهرية فقط وفي نطاق خدمة المخططات الفرنسية البعيدة. وتحضرنا من ذلك قصيدة قالها الحسين بن الحاج محمد بن حفيظ الخراشي البسكري، سنة ١٩٠٥ في مدح جونار. وقد دعا الشاعر المواطنين إلى العلم الذي قيل أن جونار قد سهل طلبه عليهم، وحرضهم على نبذ الكسل، وأضاف إلى ذلك مدح فرنسا. وكان الشاعر يسير على نفس الطريق مع المولود بن الموهوب الذي كرر تقريبا نفس المعاني في خطبته الرسمية سنة ١٩٠٨. وقد بلغ جونار قمة شهرته سنة ١٩٠٥ أثناء انعقاد مؤتمر المستشرقين الدولي في الجزائر، كما سنذكر. ويبدو أن الحسين الخراشي من الذين تخرجوا من إحدى المدارس الفرنسية الرسمية الثلاث. ومما جاء في القصيدة:
стр. 3739
فهل رأيت كاسلا نال العلا ... إن العلا بالاجتهاد في العمل
ويقول عن فرنسا انها (خير الدول) التي نشرت العلم والتهذيب (أي الحضارة والتمدن):
لا سيما في وقتنا المهذب ... قد نشرت لواءه خير الدول (١)
ومن أشهر القصائد التي قيلت في هذه الأثناء قصيدة القاضي شعيب التلمساني. وقد أرسل بها إلى مؤتمر المستشرقين الرابع عشر الذي انعقد بالجزائر في إبريل ١٩٠٥ تحت إشراف شارل جونار. وفي القصيدة إشادة فخمة بالعلم وجونار وعلماء المسلمين في الغابرين. وكان القاضي شعيب قد حضر مؤتمرا استشراقيا سابقا في استكهولم سنة ١٨٩٨ (١٣٠٧) مندوبا عن فرنسا، ولكنه لم يحضر شخصيا سنة ١٩٠٥ وإنما أرسل القصيدة إلى المؤتمر فألقاها ابنه، أبو بكر عبد السلام بن شعيب، نيابة عنه. وقد وجدنا مسودتها في أحد المخطوطات التي آلت إلى الشيخ عبد الحي الكتاني، وهي في أربع صفحات، وعليها تصحيحات كثيرة، مما جعلها صعبة القراءة. ولها عدة مطالع: (العلم قد سطعت له أنوار) و (العلم قد طلعت عليه أقمار) (٢).
وشارل جونار هو الذي افتتح المدرسة الثعالبية الجديدة سنة ١٩٠٤ بالعاصمة. وهي المدرسة التي تأسست سنة ١٨٥٠، ولكن اسمها لم يكن الثعالبية. وقد دل ذلك عند البعض على اهتمامه بالمسلمين وفتح المدارس في وجههم. ولذلك نظم أبو القاسم الحفناوي بن الشيخ صاحب تعريف الخلف أبياتا لتحفر على الرخام وتوضع على مدخل المدرسة، وأشاد فيها طبعا بالحاكم العام، جونار. ورغم وجود اسم جونار فيها، فإنها من الشعر المناسب في بابها. وهي من أوائل الشعر
стр. 3740
الذي قيل في المنشآت العامة، وهو الشعر الذي سينطلق مع محمد العيد انطلاقة كبيرة للإشادة بالمدارس والنوادي والصحف التي أنشأها الشعب تحت إشراف جمعية العلماء المسلمين وغيرها. وهذه هي أبيات الحفناوي بن الشيخ:
في كل جيل من الأجيال أخيار ... وخيرهم من له في العلم أخبار
بالعلم شاد بنو اليونان دورهم ... وكان للعرب منه بعد آثار
كل مضى تاركا في العلم منقبة ... كأنها علم في رأسه نار
واستخلفوا (دولة الجمهور) قائمة ... بكل علم له في العصر أنوار
وهذه آية العرفان مشرقة ... (بالثعلبية) نعم الاسم والجار
وشيدت، وتاريخها لجنسنا فتحت ... وذو الولاية نجم العصر (جونار)
وفي هذه الأبيات الستة لخص الحفناوي تاريخ العلم من اليونان (الإغريق)، إلى العرب، إلى الفرنسيين، الذين سماهم (دولة الجمهور)، أو الجمهورية. ورغم البراءة العلمية هنا فإن الشاعر قد جعل فرنسا هي خليفة العرب والإغريق في العلوم، وهذا رأي سياسي واضح. ويقصد بعبارة (لجنسنا فتحت) أن فرنسا فتحت هذه المدرسة للمسلمين والعرب، أثناء عهد جونار. وكان الشاعر معجبا، مثل غيره من النخبة المتعلمة، بهذا الحاكم العام، الذي (اهتم بمسلمي الجزائر محييا آثار أسلافهم، وحاول أخذهم على طريق التقدم العصري، حتى تجمع الجزائر بين عصر الشرق القديم وبحر الغرب الجديد، كما فعل الأوروبيون من قبل) (١).
