← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

وكان الافتخار بالماضي والنهوض بالحاضر واستشراف المستقبل المشرق هو لسان الشعراء المصلحين والوطنيين منذ الثلاثينات. وها هو محمد العيد يخاطب فرنسا سنة ١٩٣٦ على لسان الشعب أثناء وداع وفد المؤتمر الإسلامي الذي حمل إلى الحكومة الفرنسية في باريس، مطالب كانت عند البعض متواضعة جدا. ومع ذلك فإن الشاعر اعتبر الحدث قمة في النضج الشعبي والتضامن السياسي، فهو يخاطب فرنسا هكذا: فخففي الحجر عنا ... إنا نضاهيك رشيدا إنا نقاضيك دينا ... قد آن أن ويستردا حقا لنا منك ويقضي ... لا نعمة منك تسدى نحن الحنيفون دينا ... نحسن المنيفون مجدا يا شعب بشراك هذا ... خير لجيلك يهدى فخط للعز صرحا ... وخط للذل لحدا إن الجزائر منا ... بالروح والمال تفدى (١) إن هذه الروح الملتهبة بالحماس والوطنية لا نكاد نجدها في الشعر الجزائري خلال القرن الماضي، باستثناء بعض القصائد الفخرية للأمير عبد القادر. وليس من غرضنا الآن تتبع هذا الشعر السياسي إلى عشية الثورة. فقد تكفلت بذلك الدراسات التي ظهرت عن الشعر الجزائري الحديث، وقد أشرنا إليها. على أن جرح ٨ مايو ١٩٤٥ قد أوحى إلى شعراء مثل محمد العيد والإبراهيمي والربيع بوشامة وأحمد معاش الباتني قصائد مؤثرة. وحسبنا الآن التنويه بما أصاب الحركة الشعرية من تحول. ونريد أن نقول إن بعض الشعراء قد استمروا أيضا في (مدح فرنسا). وقد وجدنا من كان يتغنى بالراية الفرنسية سنة ١٩١٦. وذكرنا أن هناك مجموعة شعرية طبعت سنة ١٩١٦. ولعل هؤلاء الشعراء لم يعرفوا بعد الشعار الوطني: الإسلام ديني والجزائر وطني والعربية لغتي. ومع ذلك

стр. 3747

فالتاريخ يحتم علينا ذكرهم (١). الشعر الإسلامي والإصلاحي ومن الشعر السياسي أيضا ما قاله الجزائريون قاصدين به استنهاض العالم الإسلامي ومدح رجاله والمشاركة في النهضة العربية. ويدخل في ذلك توجيه الخطاب للأفراد وللشعوب والدول. ونريد الآن أن نتحدث عن الشعر الذي نظمه أصحابه وهم في الجزائر، ثم نذكر نماذج من شعراء المهجر أيضا أمثال محيي الدين بن الأمير عبد القادر وسليم الجزائري. وخلال الستينات شارك حسن بن بريهمات في التنويه بكتاب أقوم المسالك لخير الدين باشا التونسي. وهو الكتاب الذي نوه به أيضا الأمير عبد القادر، ولكن بالنثر. أما حسن بن بريهمات فقد بعث بقصيدة إلى المؤلف أظهر فيها ما للكتاب من أهمية للعالم العربي والإسلامي، بدعوته إلى التقدم وتقليد أوروبا في غير العقيدة. ومن أبياته في ذلك: لله درك، خير الدين، من علم ... أبدى منار الهدى للناس في القنن نهجت نهجا قويما قل سالكه ... إلى السياسة كي ينجو من الفتن بنيت طرق السداد بل وأقومها ... وقمت منتصرام للدين والوطن حق على أمة الإسلام شكركم ... ورعي تأليفكم بالقلب والأذن ومدح شخصيات مثل أحمد فارس الشدياق ومحمد عبده وأبي الهدى الصيادي والسلطان عبد الحميد الثاني يدخل في مضمار السياسة أيضا. ولكننا فضلنا ذكر ذلك في باب المدح. أما القصيدة التي قالها عمر بن قدور في

стр. 3748

حرب طرابلس فهي في الشعر السياسي الذي نحن بصدده. فقد أشاد فيها بأهل طرابلس وكفاحهم المرير ضد العدو، ونوه بضفلهم على العرب والمسلمين، وبكونهم صبروا وصمدوا في وقت تخاذلت فيه القوى الأخرى. وقد اختار لقصيدته عنوان (الأسوة الحسنة) ونشرها في جريدة (الحضارة) التي كانت تصدر بإسطانبول: رعى الله قوما من طرابلس الغرب ... تبين فضل الشرق منهم على الغرب خلاصة أسلاف كرام وأمة ... تلاشت نعوت الغير في نعتها الرحب رجال أبوا أن يضمحل فخارهم ... أمام العدو النهم في طلب النهب فأصلوه نار القهر درءا لبغيه ... وأبدوا مزايا الحزم والعزم عن قلب وصانوا ضمار الشرق والشرق مشرف ... على حيرة تفضي إلى الموقف الصعب على إثر يأس فت في ساعد المنى ... لقد أطلعوا الآمال تلمع كالشهب فهم معشر أرضوا الإله وحسبهم ... مزية رفع الذل عن عاتق الشعب (١) إنه شعر جديد في موضوعه وفي نغمته السياسية. وألفاظه غير مألوفة في أدبيات الشعر قبله. ونحن نعرف أن حرب طرابلس التي كان يتحدث عنها قد جربت بين ١٩١١ - ١٩١٢. ومن هذا النمط قصيدة (يا شرق) لعمر بن قدور أيضا. وهي من الشعر القومي والإسلامي في عهد النهضة. وكان الشاعر يعيش قضايا وطنه وملته وقومه، وكان يتحسر على وقوع بلاد المسلمين في قبضة الأجانب، وهو يرى أن الغرب المتمدن يستخدم الخداع والمكر لمد نفوذه، وكان على الشرق أن يعي نفسه ودوره ويثبت للغرب أنه ناهض للدفاع عن نفسه. وكانت عبارتا (الشرق والغرب) شائعتين عندئذ للدلالة على عالمين متباعدين وفي نفس الوقت واقعين في معركة حضارية كبيرة. وقد نشر ابن قدور قصيدته هذه في

стр. 3749

جريدة (الحضارة) أيضا سنة ١٩١٢، ثم أعاد نشرها في جريدته (الفاروق) التي أسسها سنة ١٩١٣. وفي تلك الأثناء كانت فرنسا تفرض على الجزائريين التجنيد الإجباري للخدمة في جيشها، وكان ابن قدور من أبرز المعارضين لذلك الإجراء، وأظهر معارضته في عدة مقالات نشرها أيضا في جريدة الحضارة المذكورة. وإليك أبياتا من (يا شرق): يا شرق ما لعقول قومك لا تعي ... نصحا من الماضي إلى المستقبل صالت عليك مطامع الغرب الذي ... أرضعته لبن الترقي الأكمل إن كان أهل الغرب قوم تمدن ... فهم الثعالب سبقا بتحيل جعلوا مواطننا حمى لذويهم ... وأبوا علينا أن نقر بمعقل يا شرقنا إني أعيذك أن ترى ... متغافلا عنهم فتسقط من عل إني أعيذك أن يسود نفوذهم ... وتساق حيلتهم عليك فتنطلي (١) وكان عمر بن قدور يؤمن بهذه الأفكار حول الإسلام والغرب والاضطهاد، ولكنه لا يستطيع أن ينشرها في الجزائر. ولذلك كان يراسل بنثره وشعره الصحف العربية والإسلامية، وكان عندئذ ما يزال في العشرينات من عمره؛ وقد نشر سنة ١٩٠٩ موشحا سياسيا في جريدة (الحاضرة) التونسية، استعمل فيه السياسة بدل الغزل ووصف الطبيعة، واستعار الصيغة من ابن سهل صاحب التواشيح المشهورة، واتخذ ابن قدور ذلك وسيلة لنقد الوضع الراهن في بلاده والبلدان الإسلامية الأخرى، وأعطاه العنوان التالي (هل أباد اليأس جيش الأمل؟) وقد صور حالة النور والظلام والتسلط والاضطهاد والنهضة والرقود - ذلك الجو المتناقض الذي كان يعيشه المسلمون. والشاعر مع ذلك غير يائس، فهو مصلح ويرجو أن يجني الشعب ثمار الأمل ولو بعد حين: كيف نبقى في ظلام بعد ما ... أشرق النور بجو المجلس لا تقولي الخير فيما قد سما ... عن حضيض الذل من ذي قبس

стр. 3750

ذهب الوقت متى نجني المنى ... هل أباد اليأس جيش الأمل وفي رأي ابن قدور أن العلماء المسلمين هم الذين أوصلوا العالم الإسلامي إلى ما هو عليه. ذلك أن الحضارة الإسلامية قد ازدهرت ثم ذوت، وأخذ الغرب منها ما ارتقى به. ولكن العلماء المسلمين لم يستقيظوا، وضعف دينهم وضميرهم فحللوا الحرام وحرموا الحلال. وقد بقي الشاعر متسائلا عن مصير الأمة الإسلامية، ويبدو أنه كان غير يائس، كما قلنا، فهو يقول عن العلماء: كم حلال حرموا كم من حرا ... م أحلوا حين نالوا الذهبا من ضمير القوم زيغ يشترى ... هل ضمير الوعظ عنهم ذهبا أمة الإسلام عنها انسلخت ... روح مجد بمساعي المنكر هل يعود العلم والمجد كما ... عادت الشورى لأصل المغرس (١) إن شاعرا على هذا المبدإ لا يمكن أن يكون له من الشعر سوى ما نشره في بعض الجرائد المعاصرة. وقد عاش ابن قدور إلى أوائل الثلاثينات. والغريب أننا لا نجد شعره ضمن كتاب (شعراء الجزائر) الذي نشر في آخر العشرينات. فهل هو الذي اختار عدم الظهور فيه أو هناك خلفيات أخرى للموضوع؟. وفي هذه الأثناء كان هناك شاعر آخر يتحرق أيضا على وضع أمته ووطنه، وهو محمد المولود الزريبي. فقد عاش نفس الظروف تقريبا، وكان في نفس السن مع ابن قدور وعمر راسم. وزاد عليهما أنه درس في الأزهر، وشهد آثار النهضة في المشرق، ولعله توقف بتونس فامتلأ أفكارا وآمالا،

