ومن رأي الزواوي أن الخطوط الشائعة في المشرق ثلاثة، وهي: الرقعي والنسخي والثلثي، واعتبر النسخي والثلثي أجودها، أما الرقعي فاعتبره أردأها، وقال فيه ما قال ابن خلدون في خط أهل المغرب بعد تغيره، إذ هو لا يكاد يقرأ إلا بصعوبة. ولاحظ أن حسن الخط مما يزيد الحق وضوحا، واستشهد بقول الإمام أبي حنيفة لأحد الكتبة: لا تقرمط الحروف فإنك إن عشت تندم وإن مت تشتم. وقد اطلعنا للزواوي على نماذج من خطه، غير الرسالة التي نحن بصددها، ومن ذلك التقييد الذي كتبه من دمشق وأرسل به إلى الشيخ طاهر الجزائري في القاهرة سنة ١٣٣٢/ ١٩١٢ (١). أما مصحفه فلم نطلع عليه.
عمر راسم وأخوه محمد وآخرون
محمد بن سعيد راسم، أحد إخوة من عائلة واحدة اشتهرت بفن الرسم والفنون الجميلة كالخط والمنمنمات. وكان سعيد راسم نفسه فنانا. ويذهب جورج مارسيه إلى أن الأسرة قد تكون جاءت من المشرق في وقت غير معروف واستقرت أولا في بجاية، ثم انتقلت إلى العاصمة. ومهما كان الأمر فإن بجاية قد عرفت بعائلاتها الأندلسية أيضا وربما تكون عائلة راسم، مثل عائلة ابن خلدون ذات منابت عديدة.
واشتهر من هذه العائلة عمر راسم في أول هذا القرن، وقد تناولناه في الصحفيين. فقد كان مناضلا منذ زمن مبكر في ميدان الصحافة والأدب، وكان كذلك خطاطا ورساما، إذ كان قد أصدر جريدة (الجزائر) و (ذو الفقار) حافلتين بخطوط يده ورسوماته حسب رواية الرواة، وكان قد عمل في جريدة المبشر الرسمية التي استجلبته للاستفادة من معارفه وخطوطه ورسوماته (٢).
стр. 3922
أما فنه فنجده في أغلفة بعض الكتب المعاصرة مثل اللوحة التي رسمها لغلاف (كتاب الجزائر) لأحمد توفيق المدني. وهو غلاف لو أتيح له أن صدر بالألوان لكان تحفة فنية. ومع ذلك فإن الذوق العربي والإسلامي بارز فيه. فالعنوان داخل في إطار من الرسم التقليدي في الفن الإسلامي، وعبارة (كتاب الجزائر) مكتوبة بخط كوفي جميل ومتداخل. وقد صممت اللوحة كاملة لتعطينا نافذة تطل على مدينة الجزائر وماضيها، ويظهر من خلالها البحر، وأمامه أبرز بناء تعلوه صومعة أو فنار، وتتحرك داخل مياه البحر سفن، وتوجد على سارية إحداها راية تخفق وهلال بهذه العبارة (حب الوطن من الإيمان). وتحت عنوان الكتاب كتابة رقيقة هي: تاريخ الجزائر إلى يومنا هذا - وجغرافيتها الطبيعية، والسياسية، وعناصر سكانها ومدنها، ونظاماتها وقوانينها، ومجالسها، وحالتها الاقتصادية والعلمية والاجتماعية، تأليف أحمد توفيق المدني. وفي وجه اللوحة، بين الصومعة والراية، كتبت العبارات التالية: الإسلام ديننا، الجزائر وطننا، العربية لغتنا. وعند التأمل ستلاحظ أن طرف الراية يكاد يلتصق بعبارة (الجزائر وطننا) بالذات، وكأن الفنان عمر راسم أراد أن تحمل الراية تلك العبارة وحدها. فاللوحة حينئذ ذات رسالة وطنية موجهة ومحتوى فني أصيل. ولا ندري كيف يزاوج الفنان في الألوان لو كانت اللوحة ملونة (١).
يذكر جورج مارسيه أن والد محمد راسم كان أيضا رساما ونقاشا
стр. 3923
ونحاتا. فقد كان يرسم وينقش وينحت إبداعات نادرة على الزجاج، كما كان رساما على الورق ونقاشا على الخشب، فمحمد وأخوه عمر إذن قد تلقيا الفن في ورشة العائلة عن والدهما (اسمه علي راسم). ولكننا لا نعرف إلا القليل عن أعمال هذا الوالد الموهوب. وقد عاش في النصف الثاني من القرن الماضي الذي كان عهد ظلام في العلم والفن، لولا بعض النادرين الذين أشرنا إليهم. ومهما كان الأمر فإن عمر ومحمدا قد تعودا على الإزميل منذ الطفولة ولاحظا تناسق الألوان، وقد أمدتهما الطبيعة من حولهما والموهبة بطاقات الإبداع. وكل منهما بقي وفيا لتقاليد العائلة والبلاد. ويذكر مارسيه أن عمر بالذات قد ترك صفحات من الفن الزخرفي - ديكوراتيف - وأنه مال بالخصوص إلى الخط العربي. وهذه شهادة أخرى على أن الخطاطين كانوا موجودين ولكن عددهم قليل. ولكن ما الخط الذي كان يكتب به عمر راسم؟ وفي أي مجال استعمله؟ وإذا حكمنا على لوحة (كتاب الجزائر) للمدني فربما يكون الخط الكوفي من اختياراته.
وأما محمد راسم فقد تخصص في فن المنمنمات. وهو أكبر من أخيه بعدة سنوات. والمدرسة التي تخرج منها محمد هي مدرسة العائلة والطبيعة والموهبة، رغم أنه، كما قال مارسيه، قد مر بمدرسة الفنون الجميلة الفرنسية. فلم يتأثر بما فيها. ومنذ بلغ السنة الرابعة عشر لفت إليه نظر أستاذ فرنسي، هو بروسبير ريكارد Ricard فأدخله في مكتب الرسم بأكاديمية الجزائر - وكانت مدرسة الفنون الجميلة تتبعها - فاشتغل محمد راسم بنماذج الزرابي وأنواع المطروزات، كما اشتغل في الكتب التي تحتاج إلى التصوير. ولاحظ عليه الفرنسيون أنه قد أدخل حياة الشرق في فنه، وجذب إليه بالتالي أنظار علماء الرسم. وتوسعت صلاته بدوائر الإنتاج الفني والمستفيدين منه، واستدرجوه بعيدا عن محيطه (الأهلي) كما فعلوا مع يوسف بن الحفاف. فقد عرفه (أي راسم) مدير الأكاديمية على الناشر (بيازا) فطلب منه هذا زخرفة كتاب (حياة محمد) الذي ألفه ناصر الدين
стр. 3924
(إيتيان) ديني وسليمان بن إبراهيم. والمعروف أن ديني نفسه قد وضع رسومات كتابه (١).
وبعد هذه المرحلة الاستكشافية ذهب محمد راسم إلى فرنسا ونزل باريس، فاستقبله فيها المهتمون بالخطوط والفنون. ومنهم السيد بلوشيه، المحافظ بالمكتبة الوطنية بباريس. وأبقاه عنده حيث عمل في قسم المخطوطات. كما تعرف على المجموعات الفنية هناك، وفيها آثار شرقية نادرة. ومن باريس ذهب محمد راسم إلى لندن لكي يطلع على مجموعاتها الشرقية (العربية - الإسلامية)، واستقبله هناك السير دنيسون روس المختص في الدراسات الإيرانية وسهل له مهمته. ثم قصد الأندلس (اسبانيا) ممنوحا بمنحة من الحكومة العامة في الجزائر. وقد وجد راسم في الأندلس العصر الذهبي للفن العربي الإسلامي، وبالخصوص في قرطبة وغرناطة، فتعمقت معارفه واتصل بالماضي الفني، ونشطت موهبته للإبداع.
وبعد ذلك أخذ اسم محمد راسم في الظهور، وشارك في عدة معارض دولية، ونال الجوائز. شارك في معارض: القاهرة وروما وبوخاريست وباريس وفيينا واستكهولم. ويبدو أنه تزوج من سيدة سورية إذ يقول مارسيه إن راسم قد وجد فيها رفيقة حياته. ومن أعمال راسم أنه رسم كتاب ألف ليلة وليلة، ونال عدة جوائز وميداليات، منها ميدالية المستشرقين سنة ١٩٢٤، والجائزة الفنية الكبرى للجزائر سنة ١٩٣٣. وقد ظل مع ذلك متواضعا ومستمرا في خدماته (٢).
وقد نوه مختلف الكتاب الذين تناولوا تاريخ الفن بمجهود وإبداعات محمد راسم، لا سيما في فن المنمنمات الذي يكاد يختص به. فأطلق عليه
стр. 3925
أوغسطين بيرك اسم (أمير فن المنمنمات). وقال إنه كان يمزج في أعماله بين أصالة الفن الفارسي ونارية المزاج الجزائري (١). وقالت عنه ماري بوجيجا سنة ١٩٢٣، وهو عندئذ ما يزال في بداية عطائه الفني، إنه شخص بارع في فن المنمنمات، وهو ذو موهبة، وإن حصل على ميدالية فيرماي Virmeil للفنانين الشرقيين بباريس، وإن بلدية الجزائر قد منحته منحة قيمتها ٥٠٠ ف (٢). ونوه به أيضا قوانار قائلا إنه تفرد بفن المنمنمات ونافس الفنانين الفرنسيين ولم يترك لهم المجال وحدهم، وقال عنه أيضا إن له تلاميذ واصلوا المهمة بعده (٣).
...
لم يكن الأخوان راسم، ولا يوسف ابن الحفاف ولا عمر بن سماية وحدهم في الميدان. فقد نشأ جيل آخر اهتم أيضا بالرسم والتصوير والنقش. وقد ذكر قوانار منهم حيمش التلمساني الذي قيل إنه كون مدرسة خاصة في الرسم (٤). ولكننا الآن لا نعرف عنه أكثر من هذه الشهادة. وقد اعتبره محمد خدة من رواد الرسم الجزائري الذين وقعوا في مصيدة الرسم الاستعماري، أو المدرسة التي تخرج منها ديني وغيره (٥). وهي ملاحظة في حاجة إلى بيان وتبرير.
ولنذكر الآن نماذج أخرى من الرساميين الجزائريين في هذا القرن. وهم الذين ظهر إنتاجهم الفني غالبا بعد الحرب العالمية الثانية، فمنهم:
стр. 3926
١ - أزواو معمري: وهو أخ لمحمد بن أرزقي معمري الذي أصبح من معلمي ووزراء سلطان المغرب. وعائلة معمري من بني يني بزواوة، وقد تولت الوظائف الرسمية لفرنسا، ومنها وظيفة القيادة على بني يني. وأرزقي كان حفيدا للحاج علي بن محمد السعيد (أمين أمناء) بني يني عند الاحتلال. ومنهم بوسعاد معمري وقانة معمري، وأزواو هو حفيد الحاج علي المذكور. ولد سنة ١٨٩٠ واستفاد من وضع عائلته البرجوازية بمقاييس ذلك الوقت والقريبة في الخدمات من السلطات الفرنسية.
