المتعلمين في زواوة. ولا تعنينا هنا سيرته الشخصية، إذ قيل إن التعسف الذي تعرض له أهل زواوة على يد الفرنسيين منذ ١٨٥٧ (والشاعر من مواليد ١٨٤٥)، والتشرد الذي تعرض له قد أديا إلى انحرافه. فقد كان عمره اثني عشرة سنة عندما وقعت معركة ايشريضن واحترقت المداشر والمزارع وقتل عشرات المسبلين واعتقلت فاطمة نسومر، وفي ثورة ١٨٧١ قتل والده، وهاجر أخوه إلى تونس. فعاش الشيخ محمد حياة المأساة الذاتية والشعبية. وتعرضت زواوة بعد ذلك للغزو الفرنسي الآخر، الغزو التنصيري على يد الآباء والأخوات البيض الذين أرسلهم الكاردينال لا فيجري. ثم الغزو اللغوي إذ بدأت منذ الثمانينات تظهر المدارس الفرنسية في المنطقة. ولكن الشيخ محمد كان من جيل آخر، فوجد نفسه في آخر القرن وقد فاته الركب وأصبح شيخا من الآخرين، وقد توفي سنة ١٩٠٦. وشمل شعره مختلف الموضوعات، ومنها الحب والخيانة (١).
٧ - ديوان مصطفى بن إبراهيم: وهو شاعر بني عامر، الذي عاش بين ١٨٠٠ - ١٨٦٧. وقد نسجت من حوله قصص كثيرة، نظرا للظرف الخاص الذي عاشه والوظائف التي تولاها، فهو لم يكن مجرد شاعر يتغنى بما يحلو له، ولكنه كان شاعرا مشاركا في الحياة العسكرية والسياسية والإدارية للبلاد. وقد وجده الاحتلال الفرنسي في ريعان شبابه، وكان قومه بنو عامر ممن ناصروا الأمير عبد القادر إلى آخر رمق. وكان الشاعر نفسه ممن حارب في صفوف الأمير، ولكنه لم يلبث أن خرج من الصف وقبل بوظيفة قايد على أولاد سليمان بإسم الفرنسيين. وبهذه الصفة كان عليه أن يصبح نصير عدوه السابق، ولو مكرها. فقد اعتقل الثائر بوسيف (محمد بن عبو) وسلمه إلى
стр. 3817
الفرنسيين سنة ١٨٤٨. وشارك بنفسه في قمع ثورة أولاد سيدي الشيخ سنة ١٨٦٤. وفي أثناء قيادته لجأ إلى المغرب، لسبب غير واضح، قد يكون سياسيا أو ماليا أو غراميا. وكانت قبيلته نفسها قد لجأت إلى المغرب في آخر عهد الأمير. وما يزال الكتاب يبحثون في الموقف السياسي لمصطفى بن إبراهيم بين الوطنية والخيانة. والواقع أن كان مثل العشرات من الأعيان الجزائريين الذين لم يدركوا الفرق بين القبيلة والوطنية، وبين مصلحة البلاد العامة ونوايا الفرنسيين الاستعمارية، وكانوا يعتقدون أن مصلحة الفرد قبل الجماعة ومصلحة القبيلة قبل الوطن، والدنيا قبل الدين.
هذا من الناحية السياسية، أما من الناحية الأخلاقية فقد قيل عن مصطفى بن إبراهيم إنه كان منحرفا أشد الانحراف، ولعل هذا الانحراف الخلقي هو الذي أدى به إلى الانحراف السياسي أيضا. فكان على ما قيل، مدمنا على الخمر، وزيرا للنساء وخارجا عن الأعراف الاجتماعية. ولو عاش لشعره وفساده الأخلاقي لما استحق ربما ذلك الاهتمام السياسي ولعومل معاملة الشعراء الذين يهيمون في كل واحد ويلبسون مختلف الثياب. ولكنه ارتبط أيضا بالمقاومة وبقبيلة عتيدة مثل بني عامر. وقد نسبوا إليه أيضا الكرامات والخرافات، وصورة الإنسان (الكامل) التي لا تكتمل إلا بإضافة التصوف إلى إطارها. وكان فصيح القول واللسان، جوادا، معتزا بقبيله. وقد بقي يمثل الشاعر الفارس في صورته التي كانت للشعراء الفرسان في النصف الأول من القرن الماضي.
أما شعره فقد بقي منقولا شفويا بين قومه وقبائل الجنوب الغربي، يتغنى به المغنون في الأسمار والحفلات. ثم قام عبد القادر عزة بجمع ديوانه. وكان نصف الديوان تقريبا قد سجله المنشدون من أهل الحضر وغنوه بالآلات الموسيقية، أو من أهل البادية الذين تغنوا به على آلة القصبة (١). ولا
стр. 3818
ندري إن كان الديوان قد ضم كل شعره أم جزءا منه فقط. ومهما كان الأمر فإن شاعرا فارسا مثل مصطفى بن إبراهيم سيختلف الناس حوله نظرا للظرف الحساس الذي ظهر فيه ونظرا، للتناقض بين الوظائف التي تولاها وبين السيرة الذاتية التي عرفها الناس ورووها عنه.
ثورات وشعراء
تكاد كل ثورة يكون لها شعراؤها الشعبيون الذين يتغنون بأبطالها ويسجلون مآثرها. وكانت ثورة الزعاطشة (١٨٤٩) أبرز الثورات بعد نهاية المقاومة الكبيرة على يد الأمير عبد القادر، وربما يمكن اعتبارها امتدادا لها. وكان زعيمها المعروف هو بوزيان (رغم أن الحاج موسى الدرقاوي كان إلى جانبه) وكان هناك آخرون بالطبع ممن ضربوا المثل في الفروسية والدفاع عن الواحة المعروفة بالزعاطشة إلى أن خربها الفرنسيون عن آخرها وقطعوا نخيلها.
وقد نظم الشاعر الشعبي محمد بن عمر، وهو من واحة ليشانة القريبة من الزعاطشة قصيدة في مدح بوزيان قبل نهاية المعركة. وبعد أن انتهت وعلقت القيادة الفرنسية رأس بوزيان (ورأس ابنه ورأس الحاج موسى) على مدخل المعسكر، أنشد محمد بن عمر القصيدة في حفل قروي سنة ١٨٥١، فاعتقله الفرنسيون وسجنوه في بسكرة بهمة تهديد الأمن العام، مما يدل على تأثير الشعر واتساع ملحمة الزعاطشة. وربما غضب الفرنسيون من كون الشاعر قد شبه بوزيان بالمهدي المنتظر وتلقيبه (باي الصحراء). وكان الشاعر يعتقد أن الثوار كانوا مسلحين جيدا، فكانت بنادقهم وخناجرهم مرصعة وطويلة، كما قال إن بارودهم كان من النوع الإنكليزي. ولا ندري كم دام سجن الشاعر ولا ما العقوبات الأخرى التي نزلت به (١). ولا ننسى أن سنة ١٨٥١ كانت أيضا سنة انطلاق ثورة الشريف محمد بن عبد الله في الصحراء
стр. 3819
الشرقية (ورقلة، وتقرت، وسوف). وقد وصلت آثارها إلى منطقة الزيبان، كما كان بوبغلة ثائرا في زواوة. ولذلك فإن خوف الفرنسيين من تأثير هذا الشعر ربما كان في محله.
وهناك شاعر آخر تغنى ببطولة بوزيان أيضا، واسمه علي بن الشرقي. فقد وصف كثرة جيش العدو (ويسميهم النصارى) الذي كان كالجراد. كما وصف نوع بارودهم ودقات طبولهم، وغبار المعركة التي دامت أكثر من خمسين يوما. وبناء على هذا الشاعر فإن سمعة بوزيان قد وصلت إلى تونس، بل وسمع به السلطان العثماني (١).
وفي سنة ١٨٦٤ حدثت ثورة أولاد سيدي الشيخ، فكان لها شعراؤها، ومن المعارك التي خلدها الشعر الشعبي معركة الشلالة في هذه السنة، وصاحب الشعر هو أحمد بن دالة العامري، وربما يكون من بني عامر الذين ساندوا الأمير عبد القادر. ولكن الشعر منظوم بعد عشرين سنة من الواقعة. فهل تأثر الشاعر بثورة بوعمامة التي كانت مرحلة أخرى فقط من مراحل ثورة أولاد سيدي الشيخ؟ ويعبر الشاعر عن المعركة بأنها (نهار الشلالة) المخلد في التاريخ (في الزمان معدود):
يالحاضرين عاودوا الأخبار واشته صار ... على نهار الشلالة في الزمان معدود
سعد النهار الشلالة خرجت المحلة ... جات ثم الخيالة ما بقي مجحود (٢)
وحدثت ثورة بوخنتاش في الحضنة سنة ١٨٦٤. وقد حظيت بشعر سجل وقائعها وسيرة بطلها. ولكن الشاعر ظل مجهولا، وإنما تناقل الناس شعره ورددوه في الذكريات. وكان المداحون هم نقلة هذا الشعر ورواته لأنهم كانوا يحيون ذكرى الواقعة في الأسواق وغيرها ويريدون من السامعين أن يمجدوا مثلهم بطولات وجهاد الثائر وأصحابه. وكان بعض الشعراء يتجد الماضي والبطل، ولكن آخرين كانوا يسخطون على ما حدث، لأنهم كانوا
стр. 3820
يتوقعون النصر ولهم ثقة في البطل، فخاب ظنهم فيه. وقصيدة (يا راعي الملجوم) من الصنف الأول، ذلك الذي يمجد البطل وينعش الذكريات. وأولها:
يا راعي الملجوم رضى امهل لي ... وعودك من الأبعاد جاء عرقه يقطر
تعلمني ما صار في الحضنية ... فيما بين الناصرة وأولاد عمر
خبر جاني مع النجوم الحق لي ... وحرمة الأبطال عامت على البر
فتنة خفق أم حمام قعدت محكية ... يا معتاه نهار في جرام عمر (١)
وفي سنة ١٨٧١ وقعت ثورة أخرى ابتدأت في البرج ثم عمت زواوة والبابور ومعظم الشرق والوسط. وقد درسناها في غير هذا. وكان من أبرز قادتها الحاج محمد المقراني وأخوه أحمد، ثم الشيخ محمد الحداد وابنه عبد العزيز. وقد تحالف خلالها رجال السيف ورجال الدين. فالمقراني كان يمثل الأجواد، والحداد كان يمثل المرابطين، وقد استجاب العامة لنداء الجهاد الذي أعلنه الشيخ الحداد باسم الطريقة الرحمانية. وكان الناس يعتقدون في التحرر الوشيك من الفرنسيين على أيدي هؤلاء القادة، ولكن حين فشلت الثورة وواجهوا القمع والاضطهاد تغيرت الأمزجة ووقعت خيبة الأمل. وقد ركز الرواة الفرنسيون على الجانب السلبي من هذا الشعر. وقدموا الشعراء على أنهم غضبوا من قادة الثورة لأنهم كانوا سيجعلون الحكم دينيا لو نجحوا، بينما الحكم الفرنسي غير الديني أقرب إلى طبيعتهم وأحب إلى نفوسهم!.
