وكذلك ما حول المحراب. وقد وضع الفرنسيون في هذا المتحف كل القطع الأثرية والفنية العزيزة، حسب تعبيره.
أما الجامع الكبير بتلسمان فهو مبني بالآجر ومحلى بالفسيفساء الجميلة الأشكال. وممراته خشبية ذات طراز عربي متناسق، وله محراب رائع وقبة جيدة الصنع، وثريا من خشب الأرز الجيد وهي ترجع إلى عهد الملك يغمراسن إذ هو الذي أهداها إلى الجامع خلال القرن ١٣ ميلادي. وجامع سيدي الحلوى له منارة جميلة وغنية بالفسيفساء، بل هي أكثر غنى من منارة الجامع الكبير. ويحتوي على ثماني عرصات يظهر في أعلاها الطراز العربي الجميل، وهي محلاة بالحجر الكريم الأسود. وقد أصبح بابه الكبير مهدما، ولا يمكن التعرف على ثروته الفنية (١). أما جامع خنق النطاح بوهران فهو يرجع إلى القرن ١٨ م فقط، وكان يتمتع بطابع موريسكي، وله زخرفة تقليدية، حسب وصف أوغسطين يرك له. ويقول عنه إنه جامع متفتح جدا على الطبيعة، وهو من رموز الفن الإسلامي في وهران إذ تقابله من الجهة الأخرى معلمة سانتاكروز (٢).
ويذهب بيرك إلى أن (الفن العظيم قد اختفى) من الجزائر. وهو لم يقل إن ذلك كان بفضل سياسة بلاده، ولكنه مفهوم. وهو يقر أن هناك (عظمة) لهذا الفن، اختفت مع الأندلس الغابرة، وتلمسان الزيانية البائدة. إنه فن كان يعطي جاذبية خاصة للمؤمنين وغموضا عبر العصور، حسب تعبيره. وكان بيرك هنا يربط بين الدين والفن. ثم سلط انتقاده اللاذع على المنارة (التركية) التي قال إنها أدت دورها في (التهدئة)، ويقصد بذلك التسلط والجبروت الذي تمثله المنارة لأنها تركية!. وربط بينها وبين السياسة، فقال إن المنارة حكومية وإدارية، ولذلك فهي أقل حدة. وتساءل هل المسألة تتعلق بغلطة تركية؛ إن الداي كان يخشى الثورة عليه من الانكشارية الذين كانوا دائما،
стр. 3887
يطالبون برفع الأجور. ومن الصعب أن يظهر خلال ذلك فن وكتابات زخرفية أو قباب جمالية أو محاريب رشيقة (١). والغريب أن بيرك الذي أدار الشؤون الأهلية في الجزائر ربع قرن يحمل هذه الأفكار العنصرية حتى في الفن. فبعد أن قضت الحكومة الفرنسية (المتحضرة) على مساجد ومنارات تعتبر آية في الفن بشهادة الفرنسيين أنفسهم، مثل جامع السيدة، جاء هو بعد قرن لينفي الذوق والإبداع ويجعل المسجد والفن صنيعة الإدارة (التركية). ثم إنه لم يضرب مثلا على الإبداع الفرنسي في مساجد الجزائر والذي يعتبره هو من علامات التحضر والحكم الإنساني.
ولنستمع إلى أحد الفرنسيين ينعي على سلطات بلاده هدم إحدى زوايا قسنطينة وغيرها من المعالم الإسلامية. فهذه زاوية يحيى بن محجوبة، هدمها الفرنسيون بعد قرنين من حياة صاحبها. كان ذلك سنة ١٨٦٥ (٢)، بدعوى مد طريق. وقد وصفها شيربونو المعاصر لعملية الهدم واعتبرها من النماذج الأكثر جمالا في الفن الإسلامي. وقد وصف بيقوني سنة ١٩٠٣ نقيشة ترجع إلى هذه الزاوية وصفا يدل على قيمتها الفنية. وكانت النقيشة قد قدمت هدية إلى متحف الأشياء القديمة بالعاصمة، وهي مكتوبة على خشب الأرز، وذات شكل متعدد الأضلاع. ويقول بيقوني إن الكتابة قد تعود إلى ابن محجوبة نفسه لأنه كان من الأدباء والقضاة. وانتقد بيقوني عمليات الهدم العشوائية للمباني العربية الإسلامية القديمة وعدم العناية بما يخدم المعرفة التاريخية للبلاد واكتشاف الروح الفنية عند الجزائريين عبر العصور. واعتبر النقيشة إحدى الأمثلة العديدة على ذلك.
لقد قص بيقوني قصة مأساة النقيشة التي ترجع إلى زاوية ابن محجوبة وكيف عثر عليها. يقول إنه أجرى بحثا طويلا سنة ١٨٧٨ في قسنطينة لمعرفة الآثار القديمة ومواقعها وما كان فيها من كتابات ورسومات فلم يجد أحدا
стр. 3888
يخبره بشيء لا من المسلمين ولا من الفرنسيين، بل لم يجد أحدا يهمه الأمر منهم. وبينما هو يعاني الحيرة واليأس علم بوجود نفس المقاول الذي على يديه وقع هدم الزاوية وغيرها لمد الطريق المذكور، فقصده وسأله فوجد أن ذاكرته قد ضعفت بعد أكثر من عشر سنوات على عملية الهدم، ولكنه دله على كومة من الخرائب ترجع كلها إلى المباني التي خربت على يديه، ورخص له بالبحث فيها وأن يأخذ منها ما يريد. وقد وجد بيقوني النقيشة في حالة يرثى لها، حسب قوله، ولكن يمكن استعادتها، وقد فعل ووضعها في إحدى القاعات (بالمتحف) فكانت تمثل منظرا جميلا. وإليك النص كما وجده بيقوني في النقيشة: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال. بيت مرفعة بالذكر عامرة، لله قائمة، يغفر لمن فيها ... الخ) (١).
وفي هذا النطاق اتسع الاهتمام بالآثار الإسلامية إلى حد ما، ولكن بعد إهمال دام عقودا وبعد عمليات الهدم وتحويل المعالم نفسها عن أغراضها. ففي سنة ١٩٠٥ (عهد جونار) صدر قرار يعتبر بعض المعالم جزءا من الآثار التي تجب المحافظة عليها. ومن ذلك في العاصمة بعض الأضرحة (ضريح حسن باشا بن علي، وكانت له قبة، وضريح الأميرة في الحديقة المجاورة لسيدي عبد الرحمن الثعالبي). وكذلك جامع سفير (صفر)، وجامع سيدي محمد الشريف، وبعض العيون مثل العين الواقعة بالأميرالية (٢). ونفس الشيء وقع في غير العاصمة أيضا.
ولكن معظم الفرنسيين في الجزائر كانوا معارضين لهذا التوجه عندئذ. وقد كشف الأخوان (جورج وويليام) مارسيه في كتابهما عن (المعالم العربية في تلمسان) عن ذلك حين وصفا هذا الاتجاه لدى الفرنسيين القاطنين في
стр. 3889
تلمسان. فقالا إنهم كانوا يريدون تخليص المدينة من أي شيء يجلب الزوار ويجعل تلمسان الملكية الزيانية منافسة لأي مركز دائرة من أم الوطن (فرنسا). وقدم الأخوان مارسيه صورة مختلطة عن مستقبل تلمسان وماضيها. فهي عندهما مثل الجزائر القديمة ستختفي بالتدرج وستسقط تحت ضربات المعاول وفؤوس المنتصرين - الفرنسيين - ولكنها ستظل إلى حين محجة لزوار الف في نظرهما (١).
لقد درس الرجلان معالم الفن المعماري لتلمسان وأجادا الوصف والتدقيق، واعتمدا على مصادر هامة سجلت أمجاد هذه المدينة الخالدة، على عكس تنبوؤهما. وبعد أن كتبا مدخلا مطولا عن الفن المعماري التلمساني وعلاقته الفن الأندلسي الخصوص، وصفا المدينة نفسها وسكانها من خلال الكتب التاريخية كإبن خلدون (يحيى وعبد الرحمن) وليون الإفريقي، والتنسي، والمقري. وكذلك المؤلفات الفرنسية عن تلمسان ومعالمها وخطوطها. ومن أولها (١٨٤٦) ما كتبه عنها الأب بارجيس المستشرق المتعصب الذي جاءها زائرا ودارسا، وكان، كراهب، يعمل على استعادة الكنيسة القديمة. ومن مؤلفاته الشهيرة (تلمسان: العاصمة القديمة لمملكة بهذا الاسم) (٢). وقيل إنه كتاب، رغم الأخطاء التي تضمنها، مليء بالوثائق والملاحظات الشخصية (٣). وفي ١٨٥٢ نشر بارجيس نفسه تاريخ بني زيان للحافظ التنسي مترجما عن العربية. وفي ١٨٨٧ نشر بارجيس أيضا إضافة (ذيل) إلى تاريخ بني زيان ملوك تلمسان، كما نشر كتابا عن أبي مدين وآخر عن التجارة بين تلمسان والسودان القديم في عهد بني زيان. واعتمد الأخوان مارسيه كذلك على دراسة بروسلار الذي أطال المكث في تلمسان كرجل إداري، وكان على صلة بعلماء هذه المدينة. ومن خلال مساعداتهم أصدر دراسته عن الكتابات والخطوط في تلمسان. كما اهتم بورسلار بالآثار
стр. 3890
الأخرى لتلمسان فأصدر دراسة عن قبور أمرائها وبعض رجالها (١).
وهناك على الأقل ثلاثة فرنسيين آخرين اهتموا بآثار تلمسان، وهم ديتوا Duthoit الذي شغل منصب مفتش للبنايات الأثرية بالجزائر بين ١٨٧١ - ١٨٨٠. وقد ترك تقريرا وملاحظات عن آثار تلمسان ورسوما وخطوطا ونحوها. والثاني هو بييس Piesse الذي ترك مونوغرافا (كتابا، - دراسة) والذي واصله كنال Canal ثم نشر في مجلد. وفي ١٩٠٠ نشر رييه باصيه دراسة شاملة بعنوان (التطور التاريخي للفن المغاربي) في كتاب عنوانه (الجزائر من خلال معالمها الأثرية) (٢).
ومع انطلاقة هذا النوع من الدراسات، وقع الاهتمام حتى بالآثار البعيدة عن المدن، مثل قلعة بني حماد المشار إليها، وجامع سيدي عقبة بن نافع، ومسجد خنقة سيدي ناجي. ففي سنة ١٩١٥ كتب غوستاف ميرسييه دراسة أثرية ووصفية لآثار الخنقة التي ترجع إلى القرن ١٨. وهي تضم المسجد والمدرسة والقبة أو الضريح. وما جاء عليها من كتابات ونقوش. وربط بين ذلك والأحداث التاريخية التي عرفتها الناحية على يد الحنانشة والشابية، وسيرة سيدي مبارك بن ناجي في الخنقة. وقد أعانه على جمع مادته الشيخ محمد رشيد بن حسين، شيخ الولجة، وهو من عائلة ابن ناصر المنحدرة من نسل سيدي مبارك بن ناجي الذي يعتبر المؤسس الحقيقي للخنقة (٣). ولكن هذه الدراسات كانت دائما تتعثر لأسباب مالية وسياسية. ولذلك ظل الاهتمام بالآثار الإسلامية محدودا ومرتبطا بالنزوات الشخصية للحكام، فكانت النتائج غير باهرة.