تلقى أزواو دروس الرسم على يد ادوارد هيرزيق Herzig . ولنا أن نتصور أن أزواو تعلم في المدرسة الفرنسية بالقرية. وقد لقى تشجيعا أيضا. من ليون كار Carre سنة ١٩١٣، وكان في سن الجندية عندئذ. ولكننا وجدناه قد ذهب إلى المغرب حيث سبقه أخوه محمد معمري لإنشاء مدرسة للغة الفرنسية في الرباط (١). ولا ندري العمل الذي قام به أزواو في المغرب بين ١٩١٤ - ١٩١٨، غير أننا وجدناه سنة ١٩١٩ قد عين أستاذا للرسم بالمدرسة الإسلامية بالرباط. وقد ظهرت أول رسوماته القماشية في فرنسا حيث ضم متحف لوكسمبورغ مجموعة منها. وفي سنة ١٩٢١ نظم آزواو معرضه الأول، وكتبت عنه الصحافة الإشهارية فاشتهر أمره كرسام مبدع. ولكن محمد خدة اعتبره من رواد الرسم الذين وقعوا أيضا في فخ المدرسة الاستعمارية (٢).
والعجيب أن هذا الرسام المبدع قد سمته الإدارة الفرنسية (قايدا) على بني يني ليواصل تقاليد الأسرة في الإدارة، وذلك حوالي سنة ١٩٢٧ رغم أنه لم يبق للقيادة سوى سلطات رمزية. ولا ندري ما إذا كان أزواو قد جمع بين الفن والإدارة. ذلك أننا وجدناه سنة ١٩٢٤ قد رجع إلى الجزائر من المغرب
стр. 3927
وحصل على منحة دراسية في الأندلس (أسبانيا)، ثم رجع إلى المغرب، واشتغل من جديد أستاذا للرسم ولكن في فاس. ثم أصبح هو المفتش الإقليمي للفنون الأهلية بالرباط. ثم أصبح سنة ١٩٢٩ مفتشا للفنون المغربية في مراكش، وقد ظل كذلك إلى سنة ١٩٤٨ حين تقاعد. ومن لوحاته (قرية قبائلية) وهي رسم زيتي على القماش، رسمها سنة ١٩٣٤ (١). ولا شك أن تاريخ الأسرة الإداري ووجود أخيه في البلاط المغربي قد ساعدا أزواو معمري على إنجاز العديد من مهماته في فن الرسم.
٢ - ميلود بوكرش: وهو رسام من سيدي بلعباس، وحياته مجهولة لدينا في معظمها، ومما نعرف عنه أنه درس في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة بباريس، ربما بمنحة خاصة نظرا لمواهبه الفنية. وقد بدأ إنتاجه الفني يظهر سنة ١٩٤٧ حين شارك في المعرض الذي نظمه النادي الفرنسي - الإسلامي (فرنكو- مسلم) بالجزائر العاصمة. ثم نظم بوكرش معرضا شخصيا سنة ١٩٥٠، وقيل إن رسوماته وصوره تتخذ طابعا، استشراقيا - شرقيا؟. ومن لوحات ميلود بوكرش (رجل أهلي) (٢). وقد نلاحظ أن الرسم في هذه الفترة، مثله مثل الأدب المكتوب بالفرنسية، قد ضيع أصالته، ما عدا إنتاج الذين احتفظوا بأصالتهم (وهو أمر صعب) مثل منمنمات محمد راسم.
٣ - حسن بن عبورة: وهو أيضا من جيل من سبقه. وحياته الأولى مجهولة لدينا. وبناء على بعض المصادر فإن نشاطه في الرسم قد بدأ في الأربعينات. وصنفه النقاد في الرسامين (السذج)، على أنه رسام عصامي، ربما لأنه لم يتلق دروس الرسم على أي معلم وفي أي مدرسة. وقد شارك
стр. 3928
ابن عبورة في الحرب العالمية الأولى ١٩١٤ - ١٩١٨، ولكننا لا ندري هل في الجبهة الأوروبية أو غيرها. وقد عرض إنتاجه لأول مرة في الجزائر سنة ١٩٤٥. ثم أخذ يشارك في المعارض باستمرار، ومنها معارض النادي الفرنسي - الإسلامي بالعاصمة سنوات ١٩٤٦، ١٩٤٧، ١٩٤٩. كما شارك في قاعة المكتبة الجديدة (الوطنية اليوم؟) سنة ١٩٥٤.
تخصص حسن ابن عبورة في رسم الساحات والمناظر الطبيعية العامة، وكذلك رسم شوارع مدينة الجزائر. وقيل إنه في رسمه لهذه الشوارع قد حولها إلى شوارع مضيئة شفافة وانعكست عليها حساسيته الساذجة والمفرطة. ومن لوحاته: ساحة الحكومة (ساحة الشهداء حاليا)، وشارع الجزائر بالبليدة، وكلتاهما رسمت بالزيت على القماش (١).
ولا شك أن هناك رسامين آخرين نجهلهم الآن، أو لا نعرف عنهم إلا النزر اليسير. فقد ذكر الشيخ مبارك الميلي في مقدمة الجزء الأول من كتابه (تاريخ الجزائر) أن عمر دهينة الذي كان مدرسا بالمدارس الفرنسية في الأغواط على عهده، كان (أحد ... أفذاذ نبغاء الرسامين) ولكنه لم يذكر بعض أعماله.
...
خلال الثمانينات من القرن الماضي ظهر اسم لأحد الجزائريين اهتم بالفنون عامة وتناولها في بعض المحاضرات وعلقت عليها الصحافة. وللأسف لا نعرف أن محاضراته قد طبعت، ولا نعرف كذلك مجموعة من آرائه في الفنون القديمة وعلاقتها بالفنون الجميلة الحديثة. كما أنه من الأسف أننا لا نعرف أين تلقى دراسته الفلسفية والفنية حتى أصبح من المشار إليهم في عهد وصفناه بأنه عهد ظلام دامس.
ذلك هو أحمد بن قدور الذي ظل كأنه اسم نكرة. وقد وجدنا في بعض الوثائق أنه أحمد بن قدور الملقب عطشى. وكان من مواليد سنة ١٨٥٣،
стр. 3929
ومن خريجي مدرسة الصنائع بباريس. وقالت عنه صحيفة (التايمز) أنه عربي تخرج من الجامعة. وقد توظف في المكتبة الوطنية بباريس، ثم حول إلى العاصمة فعمل عند رئيس المحكمة العليا، ثم التحق محررا في إدارة الحكومة العامة. ويهمنا هنا أن أحمد عطشي كان مولعا أيضا بتاريخ الفنون القديمة والحديثة، وأنه قد ألقى محاضرة عن الأديب الإيرلندي - الإنكليزي (لورانس ستيرن)، سنة ١٨٨٠، وأعلنت الصحف أنه كان مهتما بالفنون القديمة والحديثة، وقد توفي أحمد عطشي مبكرا، سنة ١٨٩٧. فهل ترك تراثا عن فنون قومه؟ وهل أضل بعضها وعالج الفنون الحديثة الجزائرية منها والأوروبية؟ ذلك ما بقي مجهولا عنه لدينا (١).
وفي دراسته لتاريخ الرسم الجزائري لاحظ محمد خدة، وهو من الخبراء والمنتجين في هذا الفن، أن هناك عدة مراحل له. وقد ذكر منها مرحلة الرواد الذين تأثروا بالمدرسة الاستعمارية أو وقعوا في فخها، حسب دعواه، وهي مدرسة إيتيان ديني وغيره من المستشرقين والفرنسيين التي سادت منذ أول هذا القرن إلى الحرب العالمية الثانية. ومن رأيه أن إنتاج هذه المرحلة كان متأثرا أيضا بالمدارس العالمية، بما في ذلك فن المنمنمات الذي يرجع في نظره إلى التأثير البيزنطي. ولكن هناك من يذهب إلى أن نتاج هذه المرحلة كان فنا وطنيا وأنه مصطبغ بالصبغة المحلية والموروث الشعبي. ومهما كان الأمر فإن من رواد هذه المرحلة بوكرش، وحيمش ومعمري. ولا نجد حسن بن عبورة من بينهم حسب تصنيف خدة، رغم أنه شارك في الحرب العالمية الأولى.
стр. 3930
وأما الجيل الثاني من الرسامين فهو الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية، وتأثر بالحركة الاصلاحية ومختلف التيارات الفكرية والوطنية، ومنها أيضا فكرة القومية العربية، والأحلام الاشتراكية، وطموحات الشعوب إلى التحرر والاستقلال، وعبرت هذه المدرسة عن (العودة إلى الأصل) التي اتخذت منها شعارا لها، كما اهتمت بالتراث الوطني. وقد فهمنا أن من هذا الجيل: محمد راسم، وتمام، وغانم، وحميمونة. ثم تلاميذهم مثل صحراوي وعجواب وبلكحلة وكربوش. وفي عهد هؤلاء ازدهر، مع حركة الاستقلال العربية، فن التصوير الإسلامي والتجريدي، ثم ظهر فن الزخرفة العربية (الأرابسك) والتصوير العربي، وقاد هذا التيار كل من قرماز وخدة وابن عنتر. وجميع هؤلاء اهتموا بالخط العربي وحروفه. ومنهم أيضا زروقي، وزودمي، وقريشي، وشاير، وابن بلة.
وضمن دراسته لمراحل الرسم وسيرة رواده تعرض محمد خدة أيضا إلى المنمنمات فقال انها استوردت من الشرق (بلاد فارس? بيزنطة؟) ثم أصبحت من الفنون التراثية، وتطورت إلى أن أصبحت مادة في التدريس منذ سنة ١٩٣٠ في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة بالجزائر، فكان عنوانها في أول الأمر هو الفنون الأهلية. وبعد الاستقلال أصبح عنوانها هو الفنون التقليدية. والمنمنمات تشمل السفن، والقوارب العثمانية، والنشاط البحري، والأميرات، والغزلان، والأزهار ونحوها من الموضوعات. وكان محمد راسم سيد هذا النوع من الفن (١)، كما سبقت الإشارة.
ولا ندري متى بدأ الاهتمام أيضا بالوشام البربري الذي اعتبره بعضهم ظاهرة فنية في الرسم. كما أن العناية انصرفت إلى الصناعات التقليدية المستعملة كالزرابي، والفخار، والأثاث، وأنواع الحلي، والرسومات الجدارية، والمنازل، في نطاق الفنون الشعبية البربرية في رقعة تمتد على مساحة الوطن. بل إنه في وقت لاحق أخذ الاهتمام ينصب أيضا على رموز
стр. 3931
التيفيناع ورسوم الطاسيلي (١). ولكن الاهتمام بالفنون الزخرفية التقليدية لم ينقطع، مثل الرسم على الخشب وأنواع الخزف.
