العربية (١).
ومن الأمثلة على مشاركة الشعر في الحياة الجديدة عشية الثورة افتتاح مدرسة باتنة سنة ١٩٥٣، وتدشين دار الطلبة بقسنطينة في نفس السنة، فعندما نشرت البصائر الخبر جعلته تحت عنوان (باتنة تشيد معقلا للعروبة والإسلام)، وقد ظهر في المقال المصور زعماء الحركة الإصلاحية عندئذ: خير الدين وأحمد توفيق المدني وأحمد السرحاني ومحمد العيد والشيخ نعيم النعيمي والطاهر الحركاتي، كما ظهر عدد من أنصار الإصلاح من السياسيين والمحسنين والنواب، وأذكر أن الشيخ الإبراهيمي قد أرسل تسجيلا صوتيا خاطب فيه جمهور باتنة وهنأه بالمدرسة وطلب منه المزيد من البذل والسخاء في سبيل الإسلام واللغة العربية والجزائر، وبهذه المناسبة ألقى محمد العيد رائعته التي جاء فيها بإرهاصات ثورية ساخنة:
وما التسجيل للآثار إلا ... ببذل المال أو بذل الضحايا
حذار من الشقاق فإن أقمتم ... عليه عصاكم انفلقت شظايا (٢)
كما نشير إلى تدشين دار الطلبة بقسنطينة، وهي الدار التي بنيت تحت إشراف جمعية العلماء لتكون إقامة لطلبة معهد عبد الحميد بن باديس بعد أن تكاثر عددهم، حضر حفل الافتتاح رجال الجمعية ووفد من علماء جامع الزيتونة وأنصار الإصلاح، وقد ألقيت قصائد معبرة عن الفكر الإصلاحي والمشاعر الوطنية والدعوة إلى الاتحاد بين الأحزاب والنهضة الإسلامية.
من شعراء هذا الحفل مفدي زكرياء الذي ظهر بعد غياب طويل وألقى قصيدته المؤثرة التي عبر فيها عن خيبة أمله في الأحزاب والسياسة وأعلن فيها دعمه لمنهج جمعية العلماء، وقد جاء فيها:
стр. 4412
وما الزعامة أقوال وشقشقة ... إن الزعامة إصلاح وتشييد
وما النضال احتجاجات على ورق ... إن النضال كفاءات ومجهود
وما الجهاد (جدار أنت تكتبه).
.. إن الجدار كبعض الناس جلمود
هذي المدارس كالأعلام قائمة ... للعلم يحرسها قوم مناجيد
وهذه بعثات العلم شاخصة ... للشرق يكلأها في الشرق تأييد
جاء (البشير) فزكاها وأرسلها ... فصائلا كلها عزم وتأكيد
جمعية العلماء المسلمين ومن ... للمسلمين سواك اليوم منشود؟
خاب الرجآ في سواك اليوم فاضطلعي ... بالعبء مذ فر دجال ورعديد
سيروا ولا تهنوا فالشعب يرقبكم ... وجاهدوا فلواء النصر معقود
أمانة الشعب قد شدت بعاتقكم ... فما لغيركم تلقى المقاليد
فابنوا المدارس في عرض البلاد فما ... غير المدارس للتحرير تمهيد
أما زميله الشاعر محمد العيد فهذا الميدان ليس غريبا عنه فطالما خب فيه وأوضع كما يقولون، ولكن قصيدته كانت من أنجح شعره الإصلاحي خصوصا وقد جاءت بعد سكوت دام أيضا طويلا وبعد ابتعاد عن الحفلات والأضواء والتوجه بدلا منها نحو المحراب الصوفي والحياة الروحية، وهذه طالعة القصيدة. هات البشائر للجزائر هاتها ... إن الجزائر أبصرت غاياتها
سنذكر نموذجا للشاعر الديني والإصلاحي أحمد سحنون من قصيدتيه إلى المعلم ثم إلى التلميذ، ولكن هذا النمط من الشعر أخذ يختفي بعد قيام الثورة ودخول الشعر السياسي ساحة المعركة.
стр. 4413
الفصل الثاني
الثقافة في نصوص الثورة
قضايا الهوية عالجتها وثائق الحركة الوطنية بإسهاب في مختلف مراحلها، ومن العبث أن نكررها هنا، فمن عهد الأمير عبد القادر إلى عهد الأحزاب السياسية تحدث الجزائريون عن تراثهم ومكوناتهم الفكرية واللغوية والدينية كعناصر وحدة منصهرة في التاريخ لا انفصام لها، وكان ذلك واضحا في كل عمل جماعي قاموا به، بما في ذلك نخبة المدن في القرن التاسع عشر إلى برنامج النجم وحزب الشعب والمؤتمر الإسلامي وجمعية العلماء وأحباب البيان والحرية وحزب البيان ... إلى المؤتمر الثاني لحزب الشعب الذي انعقد عشية الثورة (١٩٥٣) والذي نص على أن ثقافة الجزائر ثقافة وطنية مرتبطة بالثقافة العربية الإسلامية وأن التربية الوطنية في الجمهورية الجزائرية ستكون مرتبطة بالثقافة العربية الإسلامية، ومن ثمة فإنه من المؤكد أن بيان أول نوفمبر كانت له مرجعية واضحة لو أراد محرروه العودة إليها واستلهامها، ولكن هل فعلوا؟
يقر مصطفى الأشرف الذي قام ببحوث مكثفة في تاريخ الجزائر أثناء الثورة بأن الحركة الوطنية (القومية) لم تتمخض على مذهب عقائدي يؤسس للمستقبل، لأن مهمتها قد انحصرت منذ نشأتها في تحرير التراب الوطني، ولا يجوز أن نطالبها بشيء آخر، فهل هذا الحكم ينسجم مع ما أشرنا إليه من تحديد الحركة الوطنية لمعالم عقيدتها منذ عهد الأمير عبد القادر؟ لعل الأشرف يريد بالعقيدة هنا الايديولوجية الاشتراكية التي أسس لها برنامج طرابلس الذي كان
стр. 4414
الأشرف أحد صناعه على الورق ولكنه لم يستطع تطبيقه على أرض الواقع. ومن جهة أخرى يقر الأشرف بأن فكرة الثورة لم تنبع من الريف الذي اكتفى بالمحافظة على الأرض انطلاقا من غريزة حب البقاء، وأن المجتمع الريفي أصبح هيكلا خاليا من أية ثقافة ومن أي وعي سياسي، بل هو مجرد هيكل للمحافظة على العادات والتقاليد، ولكنه هو العمدة في تحرير البلاد، أما فكرة الثورة فقد نبعت من المدينة، ولعل الأشرف كان يقيس وضع الجزائر في القرن التاسع عشر بوضع فرنسا في القرن السادس عشر عند ظهور الوعي القومي السياسي على أنقاض الإقطاع الريفي، كما أنه لم يري المسألة الثقافية، ولو تمعن لتأكد أن خميرة الثقافة الوطنية التي هي منطلق هويتنا قد بقيت في الريف وليس في المدينة (١).
الثقافة في بيان أول نوفمبر
تناول بيان أول نوفمبر بالشرح والتعليق عدد من الكتاب والمؤرخين فرأى فيه البعض وثيقة كاملة تضمن كل ما يعبر عن الجزائر في ثورتها وما هو أبعد من ثورتها، ورأى فيه آخرون وثيقة ظرفية الهدف منها توضيح الأسباب الداعية إلى تفجير الثورة وشروط الصلح ووقف القتال مع العدو والهدف من الثورة وهو استرجاع الاستقلال الذي اغتصبه المحتلون سنة ١٨٣٠، فهل تعرض البيان إلى المسألة الثقافية؟ وهل كان صائغوه مؤهلين للحديث عن ماضي وحاضر ومستقبل الجزائر الثقافي؟ إلى أي حد كان بيان أول نوفمبر معبرا عن الهوية الثقافية للجزائر؟ إن الذين تناولوه بالتحليل معظمهم من المتعاطفين مع أصحابه وبالتالي رأوا فيه وثيقة كاملة تضمن كل هموم الجزائر ومشروع مجتمعها أثناء الثورة وما بعد الاستقلال، ولكن الذين انتقدوه رأوا فيه وثيقة كتبت على عجل وبقلم بسيط وفكر ساذج، وكان همها الوحيد انطلاق الثورة وليس بناء المستقبل.
стр. 4415
جاء في البيان (١) أن (على فرنسا أن تعترف رسميا بالقومية الجزائرية وبإعلان صريح رسمي تلغي بمقتضاه جميع القوانين والقرارات والمراسيم التي جعلت الجزائر أرضا فرنسية رغم تاريخ الشعب الجزائري ورغم التاريخ والجغرافية واللغة والديانة والعادات)، كما نص البيان على ضرورة إجراء مفاوضات مع الممثلين الحقيقيين للشعب الجزائري على أساس احترام السيادة الجزائرية التي هي جزء لا يتجزأ ... (ومن جهتنا نتعهد بضمان المصالح الفرنسية الثقافية والاقتصادية ..).
واضح من هذا النص أن البيان يتحدث عن (القومية) (الوطنية) الجزائرية وأن مقومات هذه القومية هي التاريخ والجغرافيا واللغة والديانة والعادات المشتركة، ومن المفهوم، وليس بالتصريح، أن اللغة المقصودة هي اللغة العربية، وأن الديانة المقصودة هي الإسلام، وأن التاريخ يعني هنا التاريخ الجزائري المرتبط بالتاريخ العربي الإسلامي لأن تاريخ الجزائر منذ الفتح هو جزء من هذا التاريخ العربي الإسلامي. ولكن لماذا لا يعبر البيان عن ذلك صراحة؟ إن البعض يرون أن التصريح بهذه المقومات القومية، لو أعلن، قد تعزل الأقليات الأوروبية عن دعم الثورة، كما يرى البعض أن محرري البيان أنفسهم كانوا مترددين في موضوع اللغة والإسلام والتاريخ لأن تكوينهم لم يكن يتضمن هذه المقومات، وهم كوطنيين يساريين ربما يريدون تفادي التمسك بمبادى تعتبر رجعية في حينها، ثم من
стр. 4416
منهم كان قد درس تاريخ الجزائر (خارج العهد الاستعماري) القديم والوسيط والحديث، وعرف ما تراث الجزائر خلال هذه العهود الطويلة؟ ثم إن المسألة ليست مسألة لغة ودين وتاريخ ... ولكنها مسألة حضارة متكاملة، وليس في ذلك النفر من المناضلين من كان دارسا أو ملما بجوانب الحضارة العربية الإسلامية ودور الجزائر فيها؟
عند الحديث عن السند الخارجي ميز البيان بين الدعم المضمون والدعم المحتمل، أما الدعم المضمون فهو من (إخواننا العرب والمسلمين)، وهذا واضح من أنه يعبر عن الشعور بالانتماء الحضاري، وهذا يمثل الدائرة الأوسع للجزائر، كما أن هدف الثورة المعلن هو إخراج الحركة الوطنية من التردي الذي وقعت فيه إلى (المعركة الحقيقية الثورية إلى جانب إخواننا المغاربة والتونسيين)، وهذه هي الدارة الأقرب للجزائر , فقد كان محررو البيان يدركون أن أول من يتوقعون منه الدعم هم العرب والمسلمون سواء كانوا في المشرق أو في المغرب، وأن واجب النضال يقتضي اللحاق بركب الثورة في البلدين الجارين وتوسيع رقعة المعركة لصالح الجميع مع توقع الدعم القادم من (الاخوة) الأقارب والأباعد.
