← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

صناعة كاملة وأسواق رائجة في مختلف أنحاء البلاد، وفي المدن الرئيسية كانت سوق خاصة بأسماء الأقمشة والحرير والأصواف ونحوها، مثل سوق الحرارين، وفلان الحرار، وسوق الصوف (رحبة في قسنطينة)، وسوق الشواشي. وكانت الجزائر تصدر إلى المشرق الأحزمة الحريرية. واشتهرت، من الناحية الفنية بصناعة الزرابي، والحياك والفوطات التي تستعمل للحمام، والمناديل والأحزمة والملابس كالبرانس والقنادر (ج. قندورة) والصدريات والسراويل. فهي صناعة وطنية كاملة تمثل الذوق المحلي، لا سيما في الزرابي إذ تظهر كل جهة أو منطقة تفننها الخاص، مما كان يؤدي إلى التنافس وتعدد الاختيار أمام الزبائن. وقد أخذ فن الزرابي بألباب الأوروبيين منذ الاحتلال. لاحظوه أولا في المساجد، كما ذكر روزي، إذ هدموا جامع السيدة، وهو أجمل مسجد بالعاصمة، سنة ١٨٣٠، واغتصبوا زرابيه وثرياته. كما لاحظوا ذلك على جامع كتشاوة الذي حولوه إلى كنيسة، وكذلك حولوا غيره في مختلف المدن، سيما العاصمة وقسنطينة ووهران وبجاية. وكان أول احتلالهم للقصبة قد جعلهم على خطوات من جامع القصبة وجامع باب الجديد اللذين يفترشان زرابي فاخرة. ويقول روزي إنه قد زار في مدينة الجزائر - وقد هجرها الأغنياء والصناع - عددا من مصانع الزرابي، وذكر تفاصيل هامة عن صباغة النسيج عندئذ والألوان المستعملة فيها. ويقال إن الزرابي التي بقيت شائعة إلى حوالي ١٨٦٠ كانت لا تخرج عن ستة أنواع: الفراشيات، والزرابي الصوفية، والحنبل، والقطيفة، والمطارح، والزرابي الملساء - بدون خملة. والأماكن التي اشتهرت بالزرابي هي: مدينة الجزائر، وآفلو، والسور، وبسكرة، وباتنة، وبوسعادة، ووادي سوف، وشلالة، والقلعة، وسطيف، وسعيدة، وتيهرت، وتلمسان، وكذلك اشتهرت بالزرابي المسيلة، وفرندة وجبل عمور، وجبال بوطالب، وقصر البخاري. وتتميز أنواع الزرابي عن بعضها باستعمال الألوان والأشكال واستخدام الذوق المحلي لكل منطقة، مع الإبداع الفردي. وهكذا نجد

стр. 3852

الألوان الآتية متغلبة، وهي الأحمر القاني، والأصفر والأحمر العادي، والأسود، مع بعض الألوان الأخرى الثانوية أحيانا لتضفي تجديدا وتهذيبا وراحة للنفس. ومرة أخرى يدعى النقاد الفرنسيون أنهم تدخلوا لاسترجاع فن الزرابي، وبدأ ذلك على يد السيدة لوس المشار إليها حين أسست ورشتها واستخدمت النساء الجزائريات، وبحثت عن الفن الأكثر أصالة - في نظرها - وأحيته، وتخرج على يديها فيه عدد من التلميذات اللاتي أصبحن ممتهنات في ورشات جديدة، وهكذا (١). كما راجت صناعة الزرابي بين السواح والتجار، واستفادت السوق الفرنسية من هذه العملية. وكان للآباء البيض دور في تشجيع ذلك أيضا. ولكن هذا الادعاء فيه قفز على التاريخ وإجحاف بحق الجزائريين الذين استمروا، رغم الصعوبات، في صنع الزرابي حسب الذوق المحلي، كما ذكرنا. لقد كان هناك متخصصون يطلق عليهم اسم (الرقامة) (٢) - ومفردها رقام -. وكان الرقامة يتجولون على أهل الصنعة ومراكز الزرابي المعروفة، فيراقبون، ويشيرون بآرائهم لتحسين الصناعة والمحافظة على الأصالة والتقاليد. وهم يحذقون هذه الصنعة أبا عن جد، أو هي محفوظة عندهم في القلوب، كما يقولون. فهم لا يتلقونها في مدرسة ولا يطالعونها في كتاب، ولكنهم ورثوها عن بعضهم. وتتألف عناصر النسيج الجزائري من جريدات النخيل التي هي فارسية الأصل، حسب ميرانت، ومن الوردة ذات الشكل البسيط. يضاف إلى ذلك الخطوط المركبة ذات الأشكال الهندسية المبتكرة، إذ تتخذ أشكال المربعات والمستطيلات، والشكل اللوزي، وكل هذه الأشكال تتداخل باعتبارها عناصر أساسية في الصنعة. ويبرز الفن البربري بوضوح في النسيج أيضا. وهو يظهر بحرية صارخة وبأسلوبية متميزة، ولكن تبدو عليه البساطة والنظرة الساذجة

стр. 3853

للحياة، بالإضافة إلى أنه فن قليل التطور، ربما لعدم تأثره وعزلته (١). وقد قيل الكثير عن علاقة فن الزرابي بالكائنات الحية ورسمها في النسيج. انه كفن إسلامي كان بعيدا عن تصوير الإنسان. أو الحيوان في الزرابي ونحوها. فكان الناسج يلجأ إلى تعويض ذلك بالنباتات والأشكال الهندسية والخطوط التي تمثل تجريدا بعيدا عن الإساءة إلى الدين وعقيدة التوحيد. وقد بحث الفرنسيون، حسب قول ميرانت، فوجدوا أن السبب يرجع إلى العامل الإسلامي. ولكنهم ادعوا أيضا أنه راجع إلى الخرافات وشيوع السحر والعقائد الوثنية. كما أن البدائية تؤدي إلى إبداع فن بسيط في موضوعه من جهة ومثير للخوف والغموض من جهة أخرى. والغريب أن الفرنسيين خلطوا بين الحركة الرومانتيكية عندهم وبين الموضوعات البسيطة والتعلق بالخرافي والخيالي والمجهول وحتى بالبدائية الأولى لدى الجزائريين. فجعلوا ذلك كمالا عندهم، وجعلوه نقصا عند الفنانين الجزائريين الذين أبدعوا فنونا من الزرابي والأنسجة الأخرى خالية من التصوير البشري والحيواني. وكل نسيج تقريبا لا بد له من صبغة. وكانت الصباغة هي إحدى الصناعات المحلية النافقة قبل الاحتلال. وقد أورد روزي عدة تفاصيل عن صباغة أنواع النسيج سنة ١٨٣٣. فتثبيت الألوان واختيارها يرجع إلى أيادي ماهرة، وإلى حلقات من التحضير والبحث. فاللون الأصفر مثلا كان يستعمل له العفص، وكان موجودا بكثرة حول مدينة الجزائر، واللون الأحمر البنفسجي كان يستحضر من خشب شجر البقم Campeche، والأزرق كان يحضر من النيلة، والأسود من قشور الجوز المعروف بالغرناطي. وهكذا فإن مواد الصباغة قائمة من أساسها على النباتات. فالأحمر الغامق مثلا يستخرج من نبات الفوة الممزوج بالعفص، والأزرق من النيلة، كما ذكرنا، والأحمر الفاتح من قشور الجوز الغرناطي والأخضر من رغوة النيلة المغلية. وهناك عدة زخارف أخرى ملونة تأتى عن طريق مزج النيلة والعفص أو غيرهما.

стр. 3854

وأما اللون الأسود فيأتي من خليط النيلة والكبريت الحديدي ومن العفص وثمرة جوزة الطيب. وأما اللون البنفسجي فإنه يستحضر بإضافة رغوة الدردي إلى النيلة. ويقول ميرانت إن هذه الصناعة ستعرف بعض التحول عندما أدخلت المواد الكيمياوية على تحضير الألوان (١). ثم إن نباتات عديدة اختفت نتيجة الحرائق واستيلاء الفرنسيين على الأراضي وتحويل حقول العفص مثلا إلى حقول زراعية أكثر فائدة، ربما، من صبغة المواد النسيجية. كما اختفى الرقام من الوجود الفني. ومن الصناعات التقليدية التي كانت رائجة المصنوعات الخشبية، رغم أن بعضهم يقول إنها كانت في درجة ثانية من الأهمية. وتحدث عنها ليون الإفريقي (الحسن الوزان) ومرمول، وهايدو. ولكن الأخير قال ان الجزائريين كانوا لا يستعملون الموائد والسفرات، وليس لهم خزائن، بل كانت تكفيهم علبة أو صندوق لحوائجهم. غير أن مؤلفين آخرين أثبتوا عكس ذلك، فقد لاحظوا وجود خزائن الكتب، وخزائن الملابس، والموائد، والأرائك، والمناضد، وحاملات المصاحف. ولهذه الصناعات مراكز كانت معروفة، وهي العاصمة والمدية ووهران وقسنطينة وقالمة والزواوة وأم البواقي (٢). والمصنوعات الخشبية كانت تزخرف بعدة أشكال وألوان. وذكرت بوجيجا أن الزخرفة كانت بواسطة الزهور وفن الأرابسك الذي يرسم على الصناديق والأدراج في أشكال مختلفة. وألوان هذه الرسومات تتألف من الأبيض والأخضر والأصفر وغيرها (٣). ويتصل بهذا الفن - فن الصناعات الخشبية - بعض الأثاث العربي. ويظهر ذلك في الكراسي الموضوعة في المساجد، وأبواب المنازل والمساجد وغيرها، والمناضد المستطيلة، وصناديق حفظ القماش، لكن الزخارف على

стр. 3855

المصنوعات كانت مدهشة، وعليها نقوش ونماذج موزعة بمهارة. ومن هذه الزخارف نجد الكتابة العربية ذات الخطوط الفنية الرائعة. وكان الخطاطون والنقاشون البارعون أمثال سي محمد بن عودة، وسي أحمد أمين البنائين، والسيد السفطي، يضفون على هذه المصنوعات ذوقا وجمالا، مع الطابع المحلي والديني. ولكن هذا الفن تدهور أيضا بل اختفى مع الجهل بفن الخط، ومزاحمة المستوردات الأوروبية من الخشب. ولا بد من ذكر صناعة النحاس أيضا. فقد كانت إحدى الصناعات التقليدية الرائجة. وقد أخبر روزي سنة ١٨٣٣ أن مختلف أنواع الأسلحة كانت تصنع في الجزائر عدا المدافع. وكانت مصانعها موجودة في أمكنة عديدة، منها العاصمة وقصر البخاري والأغواط وبوسعادة. وكانت المادة الخام تستخرج محليا، وتستورد أيضا من المغرب والأندلس (إسبانيا). وهذه المادة كانت تستعمل في أغراض عديدة، منها الأطباق وأحواض الحمام، وأواني الكسكسي، والسكريات والمصابيح (الثريات). وهناك أبواب كاملة من الخشب كانت مغطاة بالنحاس، وقد نقشت عليها نقوش متناسقة، كما حدث في جامع سيدي بومدين في تلمسان وجامعها الكبير. وقد صنعت الثريات في هذه الأماكن من نفس المادة، وحافظت قسنطينة والعاصمة على صناعة النحاس بينما أخذت تنقرض فيما عداهما. ومن أشهر المهرة في هذه الصنعة سي الحاج القصباجي الذي كان يصنع منها المهاريس. وهناك غيره من الفنانين الجيدين. ويذهب بعض النقاد إلى أن معظم الباقين من هؤلاء الفنانين كانوا من أصل سوري. وكانوا يستعملون النماذج السورية التي يعرفوها أو يقلدون نماذج متحفية (١). وقد اشتهرت الجزائر بصناعة السيوف والسكاكين، وبالأدوات المستعملة للفرس كالركاب واللجام. ويذهب ميرانت إلى أن الصناع الجزائريين لم يبلغوا درجة إخوانهم فى المغرب وتونس فى الإتقان.