وفي دراسة محمد خدة نعثر أيضا على تصنيف لجهود إيسياخم وباية وغيرهما. وبناء عليه فإن ايسياخم الذي ولد سنة ١٩٢٩ قد مارس الفن التعبيري وتأثر بالمدرسة الغربية، بينما تابعت باية ما يسمى بالفن الساذج المتأثر بالفنون الإسلامية والمحيط الثقافي، وهي تميل إلى الأسلوب التجريدي - التشخيصي، ويعبر فنها عن حياة الشرق والمرأة الجزائرية. أما عن فن النحت فقد لاحظ خدة أنه غربي النزعة، وهكذا فإن نحت التماثيل ليس له أثر كبير في الجزائر (٢)، وربما يرجع ذلك إلى تأثير المدرسة الإسلامية.
مؤلفات وآراء حول المسرح ورواد التمثيل
كنا تحدثنا عن تطور المسرح في الجزائر، بشقيه العربي والفرنسي، في الفصل الخاص بالمنشآت الثقافية (٣). ونشير إلى أن بطل مسرح خيال الظل (الكراكوز- قرقوش) في الجزائر هو الحاج عيواز، وهو شخصية تاريخية، قيل إنه كان أحد وزراء السلطان مراد الثاني العثماني (٤).
وقد عالج شؤون المسرح عدد من الكتاب العرب وغيرهم. فمن
стр. 3932
المصادر العربية أو الفرنسية التي كتبها جزائريون نذكر:
١ - سعد الدين بن شنب (المسرح العربي في الجزائر) في المجلة الإفريقية، سنة ١٩٣٥، وهو بحث من أشمل البحوث عن الموضوع.
٢ - رشيد بن شنب (رشيد القسنطيني: أبو المسرح العربي بالجزائر) في الوثائق الجزائرية Doc. Alg، سنة ١٩٤٧.
٣ - رشيد بن شنب أيضا (علالو وجذور المسرح الجزائري)، في مجلة الغرب الإسلامي، ١٩٧٧، رقم ٢٤.
٤ - محيي الدين باش تارزي، المذكرات، في جزئين، ط. الجزائر ١٩٦٨.
٥ - أبو العيد دودو (المسرح الجزائري)، في المجاهد الثقافي (المجلة) ١٩٦٩.
٦ - عبد القادر جغلول (عناصر من التاريخ الثقافي)، ط. الجزائر ١٩٨٧؟.
٧ - عبد القادر العربي، وهو عبد القادر الحاج حمو (١)، (المسرح والموسيقى العربية)، في (لافريك) وهي مجلة كانت تنشرها جمعية الكتاب، رقم ٥١ - يونيو ١٩٢٩.
٨ - رشيد بن شنب (كتاب المسرحيات العرب ...) في مجلة الغرب الإسلامي ١٩٧٤.
٩ - أرليت روت A. Roth (المسرح الجزائري باللهجة العامية)
стр. 3933
١٩٢٦ - ١٩٥٤، باريس ١٩٦٧.
١٠ - لاندو Landau (دراسات في المسرح والسينما العربية)، باريس ١٩٦٥.
١١ - مجموعة أخرى من المقالات تعالج المسرح ورجاله كتبها: محمد ديب ومصطفى كاتب، ورشيد بن شنب، ومحمد فرحات، وحليمة خالدي، وسفير البودالي، ومحمد الرازي، الخ. (١).
وهناك غير هذه المراجع والمصادر، ومنها الذكريات والأحاديث الشفوية والمقالات الصحفية التي كانت تظهر من وقت لآخر، ومنها أيضا الأحاديث المسجلة بذكريات وتجارب الذين ساهموا في المسرح، رجالا ونساء. وقد لاحظ سعد الدين بن شنب أن الصحافة العربية المعاصرة كانت لا تحفل بالنشاط المسرحي، على خلاف الصحف الفرنسية. ولعل الصحف العربية كانت تترفع عن تغطية النشاط المسرحي لعلاقته بالحياة الاجتماعية الدنيا وظهور الاختلاط في الأدوار وتناول الممثلين الخمر وتقليدهم للأوروبيين. ولا نظن أن الأمر يتعلق بالترفع الطبقي كما رأى ذلك البعض. فقد كانت الصحف العربية تكتب عن قضايا الفقراء والمحرومين والبدو والمهمشين ما داموا على أصالتهم.
وكل المصادر متفقة على أن نشأة المسرح العربي في الجزائر كانت متأخرة، ولكن الكتاب غير متفقين في نقطتين: سبب تأخر ظهوره وتاريخ ظهوره بالضبط. والمسرح في ذاته ظاهرة حضارية، وكان موجودا في شكله البسيط في المدن ولكن الفرنسيين قضوا عليه لأنه كان وسيلة نقدية لاذعة لسياستهم لا سيما أن الشعب كان قد دخل عهد الظلام الثقافي ولم يبق له إلا الكلمة المسموعة والحركات الرمزية المعبرة. ونحن نشك في أن سبب إلغاء المسرح كان أخلاقيا أو اجتماعيا، لأن ما أحدثه الفرنسيون من فساد (كإشاعة الخمر والقمار وأماكن الدعارة وإهمال التعليم ...) يفوق بكثير الأثر السلبي
стр. 3934
للحاج عيواز وفرقته، ولاله سنباية ولهجتها.
أما تاريخ عودة المسرح (وليس ظهوره) فقد لاحظنا أن أحد الجزائريين (محمد بن علي الجباري) كان قد قام بتمثيل مسرحية شعرية ساخرة في وهران، خلال سنة ١٨٨٠. ولا شك أن هذه التجربة لم تكن شاذة، بل إن المحاولات، سواء كانت امتدادا للأصالة أو تقليدا للمسرح الفرنسي، لم تنقطع، ولكنها كانت بأساليب تتفق مع التقاليد الشعبية، كما كان حدث في ورقلة، حسب رواية إسماعيل بوضربة والضابط فيليب. وليس بالضرورة أن يكون المسرح في هذه المرحلة مطابقا للمسرح الفرنسي المعروف، على أن غالبية الآراء ترجع البداية إلى نهاية الحرب العالمية الأولى.
لا نعتقد أن زيارة الفرقة المصرية بقيادة جورج أبيض سنة ١٩٢١ هي وحدها التي حركت في الجزائريين الاهتمام بالمسرح. فقد سبق لفرقة عربية أن زارت الجزائر قبل الحرب العالمية المذكورة، ومع ذلك لم تجعلهم يهتمون بتأليف الفرق الموسيقية والغنائية والمسرحية. فهناك ظروف جديدة تولدت عن سنة ١٩١٩ وما بعدها، ومنها تطور الأحداث السياسية وبداية الفكر الاصلاحي وظهور الصحافة ذات الاتجاهات المختلفة وشخصية الأمير خالد وشخصيات أخرى علمية عادت من الشرق مثل العقبي والإبراهيمي والزواوي. وربما كان من المتعذر على الفرقة المصرية أن تزور الجزائر وتمثل فيها ما مثلت لو جاءت قبل ١٩٢١. كما أن تطورات مصر والسعودية وسورية وغيرها بعد ١٩١٩ قد ساعدت على ميلاد الجو الجديد.
وقد ذكر البعض أن سبب فشل الفرقة المصرية يرجع إلى اللغة الفصحى التي استعملتها في التمثيل، لأن جمهور العاصمة لم (يفهمها). ويبدو لنا أن ذلك مبالغة قصد بها الفرنسيون عندئذ أن يؤكدوا مقولتهم: إن اللغة الفصحى (لغة القرآن الكريم) ليست لغة الجزائريين فهي (كلاسيكية) كاللاتينية، لا تستعمل إلا في العبادات وخطب الجمعة، وليس للمسرح والحياة العامة. ولعل بعض المثقفين الجزائريين قد انخدعوا بتلك المقولة
стр. 3935
التي ظهرت لهم بريئة. ومن جانبنا نرى أن الأسباب ربما تكمن في نواحي أخرى، ومنها المكان الذي اختير للتمثيل، وقد لاحظ ذلك سعد الدين بن شنب. فقد مثلت المسرحيات العربية على مسرح بعيد على الجمهور الجزائري الذي أغلبه من الأحياء الشعبية. وهذا المسرح (المسرح الجديد) كان بعيدا حتى على الحي الأوروبي. فقد خطط المغرضون للفرقة المصرية أن تمثل في المنفى. كما أن الإعلانات عن الفرقة والمسرحيات لم تتم بالشكل المطلوب، وحتى الطريق المؤدي إلى المسرح كان غير معروف. وقد قلنا إن الصحافة العربية لم تهتم بالموضوع. ولكن ما هي الصحافة العربية سنة ١٩٢١؟ إنها فقط جريدة النجاح والإقدام الأسبوعيتان. وكانت الأولى تصدر في قسنطينة ولا نعرف مدى توزيعها في العاصمة، فعن أية صحافة عربية يتحدثون؟ على أن ابن شنب قد ذكر أسبابا أخرى أيضا لعدم نجاح الفرقة المصرية (١).
ومهما كان الأمر فقد مثلت الفرقة المصرية مسرحيتين: الأولى ثارات العرب، والثانية صلاح الدين الأيوبي. وكلتاهما من تأليف جورج حداد. ولنا أن نتساءل عن الموضوعات والمؤلف. وإذا كان اسم صلاح الدين معروفا في الذاكرة الشعبية وكذلك (العرب)، فإن العناوين لا توحي بجاذبية خاصة للجمهور، ولا اسم (جورج) يجعل المسرحيات (عربية) في الفطرة الجزائرية. وقد ورد اسم (جورج) كمؤلف وكممثل ورئيس للفرقة (٢). وهذا الاسم في الفطرة الجزائرية مرتبط بالأسماء الفرنسية وليس العربية، والناس عندئذ لا يفرقون بين المسلم والعربي. ولسنا ندري من دعا الفرقة للحضور أصلا. ونحن نتساءل عن ذلك لنعرف الجهة التي كانت مسؤولة عن الإعلان والتعريف بالفرقة. فهل هي الحكومة أو الخواص؟ ولا نظن أن الفرقة
стр. 3936
المصرية قد جاءت من تلقاء نفسها بدون إعداد وترخيص وإجراءات دقيقة، من مصلحة الشؤون الأهلية التي كانت بإدارة جان ميرانت. ثم لماذا اختيرت العاصمة التي يغلب عليها عندئذ الطابع الأوروبي، لتمثيل مسرحيات تاريخية باللغة العربية الفصحى؟.
ولنسلم الآن أن فرقة جورج أبيض قد فشلت في تمثيل مسرحيات جورج حداد، لأنها باللغة الفصحى، فهل كانت زيارة الفرقة ضرورية لإحياء روح المسرح في الجزائريين؟ وهل كان الجزائريون سيظلون بدون مسرح لو لم تزرهم وتفشل معهم الفرقة المصرية؟ لا نعتقد ذلك، لأن الجزائر قد دخلت مرحلة عبر عنها الكتاب والملاحظون بمرحلة (النهضة) في ميادين مختلفة. فالمسرح كان سيظهر لا محالة كما ظهر النادي والصحيفة والمسجد الحر والمدرسة الحرة والأحزاب والجمعيات والتأليف، وغير ذلك من مظاهر النهضة.