стр. 3751

ولكنه حين رجع إلى بلاده وجد الاستعمار جاثما والشعب نائما والأفكار جامدة والبدع تغزو المجتمع، فثارت ثائرته ودعا إلى النهضة ونبذ البدع والخرافات ومقاومة الاستعمار والطرقية بأسلوب جديد، وهو التعليم وبناء المساجد الحرة. وقد تنقل الزريبي أثناء ذلك في المناطق النائية قبل أن يستقر في العاصمة. فهو ليس مثل ابن قدور وعمر راسم من أبناء المدية، ولكنه ابن ريف (من زريبة الوادي)، وقد عاش في ليانة وباتنة وبسكرة وأريس قبل أن يحل بالعاصمة. ولا نعرف أنه نشر شعره خارج الجزائر، كما فعل ابن قدور. والقطع التي عثرنا عليها له كانت منشورة في جريدة (كوكب أفريقية) التي كانت تصدر بالعاصمة، ثم ضمنها كتابه (بدور الأفهام) الذي طبعه بتونس. وقد قال ذات مرة إن له (قصائد كثيرة) في موضوع الدعوة إلى العلم والنهي عن البدع. وجاء في قصيدة (زفرات العشي) التي تبلغ السبعين بيتا: كأني بزفرات العشي موكل ... وفي (الكوكب الإفريقي) أبدى دواها إذا دهمتني النوائب برهة ... رفعت له (١) الشكوى فأمسى مساها سيخضع أهل السوء من كل منكب ... فسيف يراعى كم أباد جباها فأنت تراني تارة أزعج الملا ... وحينا كما الخنساء ترثي أخاها أقول، وأهل الحي مني بمسمع ... وأغرق عيني في بحار بكاها أعوذ برب العرش من فئة طغت ... وما برحت في غيها وعماها وفي القصيدة ذكر الشاعر أنه غيور على الدين ومناهض للبدع، وأنه من طلبة الأزهر، ونوه بهذا الجامع وكذلك جامع الزيتونة. وافتخر بنفسه لأنه من العلماء الأعلام وبرحلاته شرقا وغربا، وتمنى أن يقتدي به قومه في العلم وشد الرحال له (٢). ومن قصائد الزريبي الجيدة في هذا المجال تلك التي سماها (نظرات أو

стр. 3752

عبرات في النفس والعقل والعلم والجهل). وقد نشرها في كوكب أفريقية أيضا. وهو فيها يخاطب قومه النائمين ولا يهاجم الغرب ويتداخل في السياسة، كما فعل ابن قدور. ونحن نعلم أن جريدة كوكب افريقية كانت حكومية وكان محررها هو محمود كحول. ولو هاجم الزريبي الغرب وتداخل في السياسة لما نشرت له الجريدة شعره ولاضطر إما إلى نشره خارج الجزائر وإما إلى السكوت. ولكن الزريبي قد لف شعره الثائر بالدعوة إلى العلم (كما فعل ابن الموهوب أيضا)، وهي دعوة أصبحت مقبولة عندئذ من الفرنسيين، لأنها تبدو دعوة محايدة سياسيا. وفي مطلع هذه القصيدة نزعة رومانتيكية مجنحة وبداية جميلة: يا بدر مالك بالأنحاء تفتخر ... ألم تكن بطلوع الشمس تستتر والقمر (البدر) والشعر رفيقان منذ القديم، والشاعر المتأمل يستهويه الليل السادر والقمر الساهر. ولكن الزريبي انتقل بسرعة إلى موضوعه الرئيسي - العلم والجهل -، وها نحن نرى تغييرا كبيرا حدث في مطلع القصائد من عهد الأمير وعهد أحمد بوطالب الذي بدأ سنة ١٨٤٩ قصيدته بقوله (جاءت توفي لنا سعدى بميعاد) ثم أضاف الزريبي قوله: والعقل تصلحه العلوم والحكم ... وليس تصلحه الآصال والبكر يا قوم ما لي أراكم في جهالتكم ... كقوم موسى طغوا فهالهم صغر هذا الذي ترك العلوم خامدة ... وأفسد القطر حتى عمه الضجر وهذه عبرات كنت أسكبها ... أذاعها قالب الأنظار والخبر لا زلت أنشدكم في خدمة الوطن ... كفى شهيدا علي الصحف والطرر إن عشت يشهد لي القرطاس والقلم ... وإن أنا مت فالتاريخ والعبر (١) ولعل الفرق بين ابن قدور والزريبي أن هذا ثائر اجتماعي وابن قدور ثائر سياسي. ولكن شعرهما معا يمثل مرحلة جديدة في تطور الحركة الشعرية من التقليد إلى التجديد، في الموضوعات والقوالب والروح والصور.

стр. 3753

وكان ابن الموهوب معاصرا لهما أيضا، ولكنه كان أضعفهما شاعرية، وإن كانت روح الإصلاح عنده قوية. وكان ابن الموهوب موظفا رسميا، وهما أكثر منه حرية. وكان ابن قدور، على ما نعلم، يكسب من العمل في جريدة الأخبار حين تولى بها القسم العربي الجديد، ولكنه غير معين من قبل إدارة الشؤون الأهلية مثل ابن الموهوب الذي كان مدرسا في مدرسة قسنطينة الرسمية، ثم تولى منذ ١٩٠٨ وظيفة الفتوى (١). فكان شعره إصلاحيا وتعليميا. ولذلك لا نستغرب أن يقوم شيخه المجاوي بشرح قصيدته التي تشبه في ثورتها الاجتماعية قصائد الزريبي. وقد آمن ابن الموهوب أيضا بالعلم والتقدم سبيلا لنهضة قومه. ولكن مجال القول كان محدودا في ذلك قبل عهد شارل جونار، فظل على صمته أو لم ينشر مشاعره على الناس، رغم أنه كان مدرسا في قسنطينة منذ حوالي ١٨٩٨. ومع انطلاقة الدعوة إلى التعلم على عهد جونار انطلق ان الموهوب أيضا، فنظم الشعر في إصلاح المجتمع، ونظم الأناشيد للتلاميذ ليتغنوا بها وألقى محاضرات في نادي صالح باي حول نفس الموضوعات. وهكذا يكون ابن الموهوب قد استغل الفرصة المتمثلة في (التسامح) الفرنسي حول التعليم وناشد الجزائريين التخلي عن الكسل، ونبذ الخمور والفساد والربا والحسد والبدع، والدخول إلى معترك الحياة إلى جانب الفرنسيين لمناكبتهم ومزاحمتهم، وهي دعوة شبيهة بدعوة الشيخ محمد عبده سنة ١٩٠٣ حين زار الجزائر وطلب من أهلها أن ينافسوا الفرنسيين في العلم والعمل كتفا بكتف وذراعا بذراع. وقصيدة (المنصفة) لابن الموهوب قصيدة قوية الروح ولكنها ضعيفة الشعر. وهدفها، كما قلنا، تعليمي. وقد صاغها على قالب قصيدة عمرو بن كلثوم. وهي في نحو خمسين بيتار (٢). فشكا ابن الموهوب أولا من تقلب

стр. 3754

الأحوال حين ارتفع الأسافل وانخفض الأعلون، وأصاب الجهل كيان الشعب ودبت في أوصاله أدواء كثيرة، وما الخلاص إلا في اليقظة والعلم لنفي التهمة عن الإسلام من أنه دين التخلف. ولم يهاجم ابن الموهوب الإدارة ولم يتداخل في السياسة، بل كان لسان حاله هو شكر الإدارة على فتح مجال التعليم. وهذه أبيات من القصيدة: صعود الأسفلين به دهينا ... لأنا للمعارف ما هدينا رمت أمواج بحر اللهو منا ... أناسا للخمور ملازمينا أضاعوا عرضهم والمال حبا ... لبنت الحان فازدادوا جنونا ألا يا دهر يكفي ما بلينا ... به من نشر ذي الأمراض فينا أليس اليسر يأتي بعد عسر ... فهل كان الشقاء لنا قرينا ينادينا الكتاب لكل خير ... فهل كنا لذلك سامعينا إن الموضوعات التي عالجها ابن قدور والزريبي وابن الموهوب قبل الحرب العالمية الأولى ستظهر بقوة في شعر محمد العيد وأبي اليقظان والعقبي والزاهري وأضرابهم بعد هذه الحرب. وقد احتل الشعر الإسلامي والإصلاحي جانبا كبيرا من شعر محمد العيد. وتناول ذلك بعض الدارسين له أمثال محمد بن سمية. كما أن موضوعات المرأة والأطفال المشردين والفقراء والأغنياء والمآسي الاجتماعية قد أخذت حظا وافرا عند الشاعر محمد العيد. ومعظم الشعراء قد عالجوا موضوع التعليم بطرق مختلفة (١). لم تعد الدعوة إلى العلم هكذا، ولكن إلى التعليم العربي والحضارة الإسلامية ونشر الماضي، وتكوين رجال ونساء الغد. وأنت ستجد في شعر أحمد سحنون والصادق خبشاش وأبي بكر بن رحمون رصيدا كبيرا من هذا

стр. 3755

الشعر الإصلاحي - الإسلامي. ولا نريد الآن أن نعالج ذلك لوفرة الدراسات فيه. شعر المدح شعر المدح كثير نسبيا، وهو يشمل مدح الأعيان والمشاريع والأفكار والمؤلفات وغيرها، والشعراء خاضوا في كل ذلك تقريبا. وقد كدنا نعتبر جانبا من الشعر السياسي في الفرنسيين مدحا أيضا، مثل مدح نابليون الثالث، ومدح جونار، لولا أننا رأيناه شعرا متسيسا إلى حد كبير، بينما شعر المدح قائم في الأساس على الإعجاب والاحترام. وسندخل في شعر المدح أيضا تقاريظ الكتب ونحوها والإشادة بأصحاب الجرائد والمواقف. وقد ذكرنا جانبا من ذلك في حديثنا عن قصيدة حسن بن بريهمات في خير الدين التونسي وكتابه وربطنا ذلك بتطور العالم الإسلامي والحضارة الغربية. وشعر الرثاء مدح أيضا، لأن الشاعر الراثي إنما يسجل أسفه على الفقيد ويعدد محامده كما لو كان حيا. وقد فضلنا الفصل بين الفقرتين، مع ذلك. والهجاء من المدح أيضا، وسنشير إلى بعض الشعر الذي استعمل للهجاء والمناسبة، إذا لزم الأمر. ويمكن تقسيم شعر المدح، كما فعلنا مع بعض أنواع الشعر الأخرى، إلى مرحلتين: من الاحتلال إلى حوالي ١٩١٤، ومن هذا التاريخ إلى عشية الثورة. وقد ارتبطت كثرة الأمداح وقلتها بتطور حركة الشعر نفسه، كما سبقت الإشارة. ولكن قصائد المدح، كانت تظهر من وقت لآخر، سيما في عهد الأمير، وفي علاقات شعراء الجزائر بأعلام الشرق، وولائهم لرجال التصوف والمناقب، أما في المرحلة الأخيرة فقد كثر المادحون والممدوحون لتطور حركة التعليم وظهور الشعر المتأثر بالنهضة في الأسلوب والروح، وكان للحركة الإصلاحية رجالها من الشعراء والزعماء. والملاحظ أن القيادات السياسية لم تستطع أن تستدر عطف الشعراء، فباستثناء الأمير خالد