стр. 3891
القصور والمباني الحضرية
أما القصور والفيلات فقد عرفت منها الجزائر نماذج جيدة تميزت بالطراز العربي الإسلامي الذي انتشر في المغرب العربي والأندلس. ومن ميزات هذه المباني (الدنيوية) هو الراحة النفسية والستر والهدوء وراحة العين وجمع الشمل العائلي والتمتع بجمال الطبيعة. ورغم أن هذا الطراز قديم، كما ذكرنا، فإنه ازدهر خلال العهد العثماني نتيجة الازدهار الاقتصادي وخلود بعض كبار الدولة والأغنياء إلى الراحة. وقد وجدت النماذج المذكورة في المدن والأرياف على حد سواء. فكان أغنياء البلاد يبنون قصورهم أيضا في الريف ويقصدونها في أوقات الفراغ والأعياد والجمعات.
وها هم الفرنسيون الذين لا يكادون يذكرون فضيلة للعهد العثماني يقولون على لسان أحدهم، وهو أوغسطين بيرك، إن أجمل ما بني في هذا العهد هو القصور في المدن والفيلات (الأحواش) في الأرياف. فجمال الجزائر وحلاوتها ورشاقتها وروائح الساحل قد أسرت قلوب الرياس الذين كانوا يتمتعون بين حملة بحرية وأخرى بالراحة ولذة الحياة، فبالنسبة لهؤلاء الرياس كانت كل دقيقة تساوي قطرة من الذهب. وكانت كل رغبتهم هي توفير قصر هانئ حيث يتذوقون الحياة وينعمون بها على أفضل وجه (١).
ولكن تلك القصور والأحواش الريفية الخاصة قد استولى عليها الفرنسيون عند الاحتلال، وتحولت إلى أملاك الدولة، ونصبت فيها الإدارات والمحاكم والمصالح الأخرى كالمتاحف والمكتبات وإقامات رجال الدين ورجال الجيش. وأنت إذا سألت عن قصر الصيف أو قصر الشتاء حيث كانت إقامة حكومة الجزائر (الفرنسية) أو عن مقر المكتبة العمومية (الوطنية فيما بعد) أو عن مستشفى مصطفى، أو قصر أحمد باي، أو فيلا عزيزة أو فيلا عبد اللطيف أو غيرها من المباني والمعالم، فإنك ستجد الجواب دائما أنها آثار (موريسكية) حولت إلى ما آلت إليه بعد هجرة أو نفي أو افتقار
стр. 3892
أصحابها. وقبل أن تستقر هذه الآثار في أيدي السلطات الفرنسية وتنتصب هيئة الآثار والفنون الجميلة، تعرضت إلى الهدم والنهب. ففي أتون الحملة العسكرية خلعت الأبواب والنوافذ لعدد من هذه المباني الحزينة، بدعوى أن فيها خزائن الذهب والفضة وكنوز أغنياء الجزائر. وتعرضت الفسيفساء والزليج الذي كان يغطي الحيطان إلى التكسير والاقتلاع بحثا عن الثروات المخبوءة. وبذلك فقدت الجزائر الكثير من آثارها وفنونها.
جاء في كتاب صادر سنة ١٨٥٩ أن مؤلفه شاهد القصور التالية في العاصمة: قصر مصطفى باشا الذي يمثل كما قال رشاقة الفن المعماري الحضري وفخامته. وهو ينتسب إلى الداي مصطفى باشا الذي قتل سنة ١٨٠٥. وكان هذا القصر قد جعله الفرنسيون فترة من الزمن قصر استقبال وحفلات ومعارض. وتحدث المؤلف أيضا عن قصر حضري آخرغني بعرصاته المرمرية، وعن أبوابه ونوافذه التي كانت تتداخل أيضا ضمن عرصات مرمرية. وكان هذا القصر عندئذ مقرا للحاكم العام (راندون). كما وصف القصر الآخر الذي أصبح سكنى للأسقف، والآخر الذي سكنه اللقيط يوسف، ثم ذلك الذي تحول إلى المحكمة الإمبريالية (١).
أما بالنسبة لقصور قسنطينة فقد تحدث شيربونو عن قصر أحمد باي (الذي سنفرده بالحديث بعد قليل) وعن قصر آخر كان لصالح باي الشهير، ثم آل إلى ورثته، وقال شيربونو إن هؤلاء الورثة قد أجروه (؟) إلى البلدية. وهذا يذكرنا بما حدث لقصور وأملاك ورثة مصطفى باشا في العاصمة التي آلت إلى أغنياء اليهود والفرنسيين بالحيلة (٢). وكان شيربونو يكتب أيضا في أوائل الخمسينات (في عهد الحاكم العام راندون). وقد قال إن حريم صالح باي قد ظل في القصر، ثم تولاه الورثة الذين أجروه إلى البلدية. ثم منحته
стр. 3893
البلدية إلى مؤسسة فرنسية تسمى (مؤسسة الآنسات) وأصبحت تديره أخوات المذهب المسيحي. وكانت مقاسات القصر كبيرة جدا إذ امتدت على طول محطة المسافرين (القافلة - سراي). ومن ممتلكات هذا القصر كيس من الملف الأخضر المطرز بالذهب، كان في ملك إحدى السيدات، والعبارات المطروزة تقرأ: كل يد أمسكت بك أصبحت مصونة، وكل عين نظرت فيك نجت من كل حسد (١).
وهناك قصور قديمة في العاصمة ترجع إلى عهد القسيس الأسباني هايدو (القرن ١٦). وقد وصف طرازها، وهو على عهد قريب به في الأندلس، فقال بأن الأبنية الإسلامية تتميز بشيئين، الأول العناية الكاملة بالستر، وفسر ذلك بالغيرة الشرقية (الإسلامية) على الحريم والحياة الخاصة، والثاني الذوق السليم في اختيار الهدوء والجو الرائق ونضح الماء حول الزليج للتخفيف من حدة الشمس. وهذا الأسلوب ببعديه، كان شائعا في كل الأبنية الحضرية بالجزائر، وكانت الأحواض الريفية تخضع لنفس الخصائص ما عدا أمرين، وهما قلة النوافذ منعا لاعتداء قطاع الطرق واتساع المساحة خلافا لقصور المدن. وهكذا تحتل الساحة والحديقة والقاعة مجالا واسعا في الريف.
ومما يذكر أن دار مصطفى باشا التي تحولت إلى قصر الصيف ومقر الحاكم العام، كانت تعتبر في منطقة ريفية، وكذلك قصر الباردو، وقصر الأقواس الذي بناه الريس حميدو الشهير في أول القرن التاسع عشر. كما أن إحدى دور مصطفى باشا تحولت إلى المكتبة والمتحف، كما ذكرنا، وهي غير القصر. وأشار بيرك إلى وجود دار (قصر) أخرى تسمى دار الصول التي اتخذها الحاكم العسكري الفرنسي مقرا له (٢).
стр. 3894
وكان قصر مصطفى باشا يضم، حسب ديتسون، سبعة وعشرين شقة، وهو أوسع من قصر الداي بالقصبة. وكانت الأجزاء السفلى من قصر مصطفى منخفضة ومعتمة، وله ساحة. ولم يكن سنة ١٨٥٨ مستعملا في أغراض معينة عدا استعماله بضع ساعات من قبل بنات المدرسة. وتقوم أجنحة القصر على أربعين عرصة من المرمر. ومدخله طويل ومعتم كما قال، ولكن له عدة أبواب.
وقد وصف الدار التي افتتحت فيها المكتبة والمتحف، فقال إنها أجمل وأكثر رشاقة من قصر مصطفى باشا ولكنها غير واسعة مثله. ويدل بناؤها على ذوق رفيع. وقال إن بعضها معتمد على نوع من اللوالب لا يوجد مثلها في العالم بأسره، وهو منظر يشد العيون. وتعتبر القبة الحضرية من الجمال والروعة بحيث تشبه ربما المنطاد (البالون) المعلق. والغرف في هذا المبنى وفي غيره مثل أبنية الصوامع وأضرحة المرابطين، كلها مصقولة ومطلية البلار وقائمة على أربعة أو خمسة بوصات مربعة. وهي عادة من اللون الأزرق المزخرف بالحروف العربية والآيات القرآنية المنسابة الخطوط. ويتألف أثاث بيوت الأغنياء من الحشايا والزرابي الكثيفة والمرايا والمناضد المرصعة بالجواهر (١).
هذا النوع من الأبنية يسميه الكتاب الأبنية المدنية، وهم يضيفون إليها مباني القصبة والمساجد وما يتصل بذلك كالقباب. وقد اختفت مساجد كثيرة، دون مراعاة الخسارة الأثرية ولا الوطنية. كما تهدمت أجزاء عديدة من القصبة في العاصمة، واختفت أو كادت قصبات معظم المدن الأخرى: قسنطينة وعنابة وبجاية ومستغانم ووهران. ولولا أن القصور سكنها أعيان الأوروبيين ومنظماتهم واستخدمت لمصالحهم لكان أمرها كالقصبات والمساجد والأضرحة. والغريب أن أحد الكتاب الفرنسيين يقول إن سكنى الأوروبيين للقصور والأحواش هو الذي أنقذها من التخريب (٢). ولكن ممن؟
стр. 3895
ويخبرنا هذا الكاتب أن المهندس الإنكليزي، بوكنال Buknal، قد جاء إلى الجزائر وعمل على صيانة الفن المعماري بها، وذلك بالمحافظة على كل قطعة وإعادة الحياة في النماذج الفنية من أجل إقامات شتوية في الحدائق الواقعة في أعلى مدينة الجزائر، كما أنه عمل على تواصل الفن القديم حتى لا ينقطع عن الماضي وطرازه.
وهكذا تحولت الإقامة القديمة لحراس الداي إلى قصر منيف أصبح هو مقر الحاكم العام الفرنسي صيفا. وهذا القصر كان يقع بوسط حديقة غناء واسعة، وحافظ الفنانون على طرازها الأصلي الذي ينسجم مع الساحل الجزائري، حيث الإخضرار الداكن وأشجار النخيل والبرتقال وأنواع الزهور. إنها إقامات بيضاء اتخذها أيضا بعض الفنانين نماذج لفنهم.
وكان جونار الذي جاء لحكم الجزائر بفكرة استرجاع شخصيتها التقليدية، قد بذل جهده في بناء نماذج جديدة مستوحاة من الطراز القديم، وهو ما سماه بعضهم (بالحركة الموريسكية الجديدة). وظهر ذلك في المباني الإدارية التي بنيت في عهد جونار أو التي تمت بعده مثل البريد المركزي، ومقر ولاية الجزائر، والبلدية وبريد الأبيار، وعمارة جريدة (لا ديباش ألجيريان)، ومحطة وهران ومركز سكيكدة، وأخيرا نشير إلى مباني المدارس الرسمية الثلاث في كل من العاصمة (الثعالبية)، وقسنطينة، وتلمسان. وقد وقع تقليد هذه الحركة مع التخفيف من الزخارف، في بعض المدارس والمباني الحكومية الأخرى. وشارك بعض المهرة من الجزائريين في الخط والزخرفة وفي تطوير هذا الفن (١).