وهكذا مثلت بين ١٩٢١ - ١٩٢٦ عدة مسرحيات على يد الفرق الطلابية، وهي الفرق التي أعادت موضوع المسرح والتمثيل إلى روح الجمهور، كما أعاد إليه الأمير خالد روح النضال السياسي وابن باديس روح النضال الديني والقومي. والغريب أن يقول سعد الدين بن شنب الذي كان صدى لتيار فرنسي شائع في الثلاثينات (وهو ليس منه في الأساس) إن الطلبة قد أنشأوا فرقا للتمثيل (كرد فعل على فشل) فرقة جورج أبيض لأنها مثلت بالفصحى. وهذه المسرحيات الطلابية كانت من إنتاج فرقة (المهذبية)، وهي جمعية للآداب والتمثيل العربي، تأسست بتاريخ إبريل ١٩٢١. وكان رئيسها هو الطاهر علي الشريف الذي ربما كان أحد أقارب علي الشريف الذي أسره الفرنسيون صبيا سنة ١٨٤٣ وحملوه إلى باريس رهينة وعلموه الفرنسية وأدخلوه فى مجتمعهم (١). ومثلت (المهذبية) ثلاث مسرحيات كلها من
стр. 3937
تأليف رئيس الجمعية نفسه (الطاهر علي الشريف). وهي:
١ - الشفاء بعد العناء.
٢ - خديعة الغرام.
٣ - بديع (١).
وهناك جمعية أخرى حاولت أن تشق طريقها في اتجاه آخر، يبدو أنه سياسي - إسلامي، وقبل أن تعطى لها الرخصة ويعرف اسمها، قامت بتمثيل مسرحية ذات عنوان جذاب وخطير على الاستعمار وهو (في سبيل الوطن) في ٢٩ ديسمبر ١٩٢٢، وكان ذلك بدون شك زمن الراحة السنوية بمناسبة عيد الميلاد، وأثناء اضطهاد حركة الأمير خالد الذي حكم عليه الفرنسيون بالنفي بعد أقل من سنة. ولم يذكر مؤرخو المسرح مؤلفا لهذه المسرحية، فهل هو الأمير خالد أو أحد أنصار فكرته أو حزبه؟ إن المسرحية كانت ناجحة رغم أنها مثلت على المسرح الجديد الذي قلنا إنه كان بعيدا عن وسط المدينة. وهي مسرحية من فصلين فقط. ولو أن فرقة جورج أبيض أو غيرها حاولت تمثيل مسرحيات من هذا النوع بالفصحى لكان الإقبال ربما غير ما كان، رغم بعد المسرح وقلة الإعلان (٢).
وفي سنة ١٩٢٣ قامت جمعية أخرى لا نعرف اسمها الآن، وهي بدون شك من الهواة، بتمثيل مسرحية اجتماعية عنوانها أيضا جذاب، وهو (المصلح)، وهي من تأليف أحمد (علي؟) فارس، باللغة الفصحى. وتسير المسرحية في خط النهضة الذي تحدثنا عنه لأن الأربع سنوات التالية للحرب قد أحدثت هزة في المجتمع. وقد أعلن أن ريع المسرحية سيجمع لفائدة ودادية طلبة أفريقية الشمالية. ولا نعرف الآن أين مثلت ولا عدد فصولها ومدى نجاحها (٣).
стр. 3938
يذهب سعد الدين بن شنب إلى أن ما ذكرناه من تجارب لسنوات (١٩٢١ - ١٩٢٥) كان مرحلة فاشلة للمسرح الجزائري. فبالإضافة إلى فشل فرقة جورج أبيض، فشلت أيضا، في نظره، تجربة الطاهر علي الشريف وأحمد (علي؟) فارس، ومسرحية في سبيل الوطن. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، منها اللغة الفصحى التي لم يتعود عليها الجمهور (وقد ناقشنا ذلك)، ومنها الضعف المادي والمعنوي للمثلين الذين وجدوا أن حماسهم وإخلاصهم لفكرة المسرح لا يكفيان. ومن جهة أخرى واجهوا صعوبة من نوع مختلف، وهي العثور على امرأة تقوم بالدور النسائي في المسرحيات. ثم أن المسرح نفسه (المكان) لم يكن في متناولهم، إذ كان عليهم دائما انتظار الفراغ الموسمي الأوروبي، أو التمثيل في أي مكان يعثرون عليه (١). هذه مجموعة من الأسباب التي أدت إلى فشل المرحلة الأولى من عودة المسرح.
وبعد توقف دام سنتين (١٩٢٤ - ١٩٢٦) ظهر رواد جدد للمسرح. فكانت السنتان المذكورتان فترة تأمل ومراجعة للنفس والإمكانات الأدبية واللغوية والاجتماعية. ومن الصعب أن نقول إن المسرح قد (توقف) تماما، فربما كانت جهات أخرى من الوطن تجرب حظها بأساليب متواضعة، لا نعلمها. ولكن دعنا نذهب مذهب الذين قالوا رجوع المحاولة المسرحية الثانية (المرحلة الثانية) على يد علالو ودحمون بمسرحية (جحا) في إبريل ١٩٢٦. فقد مثلت هذه المسرحية ثلاث مرات متوالية. فكانت تجربة ناجحة لأنها بلغة مفهومة وموضوعها بسيط، بسطه المؤلفان ليتماشى مع
стр. 3939
المستوى الثقافي للجمهور، مع استخدامها للتاريخ كمادة أساسية، ولكن تحويله إلى حكايات ساخرة وأسماء معاصرة تثير الضحك أحيانا. ويبدو أن رسالة المسرحية هي التسلية والضحك وليس الثقافة العامة والتوعية التاريخية (١).
ومن الملاحظ أن الموضوعات التاريخية واللغة الفصحى قد رجعت خلال الثلاثينات واستقطبت جمهورا كبيرا، ولا ندري إن كان ذلك راجعا إلى انتشار فكرة النهضة بين الناس وشيوع التعليم العربي على يد الحركة الإصلاحية، ومن ثمة شيوع الثقافة التاريخية نفسها. أو كان راجعا إلى الموضوعات وطريقة علاجها. فمسرحية (بلال) مثلا كانت ناجحة جدا. رغم أنها كانت بالفصحى (شعر) وتناولت موضوعا دينيا - تاريخيا. وقد حلت فرقة مصرية أخرى سنة ١٩٣٢ بقيادة فاطمة رشدي. وقد مثلت بعض المسرحيات التاريخية وبالفصحى. ومع ذلك أحرزت على نجاح أكثر من السابق. وإذا قيل إنها لم تنجح في تمثيل (موت كليوباطرة) لأحمد شوقي في العاصمة، فذلك راجع، ربما إلى غرابة الموضوع على الجمهور، اللهم إلا بعض المثقفين الملمين بالأحداث التاريخية (٢). وقد انتقلت الممثلة المصرية إلى قسنطينة واحتفل بها المثقفون وألقوا أمامها خطبا بالفصحى، وكان التفاعل كبيرا، لأن البيئة الثقافية في الجزائر ليست على درجة واحدة. والعاصمة في العهد الفرنسي كانت (أوروبية) أكثر منها عربية، وذوقها لم يكن حجة على ذوق كل الجزائريين.
ومخالطة المثقفين، سيما الممثلون، في العاصمة للجمهور الفرنسي وحضورهم حفلاته وتتبع مسرحياته جعلهم يتأثرون بالمسرح الفرنسي وأسلوبه في الحركة وسرعة الحوار وانتزاع الضحك من الجمهور. ولكن هذا الحكم يجعل المسرح مكرسا فقط لتوفير التسلية والضحك بينما الفرنسيون قد
стр. 3940
مثلوا أيضا الموضوعات الجادة والتراجيديات والمآسي الاجتماعية والتاريخية. وسنلاحظ أن الممثلين والمؤلفين الجزائريين، رغم بدايتهم المستقلة مالوا إلى الاقتباس من الأدب الفرنسي، ولكنهم وظفوا الاقتباس في مهمتهم المسرحية وتصرفوا في المعاني بما يتلاءم والذوق الجزائري العام. ومن الملاحظ كذلك أن معظم المؤلفين المسرحيين لم يكونوا مثقفين في البداية، فكانوا يعتمدون على الذاكرة والحكايات الشعبية الشفوية. ولم يكونوا يعتمدون على النصوص المكتوبة، سواء كانت بالعربية أو بالفرنسية، ونجد مثالا لذلك بعض مسرحيات رشيد القسنطيني (١).
أما الموضوعات التي عالجتها المسرحيات فهي متنوعة، ولكن معظمها اجتماعي. وقد جاءت شخصيات دينية في المسرحيات مثل القاضي والمفتي والإمام، ولكنها لا تتعرض للوظيفة الدينية التي يتولاها، وكان استخدام السخرية يجعل رجل الدين يظهر ساذجا وقصير النظر. ومن الموضوعات أيضا غمز رجال الطرق الصوفية، سيما في المسرحيات التي أنتجها أصحاب الاتجاه الإصلاحي. وبعض المسرحيات تعرضت أيضا لتاريخ الإسلام والحج وعدالة الخلفاء الراشدين. واحتلت الخمر ومضارها، والجهل، وتأثر المرأة بالحياة الأوروبية، والمخدرات، مكانة بارزة في عدد من المسرحيات. كما أن الإصلاح والتعليم العربي والوطنية قد ظهرت في بعضها الآخر.
وتظهر المبالغات أحيانا في اختيار الألفاظ والعناوين. فرشيد القسنطيني غير عنوان مسرحية (ابن عمتي في فارسوفيا) إلى (ابن عمي الاسطانبولي)، وقد مثلت على مسرح الأوبرا سنة ١٩٢٩، وفيلم (ثقبة في الحائط) حول نفس الممثل عنوانه إلى (حفرة في الأرض) ومثلها على مسرح الحمراء سنة ١٩٣١ وقد أخذ علالو ودحمون قصة عنتر الحشائشي وقصة الصياد والجن من ألف ليلة وليلة. وقد مثلت الأخيرة عام ١٩٢٨ على مسرح
стр. 3941
الأوبرا. والملاحظ أن المسرحيات كان يمثلها مؤلفوها في هذه المرحلة. ولا تكاد المسرحية الواحدة تعاد مرة أخرى. وكانت قصة جحا استثناء. ورغم ظهور عدد من أسماء الشباب في العشرينات فلم تظهر أخرى في الثلاثينات غير محيي الدين باش تارزي، بينما برز مؤلفون لمسرحيات تعليمية خلال الثلاثينات، أمثال محمد العيد ومحمد بن العابد ومحمد النجار. وأفضل أوقات العرض هي شهر رمضان لأن الناس يسهرون ويتسلون أثناء أوقات الفراغ.