هكذا زعم لويس رين الذي كتب عن تاريخ ثورة ١٨٧١، وكان أثناء نشره لهذا الشعر يشغل وظيفة خطيرة هي إدارة الشؤون الأهلية. وكان يقول لقومه إن شعراء زواوة يفضلون الحكم الفرنسي على الحكم (الثيوقراطي)
стр. 3821
الذي كان سيبدأ من زاوية صدوق لو نجحت الثورة. ونحن نشك في هوية الشاعر الذي أورد له رين القصيدتين، أولا لأنه مجهول، ولم يذكر رين نفسه اسم الشاعر، وثانيا لأنه يقول إن القصيدتين قد أرسلتا إلى الحاكم العام الجديد عندئذ (وهو الأميرال ديقيدون) سنة ١٨٧٢، أي عندما كانت الثورة في آخر نفسها. وذكر رين أيضا أن القصيدتين قريبتان مما نشره الجنرال هانوتو سنة ١٨٦٧ في كتابه (قصائد شعبية لقبائل جرجرة). وكل ذلك يجعلنا نشك في صدق المعنى السياسي الذي أراد رين إضفاءه على القصيدتين.
وما دام غرضنا هو الشعر نفسه وليس موضوعاته وصدقه أو كذبه، فلنذكر هنا بداية النص الذي أورده رين:
أون يغران دت لجدول ... القوليو يد اعقر
ابيغ جاحن لقبايل ... أروح ومل أذثا لكسر
وبناء على رين فإن الشاعر وقف ضد أحمد بومزراق المقراني لأنه خدع الشعب، لذلك اعتبره الشاعر رجله مجنونا، واعتبر الشيخ الحداد قد ارتكب جريمة بدعوته للجهاد، فهو أيضا مفسد للدين بدل إصلاحه. وتحدث الشاعر كذلك عن حالة زواوة مع الفرنسيين وكيف كان خضوع الشيخ الحداد سببا في خضوع أهل الجبال (١).
أما بالنسبة لإسماعيل الزيكي (أزيكيو) (٢)، فإنا نجد أنفسنا أمام شاعر يتحدث عن ثورة ١٨٧١ بأسلوب آخر. فهو شاعر يمثل روح الزواويين حقا، في ثورتهم الآملة، وفي نهايتها الفاشلة، وفي تطلعاتهم الآجلة. لقد تقمص روح قومه. فذكر الأولياء والصالحين، والرسول وعبد القادر الجيلاني،
стр. 3822
وتمنى عليهم إنقاذ روحه يوم القيامة. وذكر أبطال الثورة من آل المقراني وآل الحداد وآل أوقاسي. ونحن نعرف أن الحاج محمد المقراني استشهد وهو يصلي، وأن أخاه أحمد قد قبض عليه في الصحراء وحوكم ونفي إلى كاليدونيا، وأن مصير الشيخ الحداد كان السجن حيث توفي، بينما مصير ابنه كان الأسر والمحاكمة ثم النفي إلى كاليدونيا. وكذلك حوكم ونفى كل من محمد أمقران أوقاسي (بن بلقاسم أو قاسي) باشاغا عمراوة، وابن عمه علي أوقاسي، نفي محمد أمقران أوقاسي إلى كاليودنيا أشباه ثم سمح له بالرجوع سنة ١٨٧٩، وتوفي في الجزائر، وأما علي أوقاسي فبعد نفيه أيضا سنوات طويلة، سمح له سنة ١٨٩٣ بالرجوع إلى الجزائر وكان ما يزال على قيد الحياة سنة ١٨٩٩. وكان محمد السعيد من الشخصيات التي مجدها الشاعر، وهو ابن عم القايد علي أوقاسي. فقد شبهه بحصان الإمام علي، وكانت وفاة محمد السعيد محل شبهة عند الشاعر، فقد توفي في ثامدة سنة ١٨٧٨، واتهم الشاعر الفرنسيين بوضع السم له. وبذلك غابت الشمس عن زواوة، حسب تعبير الشاعر. أما المقراني فقد نوه به الشاعر ومجده واعتبر قاتله من الجنود السكارى.
واعتبر الشاعر إسماعيل الزيكي ثورة ١٨٧١ ثورة ضد الفرنسيين (النصارى)، وقد أدى فشلها إلى قمع شديد واضطهاد مثالي. وعوقب الأشخاص بالضرائب والغرائم والإعدام والنفي والسجن، وانتزعت الأراضي من أيدي العائلات سيما عائلات المقراني وأوقاسي، وأعطيت إلى مهاجري الألزاس من الفرنسيين. وشملت، حسب الشاعر، الأراضي الواقعة بين واد عايسي (بني عايسي) في تيزي وزو وزاوية ابن إدريس، وقد نزل على إثر ذلك الفقر بالناس. وحدثت أشياء غريبة، ومنها المجاعات، واستيلاء قضاة الصلح الفرنسيين على المحاكم الشرعية الإسلامية. وكان الشاعر مترددا أزاء موقف محمد السعيد بن علي الشريف من الثورة. وقد توفي ابن علي الشريف سنة ١٨٩٧. وهكذا يكون الشاعر إسماعيل قد عاش ثورة ١٨٧١ بكل أبعادها. وإليك هذا النموذج من شعره:
стр. 3823
إن ثورة ١٨٧١ قد أدت إلى إفلاسنا
بل إنها قد هدت كياننا
فيالساني لا تتوقف عن الإنشاد
ترى ما أسباب التنازع؟
ولم يذكر لوسياني متى توفي الشاعر، وإنما قال إنه توفي منذ سنوات. ويبدو أن إسماعيل شاعر مكثر، وهو ما أكده لوسياني أيضا رواية عن الشيخ ابن زكري. ولكن أين شعره أو بالأحرى ديوانه؟ وهل كان موقفه السياسي سببا في إهمال شعره الكثير؟ (خلافا للشاعر محمد بن محمد). ولا ندري إن كان بوليفة قد أضاف أشعار إسماعيل إلى مجموعته من الشعر القبائلي سنة ١٩٠٤. ومهما كان الأمر فإن لوسياني قد أخذ النصوص عن الشيخ محمد السعيد بن زكري كما ذكرنا، وكان ابن زكري إماما بمسجد سيدي رمضان بالعاصمة وأستاذا في مدرسة الجزائر الرسمية. ويقول لوسياني إن الشيخ ابن زكري قدم له النص الأصلي بالحروف العربية، وأكد له أصالة الشعر، وترجم له حياة الشاعر، وأعانه على الترجمة من الأصل إلى اللغة الفرنسية (١).
وإذا كانت ثورة ١٨٧١ قد وجدت شاعرها في إسماعيل الزيكي، فإن ثورة ١٨٨١ قد وجدت شاعرها في محمد بلخير. وهذه هي المعروفة بثورة بوعمامة، حسب المصطلح التاريخي. وكان بوعمامة من ناحية البيض، ولد حوالي ١٨٣٥ في قبيلة الرزيقات. وكانت ثقافته محلية وشفوية، ولعله عرف مدرسة الخيمة حيث القرآن وعلوم الدين. ولكنه تثقف من الحياة نفسها واستمد طاقته من التراث والتقاليد التي حوله. ومنطقة البيض عاشت عهد الرخاء والنعومة على عهد الخليفة حمزة، ثم عهد التقشف والثورات والمجاعات منذ الستينات حين جاء قانون الأرض ١٨٦٣ ليقضي على (الارستقراطية العربية) ويحل محلها فئة اجتماعية صغيرة موالية للسلطة
стр. 3824
الفرنسية. وكان ذلك سببا من أسباب ثورة أولاد سيدي الشيخ سنة ١٨٦٤. وما كان بوعمامة إلا واحدا منهم. وقد حافظ بلخير على ولائه للقبيلة رغم ذلك وظل يتغنى بالبداوة والحرية والفروسية، كما كان يتغنى بها ثوار أولاد سيدي الشيخ الذين يسميهم الفرنسيون أحيانا (أولاد حمزة). وقد مجد الشاعر بلخير بطولات الثوار واستغاث بعبد القادر بوسماحة (سيدي الشيخ) ليخلصه من محنته.
ومن سوء حظ محمد بلخير أنه وقع في أسر العدو الذي نفاه إلى جزيرة كورسيكا حيث بقي حوالي عشر سنوات (١٨٨٤ - ١٨٩٤) غريبا عن الأهل والوطن. وطالما روض السجن الأسود. وكم قتلت قلعة (كالفي) وقلاع (سان مرغريت) وكاليدونيا وغيرها من أرواح جزائرية كانت متفائلة مبتسمة. وكم كان الفرنسيون يخشون من الشعراء ومن الثوار! ثم سمح له بالرجوع إلى وطنه والموت بين أهله سنة ١٩٠٥ ولكن بعد أن تغير الحال به وببلاده (١). فقد احتل الفرنسيون مناطق الجنوب ومدوا السكة الحديدية وأسكنوا الكولون على أراضي أولاد سيدي الشيخ واستعملوا المحراث الآلي، فأصبح يشق صدر الأرض أمام أعين مالكيها السابقين. ولكن أشعار بلخير ظلت في فم المنشدين لأنها محفورة في الذاكرة الشعبية التي تتأتى على المحراث والقطار وغيرهما من المخترعات والمستوردات.
وعرفت الجزائر شعراء ثورات آخرين، منهم بوديسة، شاعر وقائد
стр. 3825
أولاد مختار، وهو أيضا فارس فخور بقومه الذين طالما دوخوا العدو في معارك مشهودة أيام الأمير عبد القادر، ثم أيام أولاد سيدي الشيخ، بنواحي قصر البخاري وجنوب المدية. ولكننا لا نعرف الآن الكثير عن الشاعر بوديسة، لأن شعره لم يجمع، حسب علمنا، من أفواه الحفاظ ولم ينشر (١).
وفي الوقت الذي فشلت فيه الثورات ظهر صعاليك الأنفة والشرف من شعراء ومغامرين لكي يرفعوا التحدي ويأخذوا بالثأر في أشكال مختلفة. ونكاد نعد ناصر بن شهرة واحدا منهم، وكذلك بوشوشة. وكلاهما ملأ الصحراء دويا قرابة ثلاثة عقود. الأول منذ الخمسينات، والثاني منذ الستينات. ثم ظهرت بعدهما جماعة (المدقانات) التي برز فيها صعاليك من سوف والشعانبة والتوارق وأولاد سيدي الشيخ وغيرهم. وتصادف ظهورهم مع ثورة بوعمامة ومحاولات الفرنسيين التوغل في الصحراء عن طريق ما أسموه بالبعثات العلمية والاستكشافية. وهي بعثات كانت في الحقيقة للتجسس على الأهالي وجمع المعلومات قام بها ضباط وعلماء ورهبان.
