← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وقصة ابن الترجمان تذكر المرء بقصة رحالة آخر ومغامر مثله، وهو عاشور القسنطيني المعروف بالفكيرين. فقد كان والده من علماء قسنطينة، وتنقل عاشور في الأرض كثيرا فدخل بلاد السودان وتونس وحج وتولى وظائف التدريس وخصوصا في تونس. ولما رجع إلى قسنطينة صادف (مظلمة) فاختار الخروج منها ثانية ولم يعد إليها. فقد أدركته الوفاة مهاجرا في مكة المكرمة سنة ١٠٨٧ (١). ومهما يكن من شيء فإن الأوضاع السياسية والاقتصادية والمظالم هي التي كانت السبب في هجرة عاشور الفكيرين الأولى والثانية. وهناك شخصية غريبة أخرى اختارت مصر مستقرا لها، ومع ذلك لا نعرف عنها إلا القليل، فقد روى الجبرتي أن أحمد الجزائري (ويسميه أبا العباس المغربي) الذي كان من صحراء عمالة الجزائر قد دخل مصر صغيرا وتتلمذ على مشائخها، مثل علي الصعيدي، ومهر، كما يقول الجبرتي (في الأدب والفنون)، ثم أذن له في التدريس فصار يقريء الطلبة برواق المغاربة، وشاع أمره وذاعت أخباره لفصاحة لسانه وجودة حفظه. وبعد أداء الحج سنة ١١٨٥ والمجاورة بالحرمين عاد إلى مصر وأصبحت له فيها مكانة عالية، وعظم أمره حتى أشير إليه بالمشيخة في الرواق ولكن تعصب البعض ضده، فلم يحصل له ذلك. وكل ما حصل عليه أحمد الجزائري هو نظارة المدرسة الجوهرية. وكان لذلاقة لسانه وكثرة أتباعه له خصوم أيضا. فقد قال عنه الجبرتي إنه كان (يتقى شره). وقد توفي سنة ١٢٠٢ (٢). وما تزال حياة أحمد بن عمار غامضة في نهايتها على الأقل. فنحن نعرف أنه أيضا قد حج وجاور بالحرمين مدة طويلة، وأنه ذهب إلى تونس

стр. 422

ومصر، كما سنعرف (١). ولكننا لا نستطيع أن نجزم هنا أن أحمد بن عمار كان من المهاجرين نهائيا. كما أننا لا نستطيع أن نؤكد ذلك بالنسبة لمعاصره وصديقه عبد الرزاق بن حمادوش، صاحب الرحلة والآثار العلمية الأخرى. فقد ولد ابن حمادوش وعاش وتثقف بالجزائر وتوظف، ثم تنقل بين المغرب وتونس ومصر والحجاز، ولكننا لا نعرف ما إذا كان قد عاد إلى بلاده أو ظل خارجها إلى وفاته (٢). ويمكننا أن نغامر فندعي بأن كلا من ابن عمار وابن حمادوش مات في مهجره ولم يعد إلى الجزائر. ومن الذين كانوا يشعرون أيضا بمأساة خارج الجزائر لأسباب لا نعرفها (ولعل من بينها النفي السياسي) الشيخ محمد بن أحمد الشريف الذي كان دائما يكتب بعد اسمه أنه جزائري المولد والنشأة أزميري الوطن والملجأ. فقد ذكر أن من شيوخه في الجزائر محمد بن عمر المانجلاتي ومحمد زيتونة التونسي ومصطفى بن إبراهيم الأزميري. وقد ترك محمد بن أحمد الشريف عدة تآليف في الحديث والفقه سنعرض إليها في الجزء الثاني. ويبدو أنه استوطن بعد الجزائر أزمير واتخذها منفاه، ثم تنقل فذهب إلى الحجاز حيث بقي فترة مجاورا وتعرف هناك على أحد الوزراء العثمانيين، وهو أحمد باشا نعمان، الذي أصبح شيخا للحرم الشريف. وقد استجازه هذا الوزير فأجازه (تطييبا لخاطره، وتنشيطا لفكره وناظره) سنة ١١٥٤. والغالب على الظن أن محمد بن أحمد الشريف قد توفي في مهجره حوالي سنة ١١٥٩. وتطول بنا القائمة لو حاولنا استقصاء العلماء الذين هاجروا وقضوا حياتهم في المهجر، فالأسباب عديدة وقد أشرنا إلى أهمها. والبلدان التي توجهوا إليها متعددة المشارب حسب المغريات العلمية والسياسية التي يجدها المهاجر. غير أن بعضهم كان يعود إلى وطنه كحمودة المقايسي

стр. 423

والحسين الورتلاني وأبي راس ومحمد الزجاي، وبعضهم يظل في مهجره. وقد زاد من المخاطر التي كان العلماء يتعرضون إليها، بالإضافة إلى ما ذكرناه، كثرة الأوبئة والنكبات الطبيعية. وإذا كانت هذه النكبات تترك آثارها على كل الناس وتصيب كل المجتمع فإنها بدون ريب كانت تترك آثارا أخطر على فئة العلماء، لأن (الكرام قليل) وعدد المثقفين كان قليلا حقا. وتتحدث كتب التراجم عن العلماء الذين أودى بحياتهم الطاعون. فصاحب (البستان) يذكر الطاعون الذي حدث سنة ٩٨١ ووفيات العلماء الذين كانوا ضحية له، أمثال محمد أبو السادات، ومحمد الجابري، ومحمد بن موسى الوجديجي. ويذكر الفكون أيضا الطاعون الذي حدث سنة ٩٨٢ وسنة ١٠٣١ ويذكر ضحاياهما من العلماء أمثال شيخه محمد التواتي وأحمد بن ثلجون وبركات المسبح وعبد اللطيف بن عبد الكريم بن سعيد. وهناك مصادر أخرى تتحدث عن أثر الوباء على العلماء مثل رسالة (أنيس الغريب والمسافر) لمسلم بن عبد القادر. فإذا أضيف ذلك إلى عوامل السجن والنفي والإعدام والإبعاد عن الوظائف السياسية ونحوها أدركنا الجو الذي كان يعيش فيه علماء الجزائر في العهد العثماني وأدركنا بالضرورة أنه لم يكن جوا يساعد على الاستقرار والإنتاج الثقافي. العلماء المسلمون في الجزائر من الصعب تحديد عدد العلماء المسلمين الذين وردوا على الجزائر خلال العهد العثماني وبيان وظائفهم وذكر بلدانهم ونوع ثقافتهم وأهدافهم. فالعالم الإسلامي كان وطنا واحدا يتنقل فيه العالم من طرفه إلى طرفه الآخر دون أن يسأله أحد أين هو ذاهب. وكان العلماء من حيث المبدأ لا وطن لهم، فهم حيث مصالحهم الخاصة والعامة. ومع ذلك فقد وجدت ظروف ساعدت على هجرة العلماء من بلد إلى آخر. وقد عرفنا منها الظروف السياسية والاقتصادية وطلب العلم.

стр. 424

وكان العلماء يترددون على الجزائر ويعملون فيها حتى قبل مجيء العثمانيين. فقد نزلها علماء الأندلس قبل نكبة ٨٩٧ (١٤٩٢) وبعدها (١). ورافق بعض العلماء الحملات العثمانية على سواحل المغرب العربي، كما رافقوا الباشوات الذين عينوا من إسطانبول لإدارة البلاد وتمثيل السلطان. وكان بعض هؤلاء العلماء موظفين رسميا كالقاضي الحنفي. ولكن بعضهم كان يأتي بدون تعيين. فهو باحث عن الفرص والمال أو عن نشر العلم والطرق الصوفية. وكان بعض العلماء يتعاطون أيضا التجارة في بلدانهم فجاؤوا إلى الجزائر إما للاستمرار في التجارة وإما للتدريس بدلها. ولم يكن كل العلماء الذين وردوا على الجزائر على جانب كبير من العلم والنزاهة فقد كان فيهم المغامر والانتهازي ودعاة المذاهب السرية. وكان بعضهم قد استقروا في الجزائر ولم يعودوا إلى بلدانهم. فقد كانوا يتزوجون ويظلون مع أزواجهم وأطفالهم حتى بعد الانتهاء من الوظيفة التي عينوا للقيام بها - وقد ذكر ابن المفتي عددا من هؤلاء. ومن العلماء القادمين على الجزائر من لم يكن عالما بمعنى الكلمة وإنما كان في ركاب أهل العلم كالخطاطين والنساخين والوراقين وغيرهم. وقد ذكرنا بعضهم فيما مضى (٢). وقد ظل بعض رجال العلم العثمانيين يأتون إلى الجزائر حتى بعد تقادم العهد. ففي النصف الثاني من القرن الحادي عشر ورد على الجزائر في ظروف غامضة أحد القضاة، وهو القاضي المولى علي، الذي يبدو أنه كان يتمتع بشهرة دينية واسعة، حسب رواية الفكون. فقد قال عنه إنه جاء إلى قسنطينة زمن السلطنة الأحمدية (أي السلطان أحمد ١٠١٣ - ١٠٢٧) فهرع إليه عسكرها وواليها وعظموه تعظيما لا نظير له. ونزل هذا القاضي عند الفكون باعتباره (شيخ الإسلام) في قسنطينة. وكانت له مكتبة ضخمة ينقلها معه، وله مشاركة في علوم كثيرة, ومن قسنطينة توجه القاضي إلى مدينة

стр. 425

الجزائر وأقام بها وصار له هناك صيت عظيم. واستقل أياما بالإمارة حتى صدر الأمر عن نظره. وقد تزوج بمدينة الجزائر أيضا وأصبح من أهلها. ولكن الدائرة دارت عليه. فهل جاء المولى علي ليعيد نفوذ السلطان لدي الأوجاق إلى سالف عهده ففشل؟ أو هل كانت له أغراض أخرى لم يكشف عنها إلا للمقربين إليه؟ وعلى كل حال فإن السلطات العثمانية قد قلبت له ظهر المجن بعد أن عرفت غرضه، فامتحنته امتحانا عسيرا ثم نفته من الجزائر، بل أخرجه عسكر الجزائر (وهم الأوجاق) عن أهله وماله، فذهب إلى تونس حيث توفي (١). ومن الأتراك الذين وردوا على الجزائر في العهد العثماني الأخير الشيخ مصطفى خوجة، فقد حل بها سنة ١١٦٨ وعين منذ وصوله إماما لجامع خضر باشا حيث ظل ثماني عشرة سنة. ثم تولى وظائف أخرى إدارية مثل حامل الراية وكاتب التذكرات، وشارك شخصيا في الحرب ضد الأوروبيين أثناء حملة أوريلي الشهيرة على الجزائر، وبالإضافة إلى الإمامة والجهاد ألف بعض التآليف بالتركية عن الحوادث التي جرت أمامه وعاشها. ومن ذلك كتابه (التبر المسبوك في جهاد غزاة الجزائر والملوك) (٢) و (رسالة مضحكات وعجائبات) (٣)، وهي عن الصلح بين الجزائر وإسبانيا. ولا ندري بأية لغة