والجمهور كان يختلف باختلاف الموضوعات والممثلين. فالمسرحيات العامة كان يحضرها جمهور المتعلمين المتنورين (وهم عادة ممن لهم علاقة بالمدرسة الفرنسية والثقافة الغربة)، وفئة العمال والخدم والطلبة في المدارس الفرنسية. ويقول ابن شنب إن العلماء وأصحاب العمائم (أي طبقة رجال الدين والعلم التقليدي) كانوا معارضين للمسرح وخروج المرأة كممثلة، وكان المسرح في نظرهم ضد الأخلاق الحسنة والعادات الكريمة. وربما كان ذلك أثناء كتابة مقاله (١٩٣٥). ولكن الأمر قد تغير بعد ذلك، فقد كان أصحاب العمائم من رجال الإصلاح يحضرون التمثيليات وسط الجمهور، بل كان بعضهم هم الذين ألفوا المسرحيات للطلبة لكي يمثلوها. وأصبح التمثيل وسيلة للنهضة ونشر الأفكار والتربية. ولكن بشرط ألا ينحط الممثل إلى درجة سفلى، فيقلد لمجرد التقليد، ويبالغ في التقعر من أجل إحداث الضحك وانتزاع الإثارة. والمسرح على العموم مشروع اجتماعي، له تقنياته ولغته وإشاراته وديكوره وملابسه وهواته (١). ومهما كان الأمر فإنه مع الحرب التحررية (١٩٥٤) كان المسرح الجزائري قد بنى لنفسه تقاليد وأصبح له أمجاد وتراث، وعرف طريقه إلى قلب الشعب.
لم يكن المسرح مقتصرا على العاصمة، كما نفهم من بحث سعد الدين بن شنب. فقد كانت جهات أخرى أيضا. تحاول جهدها، كما أشرنا
стр. 3942
سابقا. وهذا أحد الرواد قد أسس (فرقة المزهر البوني) سنة ١٩٢٨، أي في الوقت الذي كان فيه علالو ودحمون ورشيد القسنطيني يحاولون جهدهم في العاصمة. وكان مؤسس هذه الفرقة يدعى الجندي، وهو من خريجي المدارس الرسمية، وكان يعمل وكيلا قضائيا. تأسس (المزهر البوني) في عنابة، وشعت آثاره على الناحية الشرقية فدخل قسنطينة، وكذلك تبسة، وربما غيرهما من المدن المجاورة. ويقول مالك بن نبي إن (مرور هذه الفرقة في المدينة - تبسة - كان حدثا ثقافيا ... لكنه حدث سياسي كذلك (١). ويؤكد ابن نبي أن المسرح قد ساعد على إحياء اللغة العربية وبعث أمجاد الماضي. بل إن بعض الشباب أخذوا يفكرون في تأسيس فرقة مسرحية في تبسة أيضا على غرار المزهر البوني (٢).
وكنا قد تعرضنا باختصار إلى حياة رشيد القسنطيني في فصل آخر. واسمه الحقيقي هو رشيد بن الأخضر، وهو من مواليد العاصمة سنة ١٨٨٧. وقد تعلم في مدرسة محمد البليدي بالقصبة، ومال إلى التجارة فمارسها في الواقع بباب الواد ثم شارك في البحرية التجارية فحملته السفن إلى بلدان أخرى ابتداء من سنة ١٩١٤، أي أثناء الحرب الكبرى. وكانت جولاته هذه فرصة له تعرف منها على أخلاق الشعوب ولغاتها وتجاربها. وربما بقي في هذه الخدمة مدة الحرب. وكان رشيد محبا للموسيقى وحفلات الطرب، ومشاركا في نشاط الأوبرا بالعاصمة، وكان من الضاربين على القيتارة. وكان مع علالو وباش تارزي ودحمون وجلول باش جراح يمثلون كوكبة (الفن الأهلي) من تمثيل وموسيقى وغناء ابتداء من العشرينات. عاش رشيد حياة
стр. 3943
الحرمان التي كان عليها الشعب، مثل البطالة والفقر والقهر والجهل، فتأثر بكل ذلك وعالج في موضوعاته هذه القضايا بأسلوب ساخر دون أن يهاجم الاستعمار مباشرة. وقد ذكرنا في فصل آخر أنه كان يساير تيار النهضة والإصلاح دون أن يكون ملتزما بتيار سياسي معين (١). وكانت وفاته مبكرة نسبيا.
وقد عاش زميله باش تارزي حياة أطول من حياته. بدأ باش تارزي حياته منذ ١٩١٥ أيضا حزابا في الجامع الجديد، وقد ساعده حفظ القرآن الكريم على طلاقة لسانه وصفاء صوته خلافا لزميله. وقيل إن باش تارزي سجل قراءة للقرآن (تجويد؟) سنة ١٩١٩ كما سجل الأذان. وفي سنة ١٩٢٧ دعي لأداء الأذان عند افتتاح جامع باريس. أما نشاطه المسرحي فقد قيل إنه ترك أكثر من مائة مسرحية مثلت كلها على خشبة المسرح أو في الإذاعة. وقد عمل باش تارزي في مجال الغناء والطرب أيضا، وفي الإذاعة ثم في التلفزة. ومن الجمعيات التي عمل فيها جمعية (المطربية) التي أدارها أكثر من عشرين سنة وطاف بها عددا من البلدان. كما نشط في الجمعية (الفخارجية) للموسيقى. وجمع بين الأغاني الدينية والوطنية. وعاصر الأحداث العالمية، وثورة نوفمبر وعهد الاستقلال. وعاش إلى أن كتب مذكراته. وهو ربما الوحيد الذي فعل ذلك من بين زملائه، فكانت عملا حافلا سجل فيه نشاطه ونشاط جيله منذ الحرب العالمية الأولى (٢).
وتجدر الإشارة أيضا إلى رائد آخر من رواد المسرح الهزلي الهادف إلى خدمة الأغراض الاجتماعية، وهو محمد التوري. وهو من مواليد البليدة سنة ١٩١٨، وقيل إن اسمه الحقيقي بسناسي. وكان من الشباب الذي تأثر بالنهضة والإصلاح والوطنية، فدخل مدارس جمعية العلماء، ومدرسة الكشافة الإسلامية، ووصل في تعليمه إلى المرحلة الثانوية، ومارس بعض
стр. 3944
المهن التي جعلته يعرف معاناة الشعب، ونشط في مجال المسرح والأغنية الساخرة. وفي أواخر الثلاثينات ألف مع مجموعة من أصدقائه فرقة مسرحية، منهم عبد الرحمن عزيز. وهي الفرقة الثانية بعد (المطربة) لباش تارزي. وظهرت أعمال التوري المسرحية ابتداء من (المدمن) على الخمر الذي سماه (الكيلو). وكان يستوحي موضوعاته من التاريخ العربي والواقع الاجتماعي وبعض القصص الأوروبية، ومن أعماله أيضا مسرحية (البارح واليوم) و (وصية المرحوم) و (المجنونة). وكان التوري مثل، رشيد وباش تارزي، قد استعمل الأسلوب الساخر والأغنية الشعبية لتوعية الشعب وتصوير حالته، ولكنه كان يحتفظ بطابعه الخاص (١).
ومنذ ١٩٤٦ ظهر جيل آخر من الممثلين وكتاب المسرح، وهم الذين عاصروا الثورة وعاشوا مرحلة الاستقلال. ومنهم مصطفى كاتب وعبد الله نقلي وكاتب ياسين وحسن دردور، وسفير البودالي وغيرهم (٢).
آراء ومؤلفات في الموسيقى
سبق أن تناولنا موضوع الموسيقى والحفلات العامة في فصل آخر. ورأينا أن الآلات الموسيقية كانت مستعملة ومتنوعة. ومنها الآلات الأوروبية الدخيلة، كما أن حفلات الطرب واللهو، وحفلات الصوفية (الحضرة) كانت شائعة، سواء عند أهل الحضر أو عند أهل الجبال والصحاري.
كان (الإنشاد) أسلوبا مميزا لدى معظم الطرق الصوفية. وكان لشعراء المديح النبوي وتمجيد الشيوخ دور في الحياة العامة، وهم ينشدون بأنفسهم في المناسبات الصوفية أو يتركون قصائدهم ليغنيها مطربون متميزون
стр. 3945
بالأصوات الشجية، وقد شاع ذلك في اللهجات المحلية سواء العربية الدارجة أو البربرية. ومن الطرق التي اشتهرت بالإنشاد وإقامة الحضرة والتواجد: الحنصالية والعيساوية والقادرية. ويذهب (رين) إلى أن الحنصالية كانوا ينشدون قصيدة الدمياطي الشهيرة في حلقاتهم الخاصة، ذلك أن اجتماعهم على الإنشاد غير عمومي. وذكر مالك بن نبي أن القادرية في تبسة كانت تتكفل لأتباعها بالأنشاد في حفلات الزفاف والختان. وقد شاهدنا أنواعا من الموسيقى وضرب الطبول والرقص والإنشاد لدى كل من القادرية والتجانية في وادي سوف وفي تقرت كلما ارتحل أو قدم الشيخ. وقد يكثر في ذلك الضجيج والهرج وضرب البارود وألعاب الفروسية (١).
وقد تحدث الضابط فيليب عن حفلات غنائية وراقصة في تقرت وورقلة خلال السبعينات من القرن الماضي. فقد ذكر حفلة تسمى (النبيطة) في تقرت. وفي ورقلة أقام الآغا محمد بن الحاج بن إدريس، حفلة على شرف المسؤولين الفرنسيين تسمى (النوبة). وقد لعب فيها الزنوج ألعابا متنوعة من الفروسية وسط موسيقى صاخبة بالجواق (الناي) وغيره. وكان ذلك وسط جموع من الجنود والمهارى والخيالة، وخلالها أنشد أحد القياد قصيدة غنائية وهو على ظهر جواده (٢).
وبالإضافة إلى النقر على الطبل في رمضان للسحور ونحوه، والضرب على آلات أخرى من النحاس أو الحديد في مناسبات عديدة، هناك التجمعات في الأحياء حيث كانت تجرى حفلات شعبية يتضارب فيها (الفنانون) بعصي في حركات جماعية منسجمة وهم في دوائر راقصة
стр. 3946
منضبطة. ولهم انسجام مهيب مع الموسيقى.
ومن الآلات التي تحدث عنها الملاحظون الربابة (violin). وهي ذات وترين، ويسمونها الفيولين العربية. كما أن الآلات الأوروبية كانت مستعملة عند الجزائريين فقد لاحظت السيدة بروس، منذ منتصف القرن الماضي، أن آلة المندولين الإيطالية كانت متوفرة عندهم، ولكنها قالت إن العزف عليها كان يتم بدون ذوق ولا منهج، ونحن نفهم من ذلك أنها لم تفهم الموسيقى أو اللحن المعزوف بها. كما تحدثت عن آلة الجواق (الناي) ذات الثقب الثمانية، وهي من القصب. وتحدث السيد حشلاف عن ثماني آلات منتشرة، وهي: العود والكويترة (القيثارة) والقانون، والرباب، والناي، والزرنة والطار والدربوكة والفيولين. ولاحظ أن هناك آلات أجنبية أضيفت وهي: البيانو، والبانجو والماندولين، ثم ماندولات أخرى للغناء الشعبي (١).
