وثقافتها العربية الإسلامية) (١).
كما وجه اتحاد الطلبة مذكرة إلى هيئة الأمم المتحدة حلل فيها الوضع الثقافي والتعليمي في الجزائر عشية عرض قضيتها على الجمعية العامة، وقد اشتكى الطلبة من الاضطهاد الثقافي:
- فرض الاستعمار مبادى ثقافية وأدخل قيما أجنبية على الشعب بعد تجريده من حضارته.
- صير الاستعمار اللغة الوطنية لغة أجنبية، بينما هي الوعاء لحضارته، وهو تصرف يرمي إلى محو الشخصية الجزائرية.
- عند الاحتلال وجدت فرنسا شعبا له حضارته العريقة وقيمه، شعبا متعلما وليس أميا.
- نتيجة الحروب هدمت المدارس والمراكز الثقافية واغتصبت الأوقاف التي كانت في خدمة الثقافة والعبادة.
- التعلم السائد في الجزائر ليس له خصوبة بل هو تعلم مطابق لما هو في فرنسا - فهو يهدف إلى إدماج الجزائريين لأنه تعليم موقوف على الفرنسيين، ولم يستفد منه إلا القليل من الجزائريين.
وبعد ذلك قدمت المذكرة إحصاءات عن التعليم بين المسلمين (الجزائريين) والفرنسيين في المستوى الابتدائي والثانوي والعالي والتعليم العربي الحر، وخلصت المذكرة إلى أن نسبة الأمية في الجزائر بلغت ٨٠% (٢).
ونختم علاقة الطلبة بموضوع الثقافة الوطنية برأي أحمد طالب الإبراهيمي باعتباره كان أول رئيس لاتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين وباعتبار تعليقه جاء على نتائج المؤتمر الرابع للاتحاد الذي انعقد في تونس (١٩٦٠) وكان
стр. 4447
الإبراهيمي عندئذ في السجن بفرنسا، فقد كتب إلى رئيس الاتحاد عندئذ وهو مسعود آية شعلال مستغربا كيف لم يتعرض المؤتمر إلى انتساب الجزائر للعروبة والإسلام بينما صرح بذلك كريم بلقاسم أصالة عن الحكومة المؤقتة، وأضاف أنه ليس من حق الاتحاد السكوت على مثل هذه القضية لأن الثقافة هي مجال الاتحاد (ولا مفر من أن يكون لعروبتنا محتوى ثقافي في جوهره) (١).
هذه النصوص كلها تؤكد على انتماء الجزائر الحضاري العربي الإسلامي والإيمان بالوحدة العربية والمصير المشترك، وبأن الجزائر جزء من الأمة العربية الإسلامية، إنها نصوص صيغت في معظمها أيام الكفاح عندما لم يكن هناك مجال للمراوغة والتفلسف البيزنطي، ومع ذلك جاء من يتساءل اليوم عن هوية الجزائر ويثير الشك حول مسألة المواطنة.
للثورة إيديولوجيتها الخاصة ؟
كان السيد ابن يوسف بن خدة مصرا على أن للثورة إيديولوجيتها وقد عبر عن ذلك في كتابه شهادات ومواقف، وابن خدة ليس بالرجل العادي فهو الذي ترأس الحكومة المؤقتة سنة ١٩٦١ وسار بها المشوار الباقي على الاستقلال والذي تمت في عهده مفاوضات إيفيان وصادق في عهده المجلس الوطني للثورة على برنامج طرابلس، ثم إنه قبل هذا وذاك سياسي مثقف ومناضل من الجيل الثاني في حزب الشعب.
فمن رأيه أن للثورة الجزائرية استراتيجيتها وأسلوبها الخاص في مجابهة التحديات .. وقد استطاعت أن تكيف مع الزمن وسائل كفاحها حسب مفهومها الخاص النابغ من إرادتها والمنسجم مع حجم إمكانياتها، والمنبثق من إيديولوجيتها التي أعلنتها منذ الفاتح من نوفمبر ١٩٥٤، ألا وهي الكفاح بجميع الوسائل لتحقيق الهدف المنشود وهو الاستقلال وتكوين دولة جزائرية
стр. 4448
ديموقراطية اجتماعية ذات سيادة في إطار المبادى الإسلامية، (ولقد ظلت جبهة التحرير وفية - في نظره - لهذا المبدأ طوال سنوات الحرب (١).
لقد وضع ابن خدة خطا واضحا بين عقيدة الجماهير وعقيدة النخبة بالنسبة لهذه الإيديولوجية الثورية، فالجماهير كان حافزها الجهاد دون أن يكون في استطاعتها التعبير عما يحتويه من مفاهيم اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية ... أما النخبة، وهو يسميهم قادة المعركة، فقد كانوا في الخارج وكانوا متأثرين بالثقافة الأوروبية ومنها الإيمان بالاشتراكية وفضائلها، ولكن عن حسن نية ...
وربما هذا تبسيط ساذج للموضوع خصوصا عندما يدخل حسن النية، فالاشتراكية قناعة وعقيدة وليست تأثرا يمكن التخلص منه أو حلية تلبس ثم تنزع، وابن خدة نفسه يقول إن قادة المعركة بالخارج لم يحللوا الاشتراكية ولم يتعمقوا في معانيها ويقارنوا بينها وبين الإسلام الذي هو أساس هوية الجزائر الثقافية وضميرها الوطني ... وهنا انعكس التخلف الثقافي الذي كانت فيه البلاد إبان الاستعمار، مما أحدث فجوة وتناقضا بين القمة والقاعدة داخل الثورة، وقد ربط ابن خدة بين الفجوة خلال الثورة وغداة الاستقلال، فبينما استطاعت الجبهة أن تتفادى الخلافات الفكرية الداخلية أثناء الثورة فإنها لم تستطع أن تمنع تفجرها غداة الاستقلال، عندما تحول الأمر إلى صراع على الحكم، وهو الصراع الذي وصفه ابن خدة نفسه بالانقلاب الذي حطم وحدة جبهة التحرير وفتح الباب أمام الانتهازيين والمغامرين وأصحاب المذاهب الأجنبية اليسارية والماركسية وتسرب أصحابها إلى هياكل الدولة والحزب ومراكز القرار والنفوذ، ومن هنا بدأ انحراف الثورة في نظره عن إيديولوجيتها، والملاحظ أن أمثال ابن خدة قليل في الكتاب والمفكرين الجزائريين الذين تمسكوا بأن للثورة فكرها وفلسفتها النابعة من التراث العربي الإسلامي، ولا
стр. 4449
شك أن للتيار اليساري أيضا رأيه في إيديولوجية الثورة، فهي في رأيهم مستمدة من التناقض الطبفي والبورجوازية المدعومة من الاستعمار (١).
الثقافة في الإعلام الرسمي
لعل الحديث عن الثقافة في الإعلام الرسمي لا يتم إلا بربطه بالتعريب، ونعني هنا الإعلام الموجه إلى الشعب الجزائري وإلى جمهور الوطن العربي الذي رأى في الثورة الجزائرية وسيله الخلاص له من ربقة الاستعمار والإمبريالية فاحتضنها، فكيف عالج إعلام جبهة التحرير المسألة اللغوية مثلا؟ إن النشرات الخبرية في صوت الجزائر كانت في الجزائر والبلاد العربية باللغة العربية بالأساس سواء في برامجها أو في عدد حصصها، ونقصد هنا العربية الفصحى والعربية الدارجة، وكانت جريدة المجاهد نفسها مزدوجة اللغة (عربية - فرنسية)، كما كانت معظم النشرات الصادرة عن وكالة الأنباء الجزائرية، وكانت البرامج الموجهة من صوت العرب والإذاعة المصرية الدولية باللغتين أيضا (٢).
وقد أوضح السيد محمد يزيد وزير الأخبار في الحكومة المؤقتة سنة ١٩٥٩ عندما كان يتحدث عن نظام الدعاية والتوجيه الموجه إلى الخارج والداخل قائلا: إن الوسائل الدعائية والنفسية والمادية للحكومة الآن محدودة، ولذلك قررت دعم هذه الوسائل وإمدادها بالقوة البشرية اللازمة، وقال إن إعلامنا موجه إلى الخارج ولا سيما الرأي العام الفرسي، وأن (الشعب الجزائري شعب عربي ولغته (هي) العربية، لذلك تولي وزارة الأخبار عناية خاصة بوسائل تعريب دعايتنا في المنشورات والإذاعات معا،) ومما يلاحظ بهذا الصدد أن هذا التصريح كتبته المجاهد بالحرف الكبير مع صورة الوزير. وفي نظر الوزير يزيد أن لجوء الاستعمار إلى سياسة الاندماج مع طول
стр. 4450
العهد قد أضعفت من الوسائل البشرية في ميدان التعريب، لكن الثورة قد تمكنت من تهيئة الإطارات المعربة الكافية في ميدان الدعاية حتى يكون (باستطاعتنا أن نواجه حاجتنا بعد الاستقلال من الإطارات العربية اللازمة سواء كانت صحافية أو ثقافية) (١).
ولكن الحكومة المؤقتة والمسؤولين في الاجتماعات الرسمية كانوا يتناقشون - كما سبق - باللغة الفرنسية أو كما اتفق، وكانت المحاضر تكتب باللغة الفرنسية بما في ذلك محاضر مؤتمر الصومام واجتماعات المجلس الوطني ولجنة التنسيق والتنفيذ واتفاقيات إيفيان وبرنامج طرابلس وبيان أول نوفمبر، ومعظم هذه النصوص الحيوية عرفت العربية عن طريق الترجمة فقط، كما أن اتفاقيات إيفيان لم تكتب إلا باللغة الفرنسية دون الأخذ في الاعتبار مسألة السيادة التي كان قادة الثورة يلحون عليها، وإذا كانت وثائق الثورة الأخرى (بيان أول نوفمبر والصومام وطرابلس ..) قد كتبت أصلا بالفرنسية ثم ترجمت وكانت وثائق جزائرية محض فإن إيفيان كانت عبارة عن تعاهد بين طرفين بل بين حكومتين، ومع ذلك لم تكتب نسخة منها بالعربية التي طالما تحدث قادة الثورة على أنها اللغة الوطنية المضطهدة للشعب الجزائري ولغة تراثه وثقافته الممتدة عبر العصور.
ويبدو أن المكاتب الإعلامية في البلاد العربية كانت تتعامل باللغة العربية مع سلطات البلاد التي هي فيها ولكنها تتراسل بالفرنسية مع رئاسة الوفد الخارجي قبل تأليف الحكومة ثم مع وزراء الحكومة بعد تأليفها، كما يظهر من وثائق هذه الحكومة المتوفرة الآن في الأرشيف الوطني، وأثناء البحث في الوثائق لاحظنا اختلافا حتى في اتخاذ الأختام الرسمية، فبينما كان ختم وزارتي, الثقافة والخارجية مكتوبا كله باللغة العربية كان ختم وزارة القوات المسلحة
стр. 4451
وختم نائب الرئيس مكتوبين بالفرنسية (١).