стр. 426

كان مصطفى خوجة يؤم الناس ويخطب عليهم ما دام قد ألف بالتركية. ولذلك قلنا في أكثر من موضع بأن الوظائف الدينية في الجزائر لم تكن تسند دائما إلى أهلها. وقد ارتبط محمد بن علي الخروبي الطرابلسي بالعثمانيين في الجزائر من أول عهدهم وخدمهم بإخلاص حتى كانوا يثقون فيه كل الثقة. ومن الجزائر ذهب إلى المغرب في مهمات سياسية وعلمية. فدخل فاس ودرس فيها وأجاز بعض علمائها كمحمد الحضري الزروالي، ثم توجه إلى مراكش وترك هناك خزانة كتب ضخمة، وكانت معرفته بالمغرب وبعلمائه هي التي أهلته، مع ثقة العثمانيين فيه، ليتولى السفارة باسمهم لدى سلاطين المغرب السعديين وعلى رأسهم محمد المهدي الشيخ. فقد ذهب الخروبي هناك على الأقل مرتين، منها واحدة سنة ٩٦١، لعقد الهدنة وتحديد الحدود. وكان الخروبي قد أخذ العلم بالجزائر أيضا حيث يذكر بعض من ترجموا له أنه درس على محمد بن عبد الله الزيتوني وأحمد بن عبد الرحمن زروق ومحمد بن مرزوق وعبد الرحمن الثعالبي (١) وعن تلاميذ محمد بن يوسف السنوسي. وجميع هؤلاء من أقطاب الزهد والتصوف في الجزائر. فلا غرابة إذن أن يسير الخروبي على نهجهم، بل يبالغ حيث اعتدلوا. وقد تولى أيضا في الجزائر بعض الوظائف كالخطابة واشتهر بجمع الكتب. وله مؤلفات عديدة معظمها رسائل وشروح لا تخرج عن الأوراد والطرق الصوفية (٢). ومهما يكن من أمر فإن نشاط الخروبي قد ساعد على إرساء قواعد الحكم العثماني في الجزائر.

стр. 427

وفي أوائل القرن الثاني عشر قدم إبراهيم القنيلي الطرابلسي أيضا على الباشا محمد بكداش ومدحه بقصيدة (١). ولا ندري كم أقام القنيلي في الجزائر ولا الوظائف التي تولاها إن فعل. وكما كان العثمانيون يرسلون علماء مسلمين غير جزائريين في مهمات سياسية خارج الجزائر كانوا أيضا يستكتبون بعضهم في ديوان الإنشاء ونحوه. وقد عثرنا على نموذج من المراسلات التي دارت بين الباشا عثمان سنة ١٠٦٤ (٢) والسلطان محمد بن الشريف السجلماسي. وكان كاتب رسالة الباشا هو السيد المحجوب الحضري الذي لا نعرف عنه الآن أكثر من هذا. ولعله كان من العلماء غير الجزائريين. وقد جاء في الرسالة أن الباشا قد أرسل وفدا إلى السلطان الشريفي فيه عالمان وقائدان. والعالمان هما: عبد الله بن عبد الغفار النفزي والحاج محمد بن عبد العالي الحضري المزغناي المغراوي (٣). ومن أهل تونس الذين تولوا الوظائف في الجزائر في عهد الباشا محمد بكداش، أبو حفص عمر بن محمد الذي تولى قضاء العسكر والذي أكد ابن ميمون عن قصد أنه كان تونسي الدار والمنشأ (٤). كما أن محمد زيتون

стр. 428

التونسي قد تولى القضاء الحنفي في زمن شعبان خوجة باشا (١). ولا ندري ما إذا كان أحمد بن مصطفى برناز التونسي أيضا قد تولى الوظائف في الجزائر، غير أننا نعلم أنه قد تجول فيها والتقى بعلماء قسنطينة وزواوة والجزائر وعنابة. وجاء في رحلة ابن حمادوش بعض أسماء لعلماء تونسيين وردوا على الجزائر، وخصوصا محمد الشافعي الباجي (٢). وكان محمد الشافعي وأحمد الأصرم القيرواني يبثان العلم في الجزائر مدة طويلة، وقد شرح الأول قصيدة محمد باي في المديح النبوي (شرحا بديعا في جزئين من أمتع كتب الأدب) (٣)، أما الفكون فقد ذكر المراسلات التي دارت بينه وبين بعض علماء تونس مثل القاضي إبراهيم الغرياني ومحمد تاج العارفين. ولعل مغامرات الشيخ فتح الله تعتبر نموذجا لورود علماء المسلمين على الجزائر في العهد العثماني. فقد عاش حياة متقلبة في المشرق وفي الجزائر تدل على أنه كان يبحث عن الجاه والمال أكثر مما كان يظهر علمه ليستفيد منه الناس. وقد وجد الأرض ممهدة له والاستعداد لاستقباله. فأصبح قاضيا ومفتيا وخطيبا، وكاد يدعي أشياء أخرى تصوفية. وقد ولد فتح الله (ولا يعرف حتى اسمه بالضبط) في سورية ونشأ بها ثم رحل بعائلته إلى مصر. وبعد برهة لم يجد فيها ما كان يصبو إليه فرحل إلى الجزائر وسجل أولا في دفتر الباشا حتى يكون له نصيب من عطاياه باعتباره من العلماء الفقراء والغرباء وباعتباره أيضا ينتمي إلى المذهب الحنفي. ولعله وجد الزحام على المناصب القليلة شديدا في مدينة الجزائر فتوجه إلى قسنطينة التي كانت بحق العاصمة الثانية، وتزوج بها وسعدت حاله وابتسم له الحظ ووجد

стр. 429

الأبواب مفتوحة لجميع الإدعاءات فأصبح خطيبا. وهذه المهنة لا تحتاج إلى علم غزير في وسط غير مثقف ولا سيما من رجل قادم من المشرق. ثم أصبح مدرسا وادعى أنه أستاذ في الفلك والأدب والحديث ونحو ذلك. ولم يقتصر نشاط الشيخ فتح الله على ادعاء العلم بل ادعي أيضا معرفة الكشمير وصباغة الحرير ومحلول العطور. ومعنى ذلك أنه جمع بين العلوم والحرف. وتطور به الأمر فاتصل بأرباب السلطة وأصبح خطيب جامع القصبة وناظر مدرسة سوق الغزل ثم خطيب جامع سيدي الكتاني، وظل في هذه الوظيفة إلى وفاته. وقد وصل به الأمر أن صار مفتي الحنفية عدة سنوات وتولى وكالة الأوقاف سنتين وقضاء الحنفية. وكان مجيئه إلى قسنطينة قبيل ١١٨٥ (١). وياما أكثر العلماء الذين ادعوا العلم والولاية والمعرفة الدينية والدنيوية في الجزائر وتسلموا أزمة الأمور وأصبحوا لا منازع لهم إلا من سلموهم السلطة طبعا! وقد ذكرنا من قبل قصة ورود حسين الجزائري الخطاط. وقصة الشيخ فتح الله تذكر المرء بقصة ابن الأحرش المغربي الذي كاد يزعزع بثورته السلطة العثمانية في الجزائر أوائل القرن الثالث عشر. كما تذكرنا بالكثير من المغامرين المعروفين باسم (محمد بن عبد الله) الذين كانوا يظهرون من وقت لآخر كأنهم المهدي المنتظر أو رجل الساعة. فقد كان لعلماء المغرب حركة واسعة في الجزائر في العهد المدروس لأسباب عديدة، منها أن المنازعات السياسية على الحكم في المغرب كانت تؤدي ببعض العلماء إلى نشدان الهدوء والاستقرار في الجزائر كما حدث لعلي بن الواحد الأنصاري وأبي القاسم الزياني. ومنها أن مجالات العمل في الجزائر كانت مفتوحة أمامهم سيما وأن العثمانيين كانوا يفضلونهم على الجزائريين لأسباب سياسية تقتضي تقريبهم وكسب ودهم ليوم الحاجة. ومنها أيضا أن

стр. 430

المغاربة كانوا يتخذون من الجزائر طريقا للحج بحرا وبرا. وكثيرا ما كانوا ينزلون بالمدن الجزائرية ويسألون عن العلماء ويختلطون بالناس ويشترون منهم ويجيزون ويستجيزون، كما سنرى. وكان بعضهم يأتي إلى الجزائر في مهمات دبلوماسية مثل وفادة الوزير الغساني (١) وأحمد الغزال (٢). وأخيرا فإن سمعة بعض العلماء في الجزائر كانت تجلب إليهم الأنظار وتجعل بعض علماء المغرب يرحلون للأخذ عنهم كما فعل ابن زاكور. ولعل بعض هؤلاء العلماء كانوا أيضا يمارسون التجارة بين المغرب والجزائر أو يبثون المذاهب الصوفية بين الجزائريين. وعلى كل حال فإن هذه الأسباب وغيرها كانت تجعل الجزائر مجالا واسعا لعلماء المغرب. ولذلك فإن كثيرا من الكتابات في هذا العهد توجد في آثار علماء المغرب. ويبدو أن اختلاف النظم السياسية بين المغرب والجزائر كان رحمة على العلماء. فبقدر ما كان سلاطين المغرب يقربون علماء الجزائر ويعطونهم مثاقيل الذهب ويوفرون لهم الكساء والسكن والاحترام، بقدر ما كان باشوات الجزائر يستقبلون بعض علماء المغرب ويقدمون لهم المال والوظيف والوجاهة. فهذا علي بن عبد الواحد الأنصاري قد جاء إلى الجزائر هروبا من أوضاع سياسية كان غير راض عنها. ومن المعروف أن المؤرخ والوزير أبا القاسم الزياني قد اختار الإقامة في الجزائر وأن معظم إقامته كانت في تلمسان لأسباب سياسية أيضا (٣). وقد ألف بعض أعماله في الجزائر وعثر فيها على