وانتشرت فكرة تأصيل الفن خارج المدن أيضا، وانقلت إلى المشاريع
стр. 3896
السياسية الصحراوية. فظهرت المباني الآن محملة بالتأثر البربري - الإفريقي والإسلامي. وكانت الفنادق التي شيدت باسم (عابرة الأطلنطي) وكذلك بعض المباني الإدارية. وكانت تدل على التأثر بالنموذج السوداني القديم، كما في تميمون. ومن جهة أخرى استمرت فكرة الأحواش التي ليس لها طوابق، فلا يطل ساكن على آخر، مهما كان. وكانت الإدارة الفرنسية قد أسست قبل الثورة مصالح معمارية ملحقة بالبلديات للإشراف على عمليات البناء وخضوعها لمتطلبات البناء الحضري، كما تأسس معهد حضري ملحق بكلية الآداب منذ ١٩٤٦ (١).
أما دار عزيزة فتنسب إلى عزيزة بنت رمضان، وهي زوجة رجب باي، أحد بايات قسنطينة. وكانت تسمى دار عزيزة باي، وأحيانا دار العزيزة أي المحبوبة عند زوجها، حسب الروايات الشعبية. ويذهب لويس رين إلى أن عزيزة هذه كانت ابنة أخ لعلي بتشين، ذلك البحار الشهير والثري الكبير في القرن ١٧ والذي بنى المسجد المعروف باسمه جهة باب الواد عندئذ. ويبدو أن شهرة عزيزة هذه لم تقم على دور سياسي أو مغامرة من المغامرات، اللهم إلا الحب الجارف الذي كان يكنه لها زوجها، وهو الحب الذي انتهى بقتلها على يد زوجها نفسه، غيرة عليها ربما، لأن القصة بقيت غامضة. وقد ماتت كما قيل بضربة سيف.
كان رجب باي قد بنى لها دارا (قصرا) نموذجية في الجزائر. وبعد ذلك صادر الباشا هذه الدار، ثم جعلها إقامة ثابتة لبايات قسنطينة ينزلون فيها حيثما حلوا بالعاصمة لأداء عادة الدنوش، وكذلك كان ينزل بها خلفاء البايات الذين ينوبون عنهم في أداء الزيارة، وبعد الاحتلال حولها الفرنسيون إلى مقر للأسقفية (٢).
وقد حظى قصر أحمد باي بدراسات وملاحظات ربما لم يحظ بها قصر
стр. 3897
آخر. وكان القصر حديث العهد إذ بني قبل الاحتلال بسنوات قليلة (١٨٢٦ - ١٨٣٥). وقد بنته أيادي جزائرية صرفة مراعية فيه الذوق والجمال وانسجام الطبيعة، وجلبت بعض مواده من إيطاليا وتونس. ولكن الحاج أحمد لم يتمتع به، فبعد سنة واحدة من إكماله ضرب الفرنسيون قسنطينة، وفي السنة الموالية تمكنوا من احتلالها واحتلال القصر أيضا. وقد أصبح القصر منذ الاحتلال مقرا للإدارة الفرنسية الإقليمية، فعاثوا فيه فسادا، وجردوه من تحفه، وأهملوه فترة، ثم تبادلت عليه الأيدي، وشيئا فشيئا فقد القصر رونقه وجماله، وأصبح فقط موضعا للدراسة والزيارة.
يقول أوغسطين بيرك إن بناء القصر قد تم على يد الحاج الجابري القسنطيني والسيد الخطابي، وكلاهما معروف بتجربته ومواهبه. وللقصر أهمية فنية كبيرة. فقاعاته مستطيلة وله باحات داخلية وحديقتان. ويقع جناح الباي بين الحديقتين. وقاعاته واسعة، وهو مضاء إضاءة طبيعية جيدة عن طريق نوافذ مدروسة للتهوية والإضاءة. ويقوم القصر على عرصات مرمرية تربطها أقواس منحنية، وتغطي جدرانه طبقة من الزليج الملون (١). وقبل بيرك، وصف ديتسون قصر الحاج أحمد باي بإعجاب كبير واعتبره تحفة من الفن المعماري الجميل. ووصفه وصفاء داخليا دقيقا، بعد أن زاره شخصيا وتمتع به، وتحدث عما فيه وعمن فيه. وتذكر ديتسون بالمناسبة الباي المستبد والحوريات الحسان والموسيقى وخرير المياه والليالي الهادئة والزرابي المبثوثة. وقد تخيل ديتسون أنه في إحدى عجائب ألف ليلة وليلة، ثم أفاق من غيبوبته.
ومن رأي ديتسون أن القصر كان يتألف من عدة حدائق، وهي مليئة بأنواع النباتات الاستوائية التي كانت أوراقها تلمع بنثير المياه عليها من العيون العذبة. وحول الحدائق صفوف من العرصات المرمرية وهي التي تقودك إلى الأبهاء والقاعات المزخرفة بالأرابسك. كما وصف ديتسون شقق وأجنحة
стр. 3898
القصر والأضواء الطبيعية النافذة إليه، والهدوء التام الذي يسوده رغم وقوع القصر قرب شوارع المدينة المزدحمة وضجيج الأسواق. ويرجع ذلك إلى أن القصر ليس له نوافذ تطل على المدينة. وقد اعتبره هذا الكاتب رمز الحياة الإسلامية في قسنطينة (١).
وحين تحدث شيربونو عن هذا القصر قال في شيء من التشفي إن صاحبه قد سكنه بضعة أشهر فقط، مرة باشا ومرة سجينا. وقد نقل لنا البيتين اللذين وجدهما منقوشين بخط مشرقي (ديواني؟) على هذا القصر وبطريقة فنية تجلب النظر، وهما:
لمالكه السعادة والسلامة ... وطول العمر ما سجعت حمامة
وعز لا يخالطه هوان ... وأفراح إلى يوم القيامة (٢)
ومن الذين دخلوا القصر (١٨٣٧) واعتبروه تحفة من بقايا ألف ليلة وليلة، الفنان الفرنسي هوراس فيرنيه الذي سبقت إليه الإشارة والذي رسم معركة احتلال قسنطينة بعد أن دفعت له الحكومة نفقات السفر والإقامة. وقد عده حلما من الأحلام الشرقية، ربما لأن فيرنيه نفسه كان يبحث عن الشرق في الجزائر. وقد أعجب بالزخارف العذبة والمنسجمة، وأعجب أيضا بالمرمر الأبيض والرسومات الملونة بالألوان الأكثر حيوية وحياة، وهي تدل على ذوق راق. وكان فيه على عهده الفوارات والمياه الجارية من عيون تظللها أشجار البرتقال وغيرها (٣).
والواقع أن فيرو هو الذي خص قصر الحاج أحمد بدراسة مفصلة بعد منتصف القرن الماضي. وكان ذلك بعد أن حدثت القصر أمور منها الإطاحة بعشرات المنازل القريبة منه لتوسيع المدينة ومذ الطريق الوطني. ومنها إقامة نابليون الثالث فيه أربعة أيام أثناء زيارته لقسنطينة سنة ١٨٦٥. والجديد الذي
стр. 3899
جاء به فيرو هو: أن أحمد باي تأثر بفكرة القصر بعد زيارته لمصر أثناء أدائه فريضة الحج، وأن الذين بنوه وتفننوا فيه هم من الجزائريين وليس من الأجانب، كما ادعى البعض. وأخيرا ألح فيرو على كون الحاج أحمد استولى على دور كثيرة لبناء القصر واستبد بالحكم والرأي حتى أن بعض العائلات التي لم تستجب لطلبه في المساعدة فرت إلى الفرنسيين. هذه هي الأفكار الجديدة حول القصر، كما نلمحها في كتابات فيرو (١). وهو لم يكتب عنه معجبا بل منتقدا خلافا لمن سبقوه إلى وصفه.
بعد أداء فريضة الحج ومشاهدة قصور مصر وكذلك المعالم التي تركها صالح باي في قسنطينة، عزم الحاج أحمد على بناء قصره الذي بدأه، كما ذكرنا سنة ١٨٢٦ وهو يومئذ باي، وانتهى منه سنة ١٨٣٥ وهو عندئذ باشا إذ بعث إليه السلطان محمود الثاني فرمان الباشوية. ولقد كانت الأسرة الباي بعض الدور حيث القصر. فأضاف إليها هو بالشراء والمصادرة دورا أخرى. وكلف أحد الإيطاليين من جنوة (من اليهود؟)، وكان يتاجر بالجملة في الحبوب بعنابة، أن يجلب إليه الرخام الأبيض من إيطاليا، وكل ما هو ضروري لزخرفة قصر منيف. وقد فعل هذا الإيطالي، واسمه (شييافينو) وحملت ألواح المرمر على ظهور البغال والإبل من عنابة إلى قسنطينة. وتسلم الإيطالي أجره حبوبا فحملها إلى ليفورنا، ثم أخذ البناؤون والفنانون في عملهم تحت إشراف قائد الدار، ابن البجاوي. وقد جيء بالمعماريين من كل أنحاء الإقليم، وعلى رأسهم الحاج الجابري والسيد الخطابي اللذان ذكرناهما من قبل. ويذهب فيرو إلى أن كليهما قد مارس البناء سابقا في الإسكندرية وفي تونس. وكذلك جاء الرسامون والنجارون من الأهالي. وجيء ببعض اليهود من تونس لوضع المربعات والنوافذ الزجاجية. وما عدا المرمر والزليج الملون فإن كل المواد الأخرى للبناء إنما جيء بها من المدينة أو مما حولها.
стр. 3900
ويذهب فيرو إلى أن الباشا (الداي) حسين قد تلقى شكاوى من الناس على أن الباي أحمد أخذ ديارهم غصبا، فوبخه، على ذلك، ولكن الباي أخبره أنه عوض المتضررين منهم. ثم إن الباي تبين أن القصر يحتاج إلى مواد أخرى أكثر مما اشترى إلى ذلك الحين، فلجأ إلى كبار المدينة والإقليم لينجدوه بما عندهم من المرمر والأبواب والنوافذ. وحسب فيرو الذي ربما استقى معلوماته من الموتورين من حكم أحمد باي بعد جيل أو أكثر، فإن الخائفين والطامعين جاؤوه بما عندهم، بينما بعض العائلات لجأت إلى الفرنسيين خوفا من بطش الباي، وقد ذكر منها فيرو أولاد قارة علي، وأولاد إبراهيم باي، وهم الذين صادر الباي أملاكهم طبعا. وكان ذلك على إثر حملة ١٨٣٦ الفاشلة على قسنطينة.
أما تكاليف ومساحة القصر فقد أوجزها فيرو فيما يلي: رواية عن الحاج محمد الزموري الذي كان خزناجيا (وزير مالية) الباي. فكانت التكلفة مليونا ونصفا من عملة البياستر. وكان رؤساء البناء والنجارة يحصلون على خمسة بياستر كل يوم، بينما العامل العادي يحصل على بياستر واحد يوميا. وكان الدفع أسبوعيا على يد الخزناجي. وأما المساحة التي احتلها القصر فهي ٥، ٦٠٩ متر، وهو يتألف من ثلاثة أجنحة سكنية ورئيسية، في طابق واحد. وكانت هذه الأجنحة منفصلة عن بعضها بحديقتين، يقع بينها حريم الباي نفسه، وكانت للقصر حيطان عالية.