برنامج أول نوفمبر
أما النقطة التي دار حولها كثير من الجدل وما يزال يدور، فتتمثل في برنامج الثورة، فهل هو إقامة دولة اشتراكية أو إسلامية أو ليبرالية، ويبدو أن محرري البيان كانوا (اشتراكيين) في توجههم، ولكنهم مع ذلك ومراعاة ربما للجماهير، ألحوا على أن الهدف من البرنامج سياسيا هو تحقيق الاستقلال وإقامة دولة ديموراطية اجتماعية ... (في إطار المبادى الإسلامية)، فلماذا هذا الغموض؟ إن عبارة ديموراطية اجتماعية تعني أن النظام الذي مستنشئه الجزائر سيكون شيوعيا أو اشتراكيا وليس نظاما اجتماعيا عادلا كما فهمه البعض، فأصحاب البيان كانوا يقفون إلى يسار الخط الايديولوجي الاشتراكي.
стр. 4417
وربما لم يمنعهم من الإعلان عن الشيوعية سوى الخوف من معارضة بعض زملائهم لهذا التوجه أو من معارضة جماهير الشعب السابحة في البحر الإسلامي منذ قرون، ولا شك أن تعبير (دولة ديموقراطية اجتماعية) يعني تقليد النظم التي تدور في فلك المعسكر الاشتراكي وبعض الجمهوريات الشيوعية ذات النظام الديموقراطي الاجتماعي في آسيا، فماذا بقي للمبادى الإسلامية؟ وما معناها؟ وما المقصود من عبارة إطار؟
يبدو أن هذه التعابير كلها غامضة في أذهان أصحابها أو أنهم صاغوها بطريقة غامضة عن قصد حتى تبقى محل احتمالات وأخذ ورد، وهي فعلا بقيت غامضة في أذهاننا نحن اليوم أيضا، وهو السبب في أن كل طرف يحاول تفسيرها على هواه أو كما تنسجم مع عقيدته السياسية وقناعته الثقافية، فلا المبادى واضحة ولا الإطار كذلك واضح، ولكن لو طلبنا من أي مسلم متعلم عندئذ أن يحدد مفهوم المبادى الإسلامية لأجاب بأنها جوهر الشريعة وما تحتويه من عبادات ومعاملات، أما (الإطار) فمفهومه أن الدولة الجزائرية المستقلة لن تخرج عن تعاليم الإسلام في الحلال والحرام والشورى وإقامة الحدود ... فمن كان يفكر في ذلك ممن صاغوا البيان؟ بينما في المبادى الأخرى العلمانية نجد البيان واضحا لا غبار عليه، فهو يصرح بوجوب (احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرفي أو ديني)، وهو نداء يقترب فيه البيان من الأقليات الأوروبية في الجزائر ويكشف فيه عن هوية الثورة بالنسبة للرأي العام الخارجي، كما طالب بوجوب (إعادة الحركة الوطنية إلى نهجها الحقيقي) في نطاق الدعوة إلى لملمة أطراف الحركة الذين اختلفوا حول أولويات النهج الثوري أو السياسي، بل كان البيان واضحا أيضا في توجيه الدعوة إلى الأطراف الوطنية الأخرى غير المنخرطة في حزب الشعب لأن العمل الآن أصبح يتمثل في تجميع وتنظيم جميع الطاقات الشعبية للتخلص من الاستعمار تحت لواء وطني واحد يدعى (جبهة التحرير الوطني).
كما كان البيان أكثر وضوحا فيما يتعلق بوحدة المغرب العربي، فالثورة
стр. 4418
ستعمل على وحدة شمال إفريقيا (داخل إطارها الطبيعي العربي والإسلامي) بينما كلمة (طبيعي) لم ترد في المبادى الإسلامية ولا في تحديد مفهوم القومية القائم على التاريخ والجغرافيا واللغة والدين والعادات المشار إليه، ومرة أخرى يشير البيان إلى مسألة الانتماء العربي الإسلامي للجزائر في نطاق المغرب العربي، وللمغرب العربي في الإطار العربي الإسلامي، وكلمة (الطبيعي) كلمة مهمة هنا، فهي تعبر عن علاقة لم يفرضها غزو ولا احتلال وإنما فرضها واقع جغرافي وسياسي وثقافي تشكل عبر القرون فانصهر فيه الشعب بجميع مكوناته، فأصبح هو من هو في التاريخ، كما كان البيان واضحا في إصراره على أن الجزائر وحدة لا تتجزأ، وعلى السيادة الكاملة، وعلى ضمان المصالح الفرنسية (بما فيها الثقافية)، وعلى حق الفرنسيين الذين يختارون البقاء في الجزائر تحت مظلة الجنسية الأصلية (الفرنسية) أو الجنسية الجزائرية الجديدة (١).
وقد اختلفت الآراء حول أهمية بيان أول نوفمبر من الناحية الإيديولوجية، فمنها الذي يعطيه قيمة كبيرة لذاته، ومنها الذي يقول بأنه فاتحة للعهد ومعلم في الطريق إلى بيانات وبرامج أخرى تتبلور مع تقدم الثورة نفسها ومع وجود مثقفين قادرين على صياغة مفاهيم حقيقية لثورة في حجم الثورة الجزائرية، يقول فرحات عباس عن البيان (نستطيع أن نقول دون محاباة ولا مغالاة بأن هذا النداء يعتبر عقد ازدياد الجزائر الجديدة) وهي الجزائر التي برزت إلى الوجود في غرة نوفمبر، ١٩٥٤ (٢).
لغة البيان ومضمونه
كتب البيان باللغة الفرنسية من قبل شخص أو أشخاص لهم صلة ضعيفة
стр. 4419
جدا بالثقافة العربية والإسلامية، فلم يكن معروفا عنهم لدى زملائهم أنهم تلقوا أي قدر من ثقافة الزوايا أو الكتاتيب القرآنية، فما بالك بالمعاهد الإسلامية كالزيتونة والقرويين، ولو كان المشرف على بيان أول نوفمبر رجالا من أمثال الأمير عبد القادر أو الحاج محمد المقراني أو الشيخ الحداد أو الصادق بن الحاج ... لاختلفت صياغته بالتأكيد واتضحت فيه الإيديولوجية الثقافية والانتماء الحضاري، صحيح أن الزمن قد اختلف واختلفت معه العقليات والاهتمامات ولكن الأصل ظل قائما، وبدون أن نذهب بعيدا، فلو أن الذي صاغ البيان هو ابن باديس أو أحد تلاميذه لكان له توجه آخر وقوة لغوية واضحة. إن هذا البيان كان في الواقع نتاج مرحلة سياسية محددة أدت إلى أن يصوغه وطنيون ذوو ثقافة ماركسية علمانية بعيدين كل البعد عن التراث الثقافي لوطنهم مما أبعدهم عن هويتهم - ما عدا الروح الوطنية والولاء للجزائر التاريخية والجغرافية - لأن السياسة الاستعمارية التي دامت قرنا من الزمن قد أبعدتهم عن حقيقة أنفسهم حتى أصبحوا يفكرون بحقيقة الغير، بل أصبحوا لا يرون في الوطنية إلا في إطار المبادى العلمانية التي تلقوها من ثقافة المحتل أو قرأوها في الصحافة المعاصرة، أو اكتسبوها من ممارسة النشاط السياسي على أرض الواقع، وهي التاريخ والجغرافيا واللغة والدين والعادات، وكلها تعبيرات مجردة غير مرتبطة بالتراث الثقافي الصميم. وحتى بعد أن تقدمت الثورة لم تنضج عند قادتها فكرة الانتماء الحضاري ولا العمق الثقافي، فلم يتداركوا في كتاباتهم ما فات محررو البيان، فقد كتب كريم بلقاسم وفرحات عباس وابن المهيدي وغيرهم في (المجاهد) عن التحضير للثورة واتخاذ القرارات الأولى وما حصل في الاجتماعات ومسار الثورة في الداخل والخارج ... ومع ذلك لا نجدهم يذكرون البعد الفلسفي أو الروحي أو الإسلامي أو العقائدي للثورة، فهم يكتفون برد أحداثها وحصول الاجتماعات حولها والقرارات التي اتخذت بشأنها ومسارها ومناضليها (البسطاء)، انظر مثلا
стр. 4420
كلمة كريم بلقاسم في العدد الخاص من المجاهد، أول نوفمبر ١٩٥٩، وهي كلمة مفيدة لأنها تلقي الضوء على طريقة التحضير للثورة من وجهة نظره. قلنا إن البيان كتب بالفرنسية ومر على بعض المناضلين ليعطوا فيه الرأي بالتنقيح والتعديل، ثم أعطي إلى من صاغه صياغة مقروءة صحفيا وأدبيا ثم سحب في مكان سري في عدة من النسخ لا ندري عددها ثم وزع في داخل البلاد، أما على المستوى الخارجي فقد حمل منه محمد بوضياف نسخة بخط اليد حسب البعض (ومرقونة ومسحوبة حسب البعض الآخر)، وسافر بالنسخة إلى فرنسا فسويسرا، وكانت الخطة هي أن يواصل سفره إلى القاهرة ولكن السفر تعطل دون أن نعرف التفاصيل؟ ومع ذلك وصلت النسخة إلى القاهرة دون أن نعرف التفاصيل أيضا، فترجم البيان إلى العربية وأذيع في الوقت المناسب من إذاعة صوت العرب، أي عند التأكد من وقوع الأحداث في الجزائر، ثم نشرته الصحف المصرية كاملا أو مختصرا، ولا شك أن بعض النسخ من البيان قد وصلت إلى فرنسا عن طريق بوضياف، هذه رواية السيد أحمد سعيد مدير إذاعة صوت العرب عندئذ، كما رواها لي بالقاهرة، مارس ٢٠٠٤. أما محمد يزيد فيروي أن فريقا آخر (غير مصالح صوت العرب) قام بترجمة البيان إلى العربية في القاهرة دون أن يخبرنا محمد يزيد عن كيف وصلت نسخة من البيان بالفرنسية، وهذا الفريق يتكون من بعض الساسة التونسيين والمراكشيين الذين كانوا في القاهرة، وهم الرشيد إدريس (كتب خطأ: الرئيس) و (الحبيب؟) بولعراس وإبراهيم طوبال (وكلهم من تونس)، وعبد الكريم غلاب وعبد المجيد بن جلون وابن امليح (وكلهم من مراكش)، قال يزيد ذلك أثناء حديثه عن وفود المغرب العربي في القاهرة عشية الثورة أو غداة اندلاعها، فقال عن محمد خيضر إنه قد وصل حديثا إلى القاهرة وأن الشاذلي المكي قد تكتل مع الشيخ الإبراهيمي بشأن تمثيل الجزائر، وأشاد يزيد بالاعتراف الذي حصل عليه ممثلو الجبهة من حزب الاستقلال المراكشي وحزب الدستور التونسي كممثلين للجزائر الثائرة ولم يعترفوا بالآخرين (يعني الشاذلي المكي والشيخ
стр. 4421
الإبراهيمي ...)، وقال إنهم كانوا يحضرون كل الوثائق مع حزبي الدستور والاستقلال، وإذا ثبت ما قاله أحمد سعيد وما رواه يزيد فإنه يكون لدينا على الأقل ترجمتان متزامنتان بالعربية البيان أول نوفمبر (الترجمة المصرية والترجمة المغاربية) (١)، غير أن يزيد لم يقل ما إذا كانت نسختهم هي التي أذيعت من صوت العرب.