стр. 431

مصادر نادرة حول تواريخ سكان المغرب العربي القدماء. ومنهم أيضان محمد الحاج رئيس الزاوية الدلائية. فقد جاء هو وأولاده إلى تلمسان حين قضى السلطان الرشيد بن الشريف على الزاوية وفرق جموعها وزعماءها. وقد قيل إن محمد الحاج قال لما دخل تلمسان (كنت وجدت في بعض كتب الحدثان أني أدخل تلمسان فظننت أني أدخلها دخول الملوك فدخلتها كما ترون) وقد توفي بها سنة ١٠٨٢ (١). والتمغروطي لم يقم في الجزائر طويلا ولم يتول فيها الوظائف كما لم يأتها غاضبا سياسيا ولا مفاوضا دبلوماسيا وإنما جاءها مارا أثناء سفارته لإسطانبول، ومع ذلك لقي بعض علماء الجزائر ووصف أحوالها المادية والسياسية. ولعل من مهمته السرية تقديم تقرير عنها أيضا إلى سلطانه. وعلى أية حال فإذا حكمنا مما كتب التمغروطي عن الجزائر فإن تقريره عنها سيكون غير مشجع للسلطان على حربه (٢). وبعض علماء المغرب قد توظفوا في الجزائر وأقاموا بها طويلا دون أن نعرف الآن سبب وجودهم بها. وكان بعضهم مثالا للدرس الكفء والاجتهاد والاستقامة، بينما كان آخرون مثالا لسوء الخلق والانتهازية والتملق. فالشيخ محمد التواتي الذي كان يلقب في المغرب بسيبويه لدرايته بعلم النحو قد رحل إلى الجزائر وهو عالم بالنحو والمنطق والبيان والأصول. وقرأ بزواوة وتولى التدريس في قسنطينة واشتهر أمره حتى قصده الطلاب من مختلف جهات القطر. وكان - حسب رواية الفكون - بعيدا عن الولاة يعيش من دروسه ومن حب تلاميذه له. ومن أشهر من تخرج عليه عبد الكريم الفكون صاحب (منشور الهداية)، فهو الذي حبب إليه النحو حتى أصبح بدوره أستاذا فيه. ويعتبر النحو والبيان والمنطق من العلوم العقلية التي قل طلابها لغلبة روح التصوف وعلوم النقل. ولعله هو الذي تتلمذ عليه أيضا عيسى الثعالبي

стр. 432

الذي يقال إنه لازمه حتى أدركته الوفاة (١). ومع علمه وعزلته واشتغاله بالدرس لم ينج من لهيب السياسة. فقد قيل إن أحد المتهمين (ولعله من طلابه) قد فر إليه فآواه عنده فاتهم التواتي بإيواء الهاربين وكاد يفتك به ولاة قسنطينة لولا أنه فر إلى نقاوس وباجة بتونس حيث عانى من الحرمان والظلم إلى أن توفي بالطاعون، كما عرفنا، سنة ١٠٣١. غير أنه ليس كل علماء المغرب كانوا على نمط التواتي علما وورعا. فهناك المغامر أحمد الفاسي الذي طرق جميع الأبواب لينال حظوة باشوات الجزائر وبايات قسنطينة وقواد وشيوخ القبائل. ذلك أنه جاء إلى مدينة الجزائر ثم توجه إلى قسنطينة وكان فصيح اللسان حسن الخط شاعرا أديبا مداحا لأهل السلطة والجاه. وكان في بداية أمره ملازما للبادية يعمل كاتبا لبعض قواد عشيرة تعرف بالعبابسة، يمدحهم وينال منهم وكانوا أهل خيام وكرم. وقد وجد أحمد الفاسي في البادية من المال والوجاهة ما لم يجده في حاضرة قسنطينة. غير أنه لم يكن من العلماء بالمعنى الديني والأخلاقي للكلمة بل كان من المثقفين العابثين والأدباء الذين يعيشون حيث يجدون الملذات واللهو. ومن أخباره أنه انضم في قسنطينة إلى جماعة كانت تسهر الليالي وتلهو بالطرب وشرب الدخان ونحو ذلك وتتظاهر بالخنا وتحب الشعر وتسمع الموسيقى وتتناول الخمور. وقد قال الفكون عن أحمد الفاسي إنه دخل (نادي أهل الفسوق وأعلنوا شرب الدخان وتظاهروا بالخنا وكانوا ينظمون الأشعار ويمدحون البندار، والمزهر والطار، ويذكرون سلافة الخمار، وكان الفاسي يثني على الخمر ويستدل عليها بأشعار من الصوفية فيها الكاس والسكر والحان والدنان). وكان الفاسي وجماعته يهجون من خالفهم من العلماء. ولا شك أن سلطة قسنطينة كانت تسكت على هذه الأحوال التي

стр. 433

ينكرها العلماء الورعون قطعا. وعندما سمع علماء المغرب بما كان يفعل الفاسي في قسنطينة اعتبروه (خارجيا) وادعوا أنه يقول الشعر في سب آل علي بن أبي طالب (١). وكانت كلمة (الفاسي) و (السوسي) قد شاعت في كتب التراجم المؤلفة في الجزائر خلال العهد العثماني. ومن ذلك محمد الفاسي الذي نزل أيضا قسنطينة وادعى أنه عالم بالفرائض والأسطرلاب فأنزله بعض علمائها مدرسة العائلة وبدأوا يأخذون عليه العلم فإذا هو عاجز لا يكاد يعرف شيئا. ومحمد السوسي الذي قدم أيضا من فاس، حسب ادعائه، ونزل أولا مدينة قسنطينة بعد رحيل محمد التواني عنها، ثم توجه إلى الجزائر، ومدح الباشوات ومن دونهم لكي ينال منهم الحظوة ووظيفة الفتوى. وقد تداخل هناك في السياسة وقال شعرا في باشا الوقت. وقيل إنه كان قبل ذلك يتزي بزي الأعراب ويتظاهر بأشياء غريبة هي أقرب إلى الدروشة منها إلى العلم. وكان قد جاء بقصد القراءة على علماء البلاد، فإذا به، وقد ساعده أولو الأمر، يصبح من المدرسين والمثقفين (٢). ولكن ليس كل من اسمه الفاسي كان على النحو الذي ذكرنا. فقد ورد على الجزائر من فاس علماء كان وجودهم بها خيرا وبركة، وكانوا في مهمات نبيلة. ومن هؤلاء عبد القادر بن أحمد بن شقرون الفاسي. فقد مر بالجزائر أثناء الحج ولقي بعض علمائها وتبادل معهم الرأي في بعض المسائل العلمية أمثال خليفة بن حسن القماري الذي لقيه في بسكرة سنة ١١٩٣، وقد اشتهر الشيخ خليفة بنظمه لمختصر خليل. وكان من عادة القماري الخروج من قريته

стр. 434

قمار لملاقاة ركب الحج المغربي فيأخذ من علمائه ويأخذون منه. وفي السنة المذكورة اجتمع الرجلان وأطلع القماري زميله الفاسي على نظمه للمختصر فقرظه وأثنى عليه (١). وكذلك فعل الناصري الدرعي، صاحب الرحلة الكبرى، سنة ١١٩٥ حين التقى أيضا بالشيخ القماري في سيدي عقبة وقرظ نظمه وأشاد به (٢). وقد سجل العياشي والجامعي وابن زاكور مظاهر كثيرة من حياة الجزائر العلمية والاجتماعية والسياسية. فقد نال الجامعي حظوة لدى محمد بكداش باشا الذي تم على عهده فتح وهران الأول. وكان قد جاء بعد الفتح بقليل فوجد النفوس فرحة فساهم بذلك بشرحه على أرجوزة المفتي الحلفاوي التي تسجل أحداث الفتح. وقد أعجب الجامعي بالشاعر المفتي ابن علي والعالم الزاهد أحمد البوني والمفتي محمد الحلفاوي صاحب الأرجوزة. أما ابن زاكور فقد أخذ العلم عن جماعة من علماء الجزائر ذكرهم في رحلته وعاد منهم إلى بلاده بمجموعة من الإجازات. ولعل ابن زاكور قد حظي أيضا برضى رجال الدولة رغم أن ذلك غير واضح في رحلته (٣) وممن كان يتردد على الجزائر أحمد الورززي التيطواني الذي كانت له شهرة علمية واسعة. وكان حر التفكير حتى رماه بعض معاصريه بالاعتزال. وقد وصف ابن حمادوش إحدى زيارات الورززي للجزائر سنة ١١٥٩. كما نعرف من مصادر

стр. 435

أخرى أنه قد زارها أيضا سنة ١١٦١. ومهما قيل في هذه الحركة العلمية الواردة من المغرب أو من المشرق فإنها كانت في جملتها بركة على الجزائر. فكل عالم كان مدرسة متنقلة ومكتبة مفتوحة. وحركتهم كانت تشكل ما نسميه اليوم بوسائل الإعلام وتبادل الخبراء والكتاب ونحو ذلك من وسائل الاتصال العلمي. وكما كان الجزائريون يهاجرون من أجل العلم ليأخذوه في الأماكن البعيدة كانوا أيضا يرحبون بالعلماء الوافدين ويهرعون للأخذ عنهم والاستماع منهم في شوق وشغف. وهذا التلاقح في الأفكار والاتصال المستمر هو الذي أدى إلى نوع من التحديات الفكرية بين الجامدين والمتحررين ظهرت أحيانا في شكل مناظرات وأخرى في شكل نقد لاذع لأحوال الفكر عموما. من قضايا العصر في عصر ضمرت فيه الحركة الفكرية، ماذا ننتظر أن تكون القضايا التي تشغل بال العلماء وتثير نقاشهم وخصوماتهم؟ والواقع أن معظم العلماء، كما عرفنا، كانوا في شغل شاغل عن القضايا الفكرية، فهم كانوا في منافسة كبيرة على الوظائف مع ما يتطلب ذلك من الاكتفاء بالقليل من العلم والجهد في تحصيله. فالوسائل المادية ونحوها هي التي كانت تؤهلهم لتلك الوظائف وليس الكفاءة العلمية والتفوق الفكري. وسنرى أن من وسائل الحرب التي كانت تدور بينهم اتهام بعضهم البعض بالزندقة والخروج عن الجماعة والاعتزال. وقد كان (الالتزام) بما قاله السلف والاحتفاظ به على علاته أفضل عند هؤلاء من دعوة الاجتهاد وحرية الفكر ونقد الماضي. غير أن بعض العلماء كانوا يقومون برسالة هامة في المجتمع ونعني بذلك إصلاح ذات البين، ولا سيما في الأرياف، وتوعية العامة بقواعد الشرع وأحكامه الصحيحة، والعامة كانت مقلدة ولا تثق في الحكام بقدر ما كانت تثق في العلماء والمرابطين، ولذلك كان دور هؤلاء عظيما بين العامة. ولما كانت السلطة السياسية في بعض المناطق شبه معدومة فقد كثرت النزاعات