стр. 3756

لا نجد الشعراء قالوا في زعماء الأحزاب شعراء، مثل مصالي الحاج وفرحات عباس والدكتور ابن جلول. بينما حظي ابن باديس والإبراهيمي بقسط كبير من ذلك. ولعل كثرة التقاريظ للكتب تدل على أن الشعر لم يجد الزعماء والأعيان ليمدحهم. فاكتفى بمدح آثار بعض الكتاب. والتقريظ في الواقع مدح للكتاب وليس للمؤلف، وللأفكار لا للأشخاص. ولكن المؤلف يأخذ نصيبه القليل من ذلك، رغم أنه ليس زعيما ولا سياسيا. وسيضم شعر المدح ما قيل في الجزائريين وفي غيرهم. وما نظمه المقيمون والمهاجرون منهم. وقد حظي الأمير عبد القادر بأمداح ذكر منها ابنه في الجزء الثاني من (تحفة الزائر) مجموعة، ولكن يلاحظ أنها في أغلبها من غير الجزائريين (١). أما هؤلاء فنعرف أن ابن عمه الطيب بن المختار، كان يقول فيه الشعر، وله فيه أكثر من قصيدة. وكان الطيب بن المختار قد عاش مع الأمير في المشرق ثم رجع إلى الجزائر وتولى فيها وظيفة القضاء. وقد اجتمع بالأمير مرة أخرى حين توجه إلى مرسيليا لمقابلته أثناء إحدى زيارات الأمير لفرنسا. ومن قصائده فيه: بالله يا عبد القادر من مهجة ... ألقيت بين صوارم وسهام يا شمس علم في سماء معارف ... يا نخبة الفضلاء والأعلام لك في الحروب مناقب علوية ... ووضوحها أغنى عن الأعلام لله در نفيسة أرخصتها ... وبذلتها في نصرة الإسلام (٢) ورغم أن الطيب بن المختار عاش خلال النصف الثاني من القرن الماضي، فإنه مدح الأمير بقصيدة بدأها باسم هند على عادة القدماء، ومطلعها:

стр. 3757

أكل خليل لا يدوم له عهد ... أم انفردت في حل ما عقدت هند أراها استحالت حالها وتنكرت ... معارفها والطرف عني مرتد (١) وقد كاد الشعر الفصيح الذي عثرنا عليه ينحصر في عائلة الأمير خلال القرن الماضي. فإلى جانب الطيب بن المختار، هناك عائلة بوطالب، وأبناء الأمير، سيما محمد ومحيي الدين وعبد المالك. فلماذا ذلك؟ إن هناك بعض العائلات قد توارثت الشعر أيضا، مثل ابن بريهمات، ولا سيما شعر المدح، ولكن ما توصلنا إليه لا يدل على قصائد كثيرة وعلى تنوع مراتع الشعراء، باستثناء الشعر الصوفي طبعا. وقد لاحظنا أن اسم الأمير قد ورد في شعر أحمد بوطالب، ولكنه جاء عرضا، فقط عند ذكر (الإحسان) الفرنسي وإطلاق سراحه. فهل كان أقارب الأمير لا يمدحونه خوفا من الفرنسيين؟ وها هو أحد متعلمي تلمسان، واسمه ابن مزيان، مدح الأمير بقصيدة لا ندري تاريخها الآن. وهي غير منشورة على ما نعلم قبل المصدر الذي نقلنا عنه؛ يقول ابن مزيان: بشراك ما شرب كأس المجد في شرف ... في حضرة حفها قطب وأبدال أنت الإمام وابن الإمام وابن الذي ... لولاه ما أرسلت للناس أرسال هذا الذي أدب الأبطال في كبر ... كما تؤدب أولاد وأطفال (٢) وواضح أن الشاعر يمدح الأمير بالشرف والدين والتصوف في حضرة حفها قطب وأبدال. ولكنه في البيت الأخير أعطى للأمير حقه في الجهاد وتحرير البلاد. ولا ندري ما إذا كان للشاعر قصائد أخرى على هذا النمط. ومن الملفت للنظر أن الأمير لم يدخل أدبيات الشعر إلا بعد الاستقلال. ورغم شهرته في العالم وعند الفرنسيين خاصة، فإنه قد غيب عن الجزائريين قصدا، وأصبح اسمه كأنه عنقاء مغرب. وفي حدود ١٨٣٧ (١٢٥٢ هـ) كان حمدان خوجة في إسطانبول

стр. 3758

لاجئا. وقد ألف كتابه (إتحاف المنصفين) وأهداه إلى السلطان محمود الثاني مع قصيدة في مدحه، مطلعها: تخيرت (محمود) المعالي على الكبر ... ويممت ساحات الندى راحة البشر وكان خوجة قد تجاوز الستين سنة، وقد عاش حوالي عشر سنوات بعد ذلك، ووجد في العاصمة العثمانية عملا واحتراما (١). وفي أواخر القرن اشتهر عاشور الخنقي بالأمداح. وقد ذكرنا أنه خصص شعره لمدح الأشراف والمنافحة عنهم وهجو من يتعرض لهم. ومن تقاليد الجزائريين أن الذي يختم تفسير القرآن الكريم أو صحيح البخاري أو عقيدة السنوسي في التوحيد يتقدم إليه الشعراء ليلة الختم بالمدح في حفل مهيب يقام لهذا الغرض في أحد المساجد. ومن ذلك احتفال العلماء والشعراء بختم الأمير عبد القادر (أم البراهين) للسنوسي سنة ١٨٣٧ في المدية. وكان قدور بن رويلة، وهو أحد كتاب الأمير، من الذين مدحوه شعرا (٢). وكان الشاعر أحمد بوطالب الغريسي الذي ذكرناه بالنسبة للشعر السياسي قد مدح الشيخ علي بن الحفاف، مفتي المالكية في الحزائر (ت ١٣٠٧/ ١٨٨٩) وهنأه بختم الحديث الشريف. وكان ابن الحفاف من أنصار الأمير عبد القادر أثناء المقاومة، فالارتباط بين عائلة بوطالب وابن الحفاف ربما يرجع إلى ذلك التاريخ. ومهما كان الأمر، فإن قصيدة أبي طالب تبدأ: ختم الحديث له الأكوان تفتح ... لا سيما ما ببدء الوحي مفتتح (٣)

стр. 3759

وقد اشتهر في تلمسان ونواحيها القاضي شعيب في آخر القرن وأول هذا القرن (ت. ١٩٢٨). وقصده بعض الأدباء والعلماء في طلب الإجازة، وتناوله آخرون بالمدح طلبا في تدخلاته لقضاء مصالحهم. وقد عثرنا على شعر وفير في ذلك، ومنهم من كان يقرض الشعر تجريبا، ومن كان حظه فيه قليلا. ولكن الغوثي بن أبي علي (بوعلي) يظهر أنه قد تمرس على الشعر. وها هي قصيدته في مدح الشيخ المذكور تشهد بذلك. وكان الغوثي من خريجي المدارس الرسمية، وتولى القضاء أيضا فترة ثم جلبه المستشرق ألفريد بيل إلى مدرسة تلمسان الرسمية، واستعان به مستشرقون آخرون على تحقيق بعض المخطوطات (١). فكان أديبا وشاعرا لو وجد من يأخذ بيده لكان له شأن عظيم. ومهما كان الأمر فإن الغوثي بوعلي نظم قصيدته في مدح القاضي شعيب في سبتمبر ١٩١٢. ولا نعرف أنه نشرها. وقد افتخر فيها بنفسه وبانتمائه الحضاري وعلاقته بالقاضي المذكور - أصول أندلسية؟. ويدل شعره على معارف قوية. والقصيدة ذات بداية تقليدية إذ طالعها غزلي ثقيل. وقد اعترف لشيخه بالأستاذية ولا سيما في الشعر. وإليك بعض أبيات منها: وناعمة الخدين زاهرة البشر ... ململمة الشديين عاطرة النشر رضابها من شهد وخدها من ورد ... وعرفها من ند وثغرها من در وخذها من النسل الكريم عقيلة ... تزف إلى مغناك باسمة الثغر تسير بهمس الصوت للقصر عندكم ... وحاشا علاكم أن ترد بلا مهر فإن حرم المرغوب عندك شاعر ... سلام على التسجيع والنثر والشعر فلو كان هذا الشعر بالإرث يقتني ... لما خطت الأقلام حرفا على سطر ولو كانت الأرزاق تأتي بقوة ... لما رزق العصفور شيئا مع النسر