الثقافة في مؤتمر الصومام
انعفد مؤتمر الصومام بعد سنتين من قيام الثورة وفي ظروف تختلف عن ظروف أول نوفمبر، فقد نضجت الثورة بعد حوالي سنتين من التجربة القاسية، ومرت بعشرين أوت ١٩٥٥ بعد مرور قرابة السنة على اندلاعها، وشهدت الساحة الدولية انعقاد مؤتمر باندونغ وعرض قضية الجزائر على الأمم المتحدة، ونظر البعض إلى استقلال تونس والمغرب (مارس ١٩٥٦) على أنه عامل معرقل لمسيرة الثورة، ولكن آخرين نظروا إليه على أنه عامل مساعد لها، كما انعقد مؤتمر الصومام بعد إضراب الطلبة عن الدراسة (مايو ١٩٥٦) في الجامعات الفرنسية، بما فيها جامعة الجزائر، وقد انضم كثير منهم بعد ذلك إلى الثورة مما أعطى لها دفعا جديدا تميز بطاقة شابة ومثقفة، وسيكون لهذا التطور عواقب على مسيرة الثورة على المدى البعيد، ومن جهة أخرى انعقد مؤتمر الصومام بعد انضمام الأحزاب والجمعيات إلى الثورة فأعلن حزب البيان عن حل نفسه وانضمام أعضائه إلى الثورة، وكذلك فعل أعضاء جمعية العلماء، وقد التحق زعماء هؤلاء وأولئك بالوفد الخارجي بينما التحقت أفواج من المعلمين والسياسيين والتلاميذ بالجبال، وفي نفس الوقت تكونت منظمات جماهيرية ومهنية موالية لجبهة التحرير كاتحاد العمال الجزائريين واتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين واتحاد النساء الجزائريات، إضافة إلى جمعية الكشافة الإسلامية
стр. 4422
والشباب، واتحاد التجار. أما الحزب الشيوعي فقد أبى قادته أن يحلوا حزبهم بأيديهم وينضموا فرادى إلى جبهة التحرير، لذلك كونوا فرقة أطلقوا عليها (مكافحو الحرية) انحصرت مساحة نشاطها في منطقة واحدة تقريبا هي الشلف وفي بعض المدن كالعاصمة، وكان مناضلو هذا الحزب يجمعون بين العرب والفرنسيين باعتبار الحزب كان مفتوحا لعضوية الطائفتين، ومهما كان الأمر فإن الشيوعيين لم يحضروا مؤتمر الصومام، وقد دام هذا الوضع بضعة أشهر أخرى ثم انضم الجنود العرب (الجزائريون) إلى صفوف جيش التحرير بينما ظل القادة على موقفهم يحاولون مفاوضة جبهة التحرير لعلهم ينالون، عند المفاوضة مع فرنسا، قطعة من الكعكة، ويجب أن نتذكر هنا بأن كاتب جلسات المؤتمر هو عمار أوزقان أحد أقطاب الحزب الشيوعي السابقين، والكاتب العام له، فلا غرابة عندئذ أن يصطبغ محضر المؤتمر باللون اليساري والعلماني، وهو الأمر الذي اعتبره بعض قادة الثورة الأوائل (انحرافا) خطيرا عن روح بيان أول نوفمبر وروح الانتماء الحضاري للجزائر (١).
فكيف عالج مؤتمر الصومام المسألة الثقافية بعد أن أصبحت صفوف الثورة متراصة بهذه العينات من الكهول والشباب؟ وهل اختلفت نظرته ومرجعيته عن نظرة ومرجعية بيان أول نوفمبر؟ الواقع أن المؤتمر عالج موضوعات ثقافية هامة ولكن كيف عالجها؟ لقد تحدث عن مقومات الأمة من تاريخ ولغة واحدة ودين وعادات، وتحدث عن انتماء الشعب الجزائري الحضاري، وعن فيدرالية المغرب العربي (وليس شمال إفريقيا خلافا لبيان أول نوفمبر)، وركز على الدعم العربي (وليس الإسلامي) للثورة الجزائرية مؤكدا
стр. 4423
ومنتقدا، ولكن وثائق المؤتمر المعلنة لا تشير إلى أية إيديولوجية خاصة بالثورة كما لا تشير إلى الانتماء العربي الإسلامي أو الارتباط بالتراث أو مرجعية التاريخ الجزائري. دعنا نتتع هذه الأمور بشيء من التفصيل، لأول مرة تتردد في محضر المؤتمر عبارة (المغرب العربي)، وبالضبط عند ذكر تونس ومراكش وعند ذكر (الأقطار الثلاثة) ووحدة كفاحها، مع العلم أن كلا من تونس ومراكش قد حصلتا على الاستقلال قبل المؤتمر بأقل من خمسة أشهر، وكانت العبارة تتردد في البلدين ولا سيما على لسان الرئيس التونسي الذي كان ربما يغضل استعمال عبارة (المغرب الكبير) بدلا منها، ومما جاء في نص الصومام (أن ما يميز الوضعية السياسية للمغرب العربي هو أن المشكل الجزائري مندمج ومتداخل في مشكلتي المغرب وتونس بحيث لا تمثل في مجموعها إلا مشكلة واحدة)، ولم يشر المحضر إلى أن من بين أهداف (المشكلة) في الجزائر تحقيق هدف ثقافي أو استرجاع هوية ثقافية، كما لم ينص على أن من شروط وقف القتال شرط ثقافي وإنما التأكيد على التخلص من الجزائر الفرنسية و (الاعتراف بالأمة الجزائرية التي لا تتجزأ)، وهناك حديث طويل في المحضر عن الأقلية الفرنسية، والتركيز على اليهود الفرنسيين ومحاولة جلبهم إلى الصف المساند للثورة وفصلهم عن بقية الفرنسيين لأنهم في الأصل (جزائريون).
كذلك يوجد تركيز مقصود (نظرا للظرف الخاص عندئذ) على (فيدرالية إفريقيا الشمالية)، التي تؤلف في نظر المؤتمرين كلا واحدا (نظرا للجفرافية والتاريخ واللغة والحضارة والمصير)، وهذه الفيدرالية ستتولى (إقامة تعليم وتبادل في الإطارات الفنية وتحقيق التبادل الثقافي).
فيما يتعلق بإضراب الطلبة عن الدراسة الذي كان قريب العهد رحب المؤتمر بالمثقفين الشباب واعتبر انضمامهم إلى الثورة وإلى الوطنية الجزائرية فشلا لسياسة (الفرنسة) التي حاولت خنق الوعي الوطني لدى الشباب المثقف.
стр. 4424
وها قد تخلى الشباب عن المواقف المثالية الفردية أو الإصلاحية مما يدل على وجود اتجاه سياسي سليم لدى هذا الشباب، ولذلك دعا المؤتمر إلى تكوين لجان عمل تضم المثقفين الوطنيين وتأطيرهم، وعلى جبهة التحرير أن توضح مجالات العمل لهؤلاء الطلبة والطالبات، وهي المجالات السياسية والإدارية والثقافية والصحية والاقتصادية. بالنسبة للأقلية الأوروبية (الفرنسية) التي نعتتها النصوص بالليبرالية وقف المؤتمر موقفا لينا حتى ليكاد يسميها (ضحية) جهل الأحزاب السياسية حين لم تضع خطة استراتيجية تجعل الأوروبيين على قدم المساواة مع المسلمين في الجزائر، ودعا المؤتمر كذلك إلى التغرب من هذه الأقلية خلافا لساسة الأحزاب القديمة، فقد أنحى باللائمة على الأحزاب لأنها لم تهتم بالأقلية الأوروبية بينما اهتمت بالرأي العام الإسلامي فقط مما جعل الدعاية الاستعمارية تستغل الوضع وتتهم الحكومة الفرنسية بالتخلي عن (الأقلية الجنسية غير المسلمة وتركها عرضة للبربرية العربية والحرب المقدسة)، وفي هذا دعوة لجبهة التحرير لكي تتخلى عن دعاية الأحزاب القديمة التي تخيف الأقلية الأوروبية بإلحاحها على استرجاع الهوية العربية المتوحشة تحت راية الجهاد، ومن رأي المؤتمرين أنه من الخطأ غير المغتفر وضع كل الأوروبيين واليهود في سلة واحدة، وقد ألح محضر المؤتمر على أن الثورة الجزائرية ليست حربا أهلية بين الأقلية الأوروبية والأغلبية المسلمة ولا حربا دينية أو جهادا بين الإسلام والمسيحية. لقد أفاض المحضر في الحديث عن الجالية اليهودية بالخصوص وأعطاها اهتماما دون السكان الآخرين، ربما لأنها كانت من السكان الذين وجدهم الاحتلال الفرنسي في الجزائر مثلهم مثل (الأندجين) الآخرين، وعاملهم كما عامل بقية (الأهالي)، ثم فرض عليهم الجنسية الفرنسية منذ ١٨٧٠ دون استشارتهم، وأكد المحضر على أن النزاع - العربي - اليهودي (كذا) في المشرق لم يكن له أصداء خطيرة في الجزائر كما هو الحال في المشرق، ولو كان له تلك الأصداء لاغتبط له أعداء الشعب الجزائري، فلم يكن المؤتمرون يدركون، ربما
стр. 4425
أن النزاع بين العرب والصهاينة وليس بينهم وبين اليهود، أو كانوا يريدون تجاهل تلك الحقيقة تزلفا للجالية اليهودية، والمعنى الذي يهدف إليه النص أنه لو كان هناك صدى عميق للنزاع لما كان يجري في فلسطين لاستغله الناقمون على الثورة ووظفوا الحركة الصهيونية العالمية ضدها، ولذلك يجب استغلال ضعف التجاوب الجزائري مع النزاع العربي اليهودي لصالح الثورة، وذلك بالتقرب إلى اليهود الفرنسيين وتجنيدهم لصالحها، وطالبت الوثيقة كذلك بالقيام بدعاية قوية للتأثير على الليبراليين الأوروبيين واليهود بتمثيل مسرحيات تمجد التضال الوطني (المشترك؟)، أي أن الوثيقة تعترف بوجود نضال مشترك بين العرب واليهود في الجزائر، ولكن ضد من؟
والغريب أن المؤتمر لم يوجه خطابه إلى البلاد العربية التي كانت وحدها تدعم الثورة الجزائرية حتى ذلك الحين، بل وجه خطابه لدول مؤتمر باندونغ، فهي التي شكرها وطلب منها الدعم. أما بخصوص الجنسية والذاتية اللغوية فقد ألح المؤتمر على أن الجزائريين في الماضي لم يقبلوا أبدا بالفرنسة ورضوا بالعيش في وطنهم بدرجة أقل حرية من الأجانب، بينما عمد المستعمر إلى (ختق اللغة الوطنية التي تتكلمها الأغلبية الساحقة من المواطنين، أي اللغة العربية،) وعبارة المواطنين هنا غامضة وتحتمل عدة معاني، منها كل السكان بمن فيهم الأوروبيون فتكون اللغة العربية لغة الأغلبية المطلقة لسكان الجزائر، وقد تعني الأغلبية من السكان المسلمين، وبذلك تخرج أقلية أهلية لا تتكلم هذه اللغة، وفي ذلك مشكل من نوع جديد للهوية الثقافية الوطنية، ومهما كان الأمر فالظاهر أن المؤتمرين عنوا بذلك التعبير كل سكان الجزائر لأن الوثيقة تحدثت عن اختفاء التعليم العالي باللغة العربية منذ بداية الغزو الفرنسي الذي شتت أساتذة وتلاميذ اللغة العربية وأوصد أبواب الجامعات في وجوههم وهدم المكتبات واغتصب التبرعات (الأوقاف) الدينية، كما دنس الدين الإسلامي وأخضع رجاله فأصبحت الإدارة الاستعمارية هي التي تختارهم وهي التي تمنحهم أجورهم.