كان الحاج أحمد متزوجا من أرسى نساء بعضهن من عائلات عريقة ومتنفذة مثل أولاد مقران وعائلة عثمان خوجة (والد حمدان خوجة صاحب كتاب المرآة). وقدر الفرنسيون عدد النساء اللائي وجدوهن في القصر بعد الاحتلال (١٨٣٧) بحوالي ٣٥٠. وهو ما يطلقون عليه (الحريم). والمعروف أن الحاج أحمد قد أخذ عائلته معه إلى الأوراس عندما لجأ إليه، وقد وضع نساءه في الزاوية القادرية في بلدة بوزينة. ولا ندري الآن أي نسائه أخذ معه عندئذ، وقد كان أخواله هم أولاد ابن قانه الذين تخلوا عنه في وقت
стр. 3901
الشدة وانضموا للفرنسيين. ومن جهة أخرى صور الكتاب الفرنسيون، ومنهم فيرو، معاملة الحاج أحمد لنسائه معاملة سيئة وتحدثوا عن إحداهن، وهي عائشة التي كانت قد اختطفت كسبية من إيطاليا. وذهب فيرو إلى أنها تحولت، بعد الاحتلال إلى النصرانية على يد الأسقف دوبوش وتزوجت فرنسيا. وربما كانت من المحظيات أو الإماء ولم تكن من النساء الحرائر للباي.
وقد احتوى القصر على رسومات كلها من رسم الفنانين الجزائريين، وكتابات عربية للزخرفة والموعظة، مثل البيتين اللذين سبقا، وعبارة (نصر من الله) وغير ذلك. وفيه غنائم وهدايا من تقرت، وهي تشمل أسلحة فاخرة، ومجموعة ملفتة للنظر من الآلات الموسيقية، ومنها طنابير من النحاس ذات الحجم الكبير. وغيطة أخذت من (السلطان) سلمان، شيخ تقرت على أثر معركة المقرين. كما احتوى القصر على خوذات واردة من تبسة تشبه الخوذات التي لبسها المسلمون أثناء الحروب الصليبية. وفيه أيضا أعلام ورايات من مختلف القبائل، وأنواع من الأسلحة. ويبدو أن بعضها مما أضافه الفرنسيون بعد حروبهم ضد المقاومين الجزائريين.
وكان الحاج أحمد قد رجع إلى قصره بضعة أيام سنة ١٨٤٨، أي بعد استسلامه لعدوه القديم. فقد سمحوا له بالإقامة في القصر إلى أن حملوه من قسنطينة إلى الجزائر حيث توفي بعد بضع سنوات. وكان إحضاره إلى قسنطينة مصيدة قصدوا بها معرفة من كان ما يزال على ولائه له من المسلمين. ومن جهة أخرى أقام في نفس القصر وجوه أوروبية معروفة. فبالإضافة إلى نابليون الثالث، نزل بالقصر الأمير نابليون والأميرة كلوتيلد سنة ١٨٦١، وملك بلجيكا، ليوبولد الثاني، سنة ١٨٦٢ (١).
المتاحف
في فصل المنشآت الثقافية تحدثنا عن المتاحف بصفة عامة منذ إنشائها
стр. 3902
حوالي ١٨٣٥ (١). وفي هذه الفقرة نريد أن نتعرض للمتاحف الفنية فقط، ولا سيما تلك المتصلة بالفنون الإسلامية والتراث الوطني الذي يسميه الفرنسيون (الأهلي). ويبدو أن الاهتمام بهذا النوع من المتاحف يرجع إلى آخر القرن الماضي وبالذات إلى عهد الحاكم العام جول كامبون. ففي تلك الأثناء راجع الفرنسيون سياستهم الإسلامية عموما، وأخذوا يهتمون أيضا بالآثار الإسلامية والفنون الشعبية، احتواء للمد الإسلامي، في نظرهم. وقد كان على رأس إدارة الشؤون الأهلية عندئذ المستشرق لوسياني الذي اطلع على التراث الجزائري وترجم ونشر منه نماذج عديدة. ثم خلفه جان ميرانت، وكان أيضا عاملا في نفس الإدارة من قبل.
ففي ديسمبر ١٨٩٢ أنشئ بقرار وزاري متحف الآثار الجزائرية القديمة، وخصصت له بناية كانت تقع في حي مصطفى باشا من الجهة العليا. (وكان المتحف الرئيسي أو العتيق تابعا، منذ تأسيسه سنة ١٨٣٥، إلى المكتبة العمومية).
وفي سنة ١٩٠٩ وهي سنة إنشاء جامعة الجزائر وازدهار عهد جونار، صدر قانون يأمر بوضع نسخة من كل ما له علاقة بالآثار لدى مصلحة الفنون الجميلة. وكانت الأبحاث عندئذ جارية في المدن الآتية: شرشال وجميلة وتيمقاد، وكلها تحتوي على آثار رومانية. ومن حسنات هذا العهد تصنيف الآثار والبنايات التي تعتبر معالم أثرية، وكذلك تحديد الأشياء التاريخية، والحفريات. وفي سنة ١٩٢٧ كان مدير مصلحة الآثار القديمة هو السيد (ألبرتيني). وقد خصصت مصلحته ميزانية للحفريات وصيانة الآثار واسترجاعها. كما خصصت منحا للدراسات الأثرية. وكان ذلك عشية الاحتفال المئوي بالاحتلال حين ازداد اهتمام السلطات بالآثار وعرضها وتخصيص الميزانية لها. ففي سنة ١٩٢٩ وزعت الميزانية هكذا - بزيادة معتبرة على السنوات السابقة - على المتاحف التالية:
стр. 3903
١ - صيانة واسترجاع المعالم الأثرية .......... ٥٢٥، ٠٠٠ ف.
٢ - متحف تيمقاد ومتحف جميلة .......... ٨، ٠٠٠ ف.
٣ - معونة للمتاحف العلمية والأثرية ......... ١٨، ٠٠٠ ف.
٤ - منح للدراسات الأثرية .......... ٨، ٠٠٠ ف.
٥ - متحف الآثار القديمة ومتحف الباردو .......... ١٢، ٠٠٠ ف.
وفي سنة ١٩٣٠ عندما كان الاحتفال على قدم وساق أعلن الحاكم العام (بيير بورد) عن تخصيص ميزانية لجوانب أخرى تتعلق بالآثار والفنون. ونلاحظ أن حظ المعالم الإسلامية فيها كان ضئيلا، لأن الاهتمام ظل دائما بآثار الرومان التي يعتبرها الفرنسيون من آثارهم باعتبارهم ورثة (مجد) روما وصولجانها. وهذا هو توزيع الميزانية الجديدة:
١ - للبحوث الأثرية، ٤٢١، ٠٠٠ ف. خصص منها: ٢٠، ٠٠٠ لحفريات قبر الرومية (قبر الملك يوبا وابنة كليوباترة). و ٢٥، ٠٠٠ لمتحف شرشال، و ١٠٠، ٠٠٠ ف لحفريات زانة ومقابر الخروب وعنابة، و ١٥، ٠٠٠ ف للبحث في آثار ما قبل التاريخ.
٢ - لمجموعة الآثار اللاتينية، وتعويض بعثة الآثار الإسلامية، وشراء أملاك في هيبون (عنابة): ٢٦١، ٥٩٨، ٩٠ ف (١).
وقد سبق القول أن جمعيات أثرية كانت قد أنشئت في مختلف المدن الرئيسية وكان لبعضها نشرات تنطق باسمها وتعلن عن نتائج أبحاث أعضائها. وبمناسبة الاحتفال المئوي المذكور عمدت تلك الجمعيات إلى إجراء بحوث وجرد وعرض ما توصلت إليه من بحوث، وكانت هذه الجمعيات تتعاون مع البلديات في جمع الآثار وتكوين المتاحف وتخصيص وسائل الحفظ والصيانة. وهكذا نشطت إدارة الآثار في العاصمة فجمعت لوحات عديدة من رسم وتصوير الفنانين (المحليين) ووضعتها في قاعة البلدية. ويجب التنويه
стр. 3904
بجهود جورج مارسيه الذي تولى الإشراف على مجموعات الآثار الإسلامية والعناية بمتحفها. وقد وفر من هذه الآثار ما ضاق به المكان.
ومن المتاحف الهامة في هذا المجال نذكر متحف باردو لما قبل التاريخ. وكانت لجنة الاحتفال المئوي قد خصصت له إحدى الفيلات (القصور) العربية - الإسلامية ذات الفن والزخرفة الراقية، وهي فيلا ترجع إلى العهد العثماني. وفيه وضع السيد (ريجاس) مجموعته الأثرية بعد إجرائه لعدة حفريات في الصحراء وغيرها. ثم جاء السيد (بالو) وأضاف مخبرا لما قبل التاريخ، بما في ذلك، مكان (لتين هينان) التي ترجع أسلحة عهدها وحليه إلى القرن الرابع الميلادي حسب الأخبار. وبالإضافة إلى ذلك انفصل المتحف الذي سمي على (ستيفان قزال) بناحية قصر الشعب اليوم عن المتحف القديم الذي خصص للآثار الإسلامية. فكان متحف قزال يضم المجموعات الغنية من التماثيل والمنحوتات القديمة المنقولة من شرشال التي تعبر عن الحضارة الرومانية. وكانت المجموعة تضم أيضا نماذج من الفسيفساء والحلي والمصابيح التي تدل على ما كانت عليه المدن عندئذ. بينما بقي المتحف القديم خاصا بالفن الإسلامي تحت إشراف مارسيه المذكور.
وفي ناحية حديقة التجارب (الحامة) وحيث توجد فيلا عبد اللطيف المخصصة لإقامة الفنانين الفرنسيين، أنشئ متحف الفنون الجميلة، على بعد خطوات فقط من الفيلا، وهو متحف يكاد يكون خاصا. بالآثار الفنية الفرنسية أو التي أنتجها الفنانون الفرنسيون بالجزائر. وكان السيد (ألازار) هو الذي أنشأ وأدار هذا المتحف، وقد كان أستاذا لتاريخ الفن بجامعة الجزائر. وكانت المجموعات الفنية في المتحف قد جمعها ألازار من جهات عديدة وخلال عدة سنوات. وكانت فيلا المتحف تضم عدة طوابق: فالطابقان الأسفلان مخصصان للتماثيل والمنحوتات، ومنها ما نحته تلاميذ فيلا عبد اللطيف الذين جاؤوا لينعموا بسحر الشرق، كما أشرنا. وأما الطوابق العليا في الفيلا (المتحف) فقد خصصت للرسم. وكانت تضم مجموعة لأكبر
стр. 3905
الرسامين الاستشراقيين الفرنسيين الذين أتينا على ذكر بعضهم، مثل دي لاكروا، وفرومنتان، وشاصيريو، وقوميه. وإضافة إلى ذلك ضمت الفيلا (المتحف) مجموعة من الفنون العصرية (١).
ومن بين المتاحف التي أنشئت أيضا (متحف التاريخ العسكري) بالعاصمة، وقد أطلق عليه اسم المارشال ديسبيريه. وكان موضعه بالقصبة حيث قصر الداي. وقد قسم المتحف إلى ثلاثة أقسام: ذكريات عسكرية من كل نوع، وأسلحة جزائرية وصور وملابس، ثم قادة جزائريون، قيل عنهم إنهم (خدموا فرنسا) (٢).