ومنذ سنة ١٩٥٦، أي بعد مؤتمر الصومام أرسل رمضان عبان، باسم لجنة التنسيق والتنفيذ، رسالة إلى (الإخوان في تونس) مؤرخة في ٢١ نوفمبر تقول إن اللجنة اتصلت من سي إبراهيم مزهودي برسالة مكتوبة بالعربية، وطلب منهم (وهم علي محساس، وإبراهيم مزهودي نفسه، ومصطفى بن عودة، ومولود قائد المعروف رشيد) أن يكتبوا مستقبلا رسائلهم وتقاريرهم بالفرنسية تفاديا لطلب ترجمة أسرارنا إلى مترجم) (٢).
إن المبرر الذي استند عليه رمضان عبان غير مقنع طبعا، لأن نفس المبرر ينطبق أيضا على اللغة الفرنسية بالنسبة لمن لا يعرفها وأيضا على اللغات الأخرى التي قد ترد بها المراسلات، ثم إنه مبرر يتجاهل تماما مسألة الهوية الثقافية الوطنية، بالعكس فقد كان المقاومون القدماء يموهون على العدو بالكتابة بلغتهم العربية التي لا يعرفها الفرنسيون إلا عن طريق الترجمة (٣).
الثقافة في برنامج طرابلس
برنامج طرابلس يشار به إلى آخر وثيقة أصدرتها الثورة الجزائرية قبل أن يدخل قادتها إلى بلادهم بعد سنين من العيش خارجها، والوثيقة صادرة عن الدورة الرابعة للمجلس الوطني للثورة الجزائرية (البرلمان)، وهو أعلى مؤسسة مخولة للثورة الذي انعقد في طرابلس بليبيا، وكان جدول الأعمال في هذه الدورة يتألف من نقطتين أساسيتين:
- صياغة برنامج أو منهج عمل فكري (إيديولوجي) تسير عليه الجزائر المستقلة.
- انتخاب هيئة أو مكتب سياسي على رأس جبهة التحرير الوطني التي ستصبح
стр. 4452
هي الحزب السياسي الوحيد الذي بيده السلطة في الجزائر.
قبل الاجتماع ببضعة أشهر كانت الحكومة المؤقتة قد عهدت إلى لجنة من المثقفين الخبراء بوضع برنامج يقدم إلى مجلس الثورة عند اجتماعه المتوقع في طرابلس، كانت هذه اللجنة تتألف في أغلبها من عناصر معروفة باتجاهها الاشتراكي الماركسي والعلماني المفتوح ولكنها عناصر مناضلة ساهمت في الثورة في المجالات المحددة لها من الإعلام إلى الديبلوماسية إلى الاتصالات ... والأعضاء هم: مصطفى الأشرف ومحمد حربي ومحمد الصديق بن يحيى ورضا مالك، كان الأشرف كاتبا اجتماعيا ومؤرخا للحركة الوطنية وكان من المخطوفين في الطائرة المغربية مع بعض قادة الثورة سنة ١٩٥٦، وسبق لحربي أن عمل في جهاز الحكومة المؤقة بالقاهرة، وشارك محمد بن يحيى في نفس الجهاز وفي المفاوضات مع الفرنسيين آخرها كانت إيفيان، وكان رضا مالك مسؤولا على جريدة المجاهد بنسختيها العربية والفرنسية في تونس، أما الميلي فكان من مدرسة جمعية العلماء، وكان عندئذ مسؤولا على تحرير الطبعة العربية من المجاهد، وجميعهم تقريبا مارسوا الديبلوماسية قبل اجتماعهم في اللجنة، ومن تشكيلة اللجنة نتوقع ماذا سيصدر عنها من أفكار بشأن تفسيرها للثقافة الجزائرية ورصد مستقبلها.
وبعد عدة أسابيع خرجت اللجنة بمسودة الوثيقة التي أصبحت تسمى (بعد الموافقة عليها من المجلس) ببرنامج طرابلس، وتكاد المصادر تجمع على أن البرنامج لم يكن محل نقاش في المجلس بل تمت الموافقة عليه بسرعة وبالإجماع، أما النقطة التي أثارت الجدل والخلافات الحادة بل والانشقاق فهي تشكيل المكتب السياسي، فهذه المسألة هي التي فجرت الاجتماع وأفاضت الكأس لأن الرفقاء انفضوا دون اتفاق نهائي مما جعلهم يدخلون الجزائر مشتتين لا موحدين، وهكذا بقي البرنامج موحدا والقيادة ممزقة، وهذا فصل من تاريخ الجزائر لا يعنينا هنا.
إنما الذي يعنينا هو المحتوى الثقافي للبرنامج وسرعة الموافقة عليه: هل
стр. 4453
كان ذلك دليلا على صحة محتواه أو عدم الاهتمام به أصلا؟ يبدو أن ذلك يشمل الاثنين معا، أولا نلاحظ أن أعضاء اللجنة قد توزعوا المهام فمنهم من كتب الديباجة وتناول الخط التاريخي والفلسفي للمشروع، ومنهم من كتب له الرؤية الاقتصادية، ومنهم من كتب عن الرؤية المستقبلية للثقافة، ثانيا نلاحظ أنه ليس كل أعضاء المجلس كانوا قادرين على فهم ومناقشة وثيقة عميقة الفكر تتحدث عن التجارب المعاصرة في الاقتصاد والفكر وتحيل على مراجع أوروبية قديمة وحديثة، ثالثا ليس كل الأعضاء كانوا مهتمين بالمسقبل بقدر اهتمامهم بالحاضر، كيف سيدخلون الجزائر وما موقعهم في التركيبة السياسية الجديدة، ولذلك فإن الموافقة السريعة على البرنامج ليس دليلا على التوافق والرضا، فمعظم الحاضرين لم يعطوا البرنامج الاهتمام الجدير به، وهكذا بقي البرنامج لا يلزم بالأساس حتى الذين وضعوه.
تحدث البرنامج على التوجه الثقافي للجزائر المستقلة ولكن مرجعيته كانت أوروبية لا عربية إسلامية، فإذا ذكرت الحضارة الإسلامية فإن محرري البرنامج يسارعون إلى وضع النعوت والتحديدات لها حتى لا تفهم على إطلاقها أو أنهم يتبنونها لتسيير الجزائر المستقلة، أما الذي ركز عليه البرنامج بالتعريف والتحليل فهو الميزات الثلاث للثقافة الجزائرية الجديدة وهي الوطنية والعلمية والثورية، وقد تكرر وصف العلمية أكثر من مرة مما يفهم منه أن الاشتراكية المبشر بها هي اشتراكية علمية، أي الماركسية رغم أن محرري الوثيقة لا يكتبونها صراحة، ولعل هذا ما جعل ابن خدة يصف أصحاب هذه الاشتراكية بحسن النية، وهو الذي رأى أن الاشتراكية المتفق عليها في طرابلس والتي تبناها مؤتمر الجزائر (سنة ١٩٦٤) قد تحولت في ميثاق سنة ١٩٧٦ إلى اشتراكية علمية، أي ماركسية - لينينية، وهي في نظره تختلف تماما عن الإسلام لأنها نظرية مادية محض وتدعو صراحة إلى صراع الطبقات (١).
стр. 4454
تقول ديباجة برنامج طرابلس في شيء من الادعاء والزهو الفكري إنه من الضروري خلق فكر سياسي واجتماعي تغذيه مبادى علمية لتحميه من ترهات الفكر، والغالب أن المقصود بهذه الترهات هو الخرافات المنسوبة عادة إلى الفكر الإسلامي في العصور الوسطى، وتلح الديباجة أيضا على أنه من الأهمية بمكان إحداث تصور جديد للثقافة الجزائرية وهو أن تكون وطنية وثورية وعلمية: فهي وطينة باعتبارها تمثل (مرحلة أولى في إعطاء اللغة العربية المعبرة الحقيقية عن القيم الثقافية لبلادنا كرامتها ونجاعتها كلغة حضارة،) فهذه اللغة هي التي ستعيد بناء التراث الوطني وتقييمه والتعريف بإنسانيته المزدوجة القديمة والحديثة لإدخالها في الحياة الفكرية وتربية الشعور الوطني، وهي التي ستحارب الهيمنة الثقافية والتأثير الغربي (الفرنسي) اللذين ساهما في تلقين الكثير من الجزائريين احتقار لغتهم وقيمهم الوطنية.
أما بصفتها ثورية فستعمل الثقافة على تحرير شعب يعمل على التخلص من مخلفات الإقطاع والخرافات والعادات الفكرية والتقليدية، إنها ليست ثقافة فئة تسد أبوابها عن التقدم وليست ترفا فكريا، بل هي ثقافة تساعد على تطوير الوعي الثوري في الجماهير.
وأما بصفتها ثقافة علمية فيجب أن يظهر في وسائلها وأبعادها، ومعنى العلمية هنا هو أنها (ثقافة عقلية ذات تجهيزات تقنية)، فهي تشجع على روح البحث المنهجي وتسير على هداه في جميع المستويات، بما في ذلك المستوى اللغوي، لأن (اللغة العربية، باعتبارها وسيلة ثقافية علمية وعصرية، قد تخلفت، ويجب ترقيتها حتى تقوم بدورها في المستقبل بأساليب علمية ومهذبة جدا)، وهذا الشرط لتأهيل اللغة العربية قد استمر استعماله إلى الوقت الحاضر، فكلما دعا الداعي إلى استعمال اللغة العربية واجهه أنصار هذا الرأي بهذا الشرط التعجيزي رغم أنهم يدركون أن من شروط ترقية اللغة علميا استعمالها في الميدان.
стр. 4455
ومن جهة أخرى ألح البرنامج على نشر التعليم بين الجميع حتى تشيع روح العمل ويرتفع الإنتاج ... وخاطب الطليعة الثورية بأن عليها إعطاء المثل للشعب، ومن ثمة يجب التنديد بشدة بنزعة جحود المجهود الفكري وعدم تقدير الكفاءات، والتنديد كذلك بالدعوة إلى معاداة المثقفين التي تظهر من وقت إلى آخر.
وقد استدرك البرنامج، كما كان متوقعا، فحذر مما أسماه أخلاقيات البرجوازية الصغيرة ومن توظيف الإسلام لأغراض ديماغوجية، معترفا بالانتماء حقا للحضارة الإسلامية التي أثرت في تاريخ البشرية، لكننا سنسيء إلى هذه الحضارة في نظر واضعي البرنامج، إذا نحن اعتقدنا أن النهوض بها يخضع لصيغ ذاتية بسيطة في السلوك العام وفي ممارسة الشعائر الدينية، ويبدو أن أصحاب البرنامج لم يفرقوا في هذا الصدد بين الإسلام كعقيدة وممارسات ذاتية وبين الحضارة الإسلامية كإنتاج جماعي وإبداع فكري مشترك (١).