стр. 4426
في عبارات لا تصدر إلا عن إيديولوجية يسارية أدانت وثيقة الصومام محاربة الإدارة للحركة التقدمية التي كانت تمثلها جمعية العلماء، فهي تصف الحركة الإصلاحية التي قامت بها الجمعية بالتقدمية كما تصف حركة المرابطين والصلحاء بالرجعية، وبالطبع كان هناك عدم تفاهم بين جهود العلماء وجهود المرابطين في خدمة الثوابت الوطنية ولا سيما التعليم العربي وإحياء التاريخ والتراث والنهوض الاجتماعي بنبذ البدع والخرافات والعودة إلى الإسلام الصحيح والسلف الصالح، ومن ثمة قالت وثيقة الصرمام بأن (الإمبريالية الفرنسية وفرت كل الدعم لخرافات الأولياء المرابطين الذين سخرتهم عن طريق إرشاء بعض رؤساء الطوائف) (ربما تعني بالطوائف الطرق الصوفية)، وتساءلت الوثيقة: (ألا يعتبر العقاب القاسي الذي يناله رجال الدين الخونة داخل المساجد نفسها أحسن دليل؟) وهذه العبارات تعتبر اعترافا وتهديدا في نفس الوقت، وقد نددت الوثيقة بالدعاية التي بثها حاكما الجزائر (لاكوست) و (سوستيل) والكاردنال (فلتان) التي زعمت أن المقاومة الجزائرية (حركة دينية متعصبة تصب في خدمة الحركة الوحدوية الإسلامية)، وتكذيبا لهذا الادعاء أعلن المؤتمر أن الثورة قد أنزلت العقاب الصارم بالخونة من رجال الدين حتى في حرم المساجد، ومعنى ذلك أن الثورة الجزائرية لا علاقة لها بالحركة الإسلامية الوحدوية ولا هي ثورة ذات طابع ديني. بالنسبة لموقف الدول العربية من الثورة انتقدت الوثيقة هذه الدول، وخصت بالذكر مصر التي كان المتوقع أن يشيد المؤتمرون بدعمها للثورة كما حدث فعلا أو على الأقل من الناحية الدبلوماسية، فقد اتهمتها الوثيقة بالتخلي عن نقاش القضية الجزائرية في الجمعية العامة للأمم المتحدة لإرضاء فرنسا، واعتبرت ذلك الموقف من الدول العربية عموما جبنا، وانتقدتها على دورها المحدود في دعم نضال الشعب الجزائري، خضوعا لاعتبارات سياسية ودبلوماسية مع فرنسا، ولكي تعبر عن الاستقلالية قالت الوثيقة إن علاقات الثورة مع البلدان الشقيقة هي (اتصالات تحالف وليست اتصالات عمالة)، وأن
стр. 4427
الثورة يجب أن تحافظ على استقلالها وصيانة نفسها، والواقع أن هذا المبدأ لا ينازعها فيه أحد، فلولا الاستقلالية لما حافظت الثورة على وحدتها وقرارها الجماعي، ولكن السؤال هو من أجل ماذا (تتحالف) الثورة مع الدول العربية، هل هناك قضية أو مصير مشترك؟ ولماذا لا يكون التحالف مع الدول الاشتراكية مثلا؟ ومن الملاحظ أن الوثيقة تتحدث عن الدول العربية التي تتأثر عادة بعلاقاتها مع الدول الأخرى حسب المصالح الآنية أحيانا، ولا تتحدث عن الشعوب العربية التي كانت تدعم الثورة الجزائرية دعما مطلقا وتشعر أنها ثورتها هي أيضا. ومن الملفت للنظر أن المؤتمر وجه عنايته، بدلا من الدول والشعوب العربية، إلى المهاجرين العرب في أمريكا اللاتينية لأن ذلك في نظر المؤتمرين، يدعم الوفد الخارجي للثورة، ودعت الوثيقة إلى الاعتماد على النفس في نشر الدعاية المكتوبة كإنشاء المكاتب الصحفية وطبع التقارير (المناشير؟)، والصور والأفلام ...) (١).
ومما يذكر أن البرنامج السياسي لمؤتمر الصومام قد حرره عمار أوزقان الذي لم يكن من المندوبين، ولكنه كان - كما أشرنا - الكاتب العام السابق للحزب الشيوعي الجزائري، لذا فإن عبارات القومية والشعبوية والنزعة الاجتماعية المحافظة قد ظهرت في وثيقة المؤتمر بلغة ماركسية واضحة (٢).
ونلاحظ في النهاية أن برنامج الصومام لم يخرج بخطة ثقافية للمستقبل، حقيقة أنه انتقد معاملة الاحتلال لمقومات الثقافة الوطنية (التي لم يحددها بوضوح) كاللغة والإسلام والتعليم ... ولكنه لم يعلن عن برنامج ما بعد الاستقلال، وبقدر ما لام الدول العربية على انتهازيتها وتخاذلها بدل الإشادة بدعم شعوبها للثورة، بقدر ما انفتح على المثقفين الأوروبيين، وعلى
стр. 4428
الديموقراطيين الأحرار والرأي العام الديموقراطي في فرنسا، ومن الخطأ في نظره المساواة بين الأوروبيين في هذا المجال، ولا سيما اليهود الذين حاولت الوثيقة فصلهم عن بقية الفرنسيين مطمئنا لهم بأن مكانهم محفوظ في الجزائر المستقلة، واعتبر ضعف المشاركة (حسب دعواه) في النزاع العربي اليهودي فضيلة يمكن للثورة أن تستفيد منها، وألح على أن الجمهورية الجزائرية الديموقراطية الاجتماعية القادمة لن تقصي أحدا وأنها تضمن المساواة للجميع (والإشارة هنا للأوروبيين بمن فيهم اليهود)، وهكذا يمكن أن نخرج بخلاصة وهي أن الخطاب العربي والهوية الثقافية يكاد يكون غائبا في برنامج مؤتمر الصومام (١).
الثقافة والحكومة المؤقتة
منذ تأسست الحكومة المؤقتة هيكلت نفسها على التعامل باللغة الفرنسية، فكانت إدارتها كالإدارة الفرنسية، هذا بناء على الأرشيف الصادر عنها والموجود اليوم، حتى الوزراء المحسوبين على اللغة العربية كان عليهم أن يتعاملوا بالفرنسية مثل أحمد توفيق المدني وعبد الحميد مهري، وكل المراسلات التي كانت تصل إلى مقر الحكومة بالعربية كانت تترجم إلى الفرنسية وليس العكس كالرسالة التي تتحدث عن الدخل المالي من الفريق الرياضي في المشرق، لكي يصب في حساب الداخلية (٢).
لم يتعرض بيان الحكومة المؤقتة الأول إلى مشكلة الثقافة في الجزائر بطريقة مباشرة، ولم يجعل منها قضية في الكفاح من أجل الحرية والاستقلال، وكان تعيين الرئيس فرحات عباس نفسه على رأس الحكومة برهانا آخر على عدم الاهتمام بالثقافة والهوية، فالرجل - رغم أنه سياسي ماهر وغير متنطع - معروف بأنه صاحب ثقافة غربية (فرنسية) وشديد الحماس لها، وكان برنامج حزبه وبعض تصريحاته قبل الثورة تصب في خدمة اللغة العربية وثقافتها بل وتعتز
стр. 4429
بالثقافة الإسلامية للجزائر، ولكن ذلك ليس برنامجا مشروطا لسياسة فرحات عباس أو منهاجا يسير عليه في التعامل مع السلطة الفرنسية، شأن جمعية العلماء أو الأحزاب المحافظة في البلدان الأخرى مثل حزب الاستقلال في المغرب وحزب الدستور القديم في تونس، ولا ندري ما النقاش الذي دار في المجلس الوطني ولجنة التنسيق والتنفيذ عندما تقرر تعيين السيد فرحات عباس على رأس الحكومة المؤقتة: من اقترحه، ومن عارض تعيينه، وعلى أي أساس؟ ومهما كان الأمر فإن الأصداء التي بلغتنا عندئذ ونحن طلاب تقول بأن فرحات عباس قد اختير للحكومة إفحاما لفرنسا والغرب بأن الثورة ليست معادية للحضارة الغربية ولا للثقافة الفرنسية بدليل أن عباس من المعجبين بهذه الحضارة ومن المعتدلين وغير شيوعي، كما أنه شخصية سياسية معروفة. ومهما كان الأمر فلا شك أن ردود الفعل في محافل الثورة والرأي العام الجزائري كانت متنوعة، وكان بعضها يتساءل عن مصير الثقافة في الجزائر إذا كان فرحات عباس هو قائد سفينتها وهو رمزها، وقد يؤخذ ذلك على أن الثورة عندئذ لم يكن يهمها الشأن الثقافي على الإطلاق، وإنما الذي كان يهمها هو الشأن السياسي والعسكري، أما الثقافة فقد أسندت إلى الشيخ أحمد توفيق المدني، وهو من جمعية العلماء في الطيف الفكري الذي انبثق عن مؤتمر الصومام، وبالإضافة إلى ذلك فالشيخ المدني من جامع الزيتونة ومن المدرسة الخلدونية حيث ازدهرت الثقافة العربية والعلوم الإسلامية، فما الذي يمنعه من بناء الثقافة الوطنية في عهد الثورة على قاعدة صلبة طابعها ويسمها بميسم الأصالة والتقدم؟ ولكن هناك موانع ومثبطات. فبالرغم من عمق قناعة الشيخ المدني بالانتماء العربي الإسلامي للجزائر وحرارة إيمانه بتاريخها ولغتها فإن شخصيته وماضيه لا تجعلان منه ذلك المدافع الصامد عن هذا الاتجاه، فقد كان هناك من ينظر إليه على أنه (تونسي) منفي في الجزائر، وبهذه الصفة كان عليه أن ينفذ ما يتفق عليه لا أن يبادر أو يفرض رأيه في الشأن الثقافي الجزائري، وقد دأب الجزائريون عامة أيام الثورة على
стр. 4430
إسناد الشؤون الثقافية إلى رجل متكون في المعاهد العربية الإسلامية مما قد يفهم منه احترام الانتماء الثقافي أو يفهم منه عدم الاهتمام أصلا بقضية الثقافة، وهكذا فحين تجددت الحكومة المؤقتة عين السيد عبد الحميد مهري وزيرا للشؤون الثقافية، وهو رجل متخرج من جامع الزيتونة وعميق الإيمان بالثقافة العربية كما أنه من عائلة متدينة، وأذكر أن فروع اتحاد الطلبة في الخارج كانت تسند النشاط الثقافي أيضا إلى أحد الطلاب المتخرجين من معهد عربي إسلامي، كلما أمكن ذلك. ويخبرنا أحمد توفيق المدني في مذكراته أن المصريين كانوا يعارضون تعيين فرحات عباس على رأس الحكومة المؤقتة، لأنهم كانوا لا يثقون فيه، كما أنه كان لا يثق فيهم، فهم يرون الذين قاموا بالثورة أول مرة أحق منه بهذه المهمة، وينظرون إليه على أنه مندس من أجل تحويل مسار الثورة نحو الغرب وليس نحو المشرق والعروبة، ومن رأي المدني أن المصريين قد أخفقوا في معارضتهم تعيين فرحات عباس. قام المدني نفسه بتعريب بيان الحكومة المؤقتة يوم ١٩ ستمبر ١٩٥٨ ووزعه على الصحفيين العرب والغارات العربية والسلطات المصرية، واعترفت الجمهورية العربية المتحدة والعراق وباكستان وليبيا واليمن بالحكومة المؤقتة، ولا يتحدث البيان الحكومي عن هوية الجزائر على الإطلاق، وهو أمر يثير الدهشة بالنسبة لثورة تكافح من أجل استعادة الاستقلال الذي يعني استعادة الأصالة والهوية الوطنية، ثم وجه فرحات عباس إلى جمال عبد الناصر رسالة خاصة قام المدني بتعريبها أيضا، كما وجه عباس رسائل أخرى إلى رؤساء وملوك العرب، وكانت الرسالة مرفقة بمذكرة قانونية صاغها القانوني محمد البجاوي مع قائمة بأسماء الوزراء، وقد جاءت في هذه الرسالة عبارات غامضة مثل إن استقلال الجزائر سيكون عامل استقرار في المغرب العربي وفي البلدان العربية كلها (التي نعتبرها وحدة لا تتجزأ)، وفي هذه الرسالة طلب أو رجاء أن تكون الجمهورية العربية المتحدة أول من يعرف بهذه الجمهورية (الجزائرية)
стр. 4431
الفتية التي نشأت في الجهاد وآمنت بمستقبل العروبة الخالد، كما آمنت باستقلال الشعوب وبالسلام العالمي)، وكل هذه عبارات سياسية ودبلوماسية لا شأن للغة المشتركة فيها ولا خيار الجزائر الثقافي وسط المد الثوري الذي تصنعه حركات التحرير في العالم. وعند أول اجتماع للحكومة المؤقتة (٢٠/ ٠٩/ ١٩٥٨) طالب أحمد توفيق المدني بوقف إضراب الطلبة عن الدروس في جامعة الجزائر لأن الجبهة هي التي أمرت به وأن الاتحاد صادق عليه، وأن الجبهة هي التي أمرت الطلبة بالالتحاق بجيش التحرير، وبعد المناقشة وافقت الحكومة على دعوة طلبة جامعة الجزائر لاستئناف دراستهم (١) وربما يعتبر ذلك من أهم قرارات الحكومة المؤقتة بشأن مظهر من مظاهر الثقافة وهو التعليم (٢).