стр. 3856

وكان الفخار من أنشط الصناعات المحلية. وقد ذكر مارسيه أن مصنعا للفخار والخزف كان قرب العاصمة في عهد الاحتلال. وأقر روزي أنه كان بباب الواد (العاصمة) سنة ١٨٣٠ عدة مصانع للفخاريات. وقد قضى الاحتلال بالهدم وتنفير الصناع من البقاء فاضمحلت هذه الصناعة بالتدرج. بينما يعترف ميرانت، وهو الذي يستنقص تقريبا كل ما ينسب إلى الجزائريين من أعمال جيدة، بأن الفخار الجزائري كان ذا شهرة واسعة قبل الاحتلال. وقد أشار إلى أن الدكتور شو (القرن ١٨) قد أكد على وجود مصانع للفخار والخزف في شرشال وأن الجزائريين كانوا يستعملونه بكثرة. وكذلك يعترف ميرانت أن هذه الصناعة الرائجة والمستعملة بكثرة قد أصابها الكساد بعد الاحتلال نتيجة ظهور الخزف الأوروبي. ولم يسع الجزائريون إلا محاولة تقليد هذا النوع الطارئ عليهم. فلم يبلغوا فيه مبلغ الاتقان، وظل إنتاجهم من النوع العادي. وربما بقي النوع الزواوي محافظا على أصالته بعض الوقت لعزلته عن المدن، غير أن ميرانت يقول أيضا كعادته، إن هذا النوع لم يبلغ درجة عالية من الرقي الفني (١). ويجد المرء في أخبار الأمير، ما كان يفعله لتزيين سروجه وأعلامه وتسويم الجند وغير ذلك مما يحتاج إلى الزخرفة (٢). والخلاصة أن الصناعات التقليدية المذكورة كانت كلها ذات شأن في الجزائر، لها خبراؤها وأمناؤها وطبقتها الاجتماعية. وبعضها كان رائجا في الداخل والخارج، ولكن الاحتلال أوقف مصانعها وشتت أهلها وأفقر من بقي منهم. ونتيجة الاحتلال أيضا حلت الصناعات الأوروبية محل الجزائرية فأدت إلى منافستها في الجودة وفي الأثمان. وبعد هذا التدهور الذي طال أمده، ماذا فعل الفرنسيون؟. ...

стр. 3857

يذهب ميرانت إلى أن التدهور بدأ منذ القرن السادس عشر (بداية العهد العثماني) ربما لكي يبعد كل الوصمة عن الاحتلال الفرنسي الذي يقر ميرانت نفسه أن الصناعات والفنون الجزائرية قد تدهورت خلاله. ولكنه يعزو (الانحطاط) في ذلك إلى تكاثر العمليات العسكرية منذ ١٨٣٠، وهذا أمر لا يحتاج إلى برهان وبحث طويل، فالاحتلال قد فجر المقاومة، واستمر الصراع عقودا طويلة، وقد نتج عن ذلك اقتلاع جذور المجتمع في المدن وبعثرة الحياة القبلية وزعزعة الاستقرار في الوطن كله. ومع اختفاء الطبقة المستهلكة لنتاج الصناعات والفنون اختفت أيضا فئة المختصين في ذلك واضمحلت حرفهم وصناعتهم. ويعترف الفرنسيون أيضا بأن تغييرات أخرى قد حدثت في هذا المجال ضاعفت من تدهور الصناعات والفنون التقليدية. ومن ذلك تحول طرق التجارة عن مجراها السابق، وعزلة الأماكن والمراكز التي اشتهرت بالانتاج عن الأسواق التي كانت تروج فيها بضاعتها، كما افتقدت زبائنها المعتادين. وبالإضافة إلى ذلك فقد تحول الاهتمام عند الناس وتغيير الذوق تدريجيا مع دخول ومنافسة المصنوعات الفرنسية. وهناك ظواهر اجتماعية واقتصادية تشهد على أن المجتمع لم يبق على ما كان عليه. ويسمى الفرنسيون ذلك (تقدما) في الحياة المادية للسكان. والواقع أن المجتمع قد تعرض لهزات عنيفة بسبب حلول آلاف الغرباء (الكولون) مع عاداتهم وتقاليدهم وأذواقهم. ثم بسبب الإفقار والإهمال (اغتصاب الأرض، ومصادرة الأوقاف، والاستيلاء على أملاك الذين شاركوا في المقاومة أو هاجروا، والتجهيل المنظم). ومع امتداد الاستعمار تأثرت حياة البداوة والرعي وأصبحت الأراضي مزروعة، ولكن فيه ملك الغرباء الفرنسيين. وتحول الجزائريون بالتدرج إلى (خماسة) في الأرض التي كانوا يملكونها أو يرعون ماشيتهم عليها. ويذهب ميرانت إلى أن ذلك التحول قد أدى إلى حلول الدار (المنزل) محل الكوخ (القوربي) وحلول الأثاث الأوروبي في المنزل محل الزرابي في الخيمة. لأن اختفاء قطعان الماشية قد أدى إلى اختفاء صناعة الزرابي.

стр. 3858

ولا شك أن تحولات عديدة قد حدثت في الملابس والأثاث والأسلحة حتى خلال العهد العثماني، ولكن ذلك كان بطيئا ولم تفرضه الظروف فرضا كما حدث في أيام الاحتلال. فمنذ ١٨٣٠ غزت البضائع الأوروبية الجزائر فأثرت وبسرعة على الصناعات التقليدية وأفقدتها أصالتها وأسواقها. وقد اختفت شخصية (الرقام) الذي كان يلعب دورا تقليديا حيويا في المحافظة على أصالة الزرابي والسجاد والإشراف على الألوان النباتية المناسبة. وهكذا حلت الألوان المعدنية. وفقدت الصباغة مادتها الأولية. فأشجار البلوط أو الزان (Chene - Kermès) التي كانت تعطي اللون الأحمر جهة القلعة قد تعرضت للحرائق عدة مرات، نتيجة الصراع بين المقاومة والاحتلال. ثم ان حقول نبات الفوة Garance التي كان منها الكثير حول العاصمة قد تعرضت بدورها إلى تغيير أفقدها مهمتها الأولى، لقد أصبحت أيضا في يد الغرباء يستغلونها للزراعة (١). أشرنا إلى أن السيدة لوس كانت قد أسست في العاصمة وباتفاق مع إدارة بوجو، أول ورشة للطرز وتعليم اللغة الفرنسية والحساب لبعض الفتيات الجزائريات. ولوس هذه كانت امرأة مغامرة بدأت حياتها في فرنسا، وتزوجت هناك من السيد اليكس، وأنجبت منه طفلة، ثم هربت منه إلى الجزائر ومارست مختلف الأعمال، وتعلمت اللغة العربية الدارجة، إلى أن شرعت في مشروعها المذكور (٢). وقد ذكرنا أن الهدف المعلن من الورشة هو تعليم الطرز للجزائريات. والظاهر أن الورشة قد أدت مهمتها على غاية ما يرام، لأنها ظلت تتطور وتتسع حتى شاركت لوس في المعارض الدولية بالطرز الجزائري، ومنها معرض لندن سنة ١٨٦٢. وتشهد السيدة روجرز أن

стр. 3859

المطرزات كانت قد تدهورت سنة ١٨٤٥، ولكن بفضل ورشة لوس عادت إلى الازدهار، وكان السواح الإنكليز يشترون المطرزات بأثمان باهظة حتى وصلت القطعة منها إلى ١٥٠ جنيه إسترليني (١). وقد أخرجت ورشة لوس بعض الجزائريات أيضا، ومنهن السيدة نفيسة بنت علي، التي حصلت على (بروفي) أو دبلوم في الطرز سنة ١٨٥٦. ولكنها لم تعمر طويلا بعد ذلك إذ توفيت سنة ١٨٦١. ومن تلميذات المدرسة أيضا السيدة ابن عابن التي تابعت أعمال لويس. ثم ظهرت في عهد جول كامبون (العشرية الأخيرة من القرن الماضي) مدارس عديدة للطرز وغيره من الأشغال اليدوية النسائية، وكان الغرض منها التجارة من جهة والمحافظة على الصناعات التقليدية (الأهلية) من جهة أخرى. وقد أولى شارل جونار في أول هذا القرن هذه الصناعات اهتماما، خاصا فازدادت الورشات وعممت في عدة أماكن. تكونت مدرسة ابن عابن في العاصمة حوالي سنة ١٨٥٠ وأعلنت أيضا أنها مدرسة لتعليم البنات الجزائريات اللغة الفرنسية والحساب، وكذلك الرسم وأشغال الإبرة وإدارة المنزل. ثم في سنة ١٨٨٣ أنشأت السيدة سوسروت في قسنطينة مدرسة لتعليم الطرز ونسج الزرابي، وطبقت فيها الطريقة القديمة في الصباغة كما كانت مستعملة في الأعراش والبادية. وخلال العشرية الأولى من هذا القرن نشأت عدة مدارس للفنون الشعبية والصناعات التقليدية بتشجيع من إدارة جونار كما قلنا. وجرى فيها البحث عن استعادة الأساليب القديمة في الطرز العربي وصباغة الزرابي والسجاد والأغطية، وكذلك أشغال الإبرة. وقد عرفت العاصمة وقسنطينة وبجاية ووهران وتبسة هذا النوع من المدارس والنشاط. وكذلك عرفت

стр. 3860

شرشال والقليعة والمدية وتلمسان وتنس وبسكرة والأغواط وغرداية وعدة مراكز في زواوة، نماذج أيضا من هذه الورشات. ويجب ألا يختلط علينا أمرها بالمدارس الابتدائية أو نحوها، فنحن نتحدث هنا عن الورشات الخاصة بإنتاج المطروزات ونسج الزرابي وأشغال الإبرة، أي هذه الصناعات التي تدخل في إحياء التراث التقليدي من جهة والتجارة به من جهة أخرى. ولا بد من الملاحظة هنا أن جمعية الآباء البيض والأخوات البيض كانوا يقومون أيضا بأعمال موازية في كنائسهم وورشاتهم التابعة للأسقفية. وكانت الورشات قد أنشئت حيث يكثر النشاط الديني التنصيري مثل غرداية وزواوة وبسكرة والشلف. وبذلك أصبح هناك غرض ثالث من هذه الورشات، وهو التنصير بدعوى إحياء الصناعات التقليدية. أما تعليم اللغة الفرنسية (وغسل المخ) والتوجيه الثقافي فهو قدر مشترك بين جميع المدارس والورشات. ومما يذكر أن هناك ورشات للطرز أيضا قد أسستها سيدات إنكليزيات كن يدن بالمذهب البروتيستنتي، في كل من شرشال وضاحية مصطفى باشا بالعاصمة (١). وعشية الحرب العالمية الأولى كانت مدارس الطرز والنسيج التقليدي موجودة في عدة نقاط بالجزائر. من ذلك ورشة العاصمة التي كانت تديرها سنة ١٩١٣ السيدة قيتفيل. وكانت هذه السيدة قد تعلمت فن الصناعات التقليدية بالقيروان. ثم أسست ورشة في وهران، وأخيرا حلت بالعاصمة. وقيل إن مدرستها التي كانت في نواحي القصبة (شارع مرنقو)، قد ازدهرت، وكانت تضم حوالي ١٧٠ تلميذة، وكانت الورشة تضم ست عشرة بنتا يتعلمن بصفة دائمة، أعمارهن بين العاشرة والثالثة عشر. وكانت المدرسة متخصصة في صنع الزرابي والسجاد القديم بالأسلوب الفارسي والقبطي. وكان إنتاجها مطلوبا جدا. وهذا يبرهن، إذا صح، على تحويل الصناعات الوطنية عن