ومما يلاحظ أن البرنامج كرر أيضا عبارات الطليعة والطليعة الثورية، وأعطى لها حجما كبيرا في سياق العمل لبناء الجزائر الجديدة، فهي التي ستقود البلاد (عن طريق حزب طليعي) وتضع العقائد وتمهد الطريق أمام العامة، وهي التي ستعلم الفلاحين، وهي التي ستعطي المثل لرفع المستوى الثقافي للمواطن، وتطور الإسلام (كذا) وتخرجه من المفاهيم البالية، وتندد باستعمال الإسلام لأغراض ديماغوجية، موضحة أن الحضارة الإسلامية في الماضي كانت نتاج فكر وعمل، أي ثقافة واقتصاد، وكان في هذه الحضارة استعمال لمنهج البحث العلمي وانفتاح عقلي على الثقافات الأجنبية وعالمية العصر (وهو شعور مبكر بالعولمة)، وكان بينها وبين الحضارات الأخرى تبادل خصب.
وقد ندد البرنامج بالحنين إلى الماضي المرادف في نظر محرريه للعجز والبلبلة، والمقصود هنا في أغلب الظن هم دعاة التمسك بالتراث والمحافظة
стр. 4456
عليه لذاته، ومن جهة أخرى دعا محررو البرنامج إلى تخليص الإسلام مما أسموه بالبدع والأوهام التي كبلته ومست جوهره لكي يظهر على حقيقته في الثقافة والشخصية الوطنية، وهي الشخصية المرتبطة بالثقافة الوطنية الثورية والعلمية، تلك الشخصية التي صقلها وأبرزها الكفاح التحريري بعد أن كانت مجهولة والتي ستتقوى مع الأيام لقدرة الشعب الجزائري على (مسايرة العصر دون قطع الصلة بماضيه).
ويبدو أن محرري برنامج طرابلس قد أحسوا بالفراغ العقائدي للثورة، وهو الفراغ الذي كان المثقفون يشيرون إليه عادة في البيئات الخارجية، فأرادوا إبراز هذا الجانب الآن وتبرير الفراغ المشار إليه أثناء الثورة فقالوا إن طابع الثورة كعملية تحرير قد تغلب على الثورة كمشرع عقائدي أيام الكفاح، أي أن العملي قد سبق النظري، أو أن التحرير قد سبق التفكير (كما أشيع فيما بعد) وهو ما يؤكد ما ذهب إليه أكثر من واحد من أن الثورة كانت تسير بدون إيديولوجية، وها قد أراد محررو البرنامج تدارك الأمر بعد الاستقلال وبعد اعترافهم بالفراغ السابق، ومع ذلك فإن كلمة الثورة في نظرهم، كانت تغذي حماس الجماهير وأن هذه الجماهير هي التي أعطتها بالفطرة معنى يتجاوز حرب التحرير نفسها، واعترفوا أيضا أن ما كان ينقص الثورة في الماضي وما يزال ينقصها في الحاضر هو الخط العقائدي الذي لا بد منه، أما الآن وقد توقفت حرب التحرير واستعاد الشعب الاستقلال فإنه لا بد من استمرارية الحرب ولكن على الصعيد العقائدي (إن الكفاح المسلح يجب أن يترك مكانه اليوم للمعركة العقائدية التي تعني الثورة الديموقراطية الشعبية ... التي تعني التشييد الواعي للبلاد في إطار المبادى الاشتراكية)، وبذلك حاول محررو برنامج طرابلس تفسير ما جاء به بيان أول نوفمبر حول (إقامة الدولة الجزائرية الديموقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادى الإسلامية) (١).
стр. 4457
ولعل هذا الاختيار الاشتراكي الواضح هو الذي جعل رجلا مثل ابن خدة يعترف ولكن بعد عقود بأن برنامج طرابلس كان في الأساس يتنافى مع الإسلام رغم أن التصويت عليه في المجلس كان بالإجماع، ومعترفا أيضا أنه قد صوت لصالحه (عن حسن نية؟) رغم أن البرنامج كان يدور حول محورين هما الاختيار الاشتراكي والحزب الواحد (١).
ولكن برنامج طرابلس لم يهمل الإشارة إلى أن الشعب كان (قبل الثورة متعلقا بالقيم الوطنية التي صيغت في إطار الحضارة العربية الإسلامية)، والدليل على ذلك تأسيسه المدارس العربية الحرة وصيانتها رغم معارضة الإدارة الاستعمارية، كما أشار إلى أمر جديد وهو أن الولايات خلال الثورة بذلت جهودا كبيرة لتجعل الثقافة الوطنية في متناول الشعب، وهذا ينسجم تماما مع ما درسناه من أن جيش التحرير جسد مظاهر عديدة من هذه الثقافة في القضاء والتعليم وممارسة الطقوس الدينية ونحوها.
أما بعد الاستقلال فقد أراد البرنامج الاسمترار في جعل الثقافة في متناول الشعب ولكن في أسلوب جديد، فبعد التحفظات على الممارسات القديمة للثقافة ألح على (استعادة الثقافة الوطنية والتعريب التدريجي للتعليم اعتمادا على أسس علمية)، وهي مهمة تتطلب توفير (وسائل عصرية لا يمكن تحقيقها بالتسرع دون خطر الضحية بأجيال كاملة) وهذه التحفظات (٢) هي كلها عقبات ليس من السهل تجاوزها، ولكن البرنامج كان واضحا في الدعوة إلى المحافظة على التراث الوطني أو الثقافة الشعبية، وهي إشارة فيما يبدو إلى الثروة الفولكلورية للهجات المحلية والتقاليد الشعبية، كما كان واضحا في الدعوة إلى
стр. 4458
تعميم وإجبارية التعليم وجزأرة البرامج لتتكيف مع واقع البلاد، واستعمال مختلف الوسائل للتخلص من الأمية في أقرب الآجال (١).
стр. 4459
الفصل الثالث
الهوية الثقافية والأدباء بالفرنسية
نتناول في هذا الفصل تحديد وأبعاد الهوية الثقافية، وحياة وإنتاج المثقفين والأدباء الجزائريين باللغة الفرنسية، ومواقف بعض المثقفين العلمانيين من الثورة، وصراع الأفكار عند بعض القادة المثقفين، واضطهاد وتعذيب واغتيال بعضهم، ثم موقف جريدة المجاهد من اللغة والدين والقومية. ومنذ البداية نقول بأن تناولنا هذا لن يكون شاملا لأن ذلك غير واقعي. ولكن سندرس الظاهرة ودور أصحابها في الوقوف بصف المدافعين عن تحرير وطنهم بلغة المستعمر نفسه، ومشاعرهم الخاصة في هذه الأثناء، وشعورهم بواجبهم وكيف عبروا عنه، ثم نتناول إنتاجهم نثرا وشعرا كلما أمكن ذلك، ومن هؤلاء، وإلى جانبهم زملاء لهم، كانوا غير أدباء بالمعني الدقيق للكلمة، ولكنهم كانوا ضمن قائمة المثقفين المنتمين أيضا إلى نفس الثقافة والمعبرين بنفس اللغة، فما دور هؤلاء في الثورة وهل استوت نظرتهم ونظرة إخوانهم الأدباء أو اختلفت كما اختلفوا عنهم في ميدان العمل؟
كلما ذكرت الثورة الجزائرية ذكرت معها الثقافة ومشروع المجتمع الذي جاءت به أو بشرت به، البعض يقول إنها ثورة قام بها مناضلون تكونوا في مدرسة حزب الشعب ليكونوا طلائع نضالية وليس لهم تكوين ثقافي ولا شهادات مؤهلة للقيادة الفكرية، وقد درس البعض سير جماعة الواحد والعشرين
стр. 4460
ومجموعة الستة فلم يجد من بينهم حاملا لشهادة الثانوية العامة.
صحيح أن الحياة السياسية في الجزائر كانت تربي الشباب على الوعي المبكر بحكم القمع والحرمان ومعاينة الجالية الأوروبية في نمط عيشها مما جعله يكتسب تجربة لا يكتسبها الشباب العادي إلا بعد طول مراس ومطالعة، ومن الخطأ أن نحكم على الثورة من طليعتها فقط، ذلك أن تقدم العمر بالثورة جعلها تكسب شبابا من حملة الشهادات وقادة حنكتهم الحياة السياسية تحت قوانين الإدارة الفرنسية، وقد حصل هذا بالتدرج، فانضم إلى الثورة أولا عناصر من ساسة الحزب نفسه (حزب الشعب) وهم المركزيون، وقد كان فيهم حملة الشهادات العلمية العليا أمثال ابن خدة وحملة الشهادات الثانوية أمثال عبد الحميد مهري ومحمد يزيد وسعد دحلب وعبان رمضان، كما انضم للثورة الدكتور محمد الأمين دباغين ثم فرحات عباس والدكتور أحمد فرنسيس والمحامي أحمد بومنجل ... ثم شيوخ جمعية العلماء، وبالتدرج انضم إلى الثورة عدد من الطلبة المتطوعين والصحافيين والمعلمين والسياسيين في الجزائر وخارجها، فلم يعد القرار في يد المناضلين الأوائل وحدهم.
كان يشاع أثناء الثورة وبعدها أن هناك تيارا ضد المثقفين حسدا لهم أو خوفا منهم، وأشيع وقتها أن هناك (تصفيات) وقعت في صفوف بعض المتطوعين الذين تخلوا عن مقاعد الدراسة والتحقوا بالثورة، فكان الواحد منهم يصفى لأتفه الأسباب أو لا يترك له المجال ليسهم في النضال بأنواعه، وكان السعيد منهم، حسب بعض الروايات، هو من كتب له أن يعود من حيث أتى بنصيحة من زميل له أو من ابن بلدته أو جهته، والأسعد من الجميع هو الذي يقال له عد وواصل تعليمك لأن الوطن سيحتاجك غدا وليس اليوم، وكنا نسمع ونحن طلاب في القاهرة، أن هناك تمييزا بين الطلبة في تونس فمنهم من يوجه إلى الجزائر (ليموت) ومنهم من يرسل سرا أو علنا ليدرس في الشرق أو الغرب ليكون عنصرا فاعلا في الجزائر المستقلة، هذه الروايات وأمثالها قد تكون مبالغا فيها أو لا تمثل إلا تصرفا فرديا ولكنها كانت تروج في أوساط الطلبة (المثقفين)
стр. 4461
على كل حال، فإلى أي مدى كانت الوقائع تؤكد ما ذهبت إليه بعض هذه الروايات؟
النظام التربوي والإسلام وتعليم التاريخ
في بحث ترجمته المنار ونشرته ملخصا سنة ١٩٥٢ تحدث صاحبه عن التوجيه الديني في النظام التربوي، ولم تذكر الجريدة أين نشر نصه الفرنسي ولا لأي غرض نشر ولا من هو صاحب البحث، ومهما كان الأمر فقد تحدث الكاتب عن مكانة الدين وأوضح أنها ما تزال كبيرة في المجتمع الجزائري رغم القول بفصل الدين عن الدولة، وبالإيمان بالتقدم، كان البعض يقول إن الدين كان صالحا في الأزمنة السابقة، وأن الاستعمار يحاربه إذا أحس منه قوة أو يستغله إذا لاحظ في أهله غفلة، وتذهب بعض الآراء إلى أن العالم الإسلامي ما يزال يرزح تحت القوتين المادية والروحية، ولكن حالة الدين الإسلامي ومقتضياته تجعل العالم الإسلامي كتلة بذاتها مختلفة عن الكتلتين الأخريين (المقصود المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي) لأن التعاليم الإسلامية تقدم نظاما مغايرا، وهو نظام يطمح أيضا إلى العالمية وسيادته من أجل إسعاد البشرية، وتساءل الكاتب المجهول: هل تقف التربية الإسلامية على الحياد أمام القوتين المادية والروحية؟ ثم أجاب بأن الرسول ﷺ قد أعلن عن عالمية الإسلام بنزول القرآن على الناس كافة.