أما المتاحف الجهوية فهناك متحف قسنطينة ومتحف وهران. أنشئ متحف قسنطينة فوق (كدية عاتي) وهي ربوة عالية تشرف على المدينة وعلى مساحات من السهول. وقصد الفرنسيون المأخوذون بالعهد الروماني إلى أن يمثل هذا المتحف قصرا بونيقيا حتى أن الزخرفة استمدها المهندس والفنان من حضارة العهد البونيقي. كما وقعت فيه المزاوجة بين فن هذه الحضارة وصورة سيرتا (قسنطينة القديمة) في مختلف العصور، باعتبارها عاصمة الفن النوميدي. ومع ذلك يذهب غوستاف ميرسييه إلى أن المتحف كان يجمع بين اللون الإغريقي - والروماني أيضا.
ولكن متحف قسنطينة لم يكن خاصا بالفن الفينيقي ولا النوميدي ولا
стр. 3906
الإغريقي - الروماني، بل كان شاملا لفنون القرن التاسع عشر أيضا والعهد الاستعماري على العموم. فمن آثاره لوحات لهوراس فيرنيه وقيوميه ولازيرق الذي قيل إنه تخصص في الفن الزواوي، وكذلك ديكامب. ويشمل المتحف أيضا قاعة للمعروضات الأثرية التي ترجع إلى ما قبل التاريخ، كما يشمل آثارا إسلامية أو ترجع إلى العهد الإسلامي. وآثار العهد النوميدي غنية في هذا المتحف، وكان محافظ المتحف عندئذ (أوائل الخمسينات) هو أندري بيرتييه الذي عمل على إثراء هذه المجموعة (النوميدية). ويعتبر متحف قسنطينة صورة لتاريخها من أقدم العصور إلى العهد الاستعماري، مرورا بالمعالم الإسلامية مثل الجامع الكبير ومدرسة سيدي الكتاني وجامع سيدي الأخضر وقصر أحمد باي (١). ولكن وجهة المتحف تظل غريبة عن الهوية الوطنية.
وفي سنة ١٩٣٠ دشن متحف وهران. وهو أيضا كان غريبا عن الهوية الوطنية. فقد جعله المهندس المعماري، وولف، متحفا بطابع إغريقي. وهكذا فالمتاحف لا تمثل الطابع البربري ولا العربي ولا الإسلامي. وإنما هي هجين تسيطر عليه الروح الرومانية والإغريقية ثم الفرنسية. وفي القاعة الرئيسية لهذا المتحف وضعت الرسومات والصور لمشاهير الفنانين، ومنها رسم للدوق دومال ابن ملك فرنسا. وكانت شهرته ترجع إلى أنه طارد زمالة الأمير، ثم إنه هو الذي وعده في نهاية ١٨٤٧ بتركه يختار منفاه وإقامته. ومن أسماء الفنانين التي عرضت آثارهم في هذا المتحف وينترهالتر، ودايون، وليين، وهوقي، وشاتو، وغيرهم من الرسامين المعاصرين. وفي المتحف قاعات أخرى، واحدة لتعليم الفن، وأخرى للتاريخ الطبيعي. وأما الطابق الأرضي للمتحف فكان مخصصا للمنحوتات كالتماثيل، ومجموعة الاثنوغرافية، كما أن مبنى المتحف قد ضم المكتبة البلدية أيضا، وقاعة محاضرات، وقاعة عرض. وهناك حديقة تحوط بالمبنى.
стр. 3907
ومن أغنى المتاحف بالتماثيل والفسيفساء متحف شرشال الذي تحدثنا عنه. وهو يحتفظ بآثار يوبا الثاني وكليوباترة سيليني، وأيول القيصرية. وكانت تيبازة قد بدأت تكشف عن آثار رومانية أخرى، وهي أيضا هامة للمنطقة. وكذلك ظهرت متاحف سوق أهراس وتبسة وجميلة وتيمقاد (١). وكلها كانت تهتم بجمع الآثار الرومانية، كما لاحظنا. فالآثار الإسلامية لا تكاد تجد المهتمين بها من الباحثين. وقد ضمت تلمسان أيضا متحفا جعله الفرنسيون في أحد المساجد (أبو الحسن) بعد أن عطلوه تماما. عن الصلاة.
الرسام ناصر الدين (إيتيان) ديني
من الفنانين الفرنسيين الذين ارتبط اسمهم بالجزائر والفن الإسلامي - العربي، إيتيان ديني الذي أصبح اسمه بعد اعتناقه الإسلام ناصر الدين. ولد في باريس سنة ١٨٦١ وكان أبواه محاميين، وأرادوا له أن يكون مثلهما في مهنة المحاماة، ولكنه توجه إلى الفن وتخصص في الرسم. حصل على الثانوية من مدرسة الفنون الجميلة بباريس، وزار الجزائر في أول رحلة له سنة ١٨٨٣. وقصد الواحات. ولعله تأثر بكتابات فرومنتان عنها بعد قراءة كتابه (صيف في الصحراء). وتكررت زيارات ديني للجزائر بعد ذلك التاريخ، وفي سنة ١٨٩٢، قرر البقاء فيها رغم أنه ظل يتردد على باريس. وفي إحدى زياراته لها سجل نفسه في مدرسة اللغات الشرقية. وقد شارك بقوة في معرض الفن الإسلامي الذي أقيم سنة ١٩٠٣ (٢).
في بو سعادة تعرف ديني على إحدى العائلات، هي عائلة الحاج سليمان بن إبراهيم الذي أصبح صديقا له وملازما. وعن طريق ابن إبراهيم اكتشف الحياة والمشاعر العربية، وظهر ذلك في لوحاته التي سنشير
стр. 3908
إليها (١). وقد اشترك ديني والحاج سليمان في تأليف الكتب والأسفار والحج. وتعلم منه اللغة العربية وآدابها، وتاريخ الإسلام وتعاليمه. وقاده تعمقه في فهم الحياة العربية وحياة المسلمين ومبادئ الإسلام إلى إظهار اعتناقه هذا الدين سنة ١٩٢٧. ولا ندري هل آمن ديني بالإسلام قبل ذلك ولم يعلنه إلا في ٣ نوفمبر من العام المذكور (١٩٢٧)، بعد أن تقدمت به السن، خوفا أو حرجا من قومه الفرنسيين، أو أنه لم يكتشف الإسلام إلا في هذه السنة. ومهما كان الأمر، فإن سنة ١٩٢٧ تمثل رمزا هاما، فهي تمثل مرور مائة سنة على ضرب الحصار الفرنسي على الجزائر، وهو الحصار الذي انتهى بالاحتلال. كما أنها هي السنة التي بدأت فيها السلطات الفرنسية الاستعداد للاحتفال المئوي. وتعتبر سنة ٧ ١٩٢ رمزا آخر لنهضة الجزائر أيضا، فهي السنة التي ولد فيها نادي الترقي بالعاصمة، وأعلن فيها زعماء نجم شمال افريقية عن مطلب استقلال الجزائر. وظهر بعدها الحديث عن تأسيس جمعية للمصلحين، وهي الجمعية التي ستظهر بعد أربع سنوات في صورة (جمعية العلماء المسلمين).
أمام حفل جرى في الجامع الجديد بالعاصمة تحت إشراف المفتي الحنفي الشيخ محمد بوقندورة أعلن ديني إسلامه وتسمى بناصر الدين كما ذكرنا (٢). وقد احتفل المسلمون بهذا الحدث لشهرة ديني الفنية التي سبقته. وأقاموا له حفلا على شرفه في نادي الترقي. وفي سنة ١٩٢٩ أدى فريضة الحج برفقة صديقه الحاج سليمان بن إبراهيم. ويبدو أن الحج لم يكن متيسرا له، وخشي الشك في أمره من الحجاج وسلطات الحجاز، فتدخل له الأمير شكيب إرسلان، ربما بواسطة أحمد توفيق المدني، لدى السلطات المصرية
стр. 3909
والحجازية، وأتم حجه، ورجع إلى بوسعادة التي اتخذها مقرا له في سبتمبر ١٩٢٩. ولم تطل به الحياة بعد ذلك. فقد سافر إلى باريس فأصابته هناك نوبة قلبية فتوفى على إثرها، وأوصى أن ينقل جثمانه ويدفن في بوسعادة، ووقع ذلك بالفعل في ٢١ يناير ١٩٣٠. وحضر جنازته هناك بعض أعيان الجزائر، ومنهم الشيخ الطيب العقبي والشيخ أحمد توفيق المدني. وقد تركا لنا وصفا بالصور للتأبين والحضور، نشرة مجلة الشهاب (١). ويبدو أن معظم المسلمين في الجزائر اعتبروا اعتناق ديني الإسلام انتصارا لهم، وربما كان اهتمامه بالحياة العربية مما قربه إلى نفوسهم. ولا ندري إن كان لجان ميرانت المسؤول عن الشؤون الأهلية عندئذ، دور في هذه الأحداث.
ترك ناصر الدين ديني مجموعة من اللوحات التي خلدت الوجوه العربية وحياة الصحراء والطقوس الإسلامية. وهي تظهر تأثره بالطبيعة الجزائرية وتعكس مدرسته الفنية المتميزة. ويجب القول إن بعض لوحاته كانت بذيئة جدار من حيث الذوق العام، رغم أنها كانت ترضى الذوق الفرنسي ولا تجرح الذوق الأوروبي، سيما (الرقصة النائلية)، وكان ديني مثل الفنانين الفرنسيين الآخرين قد تبنوا الموضوعات الاستعمارية ومنها إظهار الإنسان الأهلى فى صورة البدائي المتخلف، أو الوحشية الفطرية، كما سماها بعضهم، ولا ندري إن كان ديني قد بقي على رأيه في مثل هذه الصور حتى بعد اعتناقه الإسلام، واقترابه من المشاعر العربية.
من لوحاته الدينية: (العرب أثناء الصلاة)، وهي تمثل صورة ثلاثة من الرجال في حالة التأهب للتكبير وهم بلباسهم الإسلامي الأبيض، ولكنه أضفى على الصورة ألوانه الخاصة، وجعل حركات أيديهم ولمعان عيونهم كأنها ناطقة. ومنها (أطفال العرب أثناء كتابة الألواح) في المدرسة القرآنية التقليدية. وهي أيضا لوحة نابضة بالحياة. وله لوحات أخرى اجتماعية
стр. 3910
وغرامية، أو معبرة عن أنشطة خاصة مثل صورة (المداح) وهو ينشد وحوله المستمعون في حالة انسجام واستغراق. وصورة (الكمين) الذي نصبه ثلاثة من العرب، وهم يتأهبون لإطلاق النار على عدوهم. ثم صورة (الحمار والأطفال) أي صورة حمار يركبه ثلاثة أطفال وهم في حالة زهو ونشوة. ويقال إن ديني ترك حوالي مائة وخمسين لوحة. وقد لخص باحث فرنسي إنجازات ناصر الدين ديني فقال إنها تعمقت في الحياة بتصوير الكثبان الرملية والجبال والخيل والأطفال والرجال والنساء، والفوارس والراقصات، والفتيات الجميلات، والرجال وهم في حالة الصلاة، كما صور حالة اقتراب الموت، ونبض الحياة في الواحات، ولا سيما بو سعادة (١).