стр. 3861

وجهتها وإدخال تأثيرات أخرى مستوردة عليها. وكانت المدرسة تنتج أيضا المخدات (الوسائد) والمطروزات التركية والجزائرية والمغربية. بالإضافة إلى أشغال الإبرة أو الدنتال. وكانت مدرسة آيت هشام بزواوة (ميشلي) قد فتحت أبوابها عام ١٨٩٠، وحصلت في سنة ١٩٠٠ على جائزة المعرض الدولي في الخياطة والطرز. وفي سنة ١٩١٣ كانت المشرفة على هذه المدرسة هي السيدة بيرين، وكان معها زوجها يساعدها في هذه المهمة. ولا ندري إن كانت لها علاقة بالنشاط الديني التنصيري هناك أيضا. وتضم المدرسة ٣٤ تلميذة. أما مدرسة الشلف (الأصنام) التي كانت تديرها السيدة شوبير فقد كانت تضم سنة ١٩١٣، ١٤٦ تلميذة (١)، وهكذا. في عهد جونار أيضا أنشئ مكتب خاص للرسم وألحق بإدارة مدير التعليم. وكانت مهمة هذا المكتب وضع جرد دقيق ومتواصل للأعمال الفنية الموجودة بالجزائر، ثم إعادة العمل بها حسب الحاجة. وكان على المكتب أيضا غربلة وتنقية وتصحيح هذه الأعمال الفنية، وذلك بالرجوع إلى الأشكال التقليدية - الكلاسيكية - الأصلية، وفي هذا النطاق طلبت إدارة جونار من السلطات الفرنسية في تونس والمغرب (احتلت المغرب سنة ١٩١٢، ولكن النفوذ الفرنسي هناك يرجع إلى عهد سابق) إمدادها بالنماذج من الفن الشرقي أو العربي - البربري لتطويره بالجزائر باعتباره تراثا مشتركا في المنطقة. وبهذه الإجراءات وقع تطوير وتنقيح الزرابي المعروفة بزرابي القرقور، وزرابي القلعة. كما وقع الرجوع إلى الشكل الهندسي الذي كان شائعا في الفن البربري. كما جرى تطوير آخر في الطرز وغيره من الصناعات والفنون. فقد استفيد من تجربة المغرب في الطرز المعروف بالرباطي المشتهر باستعمال الزهور والألوان الزرقاء والخضراء مع البنفسجى الغامق والمذهب. وجرى

стр. 3862

ذلك على الصناعات النحاسية إذ أدمج الأسلوب السوري مع الأسلوب الجزائري، وأصبح هذا الطراز الجديد يعلم في المدارس والورشات، كما ظهر في بعض الإنتاج. ويسمى ميرانت ذلك (نوعا من النهضة) في هذا الفن. وكانت إدارة التعليم هي التي وراء هذا التحديث والرجوع في نظر الفرنسيين، إلى الفن الأهلي الأصيل، وهي نهضة تعتمد البساطة والرشاقة في الرسومات والزخارف التي لا تتناقض أيضا مع تعاليم الإسلام (١). ومن جهة أخرى ساهم استعمال المواد الكيمياوية في الألوان وإنشاء ورشة جديدة للصباغة في إعطاء حيوية للفن المحلي. فبعد الفوضى التي أصابت هذا الفن من اجتهادات المجتهدين الفرنسيين وبعد اختفاء أهله العارفين به، أصابه الاختلاط في الألوان وضياع الهوية الوطنية. ويبدو أن الفرنسيين كانوا يظنون أنهم بمراجعة ميدانية لما أصاب الفن الجزائري ومحاولة تدارك الألوان والصباغات، سيبعثون فيه الحياة. ولذلك رجعوا في الألوان إلى المواد الكيميائية، وأنشأوا ورشة للصباغة عهدوا بها إلى السيد دلاييه Delaye . فبعد صباغة الصوف بالمواد المذكورة تقدم إلى الورشات المستعملة لها. ويذهب ميرانت إلى أن هذه العملية قد جاءت بنتائج طيبة جدا. فقد وقع التجديد في الزخرفة (الديكور) وفي الألوان مما أدخل على الفن البربري - العربي حياة قوية وصلبة (٢). ولكن الذين كتبوا بعد ميرانت لم يكونوا متفائلين مثله. حقيقة أن المحاولات التي ذكرها قد وقعت، كما وقع الربط بين تعليم الفتاة الجزائرية والصناعات المهنية، كالطرز والخياطة وأشغال الإبرة ونحوها. ولكن التجربة قد فشلت فيما يبدو. لقد كان دافع الفرنسيين من إحياء الفن الجزائري الذي تدهور على أيديهم هو الكشف على أن الجزائر كانت بعد استقرار الاحتلال أحسن زبون لهولندا وإيطاليا في المواد الفنية. فكان من أول ما قام به جونار

стр. 3863

هو إنشاء ورشة جديدة للخزف والفخار. وصدرت عن هذه الورشة أنواع من الأباريق ذات الأسلوب البربري والعربي والأندلسي. وبدا وكأن النهضة التي أشار إليها ميرانت أصبحت حقيقة واقعة. غير أن التجربة كانت مؤقتة. فقد ألغيت الورشة بعد جونار. وتقول بوجيجا إن خلفاءه لم يشعروا بضرورة إحياء هذا الفن (١). وقد كان محمد راسم (أمير فن المنمنمات) كما قال أوغسطين بيرك، قد ظهر خلال هذه الفترة، وسندرس حياته بعد قليل (٢). وفي عهد هذه (النهضة) كتب إسماعيل حامد، أحد شهودها من (النخبة)، متحدثا عن الورشات والمدارس التي أنشئت لتعليم الفتيات الجزائريات الفنون التقليدية. وبعد أن ذكر ورشة لوس وابن عابن للطرز العربي، لاحظ أنها قد أهملت الأشكال الأخرى من تلك الفنون. ولاحظ حامد كذلك أن الجهود بعد أن كانت خاصة قام بها أفراد، تدخلت الحكومة وأصبحت هي التي تشجع على إحياء وتأصيل هذه الفنون. وقد أهمل حامد التعرض إلى مدارس وورشات الآباء البيض التي أنشئت لنفس الغرض، ولعله كان يعدها من الجهود الخاصة. ومهما كان الأمر فقد اختيرت مناطق معينة لفتح ورشات رسمية للبنات. وكان الغرض منها تعليم الفتيات الفنون والصناعات التقليدية، كجزء من التكوين المهني ولكن لفائدة السوق الفرنسية والسياحة، أكثر من تعليمهن العلم أو الحصول على وظائف مفيدة لهن. وإليك الإحصاءات التي أوردها إسماعيل حامد عن هذا النوع من التكوين المهني الموجه لإنتاج الفنون التقليدية. في ولاية الجزائر بين ١٩٠٣ - ١٩٠٩: هناك ستة مراكز تضم ٥٢٦ تلميذة في السجاد الشرقي (إيران وتركيا) والزرابي الإفريقية - الجزائرية، من نوع زرابي القلعة، ثم الطرز العربي والنسيج البربري.

стр. 3864

وفي ولاية قسنطينة بين ١٨٩٣ - ١٩١٠، أحدثت سبعة مراكز، وكانت تضم ٥٣٩ تلميذة متخصصة في النسيج البربري والطرز العنابي والدنتال أو أشغال الإبرة، وكذلك الزرابي المتنوعة، وأنواع المرصعات. أما في ولاية وهران بين ١٩٠٦ - ١٩١٠ فهناك أيضا سبعة مراكز، وتضم ٦٧٤ متخصصة في الطرز المغربي - الزرابي الرباطية - وكذلك إنتاج جبل عمور. ومن النقد الذي وجهه حامد لهذه التجربة أنها كانت في بداية الطريق، وهو يقصد المقارنة بين عدد البنات وعدد البنين في التعليم. والنقد الآخر هو ازدحام الأقسام الخاصة بهذا التكوين. ففي وهران مثلا كانت ٢٤٢ بنتا تحت إشراف أربع معلمات فقط. وفي مستغانم وعنابة ١٥٦ تلميذة تشرف عليهن ثلاث معلمات. أما الخريجات من هذه المدارس والورشات فليس أمامهن باب لمواصلة دراستهن، وبذلك كن ينسين ما تعلمنه بسرعة (١). ... ومن أشهر ما تميز به الفن الجزائري هو صناعة التجليد أو التسفير. فقد كانت هذه الصناعة شائعة ومتقنة في العهد العثماني. وكانت لها نقابة واختصاصيون مهرة. ولم تكن الكتب المطبوعة قد عرفت طريقها إلى الجزائر، فكان حفظ المخطوطات عن طريق إتقان فن التجليد. ولهم في ذلك ذوق رفيع في اختيار الألوان والتذهيب وأنواع الجلد. ولم يكن كل من يملك المخطوطات قادرا على تجليدها لأن ذلك يتطلب ثروة خاصة. وكان تجليد الكتب جزءا من الصناعة الجلدية عامة. وكان التجليد من الحرف التي تورث أبا عن جد. وقد عرفنا من دراستنا للعهد العثماني أن ابن حمادوش كان من المجلدين أو المسفرين، وكان يعيش، كما قال، من هذه الصنعة. ومن الأسف أنه لم يترك لنا وصفا

стр. 3865

لها ولا لأدواته. وتذهب ماري بوجيجا إلى أن هذا الفن أوشك على الانقراض في العهد الاستعماري. وتأسفت أن هذا (الفن الجميل) قد اختفى تقريبا، وذكرت أنه على عهدها (سنة ١٩٢٣) كان الشيخ محمد سفطة (١) - وهو اسم مرتبط أيضا بألوان الموسيقى والألحان - هو الوحيد الذي ما يزال يمارس هذه الصنعة، وذكرت أن هناك أعمالا أخرى شبيهة بها وأصحابها لهم نقابة خاصة بهم. كان التجليد يقوم على على التزاوج بين الألوان، فهناك اللون الذهبي الممزوج بالبرتقالي واللون البنفسجي الممزوج بالزمرد. وقد اعترفت بوجيجا أنه نتيجة الاحتلال قد اختفى هذا الفن أو كاد. فقد تغير الذوق بالتدرج، وأصبحت خيالات الفنانين، في نظرها ضحلة. وهي لم تقل لماذا وقع ذلك، ولكنه واضح أن الحياة الاجتماعية قد انقلبت بعد الاحتلال، فالجمهور الذي كان يتذوق التجليد بالألوان المذكورة ويدفع في مقابل ذلك المال، قد تراجع واختفى بدوره. وقد هدمت المحلات الخاصة بالصناعات التقليدية، ومنها التجليد والوراقة، لأنها كانت تقع قرب المساجد وفي البازارات والأسواق الشعبية. ومن جهة أخرى لم يعد الفنان يجد الأدوات التي تعود عليها. فقد حلت المطبعة محل النساخ، كما حل جمهور أوروبي لا يتذوق فنه، ونهبت نماذج عديدة من مصنوعاته. وتقول بوجيجا إن الفن الفرنسي - ذوق لويس ١٤ و ١٦ قد أثر على الفن العصري الجزائري فجعله يفقد أصالته (٢). ومن أواخر من ذكرتهم المصادر في هذا الفن هو الشاعر محمد العلمي. وكان من مواليد المغرب، ثم جاء الجزائر وتتلمذ على الشيخ