١ - إن آراء الجزائريين في الموسيقى ونقدها والتأليف فيها قليلة. ومع ذلك فهي آراء وأعمال جديرة بالتسجيل. وقد لاحظ إسماعيل حامد سنة ١٩٠٠ أن المغاربة يتذوقون الموسيقى ويستجيبون لها أكثر من الجزائريين، فبينما وجد (كل الناس) في المغرب يحبون الموسيقى، فإن أهل الحضر في الجزائر والزواوة هم فقط الذين يستمتعون بها. وقد قال حامد ذلك رغم أنه كان يعيش قريبا من تلمسان التي اشتهرت بتراثها الموسيقى الغني. ولاحظ حامد أن عرب الجنوب، سيما سكان الخيام منهم، كان لهم القوالون أو المداحون، وكان هؤلاء ينشدون الأشعار دون أن يغنوها ولا يهتمون إلا قليلا بالموسيقى (٢). وكان حامد قد عاش وتوظف في الجنوب الغربي من الوطن: معسكر، وعين الصفراء وآفلو، ثم وهران. فهو إذن خبير بما يقول، ونحن نعلم أنه ربما يكون من مدينة الجزائر، ومن ثمة جمع بين معرفة أهل الحضر وأهل البادية - الريف.
стр. 3947
وكان حامد نفسه من المولعين بالموسيقى. وقد اغتنم فرصة رحلته إلى المغرب فألف نوطة الموسيقى المغربية في وجدة. وقد جعل عنوان إحداها: مقدمة ومسيرة، وعنوان الثانية: نغمة الرقص العربي، ونشر نوطته على ثلاث صفحات في المصدر المذكور. وكان قد وصف الموسيقى المغربية وقواعدها ونفحاتها (١). ولعل رأيه ونوطته ستكون هامة للباحثين في الموسيقى المغربية. ففي الوقت الذي كان فيه يافيل اليهودي يضع النوطة للموسيقى الجزائرية (والأندلسية)، كان حامد يضع النوطة للموسيقى المغربية.
٢ - وفي أول القرن أيضا ألف القاضي شعيب بن علي تأليفا في الموسيقى سماه (بلوغ الأرب في موسيقى العرب)، كما أطلق عليه عنوانا آخر جميلا هو (زهرة الريحان في علم الألحان). ورغم اشتغال الشيخ بأمور القضاء فإنه ساهم في البحث الموسيقي، وربما وجد نفسه في مرحلة كان الاهتمام فيها بالموسيقى ظاهرة ملفتة للنظر. وقد نرجح أنه ألف كتابه بطلب من السلطات الفرنسية إذ كانت قد طلبت منه أيضا تأليف كتاب عن مصنوعات تلمسان. وسنرى أن عددا من الأوروبيين (في عهد جونار) أخذوا يكتبون البحوث عن الموسيقى العربية ويستعينون فيها بهواتها ومعلميها من الجزائريين، كما فعل رواني مع الشيخ محمد سفنجة. ومهما كان الأمر فإن القاضي شعيب كان متمكنا من علم الموسيقى تاريخيا وربما ممارسة، لأن تلمسان كانت موطن هذا العلم قديما واحتفظت به مع مرور الزمان. ودليلنا على ذلك أن القاضي شعيب سبق له أن ألف كتابا مطولا في الموسيقى سماه (سفينة الأدب الماخرة في بحور ألحان العرب الزاخرة). وهو الذي اختصره في الكتاب الذي ذكرناه في البداية وهو (بلوغ الأرب).
وفي ديباجة هذا الكتاب أبان القاضي شعيب أهمية الموسيقى لدى الشعوب وعلاقتها بالآداب والفنون ومجالات عزفها والمصادر التي اعتمد عليها. وها هو يقول: (الحمد لله مولى النعم، ومؤتى الحكم، ومخصص من
стр. 3948
شاء بما شاء من علم التلاحين والنغم، المسمى بالموسيقى والموزيكا في عرف العرب والعجم ... وبعد ... هذه رسالة صغيرة الحجم غزيرة العلم، اختصرتها من كتابي المسمى (سفينة الأدب ...) قلدتها من الجواهر دررا كثيرة، ومن النوادر غررا خطيرة ... ووشحتها بفرائد الفوائد ... خصوصا تحرير المقام على رقائق الفنون الشعرية التي تدور عليها غالبا رحى المحافل السمرية، بين أهالي الطرب والزهو والرقص واللهو، في منتجع الأندية الزهرية، وهي: القريض والموشح والدوبيت والزجل والمواليا والكان وكان والقومات ... على أنه لا مزية لي إلا في الاعتناء بجمعها، واقتحام العناء في اقتناصها من شتيت مواضعها ...) ثم ذكر أن من الكتب التي أخذ منها كتاب العبر لابن خلدون، وسفينة الملك لشهاب الدين، كما اعتمد على محفوظه الخاص (١).
٣ - وفي سنة ١٩٣٤ صدر تأليف لعبد الرحمن السقال ومحمد بخوشة بعنوان طويل هو (نفح الأزهار ووصف الأنوار وأصوات الأطيار ونغم الأوتار) (٢). والمؤلفان تلمسانيان كانا فيما يظهر يقيمان في المغرب. ونحن نعلم أن للسيد بخوشة عناية بالشعر إذ نشر ديوان ابن مسايب (١٩٥١). أما السقال فلا نعرف مدى علاقته بالشعر والموسيقى. ولعله هو الذي عناه السيد حشلاف حين قال إنه كان من أعلام الموسيقى في تلمسان (٣).
٤ - ومن الذين أرخوا ووصفوا الموسيقى الجزائرية، أحمد توفيق المدني في (كتاب الجزائر). وكان المدني قد نفي من تونس التي ولد وتربى فيها. وكانت تونس قد طورت موسيقاها بالمقارنة إلى الجزائر. وحين حل
стр. 3949
المدني بالجزائر سنة ١٩٢٥ لاحظ أن الشعب الجزائري حزين لا يميل إلى الضحك والطرائف، ولم تتطور عنده الموسيقى كما تطورت في تونس. ففي الجزائر جفاف في الطبع ومعاناة في الحياة وركود في الموسيقى. ولاحظ أن الموسيقى في البادية ما تزال على عهدها الأول، وهي (تعتمد على المعاني أكثر مما تعتمد على الأنغام). ومن رأيه أن هناك نوعا من الموسيقى الحربية المصحوبة بقرع الطبول، وهي ترافق عادة ألعاب الفروسية. أما اللحن الموسيقي فهو واحد وطويل وبسيط. ونفهم من ذلك أنه ممل ورتيب، ويجري ذلك مع كل مصراع من البيت الشعري بإعانة طبل ومزمار (١).
أما في المدن فقد نشأت في رأيه موسيقى جميلة، وهي خليط من الموسيقى الأصلية وموسيقى أهل الأندلس والأتراك الواردة. ومع الموسيقى. التركية خليط من الإغريقية أيضا. ومن هذه الأنواع جميعا تكون ما سماه المدني (ديوان الموسيقى الجزائرية). وهي متميزة عن الموسيقى الشرقية والغربية، وهي (موسيقى علمية فنية واسعة الغنى إلى درجة مفرطة) (٢).
ثم تحدث المدني عن النوبات الجزائرية التي كانت ٢٤ نوبة فلم يبق منها، كما قال، سوى ١٦ وقد أرجعها إلى موسيقى الأندلس (غرناطة وإشبيلية ومالقة). ومن النوبات الستة عشر هناك سبعة أصلية وتسعة فرعية. أما الأصلية فهي الجاركة والصيكة والموال والعراق والرمل الماية والزيدان والمزموم. وأما الفرعية فهي (من الموال): الذيل ورصد الذيل والماية. ومن فروع (الزيدان): الرمل والمجنبة. ومن فروع (الجاركة): الغريب. ومن فروع (العراق): الحسين والرصد. ومن (رمل الماية): الغريب.
وقد ساعدت المدني ثقافته الموسيقية التي تلقاها في تونس، على وصف ألوان من النوبات الموسيقية الجزائرية، كما لاحظها عند نزوله بالجزائر. فكل نوبة موسيقية تبتدئ بما يسمى التوشية، وهي مقطع موسيقى
стр. 3950
يشبه قطعة افتتاح الأوبرا عند الأوروبيين. ويذهب المدني إلى أن الكثير من نوبات التوشية قد ضاع، ولكن في منها ستة، وهي: الرمل، ورمل الماية والغريب والزيدان والصيكة والماية.
ويأتي بعد التوشية المصدر، وشبهه المدني بقطعة الأوبرا الأوروبية. وليس من الضروري أن يقع مصدر واحد بعد التوشية. فقد يأتي مصدران. وبعد المصدر يأتي نوع يسمى البطايحي، ثم الدرج، ثم ما يسمونه الاستخبار، وهو إنشاد بيتين من الشعر الأندلسي. وبعد الاستخبار يقع الانصراف. وتختم النوبة بعد ذلك بالخلاص، وهو نغمة راقصة.
هذا هو التقليد الذي سارت عليه النوبات الموسيقية. ولكن دخلها أيضا بعض التأثير من الخارج، من ذلك افتتاحات أعجمية (فارسية - تركية؟) استعملت مكان التوشيات التقليدية، وأطلقوا عليها أسماء جديدة، وهي الباشراف، والتشامبار، وباشراف انقلابات (١).
وفي مجال التأثر ذكر المدني أن موسيقى تلمسان وقسنطينة قد تأثرت بالموسيقى التونسية والشرقية، بينما ظلت موسيقى العاصمة محافظة، ولكنها أدخلت بعض الآلات الموسيقية الجديدة، مثل الربابة (السنيترة) بدل القيثارة، وقد ترتب على ذلك تغير في مخارج النغمات. كما أن موسيقى العاصمة لجأت إلى الاعتماد على الآلة وإهمالها للصوت والأداء، بحجة أن العبرة في الموسيقى بالآلة فقط. ولذلك نجد الموسيقى عذبة والصناعة متقنة، ولكن الأصوات أحيانا منكرة. ويبدو أن المدني قد لاحظ التأثير الأجنبي (الفرنسي) على موسيقى العاصمة، فقال إنها صفحة جميلة من الموسيقى العربية والفن الأندلسي ولكنها (ستضمحل مع الحضارة الغربية). ولا ندري ما يقول أهل هذا الفن اليوم وقد مر على ملاحظة المدني المتشائمة أكثر من نصف قرن (٢). وكان بعض الفرنسيين قد توقعوا ذلك أيضا.