وقد درس الضابط ألفريد لوشاتلييه نشاط المدقانات لأنه كان عارفا بهم إذ كان مسؤول المكتب العربي في ورقلة في وقت نشاطهم. ثم درسهم لويس رين، وهو أيضا من الضباط المستعربين والعارفين بالحياة الجزائرية، كما أشرنا. وقد قال رين إن الشعانبة المتمردين الذين كانوا مخلصين لبوشوشة، شكلوا فرقا (عصابات) من النهابة - حسب وصفه - وأطلقوا عليها اسم المدقانات، وحصلوا بذلك على غنائم خيالية. وظلوا خلال عشر سنوات (١٨٧٤ نهاية زعامة بوشوشة إلى ١٨٨٣) يقطعون الطرق ويجوبون الصحراء من وادي درعة غربا إلى فزان شرقا. ويدعى رين أنه قد قضي على هذه الفرق نتيجة الحملة التي قادها ضدهم الضابط (ايقنيدي). ويقول رين نفسه إن المدقانات تعتبر ذيللا لحركة بوشوشة (٢). ولا شك أن الصحراء والمغامرات
стр. 3826
والشعر قد التقت في هذه الفرق، وتولد على ذلك شعر الحماسة والفخر باللهجات الشعبية، ومنه أنشودة (أنا التارقي ولد التارقية). ولعل بعضهم قد جمع من الأفواه بعض هذا الشعر.
وقد ظهر أيضا الشاعر الشعبي بوزيان القلعي في نواحي معسكر خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي. وكان بوزيان من بقايا المقاومة التي لم تخمد نارها منذ عهد الأمير ومنذ أحرق كلوزيل مدينة معسكر (سنة ١٨٣٥) وكانت جبال بني شقران تستقبل الثوار دائما، شعراء وغيرهم، كما كانت تفعل جبال الأوراس وجرجرة وعمور. وقيل إن بوزيان كان من الساخطين على تغيير البنية الاجتماعية التي جاء بها قانون ١٨٦٣ والذي قصد من ورائه انتزاع الأراضي من أهلها ومنحها للكولون. فكان بوزيان القلعي (قلعة هوارة - الراشدية) يهاجم المزارع التي أقامها الفرنسيون على أنقاض الأراضي المغتصبة من أصحابها. وثار بوزيان أيضا على الظلم والجبروت المتمثل في القايد. وكان هذا موظفا رمزا للسلطة الفرنسية. وعندما أهانه القائد لم يتحمل بوزيان الإهانة وعزم على الانتقام منه، ثم نفذ إرادته وأخذ سلاحه واختفى عن الأنظار، وكانت الحادثة مصدرا للشعر الشعبي والتغني ببطلها، رغم أن السلطة الفرنسية قد قبضت على بوزيان وحاكمته وأعدمته في معسكر خلال يوليو ١٨٧٦، أي بعد إعدام بوشوشة بسنة واحدة. فالبطل هنا ليس هو الشاعر، ولكنه الفارس الذي أصبح رمزا ومصدر إيحاء للشعر الشعبي (١).
وحوالي نفس الوقت (١٨٧٣) جرى في صحراء سوف - بسكرة اغتيال العربي المملوك، قائد سوف، على يد ثلاثة أفراد، على رأسهم (حميد) الذي أصبح أسطورة. وكان العربي المملوك متجبرا، على ما قيل، فأساء استخدام سلطته وأهان شرف البعض، فترصد له حميد وزميلاه وقتلاه وهو في طريقه
стр. 3827
إلى بسكرة لقضاء بعض مآربه في قسنطينة. وانتشرت الحادثة بين الأهالي ووصلت إلى الجريد التونسي، وتناقل النسوة والشعراء خبرها، فاخذوا يؤلفون الأغاني فيها ويمجدون الفعلة لأنها في نظرهم تغسل العار وتطهر الشرف وتعطي درسا للفرنسيين وعملائهم. وقد سجلت المصادر الفرنسية أن حميد قد دخل التاريخ في الشعر الشعبي، ولكننا لا نملك نماذج من ذلك الآن. ولعل بعضهم في الجزائر أو تونس قد قام بتسجيل قصائد في هذا الصدد (١).
وبعد ثورة ١٨٧١ وطغيان الكولون والإدارة الفرنسية في زواوة والمناطق التي جرت فيها الثورة، ظهر أيضا صعاليك الشرف واستمروا يأخذون بالثأر ويحدثون الرعب في أوساط الكولون سنوات. واشتهر من بينهم أرزقي بن البشير الذي كان يتحرك هو وجماعته في منطقة تيزي وزو. ودام نشاطه ثلاث سنوات، حسب رواية الحاكم العام جول كامبون (سنة ١٨٩٢). وقد جند هذا الحاكم رئيسي دائرة تيزي وزو، ليفيبور، فتمكن من القبض على البعض وسجنهم. ولكننا لا ندري مصير أرزقي الآن. وقد كان الأهالي يرون في فعله انتقاما لشرفهم، فأدخلوه في الأغاني الشعبية ومجدوه، غير أن الشعر الذي مجدوه به غير متوفر لدينا (٢).
وقد سال حبر كثير عن قصة اغتيال الماركيز الفرنسي دي موريس، سنة ١٨٩٨. ولا تعنينا هنا القصة في حد ذاتها وما أثارته من ردود في الصحف الفرنسية وبين ضباط الجيش الفرنسي في الجزائر، وعلاقتها بمعاداة السامية، بل ولا تعنينا قصة الفتاة الروسية? الألمانية، إيزابيل ابيرهارد التي جاءت الجزائر في أعقاب ذلك الاغتيال لتبحث عن (الحقيقة). إنما يعنينا جانب آخر
стр. 3828
من القصة، وهو صلتها بالجزائريين. فقد تمكن الشيخ محمد الطيب بن إبراهيم من القبض على قاتل دي موريس، ويدعى الخير عبد القادر، وحين وصل الخير إلى نواحي تماسين أمرت السلطات الفرنسية قايد تقرت بالقبض عليه، ولكن الخير علم بذلك، بالتواطئ أو بالحدس، فهرب. وبدل أن يطارده القايد، فضل أخذ أفراد عائلته رهائن (زوجته وأولاده وأمه، وحتى مهاريه ونياقه)، وأخذ كل ذلك إلى ورقلة. وكان الحاكم العام نفسه، ليبين، هو الذي أمر قايد تقرت بالقبض على الخير (١). إن الحادثة قد تكون من نوع الأساطير المعروفة في الصحراء بين القبائل، ولكنها مع ذلك، كانت مصدرا للأدب الشعبي. وكم من شاعر تغنى بالفارس الذي قتل دي موريس والصعلوك الذي أخذ بالثأ، ولم يتمكن العدو منه. وكما استولى الفرنسيون، عن طريق قيادهم، على زوجة بوشوشة سنة ١٨٧٤ (وهي من أولاد سيدي الشيخ) وقادوها هي ووصيفتها إلى قسنطينة، ثم إلى ورقلة، ثم إلى أهلها في البيض، كذلك استولوا على زوجة وأولاد الخير عبد القادر، وقادوهم إلى ورقلة. وكم في الصحراء من أسرار، وفي الشعر من ألغاز!.
ومن هؤلاء الصعاليك الذين يأخذون بالثأر ويوحون بالشعر، مسعود بن أحمد بن زلماط. فقد ولد بدوار زلاطو بالأوراس، حوالي ١٨٩٤، وتوفي عنه أبوه فتربى عصاميا. وعندما شب في حضن والدته، حدثت فاجعة غيرت مجرى حياته، وهي مقتل أخيه. وكان الأخذ بالثأر من عادة العرب القديمة، وهي أيضا عادة شائعة لدى شعوب أخرى. ويبدو أن مسعود لم يقتنع بالعدالة القائمة عندئذ، فعزم على الثأر لأخيه بنفسه، فقتل أحدهم، وهدد آخر، ثم اختفى وكون جماعة أصبح هو على رأسهم. وأخذوا يرهبون السلطات الفرنسية وممثليها في الناحية. ولم يكتفوا بما فعلوا بل أخذوا يثأرون من كل ظالم في نظرهم. فكانوا يهاجمون القيادة والوشاة والعملاء، أولئك الذين كانت السلطات الفرنسية
стр. 3829
تعتمدهم لقهر الشعب. بدأ ابن زلماط حركته حوالي ١٩١٧، وكان الأوراس عندئذ منطقة ثائرة، ولذلك بادر الحاكم العام (شارل ليطو) بعزل الأوراس عن العالم وجوع أهله بالحصار الشديد، واستعمل جنود السينيغال ضد الثوار وعلى رأسهم ابن زلماط، بضعة أشهر (١). وفي يوليو ١٩٢٠ حكمت عليه المحكمة الفرنسية في باتنة بالإعدام.
ولكن ابن زلماط، مثل بوزيان القلعي وغيره من الأسطوريين، لم ينته بإعدامه، فقد خلده الشعر الشعبي وظل اسمه على لسان الأمهات والمظلوميين. وليس لدينا الآن نماذج من هذا الشعر سوى ما ذكره البعض (٢).
في الشكوى وذم الزمان
شاعت بين الباحثين في الأدب الشعبي قصيدة الشيخ عبد القادر في (رثاء مدينة الجزائر). وهي تشبه، من عدة وجوه، مرثية محمد بن الشاهد، وقد ذكرناها. ولم يتوصل الباحثون إلى نسب الناظم (الشيخ عبد القادر) ومكانته في المجتمع، غير أن (مجلة الشرق) التي كانت تنطق باسم المستشرقين الفرنسيين سنة ١٨٤٣ قد نشرت ترجمة للقصيدة بقلم أوسون دي شانصيل. وقد ذكر المترجم أن الناظم اسمه عبد القادر المازوني، أي من مازونة. ولكنه لم يورد سيرته، فهل هذه النسبة صحيحة؟ وهل كان المازوني مقيما في العاصمة عند رثائه لها، وهو الأقرب، أو كان في مازونة أو في إحدى المدن الأخرى، ولكنه أحس بالفاجعة وتأثر بها فنظم قصيدته. والقصيدة وإن كانت في رثاء مدينة الجزائر فإنها في الحقيقة رثاء لكل الجزائر
стр. 3830
لأن ما وقع في العاصمة في أول الأمر وقع مثله في غيرها بعد ذلك. ويغلب على الظن أن القصيدة قيلت بعد الاحتلال بقليل، أي بعد استيلاء الفرنسيين على المدينة وجلاء معظم أهلها عنها وتعطيل المدارس والمساجد وهجرة العلماء والطلبة، والاستحواذ على الخزينة، كما تروى القصيدة.