стр. 3866

المولود الزريبي، وفتح محلا لتجليد الكتب في العاصمة. وقال عن نفسه (فأنا في هذا قد سددت فراغا وقمت بمهم) (١). وكان المغرب متقدما في هذه الصنعة، فلعل محمد العلمي قد نقلها إلى الجزائر وأضاف إليها الطابع المحلي. ومن ملاحظته نعرف أنه قام بسد فراغ في هذا الباب، وهو يعني تجليد الكتب وزخرفتها ربما بالحروف والزخارف العربية التي أضرت بها صناعة التجليد بالحروف اللاتينية. الجزائر والشرق عند الفنانين الفرنسيين يرجع اهتمام المستشرقين الفرنسيين عموما بالشرق والجزائر إلى ما قبل سنة ١٨٣٠ بعقود. ولكن الحملة الفرنسية هي التي فتحت لهم أبواب الشرق على مصراعيه، فرافقها بعضهم ولحق آخرون في أعقابها. ومن هؤلاء وأولئك بعض الفنانين البارزين أمثال دي لاكروا وهوراس فيرنيه. ثم تلاحقت زيارات الفنانين وإقامتهم بالجزائر و (اكتشافهم) لأسرار وعطور الشرق فيها إلى أن أنشئت (فيلا عبد اللطيف) التي أصبحت في أول هذا القرن مدرسة يتكون فيها الفنانون الفرنسيون الموهوبون، وخصصت لهم المنح والجوائز. فمهمة هذه الفقرة إذن هي تتبع تطور الاستشراق الفرنسي في النواحي الفنية بالجزائر (٢). تصادفت الحملة الفرنسية على الجزائر مع عنفوان الحركة الرومانتيكية في أوروبا وفرنسا بالخصوص. وكان الرومانتيكيون يبحثون عن المجهول وعن البداية وعن كل ما هو غريب، هروبا من المجتمع الواقعي - الكلاسيكي الذي رأوا فيه الجحيم بعينه. هرب بعضهم إلى البحيرات والجزر النائية، والتجأ آخرون إلى الخيالات البعيدة، واستعمل بعضهم الخريف والحزن والقتامة شعارا لهم في الحياة. وكان سحر الشرق يأخذ بألبابهم ويتصورون فيه الجنة المفقودة. على أن بعض الرومانتيكيين رأوا في المغامرات العسكرية

стр. 3867

والروح القومية مجالا لخيالهم الخصب، فكانت الحملة على الجزائر بالنسبة لهذا الفريق فرصة ذهبية لتحقيق أحلامهم وأمجادهم. وللتعبير عما يجيش في نفوسهم لجأ الرومانتيكيون إلى الشعر والرسم والمسرحيات. وهكذا أنتج الفنانون الفرنسيون بعد أن تأثروا بحياة الجزائر الجديدة أعمالا في غاية الروعة الفنية ما تزال محل إعجاب المعجبين. أننا لا نريد أن ندرس الفن الفرنسي في الجزائر، ولا حياة الفنانين الفرنسيين لذاتها، ولكن هدفنا من عقد هذه الفقرة هو متابعة مدى تأثير الجزائر (الشرقية) على حياة الفنانين الفرنسيين الذين اتصلوا بها، ثم مدى تأثر الفنانين الجزائريين بهذه المدرسة الفرنسية والتفاعل الذي حصل بين الطرفين في مجال الفن. ولا بد من تحديد بعض المصطلحات الأخرى. إن المقصود بالجزائر (الشرقية) هو ما تصوره أولئك الفنانون من حياة البربر والعرب والمسلمين القاطنين في الضفة الأخرى للمتوسط، تلك الحياة المتصلة بالعالم الإسلامي والعربي والإفريقي. ففي رواسب الذاكرة الفرنسية أن هؤلاء القوم هم الذين عاشوا ألف ليلة وليلة، وهم الذين أنجبوا هارون الرشيد، ونقلوا حضارة الهند وفارس، ووصلت حضارتهم هذه إلى الأندلس وجنوب فرنسا وإيطاليا. وإن صلاح الدين منهم، وهو الذي استرجع القدس وما حولها وهزم الصليبيين. وأخيرا فقد كان في رواسب الذاكرة الفرنسية أن القراصنة كانوا أحفاد هارون الرشيد وصلاح الدين، وربما أحفاد حنيبعل أيضا. وقد ساعد دعم البابوية للحملة الفرنسية على إعطاء الطابع الصليبي لها. وكانت تصريحات المسؤولين على الحملة تزيد هذا الشعور إذكاء، فهي تتحدث عن (استرجاع) الكنيسة القديمة في الجزائر، وكانت تتخذ من القضاء على القرصنة حجة لدعم تجار مرسيليا وبرجوازية باريس لها. فكان الفنانون نتاج هذه الظروف كلها. فتحت الجزائر أمام الفنانين الفرنسيين أبواب المغامرة والأحلام. فالمدن فتحت لهم الشهية في الاطلاع على أسرار القصبة ذات الأسوار العالية، وما تحويه من حريم وخصيان، ومؤامرات وشهوات، وحب للمال

стр. 3868

والجمال. وفي أذهانهم أن البازارات تلمع بالجواهر وتفوح منها روائح الهند وسمرقند، وتتدلى منها المطروزات الحريرية ذات الألوان الباهرة والغريبة. والريف كان يفاجئهم بالإنسان البدوي الذي يعبر عن البراءة المتوحشة، وهو الإنسان النموذجي الذي كان يبحث عنه الرومانتيكيون، وهو يعني عندهم إنسان الفطرة الصافية (١). والطبيعة ملأت أنظارهم بالزرقة الفاتنة - زرقة السماء والبحر، والضوء الغامر، ضوء الشمس الإفريقية. فالمدن والأرياف، والإنسان والشمس والبحر ومفارقات الساحل والصحراء وتناقضات الشرق والغرب، كلها أعطت للفنانين رؤية جديدة للحياة، وقد عبروا عنها في لوحاتهم ومؤلفاتهم وتماثيلهم وقصصهم وأشعارهم. ومنذ ١٨٣٠ انطلقت تجارة السياحة والسفر إلى الجزائر على قدم وساق. وكان وراءها (أدلاء) السفر، تلك الكتيبات التي تضم وصفا مغريا للبلاد وأهلها ولغتها وعاداتها وتقاليدها، وتنظيم الزيارات فيها ووسائل الإقامة وأثمانها، وقد ضاعفت مع الأيام واستقرار الإدارة العسكرية والسيطرة على المدن. وكانت الصحف توالي نشر أخبار الجزائر وأوصافها، وكانت الحكومة الفرنسية نفسها تشجع الفنانين والأدباء على زيارة الجزائر والكتابة عنها ليعرف الرأي العام الفرنسي والأوروبي عنها، ويوجه المهاجرون إليها بدل أمريكا وأستراليا. وهكذا جاء دي لاكروا، وفيرنيه، وفرومنتان، وثيوفيل غوتييه، وألفونس أوديه، والاخوان غونكور، والإسكندر دوماس، وشاصيرو، وآخرون (٢). وهناك فنانون جاؤوا الجزائر زائرين فقط، وهناك

стр. 3869

من اتخذها مقاما، بل إن هناك من ولد فيها مثل ليموز، وأتلان، وأندري مارك، وكلو. وقد قال الشاعر ثيوفيل غوتييه ان السفر إلى الجزائر أصبح بالنسبة للمصورين أكثر أهمية من الحج إلى إيطاليا. فكانت الأسفار والزيارات لا تنقطع نحو الجزائر. وقبل أن نذكر بعض الفنانين وما تميز به كل واحد منهم، نذكر بعض الموضوعات التي أوحت بها الجزائر إلى الفنانين الفرنسيين. لقد مثل الفنانون بالدرجة الأولى الروح الاستعمارية، فكانت الغلبة في إنتاجهم دائما للجيش الفرنسي والهزيمة على الجزائريين. وهكذا كان موضوع الغالب والمغلوب أو المستعمر والمستعمر رئيسيا في أعمالهم. ويظهر ذلك في معركة قسنطينة لفيرنيه، والاستيلاء على الزمالة حيث ظهرت المرأة الجزائرية باللباس الشفاف راكبة ظهر جمل وعليها سيماء الهزيمة والعار. وقد دخل الفنانون الأماكن المحرمة على أمثالهم من قبل، فأظهروا في فنهم أنهم دخلوا الحريم، والمساجد، والحمامات، وذهب البعض إلى أنهم قد اتخذوا من المرأة اليهودية نموذجا، وأجبروا بعض النساء المسلمات على التوقف أثناء المشي وصوروهن. ومن المشكوك فيه أنهم دخلوا الحمام النسائي. أما المساجد فقد استباحها الفرنسيون بالدخول والهدم ونحوهما. كما أن الصور التي تركها الفنانون عن الجزائريين تمثل طابع العنف والوحشية في الغالب. وهكذا فسيوف الجزائريين كانت مضرجة بالدم، مع رسم الهيكل العظمي خلف الصور، وكانت صورة فرنسا الحضارة هي الماثلة دائما. وكثير من الفنانين اتخذوا موضوع الحيوانات في صورهم، فنجد منها: الغزال والأسد والحصان والجمل والكلب والحمار والطيور على اختلاف أشكالها. وهم يظهرون أحيانا الألفة بين الإنسان والحيوان. ومن الموضوعات التي استأثرت باهتمامهم أيضا الثروة الطائلة عند بعض الأعيان،

стр. 3870

وكان الفنان يظهرهم باللباس الفخم والجواهر، والأسلحة المحلاة بالذهب والفضة، وصناديق النقود، والقصور الفاخرة. كما أن الفنان يرسم المسألة الطبقية في المجتمع بإعطاء الأولوية للأشخاص: ففي الصورة يظهر السيد والمرأة الوصيفة والخصي على الترتيب (١). دي لاكروا: كان من أوائل الفنانين الذين زاروا الجزائر بعد الحملة مباشرة. وقد قال بعضهم إنه لم يبق سوى ثلاثة أيام، وقال آخر بل هي عشرة أيام (سنة ١٨٣٢). ومع ذلك فقد ترك أثرا فنيا خالدا، وهو لوحته الشهيرة عن (نساء الجزائر). وادعى أنه رأى حريما أو دارا من الداخل المحرم على أمثاله، فصور المنظر الذي قد يكون في أحد المنازل اليهودية، لأنه وصف أيضا بعض الأعراس اليهودية. وقد عرضت لوحته سنة ١٨٣٤ واعتبرت أروع ما أنتج الفن الفرنسي، فقد قيل أنه لأول مرة يقدم فيها الفنان المنظر الشرقي من وثائق محددة وطبقا لمواصفات دقيقة. وقد رسم دي لاكروا لوحة أخرى لمرسى الجزائر، وهي تعتبر لوحة واقعية. وامتاز دي لاكروا بتمثل الطبيعة والقدرة على تفسيرها. وكان من الفنانين الرومانتيكيين، وقد اكتشف في دعواه روما والرومان من خلال المغرب العربي (شمال أفريقية)، فكان معجبا بالقديم شأن معظم أهل هذه الحركة، وهم يعنون بالقديم العهدين الإغريقي والروماني. والمعروف أن دي لاكروا كان أيضا عضوا في البعثة الدبلوماسية للمغرب (مراكش) (٢). هوراس فيرنيه الذي يسميه البعض (العسكري المصور)، قد زار الجزائر مبعوثا من الحكومة لتصوير معركة قسنطينة الثانية التي انتصر فيها الجيش الفرنسي، والمعروف أن المعركة الأولى (١٨٣٦) قد انهزم فيها هذا