وقد ربط الكاتب بين الحركات الإسلامية التي أنشأت دولا مثل (الرابطة الإسلامية) في الهند التي تولدت عنها باكتسان، و (الحزب الإسلامي) الذي يعمل على تخليص الملايو من الاستعمار، لأن الاستعمار لا يثبت في بلاد يسودها الإسلام، وأن حركة (الإخوان المسلمين) في مصر وسورية تبذل جهدا ولها آثار محمودة لتخليص الدين من الاضطهاد، ومن الواضح أن صاحب البحث يسير على نهج هذه الحركة التي كانت تملأ الساحة السياسية والفكرية
стр. 4462
والإعلامية قبل قيام الثورة المصرية والتصادم مع قادتها (١).
ولذلك رأى الكاتب أنه لا بد من تحديد (الأهداف من التربية والتعليم)، فالشعب الجزائري لم يتوقف عن العطاء الحضاري إلا منذ الابتلاء بالاستعمار، فلم يظهر أي عبقري فيها خلال هذا العهد، ويجب في نظره أن تستوحى الأهداف التربوية من (تعاليم الإسلام وأن تستند إلى تقاليد الوطن التاريخية وتلائم المناهج السياسية لشعب عربي مسلم وأن تساعد على تحقيق أمانيه القومية من وحدة عربية شاملة خالصة لا تشوبها شائبة الامتزاج والاختلاط بالمبادى الاستعمارية) (٢).
ذلك هو ما يتصل بالدين في المنظومة التربوية، ولا يكاد يختلفط تعليم التاريخ عن تعليم الدين، ونحن وإن كنا سنرجع إلى معالجة التاريخ في مناسبة أخرى فإننا ننقل هنا رأيا جاء في مرحلة سابقة للثورة ويعتبر ممهدا لانفجار الشعور الوطني المعتز بالتاريخ، فما الهدف من تعليم التاريخ للنشء الصاعد؟ إنه إعداد المواطن الصالح وتكوين الشخصية الاجتماعية ومساعدة التلميذ على اكتساب الثقة بنفسه وتكوين الذوق والحس التاريخي المشترك، ذلك أن للتاريخ أثرا كبيرا في تكوين البطولة لدى الفرد وغرس روح التضحية من أجل الوطن. ومن الخطأ أن يعلم المعلم التاريخ للتلاميذ لذاته أي بصفته أحداثا جرت وانتهت ثم يحشو بها عقل التلميذ، بل يجب على المعلم أن يقنع الطالب بأن (الوطن الجزائري مثلا ملك للأمة الجزائرية وممتد في أقدم العصور ... وأنه جزء من الوطن العربي الأكبر الممتد من الخليج الفارسي شرقا إلى بوغاز جبل طارق غربا)، إن على المعلم أن يكون هدفه من تعليم التاريخ هو إثارة حب التعاون في المتعلم من أجل (الدفإع عن الإرث العظيم) وأن نذكره بالحروب التي خاضها أجداده دفاعا عن الوطن، والتنويه له بالدعائم التي يقوم عليها
стр. 4463
التراث وهي (اللغة القومية والدين المتبع والعوائد الجارية)، بمعنى آخر فالتاريخ يجب أن يكون مادة للتربية الأخلاقية والسياسية والتاريخية وأن يخرج المواطن الصالح الذي يؤثر الدين والوطن واللغة على نفسه، ومن ثمة يكون مستعدا للتضحية في سبيل هذه الأركان التي لا يكون الوطن وطنا إلا بها ولا يكون المواطن صالحا إلا إذا عمل بها.
ومن المهم أيضا عند الحديث عن البرنامج التربوي المقترح أن يذكر المعلم التلميذ بأن المؤسسات الاجتماعية، ومنها المدرسة كانت وسائل فقط لتحقيق هدف وأن هذه الوسائل تتبدل بتبدل الزمن عندما تأتي أهداف جديدة، فالمدرسة إذن عبارة عن آلية، وقد نبهنا الكاتب إلى أن وزارات التربية والتعليم في الدول الواعية لدورها التاريخي تحرص على تحضير منهاج التاريخ بعناية خاصة ولا تعطي التاريخ للأجانب ليدرسوه لأبناء الأمة بل لا تعطيه إلا للمواطن الذي يشعر بمواطنته، بينما يمكن للأجنبي أن يدرس مواد أخرى كالرياضيات، فالمواطن هو الذي يطبع التلميذ بالطابع القومي من خلال التاريخ، وقد أكد الشيخ الإبراهيمي هذه الفكرة في محاضراته بمعهد الدراسات العربية بالقاهرة (١).
وقد نوه كاتب المنار بجمعية العلماء لتكوينها هيئات عليا لتخطيط المناهج وتقديم توجيهات للمعلمين، ولكنه انتقدها لأنها لم تهتم في نظره بإعداد منهاج موحد يوجه التلاميذ توجيها قوميا، فالمعلمون ما يزالون يستعملون منهج حشو رؤوس التلاميذ وتقدم إليهم خلاصات جافة ليس معها توجيه مثالي، وليس هناك اهتمام بتعليم تاريخ الجزائر، وهذا لا يقلل من أهمية تعليم التلاميذ التاريخ الإسلامي العام الذي لم تغفله الجمعية، ذلك أن حالة الجزائر حالة خاصة لأن تاريخها يعلمه الأجانب (الفرنسيون) بلغة غير اللغة
стр. 4464
القومية، وهؤلاء لا يتوقفون عن الافتراء كقولهم إن الرسول ﷺ كان راعيا، كما أنهم يعملون على إماتة روح الاعتزاز بالنفس وزعزعة الثقة في التلاميذ كقولهم إن الفاتحين كانوا يهدفون إلى الحصول على الغنائم والأسلاب (١).
أبعاد الهوية الثقافية
لم تكن مسألة الهوية واضحة في أذهان من خططوا للثورة، كان هدفهم إحداث صدمة نفسية وضربة عسكرية لصخرة الاحتلال الجاثمة على صدر الجزائر، كان بعض القادة أنفسهم قد صرحوا بذلك، فهذا بوضياف وبيطاط وابن طوبال متفقون على أنهم لم يكونوا يتوقعون انتصارا عسكريا، وإنما كانوا يهدفون إلى عملية تحرك الشعب وتوقظه من سباته ومن اللامبالاة التي كان يعيشها سيما بعد أزمة الحركة الوطنية وانشقاقها بين تيارات متصارعة، فهذا ابن طوبال اعتبر انطلاق الثورة (مغامرة)، وقد أوضح بوضياف أن الأمر الذي كان متفقا عليه كهدف من القيام بالثورة هو الاستقلال، مع التمسك بمبدأ القيادة الجماعية وأنهم لم يضعوا لما بعد ذلك برنامجا ولا إيديولوجية، أما بعد أن تحولت الفرق الصغيرة من المجاهدين إلى جبهة حقيقية تضم مختلف الأتباع من حركة الانتصار وحزب البيان وجمعية العلماء والطلبة والعمال والتجار فقد تجند الجميع لكسب معركة الاستقلال، ثم انضمت الجماهير بعد ذلك إلى هذه الجبهة بالتدرج (٢).
стр. 4465
من الشخصيات القيادية التي دار النقاش حول موقفها من التعليم والمثقفين العقيد عميروش، يذكر البعض أن عميروش كان ضد المثقفين، مثل أغلب زملائه القادة الميدانيين، بينما يصنفه آخرون أنه كان يقف إلى الجانب الداعم لنشر التعليم واحترام المثقفين، ويستشهد هؤلاء بكون عميروش كان قبل الثورة يجمع بين العضوية في حركة الانتصار وجمعية العلماء ويرى، مثل العديد من أعضاء التنظيمين، أنهما يكملان بعضهما البعض، فالعمل السياسي والعمل الثقافي لا غنى للجزائر المستقلة عنهما - فكان عميروش وهو في باريس قبل الثورة يناضل من أجل تحقيق أهداف الجمعية أيضا ومسؤولا على إحدى شعبها هناك، وقد تعاون عندئذ مع الشاعر الشهيد الربيع بوشامة الذي جاء باريس ممثلا لجمعية العلماء التي كان لها حوالي عشر شعب في باريس وحدها (مع شعب في مناطق أخرى مثل مرسيليا وليون).
كان عميروش يرى - كما قيل - ضرورة المحافظة على القيم العربية الإسلامية ونشر التعليم العربي بين الناشئة، وكان الشاعر بوشامة يؤمن بنفس المبدأ، كما كان صديقا لعميروش الذي أعد للشاعر أوراق الخروج من الجزائر سنة ١٩٥٧ عندما أحس بالخطر من الإرهابيين الفرنسيين المجندين في وحدات سرية لتصفية النخبة الوطنية، وتذهب هذه الرواية إلى أن العقيد استمر في قناعته بضرورة تعليم الناشئة اللغة العربية والعلوم الإسلامية، وهو الذي أرسل بعض الأفواج من فتيان القبائل ليتعلموا في تونس أو في البلاد العربية الأخرى تحت حماية فرق مرافقة لهم من جيش التحرير، كما قيل إنه خصص مالا لاستكمال بناء مدرسة (قنزات) الحرة وتجهيزها عندما حررها (١).
ولا شك أن العقيد عميروش ليس وحده في هذا الموقف، فقد كان في قادة الثورة الأوائل من كان يجمع بين نضال حزب الشعب السياسي وغيرة
стр. 4466
جمعية العلماء على التراث الثقافي، تحت الشعار الثلاثي: الإسلام ديننا - العربية لغتنا - الجزائر وطننا).
ويستشهد البعض على أن عميروش قد وقف مع التعليم والثقافة بكونه أقام في تونس مدرسة خاصة بأبناء الولاية الثالثة بالذات، ويستند هؤلاء إلى ما قاله عميروش لضابط فرنسي اعتقله الثوار (إذا فقدنا الحياة فليس لذلك من أهمية على الإطلاق لأن قوتنا الحقيقية تكمن في شبابنا المثقف وفي النخبة الشابة التي تتعلم حاليا في خارج البلاد) (١).
وقد نسب البعض إلى عميروش أنه عمل على تطوير التعليم في الولاية الثالثة بكل الوسائل بعد تطوع الطلبة سنة ١٩٥٦ لأنه كان يعرف أهمية التعليم للمستقبل, ويقال إنه بعث برسالة إلى الطلبة أوائل سنة ١٩٥٨ حثهم فيها على اكتساب العلم (٢).