لم يورد دي شانصيل في مجلة الشرق النص العربي مع النص الفرنسي، وإنما المجلة الإفريقية هي التي نشرت النص العربي بمناسبة الذكرى المائوية للاحتلال (١٩٣٠). وبالرجوع إلى النصين الفرنسي الذي نشر سنة ١٨٤٣ والعربي الذي نشر سنة ١٩٣٠ ندرك أنهما من أصل واحد. فالنص الفرنسي للقصيدة يبدأ بالحمدلة والتصلية، ويذكر أيام الخميس والجمعة والإثنين، والجهاد والحور العين، وطلب الغفران من الله، ثم مخاطبة الشاعر إخوانه المسلمين معزيا ومسليا قائلا إن الأيام دواليك، والدهر متقلب، ثم تأسف على ضياع الجزائر وخراب قصورها وقلاعها وصوامعها، وعلى انقطاع القرآن والعلم في المدارس والمساجد، وعلى هجرة العلماء. وتأسف كذلك على المعابد التي داسها الكافر بقدميه وأضرحة الأولياء، ومصائر رجال الدين والقضاة والإسلام (١).
أما النص العربي الذي نشرته المجلة الإفريقية، ثم أخذته عنها مجلات وكتاب آخرون، فيبدأ هكذا:
بالحمد نبتدا ذا القصة ونعيدها ... استغفروا وتوبوا يا مسلمين
صلوا عليه قد الدنيا وامحانها ... ما دمنا نشوفوا واحنا حيين
توبوا واستغفروا للمولا ... هذا آخر الزمان ادركنا
وقد استمر الشاعر في ذكر (زمن الفتنة) الذي أصاب كل قبيلة، واعتبر من مات قد استراح، وأما الحي فهو الذي بقي يواجه المحن. وتساءل: أين هي جزائر مزغنة، سلطانة كل المدن، ها هي أصبحت في قبضة الأعداء،
стр. 3831
وهم النصارى الفرنسيون. وبعدما كانت الأجناس والشعوب والدول تخاف الجزائر، فها قد تبدل حالها وانخفضت أعلامها (سناجقها) ودالت أوجاقها، لأن أهل الله الصالحين قد تخلوا عنها فاستولى عليها الأجانب، لقد أعطاها الصالحون إلى الأعداء وتخلوا عنها لفساد حكامها وانحراف أهلها. فأخذها الفرنسيون عنوة بالسفن الحربية العديدة، والجنود الذين كانوا كالجراد، والعتاد الكبير. إن العقل قد أصبح في ذهول مما حدث. وكانت اللازمة التي يكررها الشاعر هي حزنه الدائم على ضياع وطنه: (راني على الجزائر يا ناس حزين!).
ثم وصف الشاعر كيف حدثت عملية الاستيلاء على المدينة، فذكر المراسي وما كان فيها من مدافع وسفن والاستعداد لمواجهة العدو. ولكن هذا العدو لم يأت من الشرق كما كان متوقعا بل فاجأ وسائل الدفاع وهاجم من الغرب، من مرسي سيدي فرج. وكان ذلك يوم السبت - حسب الشاعر - وقد مات من المسلمين عدد كبير، وتكاثر عدد المجاهدين ودوت زغاريد النساء، ودامت الحرب يومي الأحد والإثنين. وبعد ذلك انعكست الآية، وتحول السرور حزنا لدى المسلمين، وفرح اليهود بهزية المسلمين وزغردت نساؤهم. واستولى الفرنسيون على الخزينة ذات الجواهر والمثمنات. وجرت معركة اسطاويلي، وتقدم العدو عن طريق الأبيار وبوزريعة ثم برج مولاي حسن (الثغريون). وأبيحت المدينة يومين، وتفرق أهلها هائمين على وجوههم. لقد أصابتها العين الحاسدة! أين دار السلطان، وأين البايات؟ وأين القضاة والشواش والسراي؟ وأين المفتون والعلماء؟ وأين الجوامع وخطباؤها ومنابر الرخام والصوامع وآذانها؟ وأين حلقات الدروس ومجالس الحزابين؟ لقد غلقت الأبواب وبات كل ذلك في عالم النسيان. وهدم العدو حتى الجامع الكبير (نقمة في المسلمين)، ووضعوا ساعة في مكان سوق القيصارية حيث كانت سوق الكتب والسفارين.
ولم ينس الشاعر تاريخ الجهاد البحري وجحافل الأسرى، وأكوام الغنائم التي كانت ترد إلى الجزائر، وهذه الذكريات جعلته يلتفت إلى الله
стр. 3832
ويتوسل إليه بالرسول ﷺ لكي يرزقها سلطانا رحيما وعادلا، فيحكم من قصورها وسراياها وتكون له الجيوش القوية، ويشيع الحق والعدل بين الناس. ثم كرر الشاعر لازمته: (راني على الجزائر يا ناس حزين!) (١).
إن قصيدة رثاء الجزائر للشيخ عبد القادر (المازوني) وثيقة تاريخية هامة، وهي ليست مجرد وصف وسرد للأحداث التي جرت نتيجة الاحتلال ولكنها مفعمة بالمشاعر الإنسانية العميقة، فالرجل لا ينطلق من دوافع شخصية ولكنه قد انطلق من غيرته على الوطن والدين والتراث والقيمة التاريخية لمدينته وآثارها. ولذلك يجب أن تدرس هذه الوثيقة مع قصيدة ابن الشاهد، في المدارس والجامعات في مواد التاريخ والأدب والآثار. وهي دليل على أن الأدب الشعبي الصادق يظل خالدا رغم مرور الزمان.
وإن الشكوى من الزمان ومن الظلم والانتقام كانت سمة هذه الفترة، ولا سيما بعد فشل الثورات التي كانت تعطي الأمل والبدائل للشعب. ومن الظلم شيوع الفقر وكثرة المراباة وفقدان الأرض ومصادر الحياة والرزق. وقد شاع بين الجزائريين أن اليهود بالغوا في أخذ الربا وجمع الأموال على حسابهم، لا سيما أيام المجاعات والنكبات، فهم يقرضون المحتاجين ثم يأخذون منهم أضعاف ما أقرضوهم، وقد يؤول إلى اليهود كل ما يملك المقترض إذا عجز عن الدفع. وقد شاع ذلك سنوات الستين من القرن الماضي أيام اغتصاب الأرض بقانون ١٨٦٣ ثم المجاعات التي حدثت سنوات ١٨٦٧ - ١٨٦٩. ولعل هذا هو ما يشير إليه الشاعر الشعبي المجهول الذي لعله من فترة ثورة ١٨٧١. والمعروف أن التعسف والجبروت قد كثرا على يد الكولون واليهود الذين منحهم الفرنسيون الجنسية الكاملة بعد حرب السبعين.
стр. 3833
ومهما كان الأمر فقد اشتكى الشاعر من شيوع الفساد والربا واستنجد بالسلطان العثماني عبد العزيز (١) ليأتي من الشام (الشرق؟) وينقذ الرقاب المغلولة بالربا، وينصر جند الإسلام. وقد اعتز الشاعر بالقرآن والدين، وأعلن أن الوطن قد ضاق به ولم يبق سوى الهروب منه - وكانت الهجرة شائعة نحو الشرق عندئذ -:
يا رب عجل به من يفك الرقاب ... يأتي من وطن الشام غيثنا بيه
يهدي (عبد العزز) يأمره للركاب ... يعطيه جنود النصر ليه تحميه
في الدين حصلنا والكريم لينا كتاب ... رب نزل قضى أذل خلقيه
ما بقات إلا الهرب ... هذا الوطن انعاف
حتى يجي مولا النوب ... سلطان من الأشراف (٢)
وشاعت الشكوى من الزمان أو ذم الزمان وأهله في الأدب الشعبي عموما. ونحن نجد ذلك في مختلف المراحل من الاحتلال. وكان الاستنجاد بالله وبالرسول ﷺ وبالأولياء وبالسلطان العثماني هي لازمة الشعر الشعبي. وكان البحث عن منقذ أو (فكاك الرقاب) كما عبر الشاعر السابق هو أعظم ما يقدمه الشاعر من أمل للناس الذين يستمعون إليه أو يروون شعره. وقد يصل اليأس إلى حد الهجرة من الوطن لأنه أصح (ينعاف) وهو أقصى ما يصل إليه الشاعر من الضيق. وقلما يدور اليأس الكامل بقلبه فيصل إلى الانتحار وما شابهه. وقد شاع في هذه الفترة أيضا التعبير (بقرن اربعطاش) دلالة على نهاية العالم وطي الدنيا: زمن أربعطاش، ذرية أربعطاش، وحكم أربعطاش ... والمعنى أن الشاعر يسلي الناس بأن بداية القرن الرابع عشر الهجري (أربعطاش) ستكون هي الخلاص مما هم فيه. ولكن العهد الجديد قد حل، ولم يتغير الحال، فذهب الشعراء ومن على شاكلتهم يقولون إن الخلاص لن
стр. 3834
يكون في البداية ولكنه سيكون خلال مائة سنة - قرن أربعطاش -. وهكذا يقدم الشعر المواساة والمسكنات لقلق الناس على مصائرهم وفقدانهم الأمل والحرية.
وهناك من بلغ به اليأس درجة عالية فأدمن الخمر وانتظر القضاء يحكم له، فمات غما وكمدا، مثل الشيخ المختار بن فرحات. فقد ذكر المستشرق لويس ماسينيون أن المختار كان من عائلة كبيرة تنتسب إلى قبيلة بني المعارز (؟) وعاصر الاحتلال منذ كان جده، وهو الحاج المبروك، صيادا ماهرا للأسود. ورغم أنه اصطاد ٢٦ أسدا فإن الأسطورة الشعبية تذهب إلى أن الحاج المبروك قد اصطاد ٩٩. وكان الحاج المبروك عندئذ في رفقة بعض الجنرالات الفرنسيين. أما حفيده المختار فقد ولد حوالي ١٨٦١ وحفظ القرآن الكريم في موطنه وأصبح (طالبا) كثير الفضول والاهتمام، شديد الذكاء. كان نقادا وله روح حية ونادرة بين زملائه في المدرسة. ولا ندري إن كان قد درس في المدرسة الفرنسية الرسمية أيضا، لأن ماسينيون يقول إنه كان يقارن بين النصوص القرآنية والنصوص الموسوية (اليهودية)، وأنه كان يخالط الربيين، وأنه درس على أيديهم اللغة العبرية.
ولكن المجتمع الإسلامي، حسب ماسينيون، لم يتسامح معه، وهجر المختار وانتقده وشك فيه. وكان المختار قد جاء إلى مدينة الجزائر باحثا عن عمل. ولكنه وجد نفسه فيها غريبا، وعانى الكثير من الغربة في نفسه وبدنه. وأصيب بالإحباط، فقال قصيدة عتابية للزمان. وهي تتألف من ٥٠ بيتا. انتقد فيها العادات، وأبدى ذوقا إسلاميا مخلصا (حسب تعبير ماسينيون) وإيمانا بالإسلام. ولكنه في نفس الوقت أظهر ما للفرنسيين (الأروام) من وسائل القوة المادية والمعنوية، وانتقد قومه على تركهم الروم يتصرفون في أمور الجزائريين، فيعاقبون على الجرائم ويتصرفون في العدل - الشريعة - قائلا: إنه لا طالب ولا طبيب يداوي هذا الوضع الذي عليه الجزائر. وقد حكم ماسينيون من ذلك على أن الشاعر كان يائسا من الإصلاح ومن الزمان وأهله. ولذلك توسل الشاعر إلى الله بالأغواث والأقطاب والأبدال الصوفية، لكي
стр. 3835
يغير الحال. وهكذا أعطى مادة لأهل التصوف فأصبح شعره على لسان الأهالي في الطرق الصوفية. وقد أنهى المختار بن فرحات قصيدته بالصلاة على النبي ﷺ ، وبطلب الدعاء لأبيه ولنفسه. ولكن ماسينيون لم يذكر النص العربي للقصيدة، ولذلك نكتفي بالمعاني التي أوردها منها. وكم ضاعت من نصوص جزائرية مع المستشرقين الفرنسيين!.