стр. 3871

الجيش وعاد أدراجه منتظرا الفرصة للعام التالي (١٨٣٧). وقيل إن فيرنيه قد أصبح من الكولون (مستعمر) في منطقة متيجة حيث سكن مدينة بوفاريك، وأصبح يرسم معارك لم يحضرها أبدا، وإنما يرسمها من الخيال والحكايات، وربما من وصف الجرائد. وكان بيته هو (حوش ابن قبة) الذي أصبح مرسمه بعد أن طرد صاحبه منه. وكان فيرنيه يرتاد خمارة (كابريه) في بوفاريك ويدفع ثمن ما يشربه برسم اللوحات (١). وقد زار فيرنيه الجزائر أكثر من مرة. ومن لوحاته الشهيرة المناظر العسكرية، وتوجد منها بالخصوص نماذج في قصر فرساي. وكان يظهر فيها غلبة الجندي الفرنسي على المقاوم الجزائري. ومناظره كانت تمثل المدرسة الرومانتيكية ونفوذ الاستشراق في الجزائر والتأثر بألوان الطبيعة وضوئها. وفيها يظهر أيضا الملمح الإسلامي - المسيحي (٢). ومن أشهر الفنانين الذين بقوا في قسنطينة عدة أسابيع (سنة ١٨٤٦) فريدريك شاصيريو، بدعوة من الخليفة علي بن أحمد (حامد)، أحد أعيان قسنطينة. وقد رسم له لوحة رائعة حسب نقاد هذا الفن، وتجول في الجزائر بعض الوقت (٣)، وقد كان يسير على هدى مدرسة دي لاكروا، ومن لوحاته (الراقصات بالمناديل)، وله أخرى بعنوان (الخروج من الحمام) و (دخول الحريم). فموضوعاته ذات صلة بالمرأة والحياة الداخلية (المحرمة). وشاصيريو ولد في سان دومينيك، لأحد الدبلوماسيين الفرنسيين، وقد بدأ اهتمامه بالرسم مبكرا، بينما كان في العاشرة من عمره. ونال جوائز على لوحاته الدينية، وتأثر بدي لاكروا واستعار منه. وتشمل أعماله واحدا وتسعين رسما. واستعمل فيها الألوان المختلفة وبعضها مجرد رسومات خفيفة. أما أعماله الجادة فهي المتصلة بالاستشراق، مثل الاهتمام بالأسواق

стр. 3872

والفرسان والنساء والشخصية العربية والراقصات والمعارك والوصيفات ... فهي كلها من وحي الشرق في نظره. والرسم الذي وضعه للخليفة علي بن أحمد اعتبره النقاد أول رسم أدخل شاصيريو لصالون الفن. ويمثل الرسم الخليفة على صهوة جواده وسرجه وركابه، ولحيته الكثة وملابسه الوطنية. وتظهر مدينة قسنطينة خلفه بصوامعها. والغريب أن الصورة قد رسمها شاصيريو في باريس قبل سفره إلى قسنطينة، فهي صورة من الخيال لا من الواقع، ومع ذلك فقد علق النقاد على الصورة بأنها مشابهة جدار لأصل، سيما رسم العيون التي تؤثر على نساء باريس. ولا ندري من أين لشاصيريو الوصف الواقعي الذي بنى عليه وصفه الخيالي للخليفة المذكور، وهل عدل من الصورة بعد أن رأى الخليفة عيانا؟. وقد قيل إن أعمال شاصيريو تمثل إيديولوجية المستعمر الغالب، فهي تمثل الوطن الفرنسي، والتجارة، والاستعمار. ولها عناوين غريبة تعبر عن ذلك (مثل العرب يحملون موتاهم) بعد هزيمتهم سنة ١٨٥٦. وبقي هذا الرسم يدغدغ العواطف الاستعمارية في المعارض التي تقام من وقت لآخر مثل المعرض الاستعماري لمرسيليا سنة ١٩٠٦. كما رسم شاصيريو (الغالبون يدافعون عن أنفسهم) سنة ١٨٥٥. وقد قلنا إن أبرز موضوعاته أيضا. هي المرأة في مظهرها المضطهد، مثل الاغتصاب، والقيود، والاغتيال (١). وسيبقى موضوع المرأة هو المفضل لعدد آخر من الفنانين حتى عند ناصرالدين ديني، ولكن برؤية مختلفة. ولد يوجين فرومنتان في لا روشيل، وهو ابن لطبيب في الأمراض العقلية. درس القانون دون رغبة منه، ثم اختار دراسة الفن. وزيارته للجزائر كانت هروبا من سيطرة والده عليه. كان منذ الطفولة مولعا بالرسم والنثر. سافر إلى الجزائر سنة ١٨٤٦ مرافقا لصديق فنان اسمه شارل لابي، وكان هذا رساما، ومستشرقا، وكان لابى ذاهبا لزيارة أخت له متزوجة فى البليدة.

стр. 3873

وابتداء من سنة ١٨٤٧ بدأ فرومنتان يرسل إلى صالون الفن الذي كان في متحف اللوفر برسوماته. وكان مولعا برسم صور الفلاح الجزائري على حماره وطبيعته، أو صورة القافلة العربية وهي تمزق الأفق بلونها الأسود، مع تصويره للملابس القديمة وعلامات الفقر والضعف والهزيمة. في السنة المذكورة (٧ ١٨٤) أرسل فرومنتان إلى الصالون ثلاث لوحات، ثم توالت لوحاته، وأخذ النقاد يستحسنون أعماله. وحصل له أكبر نجاح سنة ١٨٥٩ حين حصل على ميدالية واستدعاء لمقابلة نابليون الثالث. اهتم فرومنتان أكثر من شاصيريو بالحياة الجزائرية الواقعية، كان دقيقا في ملاحظاته. وقد عبر عنها بالرسم والكتابة. فمن كتبه (صيف في الصحراء) الذي ظهر سنة ١٨٥٤ و (سنة في الساحل) الذي ظهر سنة ١٨٥٧. لم يكن فرومنتان متعجلا في وصفه للناس والأماكن التي زارها، كان ناضجا في ملاحظاته ويتتبع كل التفاصيل. وكان يتجول على هواه، ويظهر اندماجه في الحياة في الأماكن التي يصفها. وقد عاب على من سبقه اهتمامهم بالسطحي فقط دون العمق، والمظهر دون الجوهر. فالحياة العربية عنده مجبولة على الجدية والصرامة والهدوء والحزن. وقد عرف هو كيف يفسر، حسب النقاد، قوة الضوء في الجنوب. أما في رسوماته فقد اهتم بالأفق، وعناصر فنه هي: الخيل، والأشجار، والإنسان العربي، والسماء (الأفق). غير أن الروح الاستعمارية كانت واضحة عنده. فالجزائر كانت عنده مجرد موضوع جميل، ريفها وصحراؤها وسماؤها، ولذلك فهي موضوع للامتلاك والاستغلال وإذن فهي عنده فريسة يجب قنصها، وقطعة من الشرق يجب فرنستها (١). ومن لوحاته: جمل وجمال، والصيد بالصقور، وقطاع الطرق، وعرب هاجمهم أسد في مضيق. وبعد هؤلاء حل بالجزائر عدد آخر أو جيل آخر من الفنانين، ولكنهم ظلوا مبهورين بها، ويعتقدون أنهم كانوا (يكتشفونها). ومن هؤلاء غيوميه

стр. 3874

Guillaumet الذي قام بتسع رحلات إلى الجزائر بين ١٨٦٢ و ١٨٨٣. وقد (اكتشف لا برسوماته بوسعادة وبسكرة وزواوة والأغواط. وولع أيضا برسم المرأة، والنقاد يعتبرونه الفنان الأول الذي اهتم حياة الأكواخ (القربيات) ورسم حياة البداوة، بعيدا عن الحضارة الغربية الزاحفة. لقد رسم غيوميه حياة منطقة السهوب ونساء واحاتها وجبالها. ومن لوحاته: سوق عربي في الجزائر. وهناك ألبير لوبورغ، ورونوار، ونواريه، كان الأول على رأس مدرسة الانطباعيين وقضى في الجزائر خمس سنوات. ومن لوحاته رسم الاميرالية. ومن لوحات رونوار: المرأة الجزائرية وهي تصطاد بالصقر. وتخصص نواريه في رسومات الجنوب، واهتم بمنظر الشروق والغروب. كما أن بونيول رسم مناظر زواوة، ورسم بول إيلي دوبوا منطقة الهقار الأزرق. وهناك بازيي Bazille الذي زار الجزائر سنة ١٨٧٠ ورسم لوحات عن الزنجية والمسجد والمرأة أمام المنضدة، وكان بازيي عسكر، في فرقة (الزواف) (١). ومن لوحات دودنك: موسيقيون عرب، ومن لوحات ديكومب: مدرسة تركية (في الجزائر)، وهي موجودة في متحف شانتييه. ... أنشأ الفرنسيون مدرسة الفنون الجميلة ثم فتحوا فيلا عبد اللطيف أمام الفنانين الفرنسيين. أما المدرسة فقد دشنوها سنة ١٨٨١ في مدينة الجزائر. وبقيت حوالي سبعين سنة تعمل لتكوين الفنانين وإقامة المعارض ورعاية الفنون خدمة لفرنسا الممتدة وراء البحار. ولم ينل الجزائريون منها إلا النزر اليسير من الاهتمام في أوقات متأخرة. وفي سنة ١٩٥٤ أعيد بناء هذه المدرسة على طراز أكثر ملاءمة مع رسالتها وموقعها في بلاد عربية -

стр. 3875

إسلامية. وهي ما تزال اليوم حيث كانت بالأمس بعد أن آلت إلى أهل البلاد (١). في إحدى الدراسات الحديثة عن تطور فن الرسم في الجزائر على العهد الفرنسي، ذكر أحد الباحثين أن هناك ثلاث مراحل لعلاقة الفنان الفرنسي بالجزائر: المرحلة الأولى سماها مرحلة الإنتاج الشرقي (الاستشراقي؟) التصويري المرتبط برؤية الاستشراق الفرنسي للأشياء الاستعمارية، وبأبعاد الحركة الرومانتيكية والحركة الفكرية الأوروبية على العموم. وكان النحت والتصوير من سمات هذا العهد الاستشراقي للفن، وسارا جنبا إلى جنب عند دي لاكروا وفرومنتان وغيرهما. وكان التركيز خلال هذه المرحلة على الحريم واللذة والخيال الشرقي والأزقة الضيقة (القصبة) وكذلك النخيل والحيوانات، والرقص الشعبي والأحلام. والمرحلة الثانية تمثل تدخل السلطات الرسمية في الفنون واحتضانها الفنانين الفرنسيين. ويسمى الباحث هذه المرحلة بترسيخ الفن أو ترسيمه (جعله في يد السلطة). ويتمثل ذلك في وضع فيلا عبد اللطيف (١٩٠٧) تحت تصرف الفنانين الموهوبين والممنوحين والمتفرغين لمدة سنتين لإنتاجهم الفني بكل حرية. وقد تبنى فنانو هذه (المدرسة) أفكار الاستعمار وسماته، وذوقه في الفنون والآداب، كما تبنى - حسب الكاتب - مبادئ الرأسمالية (٢). أما المرحلة الثالثة فهي عند الباحث مرحلة ظهور الفنانين المستقلين عن دعم السلطة، وقد تبنوا الموضوعات الإنسانية والديوقراطية. وفي رأيه