أعلنت الحكومة المؤقتة في أول تصريح بعض توجهاتها الفكرية وتحدثت عن الروابط الحضارية بين الجزائر والشعوب العربية، كان التصريح واضحا هذه المرة في أنه يؤسس لعلاقات جديدة ويذكر بعلاقات قديمة، فمن حيث البناء الإيديولوجي قال التصريح إن الشعب الجزائري يريد إقامة جمهورية ديموقراطية واجتماعية تأسيسا على ما جاء في بيان أول نوفمبر، وعن شعوب تونس والمغرب والجزائر قال إن لها مصيرا مشتركا عبر العصور وإن الجزائر جزء لا يتجزأ من المغرب العربي ... وهي تتقاسم مع شعوبه (التراث الرائع للحضارة العربية الإسلامية).
. وأضاف التصريح أن الشعب الجزائري (المتعلق بحضارته ينتمي إلى الوطن العربي، فهذا الوطن واحد ومن الخطأ السياسي محاولة تقسيمه،) وأضاف أن التضامن العربي ليس كلمة جوفاء، ونوه بفضل الشعوب الشقيقة وحكوماتها وما قامت به نحو الشعب الجزائري حتى أصبح
стр. 4432
قريبا من بلوغ هدفه .. ومن ثمة فإن الشعب الجزائري يعترف بدينه الكبير لجميل الشعوب العربية ... ونحن إذا تأملنا في النصوص المختلفة التي تحدثت عن الثقافة والروابط الحضارية ربما نجد النص الذي أوردناه الآن أكثر النصوص صراحة ووضوحا (١).
وفي رسالة وجهتها الجبهة إلى الفرنسيين قالت إن الثورة ليست حربا دينية بل هي ثورة تحريرية، وتحدثت بلغة دبلوماسية عن أن فرنسا يمكنها الاحتفاظ في العالم الإسلامي بسمعة طيبة إذا ما تخلت عن سياسة القوة في الجزائر، إن على فرنسا أن تنضم إلى سياسة الصداقة والتعاون الحر .. انطلاقا من شرارة الاتصال بين حضارتين .. تلك هي (وجهة المغرب العربي كهمزة وصل بين ثقافتين وبين عالمين)، ووعدت الرسالة بأن الجزائر المستقلة ستقيم (علاقات ودية مع القطرين الآخرين في المغرب العربي ومع بلدان المشرق الشقيقة للشعب الجزائري في تقاليده العربية الإسلامية)، ونحن هنا أمام التزامات واضحة بتعاون الحضارات وتفاهمها بدل تصادمها، كما أننا أمام مشروع يجعل المغرب العربي صلة وصل بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط كما أنه يفعل ذلك بالتكاتف أيضا مع أشقائه في المشرق العربي الذي ينتمي وإياه لحضارة واحدة هي الحضارة العربية الإسلامية (٢).
في افتتاح المؤتمر الرابع للاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين الذي عقد في بئر الباي بتونس سنة ١٩٦٠، ألقى السيد فرحات عباس كلمة الحكومة المؤقتة وعرج فيها على قضايا ثقافية توضح فكر الثورة وهي في معمعانها، فقد رجع بالطلبة إلى سنوات العشرينات من القرن الماضي عندما كان طالبا ولم يسمح لهم كجزائريين بتكوين اتحاد خاص بهم، وروى أنه ترأس سنة ١٩٢٦
стр. 4433
جمعية (ودادية) الجزائريين وساهم في تحويلها إلى (جمعية الطلبة المسلمين)، كما شارك في تأسيس جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين بباريس، وقال إنهم واجهوا عندئذ مشاكل عديدة مثل (مشكلة المحافظة على الثقافة واللغة العربية)، وأضاف أن الاستعمار قد بذل كل جهوده للقضاء على ثقافتنا القومية قصد إحلال الثقافة واللغة الفرنسية محلها من الناحية النظرية، لأن الاستعمار في الواقع منع الجزائريين من تعلم لغتهم دون أن يعلمهم لغته، والذي يرجع إلى أدبيات العهد الذي يتحدث عنه فرحات عباس يدرك أن المعركة الثقافية كانت تثشكل جوهر القضية الوطنية سواء بالنسبة لمن درسوا بالفرنسية أو من درسوا بالعربية، فالسؤال كان دائما: كيف يسترد الشعب الجزائري هويته العربية الإسلامية (١).
وفي نفس المؤتمر ألقى وزير الثقافة عندئذ السيد عبد الحميد مهري كلمة وزارته وتحدث عن المسألة الثقافية أيضا، ومن رأيه أن المثقفين بالثقافة العربية متصلون بالأمة والتراث ولكنهم مفصولون عن العصر، وأن الطلبة المثقفين باللغات الأجنبية متصلون بالعصر ولكنهم مفصولون عن الأمة وتراثها، وهذه معادلة صعبة، فمن هو الأقرب إلى تمثيل هوية الشعب الجزائري: من تمثل حضارته أو من تمثل حاجة العصر؟ لقد وجد الطبيب الشيوعي الصادق هجريس نصف الجواب عندما أطلق على الصف الأول في المعادلة (حراس الظل) أي حماة التراث العلمي والديني للحضارة العربية الإسلامية (٢)، ولا نظن أن هناك اختبارا لهذا الصنف أو ذاك لأن فلاسفة الاحتلال قطعوا المدد عن الاثنين فلم يتركوا الصنف الأول ليطور تراثه ولم يفسحوا المجال للصنف الثاني ليوظف مواهبه، ومهما كان الأمر فإن الوزير مهري قد حث هؤلاء وأولئك على استكمال النقص عند كل منهم، ورأى في المؤتمر بادرة لتدارك ذلك النقص، فهو مؤتمر جمع بين طلبة من بلد واحد ويدرسون في بلاد مختلفة، ولكنهم سيصبحون قادة
стр. 4434
لبلد واحد، وقال ردا على ما كان يشيعه أنصار الجزائر الفرنسية: إننا (لا نفكر في بناء الجزائر على أسس عنصرية أو دينية متعصبة ... بل نبني جمهورية متصلة بماضينا وحاضرنا، ومتصلة بقوميتنا وثقافتنا العربية الإسلامية).
الثقافة في تقرير لجنة صبيح
أثناء المفاوضات في إيفيان بين الوفدين الجزائري والفرنسي تكونت لجنة في الرباط بالمغرب تتألف من ستة أشخاص مهمتها، فيما يبدو، هي وضع تصور للمسألة الثقافية بما فيها المنظومة التربوية، لكي يهتدي بها الوفد الجزائري المفاوض، وكانت اللجنة تتألف من ميسوم صبيح، مقررا، وأحمد الأخضر، ومحمد الليشاني، وعلال سعدون، وعبد القادر بوسلهام، وقادة بوطارين، والأخير هو الذي كان يترأس الجلسات، ولا ندري من عين هذه اللجنة ولكن مهمتها واضحة، وهي اقتراح بروتوكول ثقافي للوفد المفاوض يتضمن مبادى ومعطيات المشروع الثقافي والتعليمي بعد الاستقلال، مستفيدة من تجربة المفاوضات بين المغرب وفرنسا، قسم أعضاء اللجنة هذا البروتوكول إلى قسين أو فصلين:
- التعليم الوطني.
- الأنشطة الثقافية الأخرى. وحين وصل الحديث إلى الثقافة قالت اللجنة إنها قامت بإجراء مسح للإنجازات الثقافية لفترة مائة واثنين وثلاثين سنة من الاحتلال الفرنسي، واعتذروا عن عدم وجود الأرقام، ولكنهم سجلوا محطات رئيسية، وبذلك قدموا خدمة لمواصلة البحث المعمق في الفترة التالية، لكن تقرير هذه اللجنة لا يحتوى سوى على ثلاث صفحات، ثم إن البروتوكول نفسه غير متوفر في العلبة التي رجعنا إليها، ولم يتحدثوا في التقرير عن اللغة بتاتا، ولا عن نوعية الثقافة ولا عن برنامج التعليم إلا بطريقة عابرة، ولا يتضمن المدخل سوى العنوان وهو (بروتوكول اتفاق ثقافي للفترة الانتقالية)، ولعل المقصود بهذه
стр. 4435
الفترة هي ما بين وقف إطلاق النار وإجراء الاستفتاء، ولكننا نستبعد ذلك لقصرها وعدم أهميتها بالنسبة لما سيتلو من الأيام، لذلك نرى أن الفترة الانتقالية المقصودة هي المرحلة التي تلي الاستقلال بسنوات، ومهما كان الأمر فإن التقرير بدأ بديباجة وانتهى بمجموعة من الملاحق، وهي:
- نظرة عن الإنجازات التعليمية والثقافية في الجزائر.
- مذكرة عن التعليم في المغرب.
- مذكرة عن التعليم في تونس.
- مذكرة عن المبادى والتكتيك.
- مذكرة عن تسيير وزارة التربية الوطنية (١) ...
في ٢٢ مايو ١٩٦١ قدمت اللجنة توصيات تتعلق بمشروع الاتفاق الثقافي الفرنسي - الجزائري (كذا) كما يمكن توقيعه بين الحكومتين في إطار المفاوضات إما الآن وإما غداة تقرير المصير، وقد أرفقت اللجنة وثائق داعمة مع تقريرها لتبرير توصياتها ومنها الاتفاق الفرنسي - المراكشي، وقالت إنها استلهمت هذا الاتفاق بتوسع، والواقع أن اللجنة قد درست مشروعين الأول على أساس أنه سيكون هناك تعاون بسيط بين الجزائر وفرنسا في المجال الثقافي، والثاني على أساس الشراكة أو التعاون الوثيق، لكن اللجنة مالت وعملت على أساس الشراكة الثقافية، وفي نهاية المطاف وقع مسؤول البعثة الجزائرية في المغرب على التوصيات النهائية (٢).