وبصفته العسكرية ذات الرتبة العالية بعث عميروش كلمة إلى الطلبة من موقعه في مجلس الولاية الثالثة في ٨ مارس، ١٩٥٨ حثهم فيها على خدمة الوطن من موقعهم في الجامعات والمدارس الثانوية، كما حثهم على عدم نسيان إخوانهم الذين استشهدوا من أجل القضية الوطنية أو الذين يكافحون في الجبال من أجلها، وأثار نخوتهم بقوله إنهم هم الذين سيكملون (الثورة السياسية التي تحرر الشعب س الاستعمار)، وربما جاءت هذه الرسالة بمناسبة استئناف الطلبة لدروسهم والتحلل من الإضراب (٣).
وليس هذا الموقف خاصا بالقادة الميدانيين بل إن فرحات عباس، وهو من القادة السياسيين المثقفين قد أعلن للطلبة أثناء انعقاد مؤتمرهم الرابع في تونس سنة ١٩٦٠ أن الثورة استطاعت أن تكون منهم في ظرف قصير ما لم يكونه
стр. 4467
الاستعمار في ظرف قرن من الزمن، وأذكر أن فرحات عباس نفسه قد حثنا على طلب العلم ونحن طلاب في القاهرة قائلا إن الجزائر المستقلة ستكون في حاجة إليكم لتعليم اللغة العربية (١).
ومع ذلك فهناك من عمم وتحدث عن أن قادة الثورة كانوا لا يرتاحون للمثقفين وبالأخص الطلبة، ولا يحبذون التعامل معهم، وكانوا يخشون منهم على أنفسهم وعلى الثورة، فقد كان الإعلام الفرنسي يتحدث عن هذه الظاهرة ربما لتوسيع الهوة بين الطلبة وقادة الثورة سيما بعد ما شن الطلبة الإضراب وقاطعوا الدراسة، وهناك رواية تتحدث عن أن عجول من الولاية الأولى حكم على شابين في الثورة بالإعدام لأنه سمع أن لهما علاقة صداقة مع تلميذتين زميلتين لهما في الدراسة، ولكن الجندي الذي كلف بالشابين أطلق سراحهما بعد أن عرف منهما القصة وتأكد من الخطاب الذي كان يحمله بشأنهما إلى عباس لغرور، فما كان من عباس لغرور إلا أن مزق الرسالة وعفا عن الشابين (٢).
وعندما كنا في القاهرة كانت هذه المفاهيم والأخبار منتشرة بين الطلبة، ولا سيما بعد أن تأكدت باختفاء بعض الطلبة المتطوعين إثر وصولهم إلى تونس، فقد شاعت هذه المفاهيم حتى أصبح من يستدعى إلى تونس يتوقع أنه لن يعود منها، أو لن يبقى على قيد الحياة، وقد تكون التصفيات الجدية التي وقعت نتيجة لتصرفات أخرى، ولكن الوقائع أثبتت أن بعض الطلبة المتطوعين والمتحمسين للثورة قد اختفوا منذ وصولهم إلى تونس أو منذ عبورهم الحدود إلى الجزائر، وأذكر أن من بين هؤلاء محمد زعروري وعبد
стр. 4468
الكريم عباس، إضافة إلى علي شكيري ورفاقه الذين قضى عليهم (النظام) بدعوى عصيان أوامر لجنة التنسيق والتنفيذ.
يروي أحمد توفيق المدني وزير الثقافة في الحكومة المؤقتة أنه دخل مرة في مشادة كلامية مع عبد الحفيظ بوصوف وزير المواصلات حول الطلبة في جلسة للحكومة المؤقتة عام ١٩٥٩، فمن رأي بوصوف أن المدني يحمي الطلبة الفارين من المعركة ويوفر لهم المنح الدراسية، وقد نعتهم بالمتوارين أو المتسترين، ويبدو أن بوصوف قد وجد دعما من زميليه ابن طوبال وزير الداخلية وكريم بلقاسم نائب الرئيس، أما بقية الوزراء فلم نعرف انطباعهم حول هذا الموضوع.
كان رد المدني أن الطلبة في المشرق كانوا موجودين قبل الثورة، وأنهم كانوا من أنصار الثورة بعد قيامها فتطوعوا لها وأصبحوا من دعاتها، ولكن القيادة طلبت منهم مواصلة الدراسة لأنهم كالجنود في ميدان الجهاد ولأنهم - حسب قوله - أعمدة المستقبل، ذلك أن لجنة التنسيق والتنفيذ (قيادة الثورة قبل الحكومة المؤقتة) أصدرت تعليمة في سبتمبر ١٩٥٧ تأمر بتهيئة الظروف لمواصلة الطلبة دراستهم في الجامعات العربية والغربية، أي الطلبة الذين لم يجندوا وأصبحوا بعد الإضراب بدون أمكنة للدراسة.
وكان بوصوف نفسه عضوا في الحكومة التي أقرت ميزانية الطلبة والمنح المخصصة لهم وأعدت لهم برنامج الالتحاق بالجامعات، كما رد المدني بأن عميروش نفسه قد أنشأ في تونس مدرسة خاصة بطلبة الولاية الثالثة ذات نظام داخلي وأنفق عليها مالا جزيلا وأرسل إليها مائتي (٢٠٠) طالب، وأضاف المدني أن العقيد أوعمران قد طلب تطوع خمسة عشر طالبا من طلبة القاهرة لفرقة فزان فتطوع منهم أكثر من العدد المطلوب حتى اضطر إلى إجراء القرعة بينهم (١).
стр. 4469
وعن تعدد مشارب الطلبة في تونس قبل تكوين الحكومة المؤقتة يقول أحمد توفيق المدني، إنهم كانوا بأعداد كبيرة ولكنهم كانوا موزعين من حيث الولاء قبل تأسيس الحكومة، وكانت لهم مدارس مختلفة، فمنهم من كان مواليا لجمعية العلماء ومنهم من كان يتبع عميروش رأسا، ومنهم من كان مستقلا، وبعد تأسيس الحكومة ووجود وزارة للثقافة سلم عميروش مدرسته إلى وزارة الثقافة، وبذلك (زالت الازدواجية)، حسب تعبير المدني، وكان أعوان الوزير في تونس هم محمد العساكر وعبد الرحمن شريط وعلال الثعالبي وأحمد بوضربة، وكان العساكر هو ممثله في تونس، كما كان محمد الفرجاني هو ممثله في المغرب، وبوزيان التلمساني ممثله في القاهرة (١).
تراشق المثقفين
نقصد بهذا العنوان ما كان يدور بين المثقفين من تنابز إيجابي أو سلبي حول أصالة الفكر وعلاقته بالقومية والهوية والوطنية والإسلام والعرق أحيانا، وفي هذا النطاق يدخل نقد مالك بن نبي لبعض معاصريه أمثال فرانز فانون ورمضان عبان، ورأي بعض هؤلاء في الثقافة والمثقفين أيام الثورة.
ابن نبي عن رمضان عبان
والواقع أن الثورة نفسها لم تخل من أعمال العنف والتصفيات، ومن الصعب البحث عن مبررات لهذه التصفيات، ومن الممكن عزوها إلى التنافس الشخصي والاتهامات المشبوهة والمرتجلة، ولكن يصعب لمس الحقيقة في مثل هذه الأحداث، وإذا كان العاملون في الميدان لهم مبرراتهم وحججهم في التخلص من بعضهم البعض باسم الغيرة على مصير الثورة تارة وباسم مطاردة شبح الخيانة تارة أخرى فإن حكم مفكر في مقام مالك بن نبي على سياسي ديناميكي في حجم رمضان عبان, يجعل المرء يتساءل بطريقة أكثر إلحاحا
стр. 4470
للوصول إلى الحقيقة، ولا شك أن عددا من علامات الاستفهام ستختفي مع أصحابها قبل أن تجد لها جوابا، ومما يزيد الأمر استغرابا بهذا الصدد أنه لا توجد أفكار مشتركة بين ابن نبي وعبان، كما لا نتصور أن بينهما تنافسا على زعامة ما.
يتهم ابن نبي عبان اتهاما لا غبار عليه بأنه كان يخطط لتحويل الثورة عن مسارها، وأنه رجل (مندس) في الثورة وليس منها، وأن دخوله (أو إدخاله) إلى الثورة كان عملا خارجيا، فهو خطأ - كما يقول - (مولد)، وليس خطأ نابعا من تحول ذاتي للثورة، أو اجتهادا شخصيا لتصحيح مسارها، وأن عبان كان لعبة في يد (الحاوي) الذي يرمز به ابن نبي إلى الاستعمار الذي يقدم ألعابه الخادعة إلى الناس في صورة تغيب عنهم معها الحقيقة، وفي نظر ابن نبي أن مصالي قد قام بدوره ربما عن حسن نية رغم أن مخططه كان يخدم الاستعمار لأنه كان متطابقا مع ما يريده (الاستعمار)، وأن مصالي قد كون في (مدرسته حفنة من الزعماء الصغار) فقتلوه وخانوا الثورة، ثم انتهى الأمر بأن تنكر هو نفسه للثورة تكبرا وغطرسة. أما عبان فإن ابن نبي متأكد من أنه رجل (متواطى ... فتصرفاته المريبة لا تترك ظلا من الشك على هذه الحقيقة،) فقد كان حتى آخر لحظة من حياته يرتضى لنفسه لعبة الحاوي (الاستعمار) ليجهز على الثورة ولكي يغتصب سلطتها ويحاول استعمالها ضد الثورة نفسها (١).
وإذا كان عبان من القادة البارزين وفي مسؤولية خطرة تجعله محط أنظار زملائه في الثورة وهدفا للهجمات الخارجية التي تريد أن توجه الثورة وجهة
стр. 4471
معينة، فإن تيار (معاداة المثقفين) قد امتد أيام الثورة حتى شمل عددا من العاملين في صفوفها بل حتى إلى الطلبة الذين ظهرت منهم كوكبة أخذت تعمل في داخل الثورة نفسها وفي أجهزتها الخارجية في الإعلام والدبلوماسية والسياسة ضمن الوفد الخارجي لجبهة التحرير أو ضمن المنظمات المساندة للثورة والجبهة مثل اتحاد الطلبة، وكان المسؤولون في الثورة يحتاجون فئة المثقفين وفي نفس الوقت يخشون منها - كما سبق - حاضرا ومستقبلا، ولكن ذلك كان يجري تحت الرماد وقلما طفا على السطح إلا في حالات نادرة.
وفي كتابات فرحات عباس، وهو من أبرز المثقفين زمن الثورة وكان رئيسا لحكومتها المؤقتة، وصف دقيق للصراع الذي كان يدور في لقاءات واجتماعات هيئات الثورة مما لا يدع مجالا للشك في أن الجماعة كانوا، بصفة عامة، في مستوى فكري وثقافي هابط، ولم تكن لدى فرحات عباس أية عقدة من المثقفين ولذلك أعلن بافتخار للطلبة في إحدى المناسبات التي جمعته بهم أن الثورة استطاعت في سنوات قصيرة أن تكون منهم إطارات للجزائر المستقلة أكثر مما كون منهم الاحتلال خلال ١٣٠ سنة، وفي كتبه التي ألفها بعد الاستقلال وصف فرحات عباس مجالس وأحاديث زملائه قادة الثورة وصفا لا ينسجم، من الناحية الفكرية والثقافية، مع مسؤولياتهم التاريخية.