أما عن نهاية الشاعر فهي مأساة حقا. فقد تاه في المدينة ولم يسعفه أحد في عمله ولا في دراسته، وهجره الناس، كما ذكرنا، رغم أن ماسينيون يدعي أن المجتمع الإسلامي هو الذي لم يأت لنجدته، ولكن الإدارة الفرنسية هي التي لها (المكتب الخيري) الذي زعمت أنه حل محل أوقاف مكة والمدينة التي استولت عليها منذ الاحتلال. ولو كانت الأوقاف على عهدها في العناية بالفقراء والغرباء لما كان مصير هذا الشاعر كالذي ذكره ماسينيون. وكم عاني أمثال هذا الشاعر نتيجة الحرمان والإذلال واليأس. لقد أدمن الشيخ المختار على الخمر، وعاش وحيدا غريبا، ومهملا، وهو الأمر الذي عجل بنهايته، كما تنبأ، فمات سنة ١٩٠٦ ولم يتجاوز عمره الخامسة والأربعين (١). وكان ماسينيون يعرف أن الإدارة الفرنسية كانت تساعد المتنورين الجزائريين على إدمان الخمر والإهمال حتى يظلوا في غيبوبة ولا يتفطنوا إلى واجباتهم الوطنية والدينية. وقد شهد ابن نبي شيئا من ذلك ورواه في مذكراته.
أغراض أخرى للشعر الشعبي
تناول الشعراء الشعبيون أغراضا أخرى غير ما ذكرنا. فهناك الموضوعات المتعلقة بالدولة العثمانية ومشاركة الجزائريين في حرب القرم
стр. 3836
سنة ١٨٥٣، وهناك وصف زيارة فرنسا من قبل فرق للموسيقى والبهلوانيات لتعرض مباذلها على المتفرجين الفرنسيين، سنة ١٨٦٧، وقد شارك في هذه الفرق أهل الدنيا وأهل التصوف مثل العيساوية. ونجد إحدى القصائد تتعرض إلى لجنة التحقيق الفرنسية سنة ١٨٩٢ والتي ظن بعض الجزائريين أن الخير سيأتي على يديها. وإضافة إلى ذلك هناك وصف لانتقال المجندين الجزائريين من بلادهم إلى أوروبا خلال الحرب العالمية الأولى وما عانوه من مفارقات الحياة وهم بين نوعين من التقاليد والبيئات والأجناس.
ولنبدأ بقصيدة سيدي محمد بن إسماعيل عن حرب القرم، والتي نشرها بعد نصف قرن محمد بن أبي شنب مع ترجمة فرنسية وتعاليق مفيدة. ولا يخفى أن حرب القرم كانت بين الدولة العثمانية وروسيا. وقد ساندت فرنسا وبريطانيا الدولة العثمانية، وجندت فرنسا في مساهمتها الحربية فرقة جزائرية خاصة وتكلفت لها احتفالا خاصا عند الذهاب والإياب. وجعل الفرنسيون من ذلك وسيلة دعائية لجلب مسلمي الجزائر إليهم لأنهم (الفرنسيين) قد نصروا خليفة الإسلام ضد روسيا. وكان السلطان عندئذ هو عبد العزيز. وبهذه المناسبة أرسل أعيان الجزائر وفدا إلى فرنسا يتقدمه العلماء لشكر نابليون الثالث على موقفه. وصيغت أبيات الشعر للمناسبة.
وفي هذا الجو الحماسي والديني كتب محمد بن إسماعيل قصيدته الطويلة. وصف الفرقة وأسباب ذهابها، والدولة العثمانية وحالة المسلمين، وموقف فرنسا ومعونتها، والحرب وما جرى خلالها، والانتصار على الروس، بالإضافة إلى تفاصيل أخرى (١).
وهناك شاعر معاصر لإبن إسماعيل، اسمه قدور بن عمر بن بينة المعروف بالحدبي، لاحدداب ظهره. ولكن الحدبي كان عميق النظرة واسع
стр. 3837
الإطلاع دقيق النقد. كان يمتهن عدة مهن. درس في مدرسة الجزائر الرسمية عندما كان مديرها هو حسن بن بريهمات. وتعاطى تجليد الكتب ونسخ المخطوطات، ولعل عدم توظيفه في وظيفة رسمية - مثل خريجي المدرسة - يرجع إلى حدبة ظهره. وهي عاهة عند البعض. ولعله فضل الاستقلال بنفسه وامتهانه المهن الحرة دون الدخول في أسر الوظيف الرسمي. ويقول أحد المصادر إنه ظل ثلاثين سنة يكتب الشعر ويغني بسخرية عن كل عين من أعيان مدينة الجزائر.
وقصيدته (العيساوية في باريس) وجدناها مترجمة من الفرنسية إلى الإنكليزية، ولم نهتد إلى أصلها العربي. وهي قصيدة قالها عند سفر فرقة من الموسيقيين والمغنين وإخوان العيساوية إلى باريس ليشاركوا في معرض باريس الدولي سنة ١٨٦٧. وكانت الفرقة تحت إشراف دنيال سلفادور، أستاذ الموسيقى. وكان التجار الأجانب يتاجرون بالفن الجزائري، فيأخذون أسافل الناس عادة ليغنوا ويرقصوا في باريس، على أنهم يمثلون الفن العربي الإسلامي الإفريقي. ومما لفت نظر الشاعر وجود العيساوية (١) المحسوبين على التصوف والدين ووجود التجار اليهود في هذه العملية، والغالب على الظن أن دنيال سلفادور منهم. كما ربط الشاعر بين ما كان يحدث في وطنه من نكبات وجوائح (وهي سنة المجاعة الشهيرة، ١٨٦٧) وسفر تلك الفرقة إلى باريس للغناء والرقص والمتاجرة بالدين والأعراض.
ولذلك بدأ الحدبي قصيده بالنداء الصارخ: تعالوا وانظروا ما حدث في هذه السنة الملعونة، من الزلازل وخراب المنازل والجراد والقحط والأوبئة. ثم إن الشاعر يطلب من المخاطبين أن يقارنوا ذلك بما راح وذاع من أن
стр. 3838
العيساوية والموسيقيين من الوصفان والمغنين ونحوهم ذاهبون إلى فرنسا للرقص والغناء، وذكر أن الذي وضعهم على السفينة هو (النصراني) سلفادور دنيال. ثم أخذ الشاعر يصف حالهتم في السفينة، فهذا أحدهم قد أصابه الغثيان وأعلن أنه مريض، وتقدم منه آخر ورش عليه العطر ليفيق. وفي نظر الشاعر أن هؤلاء سيرون في باريس عبد العزيز، سلطان الدولة العثمانية، وكأن الشاعر يغبطهم على ذلك. ولا شك أن ذلك كان من الدعايات الفرنسية.
وفي القصيدة أسماء عديدة ومشاهد متنوعة وكأنها تصور مسرحية ساخرة. بعض الأسماء كانت لأولياء، وبعضها كان لأعيان معروفين عندئذ، وبعضها كان لمسؤولين على الفرقة. وقد صور الشاعر حركات أعضاء الفرقة وتصرفاتهم. ومن هذه الأسماء: رئيس الفرقة علي الطري، ثم وليد الحاج والي، والحاج مصطفى، وحميدة الذي يلقبه الشاعر بوجه الحمار، وسيدي الطيب، وسيدي أحمد، وعبد القادر، وابنه زرفة، والحاج طاطا، ومصطفى بن المداح، ووليد ابن زعموم، ووليد سيدي السعيد، وكذلك كان معهم رئيس مليانة (؟). وقال عنه إنه درس على سيدي حسن (ابن بريهمات) (١) مختصر سيدي خليل في الفقه والسنوسية في التوحيد، ولذلك لم يتناول معهم الدخان (الحشيش؟). وأشار إلى أن محمد بن الحفاف كان معهم أيضا، ولكنه ظل يصلي كل النهار، بالإضافة إلى سي محمد وليد الأصنام والحاج ابن رابحة.
стр. 3839
ولا تخلو القصيدة من الحديث عن النصارى والامبراطور نابليون، وعن النقود. وفيها سخرية لاذعة بأصحاب اللحى البيضاء الذاهبين للتفرج على باريس قائلا- لا أرجعهم الله! - وهكذا نجد مجموعة من التناقضات: الصلاة والتدخين، والدين والموسيقى، والمأساة في الجزائر والملهاة في باريس، وأهل التقوى والأشرار. وعرف الشاعر بنفسه فقال بأنه قدور المعروف لدى الناس بأنه مسفر الكتب والمنسوب لسيدي بوقدور (١) وأنه لابس قشبية، وأعلن أنه لو لم يكن أحدب الظهر لما نافسه أحد. واستهزأ بالفرقة قائلا: إن الناس أخبروه أنه إذا رجعت الفرقة من باريس فإنها سترسله إلى الآخرة، ربما لأنه استهزأ بأعضائها ونال منهم، فاجابهم بأنه سيدافع عن نفسه، وإذا عجز فإنه سيشتكي إلى الشرطة (الفرنسية؟). وهكذا يكون الشاعر الذي عاش إلى ١٨٩٨ قد سجل نموذجا. لحياة الجزائريين في آخر عهد نابليون الثالث، وكشف عن تناقضات اجتماعية وسياسية عديدة. ولو جمع شعره الاجتماعي الساخر لكان ثروة هامة (٢).
وقد عالج شاعر آخر خلال نفس الفترة تقريبا حالة الجزائريين البائسة في قصيدة طويلة خاطب فيها لجنة التحقيق الفرنسية (لجنة السنا SENAT) أو مجلس الشيوخ، وهي قصيدة تلخص الحالة خلال عشرين سنة (١٨٧٠ - ١٨٩١) كما قال الشاعر. وعالج فيها أمور القضاء والألقاب (الحالة المدنية) والشريعة الإسلامية. وهي الموضوعات التي كانت تشكل مصدر الشكوى للجزائريين عندئذ. فقد استمر الفرنسيون في محاولات دمج الجزائر دون اعتبار لتقاليدها وأرضها وقوانينها وأفكارها. وبعد صدور قوانين
стр. 3840
الأرض ١٨٦٣، ١٨٧٣، ١٨٨٧، لجأوا إلى تغيير الحالة المدنية بجعل كل عائلة تختار لقبا يتوارثه أبناؤها كما يفعل الفرنسيون أنفسهم، وبذلك ينتهي الارتباط بالعائلة الكبيرة والقبيلة والعرش، وتكون الأسرة الصغيرة- الفردية منقطعة عن كل صلة بالماضي. وأعلن الفرنسيون الحرب على القضاء الإسلامي وأحلوا محله القانون الفرنسي، وعوضوا القضاة المسلمين بقضاة الصلح الفرنسيين، وهكذا.