أما كتب ناصر الدين ديني، فقد عالجناها في المؤلفات الدينية، وهي من إنتاجه وإنتاج صديقه الحاج سليمان بن إبراهيم أيضا (٢). وهناك شخصية أخرى ذكرت معه أثناء الحج، وهو الحاج عيسى، دون أن ندري دوره بالضبط.
ورغم شهرة ناصر الدين فإن تأثيره على معاصريه مجهول لدينا. فهل تأثر بفنه ومدرسته بعض الجزائريين؟ وهل تخرج على يديه بعضهم؟ وما مدى تأثيره على الفنانين الفرنسيين؟ أو كان مجرد فنان فرنسي عاش في الجزائر (الفرنسية) واعتنق الإسلام، ثم جمعت لوحاته في متحف الفنون الجميلة مع لوحات غيره. ولم يبق منه للجزائريين سوى قبره المشاهد من بعيد في سفح جبل كردادة في مدينة بوسعادة؟.
النقش والرسم والخطاطة
ساهم الجزائريون في الفنون الجميلة قبل الاحتلال، كما عرفنا من دراستنا للعهد العثماني (٣). وكانت مهارتهم قد برزت في فنون الخط
стр. 3911
والزخرفة في المنازل والتجليد وبعض الرسوم والنقوش. ورغم ما قيل من أن الإسلام يحرم التصوير، فإن الآثار تدل على عدم الالتزام بذلك دائما. وقد ظهرت الزخرفة على الأكثر في توظيف النباتات أكثر من الحيوانات في الرسم والتصوير. والمعروف أن أوليات الرسم عند الجزائريين تبدأ من المدرسة القرآنية حين يرسم التلميذ على لوحته رسوما مختلفة ويلونها بما أمكنه من الألوان. وقد يرسم عندئذ ما في محيطه من أشجار وعصافير وخطوط. وهو يلجأ إلى رسم معين ويتفنن فيه كلما أكمل (ختمة) لحزب من القرآن. وكثيرا ما يباهي التلميذ بذلك أقرانه. وقد يكتب سورة الفاتحة ويحيطها بإطار ملون جميل فيه أشكال هندسية على قدر عقله ومحيطه.
وكان المتوقع أن تزدهر الفنون بالجزائر مع تقدم العلم والفن والاتصال مع الخارج. ولكن الذي حدث هو العكس، كما لاحظت ماري بوجيجا، فقد انقطع الإنتاج القديم ولم يحدث الجديد. وعاش الفنانون الجزائريون عهدا طويلا من الظلام الدامس دام أكثر من سبعين سنة (جيلان تقريبا). فخلال هذا العهد الطويل لا نكاد نجد من استعمل الرسم والزخرفة، لأن الأذواق اختلفت، والإمكانات انقطعت، ومجالات العمل بهذه الفنون قد تولاها الغير، مثل فن البناء والتجليد. ولم تستأنف المسيرة الفنية نشاطها المحدود إلا في آخر القرن الماضي، مع أفراد من عائلات عريقة كعائلة ابن الحفاف، وعائلة ابن سماية، وسارمشق، وفرفارة.
لا ندري إن كانت عائلة الهاشمي سارمشق قد واصلت فنها خلال العهد الاستعماري، فنحن لا نكاد نجد لها صدى في ما عندنا، من وثائق وآثار، بينما كانت لها آثار هائلة في تلمسان ومعسكر في آخر القرن الثامن عشر، ومن آثارها نقش وزخرفة مدخل ضريح سيدي بومدين (١٢٠٨ هـ/
стр. 3912
١٧٩٣ م) (١). وفي عهد الأمير عبد القادر نجد عائلة فرفارة (وهما ابنا عم واسمهما: سالم بوجنان بن فرفارة ومحمد بن حسن بن فرفارة) التي كانت تعمل لحساب الأمير. وقد قام أحدهما بنقش الخشب الخاص بمنبر جامع سيدي إبراهيم (تلمسان؟) سنة ١٢٤٨ (١٨٣٢). كما أن نفس الشخص ربما هو الذي صمم الكرسي الموضوع في جامع سيدي بومدين والذي أمر به الأمير عبد القادر حوالي سنة ١٨٤٣ (٢).
وعندما بنيت الزاوية التجانية بقمار، جيء لها بفنان (نقاشں) من فاس. لا نعرف الآن اسمه، ولكنه كان ذا شهرة واسعة، وقد بنى الزاوية ورسم عليها نقوشا كثيرة وزخرفها حسب الذوق العربي الإسلامي متأثرا بالطراز المغربي - الأندلسي. وقد بهر فنه عددا من الموهوين في قمار، فتعلموا منه الصنعة، ومنهم عمر قاقه الذي سبقت الإشارة إليه. وقد ساهم عمر قاقه في نقوش أخرى في قمار وفي البريد المركزي بالجزائر إذ كان الناس يستدعونه لهذه المهمة من شتى النواحي. وأخذ عنه الصنعة بعض الموهوبين الآخرين، ومنهم ابنه التجاني قاقه الذي بنى ونقش عدة مساجد وزوايا. ومنهم عبد الفتاح حتى الذي نقش دار البريد المركزي أيضا بعد تجديدها، وهو الذي نقش كذلك ضريح محمد الحبيب (الصغير) التجاني في عين ماضي (٣).
ولم يبق النقش حكرا على الجزائريين بعد الاحتلال. فقد جاء النقاشون الفرنسيون وغيرهم، وكثرت أعمال النقش في غير البناء، ومن ذلك نقش الأختام الرسمية. وكان النقاشون الفرنسيون يملكون حق الإعلان عن حرفتهم. فنحن نجد مثلا إعلانا للنقاش (ليون) يصف نفسه بأنه نقاش لدى الولاية (الحكومة) العامة، وأنه صانع أختام وطوابع الولاية. وهذا (الإعلام) بالعربية وموجه إلى (الرؤساء المسلمين الراغبين في طابع جميل). كما يصفه
стр. 3913
بأنه حامل وسام العلم، وأنه قد فتح (مصنعه) منذ ١٨٦٨. ولا شك أن هناك غيره أيضا، قبله وبعده (١).
يوسف ابن الحفاف: ومن أبرز النقاشين الجزائريين أوائل هذا القرن يوسف ابن الحفاف. فهو، كما قالت بوجيجا من النوادر في فن الموزاييك، رغم أن هذا الفن تدنت قيمته لانقطاع رجاله، كما ذكرنا. وكان ابن الحفاف هذا، وهو يرجع إلى أسرة عريقة في الدين والأدب، من مدينة الجزائر (٢)، يمارس النقش على الخشب والنحاس بجودة واتقان، وهو يلون ويضيء مربعات الزليج بأشكاله، ويقوم بزخرفة التحف كذلك. وكانت موهبته قد لفتت إليه الأنظار في الجزائر وخارجها. فهو مبدع في تناسق وتناغم الظلال الفنية، وكان يزاوج بين اللون البنفسجي والأزرق والأحمر ... ويستعمل التذهيب أيضا، وكان يحتفظ، حسب بوجيجا، بسر مهنته لنفسه. وقد استحق التقدير والجزاء على فنه.
وقد وصفته بوجيجا بأنه كان يرسم وينقش مباشرة بإزميله بدون رسم مسبق، وعندما كان ينتهي من الرسم يضع الفخار كله في الماء فلا يحول ولا يفسخ. وقالت إنها جلست إلى جانبه طويلا وتأملت في عمله، فوجدته صانعا لعمل فني أصيل، فقد كان فنانا يثير الإعجاب. ولذلك دعت قومها إلى ضرورة الاهتمام به. وقد شارك يوسف ابن الحفاف في معرض مرسيليا (١٩٠٣؟) ونال فيه حظا كبيرا، وكانت موهبته الفنية محل إعجاب. وخصص له جناح في المعرض المذكور بتوصية من بوجيجا وزوجها، لأن الموهبة وحدها لا تكفي للفنان الجزائري إذ لا بد من تقديم المستعمرين له. وفي هذا الجناح رسم يوسف تلقائيا وارتجالا أمام آلاف الزوار فجلبت طريقته في
стр. 3914
الرسم والتنفيذ وإنتاج الرسومات والأشكال البديعة تهاني الشخصيات الرسمية والفنية، وقد عبروا له صراحة على أنهم لم يشهدوا موهبة كموهبته ولا طريقة كطريقته في الرسم والنقش.
وفي مرسيليا حاول بعضهم (الاحتفاظ) بيوسف واستغلال موهبته الفنية. ولكنه اعتذر بوجود عائلته وورشته الفنية في الجزائر. فألحوا عليه بالبقاء بعض الوقت، فبقي حوالي عشرين يوما رسم خلالها رسومات نالت جائزة كبيرة. وقد منحه مدير المصنع الذي عمل معه ألفي فرنك في اليوم بعملة ذلك الوقت. أما في مدينة ليون فقد قام يوسف برسم نماذج أخرى على تحف فنية من النحاس. وقد وردت عليه عروض مغرية. ولا ندري إن كان قد واصل طريقه إلى باريس أيضا وعرض فيها فنه. ومهما كان الأمر، فإنه نقل سر مهنته إلى فتاة فرنسية، اسمها (بودو) إذ علمها في الجزائر هذا الفن ضمن الدروس التي تلقتها عنه، ثم فتحت هي بدورها ورشة في فرنسا (لوفيسبيين)، وقد زارها هناك وعرفته على تلاميذها وورشتها (١). ومن الأسف أن ابن الحفاف لم يورث صنعته أحد الجزائريين أيضا. ومع ذلك تقول بوجيجا عنه إنه احتفظ بسر صنعته لنفسه.
وبالإضافة إلى ابن الحفاف، هناك الفنان ابن المكي. وقد وصفته ماري بوجيجا بأنه مزخرف وفنان في فن الفسيفساء (٢). ولم نعثر على معلومات أخرى عنه.
عمر بن سماية: واشتهر من الرسامين - النقاشين والخطاطين أيضا عمر بن سماية (سمايا). وكان قد نال وسام الأكاديمية سنة ١٨٩٦. وهو من عائلة ابن سماية التي أنجبت علي بن سماية الذي تولى التحرير في جريدة (المبشر) مدة طويلة، وتولى أيضا التدريس. ثم عبد الحليم الذي اشتهر أمره كأستاذ في الثعالبية في أول هذا القرن، وكانت له مواقف ضد التجنيد الإجباري
стр. 3915
وضد آراء بعض المستشرقين (١). ولا نملك الآن الكثير من أعمال عمر بن سماية الفنية. ولعله لم يجد من يسجل سيرته ويصف تجربته الفنية كما فعلت بوجيجا مثلا مع يوسف ابن الحفاف. ولولا اللوحات الفنية التي رسمها لكتاب ديبون وكوبولاني عن (الطرق الدينية الإسلامية) لما وجدنا اسمه في الوثائق التي اطلعنا عليها. ولعل الصحف المعاصرة كالمبشر والأخبار وكوكب أفريقيا تضم أخبارا هامة عنه.