ابن نبي عن فانون
ولنبدأ بحديث مالك بن نبي عن فرانز فانون، فقد تعاصر الرجلان، وتشابها في التفكير الثوري والانتماء إلى الجزائر الرافعة علم الحرية ولكنهما اختلفا اختلافا بينا في طبيعة الولاء وعمقه والهدف منه، حتى أصبح من الصعب الجمع بينهما على صعيد واحد لأنهما ينتميان روحيا ووطنيا وعمليا إلى مدرستين مختلفتين: مدرسة تنبع فلسفتها من داخل الجزائر ومدرسة تستمد حيويتها من خارج الجزائر، وليس في ذلك غضاضة في التركيب الشخصي والمزاج ولكن في الطبيعة نفسها، فالطبيعة هي التي أنشأت فرانز فانون في
стр. 4472
المارتنيك وأنشأت مالك بن نبي في الجزائر، والطبيعة نفسها هي التي رسخت روح المسيحية أو الإلحاد في فانون وروح الإسلام والوحدانية في ابن نبي، وربما لا دخل لأي منهما في ذلك، فكل منهما يمكنه أن يقول مع المعري: (هذا ما جناه أبي علي)، هذا التحليل قام به مالك بن نبي نفسه بكل صراحة رغم أنه معني به أيضا.
فقد قارن بين فانون وبين غيره في العلاقة بالجزائر وثورتها وتقاليدها ودينها، وليس هذا (الغير) سوى مالك بن نبي نفسه، كما نظن، يقول ابن نبي: أشير هنا إلى قضية فرانز فانون، مع كل التأثر والتقدير اللذين يستشعرهما كل جزائري عند ذكر فانون، إن عمله سيظل ذا قيمة لا تقدر، ولكنه في نفس الوقت لا يمكنه أن يقود نشيد النضال والعمل للشعب الجزائري لأنه لا يغوص إلى الجذور العميقة في ذاتية هذا الشعب، ولا هو يعانق كلية موضوعيته الاجتماعية والتاريخية، وهذا نقد في غاية الصرامة والوضوح بل وغاية الموضوعية، فمن هو القادر على عزف النشيد الحقيقي للشعب الجزائري، ومن هو القادر على ربط النشيد بالنضال التحرري، والغوص إلى الجذور العميقة في تاريخ الجزائر؟ لقد عرف ابن نبي أولا النشيد بأنه هو الذي يقوم بحشد المكثف للشحنة الكهربائية وهو (أي النشيد) بذلك لا يمكنه أن يتشكل على مسجل أجنبي لأن عملية تركيب النشيد تتم داخل روح الشعب أولا، إذن لقد حاول فانون عزف النشيد ولكنه سجله على سجل أجنبي فلم يبلغ مداه رغم أنه قام بحشد المكثف الكهربائي له، ولكن من خارج التركيبة التي لا تتم إلا داخل روح الشعب الجزائري.
وقد ضرب ابن نبي مثلا حيا على ذلك بقصة غاندي ورفاقه الانجليز. فهؤلاء الرفاق الذين ساعدوه على المطالبة بحقوق الهنود المشروعة، هم الذين - في نظر ابن نبي - عزفوا (النشيد العظيم) الذي قاد الأمة الهندية إلى التحرير، ولكن ذلك لا يكفي، فقد بقي الموقف في حاجة إلى من يتقمص روح الهند الأصلية، ومن ثمة كان دور غاندي الحقيقي، فهو الذي جمع جوهر
стр. 4473
النشيد وألفه من ذات روحه المفعمة بحمية الهند، وهذا هو دور الزعيم الخارج من رحم الشعب، وقياسا على ذلك فإنه لم يكن أمريكيا ذلك الذي ألف نشيد المارسيلية (المارسييز) أو نشيد تجمع العمال (الدولية) ولا كان شيخصا قادما من بلاد أخرى، كما هو الحال مع فرانز فانون (١).
ومع ذلك يعترف ابن نبي بالفضل لفانون لأنه في نظره كان العازف الموسيقي العظيم لأحسن النبرات الثورية المؤلفة من الروح الإفريقية، فهو رافع لواء الحمية الوطنية، وهو مقدم أشجى الألحان الثورية، وهذا اعترافه واضح من ابن نبي لفانون، ولكنه، أي فانون، كان يفتقد، كما يثبت سجله الشخصي (ويقصد به ابن نبي أصوله العرقية ولونه وجغرافيته البشرية) كان يفتقر إلى اللمسة التي تهز الروح الجزائرية التي لها هي أيضا ذاتيتها وخصوصيتها، تلك هي اللمسة التي تربطها - في نظر ابن نبي - بالرعشة المقدسة القادرة على دفع الشعب الجزائري إلى النضال الذي يحرر الشعب من قيوده.
ويصل ابن نبي في نهاية المطاف إلى هدفه وهو تجريد فانون من حق التنظير للثورة الجزائرية، سواء أرادها هو أو أرادها له بعض رفاقه المعجبين به، وقد رأى ابن نبي أنه من الظلم أن نعزو ذلك إلى فانون أو نكلفه ما لا يطيق أو ما لا تسمح به قوانين الطبيعة، فليس فانون بصاحب هذه النظرية الثورية التي أرادها له البعض، ذلك أنه لكي يتكلم الإنسان لغة شعب معين (كالشعب الجزائري) يجب أن يقاسمه معتقداته، فكيف يصح ذلك مع فانون وهو إنسان ملحد (حسب تعبير ابن نبي)؟ أما دوره في بناء (مفهومية إفريقية) فيجب عدم التقليل من شأنه فيه، لأن ذلك سيكون من الظلم له، ولأنه من هذه الناحية يمثل كلا متكاملا لأن فانون يحمل في روحه كل روح إفريقيا، وكل تاريخها، وكل مأساتها (٢).
لقد جعلنا طالع الفصل هذا الرأي الحاسم لابن نبي عن فانون، لأن
стр. 4474
موضوع هذا الفصل يقوم على هذا الأساس، فالعلاقة التي سنتكلم عليها فيه هي علاقة بين المثقفين الجزائريين والمثقفين الفرنسيين، بين المثقفين الأصليين المفعمين بمعتقدات الشعب ولغته وروحه وبين المثقفين العلمانيين الذين تخلوا عن المعتقدات وتجردوا من الروح واللغة فأصبحوا كغيرهم ممن لا وطن لعقيدتهم ولا روح لأفكارهم ولا لغة لتعبيراتهم.
إن الجزائري ولو تجرد من الهموم كلها فإنه لا يستطيع أن يتجرد من هم أهله وأسرته وعقيدته، لذلك لا نستغرب أن يقول النقاد إن كتاب الجزائر بالفرنسية، رغم اتفاق اللغة مع الآخر فإنهم لم يستطيعوا أن يتجردوا من تقاليدهم ومعتقداتهم التي ربما يثورون عليها ولكنهم لا يستطيعون التخلص منها، ولذلك كانوا في حالة توتر دائم.
مصطفى الأشرف
وقبل أن نتناول حياة وأعمال بعض هؤلاء المثقفين وأنصارهم من الفرنسيين، نذكر بعض الخطوط العامة عن كتاب وشعراء ظهروا أيام الثورة وتبنوا قضية الشعب بكل وضوح، من هؤلاء مصطفى الأشرف الذي كتب عدة بحوث استمدها من الوثائق الوطنية التاريخية وجعلها مرتكزا لنظرية اجتماعية تساعد الشعب على التحرر وتخرج المستعمر الذي اعتقد أنه دفن الهوية الجزائرية واستراح، كان الأشرف قد بدأ يشارك ببحوثه الاجتماعية قبل الثورة، فنشر في مجلة (المباحث) التونسية مقالتين على الأقل سنة ١٩٤٥، ومع اندلاع الثورة كتب عدة بحوث دسمة وموثقة في مجلة (الأزمنة الحديثة les temps (modernes التي كان يشرف عليها الفيلسوف جان بول سارتر، كما كتب مسرحية بعنوان (الباب الأخير)، وهي المسرحية التي نشرت ترجمتها بالعربية مجلة الفكر التونسية سنة ١٩٥٥ ولا ندري هل ظهرت أيضا بالفرنسية في إحدى الدوريات (١).
стр. 4475
كذلك نشر الأشرف بحثين هامين في نفس المجلة (الأزمنة الحديثة)، الأول عن الوطنية والأرض في الجزائر، أكتوبر ١٩٥٥، والثاني عن البطولة في الثورة الجزائرية، نوفمبر ١٩٥٩، ويبدو أن مجلة (الفكر) قد نشرتهما بترجمة قام بها عبد الله شريط (١)، وله بحث آخر أشارت إليه المجاهد ونشره أيضا في (الأزمنة الحديثة)، سبتمبر ١٩٥٦، نقل فيه عن كتاب (المرآة) لحمدان خوجة رأيه ضد الاحتلال وموقف المثقفين منه، وكشف فيه الأشرف عن رأي حمدان خوجة عن النفاق والازدواجية في المواقف الفرنسية: فكيف يحتل الفرنسيون الجزائر بينما يساندون استقلال اليونان وبلجيكا وبولندا، ويدعمون في هذه البلدان كيانات قومية مستقلة، أما الجزائر فالفرنسيون قاموا بإلغاء قوميتها واحتلوا أراضيها، وقد نقل الأشرف عن خوجة أيضا أن الجزائريين لا يمكن التغلب عليهم إلا بإحدى وسيلتين: إبادتهم (أو إجلاؤهم)، أو جلاء القوات الفرنسية عن بلادهم، ورأى خوجة، وهو أيضا رأي الأشرف بعد قرن وربع، أنه لا حل للقضية إلا بجلاء قوات الاحتلال إذا كانت فرنسا تريد إدخال الحضارة إلى الجزائر، وفي ذلك نفي لادعاء الفرنسيين أنهم في الجزائر لنشر رسالة حضارية (٢).
стр. 4476
هجرس وابن زين
كان المثقفون باللغة العربية يعيشون وضعا خاصا زمن الاستعمار، فهم يعرفون أن ثقافتهم لها أصول ولها فروع، أما الأصول فهي الثقافة العربية القائمة على اللغة العربية والوعاء الحضاري الإسلامي، ولذلك فإن بقايا المثقفين بالعربية كانوا يعتقدون أنهم هم أصحاب البلاد، فهم الذين حافظوا على التركة الماضية من الاندماج والذوبان في ثقافة الغير، كانوا يعتقدون رغم شعورهم بالموقف الدفاعي - أنهم هم الحصن الذي يحمي الهوية والتراث وأن ثقافة المحتل لا يمكنها أن تمحو ثقافة البلاد المستعمرة مادام هناك تواصل للأجيال داخل الثقافة الأصيلة، ولذلك حرصوا على استمرار تعليم القرآن بدون فهم وحفظ التراث بدون تطوير والتشبث بالماضي اعتمادا على معطيات المستقبل، فالهزيمة وقعت ولكن الانقراض لن يحدث.