стр. 3760

ولكنه فضل من الله ظاهر ... فلا زالت الأقلام تنطق بالحبر ولازلت بالتقريض للمولى مادحا ... أمجد ذاك الفضل حتى إلى الحشر (١) وواضح أن في هذا الشعر تكلفا كبيرا في الألفاظ والمعاني. كما أن الموضوع تقليدي، ليس في المدح فقط ولكن في الطالع، كما ذكرنا. ويغلب على الظن أن للغوثي بوعلي أشعارا أخرى، وربما نشر في جريدة المغرب وكوب افريقية من جرائد الحكومة العامة بالعاصمة. وكثيرا ما مدح الطلبة أساتذتهم والمقدمون شيوخهم في وقت اختفت فيه المناسبات العمومية وخفت فيه صوت الحديث عن السياسة وأهلها. ومن ذلك مدح حسن بن بريهمات لشيخه مصطفى الحرار (٢). وقد أشرنا إلى عاشور وشيخه الهاملي. وها نحن نذكر قصيدة محمد الصالح القلي في شيخه أبي القاسم البوجليلي. وتبدأ هكذا: أشجاك شوق منه دمعك سائل ... أم أدركتك بشائر ورسائل ثم تخلص إلى مدح شيخه فقال: علامة العلماء والبحر الذي ... لا ينتهي، ولكل بحر ساحل يأتي إليه الطالبون لعلمه ... ولفضله، ذا راكب ذا راجل فاق الفحول فصاحة وبلاغة ... فهم الجداول وهو بحر كامل و (أبو جليل) قد بدا متبخترا ... وتفجرت لذوي الفهوم مناهل (٣) ولقد حظي ابن باديس بعدة قصائد من تلاميذه وأنصاره، وفيهم المجود والمهلهل. وكان محمد العيد في طليعة المجودين. فقد كان شعره العذب المتجدد متفوقا على شعر الشعراء المعاصرين له. وكانت لمحمد العيد حوليات يأتي فيها على ذكر الأعمال التي كان يقوم بها ابن باديس من أجل

стр. 3761

الوطن والإسلام واللغة العربية. ولعل أعظم قصيدة قالها فيه هي مدحه على ختم القرآن الكريم سنة ١٩٣٨، ومطلعها: بمثلك تعتز البلاد وتفخر ... وتزخر بالعلم المنير وتزهر وهي منشورة في الديوان المطبوع وفي جرائد الوقت، وقد تناولناها في دراستنا عنه. والواقع أن مناسبة الاحتفال بختم القرآن كانت فرصة نادرة لتباري الشعراء وانطلاق قرائحهم في المدح لابن باديس وأعماله. ومن الذين نظموا قصائدهم أيضا وألقوها أو ألقيت بالنيابة عنهم، الحاج أحمد البوعوني ومبارك جلواح. وكان البوعوني كبير السن فنظم قصيدة ألقيت بالنيابة عنه، وقد جاء فيها: وإن الشعر ممن عاش قرنا ... لكالهذيان في الطفل الصغير ولو عاد الشباب لقمت فيها ... مقامات الفرزدق أو جرير (١) ولمحمد العيد عيون من الشعر في بعض أعيان جمعية العلماء كالعقبي والإبراهيمي. وقد هنأ الإبراهيمي بانتخابه عضوا مراسلا لمجمع اللغة العربية بالقاهرة. وهنأ العقبي بإطلاق سراحه وتبرئته. وقد مدح محمد العيد المنشآت والجرائد والمؤلفات أيضا، فأشاد بالمدارس التي تبنى بأموال الشعب، لأغراض خيرية وعلمية، وبالنوادي، والجمعيات، وبجريدتي ن المنتقد وصدى الصحراء وغيرهما. كما هنأ وقرظ الكتب الآتية: تاريخ الجزائر، ورسالة الشرك للميلي، وكتاب محمد عثمان باشا للمدني، وكتاب ذكرى الدكتور ابن شنب للجيلالي، وكتاب شعراء الجزائر للسنوسي، وغيرها. ولا نريد أن نتحدث طويلا عن الشعر بعد ١٩١٩ لأنه، كما قلنا، مدروس، وإنما نريد أن نربط الحلقات بعضها ببعض. وقد قلنا إن التقريظ صفحة أخرى من المدح. ونحن نجد ذلك شائعا

стр. 3762

منذ بدأت الكتب في الظهور آخر القرن الماضي (في الماضي كانت التقاريظ أيضا وكانت تحفظ ضمن المخطوطات). ومن أوائل الكتب المطبوعة التي وجدنا عليها عددا من التقاريظ كتاب (نزهة الأفكار) لأبي بكر بوطالب (١). وعند ظهور تعريف الخلف ١٩٠٦ قرظه محمد بن عبد الرحمن الديسي شعرا ونثرا. كما قرظ آخرون كتاب (سائق السعادة في الحسنى والزيادة) لأحمد الأكحل (٢). وقرظ قدور بن محيي الدين تفسير الشيخ الثعالبي بقصيدة هنأ فيها المحقق الشيخ محمد بن مصطفى خوجة على جهده، ومطلعها: أعز مغتنم تصفو مشاربه ... يحظى به لهج بالعلم مسرور (٣) بالإضافة إلى ما ذكرنا نشير إلى تقريظ الطيب العقبي لكتاب (جماعة المسلمين) لأبي يعلى الزواوي (٤). وذكر الزواوي نفسه أن بشير الرابحي قد مدحه بقصيدة على خطه في المصحف الشريف (٥). وقد أشرنا في فصل النثر إلى تقريظ أحمد الأكحل لكتاب الهاشمي بكار. ... ونتناول الآن الأمداح المتعلقة بأشخاص غير جزائريين. وقد مدح الأمير عبد القادر السلطان عبد المجيد بقصيدتين على الأقل، الأولى عند نزوله اسطانبول أول مرة ضيفا على الدولة العثمانية. والثانية عند وقوع الحرب بين هذه الدولة وروسيا. ولا داعي لذكر نماذج منهما (٦). كما أن حسن بن

стр. 3763

بريهمات مدح خير الدين التونسي، وعاشور الخنقي مدح السلطان عبد الحميد الثاني وأبا الهدى الصيادي. ونحن نعلم أن المشرفي (أبا حامد) قد مدح سلطان المغرب الحسن الأول، وقد ذكرنا ذلك في الدواوين. ولا نتوقع أن نحصي ذلك النوع من الشعر هنا. فهو لا شك كثير، ولكن تعوزنا اليوم مصادره. وقد كشف أبو اليقظان على أنه قد مدح سليمان الباروني وربما مدحه غيره أيضا. واشتهر مفدي زكريا بالمدح، حتى خص سلاطين المغرب بديوان ورئيس تونس بآخر، ولكن ذلك لا يعنينا هنا لأنه جاء بعد الفترة التي نتناولها. وكان أبو طالب الغريسي (أحمد؟) قد مدح أحمد فارس الشدياق، رئيس تحرير جريدة (الجوانب) الشهيرة في الدولة العثمانية. وكان الشدياق معروفا في الجزائر أيضا لأن له كتابا تعليميا في نحو اللغة الفرنسية كان متداولا، وربما كان الشدياق قد زار الجزائر، ومن الأكيد أنه زار فرنسا، وكان من النصارى الذين اعتنقوا الإسلام. وله قصيدة طويلة في مدح الأمير عبد القادر. اغتنم بوطالب ظهور كتاب للشدياق عنوانه (سر الليال في القلب والإبدال) وأرسل إليه قصيدة فنشرها الشدياق في (كنز الرغائب). وبوطالب كان متمسكا بطالع القصيدة التقليدية - الغزل - فهو يقول: سنا (سر الليال) أضاء ليلا ... فأنساني مسامرتي لليلي وذكرني المثاني لا المباني ... وأذهلني فرواني وعلا وقد جاء فيها عن الشدياق خاصة: وحيد في الفصاحة لا يجاري ... فريد في البلاغة لا يجلى أصاب بفهمه غرض المعاني ... وحاز بحزمه القدح المعلى وكم جابت (جوائبه) بلادا ... وجاب بيانها حزنا وسهلا بنيت لك الوداد أبا سليم ... على عهد يدوم له محلا (١)

стр. 3764

ولا ندري متى قال بو طالب هذا الشعر، ولكن شتان بين شعره في الفرنسيين وشعره هذا. فهو هنا شعر عذب سائغ ورقيق شائق. فهل تطور في شعره إلى هذا الحد؟ وأين ديوانه الذي قد يكون اشتمل على جميل الشعر، إذا عرفنا أنه عاش في فترة فراغ شعري كبير، وهي النصف الثاني من القرن الماضي؟. وقد أثرت شخصية الشيخ محمد عبده على جيل العلماء في مدار القرن سواء أولئك الذين درسوا في مصر أمثال المولود الزريبي أو الذين سمعوا به وقابلوه، أمثال عمر راسم وعمر بن قدور، ومحمد بن مصطفى وعبد الحليم بن سماية، وربما كان الكمال ممن زاروا مصر أيضا، فقد ذكر عمر راسم في ترجمته له أنه كان يعرف مصر كثيرا حتى كأنه من أهلها. وكان عمر راسم قد زار مصر أيضا. أما ابن سماية وابن زكري فقد زارا بلاد الشام وربما زارا مصر أيضا. وقد تكونت (مدرسة) لأتباع الشيخ عبده في الجزائر، منهم من ذكرنا ومنهم أيضا الشيخ المولود بن الموهوب وغيره (١). ويهمنا الآن الشعر الذي قيل فيه. وكان ابن مصطفى متأثرا بتفسير سورة (والعصر) الذي نشره الشيخ عبده في مصر بعد رجوعه من الجزائر، فقرظه (شعر؟) (٢). وارتبطت علاقات وطيدة بين محمد عبده وعبد الحليم بن سماية، وظهر الإعجاب بالشيخ عبده عند ابن سماية في قصيدة (٥٠ بيتا)، نشرت منها المنار حوالي عشرين فقط، ووعدت بنشرها كاملة. وقد عبر فيها ابن سماية عن الإعجاب الشديد بعلم وتقى الشيخ عبده، وبمجالسه المفيدة:

стр. 3765

فأنت لنا شمس تنير على المدى ... أتى نورها من غير أن نتطلعا أدير بذكراك الذي منك قد مضى ... فاشرب كأسا بالصفاء مشعشعا يذكر فيك المجد والعلم والتقى ... فانظر من علياك عرشا مرفعا وتلوى إلى تلك المجالس فكرتي ... فتنرك قلبي بالخيال ممتعا محافل كان العلم فيها مجالسي ... أسامر بدرا بالجلال مقنعا (١) والقصيدة تدور على هذا النمط من الذكريات العلمية والأدبية التي قامت بين الرجلين ثم افترقا. وكان الشيخ عبده يسمى ابن سماية (ولدي). وقد راسله من صقلية ومن مصر. وكانت للمغرب الأقصى وفود دينية وسياسية تتردد على الجزائر، ويحظى بعض رجالها بالترحيب. ومن الزيارات الدينية زيارة شريف وزان، زعيم الطريقة الطيبية في آخر القرن الماضي. ولا نعرف أن هناك من مدح شريف وزان عندئذ. ثم حل وفد مغربي رسمي أوائل هذا القرن برئاسة الوزير محمد الجباس، وجندت السلطات الفرنسية أدباء وأعيان البلاد للترحيب بالوفد المغربي، ومنهم محمد بن مصطفى خوجة الذي سبق ذكره. ولكن الشعر كان غائبا في هذه المناسبة أيضا، على ما نعلم. وكان عبد الحي الكتاني يتردد على الجزائر، فتبادل مع بعض علمائها الشعر والإجازات، كما سنعرف. أما قصائد المدح فلم تنظم إلا في الوزير محمد الحجوي الذي جاء إلى الجزائر لحضور ندوة جامعة الزوايا، التي أنشأتها الطرق الصوفية في المغرب العربي بدعم وإيعاز من السلطات الفرنسية. وكان ذلك سنة ١٣٥٧ (١٩٣٨). ومن الشعراء الذين شاركوا في النظم أحمد الأكحل الذي سبق ذكره، والبشير الرابحي. وكان أحمد الأكحل عندئذ رئيسا لجمعية تسمى الحياة، أما الرابحي فقد كان إماما بجامع الزحاولة غير بعيد من العاصمة. ونظن أن هذا الشعر كان أيضا بإيعاز من الفرنسيين، لأن الشاعرين لا يمكنهما تمجيد الرجل لو لم توافق الإدارة.

стр. 3766

يقول أحمد الأكحل في وزير المعارف المغربي (الحجوي): ألا أيها المولى السعيد الممجد ... ومن هو في المعارف مفرد هو المرتضى (الحجوي) من آل هاشم ... بل العالم الشهم الفقيه الموحد حللتم حلول البدر ليلة تمه ... بمزغنة الحسناء والسعد يرصد (١) أما الرابحي الذي كان كاتبا عاما لجامعة اتحاد الزوايا، فقد رحب بالحجوي على النحو التالي: أهلا وسهلا ومرحبا ... بالصدر فخر الرجال السعد أمسى قريرا ... مستعليا كالهلال من مغرب قد تسامى ... إذ نال أسنى الخصال من حاز علما ونبلا ... في عز وجاه وآل ذاك الوزير المفدى بكل نفس ومال (٢) وواضح أن في هذا الشعر تكلفا كثيرا وضعفا كبيرا. ولكن الشعر الجزائري الجيد شارك في مدح رجال المغرب الذين سعوا لاستقلاله. وقد خص محمد العيد وغيره سلطان المغرب، محمد بن يوسف، بشعر جيد عند رجوعه منتصرا من المنفى ونجاحه في المفاوضات مع السلطات الفرنسية سنة ١٩٥٥، ذلك شعر عبقري لا تكلف فيه، ولكن تناوله هنا يخرجنا عن موضوعنا (٣). شعر الرثاء تشمل فقرة المراثي ما قاله الشعراء في الأفراد وحتى المدن، مثل رثاء

стр. 3767

الجزائر لابن الشاهد، كما تشمل مراثي الجزائريين وغيرهم. وبالمقارنة سنرى أن حجم المراثي ضئيل بالنسبة إلى بعض الأغراض الأخرى. وهذا الشعر، كغيره، فيه الصادق الجيد وفيه المتكلف الضعيف، والرثاء يمكن أن يكون بابا من أبواب المدح كما أشرنا، ولكن للأموات. وقد قيل رثاء كثير في الأمير عبد القادر عند وفاته سنة ١٨٨٣. ولكن أغلب من رثاه كانوا من المشارقة. أما الجزائريون فقد رثاه منهم بعض المهاجرين، مثل محمد المبارك والطاهر السمعوني. فقال الأول من قصيدة بعثها إلى محمد بن الأمير، كبير العائلة: الصبر أجدر في الخطوب وأليق ... والحزم أوفق بالنفوس وأرفق وبعث مع القصيدة رسالة تضمنت أبياتا عديدة على عادتهم في ذلك. وتعتبر من الرسائل الأدبية الرائقة (١). أما الطاهر السمعوني فقد أرسل من بيروت قصيدة ورسالة أيضا إلى محمد بن الأمير والعائلة، وعبر عن حرقته لوفاة الأمير ومكانته في الجزائر والمشرق: خطب جسيم عم بالأكدار ... ما بعده لسواه من مقدار (٢) أما الجزائريون المقيمون في بلادهم فلا نعرف أنهم رثوا الأمير غير ابن عمه الطيب بن المختار، ولعل ذلك راجع إلى خوفهم من سوء معاملة فرنسا لهم أو عدم وجود وسائل النشر. أما الطيب بن المختار فقد بعث بقصيدته إلى محمد بن الأمير، وهي: هذا هو الرزء لا الرزء الذي غبرا ... فليتني كنت قبل اليوم تحت ثرا ولعل هناك من رثى الأمير أيضا دون أن تصل إلينا آثارهم. وكان الأمير عبد القادر نفسه قد رثى والدته. وكانت قد رافقته في كل

стр. 3768

تنقلاته. وعاونته أثناء جهاده. وكان يكن لها حبا جما. وقد أدركها الموت في دمشق عن ثمانين سنة. وحضر الأمير دفنها وعبر عن حزنه بعد ذلك في قصيدة، مطلعها: جاورت يا لحدها في الشام يحياها ... وأنت يا روحها بشراك في طه ولا أقول اختفى في الرمس هيكلها ... لكن أقول سماء الشمس موطاها وقبل ذلك كان الشيخ مصطفى الكبابطي قد رثى شيخه علي المانجلاتي بابيات قليلة وضعيفة. ولكنها تعبر عن لوعته وشدة مصابه. وكان ذلك في السنوات الأولى للاحتلال (حوالي ١٨٣٥). قال الكابطي: سهام المنايا علام تميل عن الغرض ... فلو تقبل الأبدال كنت أنا العوض وكان المانجلاتي من المدرسين وأصحاب الوظائف الدينية. وقد تولى الكبابطي القضاء والفتوى بعده، ثم نفاه الفرنسيون سنة ١٨٤٣ إلى الإسكندرية حيث توفي. وسبق أن ذكرنا أن الشيخ المكي بن عزوز قد رثى الشيخ المختار الجلالي، شيخ زاوية أولاد جلال الرحمانية. كما رثى غيره (١). واشتهرت من قصائد الرثاء في المدن والوطن عامة (٢)، قصيدة محمد بن الشاهد الذي بكى مدية الجزائر على إثر احتلالها. وقد كنا خصصنا لابن الشاهد دراسة في غير هذا، وذكرنا بعض نسخ القصيدة، كما عثر عليها السيد فانسان الفرنسي وترجمها إلى الفرنسية ونشرها في المجلة الآسيوية. وقد كان ابن الشاهد من كبار شعراء زمنه، وأدركه الاحتلال كبير السن، وفاقد البصر، وأصبح في حاجة إلى من يقدم له المساعدة على قوت يومه، بعد أن استولى الفرنسيون على أموال الأوقاف. وكان رثاؤه صادقا معبرا عن لوعة الحزن، ووصف فيه حالة المدينة وسكانها على إثر الغزو،

стр. 3769

وتفرق الناس في مختلف الاتجاهات. ولكنه مع ذلك لم يكن يائسا من إنقاذها ذات يوم، وقد علق ذلك على إرادة الله. وقد خاطب ابن الشاهد سور الجزائر، وهو يعني بذلك القصبة أو القلعة، رمز القوة والحصانة في الماضي. وكيف أصبح السور بعد الاحتلال وقد لبس السواد وتوشح بالحزن على فقد العلماء والفرسان. ونحن نورد القطعة على طولها بعض الشيء، لأهميتها ولأنها متماسكة الأجزاء (١): أمن صولة الأعداء سور الجزائر ... سرى فيك رعب أم ركنت إلى الأسر لبست سواد الحزن بعد مسرة ... وعمت بواديك الفتون بلا حصر رفضت بياض الحق عنك فأصبحت ... نواحيك تشكو بالأمان إلى الجور ولثم درس العلم، والجهل عسعس ... ونادى بتعطيل العلوم عن النشر وناح على الأسواق طير خرابها ... فأصبح فأس الهدم ينبئ بالغدر أصبت بسهم عن عيون سهامها ... تزاد عن المعيان بالشفع والوتر فأظهرت للأعداء وجه ملاحة ... وأوزت للأحباب وجها من النكر عليك لقد أجريت نهر مدامعي ... وفيك استحق العقل سكرا بلا خمر نقضت عهودا بالوداد تقررت ... وواليت أقواما تمالوا على ضر فجاسوا بروجا للحروب تشيدت ... وداسوا ديارا بالنواهي وبالأمر ونالوا من الأموال يسرا ميسرا ... وفازوا بها والقلب يصلى على الجمر ومن لطفه أن السيوف أتت لنا ... وسلت على الأشجار تقطع بالثمر فضجت أناسي والعقول تولهت ... وباتوا على حر الفراق بلا فكر فباعو انفائيس المتاع ببخسها ... وهاموا حيارى في الفيافي وفي البحر فآه على جهدي وما به منعة ... وآه على داري يسود بها غيري

стр. 3770

أموت وما تدري البو اكي بقصتي ... وكيف يطيب العيش والأنس في الكفر فيا عين جودي بالدموع سماحة ... ويا حزن شيد في الفؤاد ولا تسر ويا دار تدبير الأمور لخالقي ... فصبرا عسى عسر يبدل باليسر (١) وفي هذا القرن بكى الشعراء بعض المدن على إثر الزلازل ونحوها، كما فعل الشاعران محمد العيد ومفدي زكريا مع مدينة الأصنام سنة ١٩٥٤. ولم نعثر على شعر يرثى المدن الأخرى التي غزاها الفرنسيون عنوة، مثل قسنطينة وبجاية وتلمسان والمدية. ولعل الشعراء قد فعلوا وضاع شعرهم، لأنه يعتبر من الشعر السياسي المضاد للاحتلال، فلم يذع ولم ينشر. أما رثاء الأعيان، فلا شك أنه قد استمر، ولكن الموجود منه قليل، كما لاحظنا. وما نعرفه الآن هو القريب من عهدنا، ولا شك أيضا أن شخصية مثل محمد بن يوسف أطفيش لا تختفي دون أن يبكيها الشعراء من التلاميذ وغيرهم، ومثله المجاوي وغيره من شيوخ العلم والتصوف. وقد رثى محمد العيد ابن باديس بأبيات ليست في مستوى مكانته ومنزلته عند الجزائريين. ولعل ذلك راجع إلى أن الوفاة حدثت خلال الحرب العالمية الثانية (١٦ إبريل ١٩٤٠)، وكان السكوت مفروضا بالقانون ومطلوبا بالحيطة. كما رثى محمد العيد الأمير خالد سنة ١٩٣٦، وكان رثاؤه أيضا دون مستوى المرثي وشاعرية الشاعر.

стр. 3771

ومن جهة أخرى رثى محمد العيد الدكتور ابن أبي شنب. وقد صدرت عن محمد العيد مرثيات عديدة لا يمكن حصرها الآن. وقد تناولنا بعضها في كتابنا عنه. كما رثاه محمد الهادي السنوسي ومحمد العلمي (١). ولعل أبا اليقظان قد خصص بعض شعره للرثاء أيضا. ... وهناك شطر آخر من الرثاء الذي صدر عن شعراء الجزائر، ونعني به رثاء شخصيات عربية وإسلامية، لها مكانتها في الدفاع عن الحرية وفي الجهاد. ومن هؤلاء: محمد عبده، وعمر المختار، وشكيب أرسلان، والملك غازي (ملك العراق)، والشاعران شوقي وحافظ، وبعض شيوخ القرويين. ولا يمكن الإحاطة بهم جميعا. فمما قاله مصطفى بن التهامي يرثي الشيخ محمد بن عبد الرحمن الفيلالي، شيخ القرويين: لقد غيض عذب اليم واغتم وارده ... وسدت على الظمآن سدا موارده ورغم هذه البداية المثيرة، فإن الأبيات الأخرى ليست في هذا المستوى، إذ فيها تكلف ومعاناة في القافية واستدرار المعاني الغريبة، مثل: فيا روضة السلوان يا قبلة المنى ... سقاك سحاب الودق غيث وبارده ضممت الجمال الكل في نظم هيكل ... على الفرع والأسلاف تبدو أسانده إلى عبد رحمان الأنام اشتهاره ... أصل الأسام (؟) امتاز عنه معابده فمن للقراوي في مزاهي محافل ... وأعراسها علم تثنت شواهده (٢) وكانت سمعة الشيخ عبده ذائعة بين الجزائريين أوائل هذا القرن، وقد

стр. 3772

زار بنفسه العاصمة وقسنطينة، وألقى درسا جامعا، وأقام حوالي عشرة أيام، والتقى بالعلماء الرسميين والأحرار. وبعد وفاته رثاه بعض الشعراء، منهم محمد بن القائد علي الذي لم نقرأ له شعرا آخر غير هذا الرثاء، وكان إماما بالجامع الجديد في العاصمة، أي أنه كان من رجال الدين الرسميين، وتدل عبارته على تمكنه من الشعر. قال متأثرا: غاض بحر العلوم أين العزاء ... وعيون الأنام سحب دماء فبكى المسلمون حزنا عليه ... وبكى الدين والتقى والحياء وبكى الفضل والفضائل طرا ... عن إمام الورى يحق البكاء (عبده) الفيلسوف أحيا قلوبا ... ميتات أماتها العلماء حجة الله والرسول بعصر ... جاء يهدي أقوامه فأساؤوا وبعد أن ذكر ما للشيخ عبده من مؤلفات وتفسير، ومواقفه الإصلاحية، أشار إلى زيارته للجزائر سنة ١٩٠٣؛ وقد اختصر رشيد رضا القصيدة الأصلية ربما لطولها: قد سعدنا بزورة منه جاءت ... بسعود يفسر منها الشقاء كم سهرنا ومنه نلنا علوما ... ما سمعنا بها ولا الآباء لم تحط ألسن الرثاء بفضل ... لم تسعه الغبراء والخضراء رب انزل عليه وبل رضاء ... في رضاء، فنعم ذاك الرضاء (١) ولكن أبرز المعجبين بالشيخ عبده هو: عبد الحليم بن سماية ومحمد بن مصطفى خوجة. ومع ذلك لا نجد لهما شعرا في رثائه. وكان الثاني شاعرا قويا، حتى قيل إن له ديوانا ضائعا. فهل الإهمال راجع إلى الشاعرين أو إلى رشيد رضا الذي لم يضمن ذلك تاريخه عن الشيخ محمد عبده؟. ومن أجود الرثاء ما قاله محمد العيد في الشيخ عمر المختار الذي

стр. 3773

أعدمه الإيطاليون سنة ١٩٣١. كما أن الشاعر نفسه قد رثى ملك العراق (غازي) بقطعة أظهر فيها مكانة هذا الملك واتهم الإنكليز بسوء النية (١). وكان شكيب أرسلان من أكثر الشخصيات العربية تأثيرا على الجزائريين، سياسيين ومصلحين، منذ العشرينات. وحين توفي سننة ١٩٤٦ رثاه بعضهم كالشاعر أحمد سحنون (٢). الشعر الإخواني الشعر الإخواني كثير، وهو ما تبادله أو قاله الشعراء في مناسبات اجتماعية معينة، وقد يأتي في بيت أو بيتين، وقد يكون قطعة، أو رجزا، كما قد يأتي على شكل مساجلة، أو طلب حل لغز، أو عتاب، بل إن منه ما كان ردا على أحد الفقهاء ورجال الدين والسياسة، ولكنه لم يبلغ حد الهجاء. وعلى كل حال فإن الشعر الإخواني هو جزء من الشعر الاجتماعي. ورغم يقيننا بكثرة هذا النوع من الشعر، لأنه لا يحتاج في الأغلب إلى عبقرية ولا خيال بعيد، فإن ما لدينا منه محدود. وربما كانت قلة الموجود منه ترجع إلى أن الشعراء كانوا يحتفظون بالقصيدة المليحة والقطعة العزيزة ولكنهم كانوا يهملون الأبيات الإخوانية التي مكانها عادة المراسلات الشخصية والمجالس والأسمار. ومن الشعر الإخواني ما دار ين الأمير عبد القادر ومحمد الشاذلي في امبواز سنة ١٨٤٩ - ١٨٥٠. وقد وردت المساجلة في (تحفة الزائر) وهي أيضا موجودة في مخطوط يرجع في أغلب الظن إلى محمد الشاذلي. وفي هذا المخطوط (ديوان) من القطع والقصائد التي اشترك فيها أهل المجلس عندئذ، ومنهم الأمير ومحمد الشاذلي وان التهامي وأخوة الأمير وربما بعض

стр. 3774

أبناء إخوته. وقد أضاف محمود بن محمد الشاذلي شعره أيضا. فأصبح لدينا ديوان جماعي من هذه الإخوانيات التي تهم مختلف جوانب الحياة في الغربة والأسر: من أطعمة وهواء وحنين ودين وتراث ومجاملات. ولا نريد أن نفصل القول في هذه الإخوانيات هنا، وإنما نحيل على ما ذكرناه حولها في موضع آخر (١). ويمكننا إضافة مساجلات الأمير مع يوسف بدر الدين المغربي أيضا، وهو في الشام (٢). وكان الأمير ينظم الشعر في الحنين إلى إخوته كلما طال العهد بينهم أو حالت الظروف دون تلاقيهم، وقد ترجم له الفرنسيون قطعة من ذلك ونشروها في مجلة الشرق سنة ١٨٤٤ (٣)، كما نظم فيهم أبياتا يوم أن فصل الفرنسيون بينهم بعد هزيمة ١٨٤٧ (٤)، بدأها بقوله: ألا إن قلبي يوم بنتم وسرتمو ... غدا حائما خلف الظعون يسير رحلتم ولو تدروا رحمتم فبينكم ... لخطبي يوم للبلاء عسير وفي هذا النطاق كان الأمير يراسل ابنه محمد بالشعر أيضا إذا سافر إلى جهات عربية أو أوروبية. وقد أرسل إليه من فرنسا سنة ١٢٧١ هـ أياتا فيها التعبير عن حب الأب لابنه. وكدنا نضم ما قاله الأمير في إخوته وأبنائه إلى الشعر الذاتي. ولكنا رأينا أن نذكر ما قاله في زوجته في هذا النوع من الشعر. وبين الأمير وقريبه الطيب بن المختار إخوانيات، رغم أنها صيغت في شكل مدائح من الثاني للأول. وكان الأمير يجيبه شعرا أيضا، وكانت بين الطيب بن المختار وحميدة العمالي أيضا مساجلات ومراسلات. وقد تدخل

стр. 3775

الطيب في مسألة وقعت بين الشيخ العمالي ومعاصره الشيخ أحمد بوقندورة، وانتصر فيها للعمالي. المسألة فيما يظهر فقهية - الوصية؟ - وكان العمالي عندئذ قاضيا ثم تولى الفتوى. والعمالي هو الذي مهد لتدخل الطيب بقوله: (لما وقف العلامة النحرير، اللوذعي الشهير، خاتمة البلغاء وواسطة عقد الأدباء، السيد الطيب بن المختار، على ما كتبته أنا وما كتبه المخالف في نازلة السيد أحمد بوقندورة التي اضطربت فيها الآراء، وبان فيها تعصب المخالف ومصادمته للشريعة الغراء، واشتهر ذكرها (أي النازلة) حركته الغيرة على الشريعة، لما جبل عليه من الإنصاف، وجودة القريحة، فقال مادحا لي بقصيدة غراء فريدة: بشراك قد وفت بذاك الموعد ... سلمى، وقد برزت في زي مفرد فنزه لحاظك في بديع جمالها ... واشهد، فديتك! حسن ذاك الفرقد واقصر مرادك عند وقف مرادها ... متمثلا في صورة المتهجد ومدح فيها العمالي بحسن الخطابة والوعظ. ثم انتصر له ضد بوقندورة. وختمها بقوله: أخلاق أحمد لا أقوم بعدها ... ولو أنني خصصتها بمجلد (١) وقد توفي العمالي سنة ١٨٦٦، وطال عهد بوقندورة. وكان هذا مندمجا في الحياة العامة ومقتربا من الفرنسيين، حسبما تحدثت عنه المصادر المعاصرة، مثل الشيخ محمد بيرم الخامس والسيدة بروس (٢). وقد هجاه الطيب بن المختار بقصيدة بدأها بالتأسف على ما وصلت إليه حالة الجزائر حتى يجد فيها أمثال بوقندورة المكانة التي هو فيها. ويبدو أن الشاعر كان

стр. 3776

يمس النظام الاستعماري كله في شخص بوقندورة الذي أصبح مفتي المذهب الحنفي، إذ شمل الشاعر بالتأسف أيضا مدينة معسكر، واتهم بوقندورة بالجهل، واستغرب كيف وصل مثله إلى ولاية الفتوى. ورغم مبالغة الشاعر، فإن ما قاله عن بوقندورة يصدق على معظم رجال السلك الديني والقضائي في العهد الفرنسي. يقول الشاعر: لقد أشفقت من أرض الجزائر ... كما أشفقت من أم العساكر يحق لها البكاء من أجل مفت ... جهول بالموارد والمصادر (١) وبين الأمير وكاتبه السابق، قدور بن رويلة، إخوانيات أيضا. وأثناء عهد المقاومة بدأ الأمير قصيدة في (تلمسان) ووصل فيها إلى ثمانية أبيات، ثم ترك لابن رويلة أن يكملها، فأضاف إليها أبياتا من عنده في شيء من التكلف والصنعة، لأنه كان ناثرا لا شاعرا. ومنها في وصف تلمسان التي شبهها بفتاة خجولة وعفيفة: ولم تسمح العذرا إليه بعطفة .... ولم يتمكن من جميل سناها وشدت نطاق الصد صونا لحسنها ... فلم يتمتع من لذيذ لماها (٢) ومن الأبيات التي بعث بها ابن رويلة من الحجاز إلى الأمير في بروسة، قوله: أخي نلت الذي قد كنت تطلبه ... وفزت دوني بما ترجو وترغبه (٣) ويقصد بذلك إطلاق سراح الأمير من الأسر، وحلوله بالمشرق، كما كان قد اشترط على الفرنسيين أول مرة. وقد ترك لنا مصطفى الكبابطي أبياتا إخوانية. ومن ذلك التهنئة بزواج ابن صديق:

стр. 3777

لقد لاح فجر السعد غر نجومه ... فتحرسه رجما على كل شيطان فماست غصون الروض في حسن بهجة ... مفتحة الأزهار تزهو بألوان (١) وتبادل الشيخان القاضيان: الطيب بن المكي الصحراوي وأحمد المجاهد أبياتا في المجاملة ذكرها صاحب التقويم الجزائري، ١٩١٣. والتهنئة بالزواج تناولها محمد العيد أيضا. ومن بواكيره تهنئة الشيخ محمد خير الدين بزواجه في مدينة بسكرة. وقد حفلت الشهاب والبصائر وغيرهما بأبيات التهاني بزواج الأصدقاء وبالمواليد وبالعقيقة. وهناك شعر العتاب، وهو ما يدور بين الأصدقاء عادة. وقد يكون عتابا سياسيا. ومن أقدمه ما قاله الأمير عن قوم يشرطون (يوشمون) وجوههم في الحجاز، بدعوى أن ذلك يزيد في الوسامة والجمال. فعاتبهم على ذلك بقطعة: أقول لقوم لا تفيد نصيحتي ... لديهم ولو أبديت كل الأدلة ألا فاتركوا ورد الخدود وشأنه ... فتخديدكم في الخد أقبح فعلة وقد عاتب عبد الملك بن الأمير عبد القادر آله وعشيرته على تخاذلهم في نصرته وعدم تأييدهم للسلطان العثماني، بل تأييدهم فيما رأى هو، لعدوهم القديم الذي غدر بالأمير وسجنه بدل إطلاق سراحه. وكان عبد المالك قد ثار على الفرنسيين في المغرب الأقصى، واستعان بالدولة العثمانية وألمانيا ووقف على الحياد من إسبانيا. ولكن الفرنسيين حاربوه إلى أن قتل سنة ١٩٢٤. وفي عتاب سياسي إلى آل الأمير في دمشق، وجه أبياتا منها ما يلي: عهدي بكم آل الأمير كواكبا ... نشرت أشعتها على الأكوان فصرفتم تلك المكارم كلها ... في غير ما نفع ولا إحسان ضحيتم أقماركم وشموسكم ... أسد الحروب وقاهري الأقران

стр. 3778

في نفع من أضحى لكم في فعله ... أعدى عدو من بني الإنسان ونسيتم (عبد المجيد) وفضله ... وضمانه ذاك الأسير العانى الفرقة هدمت شوامخ مجدكم ... هذا، لعمري! غاية الخسران (١) والعتاب مجال واسع بين الإخوان والأصدقاء. والمعروف أن الشعراء: محمد العيد وأحمد سحنون وحمزة بوكوشة قد تبادلوا شعر العتاب. ويدخل في الشعر الإخواني اللجوء إلى الألغاز. وهو نوع من الرياضة الفكرية واستحضار المحفوظات والتسلية. ومنه ما جاء على لسان محمد بن وادفل القسنطيني - وكان من السلك الديني? والشيخ مصطفى بن قويدر الجلالي (٢): وشاع البيتان التاليان بين المتعلمين، وقد عمل بعضهم فكره ليستخرج المقصود منهما، فكانت الأجوبة نوعا من تمرين الفكر والقلم على النظم والكتابة. وهما: عينان عيان لم ترقا دموعهما ... لكل عين من العينين نونان نونان نونان لم يخططهما قلم ... لكل نون من النونين عينان وقد حاول الإجابة الشيخ شعيب، قاضي تلمسان في وقته، وبناء عليه فالمقصود بهما سورة الرحمن، فهو يقول في ذلك من أبيات: جوابه سورة الرحمن ناطقة ... به، أيا روح ذاتي عين إنسان فكل عين لها نون، عليك بها ... لكنها باعتبار البعض نونان (٣)

стр. 3779

واشتهر الشيخ محمد بن يوسف أطفيش بحله (لغز الماء) الذي عجز عن حله المعاصرون. وقد كوفئ على ذلك بأوسمة من قادة بعض الدول، ومنهم رئيس فرنسا (١). وللشيخ أطفيش أشعار إخوانية تفرقت في أيدي تلاميذه. وأرسل الشيخ كحول إلى جريدة (الحاضرة) التونسية قصيدة تقريظية وفيها إجابة عن لغز طرحه شاعر تونسي يدعى عمر بن بوبكر. قال هذا الشاعر مشيرا إلى جريدة الحاضرة: ما قولكم في غادة فتانة ... في رأسها بدر الدجى إكليل إنسية مربية عجمية ... غصن الندى من وبلها مطلول تاهت على عشاقها بلواحظ ... وغدت ترد الطرف وهو كليل فكانت إجابة الشيخ كحول على ذلك هي: خذ يا أخا التقوى جواب اللغز من ... باع قصير فهما متبول ما الغادة الفتانة إلا الحاضرة ... نبراسها بدر الدجى إكليل جمعت نقولا من جرائد جمة ... غصن الندى من وبلها مطلول (٢) ونحن نذكر هذه الأبيات على ما فيها من تكلف لندلل أيضا على الصلات الإخوانية بين شعراء المنطقة من جهة، وعلى أن الشيخ كحول كان من الذين يعالجون الشعر. وقد شاع شعر الألغاز بعد ذلك، لدى محمد العيد. فكان يستعمله رياضة شعرية وتعمية سياسية ووسيلة لتعليم الأطفال. وكان يصوغ عدة أبيات ويترك لخيال الأطفال الأدبي يبحث عن المعنى. وهكذا نجد له ألغازا في القهوة وفي الأذن ونحو ذلك. ولا شك أن لدى الشعراء الآخرين بضاعتهم

стр. 3780

أيضا من هذا الفن. وقد ذكر دبوز أن للشيخ أطفيش بعض الشعر المرموز، مثل قصيدته العينية: تقول نساء المصر هذي ديارنا ... عوامر، قلت بل ديار بلاقع فإن لم يكن لي في حماكن موضع ... فلي في حمى تلك الوجوه مواضع (١) ونكاد نقرأ هذا الشعر على أنه غزل، ولكن بعض الشيوخ أو أتباعهم لا يريدون ذلك، فينسبون هذا الشعر إلى الرمز (؟). وهذا على غرار وصف محمد العيد ورفيقه امرأة فرنسية في بستان ببسكرة، ولكن (الشهاب). فسرت الوصف اعتباطا بأن المقصود به غزال، حتى لا يغضب القراء وتحافظ المجلة على سمعتها الدينية (٢). والشعر التعليمي إخواني أيضا إلى حد كبير. وهو عادة في شكل أراجيز، أو أبيات للحفظ، ومن ذلك نظم الكبابطي لحدود المنطق. وسلم (رجز) ابن الموهوب للكافي في العروض، ونظم محمد المازري لمتن مختصر خليل في الفقه. وهكذا يقول الكبابطي: أيا معشر الخلان جولوا بفكركم ... لهيب اشتياقي هل يرى فصل حده فإن حبيبي قد شجاني بصده ... وما جاد لي يوما بطيف خياله سروري جزئي لكلي وصله ... أيدرك سلواني بلا جنس قربه (٣) أما نظم خليل فقد سبق إليه عدد من النظامين، ومنهم الشيخ خليفة بن حسن القماري، وهو نظم مطبوع ومنشور أول هذا القرن. وقد عاش المازري إلى سنة ١٢٨٦ (١٨٦٩) (٤). وسمى ابن الموهوب رجزه (الرجز الشافي والتبر الصافي في نظم الكتاب المسمى بالكافي في علمي العروض

стр. 3781

والقوافي)، وهو عنوان طويل لرجز لم يبلغ عندما طبع اثني عشر صفحة. وقد قام البعض بشرح هذا الرجز أيضا (١). والشعر التعليمي متوفر بكثرة حتى لدى الشعراء المحدثين. فنحن نجد قصيدة لمحمد العلمي عنوانها (العلم والتعليم)، وطالعها: بدا طالع الإرشاد في مشرق البدر ... فأشرقت الأنوار في جنة العصر (٢) وقد نوه الشاعر بنادي الترقي وبشائر النهضة التعليمية الحرة التي كان ابن باديس رائدها. وراح الشعراء منذ العشرينات يضربون على هذا الوتر، وهو الشعر الإخواني، كل حسب مهارته. فكان أبو اليقظان، ومحمد الطاهر التليلي، ومحمد العيد، وأحمد سحنون، والربيع بوشامة، وعبد الكريم العقون من الضاربين المجلين عليه (٣). الشعر الذاتي ونعني به شعر الوصف والحب والتأمل والحنين والشكوى وما إلى ذلك مما يعبر عن خلجات النفس والمشاعر الذاتية. وقد أدخلنا في هذا الصنف الحوار بين البادية والحاضرة، لأنه من الميول النفسية. وكان يمكن إدخال شعر التصوف والتوسل في هذا أيضا لأنه يعبر عن الوجد والشكوى والتأمل والذوبان في الله عند الشعراء المطبوعين الصادقين. ولدينا من الشعر الذاتي نماذج عديدة مما يرجع إلى القرن الماضي. ولكنه كثر في المرحلة التي تبدأ من ١٩٢٠. وعند الأمير عبد القادر

стр. 3782

والطيب بن المختار وابن التهامي (شعراء معسكر) نماذج من ذلك سنعرض إليها. أما منذ ١٩٢٠ فقد كثر هذا الشعر لدى شباب المتعلمين أمثال الهادي السنوسي ورمضان حمود، ومحمد العيد ومبارك جلواح وعبد الكريم العقون، ثم عند أحمد معاش منذ الخمسينات. ولا يمكننا ذكر النماذج على ذلك كله. فمنه المعلوم والمجهول لدينا. ومن المعلوم شعر المرحلة الأخيرة، وذلك لتوفر دواوين بعض الشعراء وتقدم الدراسات التي أشرنا إليها في مختلف الجامعات. فقد أصبح شعر مفدي زكريا ومحمد العيد ورمضان حمود وجلواح وسحنون وأضرابهم معروفا في الدواوين أو في الدراسات. بينما ظل شعر المرحلة الأولى (قبل ١٩١٩) مجهولا تقريبا، عدا بعض الدواوين التي أشرنا إليها، مثل (نزهة الخاطر) للأمير، وما أورده صاحب تعريف الخلف من شعر لبعض متعلمي القرن الماضي أمثال الطيب بن المختار وأبي طالب الغريسي. أما المرحلة الوسطى (بين ١٨٩٠ و ١٩٢٠) فقد برز فيها أمثال عاشور الخنقي ومحمد بن عبد الرحمن الديسي وعمر بن قدور وابن الموهوب والقاضي شعيب والزريبي. وهؤلاء وأمثالهم لم يتميزوا بالشعر الذاتي إلا قليلا. فلننظر الآن كيف تناول الشعراء هذا النوع من الشعر. ففي الوصف والارتباط بالمكان (الأطلال؟)، تقف قصيدة الأمير في تلمسان فريدة من نوعها. وقد تمثلها فتاة بكرا وهو فارسها المغوار. ورغم أنه وصف المعنى أكثر من المبنى والظل أكثر من الرسم، فإن عاطفته كانت جياشة وكان شعره حينئذ يمثل نقلة جديدة في شعر الوصف والحب والارتباط بالمكان. وكانت تلمسان رمزا سياسيا أيضا. فقد صارع الأمير الفرنسيين عليها حتى استعادها منهم، ثم أجبروه على الخروج منها بعد نحو ست سنوات. وقد بدأها بقوله: إلى الصون مدت تلمسان يداها ... ولبت فهذا حسن صوت نداها وقد رفعت عنها الأزار فلج به ... وبرد فؤادا من زلال نداها

стр. 3783

ومن ذلك انتصار الأمير للبادية على الحاضرة. وكان بعض الفرنسيين قد تناقشوا في ذلك وبلغه اختلافهم وقرارهم بتحكيم الأمير في الموضوع. فأجاب: يا عاذرا لامرئ قد هام في الحضر ... وعاذلا لمحب البدو والقفر لا تذممن بيوتا خف محملها ... وتمدحن بيوت الطين والحجر لو كنت تعلم ما في البدو تعذرني ... لكن جهلت وكم في الجهل من ضرر ما في البداوة من عيب تذم به ... إلا المروءة والإحسان بالبدر من لم يمت عندنا بالطعن عاش مدى ... فنحن أطول خلق الله في العمر وهي قصيدة طويلة وسهلة التعابير وعميقة المعاني. وقد أظهر الأمير فيها أنه فخور ببيئته لطهارتها وجمالها. كما وصف الأمير القصر الذي بناه في ضاحية دمر - قرب دمشق، فقال فيه: عج بي فديك! في أباطح دمر ... ذات الرياض الزاهرات النضر ذات المياه الجاريات على الصفا ... فكأنها من ماء نهر الكوثر وكذلك وصف ناعورة وهو في طريقه إلى حماة، وشبه صوت النواعير بحنين الحوار إلى أمه. فهو يستمد تشابيهه من الطبيعة والبادية. وكان قد نشأ في حضنها في القيطنة بالقرب من معسكر، وكم تتشابه الطبيعة في المكانين: معسكر وسورية. وللأمير شعر عميق في التصوف يطول بنا الحديث لو حاولنا وصفه ونقلنا منه. والعلاقة بين الطبيعة والتصوف وطيدة. وكان الأمير متصوفا بالطبيعة، فهو من بيئة تعيش على الدين والطريقة القادرية. وكان جده ووالده وأخوه الأكبر قد تولوا شؤون هذه الطريقة. وعندما كان في حالة الحرب وصفه الفرنسيون الذين شاهدوه عن كثب واجتمعوا به أنه كان رجل الجهاد والدين والتصوف سواء في حديثه وتفكيره أو في تصرفاته وسلوكه. ولكن شعر التصوف لم يظهر عنده إلا منذ انتهت حروبه وغدر به الفرنسيون فأخذوه سجينا وأسيرا في بلادهم بدل حمله إلى الجهة التي طلبها واشترطها في

стр. 3784

الاتفاق بينهم وبينه. ففي سجن أمبواز ضاق به الحال، وتذكر أهل التصوف فأخذ يستنجد ببركتهم وبشفاعة الرسول ﷺ ، وكان من نتيجة ذلك قصيدته: ماذا على ساداتنا أهل الوفا ... لو أرسلوا طيف الزيارة في خفا يا أهل (طيبة) ما لكم لم ترحموا ... صبا غدا لنوالكم متكففا لا تجمعوا بين الصدود وبعدكم ... حسبي الصدود عقوبة فلقد كفى قلبي الأسير لديكم والجسم في ... أسر العداة معذبا ومكتفا وفي البيت الأخير عبر الأمير عن حالته النفسية. فهو أسير القلب والجسم. قلبه في طيبة عند أهل الوفاء والسادات الكرام وعلى رأسهم الرسول ﷺ ، وجسمه معذب في قبضة الفرنسيين الغدارين. وأي عذاب أكثر من الجمع بين عذاب الروح والبدن!. ولقد تعمقت نظرته الصوفية منذ وصل إلى المشرق، ثم أدى فريضة الحج مرة ثانية بعد نحو عشر سنوات من حلوله بالمشرق (١٨٦٤). وكانت الطرق الصوفية نشيطة هناك، فالرفاعية في حلب واسطانبول، والنقشبندية في الحجاز وغيره، وكان أعيان المثقفين الذين لم يجدوا لهم مكانة في السياسة والمجتمع قد اندمجوا في الحياة الروحية ظاهريا على الأقل. إن التصوف كان هروبا من الواقع الذي سيطر فيه الغرب على الدولة العثمانية وسيطرت فيه هذه على العقول الإسلامية بنظام استبدادي وحكم بائد ومتخلف وتقاليد عتيقة. وشاعت الانتماءات إلى الأشراف، والقيام بالأوراد وحلقات الذكر والتفنن في الأناشيد والأدعية. والتقرب من ذوي النفوذ والسلطان بأساليب معظمها شيطانية. وماذا يفعل المتصوفة الصرحاء؟. في مكة جاور الأمير واقترب من شيخ يدعى محمد الفاسي الذي أدخله في الطريقة النقشبندية. ومارس الرياضة الروحية في أجواء طيبة التي طالما حن إليها. وتحقق له الحلم، فاختلى بنفسه وذهب إلى غار حراء يتعبد ويجاهد النفس. وروى ابنه محمد أن والده قد جاءته البشرى بالمرتبة العليا، وإن كرامات وخوارق قد لاحت له. وقد التقت هذه الحالة عند الأمير بحالته

стр. 3785

الأولى أي استعداداته الطبيعية لهذا الضرب من الحياة. ومهما كان الأمر فإن الشعر قد عبر عن هذه النقلة من مرحلة إلى أخرى: أمسعود جاء السعد والخير واليسر ... وولت جيوش النحس ليس لها ذكر ليالي صدود وانقطاع ووحشة ... وهجران سادات، فلا ذكر الهجر فراشي فيها حشوه الهم والضنا ... فلا التذلي جنب ولا التذلي ظهر (١) ومنذ هذه الرحلة تعمق الأمير في عالم التصوف. وقد قضى العشرين سنة الأخيرة من حياته باحثا عن الحقيقة الإلهية. فألف كتاب المواقف بعد هذه الرحلة. ولكن أسفاره ومعيشته واستقبالاته وتمتعه بالحياة الدنيا تدل على أنه لم يتجرد للتصوف والزهد، كما قد يتبادر إلى الذهن. ومن شعر الوصف لدى الطيب بن المختار قصيدته في وصف صقلية. وكانت المناسبة هي نزول الشاعر والوفد الذي كان يرافق الأمير بهذه الجزيرة، في رحلتهم إلى المشرق بعد إطلاق سراحهم (ديسمبر ١٨٥٢). وقد جاسوا خلالها واستحضروا تاريخها العربي والإسلامي. ورأوا كيف تحولت حالتها وحالت آثارها. ففاضت شاعرية الشاعر بأبيات تذكر المرء بما قاله أبو البقاء الرندي في الأندلس المفقودة، مع فارق الزمن والعاطفة. يقول الطيب بن المختار: هذي صقلية لاحت معالمها ... تجر تيها ذيول الريط من أمم دار أقر لها بالفضل ذو نظر ... والفضل ما شهدت فيه ذوو الهمم كانت منار هدى كانت محط ردى ... كانت سماء شموس الفضل والكرم هذي منازلهم تبكي مآثرهم ... بكاء طرف قريح بات لم ينم هذي المساجد قد دكت قواعدها ... هذي المآذن بالناقوس في سقم ومن جميل ما في القصيدة هذا الربط بين الأثر والإنسان، بين الجامد
следующие страницы →