والشاعر مجهول لدينا، وقد صور حالة البؤس التي عليها (العرب) وهو يقصد كل الشعب الجزائري، فيخاطب اللجنة بأن تعمل على نصرتهم. وكان متفائلا بها لأنها في نظره قد جاءت لإعلان الحق، واعتبر أن عهدا جديدا قد جاء وعهدا قديما قد ولى:
صحى القيام والحق نشرا علامه ... لما تحركوا جميع (السينا)
ربى قادهم للطريق استقاموا ... بعثوا رجال يختبروا في وطننا
ماتوا العرب انهلكوا كثرتهم هاموا ... الحال غاظهم وبكاوا علينا (١)
وفي ١٩١٦ ترجم محمد صوالح شعرا في الدين والحرب نظمه في فرنسا الجندي مصطفى ثابتي ولد قدور بن ثابت. وكان هذا الجندي قد عاش حياة متقلبة منذ ميلاده سنة ١٨٧٦ في دوار أولاد الجيلالي عرش المزيلة، بلدية كسينيو المختلطة عندئذ، بولاية وهران؛ وقد عزف صوالح بالشاعر الذي لقيه بالمستشفى في فرنسا جريحا. على إثر معارك المارن الشهيرة على الجبهة ضد ألمانيا. ومن إملائه على فراش النقاهة كتب صوالح عنه قصيدته الهامة. وكان مصطفى ثابتي قد تربى في إحدى الخيام العربية البدوية. وحفظ القرآن على طالب الدوار، باللوحة المعروفة، ولم يجد خدمة تناسبه فتطوع في الجيش الفرنسي (الأهلي) بنواحي مستغانم، وعمره ما يزال ستة عشر
стр. 3841
عاما. وكان هدفه، كما قال، هو (لعب البارود)، لأن الجنود الجزائريين كانوا يسمون (بالرماة) ويؤلفون فرقة خاصة بهم. ودام تطوعه أربع سنوات. في سنة ١٨٩٦ حاول امتهان مهنة، فلم يفلح فأصبح خماسا، وبعد ذلك فتح دكانا للتجارة في دواره وفشل. وساءت حالته المادية، فعاود التطوع في الجيش، بعد أن أصبح التجنيد إجباريا للجزائريين منذ ١٩١٢. وعند بدء الحرب العالمية الأولى نقل هو وغيره إلى فرنسا ومنها إلى بلجيكا، وشارك في معارك شارلروا والمارن، وجرح في ٦ يونيو ١٩١٥. فنقل إلى المستشفى للعلاج، ثم سمح له بالنقاهة في منزله. ويقول صوالح الذي قد يكون أيضا من المجندين غير المحاربين، أن ثابتي قد ظل يتغنى بالغنائم الفرنسية والانتصارات ضد الألمان، وبذلك أثر على سكان دواره بأولاد الجيلالي. ويبدو أن صوالح نفسه كان من ناحية مستغانم.
والقصيدة التي نحن بصددها مكتوبة بالعربية الدارجة، عربية الناحية الوهرانية، وقائلها طالب لم يحفظ سوى القرآن، ولعله قد نسيه ونسي معه الكتابة أيضا. وقد امتزجت بالقصيدة ألفاظ أجنبية عديدة، معظمها عسكرية نظرا للبيئة الجديدة التي عاشها الشاعر. فهو قد انتقل لأول مرة من وهران إلى أوروبا، رغم أنه قد عرف الجنود الفرنسيين في الجزائر. وفي القصيدة تظهر ثقافة الشاعر المحلية. وهي مزيج من الدين والدنيا، وحياة الحرب والجنود في المعارك. وقد وصف طريق الوصول إلى فرنسا وركوب السفينة والانطباعات عند النزول بأرض الغربة. ويقول صوالح إن شعر ثابتي متأثر بالقرآن الكريم وبقصيدة البردة للبوصيري. ويبدو أن الشاعر كان من الطريقة القادرية لأنه يشير إليها، كما أن سيدي الجيلالي هو اسم قرية وجد سكانها. كما يظهر من الشعر أن الجزائريين كانوا يعرفون الكثير عن الحرب والحلفاء. ورغم أن صوالح جمع الشعر سنة ١٩١٦ فإنه لم ينشره إلا سنة ١٩١٩، لظروف الحرب.
وفي نفس المصدر نشر صوالح أيضا أبياتا من شعر آخر نظمه في نفس الموضوع سي ميلود بن عبد الرحمن، أحد القضاة. وكان أخو هذا
стр. 3842
القاضي قد ترجم شعر ميلود إلى الفرنسية. ومنه أخذ صوالح. وبناء على هذا فإن ميلود بن عبد الرحمن قد تغنى أيضا، بفرنسا وجيشها وهجا الأتراك وندد بعلاقتهم بألمانيا، وأخبر أن الأتراك يكرهون العرب منذ القديم. وهو الموضوع المحبب للدعاية الفرنسية عندئذ. وكان هذا القاضي يؤكد على أن فرنسا صديقة للمسلمين ولذلك مجدها ومجد أحبابها أيضا (١). ونحن لا ننتظر إلا أن يكون ذلك من بعض الجزائريين الذين أثرت عليهم الدعاية الفرنسية ضد (الأتراك)، لأن الدولة العثمانية قد شاركت في الحرب إلى جانب ألمانيا ومن ثمة ضد فرنسا. ويجب التذكير بأن الشعر الشعبي قد تناول أيضا الحياة الدينية والوعظ والإرشاد سواء بالعربية الدارجة أو البربرية.
...
ولقد واصل الشعر الشعبي دوره الاجتماعي والسياسي والديني. وبعد ظهور الحركة الوطنية كان لها شعراؤها أيضا. وكان للطرق الصوفية شعراؤها المعادون للإصلاح، وكان للإصلاح شعراؤه الفصحاء والشعبيون. واستمر بعضهم أيضا في وصف أعمال فرنسا وذم الزمان. فكثر بذلك ميدان القول والتنافس. ومن أشهر شعراء الملحون بين الحربين محمد عبابسة الأخضري ورحاب الطاهر. وقد ساعدت الأغاني والتسجيل على نشر هذا الشعر. وبعد الحرب الثانية واصل الشعراء تصوير حالة المجتمع في ضوء التطورات الجديدة (٢). وجاءت جريدة (الشعلة) لتنشر قصائد ملحونة ذات طابع نقدي
стр. 3843
سياسي واجتماعي. وأصبحت الإذاعة وبعض الصحف تحتفل بالشعر الشعبي. وبعد أن كان هذا الشعر ضائعا منسيا (وكلام عوام) كما قال ديبارمي، حانت فرصة تسجيله والتغني به، ونقصد ذلك الشعر المسموح به سياسيا وأخلاقيا. أما ثورة نوفمبر فقد فجرت الطاقات الكامنة وشحذت مواهب الشعراء، ولو جمع الشعر الشعبي الذي قيل فيها لملأ ربما دواوين.
стр. 3844
الفصل الثالث
الفنون
стр. 3845
نتناول في هذا الفصل الإنتاج المتصل بالفنون وتطور موضوعاته ومساهمة المنتجين خلال العهد الاستعماري. ونضيف إلى ذلك تأثير الجزائر على الفنانين الفرنسيين منذ لاكروا إلى مدرسة عبد اللطيف الشهيرة. ونتناول حياة محمد راسم وبعض الفنانين الآخرين كالرسامين والخطاطين، وكذلك حياة ناصر الدين ديني، ذلك الفنان الفرنسي الذي اعتنق الإسلام. وسنتتبع أيضا تدخل الفرنسيين لتوجيه الفنون الشعبية وجعلها في خدمة الاقتصاد الاستعماري والذوق الفرنسي. وما أنشأه الفرنسيون من مراكز نسائية للطرز وغيره متخذين هذه الفنون ذريعة للتأثير على المرأة والأسرة عموما. كما نتعرض للكتابات الفرنسية التي عالجت الموضوعات التي نحن بصددها والآراء النقدية التي وجهت إلى الفنون وتطورها.
ومن جهة أخرى، سنعالج الفنون المعمارية، ولن تكون دراستنا للآثار عامة وإنما من الوجهة الجمالية والأسلوبية، وهكذا سنتوقف عند نماذج من القصور والمنازل الخاصة التي ظهر فيها الفن الأصيل وحافظت على الطابع التراثي الفني. وفي هذا النطاق سندرس أيضا المتاحف وما وضع فيها من النماذج المعبرة عن الفنون عامة. وكذلك سنعالج فنون الرسم والنحت والنقش بمختلف أشكالها كلما وجدنا المادة المساعدة.
وأخيرا سنخصص فقرة للإنتاج المسرحي وتطوره وتطور لغته وانتشاره في البلاد، والفرق المسرحية التي أنشئت لهذا الغرض (١)، كما أننا سندرس في فقرة أخرى الإنتاج الموسيقى (٢).
стр. 3846
الفنون التقليدية - الشعبية
تتمثل هذه الفنون في عدة نماذج من المصنوعات التقليدية ذات الاستعمال الفردي والعائلي، وهي تستعمل أيضا للمنازل والحيوانات. وكانت هذه الفنون مزدهرة مع ازدهار التجارة وانفتاح البلاد على الأسواق الأوروبية والشرقية والإفريقية، وكذلك مع وجود طبقة اجتماعية تتذوق وتستهلك هذه المصنوعات، ووجود مدن كبيرة ذات بازارات وحرفيين مختصين. وقد كان للفنون نقاباتها كما كان لغيرها نقابات. فلصانعي الفضة والذهب (الصاغة) نقابتهم وكذلك للنحاسين والسراجين والطرازين نقاباتهم. وهي نقابات ليست فقط للتنظيم الاجتماعي والمالي ولكن للمحافظة على اتقان الصنعة وأصالتها وتطويرها.
وليس لدينا كتابات وصفية دقيقة عن وضع الفنون التقليدية عند الاحتلال. فالجزائريون يبدعون أو يستهلكون هذه الفنون ولكن قلما ألفوا فيها. ولذلك فان اعتمادنا سيكون على ما ألفه عنها الأوروبيون. وهؤلاء كانوا إلى جانب اهتمامهم الفني والحضاري كانوا مهتمين بالجانب التجاري وتنافس البضائع الأهلية والأوروبية (١)، وملاحظة التحولات التي طرأت على المجتمع بعد الاحتلال واختلاط العناصر الأوروبية بالجزائريين.