وهناك على الأقل أربع لوحات ذات طابع إسلامي ظهرت ملونة بخطوط مختلفة الجمال والأحجام في كتاب ديبون وكوبولاني. واللوحة الأولى تمثل الطرق الصوفية، وهي في شكل وردة مفتحة الأوراق ذات ألوان ويعلوها الهلال والنجمة (وقد تبدو الصورة كأنها عمامة كبيرة قديمة). وفي اللوحة أيضا تتعانق الأغصان ذات الألوان والأوراق، وكل منها يمثل طريقة صوفية، ويبدأ ساق الوردة بالبسملة (باسم الله)، ثم اسم جبرائيل، ثم اسم محمد ﷺ ، ثم أسماء الخلفاء الراشدين الأربعة. وبعد ذلك يبدأ التفريع للطرق الصوفية، وهو ينتهي بالطريقة السنوسية عند اجتماع أطراف الوردة أو العمامة في نقطة النهاية. ويوجد داخل الهلال الذي يتوسط الوردة عبارة (بيان الطرق). أما داخل النجمة فتوجد عبارة (الكتاب والسنة)، وتظهر النجمة ذات أشعة منطلقة في كل الاتجاهات. أما الألوان التي نجدها في هذه اللوحة فهي الأحمر والأخضر والأصفر والبرتقالي والأخضر الزيتي والأزرق الفاتح واللون البني (٢).
وهناك لوحة ثانية على مساحة صفحة كاملة من الكتاب الضخم. وهي ضمن إطار ملون بالرسم الإسلامي - العربي الجميل. وداخل هذا الإطار شجرة ذات أوراق على كل ورقة منها اسم طريقة من الطرق الصوفية، ثم
стр. 3916
أغصان. ويتعانق غصنان في أعلى الساق التي تبدأ بالبسملة أيضا (باسم الله)، ثم اسم جبرائيل، ثم محمد ﷺ ثم القرآن والحديث ثم قواعد الإسلام الخمس. وحين ترتفع ساق (جذع) الشجرة تنتهي بأوراق أربعة على كل منها اسم خليفة من الخلفاء الراشدين الأربعة، بينما الورقة الوسطى ظلت شاغرة. وعلى الجانبين من أعلى الساق نلاحظ الهلال والنجمة مكررين في كل من الزاوية اليمنى واليسرى للإطار العام في الجهة العليا. أما أرضية الإطار فهي باللون الأخضر الزمردي. وأما الألوان الأخرى الغالبة في اللوحة فهي الأحمر والبرتقالي والأخضر والأزرق والأصفر والرمادي.
واللوحة الثالثة تمثل إطارا عاما أيضا على صفحة كاملة من الكتاب، وهو إطار بني اللون ومنقط بالأحمر. وبداخله زخرفة نباتية من زهور وأغصان متعانقة، ذات أوراق خضراء وورود حمراء ووردية (بنفسجية) على أرضية زرقاء. وداخل هذا الإطار المزدوج صورة على شكل بيضة خضراء مؤطرة أيضا بإطار بني يتوسطه شريط أحمر. وداخل البيضة شجرة ذات أغصان تبدأ باسم الجلالة (الله)، ثم اسم جبرائيل ومحمد ﷺ والكتاب والسنة، ثم الإجماع والقياس والمصالح العامة (المرسلة) والاستحسان والاستصحاب. ومن هذه الشجرة تتصاعد المذاهب الإسلامية بما فيها المذاهب الأربعة، على شكل براعم. وهناك برعم رئيسي صاعد من أصل الرسم تتفرع عنه المذاهب الأربعة المعروفة.
أما اللوحة الرابعة فهي في شكل ورقة نباتية كبيرة ولكنها ذات أغصان متداخلة ومتعانقة، وهي تبدأ باسم الجلالة ثم جبرائيل أيضا ثم اسم محمد، ثم علي وأبي بكر. ثم كبار المؤسسين للطرق الصوفية: عبد القادر الجيلاني، النقشبندي، الجنيد، ثم تتفرع الطرق الأخرى على أن تجتمع كلها في أعلى الورقة في السنوسية. والألوان المستعملة هي الأزرق والبرتقالي والبني والأحمر والأخضر الهادئ والبنفسجي (١)، الخ.
стр. 3917
وهذه اللوحات مهمة كتعبير عما وصل إليه فن الخط والرسم والألوان في آخر القرن الماضي. فالخطوط جزائرية متشابكة. وهي ليست مقصودة لذاتها، وإنما المقصود رسم الطرق الصوفية والتعبير عن الروح الدينية. كما أن استخدام الألوان والإطار التقليدي للرسم الإسلامي - العربي يعبر عن استمرارية هذا الفن. والألوان ليست صارخة بل منسجمة رغم تعددها، وهي تعبر عن الهدوء الديني والحضري. ووجود أشكال عديدة من النباتات: أوراق، زهور، أغصان، سيقان، الخ. تدل على التزام الفنان بالتعاليم الدينية. ونلاحظ أن ثقافة الفنان هنا عميقة في معرفة الطرق الصوفية وفروعها، ومعرفة أساس المذهب المالكي والأصول والرجوع إلى أهل السنة. وهناك ما يلفت النظر عن معرفة الفنان بكون الطريقة السنوسية هي آخر الطرق التي استوعبت ما سبقها في وقته، ولا بد من لفت النظر إلى وجود الهلال والنجمة كرمزين أيضا. ومهما كان الأمر فنحن أمام اللوحات الأربع نجد أنفسنا أمام فن إسلامي جمع بين الأصالة في الإطار، والروح في الأفكار الدينية، والتقاليد في الألوان والخطوط.
مؤلفات في الخط
وفن الخط كان ضحية أخرى للاستعمار في الجزائر. فقد تدهور بتدهور الثقافة العربية نفسها. فأصبحت الكتابة بالحروف العربية قليلة. وانتشرت الأمية، ولذلك فإن الفنانين إذا أرادوا الكتابة الفنية بالحرف العربي - التخطيط - فإنهم يلجأون إلى النقل والتقليد لأنهم لم يتعلموا غالبا فن الخط ولم يتثقفوا بالعربية، وربما لا تزيد معرفتهم في العربية عن حفظ القرآن
стр. 3918
الكريم أو أجزاء منه. والذي يتأمل في بعض أسماء الشوارع في الأحياء العربية القديمة التي تسامح الفرنسيون في كتابتها بحروف عربية فإنه قد يرى عجبا، سيرى كيف تحول الحرف المنساب الجميل إلى قطعة حجر أو حديد لا ذوق فيها ولا انسياب. ولقد أصبحت الحروف نفسها ممسوخة، متأثرة بالأصابع الغريبة التي خطتها. ولا شك أنها كانت من عمل النقاشين الفرنسيين واليهود. وليست من عمل الفنانين الجزائريين. وفي غياب التطبيق لفن الخط العربي المعتاد، كادت تنعدم أيضا المؤلفات الخاصة بالخط، تلك التي ترسم القواعد وتعلم حذاق التلاميذ كيف يرسمون ويخطون على بينة. ونشير هنا إلى:
١ - منية الكتاب: نذكر هذا العمل بكل تحفظ لأننا لا نعرف هوية مؤلفه، والعمل يتمثل في قصيدة طويلة مجهولة الناظم، والتاريخ، ولها بعض الشروح، وهي مبتورة الأول والآخر. وتحتوي على ١٣٦ بيتا. وذكر ناظمها عنوانها ومحتواها فقال:
سميته بمنية الكتاب ... في صفة التخطيط للكتاب
ومن هذه الصفة نفهم أنها قد تكون في رسم المصحف وليس في فن الخط (١).
٢ - رسالة في الخط العربي: ذكرها المترجمون لحياة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش وهي ليست في فن الخط، بل في رسم المصحف (٢).
٣ - رسالة في الخط كتبها أبو يعلى الزواوي: وقد وجهها إلى الشيخ محمد الحسن فضلاء، مدير التعليم في مدرسة الشبيبة سنة ١٩٤٧. وكان الشيخ الزواوي من مجودي الخط، وعرف عنه أنه كان ينسخ المصاحف ويخطها بيده. وقد جمع خطه بين الروح الجزائرية والتعريقة الشرقية، رغم
стр. 3919
قوله إنه تأثر بالخط الفاسي الموروث عن الأندلس. وقد ورث جودة الخط عن أبيه حتى قال إن من يعرف سر الخطوط لا يكاد يميز بين خطه وخط والده، وقد برع الزواوي في الخط منذ أولياته، وقال إنه وجد أهل زواوة قد ابتعدوا عن الخط الجميل شأنهم شأن أهل المغرب العربي الآخرين، ولذلك مال هو إلى الخط الفاسي (المغربي) قائلا: (إذ قد ملت كثيرا إلى الفاسي المنتقل من الأندلسي). ونال وهو (في أولياته أيضا الجائزة الأولى في الخط بمدرسة قسنطينة، فقال إنه أثناء إجراء امتحان القضاء في قصر العدالة بالمدينة المذكورة (الرسمية - الكتانية عندئذ) (وهو من المستشرقين الكبراء، فقال ما حاصله: ما ظننت أن يوجد خطاط متل هذا وهو قادم من البادية. وعير طلبة المدرسة ...).
ونلاحظ هنا عدة ملاحظات على رسالة الزواوي. فهي تتحدث عن كون (الخط من الفنون الجميلة)، وعن كونه هو وغيره من العارفين، أصبحوا يتعجبون (أن قد صار طلبة الخط لا يكادون يفرقون بين الخطوط الجميلة). وأشار إلى رأي ابن خلدون في مقدمته من كون الخط صناعة، وأن خطوط أهل افريقية صارت رديئة صعبة القراءة بينما كان الخط الأندلسي قد امتاز بالجمال والذوق اللطيف. ولكن طلبة زواوة، كما قال الزواوي، قد انصرفوا جملة عن الخط الأندلسي، واهتموا بالرسم بدلا منه. ويرجع جمال وشهرة الخط الأندلسي إلى كونه قائما على الصنعة والتفنن والتنافس في الاتقان والجودة. وعاب الزواوي على خطاطي العصر بأنهم لا يتنافسون في ذلك، وإنما يسرعون في كتابة المصاحف مثالا، ويكتبونها بدون توسع ولا مراعاة للفن لأن هدفهم من ذلك هو الحصول على الأجرة.
وقد فهمنا من رسالة الزواوي أنه حصل على مدح كثير على خطه. فبالإضافة إلى من ذكرنا، مدحه البشير الرابحي أحد أهل العلم والدين والأدب في هذا القرن، بقصيدة. وكذلك نوه به إمام جامع بئر خادم، وطلبة الزواوة، وطلبة العاصمة. ولكن بعضهم كان يتحداه ويقول: (نستطيع أن نكتب بخط مثل هذا). عندما اطلعوا على خط مصحفه، ولكن الزواوي
стр. 3920
اعتبرهم من (القاصرين)، لأنه (عارف وجازم أنهم غير قادرين، بل هم قصر بالكلية) (١).
والشيخ الزواوي كان أيضا من كتاب المصاحف. وله مصحف بخطه الذي اشتهر به. وقد نبهنا الزواوي إلى وجود عدة مصاحف بخطوط أهلها في الجزائر. وأنهم اختلفوا في ذلك من حيث الاتقان والتجميل. وقدم ما يمكن أن يكون نقدا في هذا الباب. فانتقد أولا المصحف الذي كتبه الشيخ السعيد أبهلول - والد محمد الحسن فضلاء - وكان هذا (فضلاء) قد أرسل مصحف والده إلى الشيخ الزواوي. فعلق عليه الزواوي بما يلي: أعجبني (المصحف المرسل) وتذكرت مصاحف أهل الوطن ... وإن خط والدكم في غاية الجودة لولا صغر حجم المصحف وعدم تمكنه ... من إطلاق عنان القلم بالقالب الذي ينبغي. وتلك طريقة غالب، بل جميع نساخ الوطن. وصرفهم عن العناية بالتجمل والتوسع في الخط حرصهم على إتمام المصحف في مدة قليلة لأخذ الأجرة) (٢). ولم يذكر الزواوي في رسالته الشيخ السفطي الذي كتب مصحف رودوسي الشهير، رغم أنه تعرض له في مناسبة أخرى (٣).