كتب التقرير السيد ميسوم صبيح مقرر اللجنة الثقافية، وقد قام رئيس بعثة المغرب للخارجية الجزائرية بإرسال التقرير إلى الوفد المفاوض في جنيف، والهدف منه هو مساعدة الوفد على توقيع اتفاق شراكة ثقافية مع فرنسا، وقد خص التقرير خدمة المفاوضات في المرحلة الانتقالية وليس مرحلة الاستقلال
стр. 4436
على أساس أن الخصم تهمه مصالحه في المرحلة الأخيرة فإذا ضمنها فإنه سيسرع بالمفاوضات وإلا فإنه سيتباطأ فيها، ولكننا لاحظنا أن التقرير يتحدث أيضا عن التعاون والشراكة غداة الاستقلال أيضا، وأشار تقرير البعثة إلى شخصين اعتمد عليهما في صياغة التقرير وهما السيد ميسوم صبيح الذي له خبرة أربع سنوات خدمة في وزارة التربية المغربية حيث كان مكلفا بالشؤون التشريعية، والثاني السيدة ابن تومي التي قدمت دراسة عن وضع الأقليات الأوروبية في الجزائر ومصيرها وكيف يمكنها أن (تساهم عضويا) في الدولة الجزائرية المستقلة، وقد أرسل مسؤول البعثة نسخة من عمل السيدة ابن تومي إلى الوفد دون إدماجه في تقرير اللجنة، وتاريخ التقرير الصادر عن مسؤول البعثة هو ١٥ مايو، ١٩٦١، الرباط، والتقرير مختوم بختم البعثة. ورغم أهمية تقرير اللجنة فإنه لم يحدد المرجعية الثقافية للشعب الجزائري لينطلق منها في استشراف المستقبل، وسنحاول رصد ما في التقرير المطول من نقاط ثم نعود إليه بالتحليل، يقول القرير:
- إن مائة وثلاثين سنة من الاحتلال الفرنسي هي المدة التي منع فيها الجزائري من الإبداع ومن النمو، وهي التي تميزت بظهور (الروح) الجزائرية نتيجة القمع، فعلى المفاوض أن يصل إلى بروتوكول خلال المرحلة الانتقالية بإزالة عدم التوازن الموجود حاليا بين اللغتين الفرنسية والعربية.
- فيما يتعلق بالتعليم والتربية الوطنية هناك قسمان وهما التسيير الإداري والتعليم المعروف، فالإدارة يجب أن تكون جزائرية والكف عن كونها مؤسسة تابعة لوزارة فرنسية، بل عليها أن تسمى بوزارة جزائرية للتربية الوطنية، وعلى المفاوض أن يلح بأن يتولى هذه الوزارة جزائري من أهل البلد بلقب وزير أو يتولى الإدارة العامة للتعليم التي ستنشأ والتي ستتولى الإشراف على كل التعليم.
- على المفاوض أن يستوحي مسألة التربية والتعليم من إنشاء تعليم إجباري
стр. 4437
باللغة العربية، وهي اللغة الوطنية، بمعدل خمس ساعات في تعليم المستوى الابتدائي وسبع ساعات في تعليم المستوى الثانوي وتوسيعه إلى التعليم العالي، ولتحقيق ذلك يجب إجراء امتحان دخول باللغة العربية إلى كل الامتحانات المهنية للوصول إلى الوظيف العمومي، ويجب ألا تنسى البربرية التي هي اللغة الأم لعدد كبير من المواطنين، فيجب أن يوجد لها مكان في التعليم العالي لكي تحفظ وتتطور، كما يطلب من السلطات الفرنسية تنظيم تعليم اللغة العربية لأطفال وكبار الجزائريين بفرنسا، على أن تكون مصاريف هذا النوع من التعليم في فرنسا من الحكومة الجزائرية أو من الجالية نفسها في حالة ممانعة فرنسا.
- إعطاء الحرية لهذا التعليم في المدارس الخاصة، لا سيما بالنسبة للتعليم الديني، وهذا يعني حرية الدين الإسلامي مما يترتب عليه إعادة الأوقاف للدولة الجزائرية التي صادرتها فرنسا، أو الحصول على تعويض يماثلها، وإعادة فتح المدارس المغلقة منذ ١٩٥٤ بإجراء إداري، مع إصلاحها وترميمها.
- إعادة النظر في البرامج والكتب سيما المتعلقة بالتاريخ والجغرافيا لتصفيتها من الشوائب والأخطاء وتخليصها من الأفكار المضللة أو المضرة بالمجموعتين الجزائريتين والتي تتعارض مع وحدة السكان، وإدخال تعليم مدني ينسجم مع المثل الأعلى الجزائري (؟)
- التخلص من الأحكام المسبقة التي عانى منها الجزائريون منذ فاتح نوفمبر ١٩٥٤، وذلك بإعطاء الأولوية في التعليم للذين عانوا من الحرب والسجون والمحتشدات أو الذين كان عليهم مغادرة البلاد إلى الخارج، لكي يندمجوا ويصنفوا ويعوضوا. كما أوصى التقرير بدمج المعلمين الذين كانوا في المدارس المغلقة بإجراءات قمعية، في التعليم العام، لكن بشرط أن تجرى لهم دورات تربوية
стр. 4438
مناسبة، لكي يعوضوا النقص في المعلمين، وهو أمر ضروري في تعليم سيتوسع باللغة العربية.
وأشار التقرير إلى ضرورة إجراء امتحانات استدراكية لتلاميذ الثانوي والعالي، وهي الامتحانات التي تأخرت نتيجة الثورة، كما يجب زيادة المنح، ونفس هذا الامتياز ينطبق على الطلاب الفرنسيين الذين تبنوا قضية الجزائر.
ومن جهة أخرى تكلم التقرير عن الشباب والحركات الشعبية والرياضية وعن المراكز الاجتماعية ومكافحة الأمية، وعن فتح المجال أمام المراكز الثقافية الأجنبية والسماح لها بإنشاء المعاهد والمكتبات ... وعن تنشيط فتح النوادي الجزائرية لتشكيل الإنسان الجزائري الجديد، وتوفير المكتبات، وسحب بعض الكتب من التداول وإضافة أخرى كالتي تعالج الجغرافيا والتاريخ، ومراجعة التشريعات القائمة فيما يتعلق بفتح المقاصف (الملاهي) ..
كما ألح على العناية بالفن والفولكلور وحصره في الشعر والأغاني والموسيقى والرقص والمسرح الشعبي والمنمنمات والتصوير والفنون التقليدية ذات الطابع الفني، ووعد بأن هذه الأمور ستجمع تحت إدارة مشتركة تقدم إلى أصحابها كل تشجيع وتعطيهم دفعة جديدة، وتحدث التقرير عن الصحافة والإذاعة والسينما باعتبارها أدوات إعلامية صرف أو باعتبارها ذات تأثير ثقافي، فهذه الوسائل الإعلامية الثلاث تلعب دورا ثقافيا هاما في الحياة العصرية.
وقد أدى هذا باللجنة إلى أن تقترح أن يكون هناك مسؤول جزائري للإعلام تساعده لجنة إدارية تخدم نفس الغرض (السينما، الصحافة، الإذاعة) خلال الفترة الانتقالية.
وأوصى التقرير بمنح الحرية لكل إنتاج أدبي أو فني أو إعلامي أو تربوي أو علمي بشرط ألا يسيء للأخلاق العامة والوحدة الوطنية، وبشرط أن يظل يسير في اتجاه التخلص من الاستعمار ... وأن تظل جبهة التحرير هي المؤهلة
стр. 4439
للإنتاج المتعلق بالنشر والتوزيع، ودعا إلى رفع الحظر المضروب على المنشورات المطبوعة في الخارج، خصوصا باللغة العربية، بحيث تدخل الجزائر مختلف الأعمال التربوية والمؤلفات والخرائط والأفلام والأقراص والأشرطة ...
فيما يتعلق بالإذاعة ذكر التقرير أنه من المحتم إعادة النظر في حجم الساعات وإدخال الجزائريين في خدمتها إلى الحد الأقصى، وتقوية الإرسال ودعم الحصص باللغة العربية وتطويرها، كما طالب بوضع برنامج لتوجيه الحصص الأدبية والعلمية والمسرحية نحو التربية المدنية للجماهير ودعم الروح الوطنية.
واهتم التقرير حتى باللحن المميز للإذاعة فطالب بتغييره وإدخال النشيد الوطني الجزائري في برامج الإذاعة، وإشعار السلطة الفرنسية بعدم التدخل في الحصص الجزائرية، (أثناء المرحلة الانتقالية؟).
وبناء على التقرير فإنه توجد حاليا وكالة الأخبار الفرنسية A. F. P التي تحتكر أحداث الجزائر، وهي معروفة الصلة بالحكومة الفرنسية والدوائر الاستعمارية ... فمن الضروري الحد من نشاطها بتنظيمات جديدة محددة في انتظار إنشاء وكالة جزائرية فريدة مزدوجة اللغة، يقول التقرير ذلك مع أن أصحابه يعرفون أن للجزائر عندئذ وكالة رسمية للأنباء (١).
الثقافة في اتفاقيات إيفيان
بالرجوع إلى نصوص هذه الاتفاقيات نلاحظ أنها:
لم تكتب باللغة العربية ولم تترجم إليها قبل التوقيع عليها وأن الوفد الجزائري المفاوض كان حاضرا وكأنه يمثل بلادا فرنكفونية مثل كندا أو بلجيكا.
стр. 4440
فكان يتخاطب مع الفرنسيين ويحرر وثائقه ومعاهداته بلغتهم لا بلغته. فموضوع السيادة اللغوية كان غائبا لدى الوفد.
والغريب أنه لم ينص في الاتفاقيات على أن العربية ستكون لغة الجزائريين في التعليم والإدارة والمعاملات بحيث لم تذكر العربية سوى مرة واحدة، فقد جاء في إعلان المبادى أن المناهج التي تسير عليها المنشآت التعليمية التي تؤسسها كل بلاد في البلد الآخر تعلم لغة الآخر - فالجزائر تعلم العربية في مدارسها بفرنسا وفرنسا تعلم العربية في مدارسها بالجزائر، كما نص على أن كل بلد يشجع دراسة اللغة والتاريخ وكذلك الحضارة الخاصة بالبلد الآخر.
وقد ركزت الاتفاقيات على احترام وتعليم اللغة الفرنسية في الجزائر بالنسبة للفرنسيين الذين كان متوقعا بقاؤهم بعد الاستقلال سواء كانوا من حملة الجنسية الفرنسية أو الذين اختاروا الجنسية الجزائرية، بحيث يمارسون اللغة الفرنسية في الحياة السياسية والإدارية والقضائية والتعليم.
ويفهم من سياق النص وإلحاح الصائغ أن الثقافة الفرنسية، ممثلة في التعاون العلمي والتعليمي والتقني والفني ستكون هي السيدة في الجزائر.
وإليك بعض التفاصيل، فالاتفاقيات نصت على أن تضمن الجزائر مصالح فرنسا والحقوق المكتسبة للأفراد الحقيقيين والمعنويين بالشروط التي تحددها هذه الاتفاقات، فإذا فعلت الجزائر ذلك فإن فرنسا ستقدم إليها المساعدة الفنية والثقافية ... وبعد الحديث عن التعاون الاقتصادي والاجتماعي والمالي تقول الاتفاقيات إن فرنسا ستبقى على القوانين واستغلال ثروات الصحراء والتعدين وأنها مع الجزائر ستبقى العلاقات الثقافية بحيث يستطيع كل بلد إنشاء مكتب ثقافي وجامعي في البلد الآخر، وهذه المنشآت ستفتح أمام الجميع، وتتعهد فرنسا بتقديم مساعدتها لإعداد الفنيين الجزائريين وستضع الحكومة الفرنسية موظفين فرنسيين لدى الحكومة الجزائرية، وخاصة المدرسين والفنيين (١).
стр. 4441
وفيما يتعلق بالمعتقدات وحرية التعليم واللغة الفرنسية نصت الاتفاقيات على ضرورة التقيد بحرية المعتقدات للجزائريين الذين سيخضعون للقانون المدني العام (أي الفرنسيين الذين سيصبحون جزائريين)، وكذلك ضمان حرية إقامتهم للشعائر الكاثوليكية والبروتيستانتية واليهودية، وحرية تنظيم هذه المعتقدات وممارستها وتعلمها وحرمة أماكن العبادة، لقد وردت هذه العبارات رغم أن فرنسا طبقت فصل الدين عن الدولة منذ ١٩٠٥ على النصرانية واليهودية ولم تطبقه على الإسلام، كما عرفنا، ومما يلاحظ أن الوفد الجزائري لم يحرص على تضمين نصوص مشابهة في الاتفاقيات بالنسبة للجزائريين الذين يعيشون في فرنسا، فهؤلاء الجزائريون ليس لهم ضمانات لإقامة شعائرهم الدينية وحرية بناء المساجد مثلا، وتعلم دينهم ولغتهم، كما حرص الوفد الفرنسي.
كما حرص الوفد الفرنسي على أن النصوص الرسمية التي تصدرها الحكومة الجزائرية المقبلة تنشر أو تبلغ باللغة الفرنسية وباللغة الوطنية (كذا) أيضا (دون تسمية هذه اللغة ولا الحديث عنها من قبل)، كما تستخدم اللغة الفرنسية في المعاملات بين المرافق العامة الجزائرية وبين الجزائريين الخاضعين للقانون المدني العام، ولهؤلاء الجزائريين الحق في استخدام اللغة الفرنسية، خاصة في الحياة السياسية والإدارية والقضائية، كما سبق، بمعنى آخر أنهم غير ملزمين بتعلم اللغة العربية ولا باستعمالها في مختلف أنماط حياتهم.
إن الوفد الجزائري قد غض الطرف عن مسألة أخرى هي المنشآت التعليمية، فللفئة الفرنسية الباقية في الجزائر الحق في اختيار منشآت التعليم وأنظمته، كما لها الحق في إنشاء وإدارة المؤسات التعليمية الخاصة بها، ولها الحق كذلك في الالتحاق بالأقسام الفرنسية التي ستنظمها الجزائر في منشآتها التعليمية طبقا لما جاء في إعلان المبادى الخاصة بالتعاون الثقافي، وإضافة إلى ذلك فإن على الإذاعة والتلفزيون تخصيص جزء من إذاعتها باللغة الفرنسية
стр. 4442
يتناسب مع أهمية هذه اللغة في الجزائر (كذا) (١).
وتستمر الاتفاقيات في إعطاء الأولية للغة الفرنسية بقولها إن الرعايا الفرنسيين لهم الحق في استعمال اللغة الفرنسية في جميع علاقاتهم مع القضاة والإدارة، ولهم الحق أيضا في فتح منشآت تعليمية خاصة بهم وأداتها للبحث والتعليم، ومن جهة أخرى على الجزائر أن تفتح لهم أبواب مؤسساتها التعليمية، ولهم الحق أيضا في الالتحاق بالأقسام الفرنسية المذكورة في إعلان المبادى الخاصة بالتعليم المجاني (٢).
وإعلان المبادى الذي طالما أشارت إليه الاتفاقيات ينص - في المجال الثقافي - على أن فرنسا ستمد الجزائر بالمدرسين والفنيين والوسائل اللازمة لتطوير التعليم والبحث، بما في ذلك التفتيش وإجراء المسابقات والامتحانات، وللبلدين الحق في إقامة منشآت تعليمية ومعاهد جامعية في البلد الآخر، ولرعايا كل بلد حرية الالتحاق بهذه المنشآت والمعاهد.
وستتضمن هذه المنشآت مناهج تسير على ضوئها في التعليم، بما في ذلك تعليم اللغة العربية في الجزائر واللغة الفرنسية في فرنسا، على أن يشجع كل من البلدين في أرضه دراسة اللغة والتاريخ والحضارة الخاصة بالبلد الآخر (٣).
إن مقارنة بسيطة بين نصوص وبرامج الثورة من بيان أول نوفمبر إلى برنامج طرابلس تساعد على تحديد مسار الثورة الفكري، هل كانت تسير وفق استراتيجية واضحة منذ البداية بحيث تقف على أرضية إيديولوجية راسخة محددة المعالم، كما ذهب إلى ذلك ابن خدة وحتى فرحات عباس ومن سار على رأيهما، أو كانت ثورة تحريرية عليها بعد استرجاع الاستقلال فقط أن
стр. 4443
تتحول إلى ثورة عقائدية كما ذهب إلى ذلك محررو برنامج طرابلس الذي وافق عليه أعضاء مجلس الثورة بالإجماع، وهو البرنامج الذي اختار المذهب الاشتراكي للثورة العقائدية رغم اعترافه بأن الشعب الجزائري كان معتزا بانتمائه إلى الحضارة العربية الإسلامية وأنه عبر عن هذا الاعتزاز والارتباط قبل الثورة حين أنشأ المدارس العربية الحرة التي بناها من تبرعاته وصانها.
والغريب أن يكتفي محررو برنامج طرابلس بهذه الإشارة إلى تعلق الشعب بانتمائه الحضاري دون الرجوع إلى المرجعيات الأساسية المتمثلة في عرائض النخب المدنية خلال القرن التاسع عشر، وهي العرائض المطالبة بالتعليم العربي الإسلامي وإعادة الأوقاف إلى أهلها المسلمين ليوظفوها في التعليم كما كانوا في السابق، ولم يشيروا إلى مقاطعة المدارس الفرنسية في الأرياف، واغتراب الجزائريين من أجل التعلم في المعاهد الإسلامية التي اختفت من بلادهم ... ورفض الشعب التخلي عن أحواله الشخصية الإسلامية رغم المغريات بمنح المواطنة الفرنسية والتمتع بجميع الحقوق التابعة لها، كما حصل مع يهود الجزائر.
ولك بعد ذلك أن تقارن بين حرص الوفد الفرنسي على الحصول على امتيازات وضمانات للغة والثقافة الفرنسية في اتفاقيات ايفيان في الجزائر المستقلة وبين تحفظات وتحذيرات اللجنة التي صاغت برنامج طرابلس فيما يتعلق باللغة العربية وموافقة المجلس الوطني عليها.
العلاقة الثقافية بين ما جاء في تقرير صبيح واتفاقيات إيفيان
في التصريح الذي أعلنته الحكومة المؤقتة للشعب الجزائري غداة التوقيع على اتفاقيات إيفيان ووقف إطلاق النار جاء أن الاتفاقيات قد حققت: الوحدة الترابية، واستقلال الجزائر، والاعتراف بوحدة الشعب الجزائري، وتخلي فرنسا عن مفهومها القاضي بأن الجزائر خليط من الجاليات المختلفة، والاعتراف بالشخصية الوطنية للشعب الجزائري صاحب الثقافة العربية الإسلامية التي
стр. 4444
التحمت في لهيب المعركة من أجل الاستقلال (١).
وإذا كانت العناصر الأربعة الأولى في هذا التصريح لا تهمنا هنا فإن العنصر الخامس يهمنا لأنه يحتوي على عبارة مفتاحية وهي أن الشعب الجزائري هو صاحب الثقافة العربية الإسلامية وأن هذه الثقافة قد انصهرت عبر الزمن في لهيب المعركة، والمتأمل جيدا في هذه العبارة يلاحظ عليها عدة ملاحظات.
أولا: الاعتراف بأن الشعب الجزائري يمثل الثقافة العربية الإسلامية، ومن ثمة فهو شعب له هوية أقدم من معركة الاستقلال ومن الاحتلال.
ثانيا: أن وحدة الشعب قد التحمت ليس بالإجراءات والتلفيق والتفاهمات ولكن في المعارك الحديثة والقديمة دفاعا عن هويته واستقلاله.
ثالثا: كان المتوقع ألا يتقيد المفاوضون بين الوحدة والثقافة والهوية وبين معركة الاستقلال، ذلك أن الشخصية الوطنية ليست وليدة ثورة نوفمبر وحدها ولكنها ممتدة عبر عصور طويلة.
إلى أي مدى تضمنت اتفاقيات إيفيان محتوى تقرير اللجنة الثقافية التي أسميناها بلجنة ميسوم صبيح؟ إن على المرء أن يعود إلى الاتفاقيات ويقارن بين ما أخذ به الوفد المفاوض وما تركه في الأرشيف، ثم إن الاتفاقيات وما حوته يتعلق بعهد الاستقلال، ونحن إنما ندرس فترة الثورة نفسها.
أما التقرير فقد تضمن تركيزا خاصا على أمور نريد إجمالها فيما يلي:
- التعليم الوطني (الاستعمار منع الجزائريين من التعلم طيلة ١٣٠ سنة).
- عدم تحديد المرجعية الثقافية.
- ضرورة إدارة جزائرية للتعليم (وزارة) أو إدارة عامة بإشراف جزائري.
- على المفاوض أن يصل مع الطرف الآخر إلى النص على مرحلة انتقالية لسد الخلل الذي تركته ١٣٠ سنة بالنسبة للغة العربية والفرنسية.
стр. 4445
- على المفاوض أيضا أن يستوحي (يوجه) التربية والتعليم من إنشاء تعليم إجباري باللغة العربية، وهي اللغة الوطنية، وذلك بجعلها إجبارية في كل امتحان دخول إلى الوظيف العمومي، دون نسيان اللغة البربرية التي هي اللغة الأم لعدد كبير من المواطنين، فيجب أن يوفر لها مكان في التعليم العالي، لكي تحفظ وتطور، ويطلب المفاوض الجزائري من فرنسا أيضا تعليم اللغة العربية لأطفال وكبار الجزائريين لفرنسا، على أن تكون مصاريف هذا التعليم على الحكومة الجزائرية أو على الجالية.
- إعطاء الحرية للتعليم الخاص، سيما التعليم الديني، وهذا يعني حرية الدين الإسلامي وهو يعني أيضا إرجاع الأوقاف للدولة الجزائرية أو تفويضها.
- إعادة النظر في كتب التاريخ والجغرافية.
- تعيين مسؤول جزائري في الإعلام خلال المرحلة الانتقالية، (والإعلام هنا يعني الإذاعة، السينما، الأفلام، الفنون الشعبية.
الثقافة في نصوص الطلبة
إذا كان يهمنا رأي جميع شرائح القيادة الجزائرية في الثقافة الوطنية أثناء الثورة، فمن باب أولى يهمنا رأي الطلبة الذين هم الشريحة الأقرب إلى المسألة الثقافية ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وقد قال الطلبة كلمتهم في الثقافة في مناسبات عديدة، ونريد أن نرصد بعض آرائهم التي عبروا عنها في لوائحهم وبياناتهم وتصريحات قادتهم، خصوصا وأن بعضهم قد أصبح بعد الاستقلال مسؤولا في الدولة التي ناضل من أجلها وأتيحت له فرصة خدمة أو عرقلة الفكرة التي آمن بها أثناء الثورة.