стр. 3876

أن الحركة الوطنية الجزائرية قد دعمت هذا الاتجاه، ولكن ما العلاقة بين الفنان الفرنسي والحركة الوطنية؟ ومن جهة أخرى خلط الكاتب بين الحركة الوطنية والحزب الشيوعي الجزائري، منذ ١٩٤٥. ونحن لا نريد أن نناقش هذه النقطة سياسيا هنا، وإنما نكتفي بالناحية الفنية، وتطور فن الرسم بالذات في الجزائر (١). فيلا عبد اللطيف وأما فيلا عبد اللطيف فقد أصبحت ورشة لفن الرسم والنحت والنقش والتصوير منذ فاتح هذا القرن. وكانت تستقبل الفنانين الفرنسيين المبعوثين من فرنسا مدة سنتين لكل منهم. وقد أصبحت مدرسة فنية في حد ذاتها تمثل الفن الجزائري بأزاميل وأذواق فرنسية. ويبدو أن الفنانين الجزائريين لم يدخلوا هذه الفيلا التي هي لهم بالأصالة، ولم يتمتعوا بالمنح التي تمتع بها الفنانون الفرنسيون طيلة نصف قرن. فيلا عبد اللطيف تنسب، كما هو واضح من الإسم، إلى عالة عبد اللطيف التي اشتهرت في القرن الثامن عشر بالثروة والجاه والسياسة والأدب. وكان من هذه العائلة وزراء وقضاة. وقد خلدها الشاعر أحمد بن عمار في قطعة نثرية نادرية وقصيدة فريدة نشرناها في المجموعة الشعرية التي صدرت منذ سنوات (٢). وبناء على وصف ابن عمار فإن الفيلا (القصر) كانت غارقة في الإخضرا الزمردي، وكانت آية في الجمال والرونق. وقد استقبلت ضيوفها من الأدباء والسياسيين حيث قضوا سهرة من سهرات القصور البغدادية والأندلسية.

стр. 3877

وهذه هي عبارة ابن عمار النثرية في وصف فيلا عبد اللطيف: (فاحتللنا قصرا، وما أدراك من قصر، تقابل الواصف أوصافه بالحبس والقصر، وتعبث محاسنه بالزهراء والزاهرة، وتشرف شرفاته على النجوم الزاهرة، وتزهو بدائعه على الزاهي والدمشق، وتلهو مقصوراته بقصور العراق ودمشق، ما شئت من انفساح عرصات، وارتفاع آرائك ومنصات، ودسوت كأنها البدور بهالاتها محفوفة، وزرابي مبثوثة ونمارق مصفوفة، وفرش مرفوعة، وأكواب موضوعة، وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، قطعنا به ليلتنا حتى الصباح ...) (١). كان الفنانون الفرنسيون يأتون إلى الجزائر بطريقة حرة منذ الاحتلال، كما لاحظنا، وكان بعضهم يأتي أيضا في مهمات حكومية، وتلك هي المرحلة الأولى من التأثر والتأثير على الفن الفرنسي - الاستشراقي (انظر لاحقا). وأما المرحلة الثانية فهي التي تمثلها مدرسة (فيلا) عبد اللطيف في أول هذا القرن. بدأت الفكرة عندما أصبح شارل جونار حاكما عاما للجزائر حوالي ١٩٠٣. وكان قد جاء ليطبق نظريته السياسية التي طالما نادى بها عندما كان في البرلمان واللجان الرسمية، وهي أنه يجب أن تظل الجزائر فرنسية ولكن تحافظ على شخصيتها التقليدية. وقد طبق جونار نظريته هذه بعد أن أصبح حاكما، في مختلف المجالات، ومنها مجال الفنون. ففي ١٩٠٦ كتب الناقد الفني، أرسن الإسكندر، مقالة في جريدة (الأخبار) حول (الفنون والصناعات الفنية في الجزائر) وصف فيها موقع فيلا عبد اللطيف في حديقة التجارب (الحامة اليوم). وقال إنها قصر فخم ولكنه آيل إلى السقوط. ورغم حالته فهو تحفة رائعة، ولو جعل القصر مقرا للفنانين لأسهم في دفع الحياة الفنية، سيما ما يقدمه لهم من تنوعات الطبيعة كالشمس والمناظر الخلابة، وروعة البحر القريب منه، ثم إن إمكانات القصر نفسه كبيرة،

стр. 3878

فمن سقفه وأعمدته وساحته المزخرفة بالقاشاني يمكن أن يوحي للفنانين برسومات وإبداعات نادرة. والقصر تحيط به الحدائق الغناء والخضراء في لون الزمرد (١). وبعد ذلك تلقى جونار تقريرا عن الفيلا وإمكاناتها الفنية. وقد تبنى جونار الفكرة سنة ١٩٠٧ ودعا الموهوبين الناشئين في الحركة الفنية بباريس ليحلوا بالجزائر ويعيشوا فيها الحياة العربية، ويستفيدوا من أجوائها وطبيعتها. وقد زارها مدير متحف لوكسمبورغ. واتفق الرأي على تنفيذ المشروع وهو إيواء فنانين إثنين كل سنة بعد المشاركة في مسابقة في فرنسا، على أن تكون رحلتهم وإقامتهم على نفقة الدولة، وأن يكونوا أحرارا فيها مدى السنتين غير ملزمين بأداء أية خدمة. وكانت لجنة الامتحان تتألف من هواة وفنانين محترفين ومن محافظي المتاحف. وكانت تجتمع كل سنة لاختيار اثنين من المترشحين. وكان الفائزون يجدون أنفسهم محظوظين. فبالإضافة إلى المنحة والسفر والحرية الكاملة، كانوا يتمتعون بجو عربي (شرقي) يجمع بين الأصالة والمعاصرة. فالفيلا بنيت على الطراز الأندلسي. والمحيط ينبض بالحياة الجزائرية المعاصرة سواء في الريف أو المدينة. وهكذا يجد الفنان نفسه غريبا في بلاد (أخرى) رغم أنه فرنسي في مستعمرة (فرنسية). وبدراستنا لحياة الفانين نجد أن بعضهم قد رجع إلى بلاده بينما اختار آخرون البقاء في الجزائر، حتى أن أحدهم، وهو نواريه Noiret كان يلقب (بالفنان الجزائري). وقد تداول على فيلا عبد اللطيف عدد من الفنانين واكتسبوا شهرة بحكم إنتاجهم الإبداعي والغريب على الذوق الفرنسي، وشاركوا في المعارض الفنية، وبيعت لوحاتهم بأثمان عالية. ومن لوحات نواريه: ولادة في الصحراء، وأغنية الناي، وياسمين الساحل، وغير ذلك من المناظر المستوحاة من الطبيعة الجزائرية. وقد حصل على جائزة على لوحته (خليج

стр. 3879

الجزائر). ولا شك أنه كان يراه بكل وضوح من فيلا عبد اللطيف نفسه. وقد اكتشف كوفي Cauvy الحيوية في المناظر الجزائرية، بينما مال كاريه Carre إلى الأناقة وتفاصيل الطبيعة. ومن الفنانين الذين ولعوا بالتصوير وتخرجوا من فيلا عبد اللطيف شارل دو فريسن Duferesne المتوفى سنة ١٩٣٤. فقد أقام سنتي ١٩١٠ - ١٩١١ واكتشف موهبته في هذا القصر (الفيلا) وتميز بأسلوبه الغنائي. وحصل ديبوا Dubois على جائزة سنة ١٩٢٧، ومن لوحاته (امرأة من الهقار) التي وضعت في متحف الجزائر. وهناك جان لونوا Lounois الذي ورد على فيلا عبد اللطيف عام ١٩٢٠ ومات في وهران سنة ١٩٤٢، وله لوحة (الشرقيات) و (نساء من الجزائر). وقائمة هؤلاء الفنانين المصورين طويلة (١). أما من النحاتين فنذكر جوزج بيقي Peguet الذي نحت تمثال (عربي يتوضأ)، وقد حصل على الجائزة الكبرى سنة ١٩٢٤، ثم النحات بينو Penau الذي نحت (عربي يصلي). وكلا التمثالين وضع في متحف الجزائر عندئذ (٢). وقد استمرت الفيلا في مهمتها حتى بعد جونار، وهي من المشاريع النادرة، لأن معظم ما دشنه انتهى بعده. وربما استمرت الفيلا في مهمتها لأنها غير موجهة إلى الجزائريين. فالفنانون الفرنسيون هم المستفيدون، ومن ثمة الفن الفرنسي بالطبع. وقد بقيت شروط الاستقبال والإقامة على ما كانت عليه تقريبا. ويذكر السيد ألازار الذي تولى إدارة الفيلا فترة، أن اسمها قد تغير إلى (فيلا مديشي الجزائرية). فأنت ترى أن الفرنسيين أرادوا طمس اسمها العربي. ولاحظ أن فيلا دي مديشي كانت لها إدارة بينما فيلا عبد اللطيف ليس لها إدارة، وذلك جزء من أصالتها، ذلك أن قاطنها لا

стр. 3880

يخضع لأي نظام أو انضباط، مهما كان شكله. وتلك هي روح الشرق في نظر الفرنسيين، وهي الحرية الكاملة أمام الطبيعة. ويبدو أن تأثير فيلا عبد اللطيف كان عظيما حتى أن هناك جمعيات فنية أصبحت مرتبطة بها. وقد ذكر ألازار قائمة الفنانين الذين سكنوا هذه الفيلا واستفادوا منها (١). من الذين اشتهروا وتخرجوا من الفيلا: ألبير ماركي الذي ترك لوحات عديدة عن مرسي الجزائر، ومرسي بجاية. وهو يعتبر من الذين أقروا بتقنياتهم على جيل من الفنانين الفرنسيين بالجزائر والذين ساهموا في إنشاء المدرسة المذكورة. كذلك كان لهنري ماتيس تأثير بلوحاته المثيرة والغريبة، كما أثر في اتجاهات الرسم الجزائري - الفرنسي. وتخرج من هذه المدرسة أيضا نحاتون بارزون آخرون، أمثال هيلبير، وبول بيلماندو، وقد أصبحا في درجة النحاتين الباريسيين. كانت فيلا عبد اللطيف تضم مجموعات من اللوحات الفنية النادرة. وكان يشرف عليها السيد ألازار. وقد تبرع لها عدد من الفنانين والعائلات، مثل عائلة لونق Lung، وبعض المستشرقين، ومن ذلك سجل فني يرجع إلى عهد دي لاكروا، ونماذج من أعماله، وأخرى لفرومانتان، ونموذجان لشاصيريو. كما وصلتها أعمال الفنانين الانطباعيين والواقعيين. وقد حمل الفرنسيون هذه اللوحات والنماذج معهم إلى بلادهم عشية استقلال الجزائر سنة ١٩٦٢ (٢). معارض الفنون الإسلامية ضمن اهتمام الفرنسيين بالسياسة الإسلامية، افتتحوا معرض باريس

стр. 3881

للفن الإسلامي سنة ١٩٠٣، ثم سنة ١٩١٢. وفيه عرضت نماذج من الفنون. وفي كل سنة كانت تفتح قاعة للمستشرقين تجذب الكثير من الزوار وتعرض فيها الفنون ذات الصلة بالحياة العربة والإسلامية في الجزائر وغيرها. ومثل هذه القاعات والصالونات كان يتكرر في العواصم الإقليمية أيضا مثل وهران وقسنطينة. وقد تكونت جمعيات لرعاية الفنون وتشجيعها. ومن المعارض الفنية ما حدث سنة ١٩٠٥ بمناسبة انعقاد مؤتمر المستشرقين ١٤ في الجزائر. فقد افتتح المعرض في المدرسة العربية - الفرنسية بالعاصمة التي أصبحت تسمى الثعالبية. وسمى (معرض الفنون الإسلامية). وعرضت فيه تحف نادرة جمعت من أشهر العائلات العريقة الباقية. ومن هذه التحف مجموعة من الأسلحة والسروج والمطروزات. وكان منها سرج كله مرصع بالذهب يرجع إلى البشير التجاني هدية من باي تونس حوالي ١٨١٧. ومن العائلات التي تقدمت بما عندها من تحف عائلة الفكون، وعلي باي (بوعكاز)، والحاج الأخضر (حاكم الأرباع؟)، وابن قلفاط، وابن مرابط. وكان منهم أهل الريف وأهل المدن على السواء، وكانت الصناعات النحاسية ممثلة في المعرض أيضا. ويقول جورج مارسيه الذي وصف المعرض وصفا مطولا وغنيا، أن صناعة النحاس كانت شهيرة في العاصمة وبوسعادة والأغواط وقصر البخاري (١). وهناك معرض آخر أقيم سنة ١٩٢٤ في المدرسة الثعالبية أيضا، وكان يستهدف التعريف (بالفن الأهلي). ومما عرض فيه مصحف شريف ضخم كان موضوعا في الجامع الجديد. وكان في لون أزرق، واعتبروه تحفة فنية جميلة أخذت بالألباب لقدمه وألوانه وفخامته. وقد أشرف على المعرض

стр. 3882

جان ميرانت مدير الشؤون الجزائرية (الأهلية)، ولكن أوغسطين بيرك هو الذي نظمه، وكان عندئذ في منصب الملحق الإداري بالحكومة العامة. وقد كتب بيرك كتابا كاملا تعليقا على المعرض، ولعله هو كتاب (الجزائر بلاد التاريخ والفن). وبناء عليه فإن الفن الحضري الجزائري قد مثلته العاصمة وقسنطينة والبليدة، وقد ظهر في مدارس متنوعة. وهناك أيضا الفن البربري والفن الصحراوي. وقد دام المعرض نصف شهر (إبريل - مايو). ولكي تظهر الروح الجزائرية في أحلى مظاهرها، حسب المنظمين للمعرض، غنى الشيخ عبد الكريم (؟) في القاعة الصحراوية، ورقصت (وريدة) الرقص الحضري، وعزفت جوقة إيفيل اليهودية ألحان الموسيقى (الأندلسية) فشنفت أسماع الزوار القادمين من فرنسا. وقد تساءل أحد الكتاب عن وصف الفن الجزائري (بالشرقي)، فالجزائر في نظره بلاد مسلمة ولكنها قليلة التشرق، لأن هناك الفن البربري الذي ترك عليها أيضا بصماته (١). ومن أضخم المعارض ذلك الذي دشن سنة ١٩٣٠ بمناسبة الاحتفال المئوي بالاحتلال. ثم توالت المعارض الفنية. وليس هدفنا استقصاء هذا النشاط الذي كان يخدم الإدارة الفرنسية التي تشرف عليه وتوجهه. وقد اشترك فيه في وقت لاحق بعض الجزائريين، عندما فرضوا أنفسهم على الساحة الفنية، مثل محمد راسم. ولكن الإشراف والتأطير كان دائما فرنسيا، وكان المعرض موجها سياسيا. والواقع أنه منذ ١٩٢٣ نبهت السيدة بوجيجا إلى ضرورة إنشاء متحف للفن الإسلامي في الجزائر ليكون على غرار متحف الفن الإسلامي بالقاهرة. ويبدو أن السواح كانوا يختلسون الآثار الإسلامية ونماذج الفن الوطني فدعت هذه السيدة إلى ضرورة إنقاذ الآثار الإسلامية بإنشاء المتحف وصيانة الآثار

стр. 3883

والتحف الفنية فيه. ونبهت إلى أن السيدتين: لوس (أليكس) وابن عابن كلتاهما ساهمت في إحياء التراث الفني الإسلامي و (الأهلي). وهذا التراث أصبح في حاجة إلى مساعدة مستمرة من السلطات الحاكمة، لأن الجهود الفردية لا تكفي، في نظرها (١). الآثار الدينية في فصل آخر تحدثنا عن المعالم الإسلامية من حيث أعدادها وأوضاعها وما آل إليه أمرها على يد الاحتلال. أما في هذا الفصل فحديثنا سيكون عن بعض الفنيات لهذه المعالم والموقف من حفظها وصيانتها كآثار إسلامية، بعد أن تعرضت للهدم ونحوه في وقت سابق. كما أننا سنتحدث عما يتصل بهذه المعالم من كتابات أثرية وأشكال هندسية، وما ألفه بعض الفرنسيين من مؤلفات حول هذا الموضوع. أما الجزائريون فلا نكاد نعثر لهم على مؤلف في الموضع خلال هذا العهد. منذ ١٨٩٧ كتب أحد الفرنسيين تعليقا على صدور كتاب بلانشيه عن (قلعة بني حماد) فنوه به وذكر قومه بأنهم لم يهتموا إلى ذلك الحين سوى بالآثار الرومانية، وكل ما هو روماني حتى استنفدوا الميدان، ولم يعد لهم ما يدرسون فيه، وقال إنهم قد أهملوا الآثار البربرية والعربية والتركية (الإسلامية). وقد دعا هذا الفرنسي إلى بحث الأمر والاستعداد له لأنه يحتاج إلى ثقافة خاصة لدراسة الآثار الإسلامية. ووجه أيضا اللوم للعرب على اهتمامهم بالورق (المخطوطات) أكثر من اهتمامهم بالأحجار (الآثار)، حسب تعبيره (٢).

стр. 3884

والواقع أن الأمر كما قال هذا المعقب، فالعرب اهتموا بالكتب أكثر من الآثار، والفرنسيون اهتموا منذ الاحتلال بالآثار الرومانية أكثر من الآثار الإسلامية، بل إنهم أهملوا هذه تمام الإهمال صيانة وبحثا وتدوينا. ولم يبدأ التحول قليلا إلا مع إدارة جونار في أول هذا القرن. ولكن القرن الماضي لم يخل من دارسين للمعالم الإسلامية، كما رأينا، فقد اهتم بعض المدنيين والعسكريين بالكتابة عن الآثار الدينية في مدينة الجزائر (ألبير دوفوكس وكلاين)، وفي قسنطينة وإقليمها (شيربونو، وفيرو، وفايسات، وميرسييه)، وفي تلمسان (بروسلار، ومارسيه، وبارجيس). ولكن عمليات الإحصاء والدراسة العلمية والوصف المعماري والفني بدأ مع عهد جونار، كما أشرنا. إن ما بقي من مساجد العاصمة الـ ١٢٢ لا يعدو أربعة مساجد من النوع الذي تقام به صلاة الجمعة. ويشهد جورج ايفير سنة ١٩١٣ على أن الفرنسيين قد هدموا ستة وستين مسجدا في العاصمة وحدها. وفي تلك الأثناء (أول هذا القرن) كانت المخططات الفرنسية تعمل على هدم الجامعين الكبيرين الباقيين أيضا (الأعظم والجديد) (١) بعد أن تعرضا للتنقيص والتشويه منذ الاحتلال. وكان الجامع الأعظم يقوم مقام (الجامعة) العلمية قبل الاحتلال، وكانت أوقافه من أغنى الأوقاف ومكتبته مضرب الأمثال. فإذا بالفرنسيين قد حشروه وسط العمارات، فتآكلت أطرافه واختفت منارته التي قيل إنها كانت تشبه منارات جوامع تلمسان. وكان تحفة في بنائه إذ تتقاطع فيه العرصات، وتكثر فيه الزرابي والثريات، ويغطي حيطانه الزليج والمرمر. أما الجامع الجديد فقد وقع له ما وقع لزميله وكان من المعالم العثمانية التي تعرضت أيضا للتنقيص، واستولى الفرنسيون على أوقافه الغنية. ويقول عنه ألبير باللو سنة ١٩٠٤ إنه كان معلما جميلا ورشيقا (بعد كل الذي حدث له)،

стр. 3885

وكان متعدد القباب، ومنبره ومحرابه من الأرابسك، مزينا بالآيات القرآنية جذابة الخطوط. وفي حديثه عن زاوية وجامع سيدي عبد الرحمن يقول (باللو) إن المرمر قد استخدم في العرصات ذات الطراز العربي - الإسلامي. وفي المسجد فسيفساء عجيبة. والمنارة ذات جمال فائق، وهي أيضا مزينة بالفسيفساء ومربعة الشكل. وكل ذلك كان يحدث لذة في النفس وتأثيرا مدهشا إذ ينظر المرء إليها وهي (المنارة) غارقة في الإخضرار الذي يكاد يحجبها من كثرة الأشجار (١) التي حولها. وعن فنيات المعالم الإسلامية في تلمسان يقول ألبير باللو نفسه إنها من نفس الطراز الأندلسي، ثم تأثرت بالطابع المحلي، لأن كل فن مهاجر لا بد أن يخضع للتأثيرات المحلية. فأنت في تلمسان كأنك في قرطبة أو غرناطة أو أشبيلية. ويذهب إلى أن الفنانين الذين نشروا هذا الفن في تلمسان والأندلس قد جاؤوا من القاهرة - الشرق؟ وعبروا دون توقف إلى تلمسان حيث المملكة والثروة والذوق. ولاحظ أن الفن الإسلامي واحد من القاهرة إلى تلمسان، ثم منها إلى فاس وإلى الأندلس. نفس النقوش ونفس الذوق الفني والجمالي. لكن التعديل وقع في الزخرفة وفي التفاصيل وهذا هو الطابع المحلي، غير أننا لا نجد الفن المصري، كما قال، بحذافيره في المنصورة (تلمسان) والكتبية (مراكش) ولا في الخيرالدا (أشبيلية). فالتأثير موجود ولكنه اصطبغ بالصبغة المحلية. وهكذا نجد مسجد سيدي بومدين تقابله الحمراء في الأندلس، والمنصورة تقابلها الخيرالدا، كما أن مساجد سيدي الحلوى وسيدي أبو الحسن والجامع الكبير في تلمسان يقابلها القصر في (الأندلس؟). وأخبرنا باللو أن جامع سيدي أبو الحسن قد حوله الفرنسيون إلى متحف، ومع ذلك وصف محرابه بأنه مزخرف بالأرابسك الجميل جدا