стр. 3951
وتعتمد النوبات الموسيقية على إنشاد الشعر الأندلسي. فالأبيات أو القطع الشعرية تتغنى بجمال بلاد الأندلس، ويكون منها أنغام (فرحة)، كما أنها قد تكون حزينة تبدي التأسف على العهد السالف. والأشعار قد تكون في موضوع الغزل والغرام. والغريب أن الشعر الجزائري، سواء كان حول الطبيعة أو حول النفس، لا يغني عادة. ونحن نجد هذه الظاهرة في الشعر الصوفي أيضا. أما أشعار القوالين والمداحين فهي من إنشاد المنشدين أنفسهم أو من إنشاد شخصيات معروفة.
وفي عهد المدني كانت هناك جمعيات ومنظمات تهتم بالموسيقى، وذلك يدل على النشاط الذي أخذ يدب في جميع أوصال الشعب، وهو النشاط الذي عبرنا عنه في مكان آخر بالنهضة. ففي العاصمة تكونت الجمعيات الموسيقية التالية: المطربية، والأندلسية، والجزائرية، والزاهية، والجوق المسائي لمحمد سفنجة. وتكون في تلمسان جوق الحاج العربي بن صاري، كما تكونت أجواق أخرى في غير العاصمة وتلمسان للمحافظة على التراث الموسيقي. وتكونت في العاصمة جمعية أخرى تسمى الطليعة (١)، وقد تبنت الموسيقى الحديثة. فهل نفهم من هذا أن الجمعية كانت تهتم فقط بالموسيقى المتأثرة بالنغم الأوروبي والشرقي، مثل موسيقى محمد عبد الوهاب وسيد درويش؟ وقد ذكر المدني محاولة أخرى للموسيقى الحديثة، وهي جمعية محمد بن الموفق في العلمة. فهذه وفرقة الطليعة، في نظر المدني، حاولتا تقليد الجمعيات الموسيقية التونسية، ويبدو أن المحاولة لم تنجح (٢). وقد ولد (المزهر البوني) وغيره من الجميعات الفنية خلال
стр. 3952
الثلاثينات، كما عرفنا، ونشطت الحركة الموسيقية في قسنطينة مع إنشاء النوادي والمدارس وظهور التمثيليات.
وارتبط الغناء والموسيقى بالتمثيل والتأثر بالأساليب الغربية. وهكذا ظهر نمط (المونولوج) الذي استمده بعض الجزائريين من الموسيقى المصرية أيضا. وممن عالجوا ذلك محيي الدين باش تارزي ورشيد القسنطيني. فكلاهما استعمل هذا الفن للترفيه والتوعية والإصلاح الاجتماعي، وقد أقبل عليه الجمهور أكثر من إقباله على الموسيقى (الكلاسيكية) لبقائها غير متطورة أو ابتعاد الذوق العام عن نغماتها. ويقول المدني في معرض النقد إنه لم تنشأ مدرسة موسيقية شعبية تعبر عن مشاعر الجمهور إلى جانب الموسيقى الأندلسية. كما أن الساحة ظلت فارغة من الفرق الموسيقية العصرية التي تستعمل الآلات الجديدة بدل الآلات الوترية القديمة. والمحاولات التي جاءت بها الطليعة، وجمعية ابن الموفق، لم يكتب لها النجاح (١).
٥ - وفي سنة ١٩٣٢ ألقى السيد طالبي محاضرة عن الموسيقى العربية في مدينة تيزي وزو. ولا نعرف عن طالبي سوى أنه كان محاميا. ولكن اسم (طالبي صالح) وجدناه سنة ١٩١٠ عضوا في الجمعية الرشيدية بالعاصمة، وكان معلما متربصا. ولا ندري الآن إن كان الاسم لشخص واحد. ومهما كان الأمر، فإن عددا من الشخصيات حضرت المحاضرة، ومنهم شخصيات فرنسية سامية. ومن رأى السيد طالبي أن الموسيقى العربية (الأندلسية؟) قد جمعت بين رومانتيكية (روحانية؟) الشرق والتفكير الإسباني (الأندلسي)، وأنها من نتاج الحضارة الأندلسية الإسلامية.
ومن الملاحظات التي أبداها السيد طالبي أن الموسيقي العربي لا يميل
стр. 3953
إلى المناظر الصارخة أو الطارئة، بل يحب السهول حيث تتكسر حدة الضوء. أما عن الموسيقى ذاتها فقد قال إنها متساوية التوزيعات في الإيقاع ونعومة الأصوات، واعتبر القطعة الموسيقية عبارة عن (حلم قد مضى). وجاء طالبي بعدة حكايات تساعد على فهم هذه الموسيقى. وأثناء شرحها قامت (جوقة ساسي) للموسيقى الشرقية بعزف يبين معاني تلك الحكايات، وقد أدت ذلك بمهارة وعاطفة خاصة. ودامت المحاضرة ساعتين، ولا شك أنها كانت باللغة الفرنسية. ونحن لم نعرف عن (جوقة ساسي) هذه سوى من هذا النص (١).
٦ - كتب السيد محمد زروقي سنة ١٩٣٦ مقالة في مجلة (الرسالة) المصرية تعرض فيها إلى الموسيقى الجزائرية أثناء نقده لموسيقى محمد عبد الوهاب. كما أن السيد زروقي تعرض إلى أصول الموسيقى العربية والغربية وقواعدها وميزاتها. ويبدو أنه كان من مدينة تلمسان ومن المعجبين بالتراث الأندلسي وأصالته. وانتقد (اقتباسات) عبد الوهاب وغناءه باللهجة المصرية. واعتز بالموسيقى الشرقية - العربية قائلا إن أوروبا تلميذة الشرق في الموسيقى والآلات والإيقاعات، وإن الموسيقى الغربية فقيرة في النغمات (ولا أدل على ضعف السلم في الموسيقى الغربية من اقتصاره على استعمال النغمين فقط). وأضاف أن النغمة المنخفضة ترجع إلى عرب الأندلس. ثم إن أحزان الموسيقى الغربية لا تفوق أحزان الأغاني العربية (٢).
من ملاحظات زروقي أن عبد الوهاب أخذ ألحان فيلم (الوردة البيضاء) من بحارة الفولغا، وهي أغنية روسية واقعية، وهذا لا يتلاءم مع الفيلم الشعري الخالص. كما أن أغنية (يا شراعا) في مدح الملك فيصل (العراق) تحتوي على عاطفة ولكن ليس فيها حمية وحماس. ولاحظ أن التجديد ليس هو في تقليد الغرب فقط، فهناك جزائري حاول أن يقلد الموسيقى الغربية، ولكنه سرعان ما انطفأ بعد نجاح قصير. ولا ندري إلى من كان يشير زروقي.
стр. 3954
ثم ذكر شخصا آخر قال إن اسمه هو (كاروزو شمال افريقية) حاول أن يرجع إلى التراث القديم، وهو يحترم الموسيقى العربية القديمة. ولم نعرف من كلام زروقي من هو هذا الرجل أيضا. وقد انتقد زروقي أيضا ما قدم من الموسيقى الأندلسية في مؤتمر القاهرة للموسيقى (انعقد سنة ١٩٣٢)، ومن رأيه أن المساس بالموسيقى الأندلسية كان (خيانة حقيقية).
واعترف محمد زروقي أن طرق التلحين الأندلسية الاثنى عشر والتي ما تزال مستعملة في المدن الرئيسية بالمغرب العربي، ليست في الحقيقة إلا مخلفات بالية من الأندلس. ولكنه اعترف أيضا أن للغرب سحره وتأثيره على المغنى الجزائري. فهذا المغني قد خضع لتأثير الأوبرا الغربية، واستمع إلى الألحان القصيرة بسرور في الأوبريت والصالونات، فأثرت تلك الألحان على مقطوعاته بالتدرج. ولكن (ها نحن نرى فيها أكبر فشل فني). ونوه محمد زروقي بالفنانة أنيسة الجزائرية التي لم تتأثر، في نظره، بالموسيقى الغربية، وظلت امرأة موسيقية موهوبة معتمدة على طريقة الغناء القديمة ومستعملة مشاعرها النسوية القوية، وهي تعتبر ذات خبرة طويلة في فن الموسيقى. وذكر زروقي أن أنيسة كانت تذهب إلى أوساط الفقراء وتعيش بينهم وإلى البدو الرحل، ثم ترجع منهم برصيد موسيقي غني ومتنوع. وقال إنها تفعل ذلك لكي تستوحي صوت أجدادها وتتسمع نفسها ثم تنطلق في ألحان تخلب الألباب. وزروقي هو الوحيد الذي رأيناه، فيما نعلم، يذكر هذه السيدة وينوه بها.
والخلاصة أن محمد زروقي انتقد الذين يقلدون الموسيقى الغربية ويتخلون عن الموسيقى الشرقية والأندلسية الأصيلة، سواء كانوا من الجزائريين أو من المصريين مثل محمد عبد الوهاب. واعتبر زروقي الموسيقى من أبرز سمات كل حضارة، إذ أن العرب يبتسمون كلما سمعوا موسيقى غربية، والأوروبيين يبتسمون كلما سمعوا موسيقى عربية. ثم إن الأوروبيين هم الذين أخذوا قديما وحديثا من الموسيقى الشرقية. ومن آخر الأمثلة أن المؤلف الموسيقي (سان سانس) الذي عاش حقبة طويلة في الجزائر قد اقتبس
стр. 3955
لمؤلفه المشهور (شمشون ودليلة) من الألحان الأندلسية المعروفة بالزيدان. ولذلك دعا (زروقي) عبد الوهاب ألا يحقق أمنية من يذهب إلى أن الموسيقى العربية والشرقية ستموت أمام الموسيقى الغربية الزاحفة. كما دعاه إلى المزج بين الموسيقى العربية والإفرنجية بدل إخراج ثمرة غير ناضجة لا يهضمها الذوق العربي (١).
ومن الأسف أننا لا نعرف الآن ما إذا كان لمحمد زروقي مقالات أخرى أو مؤلف في هذا المجال. ويبدو أنه كان على اطلاع واسع بتاريخ الموسيقى وآلاتها وأنواعها. وسنرى أن تلمسان قد تركت لنا بعض المؤلفات الموسيقية.
٧ - الجنى المستطاب، رسالة في السماع والموسيقى، ألفها أحمد بن محيي الدين المتوفى سنة ١٩٠٢، وهو أحد إخوة الأمير عبد القادر. وبيان هذه الرسالة أنها ألفت في الرد على من زعم أن سماع الموسيقى والألحان يحرك القلوب نحو الله (٢). وهذا معنى غامض، ولا بد من الرجوع إلى الرسالة نفسها لنعرف هل المؤلف يوافق أو يعارض سماع الموسيقى. فقد كان بعض الصوفية يوافقون على الموسيقى بالنسبة لهم فقط لكي تعاونهم على الوجد والاندماج الروحاني، وكان التصوف شائعا في أسرة الأمير.