ومن الشعر السياسي أيضا قصيدة زين العابدين بوطالب - من نفس عائلة بوطالب أولاد عم الأمير عبد القادر - وزين العابدين هذا كان قاضيا في سطيف ومعسكر منذ ١٨٧٣. وهو ابن محمد بن عبد القادر بوطالب. وقد قالها في وفد فرنسي قدم الجزائر، ويسميه الألبينيين (الألبينيست). وافتخر بأنه يعرف الشعر العربي، فأراد المدح به. وقد بدأ قصيدته بتبشير بني الدنيا
стр. 3741
بهذا الوفد الذي ظن الشاعر أنه جاء يحمل السعادة والخير:
بشراكم يا بني الدهماء قد جاءكم ... وفد السعادة للاإقبال مفتاح
يطوفون الأرض كي يروا منافعها ... يسعون في الخير للأهالي نصاح
وهو في شعره لا يمدح فقط، ولكنه يشكو أيضا. وكان يطلب العيش الصافي ولكن ذلك غير ممكن لأن فرنسا (دولتنا) تقرب وتبعد، وتعامل الأهالي بالشدة واللين، وهو يعرض بها دون جرحها أو دون تعريض نفسه لغضبها بطريقة التورية. وهو لا يبالي باللغة إذا استقام له الوزن، فالشكوى تحولت إلى (شكوة)، والجناح - بضم الجيم وتخفيف النون - تحول إلى مشدد النون. ولا عليه بعد ذلك ما دام يجمع بين المدح والشكوى من حاله وحال مواطنيه:
همي من العيش ود ساغ مشربه ... ولم يشب صفوه كدر وأتراح
فإن دولتنا، والله ينصرها ... تبيحنا قربها حينا وتنزاح
كالأم تفطمنا حينا وترضعنا ... وما على فعلها في السر جناح
فهذه قصتي لكم يا وفد الهنا ... ضمنتها شكوة لكم وأمداح
وفي ١٨٩٦ ألقى عمر بن بريهمات قصيدة أمام وفد فرنسي آخر عالي المستوى في مدينة الجزائر. وكانت المناسبة هي زيارة وزير التربية السيد كومبس، للمدرسة الثعالبية. وقد حضر الحفل أساتذة المدرسة وفيهم الشاعر المذكور والشيخ محمد السعيد بن زكرى والأيمة أحمد بن القبطان، وأمين قدور بن عبد الرحمن، والمستشرق هوداس، والطبيب محمد بن العربي الذي كان في نفس الوقت أحد أعضاء المجلس البلدي لمدينة الجزائر، بالإضافة إلى مدير المدرسة المستشرق ديلفان، ومحيي الدين الشريف الذي ألقى كلمة بالفرنسية نيابة عن رجال الدين، وكذلك علي الشريف، أول عضو جزائري في المجلس الأعلى للحكومة (١). وكان من بين الحاضرين أيضا الحاكم العام جول كامبون.
стр. 3742
أما الشاعر عمر بن بريهمات فقد ألقى قصيدته بعد أن حصل من الوزير كومبس على وسام الأكاديمية (التعليم)، وذلك أمام الوفد المذكور عندما جلس لتناول القهوة والحلوى العربية والاستماع إلى الموسيقى. وقد رحب الشاعر بالوزير وشكر الحاكم العام ومدح فرنسا. والغريب أنه سمى الاحتلال فتحا. وردد المعزوفة الفرنسية المعروفة، وهي أن الجزائر كانت مضطربة قبل استعمارها، وأن الناس كانوا يغزون بعضهم بعضا ويسفكون الدماء. وطلب من المواطنين مصافحة هذا الوفد وإكرامه لأنه من جنس الفرنسيين، وزاد عمر في المبالغة فقال انه يفدي أعضاء الوفد بالروح:
قطر الجزائر قم صافح موافيكا ... من أمة هي خير من يصافيكا
واصدع لهم ولها بالشكر إذ جلبت ... إليك كل نفيس لم يكن فيكا
وطالما كنت قبل الفتح مضطربا ... والسفك يسطو على أجيال ثاويكا
أعيان قوم هم الإفرنج أصلا وإن ... قلت الفرنسيس بالأرواح نفديكا (١)
ومما يذكر أن الوزير أجاب رجال الدين، الذين حضروا الحفلة أيضا، بأن فرنسا قد بنت مسجدا في باريس. وأجاب الوزير أيضا مدير المدرسة الذي شكا من ضيق المكان بأن فرنسا قد خصصت ميزانية لبناء مدرسة جديدة (وهي التي أصبحت تعرف بالثعالبية وافتتحت سنة ١٩٠٤)، كما ذكرنا. وقد جرت الحفلة في الوقت الذي أعطيت فيه الإشارة إلى التغيير في نظام التعليم نحو الجزائريين (٢).
إن الشعر السياسي لم يكن كله في الأشخاص والتملق لهم، بل كان فيه ما كان رائدا في مدح المنشآت العامة التي لها صدى سياسي. ففي ١٨٨٢ أنشأ أحد الفرنسيين، وهو بول ايتيان، جريدة بالعربية سماها (المنتخب) في مدينة قسنطينة. وكانت الجريدة نسخة مترجمة تقريبا من جريدة أخرى بالفرنسية تصدر في نفس المدينة. وكانت قد ظهرت بثوب مدافع عن الأهالي
стр. 3743
ضد الظلم الذي كانوا يتعرضون له على يد الكولون أثناء النظام السياسي الجديد (النظام الجمهوري). وقد التفت جماعة من أعيان الجزائريين حول هذه الجريدة (المنتخب)، ومنهم عبد القادر المجاوي والمكي بن باديس، فساهموا فيها وعبروا عن آرائهم حول الوضع العام. ومنهم زين العابدين بوطالب الذي سبقت الإشارة إليه. فقد مدح الجريدة على اهتمامها بشؤون الجزائريين، واعتبرها من وسائل النشاط السياسي ونوه بها كجريدة إخبارية، للتقريب بين الجزائريين والفرنسيين.
ومن الأسف أن القصيدة مشوهة بالأخطاء، ولو اطلعنا على أصلها أو على ديوان قائلها لبذلنا الجهد في تصحيحها. ونحن الآن لا نورد منها هذه الأبيات إلا لمعرفة موضوعها، أما روحها الشعرية فتكاد تكون مفقودة. وقد رمز الشاعر إلى الجريدة بالبدر، وقال انها محررة باللغتين، وهنأ صاحبها على صنيعه، وهو غير عارف بالدوافع التي دفعت به إلى إنشاء (المنتخب)، والمعروف أن الحكومة أوقفت الجريدة لأنها خشيت من تأثيرها (السيء) على الأهالي. وكان ذلك أثناء إدارة لويس تيرمان. يقول الشاعر زين العابدين بوطالب (وكان عندئذ قاضيا):
بدر السياسة بالدهماء قد سطعا ... أم هذا (منتخب) الأخبار قد طلعا (١)
(جرنال) كاللؤلؤ المكتوب منتظما ... ألفاظة رقصت باللغتين معا
مؤلف لقلوب الناس قاطبة ... من الرعايا وللأهالي قد نفعا
يشفى الصدور من الداء الذي وجعا ... قد نار منشئه المزايا إذ طبعا
فليبشروا بالأماني والحق سادة ... قد سارعوا في اشترائه الذي وقعا (٢)
ولا شك أن هناك شعراء قد رحبوا بالجرائد التي أنشئت في فاتح هذا القرن، سواء تلك التي ملكها جزائريون أو التي ملكها الفرنسيون، لأن الشعراء سرعان ما يستجيبون لما يرون فيه فائدة للشعب أو مصلحة شخصية
стр. 3744
لهم. وقد راسل الجزائريون أيضا بالشعر حتى الصحف العربية الصادرة في تونس ومصر وإسطانيول، كما سنذكر.
وكان الكبت السياسي قد أدى إلى أن يلجأ الشعراء إلى الرمز وأساليب غير مباشرة في التعبير عن خلجات أنفسهم. وقد استعمل الشاعر سعد الدين خمار أسلوب الغزل في موضوع سياسي. وخمار هذا ابن بيئة عربية مثقفة، هي بسكرة، أوائل هذا القرن، وكان أحد أفراد أسرته من أعيان العلماء المدرسين عندئذ، وهو بلقاسم خمار (١). وقد تخرج سعد الدين من زاوية طولقة التي عرفت بنضالها من أجل التعليم العربي والقرآني والديني خلال القرن الماضي. وهو شاعر قوي وله ثقافة سياسية فائقة رغم الجو المكبوت الذي عاش فيه. وقد نشر عدة قصائد في جريدة (الفاروق) التي أنشأها عمر بن قدور سنة ١٩١٣. وكانت الفاروق نفسها جريدة سياسية إسلامية مصلحة، وعارضت التجنيد الإجباري وانتصرت لحركة الجامعة الإسلامية ووقفت ضد إيطاليا في حربها ضد ليبيا. ولا شك أن الشاعر خمار قد نظم الشعر قبل ذلك، وربما لم ينشر منه إلا ما لا يغضب الفرنسيين، وقد يكون نشر في الجرائد المتوفرة مثل المغرب وكوب افريقية، أو جرائد تونس. ولكن القصيدة التي قيل إنه نشرها في الفاروق وجلبت إليه البلاء والاعتقال والسجن والتعذيب، هي التي عنوانها (في الغزل السياسي)، ومطلعها (٢):
أراك سليب الفكر ناهزك الضر ... وخافية الإنسان ويدلى بها الجهر
وقد اشتهرت هذه القصيدة بين الأدباء والسياسيين. وقام بعضهم بتخميسها مثل الشاعر الجنيد أحمد مكي (٣). ويرجع ذلك إلى موضوعها وجرأة صاحبها، وقد قيل انه عذب لأجلها، وكان مصيره التغييب والإهمال،
стр. 3745
(كما أن عمر بن قدور قد نفى وعذب وسير به إلى الأغواط مشيا على الأقدام. ولعل (شفاعة) الزاوية التجانية هي التي أنقذت حياته). وفي هذه القصيدة ما يذكر المرء أيضا بقصيدة أبي فراس الحمداني: (أراك عصي الدمع).
وقد انطلق الشعر السياسي بعد الحرب العالمية الأولى (١) مع حركة الأمير خالد السياسية وحركة ابن باديس الإصلاحية، ثم ظهور الأحزاب وجمعية العلماء، ودخلت موضوعات وطنية وعربية وإسلامية قاموس الشعراء، فكانت قصيدة اللقاني (بني الجزائر)، وقصيدة محمد العيد على لسان جريدة صدى الصحراء. ثم طغت على الساحة قضايا ليبيا وفلسطين والعراق وتركيا. وإن من يرجع إلى ديوان أبي اليقظان، و (شعراء الجزائر)، وأناشيد مفدي زكريا، ونشيد شعب الجزائر واعصفي يا رياح لابن باديس، وغيرها سيدرك أن الشعر قد خرج من التلميح السياسي إلى التصريح، ومن الخذلان إلى المواجهة.
فللعمودي (محمد الأمين) قصيدة سياسية قوية في مدح الأمير خالد والإشادة بدوره بعد زيارة قام بها الأمير لبسكرة سنة ١٩٢٢، وكان الأمير في أوج سمعته، وكان العمودي موظفا في المحكمة. ولذلك نشرها مغفلة الاسم، ومنها قوله:
رجل الجزائر يا عظيم الشأن ... أنت الأمير المسلم الحقاني
حييت من بطل تعاظم قدره ... يا زينة الأقوام والأوطان
أهلا بمقدمك الذي ابتهجت له ... منا القلوب ومنزل الفرقان (٢)
стр. 3746
وكان الافتخار بالماضي والنهوض بالحاضر واستشراف المستقبل المشرق هو لسان الشعراء المصلحين والوطنيين منذ الثلاثينات. وها هو محمد العيد يخاطب فرنسا سنة ١٩٣٦ على لسان الشعب أثناء وداع وفد المؤتمر الإسلامي الذي حمل إلى الحكومة الفرنسية في باريس، مطالب كانت عند البعض متواضعة جدا. ومع ذلك فإن الشاعر اعتبر الحدث قمة في النضج الشعبي والتضامن السياسي، فهو يخاطب فرنسا هكذا:
فخففي الحجر عنا ... إنا نضاهيك رشيدا
إنا نقاضيك دينا ... قد آن أن ويستردا
حقا لنا منك ويقضي ... لا نعمة منك تسدى
نحن الحنيفون دينا ... نحسن المنيفون مجدا
يا شعب بشراك هذا ... خير لجيلك يهدى
فخط للعز صرحا ... وخط للذل لحدا
إن الجزائر منا ... بالروح والمال تفدى (١)
إن هذه الروح الملتهبة بالحماس والوطنية لا نكاد نجدها في الشعر الجزائري خلال القرن الماضي، باستثناء بعض القصائد الفخرية للأمير عبد القادر. وليس من غرضنا الآن تتبع هذا الشعر السياسي إلى عشية الثورة. فقد تكفلت بذلك الدراسات التي ظهرت عن الشعر الجزائري الحديث، وقد أشرنا إليها. على أن جرح ٨ مايو ١٩٤٥ قد أوحى إلى شعراء مثل محمد العيد والإبراهيمي والربيع بوشامة وأحمد معاش الباتني قصائد مؤثرة. وحسبنا الآن التنويه بما أصاب الحركة الشعرية من تحول.
ونريد أن نقول إن بعض الشعراء قد استمروا أيضا في (مدح فرنسا). وقد وجدنا من كان يتغنى بالراية الفرنسية سنة ١٩١٦. وذكرنا أن هناك مجموعة شعرية طبعت سنة ١٩١٦. ولعل هؤلاء الشعراء لم يعرفوا بعد الشعار الوطني: الإسلام ديني والجزائر وطني والعربية لغتي. ومع ذلك
стр. 3747
فالتاريخ يحتم علينا ذكرهم (١).
الشعر الإسلامي والإصلاحي
ومن الشعر السياسي أيضا ما قاله الجزائريون قاصدين به استنهاض العالم الإسلامي ومدح رجاله والمشاركة في النهضة العربية. ويدخل في ذلك توجيه الخطاب للأفراد وللشعوب والدول. ونريد الآن أن نتحدث عن الشعر الذي نظمه أصحابه وهم في الجزائر، ثم نذكر نماذج من شعراء المهجر أيضا أمثال محيي الدين بن الأمير عبد القادر وسليم الجزائري.
وخلال الستينات شارك حسن بن بريهمات في التنويه بكتاب أقوم المسالك لخير الدين باشا التونسي. وهو الكتاب الذي نوه به أيضا الأمير عبد القادر، ولكن بالنثر. أما حسن بن بريهمات فقد بعث بقصيدة إلى المؤلف أظهر فيها ما للكتاب من أهمية للعالم العربي والإسلامي، بدعوته إلى التقدم وتقليد أوروبا في غير العقيدة.
ومن أبياته في ذلك:
لله درك، خير الدين، من علم ... أبدى منار الهدى للناس في القنن
نهجت نهجا قويما قل سالكه ... إلى السياسة كي ينجو من الفتن
بنيت طرق السداد بل وأقومها ... وقمت منتصرام للدين والوطن
حق على أمة الإسلام شكركم ... ورعي تأليفكم بالقلب والأذن
ومدح شخصيات مثل أحمد فارس الشدياق ومحمد عبده وأبي الهدى الصيادي والسلطان عبد الحميد الثاني يدخل في مضمار السياسة أيضا. ولكننا فضلنا ذكر ذلك في باب المدح. أما القصيدة التي قالها عمر بن قدور في
стр. 3748
حرب طرابلس فهي في الشعر السياسي الذي نحن بصدده. فقد أشاد فيها بأهل طرابلس وكفاحهم المرير ضد العدو، ونوه بضفلهم على العرب والمسلمين، وبكونهم صبروا وصمدوا في وقت تخاذلت فيه القوى الأخرى. وقد اختار لقصيدته عنوان (الأسوة الحسنة) ونشرها في جريدة (الحضارة) التي كانت تصدر بإسطانبول:
رعى الله قوما من طرابلس الغرب ... تبين فضل الشرق منهم على الغرب
خلاصة أسلاف كرام وأمة ... تلاشت نعوت الغير في نعتها الرحب
رجال أبوا أن يضمحل فخارهم ... أمام العدو النهم في طلب النهب
فأصلوه نار القهر درءا لبغيه ... وأبدوا مزايا الحزم والعزم عن قلب
وصانوا ضمار الشرق والشرق مشرف ... على حيرة تفضي إلى الموقف الصعب
على إثر يأس فت في ساعد المنى ... لقد أطلعوا الآمال تلمع كالشهب
فهم معشر أرضوا الإله وحسبهم ... مزية رفع الذل عن عاتق الشعب (١)
إنه شعر جديد في موضوعه وفي نغمته السياسية. وألفاظه غير مألوفة في أدبيات الشعر قبله. ونحن نعرف أن حرب طرابلس التي كان يتحدث عنها قد جربت بين ١٩١١ - ١٩١٢.
ومن هذا النمط قصيدة (يا شرق) لعمر بن قدور أيضا. وهي من الشعر القومي والإسلامي في عهد النهضة. وكان الشاعر يعيش قضايا وطنه وملته وقومه، وكان يتحسر على وقوع بلاد المسلمين في قبضة الأجانب، وهو يرى أن الغرب المتمدن يستخدم الخداع والمكر لمد نفوذه، وكان على الشرق أن يعي نفسه ودوره ويثبت للغرب أنه ناهض للدفاع عن نفسه. وكانت عبارتا (الشرق والغرب) شائعتين عندئذ للدلالة على عالمين متباعدين وفي نفس الوقت واقعين في معركة حضارية كبيرة. وقد نشر ابن قدور قصيدته هذه في
стр. 3749
جريدة (الحضارة) أيضا سنة ١٩١٢، ثم أعاد نشرها في جريدته (الفاروق) التي أسسها سنة ١٩١٣. وفي تلك الأثناء كانت فرنسا تفرض على الجزائريين التجنيد الإجباري للخدمة في جيشها، وكان ابن قدور من أبرز المعارضين لذلك الإجراء، وأظهر معارضته في عدة مقالات نشرها أيضا في جريدة الحضارة المذكورة. وإليك أبياتا من (يا شرق):
يا شرق ما لعقول قومك لا تعي ... نصحا من الماضي إلى المستقبل
صالت عليك مطامع الغرب الذي ... أرضعته لبن الترقي الأكمل
إن كان أهل الغرب قوم تمدن ... فهم الثعالب سبقا بتحيل
جعلوا مواطننا حمى لذويهم ... وأبوا علينا أن نقر بمعقل
يا شرقنا إني أعيذك أن ترى ... متغافلا عنهم فتسقط من عل
إني أعيذك أن يسود نفوذهم ... وتساق حيلتهم عليك فتنطلي (١)
وكان عمر بن قدور يؤمن بهذه الأفكار حول الإسلام والغرب والاضطهاد، ولكنه لا يستطيع أن ينشرها في الجزائر. ولذلك كان يراسل بنثره وشعره الصحف العربية والإسلامية، وكان عندئذ ما يزال في العشرينات من عمره؛ وقد نشر سنة ١٩٠٩ موشحا سياسيا في جريدة (الحاضرة) التونسية، استعمل فيه السياسة بدل الغزل ووصف الطبيعة، واستعار الصيغة من ابن سهل صاحب التواشيح المشهورة، واتخذ ابن قدور ذلك وسيلة لنقد الوضع الراهن في بلاده والبلدان الإسلامية الأخرى، وأعطاه العنوان التالي (هل أباد اليأس جيش الأمل؟) وقد صور حالة النور والظلام والتسلط والاضطهاد والنهضة والرقود - ذلك الجو المتناقض الذي كان يعيشه المسلمون. والشاعر مع ذلك غير يائس، فهو مصلح ويرجو أن يجني الشعب ثمار الأمل ولو بعد حين:
كيف نبقى في ظلام بعد ما ... أشرق النور بجو المجلس
لا تقولي الخير فيما قد سما ... عن حضيض الذل من ذي قبس
стр. 3750
ذهب الوقت متى نجني المنى ... هل أباد اليأس جيش الأمل
وفي رأي ابن قدور أن العلماء المسلمين هم الذين أوصلوا العالم الإسلامي إلى ما هو عليه. ذلك أن الحضارة الإسلامية قد ازدهرت ثم ذوت، وأخذ الغرب منها ما ارتقى به. ولكن العلماء المسلمين لم يستقيظوا، وضعف دينهم وضميرهم فحللوا الحرام وحرموا الحلال. وقد بقي الشاعر متسائلا عن مصير الأمة الإسلامية، ويبدو أنه كان غير يائس، كما قلنا، فهو يقول عن العلماء:
كم حلال حرموا كم من حرا ... م أحلوا حين نالوا الذهبا
من ضمير القوم زيغ يشترى ... هل ضمير الوعظ عنهم ذهبا
أمة الإسلام عنها انسلخت ... روح مجد بمساعي المنكر
هل يعود العلم والمجد كما ... عادت الشورى لأصل المغرس (١)
إن شاعرا على هذا المبدإ لا يمكن أن يكون له من الشعر سوى ما نشره في بعض الجرائد المعاصرة. وقد عاش ابن قدور إلى أوائل الثلاثينات. والغريب أننا لا نجد شعره ضمن كتاب (شعراء الجزائر) الذي نشر في آخر العشرينات. فهل هو الذي اختار عدم الظهور فيه أو هناك خلفيات أخرى للموضوع؟.
وفي هذه الأثناء كان هناك شاعر آخر يتحرق أيضا على وضع أمته ووطنه، وهو محمد المولود الزريبي. فقد عاش نفس الظروف تقريبا، وكان في نفس السن مع ابن قدور وعمر راسم. وزاد عليهما أنه درس في الأزهر، وشهد آثار النهضة في المشرق، ولعله توقف بتونس فامتلأ أفكارا وآمالا،