стр. 436

والمشاغبات واللجوء إلى القوة وتحكيم الهوى والعادات القبلية أكثر من تحكيم الدين والقواعد الإنسانية والتضامن الاجتماعي. لذلك كان العلماء في الأرياف يقومون بإعادة الحق إلى نصابه ويفتون الناس فيما جهلوا. فتوريث المرأة كان في بعض الجهات غير معمول به فتدخل العلماء وأنصفوها باسم الدين. وكان تقسيم الأراضي لا يخضع إلا لتقاليد القبيلة فأصبح بتدخل العلماء يخضع لقواعد الشرع. والحروب التي كانت لا تنطفيء لها نار بين أهل القرى والأعراش هدأت بفضل تدخلهم أيضا. فعبارة (إصلاح ذات البين) التي طالما كررها الورتلاني كانت تعني تلك الأمور التي ذكرناها جميعا، وقد كان هو وأمثاله يقومون بها خير قيام (١). وكما كان العلماء يفتون ويقضون ويحلون مشاكل العامة كانوا أيضا يتدخلون لإطفاء نار الفتن السياسية الداخلية والخارجية. وقد مرت بنا نماذج على ذلك مثل تدخلهم بين شعبان خوجة باشا والإنكشارية. ومثل تدخل شيخ الإسلام في عدة حوادث بقسنطينة. وكان العلماء أيضا يشاركون في وفود المفاوضات بين الجزائر وجاراتها مثل ما حدث سنة ١٠٣٧ بالنسبة لتونس وسنة ١٠٦٤ بالنسبة للمغرب. وقد أشرنا أيضا إلى بعثة محمد القوجيلي إلى إسطانبول سنة ١٠٦٥ وبعثة ابن العنابي للمغرب وإسطانبول أوائل القرن الثالث عشر. فالعلماء كانوا يقومون بإصلاح ذات البين سواء بين العامة أو الولاة والسلاطين (٢). ولكثرة النزاع بين المسلمين والنصارى (وخصوصا الإسبان)، ولمكانة اليهود لدى الباشوات والبايات كان العلماء يتجادلون في شأنهم وموقف الدين منهم. فالحرب البحرية والجهاد في سبيل الله خوفا من غارات الإسبان على السواحل وضد وجودهم في وهران قد تعرضنا لها سابقا. كذلك كان

стр. 437

العلماء يعملون على نشر الإسلام بين المسيحيين الذين وقعوا في أسر البحارة الجزائريين، وقد نجحوا في بعض الأحيان، ذلك أن الأسرى كانوا يوزعون على العائلات الإسلامية انتظارا لفديتهم. ومن هؤلاء الأسرى من كانوا يدخلون في دين الله إما تعجيلا لتحريرهم وإما اقتناعا بمبادئ الإسلام وحسن معاملة المسلمين لهم، وإما طموحا إلى تولي السلطة ونيل المناصب والأجرة. وقد روى بعض هؤلاء الأسرى نماذج من حياتهم هناك ومن محاولة بعض العلماء لإدخالهم في دين الإسلام (١). والمعروف أيضا أن كثيرا من بحارة الجزائر، بل ومن الباشوات كانوا من الأعلاج المرتدين عن المسيحية. فكان دور العلماء إذن فعالا في هذه النواحي. كما نجد في المصادر أن بعض اليهود قد اختاروا الإسلام وأطلقوا على أنفسهم أسماء إسلامية. ومع ذلك فإن العلماء كانوا شديدي الحساسية من النصارى واليهود، فالأولون لمنافستهم الدينية والحضارية، أما اليهود فلمنافستهم المادية وحتى السياسية. فكلما ذكر اسم نصراني أو يهودي أضاف إليه العالم المسلم عبارة (لعنه الله) أو (أخزاه الله) ونحو ذلك من عبارات الامتعاض والكراهية. وقد وجدت في إحدى الوثائق أن أحد اليهود قد اشترى عقارا من أحد المسلمين فسجل القاضي ذلك في محضر المحكمة وأضاف أمام اسم اليهودي عبارة (لعنه الله)، وحين أورد ابن سحنون خبر ثورة الفرنسيين وقتلهم للعائلة المالكة هناك دعا عليهم بالخزي وطلب من الله أن يجعل كيدهم في نحرهم. ولم يتفطن، وهو المؤرخ الأديب، أن تلك الثورة كانت لها أبعاد خطيرة لم ينج منها العالم الإسلامي ولا الجزائر. والذي يدرس ويقدر ما فعله اليهود في الاقتصاد الجزائري خلال هذا العهد وتحكمهم في مقاليد السياسة عن

стр. 438

طريق الاقتصاد لا تصدمه مواقف العلماء منهم، لأن هؤلاء كانوا يمثلون الطبقة الواعية في المجتمع. وقد كان اليهود في الأخير هم السبب القوي في النزاع الذي حصل بين الجزائر وفرنسا والذي أدى إلى الاحتلال. وقد كان سخط العلماء السياسي ينعكس أحيانا على اليهود. فقد ثبت أن أحد يهود قسنطينة، ويدعى المختاري، كان قد أسلم ثم تجاسر على النبي ﷺ أمام المسلمين. وكان المختاري محميا من الباي ومن حراسه وحاميته لأنه أصبح في جند الباي. ولما أحيلت القضية إلى العلماء انقسموا حولها فبعضهم أفتى بقتل المختاري وبعضهم أفتى بعدم قتله. وكان من أصحاب الرأي الثاني فريق الباي والعلماء المؤيدين له وكذلك الجنود الذين كانوا يهددون بالثورة إذا قتل صاحبهم. ومن جهة أخرى كانت العامة تطالب بقتله. وانعقد المجلس (المفتون والقضاة وغيرهم من العلماء) في الجامع الكبير. وكان الجنود وأنصارهم يؤيدون الشيخ يحيى بن محجوبة الذي كان يقول بعدم قتله، بينما كانت العامة تناصر الشيخ عبد الكريم الفكون (الجد) الذي كان يقول بقتله. ورغم تدخلات أنصار الباي والتهديد فإن حكم المجلس قد صدر بقتله (١). ويبدو أن تنفيذ الحكم فيه كان خوفا من ثورة العامة أكثر مما كان خضوعا لإصرار الشيخ الفكون وقرار المجلس. وفي هذا الصدد نذكر أن أحد العلماء الجزائريين بالمغرب قد أسهم في قضية أخرى تتعلق باليهود أيضا وكانت قد أثارت ضجة بين العلماء هناك. فقد استظهر اليهود المغاربة برسم تاريخي يعطيهم حقوقا كانت لهم، في دعواهم، زمن الرسول ﷺ وزمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم. ولكن جواب الشيخ محمد بن عبد القادر الفاسي نفى عنهم تلك الحقوق، بينما وافق عليها البعض. أما محمد بن أحمد القسنطيني فقد صحح وعضد جواب

стр. 439

الفاسي بإبطال دعوى اليهود (١). وفي النصف الثاني من القرن الثاني عشر أفتى الشيخ محمد الحنفي الجزائري بجواز حرق اليهود والنصارى (٢) إذا أساؤوا إلى الإسلام. وقد أخبر ابن حمادوش أن أحد اليهود قد تسبب في فرار باي الغرب، وهو ابن المسراتي، إلى الإسبان بوهران بسبب دراهم طالبه بها الباي فأرسل إليه اليهودي من مدينة الجزائر أن فر بنفسك لأن الباشا غاضب عليك (٣). وكان نزاع العلماء حول قضية من القضايا وتدخل السلطة في الموضوع كثيرا ما كان يؤدي إلى انقسامهم إلى موالين ومعارضين. ولكن الموالاة والمعارضة لا تكون صريحة بل مختفية وراء الموقف الذي يسانده العلماء باسم الدين. وكان الباشوات والبايات يلجأون لتحطيم المعارضة إلى عقد مجلس الشورى وإجراء المناظرة بين الفريقين المتنازعين، ثم يختارون هم بعد ذلك الرأي الذي يناسبهم إذا كان حكم المجلس غير إجماعي، ولذلك تعددت المناظرات بين العلماء، ولكن أغلبها كان في مسائل تافهة. فلا مناظرة حول قضايا الحكم مثلا، ولا حول حكم الشرع في الحرب أو السلم، ولا حول دور الدين في تسيير الدولة ومشاركة الشعب وصرف الميزانية ونحو ذلك، بل كل المناظرات تقريبا كانت حول الأحوال الشخصية، أو حول زندقة فلان واستقامته، ونحو ذلك، فكأن المناظرة في حد ذاتها (ملهاة) يلهو بها العلماء ويحضرها الكاهية (أو عون الباشا) وأحيانا الباشا نفسه.

стр. 440

ويطول بنا الحديث لو تعرضنا لذكر المناظرات والموضوعات التي طرحت فيها. ونحسب أنه تكفي الإشارة إلى المناظرة التي دارت بين المفتيين محمد النيار الحنفي وأحمد قدورة المالكي. فقد قيل إنهما اختلفا اختلافا شديدا وصل إلى تبادل الاتهامات. والسبب هو هل إذا اختلف الزوجان وأمرا بالإقامة عند أهل الفضل، هل يجبران على هذه الإقامة أو على تغيير المسكن؟ وبعد أن انعقد المجلس في الجامع الكبير، كما جرت العادة، دعاهم الباشا عنده في قصره بحضور العلماء. وأخيرا قرر الأخذ برأي المفتي الحنفي النيار وعزل المفتي المالكي قدورة (١). ولعل المناظرة التي جرت بين المفتي الحنفي عبد القادر الراشدي بقسنطينة وخصومه، والمناظرة الأخرى التي جرت بين محمد الزجاي وخصومه في معسكر تبرهن أيضا عما نقول. فقد اتهم الراشدي بأنه يقول (بالتجسيم) فانعقد المجلس وحكم بكفره وكادوا يقتلونه (٢). أما الزجاي فقد اتهم بادعاء الاجتهاد وإيثار طريق الأثر ووشى به خصومه إلى الباي فعقد مجلسا حضره الزجاي وخصومه وتناقشوا بحضور الباي والعلماء. وبرهن كل فريق على رأيه، فهو ينقل من الكتاب والسنة، وهم ينقلون عن الشيخ خليل وأمثاله. وتحولت المناظرة إلى مهاترة. وأخيرا قرر الباي صواب الزجاي وكافأه واعتذر له (٣). ومن هذه المناظرات تلك التي كانت أيضا بين المفتي الحنفي محمد بن العنابي وزميله المالكي، والتي أدت إلى عزلهما معا. غير أن مجال التحرك العقلي لدى العلماء كان محدودا لظروف العصر، من هبوط في مستوى التعليم، وجهل الحكام، وانغلاق باب الاجتهاد، والاعتماد على النقل وحده. ومع ذلك فإننا نجد من وقت لآخر بعض الشذوذ في القاعدة ومحاولات لكسر هذا الحصار الحديدي. فهذا يحيى الشاوي كان كما قيل عنه (كثير الانتقاد لأهل عصره وغيرهم، وإذا اعترض عليه في

стр. 441

ذلك كان يقول إنه بانتقاده مثاب لأن عليه أن يبين الحق) (١). وهذا الشيخ علي المرواني، وهو من تلاميذ عمر الوزان، كان يفتي بالشاذ في قسنطينة وكان لا يبالي بقضاة عصره في طرح أحكامهم ونقضها ولو بالشاذ. وكان يقول معتذرا: إذا لم يعمل بالشاذ الآن فمتى، إذ لا حاجة إليه يوم القيامة (٢)، وهذا الشيخ محمد البوزيدي، وهو من تلاميذ محمد التواتي، يأتي بمذهب غريب حين انتصب للتدريس بجامع القصبة في قسنطينة، وادعى دعوة كبيرة في علم التوحيد فقال: (إن المقلد غير مؤمن وأن العامة مختلف في إيمانها ويقول إن قدرة الله لا تتعلق بتحيز الجوهر. وهذا مذهب سرى في جل أهل المغرب سريان النار في الهشيم) (٣). وقد سبق أن عرفنا أن علماء المغرب ادعوا حين سمعوا بتصرفات أحمد الفاسي في قسنطينة، أنه (خارجي). فرغم ظروف العصر إذن كان بعض العلماء يتململون ويحاولون أن يجدوا لهم مخرجا مما هم فيه من ضيق وتضييق عقليين. فقد كان ابن حمادوش مثلا يقرأ ما يسميه بكتب النصارى ويعجب بما فيها، ولكنه حذر، مع ذلك، مما يتعلق فيها بالدين والعقائد، وقال عن كتاب قرأه منها، بعد أن سجل إعجابه به، إنه كتاب محشو كفرا تزل فيه الأقدام. وفي هذا النطاق وجدت ما يشبه الثورة من بعض العلماء على الجمود العقلي في عصرهم، وهو العصر الذي شاع فيه التصوف العملي من حضرة ورقص وجذب وذبائح وشعوذة، فلا غرابة أن يثور عالم كعبد الكريم الفكون فيقول متأسفا عما كان يشاهد في مدينة قسنطينة (عقول سخيفة تتوسم في مثل هؤلاء الولاية، وتنسبهم إلى أهل العناية) (٤). فقد أورد كلام ابن العربي من

стр. 442

(أن العلم ليس بكثرة الرواية وإنما هو ما يحضره عند الحاجة إليه في الفتوى من الدراية، وأن الرد للمعلومات إنما حدث عند فساد القلوب بطلب الظهور والتعالي عن الأقران وكثرة الرياء في الأعمال). وعلق الفكون على كلام ابن العربي بأنه (يعبر عن صفة الحال) في قسنطينة وفي غيرها. فلا ترى إلا من يقول قال فلان، قال فلان، أو يذكر نص التأليف بدون تغيير، فإن صادف الحكم الحكم نجا وإلا أصبح كالصيد في الشبكة. ونعى على علماء وقته أنهم كانوا يفعلون ذلك حبا للمدح وصرف قلوب الخاصة والعامة إليه. ولو سئل أحد هؤلاء العلماء (عن وجه الجمع بين المتشابهين أو الفرق بين المسألتين يقول: النص هكذا، ويستظهر بحفظ النصوص، وهل هذا إلا جمود في غاية الجمود؟) (١). والواقع أن ثورة الفكون على واقع الحال عندئذ من تكرار النقول عن الأقدمين والاعتماد على النصوص وحدها بدون استخدام للعقل والرأي الشخصي كانت ثورة صائبة ولكنها لم تجد الآذان الصاغية ولا الظروف المواتية، فظلت ثورة مكظومة تغلي في عروق صاحبها. فإذا عرفنا أن مثل هذا التفكير الحر أو الدعوى إلى التفكير الحر قد ظهرت في أوائل القرن الحادي عشر أدركنا أن الفكون كان لذلك لا يقل تحررا عن علماء أوروبا المعاصرين له، ولكن شتان بين البيئتين!. ولم يكن الفكون وحده في الدعوة إلى الاجتهاد واستعمال الدراية، وفي السخرية من المشعوذين وأدعياء الولاية. فبعد قرن من دعوته وجدنا ابن حمادوش يشتغل بالعلوم كالطب والفلك والحساب والهندسة وغيرها ويجانب خط علماء عصره ويقرأ كتبا عربية وأجنبية حديثة وقديمة لا يقرأها ولا يهتم بها معظم فقهاء عصره. ومع ذلك فإن كابوس العصر كان فوق رؤوس الجميع. فابن حمادوش وأمثاله عندئذ (القرن الثاني عشر - ١٨ م) لم

стр. 443

يطلعوا على ما كتبه الأوروبيون المعاصرون لهم، ولم يذهبوا إليهم للأخذ منهم، كما أخذوا هم من عرب إسبانيا والمشرق. ولو فعل هو وأمثاله ذلك لتغيرت الأمور في الجزائر لصالح الثقافة الخلاقة المتقدمة (١). ونفس الموقف قد وقفه أحمد بن عمار أيضا. ورغم تقيده بأحكام وقواعد الشريعة وروح العصر فإنه نادى بحرية الرأي واستعمال القوة العقلية في الإنسان وعدم التحرج من مخالفة الأوائل وعدم التمسك بالتقليد لذاته ولو كان الحق مع التجديد، (فالحق أحق أن يتع) وقد قال ابن عمار في العلماء الذين كانوا يتبعون السلف لمجرد الاتباع أنهم جامدون منكبون عن الحق (فهل هذا إلا جمود على محض الاتباع ولو مع ضعف الدليل؟ فوا أسفاه على ضعف العارضة وتراهل الدراية!) (٢). وقبل الاحتلال ببضع سنوات ألف المفتي محمد بن محمود بن العنابي كتابا بعنوان (السعي المحمود في نظام الجنود) طرح فيه قضية التجديد والأخذ من الأوروبيين. وكان في ذلك متأثرا بدون شك بأحداث الثورة الفرنسية وبتطور مصر في عهد محمد علي وبإجراءات السلطان محمود الثاني ضد الإنكشارية وإدخال الإصلاحات على الجيش وغيره. وقد نادى ابن العنابي في جرأة كبيرة بضرورة تقليد الأوروبيين (ويسميهم الكفار) في مبتكراتهم وصنائعهم ولغاتهم وتقنياتهم وأسلحتهم، كما نادى بالتفوق عليهم في العلوم التي تفوقوا فيها لأن ذلك من صميم الدين الصحيح. أما الانغلاق والافتخار بما فعل السلف وتجنب ما ابتدعه الأوروبيون بدعوى أنه عمل

стр. 444

النصارى فهو ليس من الدين في شيء، وليس أيضا من الرجولة كما قال، وإنه لا تحصل به سعادة الدنيا ولا سعادة الآخرة (١). ولو أن الجزائر أخذت برأي ابن العنابي وسار حسين باشا فيها سيرة محمد علي في مصر وسيرة محمود الثاني في الدولة العثمانية لما جرى ما جرى سنة ١٢٤٦ (١٨٣٠)، ولما وقعت الجزائر فريسة للاحتلال الفرنسي قرنا وربعا. وهكذا فإن أمثال هؤلاء العلماء كانوا يدقون ناقوس الخطر ويشيرون إلى الطريق الحق. وأهم رياضة فكرية كان العلماء يقفون فيها وقتهم هي حل مسائل الميراث والمجادلة في جزئيات التوحيد والفقه والإعراب، ولعل أبرز ما كان يجمعهم على الرياضة الفكرية والتسلية هو حل الألغاز. فقد شاعت بينهم وكانوا يتبادلونها ويتراسلون بها ويتحدون بعضهم البعض بها ويقضون في حلها الساعات الطوال. ومما عثرنا عليه من ذلك لغز (هاج الصنبر) الذي دار بين سعيد قدورة وأحمد المقري، وكذلك لغز (السبعة) الذي وضع فيه أحمد البوني تأليفا خاصا، وقد قال ابن حمادوش الذي أورده (فتداولناه بيننا (يعني علماء مدينة الجزائر) حتى بلغ كل عالم وأديب في البلد فلم يتض بكرته ولم نجد علما عند أحد به)، واشترك في محاولة حل هذا اللغز علماء الوقت أمثال بركات بن باديس ويحيى الشاوي وبعض علماء تونس والمغرب أيضا. ومع ذلك لم يهتد أحد منهم لحله الحقيقي (٢). ومن القضايا التي شغلت حيزا كبيرا من مناقشات وأقلام العلماء قضية

стр. 445

القهوة والدخان، ولم تكن هذه القضية خاصة بعلماء الجزائر وإنما ساهم فيها هؤلاء كغيرهم من علماء المسلمين، فألفوا فيها وتناقشوا حولها وانتصر بعضهم لحليتها وبعضهم لتحريمها، وكان معظمهم ميالا إلى حلية القهوة وتحريم الدخان، وعللوا حلية القهوة تعليلا صوفيا فقالوا انها تنبه وتنشط الجوارح لعبادة الله وتساعد على السهر للقراءة والصلوات ونحوها من أنواع العبادة. ثم إنها في نظرهم لا تسكر ولا يغيب معها العقل، وحذروا مع ذلك من شربها في جماعة التقت على اللهو، والسهر في الملذات والزهو، فشربها عندئذ يصبح حراما. أما الدخان فقد كانوا معه غير متسامحين مهما كانت الظروف. ومع هذا المنع القاطع فالمعروف أن الناس كانوا يشربون القهوة بحضور النساء والمرد، كما يقول الورتلاني ويلعبون الشطرنج ويتناولون الحشيشة ويستمعون إلى الغناء والطرب (١). وكان العثمانيون قد جاؤوا بالنرجيلة وشاع استعمال السبسي للدخان ونحوه، وعرف عن علماء مصر أنهم كانوا متساهلين في شرب الدخان بينما كان علماء الجزائر محافظين. وقد كان أرباب السلطة مع العامة لا مع العلماء في هذه القضية (٢). ومهما كان الأمر فقد كتب في تحريم الدخان أحمد المقري وعبد الكريم الفكون وعبد القادر الراشدي وأحمد البوني، وهم جميعا من كبار العلماء. أما المقري فلم يفرده بتأليف وإنما ذكره ضمن جواب له عن اجتناب الدخان (٣). وقد سمى الفكون تأليفه في ذلك (محدد السنان في نحور إخوان الدخان) (٤). أما كتاب الراشدي في نفس الموضوع فلم نطلع عليه ولم

стр. 446

نعرف أن أحدا قد وصفه. وقد اكتفى الحفناوي بقوله عنه إنه رسالة في تحريم الدخان (١). وفي النظم الذي سماه (مبين المسارب) تحدث البوني أيضا عن الدخان والقهوة (٢). فالسماع (الموسيقى) والدخان والقهوة كانت من الموضوعات التي تناولها العلماء بالرأي حلالا أو حراما، وأخذت حيزا من وقتهم ومعارفهم (٣)، ولكنهم لم يستطيعوا أن يمنعوها نهائيا، كما لم يستطيعوا منع شرب الخمر المحرم بنص القرآن.

стр. 447

الفصل السادس المرابطون والطرق الصوفية

стр. 448

حركة التصوف عشية العهد العثماني لاحظنا أن حركة التصوف في العهد العثماني تعتبر امتدادا للحركة التي بدأت قبلها بعدة قرون وأن معظم كبار المتصوفين ومؤسسي الطرق الصوفية في التاريخ الإسلامي قد ظهروا قبل القرن العاشر (١٦ م). فالأسماء اللامعة في عالم التصوف مثل الغزالي والحلاج وابن عربي وابن الفارض وجلال الدين الرومي والحاج بكداش وعبد القادر الجيلاني وغيرهم قد ظهروا جميعا قبل التاريخ المذكور. وعلى مستوى المغرب العربي ظهر أيضا متصوفون لامعون قبل هذا التاريخ، ونذكر منهم أبا الحسن الشاذلي وابن مشيش وأبا مدين وأحمد زروق وغيرهم. فإذا اقتصرنا على الجزائر وجدنا عددا من المرابطين وأهل الزهد ورجال التصوف قد كثروا كثرة تلفت النظر قبل مجيء العثمانيين أيضا. فعبد الرحمن الثعالبي ومحمد الهواري وإبراهيم التازي وأحمد بن عبد الله ومحمد بن يوسف السنوسي كانوا من ألمع أولئك الرجال. وهناك آاخرون عاصروا بداية العهد العثماني ولكنهم قد تكونوا قبله مثل أحمد بن يوسف الملياني ومحمد أفغول ومحمد بن شعاعة ومحمد التواتي البجائي. فالحركة الصوفية إذن، سواء كانت على مستوى العالم الإسلامي أو على مستوى المغرب العربي قد ازدهرت قبل قدوم العثمانيين إلى الجزائر. كما لاحظنا من قبل أن الترك كانوا في تكوينهم الديني والنفسي والحربي من أتباع الطرق الصوفية، فالطريقة البكداشية كانت منذ ظهورهم تقودهم وتؤثر فيهم وتحميهم وتدفع بهم إلى الجهاد والمغانم وتبارك أعمالهم، فكانوا يدينون لرجالها بالولاء ويتبركون بهم وينظرون إليهم نظرة

стр. 449

المريد لشيخه والسيد لسيده. ثم تعددت الطرق الصوفية وتأثيراتها على الترك فانتشرت بينهم أيضا، كما عرفنا، الطريقة النقشبندية والقادرية والمولوية ومغيرها. كما انتشرت في الأقاليم العثمانية طرق أصلية أو فرعية، ولا سيما تلك التي ظهرت في بغداد ومصر وسورية والمغرب العربي، وسنتحدث عن الطرق الصوفية التي ظهرت خصوصا في الجزائر خلال هذا العهد. وقد كان الدين هو المبرر الأول لظهور العثمانيين في المشرق والمغرب. وإذا كان تاريخهم في المشرق لا يعنينا هنا فإن تاريخهم في المغرب كان أساسه الدين، كما عرفنا. فلولا الحروب الصليبية التي شنتها أوروبا الغربية بقيادة إسبانيا ضد الجزائر (والمغرب العربي عموما - وكذلك الأندلس) لما كان هناك مبرر لتدخل آل عثمان. فقد كانوا هنا، كما كانوا في آسيا الصغرى قرونا من قبل، مدفوعين برغبة الجهاد والحماس الديني للدفاع عن حدود الإسلام الغربية، وكانوا بالطبع يبحثون لهم عن حلفاء ومؤيدين، فوجدوهم في رجال الدين، وخصوصا المرابطين. وهناك مبررات كثيرة لهذا التحالف أيضا. ذلك أن الظروف السياسية والاقتصادية والدينية كانت تستوجب ذلك. أمام الضعف السياسي للدولتين الزيانية والحفصية لم يبق أمام المرابطين سوى أن يعتمدوا على أنفسهم في الدفاع عن الأراضي الإسلامية التي تعود إليهم، لذلك كانوا يتولون القيادة بأنفسهم ضد العدو، أو يوجهونها روحيا وذلك بإصدار الأوامر إلى أهل المدن الساحلية ونحوها للدفاع عن أنفسهم. وقد رأينا ذلك من موقف عبد الرحمن الثعالبي حين دعا أهل مدينة الجزائر وما حولها للجهاد وتوفير أدوات الحرب واتخاذ عدة النصر، وكذلك حين راسل أهل بجاية يحثهم على الاستعداد للحرب ومقاتلة الأعداء ويحذرهم من مغبة التهاون في أمر الجهاد (١). وجاء في رحلة بيري رايس العثماني أن الشيخ محمد التواتي كان (يحمي) مدينة بجاية من الإسبان وأن

стр. 450

زاويته كانت ملجأ للمجاهدين وغزاة البحر، وأنه حين توفي الشيخ سقطت المدينة في أيدي العدو، وفر منها الأمير الحفصي (١). ومن الحكايات التي تروى عن احتلال وهران أن الشيخ محمد الهواري قد نقم على أهلها فرفع حمايته عنها ودعا عليها بالسقوط في أيدي الكفار، فكان الحال كذلك. والمؤكد أن بعض المرابطين والعلماء كانوا غير راضين عن تطور الأوضاع في تلمسان أواخر القرن التاسع وبداية العاشر فانضم (المعارضون) منهم إلى العثمانيين أمثال أحمد بن يوسف الملياني وابن آفغول ومحمد بن شعاعه. بينما توجه آخرون منهم إلى المغرب، ومنهم من ظل ناقما وهو في مكانه مثل الحاج محمد المناوي (٢). فالأرضية السياسية إذن كانت ممهدة لظهور المرابطين وتوليهم مسؤولية الدفاع عن الإسلام بأنفسهم والتحالف مع قوى إسلامية جديدة. وكان لتعاليم أبي الحسن الشاذلي أثر كبير في الجزائر، ونكاد نجزم بأن معظم الطرق الصوفية التي ظهرت بعد القرن الثامن الهجري (١٤ م) تتصل بوجه أو بآخر بتعاليم الطريقة الشاذلية. وقد أحصى بعضهم عدد الطرق الصوفية في المغرب العربي أواخر القرن الثالث عشر (١٩ م) فوجد ثلاث عشرة طريقة (من مجمع ست عشرة) وكلها شاذلية الأصل. وكان أبو الحسن الشاذلي قد تأثر بتعاليم عبد السلام بن مشيش، تلميذ أبي مدين. ورغم ذهاب الشاذلي إلى مصر ووفاته بها فإن تعاليمه قد انتشرت بعده في المغرب العربي انتشارا كبيرا. ويمكننا أن نعد الشيخ واضح ومحمد الهواري وإبراهيم التازي

стр. 451

ومحمد بن يوسف السنوسي وعبد الرحمن الثعالبي وأحمد الملياني وغيرهم من أتباع الطريقة الشاذلية. وجميعهم قد أثروا على معاصريهم وتركوا تلاميذ وأتباعا. وأسس بعضهم زوايا ظلت إلى اليوم، وألفوا كتبا في أصول هذه الطريقة وفي تراجم رجالها. ويمكننا القول إن الجزائر قبل العثمانيين كانت من الناحية الصوفية تحت نفوذ الطريقتين الشاذلية والقادرية. وكان بعض هؤلاء المرابطين (السابقين للعهد العثماني) طبقات، فمنهم الراسخون ومنهم المتوسطون في العلم، ومنهم الخاملون الذين لا نعرف عنهم إلا الأسماء. ومن القسم الأول عبد الرحمن الثعالبي ومحمد بن يوسف السنوسي اللذان ألفا كتبا غزيرة الفائدة وكانا إلى الفقهاء أقرب منهم إلى المتصوفة وكانا واسعي الاطلاع على أحوال العصر، وكلاهما قد تصدر للتدريس وترك تلاميذ (١). ومن القسم الثاني محمد الهواري وأحمد الملياني وإبراهيم التازي، فقد عرف عن الأول أنه نظم عددا من المسائل الفقهية وغيرها، وكان كزملائه واسع الاطلاع أخذ العلم في مصر والحرمين والقدس ودمشق، وعاد لنشره في بلاده، واتخذ زاويته بوهران مقرا لنشاطه (٢). وكان تلميذه إبراهيم التازي شاعرا أيضا وهو الذي ورث عن شيخه العلم وإدارة الزاوية (٣). كما ترك أحمد بن يوسف الملياني بعض التآليف الصوفية، وسنتحدث عنها. أما القسم الثالث فقد اشتهر بالاسم فقط أمقال محمد واضح دفين الشلف الذي خصه موسى بن عيسى المازوني بتعريف هام في كتابه عن صلحاء الشلف. وكذلك محمد التواتي دفين بجاية الذي ذكرته المصادر العثمانية والجزائرية. وأمثال هؤلاء كثير. والذي يرجع إلى الأدب الشعبي

стр. 452

وإلى الكتب المؤلفة في العهد العثماني مثل (البستان) و (منشور الهداية) ورحلة الورتلاني وغيرها يعثر على عدد من هؤلاء المرابطين المغمورين الذين لا يعرف الناس عنهم أكثر من أسمائهم وبعض الأساطير حولهم. ومهما يكن من أمر فإن ذلك يدل على خصوبة الحياة الصوفية في الجزائر قبل العهد العثماني. ومن جهة أخرى فإن التصوف قد انتشر في المدن قبل الأرياف. ذلك أن معظم المتصوفين قد ظهروا في المدن الكبيرة مثل بجاية وتلمسان ووهران وقسنطينة والجزائر. وكان ذلك ظاهرة عامة في الأندلس وتونس وفاس ومصر أيضا. وكان أبو الحسن الشاذلي نفسه قد عاش في تونس ثم في القاهرة، وكانت الأولى عاصمة للحفصيين والثانية عاصمة للأيوبيين (١). وكان أبو مدين قبله أندلسيا ثم بجائيا ومات في تلمسان، ونفس الشيء يقال عن عبد الرحمن الثعالبي الذي تلقى العلم في بجاية وتونس وغيرهما من المدن ثم استقر به الحال في مدينة الجزائر وهكذا كانت الزوايا أيضا مدنية كما كان أتباعهم من أهل المدن. غير أن هذه الظاهرة لم تظل كذلك، فمع ضعف الإدارة المركزية وتعفن الأحوال السياسية وكثرة الظلم والفساد انتشرت حركة التصوف إلى داخل البلاد وأسس أتباع أولئك المرابطين زوايا لهم في الأرياف أصبحت هي نفسها ملتقى لنشر العلم وبث الأخلاق الفاضلة والتحريض على الجهاد ضد العدو. فالزوايا من هذه الوجهة قد تولت عبئا كبيرا كان من قبل من اختصاص الدولة (٢).

стр. 453

موقف العثمانيين من رجال التصوف رحب معظم المرابطين بالعثمانيين للأسباب التي ذكرناها، كما أن هؤلاء قد شعروا بأن أقرب الناس إليهم هم رجال الدين والتصوف (١). ومنذ بداية العهد لاحظنا أن العثمانيين كانوا يطمئنون إلى المرابطين أكثر من غيرهم فليجأون إليهم ويتبركون بهم ويطلعونهم على خططهم ونحو ذلك مما يدل على الثقة المتبادلة بين الطرفين. فهذا بيري رايس العثماني يذكر أنه هو وعمه قائد الغزوة، كمال رايس نزلا سنة ٩٠١ هـ بمدينة بجاية ولجآ إلى زاوية الشيخ محمد التواتي الذي كان يبلغ من العمر مائة وعشرين سنة وأن الشيخ قد أعطى كلا منهما رمزا يشير إلى مستقبله فأعطى كمال رايس عودا صلبا علامة على قرب تخليه عن مهمته وأعطى بيري رايس عودا طريا علامة على نضارة مستقبله. وظلا شتائين في بجاية حبا في الشيخ التواتي بينما كانا يذهبان في الصيف للغزو والجهاد، وأنهما كانا يحسان بالأمن في بجاية لحماية الشيخ لها. وهناك روايات كثيرة عن علاقة أحمد بن يوسف الملياني بالعثمانيين والزيانيين. فقد كان هؤلاء يخشون دعوة الملياني بعد أن اشتهر أمره والتف الناس حوله كقطب من أقطاب الطريقة الشاذلية فحاولوا الحد من نشاطه ووضعه تحت نفوذهم، فدعا عليهم دعاء يذكرنا بدعاء محمد الهواري على أهل وهران، وقد حاول الزيانيون حرق الملياني، ولكن النار لم تلتهمه كما يذكر ذلك مترجموه الذين يعتبرون برودة النار من كراماته، ثم سجنوه وبعد مكوثه في السجن فترة خرج منه ودعا عليهم من جديد بتخريب ملكهم. وفي

стр. 454

هذه الأثناء التي اشتد فيها الخلاف بين الزيانيين والملياني كان العثمانيون يخططون للاستيلاء على تلمسان ويبحثون لهم عن حليف ونصير، وهل هناك أفضل من الملياني وحزبه؟ وتذكر الروايات أيضا أن عروج قد زار الملياني واتفق معه سرا على عدة أمور منها إعلان الملياني وأتباعه تأييدهم للعثمانيين بينما تعهد عروج بعدم التعرض للملياني ولنسله ولمن تعلق به. وسواء كان هذا اللقاء شخصيا، كما تذهب إحدى الروايات، أو بواسطة، كما تذهب رواية أخرى، فإن تحالف العثمانيين مع حزب الملياني في تلك الظروف يعتبر أمرا مؤكدا تقريبا. وقد أثمر هذا التحالف والتزم به الطرفان طيلة العهد العثماني. فقد ظل الملياني وأتباعه مؤيدين للعثمانيين كما حافظ هؤلاء على التزامهم له ولطريقته وأولاده وأتباعه. وتذكر المصادر أن خير الدين باشا قد أرسل من الجزائر، بعد نجاح الخطط العثمانية، هدايا ثمينة إلى أحمد بن يوسف فبارك الشيخ عمله، ثم جاء ابنه (ابن أحمد الملياني) وهو الشيخ ابن مرزوقة إلى الجزائر فأهداه خير الدين أيضا هدايا تليق بمقامه واعترف به خليفة لوالده في رئاسة الطريقة الشاذلية ونشر دعوتها. وظلت هذه العلاقة بين العثمانيين والطريقة اليوسفية على أحسن ما يرام إلى آخر العهد المدروس. فقد قيل إن حسين باشا (آخر الباشوات) كان متزوجا من إحدى حفيدات الملياني (١). ومن أصدقاء الملياني الذين كانوا أيضا على علاقة طيبة بالعثمانيين الشيخ محمد بن عبد الجبار المسعودي الفجيجي التلمساني. فقد كان شاعرا صوفيا وصاحب كرامات، على ما يذكر مترجموه، وكانت له زاوية خاصة أنشأها في بلاده (حدوش) كما أنشأ مسجدا وبيتا للفقراء، واشتهر أمره حتى صار قطبا صوفيا (٢). وكان من أتباع الملياني وتلاميذه أيضا محمد بن شعاعة. وكان مثله متعاونا مع الأتراك، وكانوا هم بدورهم يعظمونه ويعفونه من الضرائب

стр. 455

ويعطونه من جزية أهل الذمة، كما أوقفوا عليه الأوقاف. وكان مثل شيخه متهما بالإلحاد من بعض فقهاء عصره (١). ويبدو أن العثمانيين قد اتبعوا مع الشيخ محمد بن المغوفل نفس الطريقة التي اتبعوها مع الشيخ الملياني، وكان ابن المغوفل من مشاهير صلحاء الشلف في أوائل القرن العاشر حتى أعطيت له مشيخة الشلف. وأثناء إقامته للتعبد والزهد في بومليل ثم ندايلة جاءه من حدثه عن خطط العثمانيين في الاستيلاء على تلمسان وطلبوا منه التوجه معهم إلى هناك فرفض ولكنه أرسل معهم ولديه علامة على الرضى والتأييد. ويحتاج سياق هذه القصة إلى شيء من التفعيل، فمترجمو ابن المغوفل يذكرونها للدلالة على كرامة الشيخ لأن (سلاطين العجم ..) في ظاهرهم مجاهدين وفي سرهم لبلاد الإسلام (يعني تلمسان) قاصدين (٢)) فاستشاروه في ذلك فكاشفهم في الحين بالحقيقة، فاعترفوا له وطلبوا منه المشي معهم فأبى. ولا يذكر هذا المصدر أن إباء الشيخ كان معارضة منهم للهجوم على تلمسان (بلاد الإسلام). وبذلك يكون ذهاب ولديه مع العثمانيين كرهائن وليس كمباركين لحركتهم، أو أن إباءه كان اعتذارا منه عن المشاركة الشخصية مع تأييده للهجوم، مكتفيا بإرسال ابنيه رمزا فقط. ومهما كان الأمر فإن القصة في حد ذاتها تدل على مكانة المرابطين في بداية العهد العثماني وعلى موقف العثمانيين من كبارهم. وقد سقنا من قبل قصة ضرب العثمانيين في قسنطينة عائلة ابن عبد المؤمن بعائلة الفكون (٣). وشاع في الجزائر التحالف بين العثمانيين والمرابطين حتى عرف الناس أن هناك سياسة عامة متبعة، فكثرت الأضرحة والقباب ودخلت الطرق