٨ - كشف القناع عن آلات السماع، ألفه أبو علي بن محمد الغوثي (٣). وكان المؤلف من الشبان الذين تخرجوا من مدرسة تلمسان العربية - الفرنسية الرسمية، ولكنه ظل محافظا على التراث، فكان يقرض
стр. 3956
الشعر ويطالع كتب التراث، ويخالط شيوخ الناحية مثل القاضي شعيب الجليلي. كما أنه مارس التدريس في سيدي بلعباس بأحد المساجد. ثم جاء به المستشرق ألفريد بيل إلى مدرسة تلمسان بالذات التي كان مديرا لها، وكان بيل من المعجبين بالغوثي، وربما كان في حاجة إليه لمساعدته في تحقيق بعض المخطوطات وتحضير كتابه عن الفرق الإسلامية (١).
ألف الغوثي الكتاب لكي يعرف بالموسيقى العربية في الجزائر في أوائل هذا القرن، وكان ذلك يستجيب للانطلاقة التي جاء بها شارل جونار سنة ١٩٠٣. ولذلك تبنت حكومته نشر هذا الكتاب وغيره من الأعمال التراثية، مثل تعريف الخلف ومؤلفات المجاوي وابن الخوجة. وبعد أن تحدث الغوثي عن قواعد النحو في العامية الجزائرية - سيما عامية تلمسان - وهي قواعد وضعها المستشرقون لكي يدرسوا بها العربية الدارجة للأوروبيين، حدث عن آراء علماء المسلمين في الموسيقى، وعن الشعر والأوزان في الجاهلية وبعدها. كما تحدث عن أنواع الشعر قديما وحديثا. والبحور الشعرية المعروفة والجديدة، مثل المواليا والقوما والدوبيت والكان وكان، والسلسلات والعروبي. وأورد فصلا مطولا عن الموشحات، وجاء بموشح إبراهيم بن سهل الإشبيلي الشهير. وفي حديثه عن الزجل أورد نص قصيدة (العقيقة) لأبي سعيد عثمان المنداسي التلمساني، وذكر أشعار شعراء تلمسان الملحونة، أمثال ابن مسايب وأحمد بن التريكي وأبي مدين بن سعيد، وأبي فارس عبد العزيز المغراوي، وهم من أهل القرنين الحادي عشر والثاني عشر (١٧ - ١٨ م).
وابتداء من صفحة ٩٣ أخذ الغوثي يدخل في الموضوع الرئيسي، وهو الموسيقى. فتحدث عن مؤهلات الفنان، والأصوات والطرب والنفخات والآلات الوترية وكذلك القيثارة والرباب والناي والمزمار والهرمونيكا، وذكر
стр. 3957
من آلات النفخ الجواق والغيطة. وأشار إلى أنواع الموسيقى الباقية إلى وقته، والفرق الموسيقية العربية. وقد نوه بالكتاب بعض المراجعين مثل محمد بن أبي شنب (١).
تطورات أخرى في مجال الموسيقى والغناء
رغم عراقة الموسيقى الجزائرية، فإنها تقوم على التراث العربي - الأندلسي، ولكن أصولها هي ترتيل القرآن الكريم وإنشاد المدائح النبوية، وقد ازداد هذا التماسك منذ سقوط الأندلس واستغراق الناس في التصوف. وكانت أصوات المؤذنين في المساجد وإنشادات الحضرة الصوفية تلقي بظلالها على مختلف الألحان الموسيقية. ثم أضيفت إلى ذلك أنواع الغناء الأخرى كالشعبي والبدوي والصحراوي والقبائلي. ويذهب السيد حشلاف إلى أن الجزائريين قد استعاروا أيضا من المشرق الألحان العربية منذ ١٩٣٠ ولعله يشير بذلك إلى مدرسة محمد عبد الوهاب، كما استعاروا من الأوروبيين. ولذلك أصبح الغناء الجزائري متأثرا بعدة تيارات (٢). وقد درس ذلك أكثر من واحد، ولا سيما السيد محمود قطاط، كما عرفنا (٣).
стр. 3958
ومن رأي السيد حشلاف أيضا أن الموسيقى الجزائرية لا تكاد تخرج عن ضربين: الحضرية والبدوية. والموسيقى الحضرية تتنوع إلى: العروبي، والحوزي، والمالوف والحوفي والزنداني والمحجوز والرحوي والغاوي. وكل نوع له مكانه وزمانه. أما الموسيقى البدوية فهي تختلف باختلاف جهاتها، وهي: الصحراوية، والغربية (الوهرانية) والأوراسية، الخ. وعند الغناء يستعمل أهل كل جهة لهجتهم المحلية مثل التارقية (الهقارية)، والشاوية، والقبائلية، والميزابية، الخ. وقد ظل معظم الشعب يعيش في الأرياف، ولذلك بقيت الموسيقى ريفية (بدوية) في أغلبها ولم تخضع للتأثيرات الخارجية، وهي تستعمل الآلات التقليدية (الجواق، والزرنة والمزود والطبلة والبندير والدف والقلال)، ويسمى المغني البدوي (الفحصى) تحريف (الفصحى) لأن المغنين الأولين كانوا شعراء ينشدون أشعارهم بالفصحى. ومن أشهر الشعراء المغنين في الريف أوائل هذا القرن: الشيخ وراد (تجلابين) والشيخ ابن مناد (تابلاط)، والشيخ بوطبل (الشلف) وأحمد بن الزبير (بنو سليمان)، والشيوخ محمد السنوسي، وولد منور، وولد الزاوي، وحمادة، وكلهم كانوا بناحية مستغانم.
وقد لعب التسجيل دورا بارزا في حفظ التراث الموسيقي. فقد سجلت أغاني الشيوخ الأربعة المتأخرين المشار إليهم بين سنوات ١٩٠٦ و ١٩٢٦، بينما ضاع تراث وراد وابن مناد وبوطل وابن الزبير وغيرهم (١). والواقع أنه منذ ١٩٠٨ انطلق التسجيل لأصوات الفنانين رجالا ونساء. كما سجلت أصوات جماعية (جوقة) مثل (قالوا العرب قالوا، ورانا جيناك، يا بلارج). وكانت الفرق في بداية القرن تضم أسماء يهودية مثل يافيل وسرور وروباش، أو أوروبية (نصرانية) مثل ماري سوسان. ومن هذه الفرق فرقة فيتوسي، وفرقة البيدي، وفرقة ليفي، ثم ظهرت فرقة المطربية وفرقة الكمال (وهي غير معروفة من قبل).
стр. 3959
ومن الفرق (الأجواق) الجزائرية ما أنشأه باشر تارزي، وقد سبق ذلك. وفرقة سفنجة التي تسمى (الموصلية)، وكان يشرف عليها بعده تلميذه عبد الرحمن سعيدي وابن التفاحي. وتكونت فرق أخرى في البليدة بقيادة محمود ولد سيدي سعيد الذي توفي سنة ١٩١٨. ثم عوضه تلميذه الزموري، وهذا هو شيخ دحمان بن عاشور. ثم فرقة أخرى كانت نواحي وادي الرمان (جنوب/ غربي العاصمة) أشرف عليها قويدر بن إسماعيل، ثم جمعية (الودادية) في البليدة التي كان من أعضائها دحمان بن عاشور. وفرقة (الناصرية) في بجاية، وهذه كان يشرف عليها الصادق البجاوي. وتكونت أيضا فرق في شرشال والقليعة. وكان هناك تبادل وتفاهم بين الفنانين في هذه الفرق، بحيث تبادلت ودادية البليدة والموصلية بالعاصمة والناصرية في بجاية الخبرات والفنانين. وتكون بذلك فن أندلسي وثيق الصلة بالماضي ومعروفا. وكانت الودادية هي التي قدمت الشيخ محيي الدين الأكحل إلى الموصلية فأثر فيها وأصبح تلاميذه في خدمة التعليم الفني وتنشيط الإذاعة (١).
أما الموسيقى الحضرية فتعرف بالصنعة. وهي تقوم على التفنن في الآلات خلافا للموسيقى البدوية. واشتهرت بذلك تلمسان وقسنطينة ثم العاصمة، ولكن اسم (الصنعة) غير موحد في هذه المدن. وعندما نتحدث عن تلمسان فإنما نعني كل الناحية الغربية تقريبا، مثل مستغانم وندرومة أيضا. وقد ظهرت في هذه المدن عدة شخصيات موسيقية في آخر القرن الماضي، وأول هذا القرن. واستطاعوا أن يجددوا فن الغناء والموسيقى وأن يحافظوا على التراث الأندلسي بالخصوص. ومنهم الشيخ بوخالفة الذي كانت له فرقة خاصة، ومن تلاميذه الحاج العربي بن صاري المولود سنة ١٨٥٧. ومن الشعراء الشعبيين نذكر أيضا الشيخ المرغوني، وقد كان أعمى، وكانت له موهبة موسيقية نادرة. ومنهم قدور بن عاشور الإدريسي الذي ترك مجموعة من الأغاني غير مطبوعة، مثل قصيدة (ولفي مريم)، وكان أهل
стр. 3960
تلمسان، رغم حبهم للموسيقى يمنعون أطفالهم من احترافها. وفي مستغانم وندرومة ظهر أوائل هذا القرن الشيوخ ابن دادة ومحمد بن سعدون وحميدة السنوسي، وعبد القادر بن طوبجي وعبد القادر بن قطاط. ويذكر السيد حشلاف أن الشيخ بلقاسم ولد سعيد الجنادي، وهو من مواليد آيت منصور قرب عزازقة، قد تتلمذ على الشيخ سفنجة في العاصمة، ثم حل بمستغانم وأقام فيها وأصبح له تلاميذ في الموسيقى التقليدية، وقد توفي الجنادي سنة ١٩٥٤. كما ذكر حشلاف مجموعة من أعلام الموسيقى في تلمسان، منهم الشيوخ: بريكسي، والسقال، وبشير زروقي، ومحمد بن صاري، وعبد الغني مالطي، وبومدين بن زينب (١).
ولنتحدث الآن عن بعض الموسيقيين والموسيقيات أو المغنين والمغنيات ما دمنا بصدد هذا الموضوع الفني الصرف، وإذا شئت الثقافي، لأن الشعوب تتميز بلغاتها وموسيقاها وأغانيها الشعبية. ونود أن نسرع إلى القول بأن موضوعات الشعر قد تكون غير أخلاقية عند بعض الشعراء، ولكن منها ما هو ديني وما هو تأملي وما هو وجداني، وما هو في الطبيعة وحتى في مناجاة بعض الحيوانات. وربما تعرض الشعراء إلى الشكوى من الزمان ومن الظلم والاستعمار، وخلدوا ذكر فقيد وبكوا الأحبة والمهاجرين. وربما فرحوا بمولود أو بعودة غريب أو بشفاء مريض. فالموضوعات إذن كثيرة ومتنوعة. أما الصنعة الموسيقية فهي التطريب الشجي المحرك لدواعي النفس وأوتار القلب مهما كان الموضوع.
كان عبد الرحمن المنيمش من مواليد العاصمة في زمن غير محدد في النصف الثاني من القرن الماضي. ولعله كان من ذلك الجيل الذي عاصر