стр. 3886

وكذلك ما حول المحراب. وقد وضع الفرنسيون في هذا المتحف كل القطع الأثرية والفنية العزيزة، حسب تعبيره. أما الجامع الكبير بتلسمان فهو مبني بالآجر ومحلى بالفسيفساء الجميلة الأشكال. وممراته خشبية ذات طراز عربي متناسق، وله محراب رائع وقبة جيدة الصنع، وثريا من خشب الأرز الجيد وهي ترجع إلى عهد الملك يغمراسن إذ هو الذي أهداها إلى الجامع خلال القرن ١٣ ميلادي. وجامع سيدي الحلوى له منارة جميلة وغنية بالفسيفساء، بل هي أكثر غنى من منارة الجامع الكبير. ويحتوي على ثماني عرصات يظهر في أعلاها الطراز العربي الجميل، وهي محلاة بالحجر الكريم الأسود. وقد أصبح بابه الكبير مهدما، ولا يمكن التعرف على ثروته الفنية (١). أما جامع خنق النطاح بوهران فهو يرجع إلى القرن ١٨ م فقط، وكان يتمتع بطابع موريسكي، وله زخرفة تقليدية، حسب وصف أوغسطين يرك له. ويقول عنه إنه جامع متفتح جدا على الطبيعة، وهو من رموز الفن الإسلامي في وهران إذ تقابله من الجهة الأخرى معلمة سانتاكروز (٢). ويذهب بيرك إلى أن (الفن العظيم قد اختفى) من الجزائر. وهو لم يقل إن ذلك كان بفضل سياسة بلاده، ولكنه مفهوم. وهو يقر أن هناك (عظمة) لهذا الفن، اختفت مع الأندلس الغابرة، وتلمسان الزيانية البائدة. إنه فن كان يعطي جاذبية خاصة للمؤمنين وغموضا عبر العصور، حسب تعبيره. وكان بيرك هنا يربط بين الدين والفن. ثم سلط انتقاده اللاذع على المنارة (التركية) التي قال إنها أدت دورها في (التهدئة)، ويقصد بذلك التسلط والجبروت الذي تمثله المنارة لأنها تركية!. وربط بينها وبين السياسة، فقال إن المنارة حكومية وإدارية، ولذلك فهي أقل حدة. وتساءل هل المسألة تتعلق بغلطة تركية؛ إن الداي كان يخشى الثورة عليه من الانكشارية الذين كانوا دائما،

стр. 3887

يطالبون برفع الأجور. ومن الصعب أن يظهر خلال ذلك فن وكتابات زخرفية أو قباب جمالية أو محاريب رشيقة (١). والغريب أن بيرك الذي أدار الشؤون الأهلية في الجزائر ربع قرن يحمل هذه الأفكار العنصرية حتى في الفن. فبعد أن قضت الحكومة الفرنسية (المتحضرة) على مساجد ومنارات تعتبر آية في الفن بشهادة الفرنسيين أنفسهم، مثل جامع السيدة، جاء هو بعد قرن لينفي الذوق والإبداع ويجعل المسجد والفن صنيعة الإدارة (التركية). ثم إنه لم يضرب مثلا على الإبداع الفرنسي في مساجد الجزائر والذي يعتبره هو من علامات التحضر والحكم الإنساني. ولنستمع إلى أحد الفرنسيين ينعي على سلطات بلاده هدم إحدى زوايا قسنطينة وغيرها من المعالم الإسلامية. فهذه زاوية يحيى بن محجوبة، هدمها الفرنسيون بعد قرنين من حياة صاحبها. كان ذلك سنة ١٨٦٥ (٢)، بدعوى مد طريق. وقد وصفها شيربونو المعاصر لعملية الهدم واعتبرها من النماذج الأكثر جمالا في الفن الإسلامي. وقد وصف بيقوني سنة ١٩٠٣ نقيشة ترجع إلى هذه الزاوية وصفا يدل على قيمتها الفنية. وكانت النقيشة قد قدمت هدية إلى متحف الأشياء القديمة بالعاصمة، وهي مكتوبة على خشب الأرز، وذات شكل متعدد الأضلاع. ويقول بيقوني إن الكتابة قد تعود إلى ابن محجوبة نفسه لأنه كان من الأدباء والقضاة. وانتقد بيقوني عمليات الهدم العشوائية للمباني العربية الإسلامية القديمة وعدم العناية بما يخدم المعرفة التاريخية للبلاد واكتشاف الروح الفنية عند الجزائريين عبر العصور. واعتبر النقيشة إحدى الأمثلة العديدة على ذلك. لقد قص بيقوني قصة مأساة النقيشة التي ترجع إلى زاوية ابن محجوبة وكيف عثر عليها. يقول إنه أجرى بحثا طويلا سنة ١٨٧٨ في قسنطينة لمعرفة الآثار القديمة ومواقعها وما كان فيها من كتابات ورسومات فلم يجد أحدا

стр. 3888

يخبره بشيء لا من المسلمين ولا من الفرنسيين، بل لم يجد أحدا يهمه الأمر منهم. وبينما هو يعاني الحيرة واليأس علم بوجود نفس المقاول الذي على يديه وقع هدم الزاوية وغيرها لمد الطريق المذكور، فقصده وسأله فوجد أن ذاكرته قد ضعفت بعد أكثر من عشر سنوات على عملية الهدم، ولكنه دله على كومة من الخرائب ترجع كلها إلى المباني التي خربت على يديه، ورخص له بالبحث فيها وأن يأخذ منها ما يريد. وقد وجد بيقوني النقيشة في حالة يرثى لها، حسب قوله، ولكن يمكن استعادتها، وقد فعل ووضعها في إحدى القاعات (بالمتحف) فكانت تمثل منظرا جميلا. وإليك النص كما وجده بيقوني في النقيشة: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال. بيت مرفعة بالذكر عامرة، لله قائمة، يغفر لمن فيها ... الخ) (١). وفي هذا النطاق اتسع الاهتمام بالآثار الإسلامية إلى حد ما، ولكن بعد إهمال دام عقودا وبعد عمليات الهدم وتحويل المعالم نفسها عن أغراضها. ففي سنة ١٩٠٥ (عهد جونار) صدر قرار يعتبر بعض المعالم جزءا من الآثار التي تجب المحافظة عليها. ومن ذلك في العاصمة بعض الأضرحة (ضريح حسن باشا بن علي، وكانت له قبة، وضريح الأميرة في الحديقة المجاورة لسيدي عبد الرحمن الثعالبي). وكذلك جامع سفير (صفر)، وجامع سيدي محمد الشريف، وبعض العيون مثل العين الواقعة بالأميرالية (٢). ونفس الشيء وقع في غير العاصمة أيضا. ولكن معظم الفرنسيين في الجزائر كانوا معارضين لهذا التوجه عندئذ. وقد كشف الأخوان (جورج وويليام) مارسيه في كتابهما عن (المعالم العربية في تلمسان) عن ذلك حين وصفا هذا الاتجاه لدى الفرنسيين القاطنين في

стр. 3889

تلمسان. فقالا إنهم كانوا يريدون تخليص المدينة من أي شيء يجلب الزوار ويجعل تلمسان الملكية الزيانية منافسة لأي مركز دائرة من أم الوطن (فرنسا). وقدم الأخوان مارسيه صورة مختلطة عن مستقبل تلمسان وماضيها. فهي عندهما مثل الجزائر القديمة ستختفي بالتدرج وستسقط تحت ضربات المعاول وفؤوس المنتصرين - الفرنسيين - ولكنها ستظل إلى حين محجة لزوار الف في نظرهما (١). لقد درس الرجلان معالم الفن المعماري لتلمسان وأجادا الوصف والتدقيق، واعتمدا على مصادر هامة سجلت أمجاد هذه المدينة الخالدة، على عكس تنبوؤهما. وبعد أن كتبا مدخلا مطولا عن الفن المعماري التلمساني وعلاقته الفن الأندلسي الخصوص، وصفا المدينة نفسها وسكانها من خلال الكتب التاريخية كإبن خلدون (يحيى وعبد الرحمن) وليون الإفريقي، والتنسي، والمقري. وكذلك المؤلفات الفرنسية عن تلمسان ومعالمها وخطوطها. ومن أولها (١٨٤٦) ما كتبه عنها الأب بارجيس المستشرق المتعصب الذي جاءها زائرا ودارسا، وكان، كراهب، يعمل على استعادة الكنيسة القديمة. ومن مؤلفاته الشهيرة (تلمسان: العاصمة القديمة لمملكة بهذا الاسم) (٢). وقيل إنه كتاب، رغم الأخطاء التي تضمنها، مليء بالوثائق والملاحظات الشخصية (٣). وفي ١٨٥٢ نشر بارجيس نفسه تاريخ بني زيان للحافظ التنسي مترجما عن العربية. وفي ١٨٨٧ نشر بارجيس أيضا إضافة (ذيل) إلى تاريخ بني زيان ملوك تلمسان، كما نشر كتابا عن أبي مدين وآخر عن التجارة بين تلمسان والسودان القديم في عهد بني زيان. واعتمد الأخوان مارسيه كذلك على دراسة بروسلار الذي أطال المكث في تلمسان كرجل إداري، وكان على صلة بعلماء هذه المدينة. ومن خلال مساعداتهم أصدر دراسته عن الكتابات والخطوط في تلمسان. كما اهتم بورسلار بالآثار

стр. 3890

الأخرى لتلمسان فأصدر دراسة عن قبور أمرائها وبعض رجالها (١). وهناك على الأقل ثلاثة فرنسيين آخرين اهتموا بآثار تلمسان، وهم ديتوا Duthoit الذي شغل منصب مفتش للبنايات الأثرية بالجزائر بين ١٨٧١ - ١٨٨٠. وقد ترك تقريرا وملاحظات عن آثار تلمسان ورسوما وخطوطا ونحوها. والثاني هو بييس Piesse الذي ترك مونوغرافا (كتابا، - دراسة) والذي واصله كنال Canal ثم نشر في مجلد. وفي ١٩٠٠ نشر رييه باصيه دراسة شاملة بعنوان (التطور التاريخي للفن المغاربي) في كتاب عنوانه (الجزائر من خلال معالمها الأثرية) (٢). ومع انطلاقة هذا النوع من الدراسات، وقع الاهتمام حتى بالآثار البعيدة عن المدن، مثل قلعة بني حماد المشار إليها، وجامع سيدي عقبة بن نافع، ومسجد خنقة سيدي ناجي. ففي سنة ١٩١٥ كتب غوستاف ميرسييه دراسة أثرية ووصفية لآثار الخنقة التي ترجع إلى القرن ١٨. وهي تضم المسجد والمدرسة والقبة أو الضريح. وما جاء عليها من كتابات ونقوش. وربط بين ذلك والأحداث التاريخية التي عرفتها الناحية على يد الحنانشة والشابية، وسيرة سيدي مبارك بن ناجي في الخنقة. وقد أعانه على جمع مادته الشيخ محمد رشيد بن حسين، شيخ الولجة، وهو من عائلة ابن ناصر المنحدرة من نسل سيدي مبارك بن ناجي الذي يعتبر المؤسس الحقيقي للخنقة (٣). ولكن هذه الدراسات كانت دائما تتعثر لأسباب مالية وسياسية. ولذلك ظل الاهتمام بالآثار الإسلامية محدودا ومرتبطا بالنزوات الشخصية للحكام، فكانت النتائج غير باهرة.
следующие страницы →