ومن نافلة القول أن ننبه إلى أنه قد وقع للفنون الشعبية ما وقع لغيرها نتيجة الاحتلال. ولعل إصابة الفنون كانت أعمق وأسرع. ذلك أن الفئة التي كانت تنتجها وتستهلكها قد أصابها الذعر فهاجرت من المدن الكبرى حيث كانت الفنون مزدهرة. والمعروف أن الاحتلال قد بدأ بالمدن الرئيسية. وإلى جانب الهجرة تعرضت الأسواق والبازارات والقصور إلى الهدم، سيما في
стр. 3847
العاصمة وقسنطينة وبجاية. كما تعرضت التحف والنماذج إلى النهب والسرقات ورجع تقريبا كل ضابط وجندي فرنسي إلى بلاده بتحفة فنية على قدر ذوقه وقدرته على النهب، بما في ذلك الكتب المذهبة (١).
وتشمل الصناعات التقليدية الحلي والطرز والخزف والنسيج والأسلحة والنحت على الجبس والنحاس والصباغة والنقش على الخشب وأنواع الأثاث والزخرفة والديكور، وغيرها. وكانت كلها مزدهرة قبل الاحتلال، رغم أن بعض النقاد الفرنسيين قد لاحظوا بداية تدهورها من القرن ١٨ م. وقد كتب عن هذه الفنون وتطورها واستعمالاتها عدد من النقاد والدارسين، منهم الضابط روزي، وبيربروجر، وأوديل، وفي عهود متأخرة كتب عنها جان ميرانت وأوغسطين بيرك وماري بوجيجا.
أنواع الحلي تتمثل في الخواتم والأساور والأقراط والعقود الذهبية والخلاخل. يضاف إلى ذلك حلي تستعمل للمناسبات مثل الصرمة والريحانة والبدل والمشرف والتيغار والخلال وخيط الروح. ويصاغ الذهب والفضة لهذه الحلي. وقد تكون من الجواهر أو من قطع الذهب (السلطاني) واللويزة. كما أن منها النوع الفضي الجيد. ومعظم الحلي كان للنساء. أما الرجال فيستعملون منه بعض الخواتم والأوسمة وتزيين السلاح وبعض المستعملات الأخرى، مثل الساعات وعلب الدخان أو النشوق.
وكانت الحلي غالبا من صنع جزائري، ولكنها قد تكون مستوردة من المشرق أو من أوروبا. أما من أفريقيا فكان استيراد الآبنوس وتراب الذهب وأسنان الفيل والعاج، وكانت تصنع محليا لنفس الغرض. واشتهر بنو يني في الزواوة بصنع الحلي، وكذلك صاغة العاصمة وتلمسان وقسنطينة. ولكن هجرة اليهود من الأندلس ثم نزوح بعضهم من ليفورنيا إلى الجزائر، جعلهم يسيطرون على صناعة الحلي. وكان اليهود هم محل ثقة الباشوات في اختبار
стр. 3848
العملة الرسمية وأصالة الجواهر والمذهبات التي ترد إلى الدولة في الهدايا والغنائم. وهذا الامتياز أعطى لليهود أيضا اليد العليا في صناعة الحلي. وكانت هداياهم الذهبية، سيما لنساء البايات والباشوات، وهي رشوة واضحة، قد سهلت عليهم مهمتهم في السيطرة على سوق العملة والذهب والفضة، وهي أساس صناعة الحلي. وقد ظلوا يستعملون نفس السلاح، حتى أنه عندما زارت امبراطورة فرنسا الجزائر سنة ١٨٦٠ قدم لها نساء اليهود هدية ثمينة من الحلي (١).
الحلي الجزائرية عليها رسومات تمثل الذوق المحلي والديني. فهي على العموم ذهبية أو فضية، كما ذكرنا، وترسم عليها الجواهر والورود والأغصان. وهناك عقود مذهبة ومحببة. وفي الزواوة يصنعون الحلي الفضية عادة وهي ذات ألوان زاهية وتتدلى منها أشكال مختلفة بسلاسل دقيقة ذات ألوان زرقاء وخضراء وصفراء وبنية وطينية (لون الطين).
هذه الصناعة التي كانت مزدهرة ومنسجمة مع الذوق الوطني والديني، أخذت في التدهور لعدة أسباب، منها أن اليهود ازدادت مكانتهم في عهد الاحتلال، سيما بعد تجنيسهم الجماعي سنة ١٨٧٠. وأدت الهجرة الجزائرية إلى إحداث فراغ في اليد الصانعة الماهرة، وكذلك سيطرة البضائع والمصنوعات الأوروبية المستوردة، واختلاف الأذواق، مع الافتقار الذي حل بالمجتمع الجزائري. ولكن صناعة الحلي مع ذلك لم تنقرض، فقد تطورت مع الزمن وأخذت أشكالا جديدة تنافس بها الذوق الأوروبي، ولا سيما في المدن، أما في الأرياف (وكان معظم الجزائريين أهل ريف في عهد الاحتلال) فقد استمرت صناعة الحلي، رغم تأثير اليهود، وظل الاستعمال على ما كان عليه تقريبا فى الحياة اليومية وفى المناسبات الاجتماعية.
стр. 3849
والطرز كان أحد الصناعات التقليدية الرائجة والمتجددة. وله أماكن مشهورة وهي العاصمة وقسنطينة ووهران. وقد أخبرنا فانتور دي بارادي منذ آخر القرن ١٨ أن الذوق الجزائري يظهر حقيقة في المطروزات. وأكد ذلك روزي الذي رافق الحملة الفرنسية وكان في قيادة أركان بورمون، بعد تجواله في المدن التي وقعت تحت الاحتلال (١). وكانت المطروزات تظهر على الحرير وعلى قماش الملف بالألوان المنسجمة، وكان اللون البنفسجي بالخصوص يستعمل في الطرز على الحرير. أما الألوان الأخرى، فهي الأحمر والأزرق وأحيانا الأخضر والأصفر، وحتى الأزرق الفاتح، وكانت تستعمل أحيانا كإضافات. وقد تجول روزي في العاصمة والقليعة عندئذ ورأى الشال (المنديل الكبير) المطروز يباع هناك، مع العلم أن هذه الصناعة قد تأثرت بالاحتلال وبالهجرة التي ذكرناها وغلق المحلات وكساد التجارة.
ولم يكن لباس المطروزات خاصا بالنساء بل كان الرجال يلبسون المطروز أيضا، وكان ذلك من علامات الثروة والأبهة والذوق السليم. ويذهب بعض النقاد إلى أن العثمانيين هم الذين أدخلوا الطرز، وهو قول مارسيه، ولكن المعروف أن الأندلسيين قد برعوا في هذا الفن. فالقول بأن الجزائر مدينة في صناعة الطرز (للأتراك) فيه مبالغة ظاهرة. والعبارة في حد ذاتها غير دقيقة لأن التأثير عموما كان شرقيا، بمعنى أن الصناعة قد تكون شامية أو فارسية وليست (تركية) بهذا المعنى. وللشام علاقة وطيدة بالأندلس وفنونها. ومن جهة أخرى فإن الذوق الوطني أو المحلي كان واضحا في المطروزات، يظهر ذلك في العقود الفنية والأشجار والغصون والتشابكات وانسجام الألوان. ومن عادة الفرنسيين أنهم يجردون الجزائريين من كل شيء حتى الذوق والفن، فقد قالوا إن قيمة المطروزات لا تظهر في الجودة والاتقان والذوق ولكن في كمية الذهب الذي تشتمل عليه. أما المطروزات
стр. 3850
ذاتها فهي (خشنة)، حسب تعبيرهم (١). وسنرى أن محاولات فرنسية ستجرى لتجديد الفنون التقليدية، ومنها الطرز.
واشتهرت عائلات جزائرية بالطرز الجيد فأصبحت متخصصة فيه، كما اشتهر فيه أفراد يشار إليهم بالبنان، مثل محمد بن الحاج الذي عرف عنه أنه كان يطرز الأقمشة الحريرية بالذهب والفضة. ويشمل ذلك الأحزمة والمناديل والفوطات. ومنذ ١٨٤٥ التفت الفرنسيون إلى هذا الفن، وبدأوا يهتمون به، بعد أن لاحظوا تدهوره واتجاهه نحو الانقراض. وكان الطرز في بداية الاحتلال مصدر دخل لمن يصنعه، كما كان تجارة رابحة للسواح الأوروبيين الذين تهاطلوا على الجزائر. ولذلك أسست السيدة لوس (المعروفة أيضا أليكس)، باتفاق مع المارشال بوجو، مدرسة للطرز، وجلبت إليها بعض الفتيات الجزائريات لتروج هذه الصناعة من جهة، ومن جهة أخرى لتنشيط الحركة التجارية فيها مع السواح، ثم الدخول عن طريقها إلى دواخل الأسرة الجزائرية المنغلقة على نفسها في نظر الفرنسيين. وهكذا أصبح فن الطرز لا يذكر مع العائلات والأفراد الجزائريين المتقنين له، ولكن يذكر على أنه إنتاج مدرسة لوس أو ابن عابن وغيرهما. فالنقاد الفرنسيون نسوا دور الجزائريين المباشر وأصبحوا يتحدثون عن ورشات الطرز التي تأسست بجهود فرنسية وما أخرجته من تلميذات جيلا بعد جيل، فتلك الورشات هي التي استخرجت حسب تعبير بوجيجا (سر هذا الفن) بعد أن أحيته لوس ومررته عبر الأجيال (٢). أما محمد بن الحاج وأمثاله فقد نسي الناس حتى أسماءهم. وهكذا يكون الاحتلال لم يستول على الأرض ويسقط الدولة فقط ولكنه استولى أيضا على الفن واغتصبه من أهله وبنى على جهودهم جدارا يحجبها عن الأجيال.
وكان النسيج من الصناعات التي تفتخر بها الجزائر. وقد كانت له
стр. 3851
صناعة كاملة وأسواق رائجة في مختلف أنحاء البلاد، وفي المدن الرئيسية كانت سوق خاصة بأسماء الأقمشة والحرير والأصواف ونحوها، مثل سوق الحرارين، وفلان الحرار، وسوق الصوف (رحبة في قسنطينة)، وسوق الشواشي. وكانت الجزائر تصدر إلى المشرق الأحزمة الحريرية. واشتهرت، من الناحية الفنية بصناعة الزرابي، والحياك والفوطات التي تستعمل للحمام، والمناديل والأحزمة والملابس كالبرانس والقنادر (ج. قندورة) والصدريات والسراويل. فهي صناعة وطنية كاملة تمثل الذوق المحلي، لا سيما في الزرابي إذ تظهر كل جهة أو منطقة تفننها الخاص، مما كان يؤدي إلى التنافس وتعدد الاختيار أمام الزبائن.
وقد أخذ فن الزرابي بألباب الأوروبيين منذ الاحتلال. لاحظوه أولا في المساجد، كما ذكر روزي، إذ هدموا جامع السيدة، وهو أجمل مسجد بالعاصمة، سنة ١٨٣٠، واغتصبوا زرابيه وثرياته. كما لاحظوا ذلك على جامع كتشاوة الذي حولوه إلى كنيسة، وكذلك حولوا غيره في مختلف المدن، سيما العاصمة وقسنطينة ووهران وبجاية. وكان أول احتلالهم للقصبة قد جعلهم على خطوات من جامع القصبة وجامع باب الجديد اللذين يفترشان زرابي فاخرة. ويقول روزي إنه قد زار في مدينة الجزائر - وقد هجرها الأغنياء والصناع - عددا من مصانع الزرابي، وذكر تفاصيل هامة عن صباغة النسيج عندئذ والألوان المستعملة فيها.
ويقال إن الزرابي التي بقيت شائعة إلى حوالي ١٨٦٠ كانت لا تخرج عن ستة أنواع: الفراشيات، والزرابي الصوفية، والحنبل، والقطيفة، والمطارح، والزرابي الملساء - بدون خملة. والأماكن التي اشتهرت بالزرابي هي: مدينة الجزائر، وآفلو، والسور، وبسكرة، وباتنة، وبوسعادة، ووادي سوف، وشلالة، والقلعة، وسطيف، وسعيدة، وتيهرت، وتلمسان، وكذلك اشتهرت بالزرابي المسيلة، وفرندة وجبل عمور، وجبال بوطالب، وقصر البخاري. وتتميز أنواع الزرابي عن بعضها باستعمال الألوان والأشكال واستخدام الذوق المحلي لكل منطقة، مع الإبداع الفردي. وهكذا نجد
стр. 3852
الألوان الآتية متغلبة، وهي الأحمر القاني، والأصفر والأحمر العادي، والأسود، مع بعض الألوان الأخرى الثانوية أحيانا لتضفي تجديدا وتهذيبا وراحة للنفس. ومرة أخرى يدعى النقاد الفرنسيون أنهم تدخلوا لاسترجاع فن الزرابي، وبدأ ذلك على يد السيدة لوس المشار إليها حين أسست ورشتها واستخدمت النساء الجزائريات، وبحثت عن الفن الأكثر أصالة - في نظرها - وأحيته، وتخرج على يديها فيه عدد من التلميذات اللاتي أصبحن ممتهنات في ورشات جديدة، وهكذا (١). كما راجت صناعة الزرابي بين السواح والتجار، واستفادت السوق الفرنسية من هذه العملية. وكان للآباء البيض دور في تشجيع ذلك أيضا.
ولكن هذا الادعاء فيه قفز على التاريخ وإجحاف بحق الجزائريين الذين استمروا، رغم الصعوبات، في صنع الزرابي حسب الذوق المحلي، كما ذكرنا. لقد كان هناك متخصصون يطلق عليهم اسم (الرقامة) (٢) - ومفردها رقام -. وكان الرقامة يتجولون على أهل الصنعة ومراكز الزرابي المعروفة، فيراقبون، ويشيرون بآرائهم لتحسين الصناعة والمحافظة على الأصالة والتقاليد. وهم يحذقون هذه الصنعة أبا عن جد، أو هي محفوظة عندهم في القلوب، كما يقولون. فهم لا يتلقونها في مدرسة ولا يطالعونها في كتاب، ولكنهم ورثوها عن بعضهم.
وتتألف عناصر النسيج الجزائري من جريدات النخيل التي هي فارسية الأصل، حسب ميرانت، ومن الوردة ذات الشكل البسيط. يضاف إلى ذلك الخطوط المركبة ذات الأشكال الهندسية المبتكرة، إذ تتخذ أشكال المربعات والمستطيلات، والشكل اللوزي، وكل هذه الأشكال تتداخل باعتبارها عناصر أساسية في الصنعة. ويبرز الفن البربري بوضوح في النسيج أيضا. وهو يظهر بحرية صارخة وبأسلوبية متميزة، ولكن تبدو عليه البساطة والنظرة الساذجة
стр. 3853
للحياة، بالإضافة إلى أنه فن قليل التطور، ربما لعدم تأثره وعزلته (١).
وقد قيل الكثير عن علاقة فن الزرابي بالكائنات الحية ورسمها في النسيج. انه كفن إسلامي كان بعيدا عن تصوير الإنسان. أو الحيوان في الزرابي ونحوها. فكان الناسج يلجأ إلى تعويض ذلك بالنباتات والأشكال الهندسية والخطوط التي تمثل تجريدا بعيدا عن الإساءة إلى الدين وعقيدة التوحيد. وقد بحث الفرنسيون، حسب قول ميرانت، فوجدوا أن السبب يرجع إلى العامل الإسلامي. ولكنهم ادعوا أيضا أنه راجع إلى الخرافات وشيوع السحر والعقائد الوثنية. كما أن البدائية تؤدي إلى إبداع فن بسيط في موضوعه من جهة ومثير للخوف والغموض من جهة أخرى. والغريب أن الفرنسيين خلطوا بين الحركة الرومانتيكية عندهم وبين الموضوعات البسيطة والتعلق بالخرافي والخيالي والمجهول وحتى بالبدائية الأولى لدى الجزائريين. فجعلوا ذلك كمالا عندهم، وجعلوه نقصا عند الفنانين الجزائريين الذين أبدعوا فنونا من الزرابي والأنسجة الأخرى خالية من التصوير البشري والحيواني.
وكل نسيج تقريبا لا بد له من صبغة. وكانت الصباغة هي إحدى الصناعات المحلية النافقة قبل الاحتلال. وقد أورد روزي عدة تفاصيل عن صباغة أنواع النسيج سنة ١٨٣٣. فتثبيت الألوان واختيارها يرجع إلى أيادي ماهرة، وإلى حلقات من التحضير والبحث. فاللون الأصفر مثلا كان يستعمل له العفص، وكان موجودا بكثرة حول مدينة الجزائر، واللون الأحمر البنفسجي كان يستحضر من خشب شجر البقم Campeche، والأزرق كان يحضر من النيلة، والأسود من قشور الجوز المعروف بالغرناطي. وهكذا فإن مواد الصباغة قائمة من أساسها على النباتات. فالأحمر الغامق مثلا يستخرج من نبات الفوة الممزوج بالعفص، والأزرق من النيلة، كما ذكرنا، والأحمر الفاتح من قشور الجوز الغرناطي والأخضر من رغوة النيلة المغلية. وهناك عدة زخارف أخرى ملونة تأتى عن طريق مزج النيلة والعفص أو غيرهما.
стр. 3854
وأما اللون الأسود فيأتي من خليط النيلة والكبريت الحديدي ومن العفص وثمرة جوزة الطيب. وأما اللون البنفسجي فإنه يستحضر بإضافة رغوة الدردي إلى النيلة. ويقول ميرانت إن هذه الصناعة ستعرف بعض التحول عندما أدخلت المواد الكيمياوية على تحضير الألوان (١). ثم إن نباتات عديدة اختفت نتيجة الحرائق واستيلاء الفرنسيين على الأراضي وتحويل حقول العفص مثلا إلى حقول زراعية أكثر فائدة، ربما، من صبغة المواد النسيجية. كما اختفى الرقام من الوجود الفني.
ومن الصناعات التقليدية التي كانت رائجة المصنوعات الخشبية، رغم أن بعضهم يقول إنها كانت في درجة ثانية من الأهمية. وتحدث عنها ليون الإفريقي (الحسن الوزان) ومرمول، وهايدو. ولكن الأخير قال ان الجزائريين كانوا لا يستعملون الموائد والسفرات، وليس لهم خزائن، بل كانت تكفيهم علبة أو صندوق لحوائجهم. غير أن مؤلفين آخرين أثبتوا عكس ذلك، فقد لاحظوا وجود خزائن الكتب، وخزائن الملابس، والموائد، والأرائك، والمناضد، وحاملات المصاحف. ولهذه الصناعات مراكز كانت معروفة، وهي العاصمة والمدية ووهران وقسنطينة وقالمة والزواوة وأم البواقي (٢).
والمصنوعات الخشبية كانت تزخرف بعدة أشكال وألوان. وذكرت بوجيجا أن الزخرفة كانت بواسطة الزهور وفن الأرابسك الذي يرسم على الصناديق والأدراج في أشكال مختلفة. وألوان هذه الرسومات تتألف من الأبيض والأخضر والأصفر وغيرها (٣).
ويتصل بهذا الفن - فن الصناعات الخشبية - بعض الأثاث العربي. ويظهر ذلك في الكراسي الموضوعة في المساجد، وأبواب المنازل والمساجد وغيرها، والمناضد المستطيلة، وصناديق حفظ القماش، لكن الزخارف على
стр. 3855
المصنوعات كانت مدهشة، وعليها نقوش ونماذج موزعة بمهارة. ومن هذه الزخارف نجد الكتابة العربية ذات الخطوط الفنية الرائعة. وكان الخطاطون والنقاشون البارعون أمثال سي محمد بن عودة، وسي أحمد أمين البنائين، والسيد السفطي، يضفون على هذه المصنوعات ذوقا وجمالا، مع الطابع المحلي والديني. ولكن هذا الفن تدهور أيضا بل اختفى مع الجهل بفن الخط، ومزاحمة المستوردات الأوروبية من الخشب.
ولا بد من ذكر صناعة النحاس أيضا. فقد كانت إحدى الصناعات التقليدية الرائجة. وقد أخبر روزي سنة ١٨٣٣ أن مختلف أنواع الأسلحة كانت تصنع في الجزائر عدا المدافع. وكانت مصانعها موجودة في أمكنة عديدة، منها العاصمة وقصر البخاري والأغواط وبوسعادة. وكانت المادة الخام تستخرج محليا، وتستورد أيضا من المغرب والأندلس (إسبانيا). وهذه المادة كانت تستعمل في أغراض عديدة، منها الأطباق وأحواض الحمام، وأواني الكسكسي، والسكريات والمصابيح (الثريات). وهناك أبواب كاملة من الخشب كانت مغطاة بالنحاس، وقد نقشت عليها نقوش متناسقة، كما حدث في جامع سيدي بومدين في تلمسان وجامعها الكبير. وقد صنعت الثريات في هذه الأماكن من نفس المادة، وحافظت قسنطينة والعاصمة على صناعة النحاس بينما أخذت تنقرض فيما عداهما. ومن أشهر المهرة في هذه الصنعة سي الحاج القصباجي الذي كان يصنع منها المهاريس. وهناك غيره من الفنانين الجيدين. ويذهب بعض النقاد إلى أن معظم الباقين من هؤلاء الفنانين كانوا من أصل سوري. وكانوا يستعملون النماذج السورية التي يعرفوها أو يقلدون نماذج متحفية (١).
وقد اشتهرت الجزائر بصناعة السيوف والسكاكين، وبالأدوات المستعملة للفرس كالركاب واللجام. ويذهب ميرانت إلى أن الصناع الجزائريين لم يبلغوا درجة إخوانهم فى المغرب وتونس فى الإتقان.