стр. 456

الصوفية من المشرق ومن المغرب، وجاء الدعاة الحقيقيون والأدعياء المزيفون ينشرون أفكارهم وأورادهم بين الناس. وأصبحنا لا نكاد نجد مدينة أو قرية بدون العديد من الزوايا والأضرحة والمشاهد. وعند كل بناية أناس يتبركون ويدعون ويزورون ويتقربون، يقيمون الحضرة ويقدمون الهدايا ويذبحون الذبائح، آتين من كل فج. وأصبح المشاهد المحايد لا يعرف وهو أمام ذلك هل يشاهد مآدب أو مآتم، وهل العابدون يعبدون الله أو يعبدون الشيوخ والمرابطين. وهكذا غرقت الجزائر في هذا العهد في التصوف والدروشة فأصبح العلماء (الفقهاء) يتباهون بأخذ الطرق والأذكار والخرقة والسبحة والمصافحة والأسودين (التمر والماء)، وأصبح الحكام يظهرون كل الاحترام والتبجيل لأهل التصوف الحقيقي والكاذب معا. أما العامة فلا تسأل عن أحوالها وعقائدها ومستواها الخلقي والاجتماعي. لكن بعض رجال الدين قد عارضوا بشدة تسلط العثمانيين بينما وقف بعضهم وسطا تارة يؤيدونهم كمسلمين مجاهدين، ما داموا عادلين، وتارة ينصحونهم عندما ينحرفون أو يسيئون الحكم. ومن الصنف الأول أحمد بن ملوكة التلمساني. فقد قيل إنه اطلع على ما ارتكب عروج عند احتلال تلمسان من فظائع. وبعد خروج عروج إلى جبال بني سناسن خاف أهل تلمسان من عودته والانتقام منهم من جديد فالتجأوا إلى الشيخ أحمد بن ملوكة واشتكوا له ما وقع بهم وما يخشون وقوعه، فانقبض الشيخ واشتد غضبه حتى ضرب الأرض بيده وهو يدعو: (اللهم لا تعده إلى تلمسان! إن اتكالنا عليك). وتذهب الرواية إلى أن الله قد استجاب إلى دعاء الشيخ، لأن عروج قد مات مقتولا (١). وقد أشرنا من قبل إلى سخط الشيخ ابن للو على

стр. 457

القائد حفيظ حاكم تلمسان العثماني وخروج الشيخ من تلمسان تماما. وقد ضيق العثمانيون على الشيخ أحمد التجاني مؤسس الطريقة التجانية، فخرج من الجزائر بأهله وبعض أتباعه وقصد المغرب مهاجرا حيث توفي. وقد أعلم السلطان أنه هرب من جور (الترك وظلمهم) (١). ومن الصنف الثاني (أصحاب الموقف الوسط) عدد من المرابطين الذين لم يؤيدوا العثمانيين كل التأييد، ولم ينقموا عليهم كل النقمة. ومن هؤلاء الشيخ العبدلي، الذي ذكرته المصادر بأنه كان يعظ الحكام العثمانيين عندما يرى منهم ما لا يليق. فقد ذكر صاحب كتاب (كعبة الطائفين) أن سيدي العبدلي كان رجلا صالحا وأنه كان ينجد المسلمين وأهل الذمة عند ارتكاب العثمانيين في تلمسان مواقف تعسفية، وأنه كان يذهب إلى القائد العثماني محمد بن سوري في مقره يعظه ويطلب منه مطالب في صالح أهل البلاد. وتذكر بعض المصادر أن باي قسنطينة حسن بوحنك كان لا يعتقد في الأولياء وأنه كان عنيدا متمردا فلقيه المرابط الشيخ الشليحي فوقعت له معه كرامة مذكورة في مكانها، فما كان من الباي إلا أن تراجع عن موقفه من الأولياء والصالحين وأعطى للمرابط الشليحي قصرا في المكان المعروف باسم (الأربعين شريف) الذي أصبح يعرف فيما بعد باسم (دار الشليحي). كما أنشأ له الباي المذكور زاوية في أولاد عبد النور وأعفاها من الضرائب (٢). وأمثال الباي حسن بوحنك كثير في العهد العثماني. ذلك أن العقيدة في رجال الدين، خصوصا المرابطين، كانت قوية عند العثمانيين كما أسلفنا. فالبحارة منهم كانوا يذهبون، عند خروجهم للغزو، إلى الأولياء والصالحين لنيل بركاتهم. وكانوا يطلقون من البحر عند ذهابهم وإيابهم طلقات مدفعية

стр. 458

معينة احتراما لهم. وإذا هرب منهم أحد الجناة إلى قبة أو ضريح ولي فإن اللاحقين به يتوقفون عند ذلك ولا يتابعونه. وهناك كرامات وعقوبات تروى ضد من خالف هذا التقليد. من ذلك ما روى عن كرامة محمد الهواري ضد مصطفى بوشلاغم باي وهران بعد فتحها الأول، الذي أمر أحد جنوده بإلقاء القبض على شخص لجأ إلى قبة الهواري فانتفخت بطن الجندي، وعاد الإسبان إلى وهران في عهد بوشلاغم أيضا (١). ومن الأحداث التاريخية المعروفة أن الباشا عطشى مصطفى قد هرب، عندما شعر بالخطر، إلى ضريح المرابط ابن علي مبارك بالقليعة لينجو بحياته من مطارديه، ولكن أعداءه عرفوا هدفه فأغلقوا باب الضريح في وجهه إلى أن وصل المطاردون له وقتلوه خنقا. وقد ذهب أحد كبار العثمانيين إلى أحد المرابطين وشاوره في أمر الاستيلاء على السلطة في الجزائر فاقترح عليه أن يتصدق بخمسين دولارا وأن يذبح أربع شياه ويوزعها على الفقراء ثم يتوجه إلى مدينة الجزائر (وكان عندئذ خارجها) ووعده بالفوز في مهماته. فأخذ هذا المسؤول، بعد أن فعل ما أوصاه به المراد، برنس المرابط معه معتقدا أنه سيحميه من كل شر. ومع ذلك فإنه حين وصل قصر الباشا ألقي عليه القبض وأعدم (٢). لذلك كان العثمانيون يتقربون إلى المرابطين بشتى الوسائل كبناء المشاهد والزوايا والوقف عليها. وقد عرف عن الباي محمد الكبير أنه اعتنى ببناء مشهد الولي محمد بن عودة والولي أحمد بن يوسف (٣). وله غير ذلك من الآثار الدينية التي مرت بنا. وهناك عدد من الباشوات الذين كانوا

стр. 459

يسلكون سياسة التقرب من المرابطين. وقد أشرنا إلى مواقف يوسف باشا وحسين خوجة الشريف ومحمد بكداش. وكان بايات قسنطينة يعفون عددا من الزوايا والأضرحة من دفع الضرائب. ومنها زاوية عبد الرحمن الأخضري في بنطيوس. كما تنص الوثائق على ضرورة احترام الناس لعائلته ونسله. فقد وجد أحد الباحثين ما يؤكد ذلك في وثائق كتبت بعد وفاة الأخضري بمائة وأربع عشرة سنة، وجميعها ممهورة بخواتم بايات قسنطينة (١). كما وجد باحث آخر وثائق تتعلق بمنح حقوق من الباشوات إلى أصحاب زاوية بني بومسعود وبني مقران في الجزائر الشرقية، سنة ١٠٩٣ وسنة ١١١٢، ووثائق أخرى تعفي عائلة سيدي عيسى بن سيدي مؤمن ومرابطي أولاد سيدي علي بن محمد الشريف من الضرائب (٢). وقد عرف عن العثمانيين أيضا أنهم كانوا يكثرون من الهدايا والعطايا لرجال الدين عامة، وخصوصا المرابطين، إرضاء لهم وتقربا منهم. وكان بعض المرابطين يطلبون الهدية طلبا. وفي كتاب (منشور الهداية) للفكون نماذج كثيرة على طلب المرابطين العطايا والهدايا من المسؤولين وعلى تورط أدعياء الولاية في الفساد والتحلل نتيجة تحالفهم مع الحكام الظلمة. وقد أشار الورتلاني أيضا إلى عدد من هذه العلاقات. وكان رجال الدولة أحيانا يشترون صمت هؤلاء الأدعياء بالتغاضي عن أعمالهم ولو كانت مضرة بالأخلاق العامة وحتى بالدين. وكان بعض الباشوات يمنحون في مناسبات

стр. 460

معينة جزءا من جزية أهل الذمة إلى الأشراف والعلماء والمرابطين (١). وكان بعض المرابطين والدراويش بدورهم يرشون الولاة ونحوهم ليسكتوا عن ابتزازهم لأموال الناس والتعدي على الحرمات والأعراض. فقد روى أن المرابط قاسم بن أم هانئ كان له رعايا وأتباع كثيرون في قسنطينة ونواحيها وكان له (فقراء يرقصون ويشطحون ولعابهم يسيل، وربما يتضاربون). وقد قيل عنه إنه أنكر التأثير لله وادعى أنه هو الذي يملك التصرف. وكان أصحابه يدفعون الرشى إلى الحكام (٢). وكان الشيخ طراد في عنابة صاحب طريقة ولما توفي تولاها ابنه ودخل في خدمة الأمراء وصار يعطيهم الجبايا والخراج للاستعانة بهم على الفريق الذي يعارضه (٣). ومن جهة أخرى كان الشيخ أحمد بوعكاز قد انتصب الاتخاذ الطريقة والشيخوخة وإعطاء العهد وإقامة الحضرة وقد جاءته الناس بالجبايا من شرق قسنطينة وغربها من إبل وشاه وخيل وبقر حتى صار أهل قسنطينة يقصدونه في ركب، نساء ورجالا، حاملين إليه ما استطاعوا من الرغيف إلى الكساء. وكان بوعكاز يدعي أنه يولي الخطط المخزنية لأرباب الدولة أو ينتزعها منهم. فكان أهل هذه الخطط يعطونه لكي يوليهم المناصب كقائد جيش قسنطينة وغيره. (وهذه عادته وعادة أمثاله) فهو وأمثاله كانوا يقولون أرسلني الأولياء لأحفظ المكان أو أنا شاوش الصالحين (٤). وهكذا يظهر أن العلاقة كانت وطيدة بين المسؤولين العثمانيين وبعض المرابطين والدراويش. وكل طرف كان يستفيد من الآخر. ولا شك أن هذا الصنف من المرابطين لا يمثل المتصوفين الحقيقيين. ذلك أن من سمات المتصوف والزاهد والمرابط الحقيقي الابتعاد عن الدنيا
следующие страницы →