أما المثقفون بالفرنسية فقد تقبلوا الواقع واحتملوا التاريخ ورأوا أن الاستعمار له مزايا كما له مساوى، فقد حطم القيم الروحية والكيان السياسي والاقتصادي للجزائر، هذا صحيح، ولكنه فتح أعين البعض على حقيقة التقدم والتخلف، وأنشأ جيلا من العقلانيين والمتعلمين بلغته المنفتحين على الحضارة الأوروبية، مما فتح المجال أمام الاتصال بالآخر، ومعرفة مدى تقدمه والعمل على مشاركته ومعايشته، صحيح أن هناك صراعا بين الأجيال، بين المتعلم بالفرنسية والمتعلم بالعربية، وقد تطور هذا النزاع أثناء حرب التحرير، فقد كانت الضرورة والمعركة الحاسمة ضد الاستعمار قد حتمت لقاء الأجيال على خط واحد وبذلك تحقق تركيب مدهش على الأرض، وقد استسلم الكبار للأمر وفهموا أن الشباب في العهد الجديد لهم الحق في الذهاب إلى الأمام، وهو يكن احتراما كبيرا للقيم القديمة، والحقيقة أن المرء لا يتوقع أكثر من ذلك بين ثقافة فرنسية وثقافة تقليدية، إن الثقافة التقليدية يرجع إليها الفضل في تحصين الجزائر ضد الجهود الاستعمارية لطمس الهوية عند نشر الثقافة الفرنسية بدلها، كما أن عقلانية الثقافة الفرنسية أدت إلى هدم ما كان في ثقافتنا التقليدية من مضادة للعلوم (؟).
стр. 4477
هكذا ذهب الصادق هجرس وهو يحلل تطور الوضع الثقافي داخل التجربة الاستعمارية وبالخصوص منذ حرب التحرير، ولكن الأمر لم يبق كما كان سابقا، ذلك أن التطور شمل مسألة اللغة أيضا، وبناء على رأي هذا المناضل الشيوعي فإن هناك مشكلا لغويا من نوع آخر في الجزائر، وهو تعدد استعمال المجال اللغوي، فهناك أطفال لا يتكلمون سوى القبائلية في عائلاتهم، يعبرون بالعربية عندما يخرجون للشارع، ويتعلمون الفرنسية في المدارس، وبعضهم نشر الجرائد بالعربية الفصحى لسان حال منظمات وطنية، والوثائق الرسمية للحكومة المؤقتة كانت بهذه اللغة، ثم إن العربية الدارجة هي في الغالب المستعملة في المسرح والإذاعة رغم أن الفرنسية هي اللغة العلمية التي تربط الجزائريين بالثقافة العالمية.
هذا هو الوضع اللغوي في الجزائر كما صوره الصادق هجرس في الخمسينات، وكان عليه أن يضيف أن اللهجات العربية الدارجة ليست واحدة، كما أن اللهجات البربرية ليست واحدة، وأن الفصحى العصرية هي الوسيلة الوحيدة للحديث الراقي والأدب الرسمي المدون الذي ستفيد منه الأجيال، وهي لغة الكتب والجرائد والخطب والوثائق الرسمية، وأن الفرنسية ليست سوى وسيلة للاتصال بالخارخ على مستوى معين ولكنها ليست اللغة العالمية الوحيدة، كما أن وسائل الاتصال الحديثة جعلت العربية لا تقل أهمية كأداة اتصال عن الفرنسية.
إن التناقض اللغوي الذي كان عليه الوضع في الجزائر أثناء الثورة قد خلقه الاستعمار وتعكسه اجتماعات جيش التحرير على مستوى القيادات العليا، فهذه الاجتماعات كانت تجري بالفرنسية بينما الرتب العسكرية وبعض المصطلحات التقنية كانت بالعربية الفصحى وكذلك كانت الاجتماعات على مستوى القيادات الولائية وما دونها بالعربية الفصحى أو الدارجة، وربما كانت تجري ببعض اللهجات المحلية أيضا، أما المداولات والتعاليق السياسية والمناقشات مع القاعدة فقد كانت تجري بالعربية الدارجة، أو بالقبائلية أو غيرهما، وأحيانا
стр. 4478
بالفرنسية أيضا (١).
وشبيه بهذا التحليل للوضع اللغوي والثقافي جاء على لسان عبد الحميد بن زين، وهو مثل زميله هجرس في النضال الشيوعي وقت الثورة، فهو الذي كتب المدخل لكتاب هجرس، وفيه مقالتان الأولى نشرها سنة ١٩٦٠ في عدد يناير من مجلة إيديولوجية تسمى النقد الجديد la nouvelle critique، ويصدرها الحزب الشيوعي الفرنسي، فهذه المجلة أصدرت عددا خاصا بالثقافة الجزائرية تضمن مقالات هامة حول الأدب والتاريخ والشعر والموسيقى والمسرح في الجزائر، وقد نقح الكتاب بمناسبة الذكرى الـ ٢٥ للثورة ونشر المقالة القديمة مع مقالة أخرى كتبها سنة ١٩٨٠.
قال ابن زين إن الشيوعيين انتقدوا (ديجول) في مقدمة العدد الخاص من المجلة على نفيه وحدة وسيادة الشعب الجزائري، وإن زميله هجرس قد رجع بأفكاره إلى سنة ١٨٨٠، وشبه ابن زين المدارس القرآنية والإسلام واللغة العربية واللغة البربرية (بحراس الظل) والحصون الواقية للثقافة الوطنية، فقد حافظت على الشخصية الجزائرية ضد المحتل، بل إن اللغة الفرنسية (العدوة) أصبحت ذراعا ضد الإمبريالية الفرنسية، وفي نظره أن تلك العناصر الثقافية (حراس الظل) أصبحت عناصر بائدة أو عتيقة ومع ذلك فإن لها دورا إيجابيا عبر تاريخ الاستعمار.
كان لهجرس ثلاثون سنة فقط عندما كتب مقالته السابقة، ففي سنة ١٩٥٥ غادر مختبر البحث الجامعي وتخلى عن الطب الذي مارسه في الحراش حيث يكثر العمال ودخل عالم السرية حيث بقى ست سنوات ونصف داخل الوطن، وقد اشترك عندئذ مع البشير حاج علي وغيره من الشيوعيين الراسخي العقيدة في إدارة المعركة السياسية والعسكرية والمنخرطين في الحرب إلى جانب جبهة
стр. 4479
التحرير، وقد تقابل مع بشير حاج علي عدة مرات سنة ١٩٥٦ وقابلا معا رمضان عبان وابن خدة للحديث عن وضع الشيوعيين في الثورة وسبيل دمجهم في جيش التحرير، وقبل ذلك كان هجرس رئيسا (لجمعية الطلبة المسلمين الشمال إفريقيين) وهي تنظيم سبق اتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين (لوجيما)، كما كان هجرس عضوا في الكشافة الإسلامية (١).
ولا نرى حاجة الآن إلى الحديث عن عودة الأدباء والشعراء والفنانين إلى حضن المجتمع وإثراء الثقافة بإنتاجهم، ذلك أن الطلبة مثلا سرعان ما سرت فيهم روح الثورة وعبروا بأدبهم عن انشغالاتهم الوطنية مثل بوعلام طايبي (الصديق) الذي كان يدرس الأدب في جامعة الجزائر قبل التحاقه بالثورة ويصبح مسؤولا على الإعلام في الولاية الثالثة، ففد نظم قصيدة في الحرية التي كان جيش التحرير يكافح لاسترجاعها، لقد اختلط الطلبة المثقفون مع الريفيين، أي مع الأجواد رموز الفروسية والنخوة والأصالة، بعد أن درسوا في فرنسا وانقطعوا عن الجذور وعن استعمال اللغة العربية فترة من الزمن، ومن جهته جاء الطالب إلى عالم الريف بالأفكار التقدمية وحاول المواءمة بينها وبين العادات والتقاليد الشعبية، إن كره المثقفين للاستعمار هو الذي جعلهم يختارون النصر أو الاستشهاد، لقد اكتشفوا مجتمعهم الحقيقي في الثورة (٢).
حالة فرانز فانون
سبق القول عن فانون في رأي مالك بن نبي، والآن نتناول فانون نفسه في رأي المعجبين به وخصوصا جريدة المجاهد، فقد كتبت عن حياته وعن تركته
стр. 4480
الفكرية حول الجزائر التي اتخذها نموذجا للتحرر، كان الرجل قد فرض نفسه على الأحداث زمن الثورة، فهو قد ثار على الاستعمار واكتشف ذاته في الثورة الجزائرية، كما اكتشف أصوله وجذور الهوية الإفريقية التي كادت أن تضيع، ومنها الهوية الجزائرية، كما فرض فانون نفسه يوم اندمج في الثورة فعالج مرضاها، ودرس شعبها وراقب تطور حركتها الوطنية، كان فانون جزءا من النظام الثوري فجرد قلمه للتعريف بالثورة وبرجالها وبقاعدتها الشعبية، وتبنى الجزائر وطنا وأصبحت الجذور الإفريقية ممثلة عنده في الهوية الجزائرية وأصبحت هزيمة الاستعمار في الجزائر تعني عنده هزيمة الاستعمار في إفريقيا وعودة الأمل إلى ملايين الزنوج الذين شتتهم السفن الأوروبية في شتى أنحاء العالم وجعلت منهم عبيدا وعمالا في بيئات مختلفة عن بيئاتهم الأصلية.
حين توفي فانون كتبت عنه (المجاهد) مقالا لخصت فيه حياته وفكره وقدمته لقرائها على أنه ابن الجزائر بالتبني وأنه خدمها كما خدمها أحد أبنائها البررة، فقد توفي دون الأربعين سنة من عمره بسبب مرض استعصى علاجه على الأطباء، ورسمت صورته ولكنها لم تذكر تاريخ الوفاة ولا مكانها، ووعدت بالرجوع إليه وإلى تفكيره الثوري، كما وعدت بنشر ترجمة لبعض الفصول من كتابه (معذبو الأرض)، وقد وفت بذلك.
ولد فانون في المارتنيك الخاضعة للاستعمار الفرنسي، وعاش في مدينة ليون الفرنسية، وهو من أب فرنسي وأم مارتنيكية، وتعلم في فرنسا وتخصص في علم النفس وتخرج طبيبا نفسانيا، وقد لاحظ الفرق بين فرنسي وفرنسي نتيجة لونه وأصله، وآمن بالعنف كوسيلة للتخلص من الاستعمار، رغم أن مظهره الهادى لا يدل على اعتناقه مبدأ العنف، وهو - شخص - كما قيل - حساس مرهف المشاعر، وكان يعتقد أن الثورة الجزائرية ليست ثورة محلية وإنما هي ثورة لتحرير الإنسان أينما كان من الاستعمار، كما آمن بالاشتراكية كوسيلة للعدالة الاجتماعية، وبالوحدة الإفريقية، كان فانون هادى المزاج أنيق اللباس يتمتع بوظيفة رفيعة قارة، وكان يمكنه أن يعيش عيشة راضية لو أراد، ولكنه
стр. 4481
اختار حياة النضال من أجل الإنسان وتحرير الأرض، ورفض الزيف والعنصرية، على حد تعبير جريدة جبهة التحرير.
خدم فانون الثورة الجزائرية بقلمه وبلسانه وبعلمه الواسع، وكان يقيم ويعالج في مدينة البليدة حيث كان مديرا لمستشفى الأمراض العقلية، كما عمل مع مناضلي جبهة التحرير في مداواة الجرحى وحملة السلاح، آوى قادة الجبهة عند تنقلهم، وعمل محررا في جريدة (المقاومة الجزائرية) التي سبقت المجاهد، كما رأس بعثة الحكومة المؤقتة في أكرا عاصمة غانا، ومن أعظم الأعمال التي قدمها فانون للثورة الجزائرية هو التعريف بها في الأوساط الفكرية العالمية، فقد وهبه الله قلما ميالا وفكرا متحررا فقدم خدمة جليلة للثورة في ميدان الإعلام والفكر، وقد أصبح كتابه (السنة الخامسة للثورة الجزائرية) مرجعا لحركات التحرير في العالم، وأما كتابه الثاني (معذبو الأرض) فهو وإن لم يصل إلى درجة الأول في الأهمية إلا أنه كان الكتاب الذي حمل أيديولوجية فانون التي أصبحت ملتصقة باسمه كمثور للشعوب المستعمرة ومزلزل للأرض تحت أقدام المستعمرين (١).
اهتمت بكتاب (السنة الخامسة للثورة الجزائرية) دوائر المثقفين وترجم إلى عدة لغات، وكان المرجع للمثقفين اليساريين في العالم ولقادة حركات التحرير الذين انبهروا بأفكار فانون فيه، ومن الجدير بالذكر هنا أننا عندما كنا طلابا في أمريكا خلال الستينات كنا نقرأ في المجلات ونسمع في الندوات الفكرية والطلابية الإشادة بكتاب فانون والاستشهاد بنصوص منه حول ثورة الجزائر التي كانت النموذج لثورات العالم الثالث، وقد تبنته النخبة الإفريقية بالخصوص سواء كانت تعيش في إفريقيا أو كانت متحدرة من أصول إفريقية، وقد عرف الناس عن الثورة الجزائرية من خلال كتابات فانون عنها أكثر ربما من
стр. 4482
جولات وإعلام وفود جبهة التحرير في العالم، لأن الكتاب استطاع أن يغزو المكتبات وموائد المناقشات في الجامعات وغيرها من المراكز البحثية والنخب السياسية ولا سيما حركات الود وحركات التحرير.
ومن جهتها قامت المجاهد بالتعريف بالكتاب وتحليل محتواه وامتدحت صاحبه، ففي مقال لها تناولت العلاقة التي طرأت على المجتمع الجزائري كما حللها فانون في كتابه، ومنها علاقة الابن الأكبر بالأب، ونقرأ من عناوين المقال الفرعية: التناقضات داخل الأسرة والأمة، وأول نوفمبر ١٩٥٤، والابن والأب، والعلاقة بين الأسرة والثورة، ومسألة المرأة في العهد الثوري، وتطور المجتمع الجزائري نتيجة الثورة، والبنت دائما خلف الولد .. وفي تحليلها قالت المجاهد إن المجتمع الجزائري مثل كل المجتمعات التي تقوم على خدمة الأرض يصبح فيها ميلاد الولد أكثر أهمية من ميلاد البنت، فالأب يرى الطفل رفيقا له في خدمة الأرض وخليفة له على الأرض العائلية، وعندما يموت الأب يصبح الابن هو الحامي (والولي) على أمه وأخواته، أما البنت فتبقى ثانوية لأخيها، وهذا التحليل النفسي للواقع الجزائري سنة ١٩٥٩ هو الواقع المتولد عن الثورة، ويظهر أن المجاهد نشرت من الكتاب بعض الصفحات عشية صدوره، وهي صفحات تتعلق بالعائلات الجزائرية وهي في أتون الكفاح (١).
وبعد أقل من سنة توفي فانون وترك كتابه الثاني (معذبو الأرض) وهو الكتاب الذي أسمته المجاهد (الكادحون في الأرض)، وقد ترجمت منه فصولا ولم تنته منه رغم أنها أعلنت أنها صاحبة الحق في ترجمته، ونعت المؤلف بأنه (فقيدنا العظيم) واصفة مقولته (هيا بنا يا إخواني، يجب أن نخلق إنسانا جديدا) بأنها حديث (ضمنه كل حرارة إيمانه الملتهب وعمق فكره النفاذ وسمو روحه المشرقة وغزارة تجربته الثورية الفذة).
стр. 4483
كان فانون يعرف - حسب الجريدة - منذ أكثر من عام أن الموت يترصده. وكان يشعر أن رسالته الثورية، لن تكتمل إلا إذا توجها بعمل فكري خالد يجمع خلاصة دراساته وتجاربه في ميدان الكفاح الثوري وبناء المجتمع الجديد، فكتب كتابه (معذبو الأرض)، وعبرت الجريدة على لسان الجزائريين إنهم فقدوا فيه أخا ورفيقا ومناضلا ومفكرا عظيما، إن هذه الثروة الفكرية الثمينة ستضيء الدرب للإنسانية الجديدة في العالم الثالث، وتخليدا له قررت ترجمة كتابه (معذبو الأرض) إلى العربية، وهو الكتاب الذي أحدث دويا في أوروبا لم يحدثه كتاب آخر - حسب الجريدة - منذ بيان ماركس وإنجلز، وبالفعل تولت أسرة المجاهد ترجمته، واعتبرت نفسها أول من ترجم الكتاب إلى اللغة العربية، كما تعهدت بترجمته إلى أهم اللغات الأخرى في العالم الثالث الذي عاش فانون حياته النضالية والفكرية من أجل أبنائه، وقد افتتحت الترجمة بمقدمة للكتاب كتبها الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر.
لكن بعد نشر المقدمة والفصل الأول في الأعداد التالية بدأت بنشر الفصل الثاني، ثم توقفت الجريدة عن نشر الترجمة الموعودة، ولا ندري إن كانت قد ظهرت في مكان آخر، ذلك أن آخر عدد ظهرت فيه الترجمة هو ٣٠ أبريل ١٩٦٢، وظهرت عبارة (يتبع) في نهاية المكتوب ولكنه لم يتبع بأي شيء، فهل كان لتوقيع اتفاقيات إيفيان (١٨ مارس ١٩٦٢) تأثير على مواصلة نشر بقية الكتاب؟ إن أسرة تحرير المجاهد هي التي لديها الخبر اليقين (١).
وبعد أن انتهينا من تحرير هذه الفقرة من الفصل اطلعنا على ما كتبه محمد الميلي، وهو يضيء هذه النقطة، فقد قال إن وزير الإعلام في الحكومة المؤقتة محمد يزيد، قد كلفه بإصدار المجاهد بالجزائر، كما كلف رضا مالك ومصطفى الأشرف بإصدارها بالفرنسية بالجزائر أيضا، على إثر وقف إطلاق النار، أي خلال شهر أفريل ١٩٦٢، ويضيف الميلي أنه كان الوحيد الذي دخل الجزائر من
стр. 4484
هيئة تحرير القسم العربي في الجريدة، وكان معه علي علية المكلف بالإخراج، أما الآخرون فلم يلتحقوا خوفا - بناء عليه - من إرهاب منظمة الجيش السري (O. A. S). (١).
اضطهاد المثقفين
مع ثورة التحرير ازداد اضطهاد المثقفين الجزائريين ضراوة وقوة، وشمل الاضطهاد كل أنواع التعذيب والقمع بل وصل الأمر إلى الاغتيال بطرق شنيعة، وقد حدث ذلك للمناضلين السياسيين والقادة أيضا، وقد شاعت قصص اغتيال الدكتور بن زرجب، والمحامي ولد عودية، والمحامي علي بومنجل، وقاسم زيدون، والأمين العمودي، وأحمد رضا حوحو، والسعيد الزاهري، والعربي التبسي، والربيع بوشامة، وعبد الكريم العقون، ومولود فرعون ... إن مطاردة المثقفين والقادة كان سياسة منظمة قامت بها عدة أطراف بعد اندلاع الثورة، وقد شملت المطاردة النساء والرجال، فقد ألقي القبض على فتيات في عمر الزهور أمثال زهرة ظريف، ووريدة مداد، وفضيلة سعدان، وقتلت حسيبة بنت بوعلي، وحكم بالإعدام على جميلة بوحيرد وجميلة بوباشا، والسيدة أحريز ...
عند انطلاقة الثورة عبرت جريدة البصائر الأسبوعية عن الحدث بأسلوبها الخاص فقالت في افتتاحيتها بتاريخ ٥ نوفمبر (حوادث الليلة الليلاء ... فوجئت البلاد الجزائرية بعدد عظيم من الحوادث المزعجة، وقعت كلها ما بين الساعة الواحدة والساعة الخامسة من صبيحة الاثنين غرة نوفمبر، وهو عيد ذكرى الأموات، ولقد بلغ عدد تلك الحوادث ما يزيد عن الثلاثين ما بين الحدود التونسية وشرقي عمالة (مقاطعة) وهران، ثم ذكرت أبرز الأحداث وأماكنها
стр. 4485
على المنحة الأولى وأكملتها في الصفحات الداخلية (١)
وفي هذا النص عدد من العبارات الرمزية للتضخيم والتهويل ولكنها لم تصل إلى تسمية ما حدث (ثورة)، أو حتى (تمرد)، بل تفادت البصائر العبارات المباشرة ولجأت إلى عبارات التلميح مثل (الليلة الليلاء) بدل الخطب الجلل أو الحدث العظيم، و (العدد العظيم من الحوادث المزعجة) بدل العدد الكبير والحوادث المثيرة، وتحتمل كلمة (المزعجة) عدة معان، من بينها الخطرة، ثم ذكرت زمان ومكان الحوادث، فالخبر في نظرنا غير محايد رغم أن البعض قد فهمه كذلك، والجريدة لم تكتب الافتتاحية إلا ربما في اليوم الثالث للثورة.
وقد اعتادت البصائر أن تنقل لقرائها أخبار الثورة في أسبوع سواء عن المعارك التي جرت أو عن الأشخاص الذين اعتقلوا أو التصريحات السياسية من الجزائريين والفرنسيين حول الثورة، وقد استمرت لهجتها في تصاعد وحدة إلى أن أعلنت صراحة أنها تدعم الثورة بنشرها بيان المجلس الإداري لجمعية العلماء، ومن بين الحوادث التي كتبت عنها بلهجة حادة: اعتقال الشاعر محمد العيد آل خليفة واعتقال رابح بيطاط أحد قادة الثورة، ومساعده ياسف سعدي، واغتيال الطبيب ابن زرجب، وغيرهم (٢).
المعروف أن الفرنسيين كانوا قد خصصوا سجونا معينة لكل فئة اجتماعية، وفي كتاب (أحداث ومواقف) لمحمد صالح بن عتيق و (ذكريات المعتقلين)