في اللائحة المتعلقة بالعالم العربي الصادرة عن مؤتمر الطلبة الرابع أن المؤتمر (يؤكد من جديد على تعلقه بالثقافة العربية الإسلامية وبوحدة العالم العربي ... لأن الجزائر تعد جزءا لا يتجزأ من العالم العربي بتاريخها وتقاليدها
стр. 4446
وثقافتها العربية الإسلامية) (١).
كما وجه اتحاد الطلبة مذكرة إلى هيئة الأمم المتحدة حلل فيها الوضع الثقافي والتعليمي في الجزائر عشية عرض قضيتها على الجمعية العامة، وقد اشتكى الطلبة من الاضطهاد الثقافي:
- فرض الاستعمار مبادى ثقافية وأدخل قيما أجنبية على الشعب بعد تجريده من حضارته.
- صير الاستعمار اللغة الوطنية لغة أجنبية، بينما هي الوعاء لحضارته، وهو تصرف يرمي إلى محو الشخصية الجزائرية.
- عند الاحتلال وجدت فرنسا شعبا له حضارته العريقة وقيمه، شعبا متعلما وليس أميا.
- نتيجة الحروب هدمت المدارس والمراكز الثقافية واغتصبت الأوقاف التي كانت في خدمة الثقافة والعبادة.
- التعلم السائد في الجزائر ليس له خصوبة بل هو تعلم مطابق لما هو في فرنسا - فهو يهدف إلى إدماج الجزائريين لأنه تعليم موقوف على الفرنسيين، ولم يستفد منه إلا القليل من الجزائريين.
وبعد ذلك قدمت المذكرة إحصاءات عن التعليم بين المسلمين (الجزائريين) والفرنسيين في المستوى الابتدائي والثانوي والعالي والتعليم العربي الحر، وخلصت المذكرة إلى أن نسبة الأمية في الجزائر بلغت ٨٠% (٢).
ونختم علاقة الطلبة بموضوع الثقافة الوطنية برأي أحمد طالب الإبراهيمي باعتباره كان أول رئيس لاتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين وباعتبار تعليقه جاء على نتائج المؤتمر الرابع للاتحاد الذي انعقد في تونس (١٩٦٠) وكان
стр. 4447
الإبراهيمي عندئذ في السجن بفرنسا، فقد كتب إلى رئيس الاتحاد عندئذ وهو مسعود آية شعلال مستغربا كيف لم يتعرض المؤتمر إلى انتساب الجزائر للعروبة والإسلام بينما صرح بذلك كريم بلقاسم أصالة عن الحكومة المؤقتة، وأضاف أنه ليس من حق الاتحاد السكوت على مثل هذه القضية لأن الثقافة هي مجال الاتحاد (ولا مفر من أن يكون لعروبتنا محتوى ثقافي في جوهره) (١).
هذه النصوص كلها تؤكد على انتماء الجزائر الحضاري العربي الإسلامي والإيمان بالوحدة العربية والمصير المشترك، وبأن الجزائر جزء من الأمة العربية الإسلامية، إنها نصوص صيغت في معظمها أيام الكفاح عندما لم يكن هناك مجال للمراوغة والتفلسف البيزنطي، ومع ذلك جاء من يتساءل اليوم عن هوية الجزائر ويثير الشك حول مسألة المواطنة.
للثورة إيديولوجيتها الخاصة ؟
كان السيد ابن يوسف بن خدة مصرا على أن للثورة إيديولوجيتها وقد عبر عن ذلك في كتابه شهادات ومواقف، وابن خدة ليس بالرجل العادي فهو الذي ترأس الحكومة المؤقتة سنة ١٩٦١ وسار بها المشوار الباقي على الاستقلال والذي تمت في عهده مفاوضات إيفيان وصادق في عهده المجلس الوطني للثورة على برنامج طرابلس، ثم إنه قبل هذا وذاك سياسي مثقف ومناضل من الجيل الثاني في حزب الشعب.
فمن رأيه أن للثورة الجزائرية استراتيجيتها وأسلوبها الخاص في مجابهة التحديات .. وقد استطاعت أن تكيف مع الزمن وسائل كفاحها حسب مفهومها الخاص النابغ من إرادتها والمنسجم مع حجم إمكانياتها، والمنبثق من إيديولوجيتها التي أعلنتها منذ الفاتح من نوفمبر ١٩٥٤، ألا وهي الكفاح بجميع الوسائل لتحقيق الهدف المنشود وهو الاستقلال وتكوين دولة جزائرية
стр. 4448
ديموقراطية اجتماعية ذات سيادة في إطار المبادى الإسلامية، (ولقد ظلت جبهة التحرير وفية - في نظره - لهذا المبدأ طوال سنوات الحرب (١).
لقد وضع ابن خدة خطا واضحا بين عقيدة الجماهير وعقيدة النخبة بالنسبة لهذه الإيديولوجية الثورية، فالجماهير كان حافزها الجهاد دون أن يكون في استطاعتها التعبير عما يحتويه من مفاهيم اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية ... أما النخبة، وهو يسميهم قادة المعركة، فقد كانوا في الخارج وكانوا متأثرين بالثقافة الأوروبية ومنها الإيمان بالاشتراكية وفضائلها، ولكن عن حسن نية ...
وربما هذا تبسيط ساذج للموضوع خصوصا عندما يدخل حسن النية، فالاشتراكية قناعة وعقيدة وليست تأثرا يمكن التخلص منه أو حلية تلبس ثم تنزع، وابن خدة نفسه يقول إن قادة المعركة بالخارج لم يحللوا الاشتراكية ولم يتعمقوا في معانيها ويقارنوا بينها وبين الإسلام الذي هو أساس هوية الجزائر الثقافية وضميرها الوطني ... وهنا انعكس التخلف الثقافي الذي كانت فيه البلاد إبان الاستعمار، مما أحدث فجوة وتناقضا بين القمة والقاعدة داخل الثورة، وقد ربط ابن خدة بين الفجوة خلال الثورة وغداة الاستقلال، فبينما استطاعت الجبهة أن تتفادى الخلافات الفكرية الداخلية أثناء الثورة فإنها لم تستطع أن تمنع تفجرها غداة الاستقلال، عندما تحول الأمر إلى صراع على الحكم، وهو الصراع الذي وصفه ابن خدة نفسه بالانقلاب الذي حطم وحدة جبهة التحرير وفتح الباب أمام الانتهازيين والمغامرين وأصحاب المذاهب الأجنبية اليسارية والماركسية وتسرب أصحابها إلى هياكل الدولة والحزب ومراكز القرار والنفوذ، ومن هنا بدأ انحراف الثورة في نظره عن إيديولوجيتها، والملاحظ أن أمثال ابن خدة قليل في الكتاب والمفكرين الجزائريين الذين تمسكوا بأن للثورة فكرها وفلسفتها النابعة من التراث العربي الإسلامي، ولا
стр. 4449
شك أن للتيار اليساري أيضا رأيه في إيديولوجية الثورة، فهي في رأيهم مستمدة من التناقض الطبفي والبورجوازية المدعومة من الاستعمار (١).
الثقافة في الإعلام الرسمي
لعل الحديث عن الثقافة في الإعلام الرسمي لا يتم إلا بربطه بالتعريب، ونعني هنا الإعلام الموجه إلى الشعب الجزائري وإلى جمهور الوطن العربي الذي رأى في الثورة الجزائرية وسيله الخلاص له من ربقة الاستعمار والإمبريالية فاحتضنها، فكيف عالج إعلام جبهة التحرير المسألة اللغوية مثلا؟ إن النشرات الخبرية في صوت الجزائر كانت في الجزائر والبلاد العربية باللغة العربية بالأساس سواء في برامجها أو في عدد حصصها، ونقصد هنا العربية الفصحى والعربية الدارجة، وكانت جريدة المجاهد نفسها مزدوجة اللغة (عربية - فرنسية)، كما كانت معظم النشرات الصادرة عن وكالة الأنباء الجزائرية، وكانت البرامج الموجهة من صوت العرب والإذاعة المصرية الدولية باللغتين أيضا (٢).
وقد أوضح السيد محمد يزيد وزير الأخبار في الحكومة المؤقتة سنة ١٩٥٩ عندما كان يتحدث عن نظام الدعاية والتوجيه الموجه إلى الخارج والداخل قائلا: إن الوسائل الدعائية والنفسية والمادية للحكومة الآن محدودة، ولذلك قررت دعم هذه الوسائل وإمدادها بالقوة البشرية اللازمة، وقال إن إعلامنا موجه إلى الخارج ولا سيما الرأي العام الفرسي، وأن (الشعب الجزائري شعب عربي ولغته (هي) العربية، لذلك تولي وزارة الأخبار عناية خاصة بوسائل تعريب دعايتنا في المنشورات والإذاعات معا،) ومما يلاحظ بهذا الصدد أن هذا التصريح كتبته المجاهد بالحرف الكبير مع صورة الوزير. وفي نظر الوزير يزيد أن لجوء الاستعمار إلى سياسة الاندماج مع طول
стр. 4450
العهد قد أضعفت من الوسائل البشرية في ميدان التعريب، لكن الثورة قد تمكنت من تهيئة الإطارات المعربة الكافية في ميدان الدعاية حتى يكون (باستطاعتنا أن نواجه حاجتنا بعد الاستقلال من الإطارات العربية اللازمة سواء كانت صحافية أو ثقافية) (١).
ولكن الحكومة المؤقتة والمسؤولين في الاجتماعات الرسمية كانوا يتناقشون - كما سبق - باللغة الفرنسية أو كما اتفق، وكانت المحاضر تكتب باللغة الفرنسية بما في ذلك محاضر مؤتمر الصومام واجتماعات المجلس الوطني ولجنة التنسيق والتنفيذ واتفاقيات إيفيان وبرنامج طرابلس وبيان أول نوفمبر، ومعظم هذه النصوص الحيوية عرفت العربية عن طريق الترجمة فقط، كما أن اتفاقيات إيفيان لم تكتب إلا باللغة الفرنسية دون الأخذ في الاعتبار مسألة السيادة التي كان قادة الثورة يلحون عليها، وإذا كانت وثائق الثورة الأخرى (بيان أول نوفمبر والصومام وطرابلس ..) قد كتبت أصلا بالفرنسية ثم ترجمت وكانت وثائق جزائرية محض فإن إيفيان كانت عبارة عن تعاهد بين طرفين بل بين حكومتين، ومع ذلك لم تكتب نسخة منها بالعربية التي طالما تحدث قادة الثورة على أنها اللغة الوطنية المضطهدة للشعب الجزائري ولغة تراثه وثقافته الممتدة عبر العصور.
ويبدو أن المكاتب الإعلامية في البلاد العربية كانت تتعامل باللغة العربية مع سلطات البلاد التي هي فيها ولكنها تتراسل بالفرنسية مع رئاسة الوفد الخارجي قبل تأليف الحكومة ثم مع وزراء الحكومة بعد تأليفها، كما يظهر من وثائق هذه الحكومة المتوفرة الآن في الأرشيف الوطني، وأثناء البحث في الوثائق لاحظنا اختلافا حتى في اتخاذ الأختام الرسمية، فبينما كان ختم وزارتي, الثقافة والخارجية مكتوبا كله باللغة العربية كان ختم وزارة القوات المسلحة