والقوافي)، وهو عنوان طويل لرجز لم يبلغ عندما طبع اثني عشر صفحة. وقد قام البعض بشرح هذا الرجز أيضا (١).
والشعر التعليمي متوفر بكثرة حتى لدى الشعراء المحدثين. فنحن نجد قصيدة لمحمد العلمي عنوانها (العلم والتعليم)، وطالعها:
بدا طالع الإرشاد في مشرق البدر ... فأشرقت الأنوار في جنة العصر (٢)
وقد نوه الشاعر بنادي الترقي وبشائر النهضة التعليمية الحرة التي كان ابن باديس رائدها. وراح الشعراء منذ العشرينات يضربون على هذا الوتر، وهو الشعر الإخواني، كل حسب مهارته. فكان أبو اليقظان، ومحمد الطاهر التليلي، ومحمد العيد، وأحمد سحنون، والربيع بوشامة، وعبد الكريم العقون من الضاربين المجلين عليه (٣).
الشعر الذاتي
ونعني به شعر الوصف والحب والتأمل والحنين والشكوى وما إلى ذلك مما يعبر عن خلجات النفس والمشاعر الذاتية. وقد أدخلنا في هذا الصنف الحوار بين البادية والحاضرة، لأنه من الميول النفسية. وكان يمكن إدخال شعر التصوف والتوسل في هذا أيضا لأنه يعبر عن الوجد والشكوى والتأمل والذوبان في الله عند الشعراء المطبوعين الصادقين.
ولدينا من الشعر الذاتي نماذج عديدة مما يرجع إلى القرن الماضي. ولكنه كثر في المرحلة التي تبدأ من ١٩٢٠. وعند الأمير عبد القادر
стр. 3782
والطيب بن المختار وابن التهامي (شعراء معسكر) نماذج من ذلك سنعرض إليها. أما منذ ١٩٢٠ فقد كثر هذا الشعر لدى شباب المتعلمين أمثال الهادي السنوسي ورمضان حمود، ومحمد العيد ومبارك جلواح وعبد الكريم العقون، ثم عند أحمد معاش منذ الخمسينات.
ولا يمكننا ذكر النماذج على ذلك كله. فمنه المعلوم والمجهول لدينا. ومن المعلوم شعر المرحلة الأخيرة، وذلك لتوفر دواوين بعض الشعراء وتقدم الدراسات التي أشرنا إليها في مختلف الجامعات. فقد أصبح شعر مفدي زكريا ومحمد العيد ورمضان حمود وجلواح وسحنون وأضرابهم معروفا في الدواوين أو في الدراسات. بينما ظل شعر المرحلة الأولى (قبل ١٩١٩) مجهولا تقريبا، عدا بعض الدواوين التي أشرنا إليها، مثل (نزهة الخاطر) للأمير، وما أورده صاحب تعريف الخلف من شعر لبعض متعلمي القرن الماضي أمثال الطيب بن المختار وأبي طالب الغريسي. أما المرحلة الوسطى (بين ١٨٩٠ و ١٩٢٠) فقد برز فيها أمثال عاشور الخنقي ومحمد بن عبد الرحمن الديسي وعمر بن قدور وابن الموهوب والقاضي شعيب والزريبي. وهؤلاء وأمثالهم لم يتميزوا بالشعر الذاتي إلا قليلا. فلننظر الآن كيف تناول الشعراء هذا النوع من الشعر.
ففي الوصف والارتباط بالمكان (الأطلال؟)، تقف قصيدة الأمير في تلمسان فريدة من نوعها. وقد تمثلها فتاة بكرا وهو فارسها المغوار. ورغم أنه وصف المعنى أكثر من المبنى والظل أكثر من الرسم، فإن عاطفته كانت جياشة وكان شعره حينئذ يمثل نقلة جديدة في شعر الوصف والحب والارتباط بالمكان. وكانت تلمسان رمزا سياسيا أيضا. فقد صارع الأمير الفرنسيين عليها حتى استعادها منهم، ثم أجبروه على الخروج منها بعد نحو ست سنوات. وقد بدأها بقوله:
إلى الصون مدت تلمسان يداها ... ولبت فهذا حسن صوت نداها
وقد رفعت عنها الأزار فلج به ... وبرد فؤادا من زلال نداها
стр. 3783
ومن ذلك انتصار الأمير للبادية على الحاضرة. وكان بعض الفرنسيين قد تناقشوا في ذلك وبلغه اختلافهم وقرارهم بتحكيم الأمير في الموضوع. فأجاب:
يا عاذرا لامرئ قد هام في الحضر ... وعاذلا لمحب البدو والقفر
لا تذممن بيوتا خف محملها ... وتمدحن بيوت الطين والحجر
لو كنت تعلم ما في البدو تعذرني ... لكن جهلت وكم في الجهل من ضرر
ما في البداوة من عيب تذم به ... إلا المروءة والإحسان بالبدر
من لم يمت عندنا بالطعن عاش مدى ... فنحن أطول خلق الله في العمر
وهي قصيدة طويلة وسهلة التعابير وعميقة المعاني. وقد أظهر الأمير فيها أنه فخور ببيئته لطهارتها وجمالها. كما وصف الأمير القصر الذي بناه في ضاحية دمر - قرب دمشق، فقال فيه:
عج بي فديك! في أباطح دمر ... ذات الرياض الزاهرات النضر
ذات المياه الجاريات على الصفا ... فكأنها من ماء نهر الكوثر
وكذلك وصف ناعورة وهو في طريقه إلى حماة، وشبه صوت النواعير بحنين الحوار إلى أمه. فهو يستمد تشابيهه من الطبيعة والبادية. وكان قد نشأ في حضنها في القيطنة بالقرب من معسكر، وكم تتشابه الطبيعة في المكانين: معسكر وسورية.
وللأمير شعر عميق في التصوف يطول بنا الحديث لو حاولنا وصفه ونقلنا منه. والعلاقة بين الطبيعة والتصوف وطيدة. وكان الأمير متصوفا بالطبيعة، فهو من بيئة تعيش على الدين والطريقة القادرية. وكان جده ووالده وأخوه الأكبر قد تولوا شؤون هذه الطريقة. وعندما كان في حالة الحرب وصفه الفرنسيون الذين شاهدوه عن كثب واجتمعوا به أنه كان رجل الجهاد والدين والتصوف سواء في حديثه وتفكيره أو في تصرفاته وسلوكه. ولكن شعر التصوف لم يظهر عنده إلا منذ انتهت حروبه وغدر به الفرنسيون فأخذوه سجينا وأسيرا في بلادهم بدل حمله إلى الجهة التي طلبها واشترطها في
стр. 3784
الاتفاق بينهم وبينه. ففي سجن أمبواز ضاق به الحال، وتذكر أهل التصوف فأخذ يستنجد ببركتهم وبشفاعة الرسول ﷺ ، وكان من نتيجة ذلك قصيدته:
ماذا على ساداتنا أهل الوفا ... لو أرسلوا طيف الزيارة في خفا
يا أهل (طيبة) ما لكم لم ترحموا ... صبا غدا لنوالكم متكففا
لا تجمعوا بين الصدود وبعدكم ... حسبي الصدود عقوبة فلقد كفى
قلبي الأسير لديكم والجسم في ... أسر العداة معذبا ومكتفا
وفي البيت الأخير عبر الأمير عن حالته النفسية. فهو أسير القلب والجسم. قلبه في طيبة عند أهل الوفاء والسادات الكرام وعلى رأسهم الرسول ﷺ ، وجسمه معذب في قبضة الفرنسيين الغدارين. وأي عذاب أكثر من الجمع بين عذاب الروح والبدن!.
ولقد تعمقت نظرته الصوفية منذ وصل إلى المشرق، ثم أدى فريضة الحج مرة ثانية بعد نحو عشر سنوات من حلوله بالمشرق (١٨٦٤). وكانت الطرق الصوفية نشيطة هناك، فالرفاعية في حلب واسطانبول، والنقشبندية في الحجاز وغيره، وكان أعيان المثقفين الذين لم يجدوا لهم مكانة في السياسة والمجتمع قد اندمجوا في الحياة الروحية ظاهريا على الأقل. إن التصوف كان هروبا من الواقع الذي سيطر فيه الغرب على الدولة العثمانية وسيطرت فيه هذه على العقول الإسلامية بنظام استبدادي وحكم بائد ومتخلف وتقاليد عتيقة. وشاعت الانتماءات إلى الأشراف، والقيام بالأوراد وحلقات الذكر والتفنن في الأناشيد والأدعية. والتقرب من ذوي النفوذ والسلطان بأساليب معظمها شيطانية. وماذا يفعل المتصوفة الصرحاء؟.
في مكة جاور الأمير واقترب من شيخ يدعى محمد الفاسي الذي أدخله في الطريقة النقشبندية. ومارس الرياضة الروحية في أجواء طيبة التي طالما حن إليها. وتحقق له الحلم، فاختلى بنفسه وذهب إلى غار حراء يتعبد ويجاهد النفس. وروى ابنه محمد أن والده قد جاءته البشرى بالمرتبة العليا، وإن كرامات وخوارق قد لاحت له. وقد التقت هذه الحالة عند الأمير بحالته
стр. 3785
الأولى أي استعداداته الطبيعية لهذا الضرب من الحياة. ومهما كان الأمر فإن الشعر قد عبر عن هذه النقلة من مرحلة إلى أخرى:
أمسعود جاء السعد والخير واليسر ... وولت جيوش النحس ليس لها ذكر
ليالي صدود وانقطاع ووحشة ... وهجران سادات، فلا ذكر الهجر
فراشي فيها حشوه الهم والضنا ... فلا التذلي جنب ولا التذلي ظهر (١)
ومنذ هذه الرحلة تعمق الأمير في عالم التصوف. وقد قضى العشرين سنة الأخيرة من حياته باحثا عن الحقيقة الإلهية. فألف كتاب المواقف بعد هذه الرحلة. ولكن أسفاره ومعيشته واستقبالاته وتمتعه بالحياة الدنيا تدل على أنه لم يتجرد للتصوف والزهد، كما قد يتبادر إلى الذهن.
ومن شعر الوصف لدى الطيب بن المختار قصيدته في وصف صقلية. وكانت المناسبة هي نزول الشاعر والوفد الذي كان يرافق الأمير بهذه الجزيرة، في رحلتهم إلى المشرق بعد إطلاق سراحهم (ديسمبر ١٨٥٢). وقد جاسوا خلالها واستحضروا تاريخها العربي والإسلامي. ورأوا كيف تحولت حالتها وحالت آثارها. ففاضت شاعرية الشاعر بأبيات تذكر المرء بما قاله أبو البقاء الرندي في الأندلس المفقودة، مع فارق الزمن والعاطفة. يقول الطيب بن المختار:
هذي صقلية لاحت معالمها ... تجر تيها ذيول الريط من أمم
دار أقر لها بالفضل ذو نظر ... والفضل ما شهدت فيه ذوو الهمم
كانت منار هدى كانت محط ردى ... كانت سماء شموس الفضل والكرم
هذي منازلهم تبكي مآثرهم ... بكاء طرف قريح بات لم ينم
هذي المساجد قد دكت قواعدها ... هذي المآذن بالناقوس في سقم
ومن جميل ما في القصيدة هذا الربط بين الأثر والإنسان، بين الجامد
стр. 3786
والحي، حتى كاد الجماد يتكلم للشاعر الإنسان:
إذا رأت مسلما قد زارها فرحت ... واستبشرت ثم باست موضع القدم
وقد ربط الشاعر أيضا بين المآذن والمحاريب وبين كراسي العلم والعلماء - هؤلاء الذين يمثلون الإنسان الأعلى الذي كتب عليه أن ينشر المعرفة ويحفظ الحضارة. كما ربط الشاعر بين صقلية القديمة وحلول الأمير بها، وهو من سلالة أولئك الكرام الذين زينوها بالعلم والدين والفنون.
وفي المرحلة الأخيرة من الشعر، منذ ١٩٢٦، تغنى بعض الشعراء أيضا بوصف المدن والمآثر. ونحن نجد في شعر محمد العيد وصفاء رائعا لمدن تلمسان وقسنطينة والعاصمة وآثار تمقاد، وكذلك وصف بسكرة وباتنة والقنطرة وغيرها.
أما شعر الغزل والشوق فلم يكثر منه الشعراء، أو على الأقل لم يصلنا منه إلا القليل. ذلك أن الشعراء إذا تقدمت بهم السن تخلصوا، في أغلب الظن، من شعر الشباب ولبسوا لباس التقوى. ورغم ذلك فنحن نجد نماذج من شعر الغزل في المرحلة المتقدمة ويمثله الأمير ومحمد بن الشاهد ومصطفى الكبابطي، وكلهم من رجال الدين أيضا. ورغم شاعرية الطيب بن المختار فلم يحتفظ له التاريخ بنماذج من غزله سوى بعض المطالع، ولم نتذكر ما إذا كان أبو حامد المشرفي قد نظم في الغزل. وكذلك لم نطلع لعاشور الخنقي والديسي على قصائد غزلية.
والغزل عند الكبابطي متكلف متصنع، وهو تقليدي مطبوع عند ابن الشاهد، ولكنه عند الأمير صادق ويأخذ طابع الشوق والوفاء والتذكر الدائم. يقول الكبابطي (وكان قاضيا ثم مفتيا) فيمن لقبه (سيدي)، وهو لفظ يستخرج من الحروف الأولى من مصارع الأبيات:
سقاني مدام الحب ساحر لحظه ... أراني ورود الروض تندى بخده
يفوق على الياقوت باسم ثغره ... حلا جيده مسك تراه بنحره
دوائي برقي ريقه عند مزه ... مليح جميل الفعل حتى بهجره
стр. 3787
يمين علي لا أزال بحب ... دنيف ولو جاد الحكيم بطبه (١)
وكان الكبابطي قد نظم هذا الشعر ليتغنى به المغنون، فهو شعر إلى الأندلسيات أقرب، وإلى شعر الغناء والصنعة أليق.
وأما ابن الشاهد الذي كان شاعرا بالطبيعة، وكانت أيدي الناس مملوءة بأشعاره، وعاش حتى كف بصره وعانى الفقر والحرمان، ورأى، كما سلف، بلاده وقد احتلها الأعداء وعاثوا فيها فسادا، فقد كان شعره الغزلي قويا، وأكثر صدقا في وصف حالته النفسية، رغم ما يلوح عليه من التقليد اللفظي وحتى في الصور الشعرية، فاستمع إليه:
ظبي، ولكن تخاف الأسد سطوته ... لحظ، ولكن شيوخ السحر تخشاه
رشيق قد تزين الغصن قامته ... بديع حسن تساقى الراح عيناه
تبدي شموس الضحى في الليل طلعته ... والبدر إن أفل يغنيك مرآه
تغنى برأفته الأرواح يا عجبا! ... الروح تسبى به والقلب يهواه
يعطف القلب في التسليم مبسمه ... ويترك العقل مفتونا محياه
تراكمت في الحشا أشجان صبوته ... القلب في حرق والصبر عاداه
يا ون قلبي لظى الأشواق تتلفه ... والحين يهوى ومبدا الهم رؤياه
سلوا منامي عن الأجفان كم أرقت ... وعن سلو مضى، هل زار مضناه
هاتوا حكيما يعاين ما أكابده ... أو اتركوا لومكم فالسمع يأباه (٢)
ولكن غزل الأمير يختلف عن هذا. فهو يتشوق إلى زوجته أثناء غزواته إذ يتركها بعيدة عنه فتعاني هي وهو من هذا البعد الذي كان يدوم أياما أو شهورا. ويبدو لنا أن عاطفة الأمير صادقة في هذا الشوق. ومن ثمة اختلف غزله عن الغزل التقليدي. فهو لا يصف محبوبا مجهولا ولا خياليا أو طيفا،
стр. 3788
ولا فتاة أحبها ثم صدت عنه أو صارت لغيره. إنه يصف لوعته لزوجته (أم البنين) كما سماها في بعض الأحيان، وهي خيرة ابنة عمه علي أبي طالب: أقول لمحبوب تخلف من بعدي ... عليلا بأوجاع الفراق وبالبعد
أما أنت حقا لو رأيت صبابتي ... لهان عليك الأمر من شدة الوجد
وللأمير أكثر من قصيدة في هذا المعنى. وقد نظم القصيدة التي ذكرناها وهو في اسطانبول وترك زوجته في بروسة. فهي ليست من الغزل الذي قاله أثناء غزواته على كل حال. وهي من قصائده الطوال (١).
وقد عالج الشعراء المحدثون الغزل من طرف خفي إذا صح ذلك. فناجوا الحرية والظباء واتخذوا الأسماء الرمزية مثل ليلى وسعاد. وقد درسنا الظروف التي جعلتهم يفعلون ذلك ولا يصرحون بمحبوباتهم (٢). وأغلب الظن أن ذلك راجع إلى سيطرة البيئة الاجتماعية ومقاييسها الصارمة في المعلم ورجل الدين والشاعر العربي. وكان أغلب الشعراء قد ارتبطوا بالحركة الإصلاحية. كما أن التعسف السياسي وجور القوانين لم يسمحا للشعراء السياسيين أن يتغزلوا، والغزل عند أغلب الناس نوع من المجون والعبث. ولا شك أن ذلك راجع إلى الانغلاق الاجتماعي، نتيجة الاحتلال. وقد رأينا أن ذلك كان ظاهرة جديدة، لأن ابن الشاهد والأمير، مثلا، لم يكونا على ذلك النمط، فكان المجتمع في وقتهما أكثر انفتاحا وتقبلا لهذا النوع من الشعر، ولا يرى فيه غضاضة لصاحبه.
وفي قصيدتي: أين ليلاي؟ وتعذيبي، لمحمد العيد غزل واضح، رغم التفسيرات الاجتماعية والدينية والصوفية التي أعطيت له عند ظهور القصيدتين. وقد تناولنا ذلك في دراستنا عن هذا الشاعر.
...
стр. 3789
إن الشعر الذاتي قد مارسه شعراء معروفون مثل الأمير ومحمد العيد، ولكن تخصص فيه شعراء أهملهم الدارسون أثناء حياتهم ربما لكونهم قد تمردوا على القيم الاجتماعية، فلم يقبلهم المجتمع الفرنسي لأنهم ليسوا منه ولم يرحب بهم المجتمع الجزائري لأنهم متمردون عنه. وهم فئة من الشعراء ظهرت آثارهم في تونس والجزائر وفرنسا. ومنهم: رمضان حمود ومبارك جلواح والطاهر البوشوشي. وكنا قد اهتممنا بشعر محمد العيد واهتم غيرنا بشعر مفدي زكريا، ثم ظهر من اهتم برمضان حمود مثل محمد ناصر وصالح خرفي. ومن اهتم بمبارك جلواح مثل عبد الله ركيبي، ولا نعرف أن هناك من اهتم بشعر البوشوشي حتى الآن.
وقد لفتت حياة رمضان حمود أنظار المعاصرين أيضا، لأسباب، منها موهبته العجيبة وموته المبكر. ذلك أن هذا الشاعر الناثر الموهوب لم يعش سوى حوالي عشرين سنة. فقد ولد سنة ١٩٠٦ في غرداية أثناء مرحلة الشدة في تعسف الاستعمار سيما في الجنوب حيث درس حمود دراسته الأولى. ثم توجه بعد ذلك إلى تونس والتحق بالزيتونة، وربما كان ذلك في نطاق البعثات التعليمية التي كان أهل ميزاب ينظمونها ويوجهونها إلى تونس. ورغم شبابه فقد أصدر بتونس عملين هما (الفتى) و (بذور الحياة). وقد دل كتابه الثاني عن تعلقه بالحركة الرومانتيكية. ويغلب على الظن أنه عرف أبا القاسم الشابي وقرأ من إنتاج المشرق العربي وإنتاج المهاجر العربية، مثل أدب جبران ونعيمة. وكانت تونس مفتوحة على هذا الأدب. وباعتبار انفتاح الإدارة الفرنسية عموما على أدب المهجر وأدب لبنان بالذات.
ومع ذلك كان شعر وأدب رمضان حمود متجددا في الشكل والروح، ولكنه تقليدي في الموضوعات، فهو، رغم شبابه، من دعاة العروبة والإسلام. وكان ناقدا للاستعمار والتسلط الغربي. وكانت روحه أعظم من بدنه، فأصيب بالسل القاتل ومات دون أن يتمتع بشبابه ولا أن يتمتع الناس بموهبته الشعرية،
стр. 3790
في سنة ١٩٢٦. وهي سنة بارزة في تاريخ الوطنية والإصلاح بالجزائر (١).
مبارك جلواح
وكانت حياة مبارك جلواح مأساة من نوع آخر. حقيقة أنه أنتج شعرا غزيرا وقام كجندي بأدوار في الجزائر والمغرب وفرنسا، ولكن حياته الذاتية تظل غامضة ومثيرة. ولد سنة ١٩٠٨ (١٩١٠؟) في قلعة بني عباس قرب آقبو. وبعد أن درس على والده القرآن الكريم تعلم تعلما عصاميا في ظاهر الأمر، ربما في بعض الزوايا المحلية، لأن مدارس الإصلاح لم تؤسس بعد، ولأن المدرسة الفرنسية لم تكن متوفرة للجميع. وربما يكون قد دخل المدرسة الفرنسية الابتدائية بعض الوقت. ولا ندري مدى تأثير حياة أسرته على طفولته. فقد كان والده يمارس التجارة والترحال بحثا. عن الرزق. فهل كان ترحال والده في الجزائر فحسب أو حملته قدماه إلى فرنسا أيضا. وماذا كان مصير مبارك أثناء ذلك. وما دور أمه وأسرته في تربيته أثناء غياب والده. كل ذلك يجعلنا نعرف بعض الأسباب التي أحاطت بحياة القلق والوتر التي ظل يحياها خلال شبابه، سيما خلال الثلاثينات.
ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره كان من المجندين في خدمة الجيش الاستعماري، شأن الشباب الجزائري. كان ذلك سنة ١٩٢٨، وفي هذه السنة كان الفرنسيون يستعدون للاحتفال بالاحتلال المئوي للجزائر. وبعد التدريب وقضاء فترة لا نعلمها وجد نفسه في المغرب الأقصى في خدمة أحد الضباط المغاربة. وكانت للشاعر فرصة للمقارنة بين حياة الجزائر وحياة المغرب، فرغم أن الاستعمار واحد، فإن هناك فروقا واضحة بين البلدين. فالمغرب حديث العهد بالاستعمار وشخصيته العربية الإسلامية لم تشوه، بينما الأمر لم
стр. 3791
يكن كذلك في الجزائر. ثم إن الكولون في هذه البلاد هم الأسياد بينما المغرب لا يظهر الفرنسيون فيه إلا كإدارة وجيش (مخزن).
وبعد رجوع جلواح إلى الجزائر، ربما على إثر تأسيس جمعية العلماء (١٩٣١)، وبعد حادثة الظهير البربري التي هزت المغرب، اتصل بابن باديس، وكان هذا يبحث عمن يعتمد عليه في فتح مدارس لتعليم المهاجرين في فرنسا اللغة العربية ومبادئ الإسلام. كما يقوم بالدعوة هناك لجمعية العلماء وسط المهاجرين. فوقع اختياره على جلواح. وربما كان ذهابه إلى فرنسا سنة ١٩٣٦. وكان جلواح خلال ذلك يتردد بين فرنسا والجزائر، ففي الأولى كان ينقط مدارس التهذيب، وفي الثانية كان يشارك في الندوات. ونحن نجد أخباره في قالمة وسكيكدة وعزابة والمحمدية وقلعة بني عباس ومستغانم (١). أما في فرنسا فكان جلواح هو الكاتب العام (للقلم العربي) لنادي أو جمعية أخوة آقبو (٢).
ومنذ ١٩٣٩ جند جلواح للحرب من جديد، وظل في الخدمة العسكرية إلى أن هزمت فرنسا واحتل الألمان باريس، فسرح من الجندية. ولا ندري ماذا حدث له بعد ذلك، أي منذ ١٩٤٣. فالركيبي الذي درس حياته بالتفصيل قد رجح أن يكون قد انتحر في لحظة يأس. ودليله في ذلك كثرة حديث الشاعر عن الموت والانتحار، وكون جلواح فشل في حبه وطموحه. ولعل انتماءه إلى الحركة الإصلاحية كان يمنعه من هذا المصير إذا لم يكن قد انحرف في حياته في باريس. ويشير الركيبي إلى أن جلواح كان من المعجبين بهتلر، وكان الألمان محتلين لفرنسا، وقد أعجب جزائريون آخرون بهتلر لا لشيء إلا لكونه هزم فرنسا. وانضم بعضهم إلى الجيش الألماني على أمل تحرير بلادهم بمساعدة الألمان. فهل كان موقف جلواح هذا سببا في قتله ورميه في نهر (السين) حيث وجدت جثته؟ كما أن الركيبي
стр. 3792
قد ذكر الصهيونية دون الربط المباشر بينها وبين موت جلواح. والغالب أن الصهيونية عندئذ كانت تحاول أن تحمي نفسها أكثر مما كانت تنتقم من خصومها. ومع ذلك فإن كل هذه الاحتمالات لا تقدم الجواب على قتل أو انتحار الشاعر جلواح.
ترك جلواح ديوانا سماه (دخان اليأس)، وهو يشمل، حسب عبد الله ركيبي، ستين قصيدة. وهي ليست كل شعره. ذلك أن له أشعارا ما تزال مفرقة في الصحف وفي أيدي الناس، ولو جمعت لاكتمل منها ديوان كبير. ونفهم من ذلك أن شعر جلواح تناول مختلف الأغراض، بما فيها الإصلاح والتحرر والذاتية والوصف. وقد رأينا له قصائد في البصائر وأخرى مما نشره له الركيبي، فإذا بها تقدم لنا شاعرا فريدا. كان جلواح في غمرة الحركة الرومانتيكية التي غزت الوطن العربي منذ الحرب الأولى تقريبا. وكان الشابي في تونس يغني لها أجمل أشعاره، وفي الجزائر اقترب منها محمد العيد ولكنه ظل أسير الدين والإصلاح والتقاليد الشعرية، وسرعان ما اختفى رمضان حمود (١٩٢٦)، ولم يفرض البوشوشي نفسه كشاعر غنائي. أما جلواح فكانت الغربة (نحو المغرب ثم فرنسا)، تزيده اغترابا عن المجتمع، ولذلك انتج قصائد في غاية الروعة الجمالية والعاطفية. والاغتراب كان أحد ميزات الشاعر الرومانتيكي. ولكن المثقفين المعاصرين كانوا في أغلبهم من (المصلحين) وهم الذين كانوا يسيطرون على الصحف الحرة والنوادي والجمعيات. ولم يكن بوسع جلواح المتحرر الثائر بمحكم مزاجه واختياره الشعري، أن ينتمي إلى الصحف الرسمية أو الطرقية. ونعتقد أن بعض قصائده كانت تجد طريقها للنشر بسبب اختياره لفنه الشعري. وإن أشعاره (المرفوضة) ربما ما تزال في أوراقه، وقد تكون من أجود شعره.
ويذكر الركيبي أن جلواح قد تغنى بالطبيعة والمرأة، وأنه مجد العروبة والوطنية. وحظيت ابنته ببعض شعره. ويعتقد أن جلواح كان مجددا ومتحررا، وأنه قد خرج عن المألوف - التقاليد- مما سبب له المقاطعة أو
стр. 3793
الصمت من جانب النقاد المعاصرين. ولو عاش جلواح أحداث ٨ ماي ١٩٤٥ وما بعدها لعرف أن مصير الجزائر أزهى ما تخيله في لحظة يأس، إن كان حقا قد انتحر. فالرجل كان يعيش مأساة نفسه ومأساة وطنه الصغير والكبير. فقد عبر عن عاطفته الثائرة نحو وديان الجزائر: وادي الرمل ووادي الشلف، وهما رمزان للخصوبة والنماء، وتحدث بلسان الجزائري في إحدى قصائده، كما أن له أخرى خاطب بها الشرق (١).
وقد كان جلواح يعيش هموم نفسه وغيره، حتى أنه كتب عن المسلم الإفريقي في باريس، وذلك من أوائل الحديث عن وضع المهاجر في الغربة، وهو الموضوع الذي شغل المثقفين الذين هاجروا بعد الحرب الثانية إلى فرنسا، مثل محمد ديب، وكاتب ياسين، وإدريس الشرايبي. ولا ندري أين قرأنا نحن أن جلواح قد سجن في باريس، وأن بعض الطلبة قد هاجمه فيها على نوعية أدبه. وكانت البصائر تكتفي بالإشارة إلى كونها اتصلت بمقالات منه دون أن تنشرها. ومع ذلك نجد له بعض المقالات عن نشاط نادي التهذيب الذي كان يديره بباريس وعن الجالية العربية فيها. وقد كانت باريس تشهد زيارات بعض الأعيان العرب، مثل شكيب أرسلان وإحسان الجابري، كما كانت تضم مجموعة من طلبة المغرب العربي، وهم زعماء تونس والمغرب والجزائر مستقبلا. وكان من النشطين فيهم مالك بن نبي وأحمد بن ميلاد ومحمد الفاسي، فأين مكانة جلواح بين هؤلاء؟ وهل تعاون مع الشيخ الفضيل الورتلاني الذي بعثه ابن باديس في نفس المهمة إلى فرنسا سنة ١٩٣٦؟ ولماذا لم يعد جلواح محل ثقة الجمعية؟ والمعروف أن الورتلاني
стр. 3794
اختار حركة الإخوان المسلمين والهروب إلى مصر سنة ١٩٣٨، ربما هروبا من الخدمة العسكرية. إننا نكثر من التساؤلات هنا لعلنا نلفت النظر إلى أن جوانب أخرى من حياة جلواح ما تزال غامضة وأن أخباره قد تكون عند ذلك الجيل من زعماء المغرب العربي الذين كانوا ما يزالون طلابا.
وهكذا يكون الشعر الذاتي قد خسر في جلواح رائدا كبيرا لأنه كان شاذا وسط الشعراء ونشازا في منظومة الإصلاح، وغريبا في بلاد مستعمرة، وكان عليه أن يتأقلم مع كل ذلك أو يموت.
الشعر التمثيلي والأناشيد
ونقصد به الشعر الذي يلقى أو يغنى على المسرح، ويدخل في ذلك الأناشيد المدرسية باعتبارها كانت تمثيلية أيضا. ولم يكن هذا الفن شائعا في الشعر العربي، واعتبره بعض النقاد فنا حديثا ومن التأثيرات الأوروبية. ومهما كان الأمر فإن الشعر التمثيلي قديم عندنا، على الأقل في العهد الذي ندرسه، فقد كانت الحلقات الأدبية تنعقد في أماكن معينة من المدن، ويلقى خلالها الشعراء أنفسهم أو من ينقل عنهم القطع والموشحات. ولكن ليس في شكل أدوار وتوزيعات كما حدث في وقت لاحق. كما أن المداحين وأعوانهم كانوا يتقاسمون الأدوار ويستعملون الآلات الموسيقية وينشدون الشعر. غير أن ذلك كان في معظم الأحيان شعرا شعبيا أو ملحونا.
وتذكر المصادر الفرنسية أن محمد بن علي الجباري قد نظم في آخر القرن الماضي مجموعة شعرية ساخرة جعل موضوعها حياة الطلبة (المتعلمين عندئذ)، وقام هو شخصيا بتمثيل هذا الشعر على المسرح. وهناك عدة شخصيات شملها الشعر الذي اختار له العنوان التالي (مغامرات طالبين عربيين في القرية الزنجية بوهران). ونحن نرجح أن يكون هذا الشعر غير فصيح، ولكن قدرة الجباري على اللغة (وقد كان قاضيا) قد تجعله ينظمه
стр. 3795
بالفصيح أو القريب منه. وقيل ان هذا الشعر قد نشر مع ترجمة فرنسية، ولكننا لم نطلع عليه (١).
ونحن وإن كنا سنذكر بعض المعلومات عن الجباري في باب المقامات، فإننا نقول هنا إن اسمه في الشعر المذكور ظهر مستعارا وهو (محمد قبيح الفعل). فهل فعل ذلك لأنه أراد نقد الوضع الاجتماعي والسياسي، سيما وأن تلك الفترة هي فترة الحملة ضد القضاة المسلمين (٢)؟. ويقول المصدر الفرنسي الذي أخذنا منه هذه المعلومات إن الجباري قد جعل شخصيات الشعر هم شخصيات المقامات.
وفي سنة ١٩٣٨ وضع محمد العيد مسرحية شعرية ونشرها على الناس بعنوان (بلال بن رباح) (٣). وهي من حيث الموضوع غير جديدة، لأنها تتناول شخصية إسلامية معروفة. ولكنها جديدة من حيث الشكل. فلأول مرة على ما نعرف يؤلف أحد شعرائنا مسرحية شعرية. وهي موجهة إلى تلاميذ المدارس، وكان الشاعر عندئذ مديرا لمدرسة الشبيبة الإسلامية بمدينة الجزائر. ولم يكن الهدف منها على ما نرى أدبيا أو فنيا، ولو كان ذلك هو هدفه لارتقى محمد العيد بالفن الشعري إلى الخيال والرمز وإلى استعمال الوقائع والهزات النفسية، ولكن غرضه على ما يظهر كان دينيا واجتماعيا. ولذلك علق أحد الأدباء عند ظهورها بهذه العبارات: (وقد رمى منشئها الأديب إلى بث روح الثبات على المبدأ بين الناشئة، واحتمالهم المكاره في سبيل الدين ولغتهم إلى أن العظمة الحقة والمجد الخالد إنما يكونان بسمو النفس وطهارة الروح وكمال الخلق) (٤).
وقد مثلت مسرحية (بلال). عدة مرات منذ نشرها، سواء على مستوى
стр. 3796
المدارس الإصلاحية أو على المستوى الشعبي، لأن رسالتها كانت هي خدمة الدين والأخلاق وربط الجيل الجديد بماضيه.
وقد ذكر لنا محمد قنانش أن السيد جلول أحمد الذي كان مناضلا في حزب الشعب، وكان من مدينة قالمة، قد كتب مسرحية شعرية بعنوان (هارون الرشيد)، وأنه نشرها في تونس، وكانت هي باكورة أعماله، كما قال، وذلك قبل ١٩٣٦. ونفهم من هذا أنها كانت بالعربية الفصحى، لأن قنانش يقول إن للشاعر مسرحية شعرية أخرى بالفرنسية سماها (الكاهنة)، نشرها سنة ١٩٥٤ - بفرنسا؟ -. وترك جلول أحمد أيضا (ملحمة شعرية) حول اعتقاله سنة ١٩٣٨، وهي، كما فهمنا، قصيدة وليست مسرحية. وقد نشر قنانشں جزءا منها في كتابه عن حزب الشعب (١).
أما الأناشيد المدرسية فهي عادة توضع للتربية الأخلاقية والدينية والوطنية. واشتهرت بها مدارس جمعية العلماء بين الحربين كجزء من حملتها في توعية الشعب لافتكاك استقلاله وهويته. وكانت الأناشيد تنشد بأصوات جماعية وألحان، وأحيانا تنشد بالموسيقى أثناء مسيرة. ونذكر أن هذا النوع من الأناشيد قديم، فنحن نجده عند تلاميذ ابن الموهوب في قسنطينة قيل الحرب العالمية الأولى. ولكن دور جمعية العلماء فيه هو التعميم والتسييس. وقد اشتهر عدد من الشعراء بوضع الأناشيد المدرسية، وعلى رأسهم محمد العيد الذي مارس التعليم وإدارة المدارس مدة طويلة، وكان مفعما بفكرة الوطنية والإصلاح، وفي ديوان أمثلة على ذلك.
وكان الشيخ محمد العابد الجلالي غير معروف كشاعر، ولكنه معروف بحماسه الوطني وغيرته الدينية. وهو من تلاميذ ابن باديس ومن شيوخ مدرسة التربية والتعليم بقسنطينة بعد أن كان مدرسا في الكتانية. فكان حماسه وغيرته وراء وضع أناشيد مدرسية يتغنى بها التلاميذ جماعيا وقد طبع ذلك في
стр. 3797
كتيب سنة ١٩٣٩، فنوهت به كل من الشهاب والبصائر. فقالت الشهاب إنها أناشيد تشتمل على (العقائد الصحيحة والأفكار السليمة والأخلاق الفاضلة). ورأت البصائر أنها مجموعة تشجع (حركتنا القلمية ... ونهضتنا الفكرية) (١).
ونعتقد أن هناك نماذج أخرى من الشعر التمثيلي جديرة بالتنويه، ولكن ذلك هو كل ما وقفنا عليه حتى الآن. ولا ندري إن كانت (الملحمة الرجزية) التي وضعها الشيخ الإبراهيمي في ٣٦٠٠ بيت قد بنيت على الحوار التمثيلي. ويفهم من وصف الشيخ لها أنها كذلك، لأنه قال إنه جاء فيها (بأفانين من الهزل والمذاهب الاجتماعية والسياسية والأنحاء على البدع في الدين وتصوير لأولياء الشيطان ومحاورات أدبية بينهم وبين الشيطان ووصف الاستعمار). ونحن نفهم من كلمة (محاورات) أن الملحمة كانت في صيغة تمثيلية (٢).
شعر الفخر والهجاء وغيرهما
رغم أن الفخر والهجاء لم يحتلا مكانا بارزا لدى الشعراء فإنهما استمرا عند بعضهم. ونحن نورد هنا ما عثرنا عليه من هذين اللونين إشارة لا إحصاء، كما نورد ألوانا أخرى من الشعر الفصيح لم تصنف في أية فقرة أخرى. وقد نبهنا إلى أن الفخر هو مدح للذات والقوم، وأن الهجاء هو سلب لصفات المدح عن المهجو.
والفخر إذا كان بالوقائع والإنجازات مقبول شعريا، أما الفخر بالأجداد والرسوم المتخيلة فهو ادعاء كاذب ويذم صاحبه عند الله وعند الناس ولو كان شعره في غاية الروعة. وكان يحق للأمير عبد القادر أن يفتخر بنفسه وبأجداده وشجاعته وفرسه، بعد معركة خنق النطاح التي وقعت قبل توليه الإمارة، أي
стр. 3798
عندما كان يحارب تحت لواء والده (٢٩ مايو ١٨٣٢):
توسد بمهد الأمن قد مرت النوى ... وزال لغوب السير من مشهد الثوى
ومما يذكر أن الأمير عندئذ قد هجم على الأعداء تحت وابل من رصاصهم وقذائفهم لإنقاذ جثة ابن أخيه، ويدعى أحمد بن محمد السعيد، الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره. وكان هذا الفتى قد قتل برصاص الأعداء (١). وتسمى قصيدة الفخر التي نحن بصددها (مقصورة الأمير).
ومن الفخر قصيدة الطيب بن المختار في الأمير، وقد افتخر فيها بنفسه أيضا لأنه من نفس العائلة:
بكم السماحة والمروءة ألبست ... ثوب البها يا بضعة (المختار) (٢)
وقد قرأنا لمحيي الدين بن الأمير عبد القادر شعراء يفتخر فيه بنفسه وبأفعال والده. ونحن نعلم أن محيي الدين كان من المخططين والمنفذين لثورة ١٨٧٠ - ١٨٧١. ويبدو أن ديوانه غير مطبوع، ولكن كتاب (حلية البشر) قد احتوى على مجموعة من شعره. ومنه القصيدة الفخرية (٣). ومن قوله مفتخرا بفعله وفعل والده وقومه:
على ماذا الخمول وأنت قرم ... مطاوع في العشائر لا وتمارى
وانك لا تنال المجد حتى ... تقود عرمرما يملأ القفارا
فقومي سادة عرب كرام ... بغير الحرب ما نالوا فخارا
وكان علي بو طالب، عم الأمير، شاعرا أيضا، فاغتنم فرصة الانتصار في واقعة المقطع ونظم قصيدة في الفخر والفروسية، وهنأ الأمير على النجاح. وكان علي بو طالب حاضرا للواقعة:
هنيئا لك البشرى نصرت على العدا ... ودمرت جيش الكفر بالقتل والخسف
стр. 3799
وحزت مقاما دونه كل باسل ... يرى الحرب ميدان الخلاعة والقصف
بجيش عظيم قد تفرد في الوغى ... له سطوة عزت وجلت عن الوصف (١)
وفي قصيدة عاشور الخنقي في البوازيد (وهو منهم) فخر واضح يذكرنا بقصائد الافتخار القبلي عند الشعراء العرب القدماء. اسمع إليه يقول:
فما الناس إلا كالمعادن كلها ... ونحن البوازيد اليواقيت توقد
وما الناس إلا كالليالي مواسما ... وغبرا ونحن ليلة القدر ترصد
وما سائر الأشراف إلا جواهر ... ونحن البوازيد اليتيمة تفرد
على كل أرض سيما الغرب أهلنا ... بنا تأمن الأرض البلاء وتسعد
ولو جمعتنا بقعة لتجمعت ... لنا الأرض حتى لم يكن للسوي يد
شمائلنا الحرب الكريهة في الورى ... وطعم القرى حتى إذا العام أجرد
لنا وبنا منا وفينا وإن ترد ... مفاخرنا حدث عن البحر يرعد (٢)
ثم ركد شعر الفخر لأن المقاومة كانت تمنى بالفشل، وكان الاحتلال قد تغلب على البلاد. ولكن مع ظهور النهضة ونشاط الحركة الوطنية رجع الأمل بالنصر، وأخذت الكلمة مكانها من جديد لتعلي من شأن الماضي المجيد، وتفخر بالأجداد، وبالجبال وبالوطن. ومن الممكن القول إن الأناشيد الوطنية أصبحت تعبر عن الفخر بالمعنى الجديد. ويدخل في ذلك نشيدا ابن باديس: إشهدي يا سماء، وشعب الجزائر، وأناشيد مفدي زكريا أثناء انتمائه لحزب الشعب. وتوجد بعض القطع الشعرية عند محمد العيد معبرة عن الفخر الجماعي، كقوله:
نحن الجبال بنو الجبال ... صدى الجبال بنا حدا
من سامنا بإذاية ... فعلى الجبال قد اعتدى
стр. 3800
وفي الشعر الذي قيل في تقريظ الكتب التاريخية، مثل كتاب الجزائر للمدني وتاريخ الجزائر للميلي فخر بالعرب والبربر واللغة العربية والإسلام، ومنجزات الجدود، والرصيد الحضاري. وهكذا تحول الفخر من شخصي إلى جماعي، أو إلى شعب كامل وبلاد متسعة تتطلع لغد عظيم.
أما الهجاء فقد أشرنا إلى بعضه ومناسبته. وهو قليل بالفصحى، ولكنه كثير بالعامية. ولعل ذلك راجع إلى أن الشعراء لم يجدوا أين ينشرون شعر الهجاء، كما وجدوا أين ينشرون شعر المدح والدين ونحوهما. ثم إلا الشعراء بالفصحى كانوا قلائل، وكانوا يشتغلون عموما بالتعليم والقضاء، فلم يروا من اللائق بهم التهاجي فيما بينهم. أما هجاء الشعراء للحكام الفرنسيين فلا نعلم أن شاعرا قد حاوله. ولا نرى داعيا لتكرار ما قلناه من أن الهجاء ظهر عند الشيخ عاشور الخنقي ضد الشيخ محمد الصالح بن مهنة، وضد الشيخ عبد القادر المجاوي، وربما هجا الشيخ عاشور أيضا محمد بن عبد الرحمن الديسي وغيره. ولا نستبعد أن يكون علماء الأربعينات من القرن الماضي، وهم مصطفى الكبابطي وقدور بن رويلة وابن الشاهد وابن الحفاف، قد تبادلوا الهجاء أيضا لأنهم اختلفوا حول رأي الدين من الهجرة إلى المشرق اختلافا كبيرا. كما سبقت الإشارة إلى قصيدة الهجاء التي صدرت عن الطيب بن المختار في المفتي أحمد بوقندورة. وقد اتهمه فيها بالجهل وعدم الأهلية للفتوى.
ثم تطور الهجاء كما تطور الفخر، فعند ظهور حركة الإصلاح وركود الطرق الصوفية جرى تبادل الشعر الهجائي بين الفريقين، ولكنه لم يكن شعرا فرديا، أي لا يهاجم شيخ التصوف لذاته، ولكن لعقائده المنحرفة وعلاقته بالإدارة، بينما أهل الطرق كانوا يهجون خصومهم بالحداثة والزندقة والخروج عن الجماعة. ومن يقرأ الصحف التي ظهرت خلال الثلاثينات وأوائل الخمسينات سيدرك ذلك. ومع ذلك فإن الشعراء الكبار قلما شاركوا في هذا النوع الجديد من الهجاء، لأنهم ربما كانوا
стр. 3801
يترفون عنه، وإذا ساهموا فيه فبأسماء مستعارة.
الشعر الشعبي
تضم هذه الفترة الشعر الشعبي العربي والبربري. وهو كالشعر الفصيح، تناول أغراضا عديدة، ولكنه تناول بالخصوص المدائح النبوية والتوسلات ومدح الفرسان والأبطال، والشكوى من الزمان وأهله أي من الظلم والحرمان، والسياسة ولكن بطريقة ساخرة أحيانا. وفيه يجد الباحث ألوانا من وصف الطبيعة والحب والحكمة والمغامرات والصيد، والمدح والفخر. وقد شاركت كل جهات الوطن في هذا اللون من التعبير. وكان الشعر البدوي صافيا من تأثير الثقافة الفرنسية، ولكن شعر المدن قد تأثر بها، ويظهر ذلك في كثرة الكلمات الأجنبية المعربة.
ولا يعني وجود تلك الأغراض كلها في الشعر الشعبي أننا سنتناولها جميعا هنا. فنحن سنكتفي بوضع التصنيف التالي لهذه الفقرة. سنشير إلى بعض الدراسات التي درست الشعر الشعبي وأغراضه ولغته وتأثيره وصلته بالحياة العامة. ثم نتناول المجامع الشعرية سواء ظهرت في شكل دواوين أو في شكل نماذج في المجلات، كما أننا سنتتبع ردود فعل الشعراء الشعبيين عن الأحداث التي جرت في البلاد مثل الثورات والتشريعات والزيارات وكيف وصفوها. ومن خلالها سنتعرف على بعض هؤلاء الشعراء وأبطالهم من الفرسان المنتصرين أو المنهزمين.
وقبل أن يدرس الجزائريون الشعر الشعبي اهتم به العلماء الفرنسيون منذ الاحتلال لأنه في نظرهم يعبر عن حقيقة الروح الجزائرية المقاومة لاحتلالهم. وقد حاربت السلطة الفرنسية المداحين أو القوالين، وراقبت نشاطهم لأنهم كانوا نقلة هذا الشعر ومروجيه، وكان معظمهم من الشعراء المرتجلين، وأخذ بعض الضباط المستعربين يحللون نصوص الشعر الشعبي الصوفي لغموضه عندهم ولاحتوائه على رموز وتلميحات تاريخية وسياسية
стр. 3802
معادية للفرنسيين. فالعناية بالشعر الشعبي في القرن الماضي كانت لأغراض سياسية في أغلب الأحوال. ثم أخذ المستشرقون يدرسون هذا الشعر باعتباره مصدرا اجتماعيا ولغويا وإثنيا. ومن الذين برزوا في ذلك رينيه باصيه وتلميذاه الإسكندر جولي وجوزيف ديبارمي. ومن تلاميذه الجزائريين محمد بن شنب الذي نشر وترجم بعض شعر محمد بن إسماعيل عن حرب القرم وأشعارا أخرى لابن مسايب وغيره. ثم جاء محمد صوالح فنشر شعرا لمصطفى ثابتي عن وضع الجنود الجزائريين في الحرب العالمية الأولى عندما جندوا ونقلوا إلى أوروبا. ومن جهة أخرى كان لويس رين ودومينيك لوسياني قد اهتما بالشعر الزواوي الذي قيل في ثورة ١٨٧١، وقد نشر كل منهما نماذج من ذلك، بعضه لإسماعيل ازيكيو، وبعضه لمحمد بن محمد (محند أو محند)، وبعضه لمجهولين (١).
ولقد اهتم جولي بالشعر الشعبي في الجنوب: مناطق الحضنة والأغواط وتيارت وبسكرة وعين الصفراء. وكان قد حصل على منحة لجمع ودراسة هذا الشعر. وقد استعان على ذلك ببعض الجزائريين، مثل غيره، فكان القاضي عبد الرزاق الأشرف من المساعدين له في جمع المادة وتحليلها لغويا وفهم معاني الشاعر. أما جولي فكان له حظ الترجمة والتصنيف والتعليق. وكذلك استعان لوسياني في ترجمته لنماذج الشعر الزواوي بالشيخ محمد السعيد بن زكرى. وأما ديبارمي فقد (تخصص) في الأدب الشعبي عموما، ومنه الشعر، في منطقة متيجة، بما في ذلك البليدة والمدية وأوطان الحجوط والخشنة والقليعة وبودواو ويسر. وقد ترجم قصصا وأشعارا كثيرة حصل عليها من بعض (الطلبة) والفلاحين المتصلين بالأوروبيين في المنطقة. وكان ديبارمي يحسن قراءة أفكار الشعراء إلى درجة المبالغة أحيانا. فكان يستخرج منهم المعاني الظاهرة والباطنة في نظره ويربط ذلك بالوقائع والواقع.
стр. 3803
وقام سعد الدين بن شنب أوائل الخمسينات بدراسة للأدب الشعبي، ولكنه كاد يقصر اهتمامه على الشعر. وقد نجح في رصد أغراض هذا الشعر وتناول حياة بعض الشعراء. ورأى أن الموضوع الخالد في هذا الشعر هو الحب، ولكن الشعراء تناولوا أيضا الدين والتوسلات بالرسول ﷺ والأولياء، والفروسية والصيد والبطولات والتغني بالطبيعة وجمال الريف، إلى جانب النصائح والحكم والرثاء والفرح والتعاسة والشكوى من الدهر. ومن الشعراء الذين أشار إليهم، عبد الله بن قريو الأغواطي (ت. ١٩٢١) الذي تغنى بامرأة أحبها، وكانت الأخلاق الاجتماعية لا تسمح بإعلان ذلك. فاكتفى بالتغني بالجمال والشكوى قائلا: (أشكو إليك يا قاضي الحب). ومنهم محمد العنقاء (و. ١٩٠٧) الذي تغنى أيضا بالحب وزمز للمحبوبة بالحمام الذي طار من يديه. وكان عبد الرحمن الأعلى من هؤلاء الشعراء الذين تناولوا الجانب الاجتماعي ووصفوا شقاء الناس ونادوا بفعل الخير والإحسان. وأما رابح بن الطاهر (١) الصحراوي فقد امتلأ قلبه بحب الطبيعة وابتهج بالجمال في الصحراء ولكنه أيضا تناول مواضيع الحزن والغربة، وصور مشاعر شاب اغترب عن أمه في فرنسا ومأساة البطالة وطلب العمل في البلد الأجنبي.
وبالإضافة إلى هؤلاء الشعراء ذكر سعد الدين بن شنب، سيدي ابن عمر الذي تميز بالشعر الديني ومدح الرسول ﷺ ، والحنين إلى مكة والمدينة والرغبة في العيش في أرض الإسلام. وهو الشعر الذي يحبه الرأي العام ولا سيما في المناسبات الدينية. وكان عبد الرحمن عزيز قد تولى غناء هذا النوع من الشعر. وأدى الشاعر عيسى بن علال الشملالي فريضة الحج وركب البحر فصور هذه التجربة الفريدة عنده، وهي الحج والبحر. وامتاز الشاعر محمد عبابسة (ت. ١٩٥٣) بشعر الحكمة والمثل، وتقديم المواعظ والنصائح الفلسفية. وكانت قصائده يتغنى بها المنشدون. وأثناء الأحداث الكبيرة
стр. 3804
يسارع الشعراء الشعبيون إلى تصوير الحدث ومشاركة المجتمع والارتفاع إلى أسمى درجات الشعور الإنساني، كما حدث أثناء زلزال الأصنام وثورة نوفمبر. وقد ذكر ابن شنب أن هناك حوالي مائة شاعر شعبي (١).
...
ولنذكر الآن بعض الدواوين والمجامع في الشعر الشعبي، وهو الذي يسميه البعض بالزجل والملحون، ويسميه بعض المشارقة بالشعر النبطي.
١ - كنوز الأنهار والبحور في ديوان السر والنور: وهو (ديوان قدور بن أحمد بن قدور بن عاشور الندرومي). ظهر منه الجزء الأول في وجدة على أنه سيتبع بأجزاء أخرى. والشاعر من مواليد ندرومة. وكانت سنة ميلاده ١٢٨٠ هـ (١٨٦٣) تقريبا. وقيل إن للمؤلف ترجمة في الكتاب، وإنه هو حفيد قدور بن عاشور الذي كان خليفة لباي وهران (مخزن؟) في ناحية ندرومة. وكان الشاعر قد حفظ القرآن الكريم ثم تركه إلى الموسيقى حتى بلغ فيها درجة عالية. ثم أصبح من خدمة بعض الصالحين، كأحمد البجائي الذي تعلم منه نظم الشعر، ومصطفى بن عمرو الذي أدخله في رحاب التصوف، وقيل إن قدور غرق في عالم التصوف بعد وفاة شيخه المذكور حتى (أدرك الغوثانية العظمى (؟)) (٢).
٢ - الكنز المكنون في الشعر الملحون: تأليف محمد قاضي. وهو مجموع ظهر سنة ١٩٢٨. وقد ضم أشعارا شعبية قديمة وحديثة، في الحكمة والمواعظ والوصف والتوسل. فمن القديم قصيدة ابن مسايب التلمساني في التأسف على أحوال تلمسان (ت. ١٧٦٦) وقد استعمل البعض شعره ضد الفرنسيين أيضا. وهناك شعر يمجد أشراف غريس كتبه السيد عدة التحلايتي.
стр. 3805
وطالما ألف المؤلفون حول أشراف غريس، ولكن دخول الشعر الشعبي هذا الميدان أمر يلفت النظر. وقد اتخذ الشعراء مسألة الأشراف حجة للبكاء على الماضي وضياع المدن وضعف الدين وتدخل الفرنسيين في الحياة الخاصة للمسلمين كفرض الضرائب، ويسمونها (المغارم). والغرايم. والشعراء يوجهون خطابهم (للمسلمين)، كما نقول اليوم (أيها الشعب). وهذا الشيخ ابن عثمان يتأسف على أن الأوضاع قد انقلبت مع الاحتلال الفرنسي فتقدم الوضيع على الشريف، وامتاز النحاس على الذهب، معتبرا ذلك من عجائب الزمان. وقد ذهب ديبارمي الذي راجع (الكنز المكنون) عند ظهوره إلى أن هذه الأفكار موجودة عند أهل الزوايا الذين يكنون بغضا شديدا للفرنسيين ويستعملون التقية ضدهم.
والظاهر أنه لا صلة بين مؤلف الكنز المكنون والعقيد الذي حمل الهدية الفرنسية إلى الشريف حسين بالحجاز سنة ١٩١٦، رغم أنهما متعاصران. وكلاهما يلقب (قاضي) (١)، وقد نوه محمد قاضي في الكنز بمكانة العرب في الشعر قاتلا إنه عندهم سجية، سواء منهم المتعلم والأمي، والعرب هم الشعب الوحيد الذي ينظم مبادئ العلوم شعرا، رجزا وغيره، كنظم المتون النحوية والفقهية والطبية، ونحوها. لأن النظم عندهم سليقة. وافتخر المؤلف بالآباء والأجداد في هذا المجال، ولمح إلى أن الفرنسيين قد حاربوا اللغة الفصحى التي هي الأصل في النظم، ولكن الجزائريين لم يتوقفوا عن النظم فقالوا الشعر الملحون غير المتقيد بالقواعد النحوية والعروضية. ونصح باتباع السلف في ذلك، وشكر الله الذي (أكرم وطن إفريقية بشعراء عظام من فحول العرب (الذين) تركوا لنا كلاما نفيسا يجد القارئ فيه الفصاحة والبلاغة والحكمة).
وكان دافعه على التأليف هو الخشية من ضياع الشعر الملحون وتلاشيه من الجزائر. لأن الجيل الجديد غير مهتم به ولأن الشعر نفسه قد أصابه
стр. 3806
الإهمال، فأصبح مجهولا عند الكثير من الناس. وهكذا فإن جمعه للقصائد وتقديمها للطبع كان بدافع الرغبة في حفظها وانتفاع الجزائريين (المسلمين) بها، والتذكير بالأسلاف الأطهار، والإطلاع على أعمالهم وعصرهم وإنجازاتهم، فلعل الجيل الجديد على التشبه بهم. وهكذا فإن رسالة محمد قاضي تبدو (وطنية)، فهو يخاطب المعاصرين الذين ابتعدوا عن أسلافهم ويدعوهم إلى الرجوع إلى مآثرهم عن طريق الشعر الملحون، وهو الوسيلة الوحيدة الباقية من تراثهم الأدبي.
ولكن محمد قاضي أخذ يحث الناس أيضا على الصبر على الشدائد والمحن، وعدم العجلة التي فيها الندامة، ووجوب طاعة الرؤساء وذوي السلطان (وهم الفرنسيون) امتثالا، لقول العرب (إدفع حق السلطنة وارقد بالباب) وقولهم: (جانب السلطان واحذر بطشه). ونصح الناس باتباع سياسة اللين حتى مع العدو (كيف يسوس العدو حتى يرجعه حبيبا، ويتلاطف مع الحبيب ويغفر له عثراته ...) ثم أضاف: (ومن كان بقرية أجنبية فلا يتداخل في أمور أهلها ولا يجعل منهم عدوا، ويعرف مقامه مقام الأجنبي، ولو بلغ ما بلغ). وعاتب من كان ينظر إلى الأجنبي على أنه لا فائدة منه، ذلك أن المؤلف يرى أن في الأجنبي فوائد عظيمة. ومن غريب قوله إن (الأرض (الجزائر؟) ليست هي لمخلوق ... وإذا نظرنا المسألة على الوجه الشرعي فنجدها للدولة الفرنساوية من حيث أخذتها عنوة، كما كانت لأسلافنا في السابق). وإذا كان الإنسان ضعيفا، فعليه في نظر المؤلف، أن لا يعاند القوي ولو ظلمه (١)!.
إن محمد قاضي قد استعمل لغة الرموز في معالجة الوضع بالجزائر سنة ١٩٢٨، وهي فترة الاستعداد للاحتفال المئوي بالاحتلال، وبداية الصحوة الوطنية. ولعله تأثر بالشعر الملحون نفسه، لأن الشعراء قالوه بطريقة رمزية
стр. 3807
أيضا في ظروف كانت عادة صعبة، وهو الأمر الذي جعل ديبارمي يحكم بأن رجال التصوف وشعراء الملحون كانوا يستعملون التقية.
والشعراء الشعبيون اعتبروا التجنس بالجنسية الفرنسية خروجا عن الدين الإسلامي، ووصموا المتجنسين بلقب (المطورنين) أي المرتدين. ورثى الشعراء حالة الجزائر في العهد الفرنسي وتأسفوا من التأثير الفرنسي في الحياة الاجتماعية. ومن هؤلاء الشاعر قدور بن خليفة الذي قيل إنه كان من جنود الأمير عبد القادر، وكان أميا، ولكنه تمتع بموهبة شعرية جعلت شعره يخلد بين ١٨٦٧ و ١٩١٠. وكان شعره يتناول الجوانب الاجتماعية التي ذكرناها ومدى التأثير المعنوي الفرنسي. وقال ديبارمي إن تأثير شعره بقي قويا إلى سنة ١٩١٠، إذ وجد من شعره نسخة في البليدة أوائل هذا القرن. ويرى ديبارمي أن التأسف على الماضي عند الشعراء يوحي لهم بالتحرر مستقبلا ويشجعهم على ذلك. ومن شعراء الأمير أيضا، الطاهر بن حواء، وله شعر في كتاب الكنز المكنون، ولكننا سنذكره أيضا عند حديثنا على من ناصر ومن عارض الأمير من الشعراء. وكان رثاء الجزائر من الموضوعات الشائعة لدى شعراء القرن الماضي، ومنهم ابن البقال (السقال؟) التلمساني، الذي ذاع شعره، حسب ديبارمي، في مختلف أنحاء البلاد، وقد جمع منه ديبارمي مجموعة سنة ١٩١٧ بالبليدة (١).
٣ - قراءات مختارة لتعليم العربية الدارجة (٢): جمعها عبد الرحمن (؟) الذي كان أستاذا بثانوية (ليسيه) وهران. وقد ذكر كور أن المجموعة قد ضمت جزءا من قصيدة قدور بن محمد البرجي المعروف بو نقاب، وكان قد
стр. 3808
هجا بها الأمير ثم طلب العفو منه. وهي القصيدة التي نشرها كور كاملة، بعد ذلك، كما سنرى.
٤ - الشعر الشعبي السياسي في عهد الأمير عبد القادر: مجموعة نشرها أوغست كور سنة ١٩١٨. وقد اشتملت على قصائد قدور البرجي (بونقاب) سابق الذكر والطاهر بن حوا الذي ناصر الأمير. وذكر كور أنه جمع قصائد بونقاب من تلاميذه الجزائريين، أثناء وجوده في مدرسة تلمسان سنة ١٩١٢. وقد استعان أيضا بالعلماء والطلبة لترجمة النصوص والحصول على المعلومات، منهم سي محمد الستوتي الذي كان حارسا لملجإ العجزة بتلمسان، وسي محمد قاضي الذي كان كاتبا بالمكتب العربي بوجدة، والذي أصدر فيما بعد كتاب (الكنز المكنون)، ثم سي البها الحاج رحو المجاجي.
ونعني بالشعر السياسي ذلك النوع الذي وقف من الأمير موقفا مؤيدا أو معارضا. وكان التأييد على أساس ديني وعائلي وقبلي ووطني، وكذلك كانت المعارضة، غير أن المعارضين، بمن فيهم الشعراء، كانوا معتزين بالانتماء القبلي والرفعة الاجتماعية، لأنهم غالبا ما كانوا من الأجواد المخازنية أصحاب السيف والبارود والجاه والسلطان، ولم يألفوا حكم رجل الدين والطرق الصوفية كما كان عليه حال الأمير. فكان قادة الأجواد قد رفضوا الأمير على أنه ابن شيخ زاوية وليس من المحاربين المخازنية، وكان وراء المعارضين رجال مشهورون أمثال سيدي لعريبي البرجي، والغماري، زعيم قبيلة أنجاد، ومصطفى بن إسماعيل، زعيم الدوائر والزمالة. وكانت سمعة سيدي العريبي تشمل المنطقة بين الشلف ومستغانم. ولكن الأمير حارب سيدي لعريبي والبرجية ١٨٤٣، ومصطفى بن إسماعيل، لأن الدوائر والزمالة وقعوا اتفاقا خاصا مع الفرنسيين ضده سنة ١٨٣٥.
وكان الشاعر قدور بن محمد البرجي (بونقاب) قائدا، على البرجية فعزله الأمير لأنه ساند سيدي لعريبي ضده. وكانت موهبته الشعرية عظيمة. فأخذ يهجو الأمير ويعلن خصومته، فسخر من الأصل الاجتماعي للأمير ومن عائلته
стр. 3809
وكونه ابن زاوية وحضريا وتساءل: هل رأيتم أبدا سلطانا خرج من زاوية؟ وهل رأيتم أبدا حضريا أصبح قائدا للعرب؟. وقد كان الشاعر بونقاب يعتقد أن المسألة اجتماعية. وكان خصمه السياسي في القيادة هو الحبيب بوعالم.
وقد أرادت الدوائر والزمالة ذات يوم أن تجعل من الشاعر قدور بونقاب لسان حالها كما كان ابن السويكت شاعر الامحال في الماضي. وكان الاعتقاد القبلي لا ينظر إلى الفرنسيين على أنهم هم الأعداء للجميع، وإنما ينظر إلى النزاع نظرة اجتماعية وسلطة دنيوية. فكأن القبائل عندئذ كانت في عهد الجاهلية، فكانت كل قبيلة تبحث عن شاعر ينافح عنها وتتغنى به. وهكذا دعت قبيلة الدوائر الشاعر قدور البرجي إلى مأدبة وحاولوا ضمه إليهم. وبعد تناول الطعام قالوا له إنهم جميعا أقسموا على أن تكون أنت بمثابة ابن السويكت لنا، فتنظم الشعر باسمنا. فاعتذر إليهم في البداية. وفسر كور ذلك الاعتذار بأنه قد يكون راجعا إلى كون الدوائر قد تحالفوا مع الفرنسيين (النصارى) أو لأن الشاعر كان خائفا من عقاب الأمير. ولذلك سجنه الأمير فترة لموقفه المعادي له، ثم تدخل أصدقاء الشاعر لصالحه فأطلق الأمير سراحه، ولكنه أبقى عائلته تحت المراقبة. ثم تدخل الشاعر نفسه وأصدقاؤه من جديد لكي يسرح الأمير العائلة فأبى. وأثناء ذلك نظم قدور البرجي قصيدته المشهورة:
عييت صابر ونراعي فيك الانتصال ... يا قريب الضحكة وبعيد في رضاك
ما سمعت ولا شفت القصى كقصاك
وفي هذه القصيدة كرر للأمير طلب العفو عنه وإطلاق سراح أهله. وقد انتشر شعر قدور في عهد الأمير، وكان يخشى على نفسه فهرب واختفى. وقد قيل إنه استسلم للأمير، رغم أن كور ينفي ذلك، ربما عن رواية كبار الناحية. وظل الشاعر على حاله إلى أن أدركه التعب والكبر والموت. ولكن شعره ظل محفوظا في نواحي وهران، كما يقول كور. أما الشاعر الرسمى للأمير فهو الطاهر بن حوا. وقد كان الأمير شاعرا
стр. 3810
وفارسا، وكان يقدر الشعر ويعرف قيمته الدينية والإعلامية (الدعوة). وكان الأمير يعرف ما كان للشعر من دور في عهد الرسول ﷺ والصحابة، ويذكر قصيدة (بانت سعاد) ودور حسان بن ثابت في الدفاع عن الإسلام ورسوله. ولذلك قرب الأمير منه الطاهر بن حوا وأغراه بخدمة جهاده كما خدم حسان وعبد الله بن رواحة الدعوة الإسلامية. وقد تصدى ابن حوا لخصوم الأمير، ولم يكن شاعر قبيلة وإنما كان شاعر جهاد وأمير وفكرة. ومن شعره الذي مدح فيه الأمير ودعا له بالنصر على أعدائه، قوله:
يا من درى شي من يوم سلطاني مبارك ... ممزوج بالمسرات والرضا مبروك
بلى تجد واللي تريد يجمع شملك ... ويدير ليك مولاك في المضيق سلوك (١)
وحوالي مدار هذا القرن جمع الإسكندر جولي مجموعة من الشعر الشعبي وسماها (ملاحظات على الشعر العصري عند البدو الجزائريين). وكان جولي قد رافق بعثة (فلامان) نحو الجنوب سنة ٩ ١٨٩. فجمع أشعارا عديدة أثناء رحلته إلى عين صالح. وقد حضر بعض السهرات، ونقل من أفواه الكبار. ثم رتب ذلك الشعر وصنفه. وفي نظره أن شعر الجنوب البدوي يختلف عن الشعر الحضري في الشمال من عدة وجوه.
وقام الإسكندر جولي بدراسة فنية ونوعية أيضا للشعر الشعبي في الجنوب. وذكر منه هذه الأنواع: الزغوية، والنم (بكسر النون)، والمدح، والقول (بضم القاف المعقودة)، والهجوة، والقطاعة (بشد الطاء) وهي أغنية الطريق أو الحداء، والعيدي وهو شعر الحرب والأعراش، والغناء وهو الشعر المرفوق بصوت آلة الطرب. وقال جولي إن هذا النوع الأخير نادر عند البدو ولكنه شائع عند أهل الحضر. وعرف (القول) بأنه شعر قصير ينشد بتنغيم موقع وهو ليس غناء حقيقيا. أما الهجوة فهي الهجاء المعروف في الشعر الثري.
стр. 3811
ومن شعر (القول) جاء جولي بنموذج لسي ابن حرز الله، وهو من الحرازلة، وهم قبيلة كبيرة من الأرباع، قرب الأغواط. وهو شعر بسيط وطبيعي يتماشى مع ما فرضته الطبيعة والمناخ الصحراوي. وهو يمثل الذوق العربي البدوي. أما (النم) فهو المناجاة أو حديث النفس والغنائي الذاتي بصوت منخفض كشعر الحب. وجاء جولي بنموذج منه لبوزيان،. وهو شاعر من أولاد يعقوب الزرارة بجبل عمور، وهم فرقة من أولاد فاطمة. كما أورد نموذجا من شعر (القطاعة)، وهو نوع من الزغوية أو غناء الطريق - الحداء -، وهو شعر يرتجله الشعراء في الغالب للتغلب على طول الطريق. أما الموضوع فهو دائما قصة عن الرحلة التي ترد فيها أسماء الأماكن. وقد أورد جولي نموذجا للقطاعة من شعر سي بوزيد بلحاج بلقاسم، وهو من قصر سيدي بوزيد عند جبل عمور أيضا (١).
وفي وقت لاحق جمع جولي أيضا قصائد من نفس المنطقة لشعراء آخرين. ففي حوالي ١٩٠٠ جمع من فم باعفو بن سليمان شعرا من ١٤ بيتا لشاعر مجهول. ومكان جمعها هو الوادي الأحمر قرب حاسي المطقوين، جنوب الأغواط. وابن سليمان كان من الشعانبة القبالة، ويفهم من النص أن الشاعر نفسه من ناحية ورقلة والصحراء الشرقية، ذلك أنه يرد في شعره رحيل البطلة إلى توزر، وهو الرحيل الذي أثار أشواق الشاعر. وتبدأ القصيدة هكذا:
أملاح الناس اللي بي ... ساكنين السد الوعر
طاعنين الأوطان القبلية ... ناس فاطنة زهو الخاطر
نفضت دماغي الزيدية ... حبها على قلبي جوار (٢)
стр. 3812
ومن نواحي طاقين قدم المغني صفراني قصيدة طويلة وشهيرة جدا في وقتها في الجنوب الغربي. أما ناظمها فهو دحمان بن معاوز، أصله من ستيتن، جنوب وهران. غير أن هناك من قال إنها من نظم وليد محمد، من معسكر. ورأى جولي أن للقصيدة عدة صيغ مما يدل على أنها قد تكون منحدرة من أصل واحد قديم ولكنه ضاع. ولم ينته هو (جولي) إلى رأي أخير في ذلك. وبداية هذه القصيدة:
يا مرقوم الريش اسعاني ... حشمتك اد عنواني
خفق بجناحين (١)
ونظل في شعر الجنوب لنقول إن المجلة الإفريقية قد نشرت ثلاث قصائد للشاعر الأغواطي عبد الله بن كريو (قريو) مع ترجمة فرنسية وتعاليق. ورغم أن اسم المترجم غير مذكور فإنه من المرجح أن يكون هو نفسه الاسكندر جولي الذي سبق ذكره والذي اهتم، كما أشرنا، بهذا اللون من الشعر. وفي هذا الشعر يذكر الشاعر عددا من الأولياء والصالحين أمثال الحاج عيسى الأغواطي، وأحمد التجاني، وأحمد بن يوسف الملياني. ومحمد بن عودة الغيليزاني، ومحمد البركاني (المدية - شرشال)، ثم عبد القادر الجيلاني. وبداية القصيدة الأولى هي:
لا تقنط يا خاطري سعف الأقدار ... تماهل لمصايب الدهر الفاني
وبداية الثانية:
يا لايم في محنتي ما فاد اللوم ... ما دركك شي ذا العزام ومشعاله
وأما الثالثة فبدايتها:
стр. 3813
قمر الليل خوالفي تتونس بيه ... نلقى فيه أوصاف يرضاهم بالي (١)
وهناك شعر يعزى إلى الحاج عيسى الأغواطي، وهو، حسب التقاليد الشعبية، من الصالحين والأشراف، ومتوفى قبل الاحتلال. ولكن تأثيره ظل قويا بعده. وهذا الشعر عبارة عن قصيدة في الصيد بالصقر. والنص بالعربية والترجمة الفرنسية بدون تعاليق، وقد نشره المترجم القضائي في قصر البخاري عندئذ (١٩٠٨)، السيد سيدون. ويبدأ النص هكذا:
نحوا مهامزي وتماقي عيانا ... واليوم يوم تعبة يا بو كلتوم
صبحوا مراكزي بسبوعة نيانا ... يتخازروا براني بصدور نجوم (٢)
وقد اشتهر محمد بن قيطون البوزيدي بنظم الشعر أيضا. وما تزال قصيدته (حيزية) شائعة إلى اليوم، وهي مأساة إنسانية قبل أن تكون قصة حب عذري. ولا بد أن تكون هناك ترجمة وافية لابن قيطون، ولم نطلع عليها. وممن ذكره وعاصره وراسله الشيخ عاشور الخنقي. فقد ذكر سنة ١٨٩٦ أنه تلقى منه قصيدة (أو أرجوزة) مدحه فيها على انتصاره للأشراف. ولم يذكر عاشور هذه القصيدة، لنعرف هل هي فصيحة أو زجلية. وقد وجدنا في أحد المصادر أن محمد بن قيطون نظم قصيدة (حيزية) سنة ١٢٩٥ هـ (١٨٧٨) وهو تاريخ مذكور في آخر القصيدة نفسها. وسواء كان ابن قيطون هو البطل أو هو فقط الشاعر الذي أحسن تمثيل القصة (وهذا هو الراجح)، فإنه قد نجح غاية النجاح في تصوير العاطفة التي طبعت علاقات البطل سعيد بالبطلة حيزية. وقد ترجمت القصيدة إلى الفرنسية ثم إلى الإنكليزية ونشرت في طبعة ثانية سنة ١٩٠١ (٣). ومطلعها:
стр. 3814
عزوني يا ملاح ... في زينة البنات (١)
٥ - مجموعة الأشعار التارقية: وكان قد جمعها وترجمها الراهب شارل دي فوكو. وكان هذا قد أقام طويلا في الصحراء باحثا ومتجسسا ودارسا للأدب واللغة في الهقار، وبين توارق الشمال. وكان قد خدم في الجيش الفرنسي طويلا وتجول في المشرق العربي والإسلامي، ودخل جمعيات سرية عديدة. ومن أصدقائه المعروفين المارشال ليوتي، الذي احتل المغرب، وكان دي فوكو رفيقا له هناك أيضا. ثم استقر حوالي عشر سنوات في كهف بجبل الهقار حيث كان يترهب ويرصد حركة المرور ويجمع المعلومات للإدارة الفرنسية، إلى أن اغتيل سنة ١٩١٦ على يد ثوار الناحية. ويتهم الفرنسيون أنصار الطريقة السنوسية بتدبير اغتياله.
جمع دي فوكو إذن الأشعار التارقية من الأفواه لأن التوارق لا يكتبون أشعارهم وإنما يحفظونها حفظا شأن قدماء العرب. وكانوا يرتجلون الشعر في الأسفار والأسمار شأن العرب أيضا. فهم شعراء بالطبيعة. ولهم شعر غزير في الحب والمغامرات والفروسية. والرجال حسب قول الدارسين أشعر من النساء عندهم. وشعرهم يغني وينشد في المناسبات وفي الطريق وفي الخلوات. وبعد اغتيال دي فوكو عثر الفرنسيون على المخطوط الذي كان يسجل فيه الأشعار التارقية، وقيل إنهم وجدوه بعد يومين من الحادث، ولم يصبه التلف. ورأوا أن أفضل من يعهدون إليه بالإشراف على المخطوط هو المستشرق رينيه باصيه، الذي سبق له دراسة لغة التمشق وخطوطها ولهجات التوارق. فكلف باصيه ابنه هنري بمتابعة العمل، لكن هذا توفي في المغرب سنة ١٩٢٥ (أي بعد والده رينيه بسنة واحدة)، فواصل العمل أخوه اندري باصيه، وساعدته الحكومة العامة بالجزائر على إنجاز العمل الذي تركه دي فوكو. وبناء على المقدمة التي كتبها أندري باصيه للمجموعة فإنها لا تمثل
стр. 3815
سوى الحد الأدنى من الأدب الشعبي التارقي الشمالي (أي توارق عين صالح ونواحيها)، وأخبر أن العمل سيتواصل بنشر مجلدات أخرى. ولا ندري إن كان العمل قد تواصل فعلا.
ونلاحظ أن المجموعة لا تضم إلا النص الفرنسي لأن دي فوكو لم يسجل الشعر التارقي إلا بهذه اللغة (الفرنسية) بدعوى أنه جمعه من الأفواه. واعتبرت النصوص الأصلية التماشقية أو العربية ضائعة، ولا تحفظها إلا الحافظة الشعبية. وقد قال الفرنسيون عن التوارق أشياء عديدة، كما فعلوا مع غيرهم، كقولهم إن إسلامهم رقيق، وأنهم جوالة (١)، ومن المعروف أن بوعلام بالسائح قد ترجم مجموعة من الأشعار التارقية إلى العربية منذ سنوات، والغالب أنه ترجمها عن الفرنسية من مجموعة دي فوكو التي نحن بصددها. وقد نشر ذلك في إحدى المجلات الوطنية (٢).
٦ - مجموعة من الشعر القبائلي: جمعها ونشرها سعيد بوليفة سنة ١٩٠٤. ومن ضمنها شعر لمحمد بن محمد (محند أو محند) (٣). وهكذا حفظت من الضياع مجموعة من الشعر الشفوي. وقد قيل إن الشيخ محمد كان يرتجل الشعر أيضا ولا يكتبه. ولكننا نقول بغير ذلك، فقد كان رجلا متعلما بالطريقة التقليدية، فحفظ القرآن الكريم ودرس في زاوية عبد الرحمن اليلولي، ومن الأكيد أنه سجل أشعاره بالحروف العربية كما جرت عادة
стр. 3816
المتعلمين في زواوة. ولا تعنينا هنا سيرته الشخصية، إذ قيل إن التعسف الذي تعرض له أهل زواوة على يد الفرنسيين منذ ١٨٥٧ (والشاعر من مواليد ١٨٤٥)، والتشرد الذي تعرض له قد أديا إلى انحرافه. فقد كان عمره اثني عشرة سنة عندما وقعت معركة ايشريضن واحترقت المداشر والمزارع وقتل عشرات المسبلين واعتقلت فاطمة نسومر، وفي ثورة ١٨٧١ قتل والده، وهاجر أخوه إلى تونس. فعاش الشيخ محمد حياة المأساة الذاتية والشعبية. وتعرضت زواوة بعد ذلك للغزو الفرنسي الآخر، الغزو التنصيري على يد الآباء والأخوات البيض الذين أرسلهم الكاردينال لا فيجري. ثم الغزو اللغوي إذ بدأت منذ الثمانينات تظهر المدارس الفرنسية في المنطقة. ولكن الشيخ محمد كان من جيل آخر، فوجد نفسه في آخر القرن وقد فاته الركب وأصبح شيخا من الآخرين، وقد توفي سنة ١٩٠٦. وشمل شعره مختلف الموضوعات، ومنها الحب والخيانة (١).
٧ - ديوان مصطفى بن إبراهيم: وهو شاعر بني عامر، الذي عاش بين ١٨٠٠ - ١٨٦٧. وقد نسجت من حوله قصص كثيرة، نظرا للظرف الخاص الذي عاشه والوظائف التي تولاها، فهو لم يكن مجرد شاعر يتغنى بما يحلو له، ولكنه كان شاعرا مشاركا في الحياة العسكرية والسياسية والإدارية للبلاد. وقد وجده الاحتلال الفرنسي في ريعان شبابه، وكان قومه بنو عامر ممن ناصروا الأمير عبد القادر إلى آخر رمق. وكان الشاعر نفسه ممن حارب في صفوف الأمير، ولكنه لم يلبث أن خرج من الصف وقبل بوظيفة قايد على أولاد سليمان بإسم الفرنسيين. وبهذه الصفة كان عليه أن يصبح نصير عدوه السابق، ولو مكرها. فقد اعتقل الثائر بوسيف (محمد بن عبو) وسلمه إلى
стр. 3817
الفرنسيين سنة ١٨٤٨. وشارك بنفسه في قمع ثورة أولاد سيدي الشيخ سنة ١٨٦٤. وفي أثناء قيادته لجأ إلى المغرب، لسبب غير واضح، قد يكون سياسيا أو ماليا أو غراميا. وكانت قبيلته نفسها قد لجأت إلى المغرب في آخر عهد الأمير. وما يزال الكتاب يبحثون في الموقف السياسي لمصطفى بن إبراهيم بين الوطنية والخيانة. والواقع أن كان مثل العشرات من الأعيان الجزائريين الذين لم يدركوا الفرق بين القبيلة والوطنية، وبين مصلحة البلاد العامة ونوايا الفرنسيين الاستعمارية، وكانوا يعتقدون أن مصلحة الفرد قبل الجماعة ومصلحة القبيلة قبل الوطن، والدنيا قبل الدين.
هذا من الناحية السياسية، أما من الناحية الأخلاقية فقد قيل عن مصطفى بن إبراهيم إنه كان منحرفا أشد الانحراف، ولعل هذا الانحراف الخلقي هو الذي أدى به إلى الانحراف السياسي أيضا. فكان على ما قيل، مدمنا على الخمر، وزيرا للنساء وخارجا عن الأعراف الاجتماعية. ولو عاش لشعره وفساده الأخلاقي لما استحق ربما ذلك الاهتمام السياسي ولعومل معاملة الشعراء الذين يهيمون في كل واحد ويلبسون مختلف الثياب. ولكنه ارتبط أيضا بالمقاومة وبقبيلة عتيدة مثل بني عامر. وقد نسبوا إليه أيضا الكرامات والخرافات، وصورة الإنسان (الكامل) التي لا تكتمل إلا بإضافة التصوف إلى إطارها. وكان فصيح القول واللسان، جوادا، معتزا بقبيله. وقد بقي يمثل الشاعر الفارس في صورته التي كانت للشعراء الفرسان في النصف الأول من القرن الماضي.
أما شعره فقد بقي منقولا شفويا بين قومه وقبائل الجنوب الغربي، يتغنى به المغنون في الأسمار والحفلات. ثم قام عبد القادر عزة بجمع ديوانه. وكان نصف الديوان تقريبا قد سجله المنشدون من أهل الحضر وغنوه بالآلات الموسيقية، أو من أهل البادية الذين تغنوا به على آلة القصبة (١). ولا
стр. 3818
ندري إن كان الديوان قد ضم كل شعره أم جزءا منه فقط. ومهما كان الأمر فإن شاعرا فارسا مثل مصطفى بن إبراهيم سيختلف الناس حوله نظرا للظرف الحساس الذي ظهر فيه ونظرا، للتناقض بين الوظائف التي تولاها وبين السيرة الذاتية التي عرفها الناس ورووها عنه.
ثورات وشعراء
تكاد كل ثورة يكون لها شعراؤها الشعبيون الذين يتغنون بأبطالها ويسجلون مآثرها. وكانت ثورة الزعاطشة (١٨٤٩) أبرز الثورات بعد نهاية المقاومة الكبيرة على يد الأمير عبد القادر، وربما يمكن اعتبارها امتدادا لها. وكان زعيمها المعروف هو بوزيان (رغم أن الحاج موسى الدرقاوي كان إلى جانبه) وكان هناك آخرون بالطبع ممن ضربوا المثل في الفروسية والدفاع عن الواحة المعروفة بالزعاطشة إلى أن خربها الفرنسيون عن آخرها وقطعوا نخيلها.
وقد نظم الشاعر الشعبي محمد بن عمر، وهو من واحة ليشانة القريبة من الزعاطشة قصيدة في مدح بوزيان قبل نهاية المعركة. وبعد أن انتهت وعلقت القيادة الفرنسية رأس بوزيان (ورأس ابنه ورأس الحاج موسى) على مدخل المعسكر، أنشد محمد بن عمر القصيدة في حفل قروي سنة ١٨٥١، فاعتقله الفرنسيون وسجنوه في بسكرة بهمة تهديد الأمن العام، مما يدل على تأثير الشعر واتساع ملحمة الزعاطشة. وربما غضب الفرنسيون من كون الشاعر قد شبه بوزيان بالمهدي المنتظر وتلقيبه (باي الصحراء). وكان الشاعر يعتقد أن الثوار كانوا مسلحين جيدا، فكانت بنادقهم وخناجرهم مرصعة وطويلة، كما قال إن بارودهم كان من النوع الإنكليزي. ولا ندري كم دام سجن الشاعر ولا ما العقوبات الأخرى التي نزلت به (١). ولا ننسى أن سنة ١٨٥١ كانت أيضا سنة انطلاق ثورة الشريف محمد بن عبد الله في الصحراء
стр. 3819
الشرقية (ورقلة، وتقرت، وسوف). وقد وصلت آثارها إلى منطقة الزيبان، كما كان بوبغلة ثائرا في زواوة. ولذلك فإن خوف الفرنسيين من تأثير هذا الشعر ربما كان في محله.
وهناك شاعر آخر تغنى ببطولة بوزيان أيضا، واسمه علي بن الشرقي. فقد وصف كثرة جيش العدو (ويسميهم النصارى) الذي كان كالجراد. كما وصف نوع بارودهم ودقات طبولهم، وغبار المعركة التي دامت أكثر من خمسين يوما. وبناء على هذا الشاعر فإن سمعة بوزيان قد وصلت إلى تونس، بل وسمع به السلطان العثماني (١).
وفي سنة ١٨٦٤ حدثت ثورة أولاد سيدي الشيخ، فكان لها شعراؤها، ومن المعارك التي خلدها الشعر الشعبي معركة الشلالة في هذه السنة، وصاحب الشعر هو أحمد بن دالة العامري، وربما يكون من بني عامر الذين ساندوا الأمير عبد القادر. ولكن الشعر منظوم بعد عشرين سنة من الواقعة. فهل تأثر الشاعر بثورة بوعمامة التي كانت مرحلة أخرى فقط من مراحل ثورة أولاد سيدي الشيخ؟ ويعبر الشاعر عن المعركة بأنها (نهار الشلالة) المخلد في التاريخ (في الزمان معدود):
يالحاضرين عاودوا الأخبار واشته صار ... على نهار الشلالة في الزمان معدود
سعد النهار الشلالة خرجت المحلة ... جات ثم الخيالة ما بقي مجحود (٢)
وحدثت ثورة بوخنتاش في الحضنة سنة ١٨٦٤. وقد حظيت بشعر سجل وقائعها وسيرة بطلها. ولكن الشاعر ظل مجهولا، وإنما تناقل الناس شعره ورددوه في الذكريات. وكان المداحون هم نقلة هذا الشعر ورواته لأنهم كانوا يحيون ذكرى الواقعة في الأسواق وغيرها ويريدون من السامعين أن يمجدوا مثلهم بطولات وجهاد الثائر وأصحابه. وكان بعض الشعراء يتجد الماضي والبطل، ولكن آخرين كانوا يسخطون على ما حدث، لأنهم كانوا
стр. 3820
يتوقعون النصر ولهم ثقة في البطل، فخاب ظنهم فيه. وقصيدة (يا راعي الملجوم) من الصنف الأول، ذلك الذي يمجد البطل وينعش الذكريات. وأولها:
يا راعي الملجوم رضى امهل لي ... وعودك من الأبعاد جاء عرقه يقطر
تعلمني ما صار في الحضنية ... فيما بين الناصرة وأولاد عمر
خبر جاني مع النجوم الحق لي ... وحرمة الأبطال عامت على البر
فتنة خفق أم حمام قعدت محكية ... يا معتاه نهار في جرام عمر (١)
وفي سنة ١٨٧١ وقعت ثورة أخرى ابتدأت في البرج ثم عمت زواوة والبابور ومعظم الشرق والوسط. وقد درسناها في غير هذا. وكان من أبرز قادتها الحاج محمد المقراني وأخوه أحمد، ثم الشيخ محمد الحداد وابنه عبد العزيز. وقد تحالف خلالها رجال السيف ورجال الدين. فالمقراني كان يمثل الأجواد، والحداد كان يمثل المرابطين، وقد استجاب العامة لنداء الجهاد الذي أعلنه الشيخ الحداد باسم الطريقة الرحمانية. وكان الناس يعتقدون في التحرر الوشيك من الفرنسيين على أيدي هؤلاء القادة، ولكن حين فشلت الثورة وواجهوا القمع والاضطهاد تغيرت الأمزجة ووقعت خيبة الأمل. وقد ركز الرواة الفرنسيون على الجانب السلبي من هذا الشعر. وقدموا الشعراء على أنهم غضبوا من قادة الثورة لأنهم كانوا سيجعلون الحكم دينيا لو نجحوا، بينما الحكم الفرنسي غير الديني أقرب إلى طبيعتهم وأحب إلى نفوسهم!.
هكذا زعم لويس رين الذي كتب عن تاريخ ثورة ١٨٧١، وكان أثناء نشره لهذا الشعر يشغل وظيفة خطيرة هي إدارة الشؤون الأهلية. وكان يقول لقومه إن شعراء زواوة يفضلون الحكم الفرنسي على الحكم (الثيوقراطي)