ويبدو أنه بعد اختفاء مجالات الخط الفنية، كالصحف، والنقش، واللوحات، استقر فنانو الجزائر على نسخ المصاحف. وهم في ذلك، كما قال الزواوي، بين متسرع لأخذ الأجرة، وبين متقن لفنه، وهؤلاء قليلون.
стр. 3921
ومن رأي الزواوي أن الخطوط الشائعة في المشرق ثلاثة، وهي: الرقعي والنسخي والثلثي، واعتبر النسخي والثلثي أجودها، أما الرقعي فاعتبره أردأها، وقال فيه ما قال ابن خلدون في خط أهل المغرب بعد تغيره، إذ هو لا يكاد يقرأ إلا بصعوبة. ولاحظ أن حسن الخط مما يزيد الحق وضوحا، واستشهد بقول الإمام أبي حنيفة لأحد الكتبة: لا تقرمط الحروف فإنك إن عشت تندم وإن مت تشتم. وقد اطلعنا للزواوي على نماذج من خطه، غير الرسالة التي نحن بصددها، ومن ذلك التقييد الذي كتبه من دمشق وأرسل به إلى الشيخ طاهر الجزائري في القاهرة سنة ١٣٣٢/ ١٩١٢ (١). أما مصحفه فلم نطلع عليه.
عمر راسم وأخوه محمد وآخرون
محمد بن سعيد راسم، أحد إخوة من عائلة واحدة اشتهرت بفن الرسم والفنون الجميلة كالخط والمنمنمات. وكان سعيد راسم نفسه فنانا. ويذهب جورج مارسيه إلى أن الأسرة قد تكون جاءت من المشرق في وقت غير معروف واستقرت أولا في بجاية، ثم انتقلت إلى العاصمة. ومهما كان الأمر فإن بجاية قد عرفت بعائلاتها الأندلسية أيضا وربما تكون عائلة راسم، مثل عائلة ابن خلدون ذات منابت عديدة.
واشتهر من هذه العائلة عمر راسم في أول هذا القرن، وقد تناولناه في الصحفيين. فقد كان مناضلا منذ زمن مبكر في ميدان الصحافة والأدب، وكان كذلك خطاطا ورساما، إذ كان قد أصدر جريدة (الجزائر) و (ذو الفقار) حافلتين بخطوط يده ورسوماته حسب رواية الرواة، وكان قد عمل في جريدة المبشر الرسمية التي استجلبته للاستفادة من معارفه وخطوطه ورسوماته (٢).
стр. 3922
أما فنه فنجده في أغلفة بعض الكتب المعاصرة مثل اللوحة التي رسمها لغلاف (كتاب الجزائر) لأحمد توفيق المدني. وهو غلاف لو أتيح له أن صدر بالألوان لكان تحفة فنية. ومع ذلك فإن الذوق العربي والإسلامي بارز فيه. فالعنوان داخل في إطار من الرسم التقليدي في الفن الإسلامي، وعبارة (كتاب الجزائر) مكتوبة بخط كوفي جميل ومتداخل. وقد صممت اللوحة كاملة لتعطينا نافذة تطل على مدينة الجزائر وماضيها، ويظهر من خلالها البحر، وأمامه أبرز بناء تعلوه صومعة أو فنار، وتتحرك داخل مياه البحر سفن، وتوجد على سارية إحداها راية تخفق وهلال بهذه العبارة (حب الوطن من الإيمان). وتحت عنوان الكتاب كتابة رقيقة هي: تاريخ الجزائر إلى يومنا هذا - وجغرافيتها الطبيعية، والسياسية، وعناصر سكانها ومدنها، ونظاماتها وقوانينها، ومجالسها، وحالتها الاقتصادية والعلمية والاجتماعية، تأليف أحمد توفيق المدني. وفي وجه اللوحة، بين الصومعة والراية، كتبت العبارات التالية: الإسلام ديننا، الجزائر وطننا، العربية لغتنا. وعند التأمل ستلاحظ أن طرف الراية يكاد يلتصق بعبارة (الجزائر وطننا) بالذات، وكأن الفنان عمر راسم أراد أن تحمل الراية تلك العبارة وحدها. فاللوحة حينئذ ذات رسالة وطنية موجهة ومحتوى فني أصيل. ولا ندري كيف يزاوج الفنان في الألوان لو كانت اللوحة ملونة (١).
يذكر جورج مارسيه أن والد محمد راسم كان أيضا رساما ونقاشا
стр. 3923
ونحاتا. فقد كان يرسم وينقش وينحت إبداعات نادرة على الزجاج، كما كان رساما على الورق ونقاشا على الخشب، فمحمد وأخوه عمر إذن قد تلقيا الفن في ورشة العائلة عن والدهما (اسمه علي راسم). ولكننا لا نعرف إلا القليل عن أعمال هذا الوالد الموهوب. وقد عاش في النصف الثاني من القرن الماضي الذي كان عهد ظلام في العلم والفن، لولا بعض النادرين الذين أشرنا إليهم. ومهما كان الأمر فإن عمر ومحمدا قد تعودا على الإزميل منذ الطفولة ولاحظا تناسق الألوان، وقد أمدتهما الطبيعة من حولهما والموهبة بطاقات الإبداع. وكل منهما بقي وفيا لتقاليد العائلة والبلاد. ويذكر مارسيه أن عمر بالذات قد ترك صفحات من الفن الزخرفي - ديكوراتيف - وأنه مال بالخصوص إلى الخط العربي. وهذه شهادة أخرى على أن الخطاطين كانوا موجودين ولكن عددهم قليل. ولكن ما الخط الذي كان يكتب به عمر راسم؟ وفي أي مجال استعمله؟ وإذا حكمنا على لوحة (كتاب الجزائر) للمدني فربما يكون الخط الكوفي من اختياراته.
وأما محمد راسم فقد تخصص في فن المنمنمات. وهو أكبر من أخيه بعدة سنوات. والمدرسة التي تخرج منها محمد هي مدرسة العائلة والطبيعة والموهبة، رغم أنه، كما قال مارسيه، قد مر بمدرسة الفنون الجميلة الفرنسية. فلم يتأثر بما فيها. ومنذ بلغ السنة الرابعة عشر لفت إليه نظر أستاذ فرنسي، هو بروسبير ريكارد Ricard فأدخله في مكتب الرسم بأكاديمية الجزائر - وكانت مدرسة الفنون الجميلة تتبعها - فاشتغل محمد راسم بنماذج الزرابي وأنواع المطروزات، كما اشتغل في الكتب التي تحتاج إلى التصوير. ولاحظ عليه الفرنسيون أنه قد أدخل حياة الشرق في فنه، وجذب إليه بالتالي أنظار علماء الرسم. وتوسعت صلاته بدوائر الإنتاج الفني والمستفيدين منه، واستدرجوه بعيدا عن محيطه (الأهلي) كما فعلوا مع يوسف بن الحفاف. فقد عرفه (أي راسم) مدير الأكاديمية على الناشر (بيازا) فطلب منه هذا زخرفة كتاب (حياة محمد) الذي ألفه ناصر الدين
стр. 3924
(إيتيان) ديني وسليمان بن إبراهيم. والمعروف أن ديني نفسه قد وضع رسومات كتابه (١).
وبعد هذه المرحلة الاستكشافية ذهب محمد راسم إلى فرنسا ونزل باريس، فاستقبله فيها المهتمون بالخطوط والفنون. ومنهم السيد بلوشيه، المحافظ بالمكتبة الوطنية بباريس. وأبقاه عنده حيث عمل في قسم المخطوطات. كما تعرف على المجموعات الفنية هناك، وفيها آثار شرقية نادرة. ومن باريس ذهب محمد راسم إلى لندن لكي يطلع على مجموعاتها الشرقية (العربية - الإسلامية)، واستقبله هناك السير دنيسون روس المختص في الدراسات الإيرانية وسهل له مهمته. ثم قصد الأندلس (اسبانيا) ممنوحا بمنحة من الحكومة العامة في الجزائر. وقد وجد راسم في الأندلس العصر الذهبي للفن العربي الإسلامي، وبالخصوص في قرطبة وغرناطة، فتعمقت معارفه واتصل بالماضي الفني، ونشطت موهبته للإبداع.
وبعد ذلك أخذ اسم محمد راسم في الظهور، وشارك في عدة معارض دولية، ونال الجوائز. شارك في معارض: القاهرة وروما وبوخاريست وباريس وفيينا واستكهولم. ويبدو أنه تزوج من سيدة سورية إذ يقول مارسيه إن راسم قد وجد فيها رفيقة حياته. ومن أعمال راسم أنه رسم كتاب ألف ليلة وليلة، ونال عدة جوائز وميداليات، منها ميدالية المستشرقين سنة ١٩٢٤، والجائزة الفنية الكبرى للجزائر سنة ١٩٣٣. وقد ظل مع ذلك متواضعا ومستمرا في خدماته (٢).
وقد نوه مختلف الكتاب الذين تناولوا تاريخ الفن بمجهود وإبداعات محمد راسم، لا سيما في فن المنمنمات الذي يكاد يختص به. فأطلق عليه
стр. 3925
أوغسطين بيرك اسم (أمير فن المنمنمات). وقال إنه كان يمزج في أعماله بين أصالة الفن الفارسي ونارية المزاج الجزائري (١). وقالت عنه ماري بوجيجا سنة ١٩٢٣، وهو عندئذ ما يزال في بداية عطائه الفني، إنه شخص بارع في فن المنمنمات، وهو ذو موهبة، وإن حصل على ميدالية فيرماي Virmeil للفنانين الشرقيين بباريس، وإن بلدية الجزائر قد منحته منحة قيمتها ٥٠٠ ف (٢). ونوه به أيضا قوانار قائلا إنه تفرد بفن المنمنمات ونافس الفنانين الفرنسيين ولم يترك لهم المجال وحدهم، وقال عنه أيضا إن له تلاميذ واصلوا المهمة بعده (٣).
...
لم يكن الأخوان راسم، ولا يوسف ابن الحفاف ولا عمر بن سماية وحدهم في الميدان. فقد نشأ جيل آخر اهتم أيضا بالرسم والتصوير والنقش. وقد ذكر قوانار منهم حيمش التلمساني الذي قيل إنه كون مدرسة خاصة في الرسم (٤). ولكننا الآن لا نعرف عنه أكثر من هذه الشهادة. وقد اعتبره محمد خدة من رواد الرسم الجزائري الذين وقعوا في مصيدة الرسم الاستعماري، أو المدرسة التي تخرج منها ديني وغيره (٥). وهي ملاحظة في حاجة إلى بيان وتبرير.
ولنذكر الآن نماذج أخرى من الرساميين الجزائريين في هذا القرن. وهم الذين ظهر إنتاجهم الفني غالبا بعد الحرب العالمية الثانية، فمنهم: