← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

اختار حياة النضال من أجل الإنسان وتحرير الأرض، ورفض الزيف والعنصرية، على حد تعبير جريدة جبهة التحرير. خدم فانون الثورة الجزائرية بقلمه وبلسانه وبعلمه الواسع، وكان يقيم ويعالج في مدينة البليدة حيث كان مديرا لمستشفى الأمراض العقلية، كما عمل مع مناضلي جبهة التحرير في مداواة الجرحى وحملة السلاح، آوى قادة الجبهة عند تنقلهم، وعمل محررا في جريدة (المقاومة الجزائرية) التي سبقت المجاهد، كما رأس بعثة الحكومة المؤقتة في أكرا عاصمة غانا، ومن أعظم الأعمال التي قدمها فانون للثورة الجزائرية هو التعريف بها في الأوساط الفكرية العالمية، فقد وهبه الله قلما ميالا وفكرا متحررا فقدم خدمة جليلة للثورة في ميدان الإعلام والفكر، وقد أصبح كتابه (السنة الخامسة للثورة الجزائرية) مرجعا لحركات التحرير في العالم، وأما كتابه الثاني (معذبو الأرض) فهو وإن لم يصل إلى درجة الأول في الأهمية إلا أنه كان الكتاب الذي حمل أيديولوجية فانون التي أصبحت ملتصقة باسمه كمثور للشعوب المستعمرة ومزلزل للأرض تحت أقدام المستعمرين (١). اهتمت بكتاب (السنة الخامسة للثورة الجزائرية) دوائر المثقفين وترجم إلى عدة لغات، وكان المرجع للمثقفين اليساريين في العالم ولقادة حركات التحرير الذين انبهروا بأفكار فانون فيه، ومن الجدير بالذكر هنا أننا عندما كنا طلابا في أمريكا خلال الستينات كنا نقرأ في المجلات ونسمع في الندوات الفكرية والطلابية الإشادة بكتاب فانون والاستشهاد بنصوص منه حول ثورة الجزائر التي كانت النموذج لثورات العالم الثالث، وقد تبنته النخبة الإفريقية بالخصوص سواء كانت تعيش في إفريقيا أو كانت متحدرة من أصول إفريقية، وقد عرف الناس عن الثورة الجزائرية من خلال كتابات فانون عنها أكثر ربما من

стр. 4482

جولات وإعلام وفود جبهة التحرير في العالم، لأن الكتاب استطاع أن يغزو المكتبات وموائد المناقشات في الجامعات وغيرها من المراكز البحثية والنخب السياسية ولا سيما حركات الود وحركات التحرير. ومن جهتها قامت المجاهد بالتعريف بالكتاب وتحليل محتواه وامتدحت صاحبه، ففي مقال لها تناولت العلاقة التي طرأت على المجتمع الجزائري كما حللها فانون في كتابه، ومنها علاقة الابن الأكبر بالأب، ونقرأ من عناوين المقال الفرعية: التناقضات داخل الأسرة والأمة، وأول نوفمبر ١٩٥٤، والابن والأب، والعلاقة بين الأسرة والثورة، ومسألة المرأة في العهد الثوري، وتطور المجتمع الجزائري نتيجة الثورة، والبنت دائما خلف الولد .. وفي تحليلها قالت المجاهد إن المجتمع الجزائري مثل كل المجتمعات التي تقوم على خدمة الأرض يصبح فيها ميلاد الولد أكثر أهمية من ميلاد البنت، فالأب يرى الطفل رفيقا له في خدمة الأرض وخليفة له على الأرض العائلية، وعندما يموت الأب يصبح الابن هو الحامي (والولي) على أمه وأخواته، أما البنت فتبقى ثانوية لأخيها، وهذا التحليل النفسي للواقع الجزائري سنة ١٩٥٩ هو الواقع المتولد عن الثورة، ويظهر أن المجاهد نشرت من الكتاب بعض الصفحات عشية صدوره، وهي صفحات تتعلق بالعائلات الجزائرية وهي في أتون الكفاح (١). وبعد أقل من سنة توفي فانون وترك كتابه الثاني (معذبو الأرض) وهو الكتاب الذي أسمته المجاهد (الكادحون في الأرض)، وقد ترجمت منه فصولا ولم تنته منه رغم أنها أعلنت أنها صاحبة الحق في ترجمته، ونعت المؤلف بأنه (فقيدنا العظيم) واصفة مقولته (هيا بنا يا إخواني، يجب أن نخلق إنسانا جديدا) بأنها حديث (ضمنه كل حرارة إيمانه الملتهب وعمق فكره النفاذ وسمو روحه المشرقة وغزارة تجربته الثورية الفذة).

стр. 4483

كان فانون يعرف - حسب الجريدة - منذ أكثر من عام أن الموت يترصده. وكان يشعر أن رسالته الثورية، لن تكتمل إلا إذا توجها بعمل فكري خالد يجمع خلاصة دراساته وتجاربه في ميدان الكفاح الثوري وبناء المجتمع الجديد، فكتب كتابه (معذبو الأرض)، وعبرت الجريدة على لسان الجزائريين إنهم فقدوا فيه أخا ورفيقا ومناضلا ومفكرا عظيما، إن هذه الثروة الفكرية الثمينة ستضيء الدرب للإنسانية الجديدة في العالم الثالث، وتخليدا له قررت ترجمة كتابه (معذبو الأرض) إلى العربية، وهو الكتاب الذي أحدث دويا في أوروبا لم يحدثه كتاب آخر - حسب الجريدة - منذ بيان ماركس وإنجلز، وبالفعل تولت أسرة المجاهد ترجمته، واعتبرت نفسها أول من ترجم الكتاب إلى اللغة العربية، كما تعهدت بترجمته إلى أهم اللغات الأخرى في العالم الثالث الذي عاش فانون حياته النضالية والفكرية من أجل أبنائه، وقد افتتحت الترجمة بمقدمة للكتاب كتبها الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر. لكن بعد نشر المقدمة والفصل الأول في الأعداد التالية بدأت بنشر الفصل الثاني، ثم توقفت الجريدة عن نشر الترجمة الموعودة، ولا ندري إن كانت قد ظهرت في مكان آخر، ذلك أن آخر عدد ظهرت فيه الترجمة هو ٣٠ أبريل ١٩٦٢، وظهرت عبارة (يتبع) في نهاية المكتوب ولكنه لم يتبع بأي شيء، فهل كان لتوقيع اتفاقيات إيفيان (١٨ مارس ١٩٦٢) تأثير على مواصلة نشر بقية الكتاب؟ إن أسرة تحرير المجاهد هي التي لديها الخبر اليقين (١). وبعد أن انتهينا من تحرير هذه الفقرة من الفصل اطلعنا على ما كتبه محمد الميلي، وهو يضيء هذه النقطة، فقد قال إن وزير الإعلام في الحكومة المؤقتة محمد يزيد، قد كلفه بإصدار المجاهد بالجزائر، كما كلف رضا مالك ومصطفى الأشرف بإصدارها بالفرنسية بالجزائر أيضا، على إثر وقف إطلاق النار، أي خلال شهر أفريل ١٩٦٢، ويضيف الميلي أنه كان الوحيد الذي دخل الجزائر من

стр. 4484

هيئة تحرير القسم العربي في الجريدة، وكان معه علي علية المكلف بالإخراج، أما الآخرون فلم يلتحقوا خوفا - بناء عليه - من إرهاب منظمة الجيش السري (O. A. S). (١). اضطهاد المثقفين مع ثورة التحرير ازداد اضطهاد المثقفين الجزائريين ضراوة وقوة، وشمل الاضطهاد كل أنواع التعذيب والقمع بل وصل الأمر إلى الاغتيال بطرق شنيعة، وقد حدث ذلك للمناضلين السياسيين والقادة أيضا، وقد شاعت قصص اغتيال الدكتور بن زرجب، والمحامي ولد عودية، والمحامي علي بومنجل، وقاسم زيدون، والأمين العمودي، وأحمد رضا حوحو، والسعيد الزاهري، والعربي التبسي، والربيع بوشامة، وعبد الكريم العقون، ومولود فرعون ... إن مطاردة المثقفين والقادة كان سياسة منظمة قامت بها عدة أطراف بعد اندلاع الثورة، وقد شملت المطاردة النساء والرجال، فقد ألقي القبض على فتيات في عمر الزهور أمثال زهرة ظريف، ووريدة مداد، وفضيلة سعدان، وقتلت حسيبة بنت بوعلي، وحكم بالإعدام على جميلة بوحيرد وجميلة بوباشا، والسيدة أحريز ... عند انطلاقة الثورة عبرت جريدة البصائر الأسبوعية عن الحدث بأسلوبها الخاص فقالت في افتتاحيتها بتاريخ ٥ نوفمبر (حوادث الليلة الليلاء ... فوجئت البلاد الجزائرية بعدد عظيم من الحوادث المزعجة، وقعت كلها ما بين الساعة الواحدة والساعة الخامسة من صبيحة الاثنين غرة نوفمبر، وهو عيد ذكرى الأموات، ولقد بلغ عدد تلك الحوادث ما يزيد عن الثلاثين ما بين الحدود التونسية وشرقي عمالة (مقاطعة) وهران، ثم ذكرت أبرز الأحداث وأماكنها

стр. 4485

على المنحة الأولى وأكملتها في الصفحات الداخلية (١) وفي هذا النص عدد من العبارات الرمزية للتضخيم والتهويل ولكنها لم تصل إلى تسمية ما حدث (ثورة)، أو حتى (تمرد)، بل تفادت البصائر العبارات المباشرة ولجأت إلى عبارات التلميح مثل (الليلة الليلاء) بدل الخطب الجلل أو الحدث العظيم، و (العدد العظيم من الحوادث المزعجة) بدل العدد الكبير والحوادث المثيرة، وتحتمل كلمة (المزعجة) عدة معان، من بينها الخطرة، ثم ذكرت زمان ومكان الحوادث، فالخبر في نظرنا غير محايد رغم أن البعض قد فهمه كذلك، والجريدة لم تكتب الافتتاحية إلا ربما في اليوم الثالث للثورة. وقد اعتادت البصائر أن تنقل لقرائها أخبار الثورة في أسبوع سواء عن المعارك التي جرت أو عن الأشخاص الذين اعتقلوا أو التصريحات السياسية من الجزائريين والفرنسيين حول الثورة، وقد استمرت لهجتها في تصاعد وحدة إلى أن أعلنت صراحة أنها تدعم الثورة بنشرها بيان المجلس الإداري لجمعية العلماء، ومن بين الحوادث التي كتبت عنها بلهجة حادة: اعتقال الشاعر محمد العيد آل خليفة واعتقال رابح بيطاط أحد قادة الثورة، ومساعده ياسف سعدي، واغتيال الطبيب ابن زرجب، وغيرهم (٢). المعروف أن الفرنسيين كانوا قد خصصوا سجونا معينة لكل فئة اجتماعية، وفي كتاب (أحداث ومواقف) لمحمد صالح بن عتيق و (ذكريات المعتقلين)

стр. 4486

لمحمد الطاهر عزوي وغيرهما أخبار مفيدة في هذا الصدد، يقول ابن عتيق إن الفرنسيين نقلوهم من سجن البرواقية إلى سجن بودي ثم ثنية الحد، ثم توجهوا بهم عبر السرسو إلى سوقر، وواصلوا السير إلى آفلو حيث جمع معتقلها نخبة من جمعية العلماء وحزب الشعب وحزب البيان، وكانت إدارة السجن العسكرية تعامل الجميع بالشدة، فكانت تطلق سراح البعض ثم يقتلونهم في الطريق غدرا، كما جاءوا بجماعة من طلبة إحدى زوايا آفلو، ثم نقلوهم منها إلى معتقل آركول إحدى ضواحي وهران، ثم ذكر سجن بوسوي الذي كان يضم حوالي ألف شخص، وقد انضم إليهم معتقلو الشحمي وسان لو، وحين رفضوا تحية العلم الفرنسي عاقبوهم بشدة، وبعد بقاء ابن عتيق ثمانية وعشرين شهرا في معتقل بوسوي غادره متأسفا على فراق بعض زملائه مثل الشيخ عبد القادر الياجوري الذي ودعه (أي الياجوري) بأبيات: غيض بحر العروض يا ابن عتيق ... ودموعي تسيل سيل العقيق ليت شعري يفيض مثل دموعي ... فيعيننا على وداع الصديق ولو أن الدموع تغرق ناري ... فأكون الغريق وسط الحريق ضاع شعري، وضاع عمري وأنتم ... يا زميلي أدرى بكل رفيق وسلام عليكم ما أقمتم ... أو ذهبتم سلام داع شفيق (١) لقد قصدنا ذكر المعتقلات والسجون التي أوردها ابن عتيق في الناحية الغربية، (كما أن عزوي ذكر عددا منها في الناحية الشرقية)، لندرك أن الجزائر خلال الثورة كانت تضم أعدادا كبيرة من السجون، وأن هذه السجون كانت غاصة بالمعتقلين مما جعل السلطات تلجأ إلى إقامة المحتشدات، وكانت السجون مصنفة حسب الفئات التي تقاد إليها، وكانت بعض الأفكار والمناقشات تجري فيها، بالإضافة إلى التعلم لمختلف المعارف والعلوم، ومنها اللغة العربية والدين الإسلامي، فكل من كان يعرف مهنة أو يتقن علما أو لغة كان يتبادله مع

стр. 4487

زملائه، فكان هناك نظام تعاوني تعليمي حميم، تزيده المحنة المشتركة والآمال الواحدة تلاحما ورضا، كما أننا ذكرنا هذا العدد من السجون لنشير إلي أن عامة الناس كانوا يؤخذون إلى المحتشدات الجماعية وليس إلى هذه السجون المنظمة والمصنفة، وأخيرا نذكر أن الحياة في السجن هي إحدى خطوات العقاب والتعذيب النفسي والبدني. أما أنوع التعذيب الحقيقي فقد روتها الكتب والشهادات وعاشها الرجال والنساء من أجل استنطاق سجين أو متهم بالانتماء للثورة أو بتقديم المساعدة لها أو أسير أثناء معركة ... وقد صدرت أيضا كتب وشهادات تستنكر ما ارتكبته الفرق المتخصصة في الجيش والمخابرات والقوات الخاصة من فظائع في حق المعتقلين، وقد فصل البعض ألوان العذاب الذي صب عليهم أثناء الاستنطاق، وهذه الأنواع هي: التعذيب بالكهرباء - تشريب الماء - دفن الأحياء - الإجلاس على القناني - تحريش الكلاب الضارية - نزع الأظافر وقلع الأسنان - إطلاق النار وإشهار السلاح - التعليق منكسا - الجلد والركل والضرب بمؤخرات البنادق - الموت البطيء - الإعدام (١). ومن الكتب التي صدرت في هذا المجال كتاب عنوانه (ضد التعذيب) لهنري سيمون الذي ترجم إلى العربية، وكتاب جول روا (حرب الجزائر) وقد ترجم أيضا إلى العربية وصدر سنة ١٩٦١، وكتاب هنري أليغ (الاستجواب) الذي وصف فيه التعذيب كما عاناه شخصيا من جنود المظلات سنة ١٩٥٨، إضافة إلى قصة موريس أودان الشهيرة، وقد أسهم جان بول سارتر في الموضوع بعارنا في الجزائر، والجلادون (وكلاهما سنة ١٩٥٨) وسارجان شرايبر (ليطنان في الجزائر) الصادر سنة ١٩٥٧، وكل هذه الكتب وجدت طريقها إلى

стр. 4488

العربية حين صدورها بالفرنسية. فيما يخص هنري أليغ صاحب كتاب الاستجواب المذكور نشير إلى أنه كان عضوا في الحزب الشيوعي الجزائري ومديرا لجريدة (الجزائر الجمهورية) بين ١٩٥٠ - ١٩٥٥، وهي الجريدة التي منعت من الصدور في سبتمبر من هذه السنة، وفي سنة نوفمبر ١٩٥٦ دخل أليغ في السرية هروبا من الاعتقال لكن قبض عليه في ١٢ يونيو ١٩٥٧ واحتجز في الأبيار مدة شهر، وخلال هذه المدة تعرض لما وصفه في كتابه الاستجواب، وأنهى الكتاب في اللحظة التي كان سينقل فيها إلى معتقل (لودي)، ومن هناك سرب أليغ إلى فرنسا نص الشكوى التي سجلها في آخر يوليو بين يدي المدعي العام بالجزائر وهي الشكوى التي استنكر فيها التعذيب الذي كان هو من ضحاياه، وقد أحدثت الشكوى هزة عنيفة في الأوساط الفرنسية والعالمية، ومنذ ذلك التاريخ راحت الإشاعات تتحدث عن اختفاء أو خطف أو موت هنري أليغ، ثم ظهر في شهر أغسطس وقدم أمام القاضي، فحكم عليه بالسجن المدني بالجزائر. وقد فتحت محاكمته المجال أمام الآخرين ليقدموا أيضا شكاواهم للمحكمة، ويقول إنه فعل ما فعل دفاعا عن فرسا لأن اللجوء إلى التعذيب يضر بسمعتها، وقد ذكر من الأشخاص الذين (اختفوا) الشيخ العربي التبسي، والدكتور الشريف الزهار وموريس أودان الذي اعتقل وعذب مثله (١). في مذكرات محمد الصالح بن عتيق حديث عن (الشيوخ) الذين التقوا في سجن واحد أحيانا وهم: عبد القادر الياجوري، وعلي بن سعد، والسعيد صالحي، ومحمد الشبوكي، وأحمد سحنون، والبجيلالي الفارسي، وحمزة بوكوشة، ومصباح الحويذق، وجميعهم أعضاء بارزون في جمعية العلماء.

стр. 4489

وفيهم الأديب والشاعر والخطب والواعظ ... كان ذلك سنوات ١٩٥٦ - ١٩٥٩، وقد ذكر الشيخ ابن عتيق أن هناك شخصيات أخرى سياسية وعلمية مثل: د. رابح كربوس، د. أحمد عروة، د. ابن خليل، د. بوعياد، ود. جناس، ود. ابن عربية، ود. ماطي (أو معطي؟)، ود. بلوزادا، والسيد محمود زرطال، والمحامي ابن تومي، والسيد بن ملحة، وأحمد خطاب، وعلاوة السعيد، ومحمد بن تفنة، وعبد القادر عابد، وعلي يحياوي، وسعيد ماموش والعربي رولة، إلى جانب هؤلاء كان هناك مجموعة من طلبة الزوايا قال إنهم كانوا تحت التعذيب يصرخون وهم يعذبون بالماء والكهرباء وقطع الأظافر، فكان صراخهم (تصطك منه الأبدان)، وقد فكروا في الهروب عبر قناة، وكانوا على اتصال بالمجاهدين. وأمام هذه المحن كان الشيوخ وغيرهم يعقدون مجالس يروحون بها عن أنفسهم وعن المعتقلين عموما، وذلك بالقصص والنوادر لكي يخففوا بها من تصرفات الحراس الأجلاف ومزعجات الإدارة (١). وكلما تقدم قطار الثورة اشتدت السلطات الفرنسية في القمع واستعمال وسائل التعذيب للحصول على الأخبار، وسرعان ما بدأت تتكشف الفظائع التي كان يستعملها رجال متخصصون في التعذيب الذي طبق على الطلبة والقادة والشيوخ والشباب المثقف والمواطنين العاديين، بل حتى على النساء والأطفال، وقد صودرت عدة كتب تنعى على (زبانية) الإدارة استعمالهم الوسائل المحرمة، ولكن الضمير العالمي ومنظمات حقوق الإنسان عندئذ كانت في غيبوبة ... وكأن ما كان يمارس في الجزائر لا يجري على الأرض بل في كوكب آخر، وكانت الأخبار التي لا تكاد تصدق تتسرب من بعض أفراد الجيش الفرنسي الهاربين أو المسرحين، ومنهم أفراد فروا من فرقة اللفيف الأجنبي، وكذلك من بعض الجزائريين الناجين، ومن الذين استيقظت ضمائرهم من رجال

стр. 4490

الكنيسة وبعض السياسيين الذين كانوا يريدون أن يحتفظوا لهم بمكانة في المجتمع والسياسة، وأخيرا صدرت أخبار التعذيب عن بعض المحامين عن جزائريين وجزائريات في المعتقلات والمحاكم، وبعض المثقفين الذين دفعهم وخز الضمير الإنساني إلى التصريح والاستنكار، وسنذكر بعض هذه المؤلفات والتصريحات التي حاولت الحكومة الفرنسية إخفاءها والسكوت عنها في أول الأمر. الجرح المتعفن صدر كتاب سنة ١٩٥٩ بعنوان (الجرح المتعفن) في باريس احتوى على سرد وقائع التعذيب للطلبة الجزائريين، وقد وصف الكتاب عمليات التعذيب (أنظر سابقا) بدقة، وهي العمليات التي قامت بها الشرطة الفرنسية، وهناك أربعة طلاب هم الذين شهدوا بمحتوى هذا الكتاب، وكانوا من بين الطلبة الذين أوقفتهم الشرطة في ديسمبر ١٩٥٨ في باريس، بتهمة المساس بأمن الدولة وهم: البشير بومعزة وموسى قبائلي وابن عيسى سواحي، ومصطفى فرنسيس شقيق أحمد فرنسيس السياسي المعروف، وقامت السلطات بمصادرة الكتاب بعد ظهوره بدعوى أنه يسيء إلى سمعة الشرطة باتهام غير ثابت، وهو الأمر الذي لم يقنع الصحافة الفرنسية فكتبت عنه تعاليق، وقد ظلت المجاهد تنشر تعاليق الصحف الفرنسية حول الكتاب وموقف السلطة منه، على أساس أن التعذيب لا يضر بالمعذب فقط ولكن بالفاعل أيضا، وأشارت إلى أن بومعزة قد نقل إلى سجن مجهول، وفي عدد لاحق أوردت شهادة من بعض الطلبة تؤكد استعمال وسائل التعذيب كما نص عليها الكتاب (١). وتحت عنوان (وحشية المتمدنين) نقلت المجاهد مقالة لأحد الأطباء الجزائريين كان قد نشرها بالفرنسية في جريدة (الطليعة) المغربية، صور الطبيب

стр. 4491

كيف يعذب الفرنسيون المثقفين وغير المثقفين في المعتقلات التي أقاموها لهم، أما المثقف فقد كان يدعى إلى التعاون معهم والبحث له عن مبررات، وبذلك يصبح مجبرا على أداء أحد دورين: التخلي عن الوطنية ومهاجمة قناعاته الفكرية، ويكون المطلوب منه التحدث (بحرية) مع المعارضين للوطنية وتقديم أبحاث عن إنجازات فرنسا وفضائل الاستعمار، وفي هذه الحالة يحيطونه بضباط الشؤون الأهلية (المخابرات) والنفسانيين المختصين، أما الدور الثاني فهو مساءلة أطروحة الثورة والتنكر لوجود أمة جزائرية أو شعب جزائري، وكذلك التنكر للوطنية، ومن ثمة يصبح الثوار أناسا مجرمين في نظره. بذلك يصبح المثقف أداة في يد السلطة الاستعمارية تستعملها لصالحها ويصبح المثقفون ممثلين مسرحيين بطريقة مقنعة، كما على المثقف في هذه الحالة أن يبرهن بأبحاثه على طريقة مقنعة أيضا، وهو لا يترك وحده بل يكون محاطا بالمستشارين الذين يعطونه نقاطا على أبحاثه وأهميتها، ولا يترك في عزلة بل يكون دائما في جماعة، وقد يعدونه بالخروج من المعتقل إذا أحسن التعامل معهم، ولكنه يواجه وخز الضمير ويصبح متوجسا من نفسه ومن الآخرين: ماذا سيقول عنه إخوانه الذين سيتركهم وراءه يعانون وهو طليق، وقد تراوده أفكار أخرى: ماذا لو التحق بعد ذلك بالمجاهدين، من سيصدقه منهم؟ وما الوصمة التي سيصمونه بها، وهل قام بدور حقيقي أو كان مجرد ممثل؟ (١). كانت وسائل إعلام جبهة التحرير دائمة الحديث عن تعذيب واغتيال المثقفين العاملين في صفوفها، من ذلك ما حدث للمحامي علي بومنجل، والأديب أحمد رضا حوحو، والشيخ العربي التبسي نائب رئيس جمعية العلماء، كما تحدثت عن بلاغات لاتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين حول مسائل سياسية ونقابية تتعلق باضطهاد الطلبة. وكان اغتيال الدكتور ابن عودة بن زرجب حادثا بارزا في تاريخ اغتيال

стр. 4492

المثقفين مما جعل (البصائر) تقدم العزاء فيه وتنشر الخبر باهتمام كبير وتعلق عليه وتشارك أهالي تلمسان حزنهم عليه، وتشيد بموقفه الوطني، وقد روت ذلك بلهجة متأثرة ومؤثرة فقالت: اغتيل ابن زرجب قريبا من قرية سبدو، حسبما جاء في جريدة (لوموند)، وكان يداوي جرحى الثوار ويمدهم بالأدوية والضمادات، وكان قد اشترى آلة نسخ، ورفضت الرواية الرسمية التي تقول إنه قتل لأنه حاول الفرار واعتبرت ذلك حديث خرافة (١). وفي العدد الموالي رجعت البصائر إلى الموضوع ففندت نفس الرواية الرسمية وقالت إنه رجل ضعيف الجسم وضعيف النظر ولا يكاد يرى الأوراق من وراء نظاراته السميكة، ولا يسير في الطريق إلا بمشقة لإصابته في حادث سيارة في عهد قريب، فكيف يفلت من قبضة ثلاثة من الدرك ويفر حتى يقتلونه؟ (٢). وبعد فترة أصبحنا نملك معلومات وافية عن الطبيب ابن زرجب لم تكن متوفرة عند اغتياله، فهو من مواليد تلمسان في ٩ فبراير سنة ١٩٢١، ومن عائلة غنية، وكان والده يتاجر في السجائر، وتحصل الابن على الثانوية العامة (الباكلوريا)، وعلى شهادة عليا في الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، ثم التحق بجامعة الجزائر، ثم بجامعة مونبلييه لدراسة الطب، بدأ نشاطه السياسي الوطني في باريس، عندما أصبح كاتبا عاما لجمعية الطلبة المسلمين بشمال إفريقيا التي كان مقرها ١٥ شارع سان ميشال، سنة ١٩٤٢ - ١٩٤٣، كما ناضل في اللجنة الفلسطينية العربية، وفي سنة ١٩٤٥ رجع إلى الجزائر ولكنه لم يلبث أن عاد إلى فرنسا سنة ١٩٤٨ ليواصل نشاطه الدراسي والسياسي، وقد حصل في نفس السنة على الدكتوراه في الطب في تخصص سرطان الدم، وفتح عيادته في تلمسان. وبعد اندلاع الثورة انخرط في جبهة التحرير الوطني، فكان يجمع الأدوية

стр. 4493

ويرسلها إلى الثوار، وكان يداوي المرضى ليلا في الجبال المجاورة، وخلال النهار كان يقوم بعلاج مرضاه العاديين في عيادته، وكذلك جرحى الثوار، جرى اتصال بينه وبين هواري بومدين عندما كان هذا مسؤولا على الولاية الخامسة، واتفقا على شراء آلة نسخ (رونيو) بتكليف من جبهة التحرير من أجل طباعة الإعلانات والبلاغات، وكان شراء هذه الآلة ممنوعا إلا برخصة خاصة من الشرطة. وقدم ابن زرجب وصلا مزيفا بالثمن إلى البائع بوهران ورجعا (هو وبومدين) إلى تلمسان، وافترقا في الرمشي التي تبعد حوالي ٢٥ ك، م شمال تلمسان، كان ذلك يوم ١٣ يناير ١٩٥٦، ومنذ ذلك الحين اختفت أخباره، فقد قبض عليه بعد أن وشى به البائع الفرنسي، ثم أطلق سراحه لمعرفة الجهة التي يتعامل معها، وكان تحت الرقابة المشددة، ورافقه ضابطان إلى عيادته، وقد زاره أحد المناضلين (وهو قويدر دالي يوسف) في عيادته وأخبره بالموضوع واستحالة الهروب، لقد أخضعوه للتعذيب فأقر بأن الآلة موجودة في سبدو فنقلوه على متن سيارة (جيب)، وعندما وصلوا إلى دوار ولد حليمة الذي يبعد ٤ ك، م من سبدو، حاول الهرب فأطلقت عليه الشرطة النار في ١٧ يناير ١٩٥٦، وعندما شاع خبر اغتياله ضج الناس في تلمسان وخرجوا في جنازته بالآلاف (١٢ ألف حسب التقرير)، فكان لحادث اغتياله رد فعل شعبي منقطع النظير، فأفاد الثورة شهيدا كما أفادها طبيبا (١). أما ولد عودية (واسمه مقران أومقران) فقد تلقى تهديدا بالقتل لأنه كان يحامي على أعضاء جبهة التحرير في فرنسا، وبعد تسعة أيام من اتصاله بالتهديد جرى اغتياله فعلا في باريس في ١٣ مايو ١٩٥٩، وقد اتهمت المجاهد منظمة فرنسية إرهابية بقتله لأن القاتل ينتمي إليها، وهذه المنظمة مستعدة في رأيها لاغتيال كل من يحامي على أعضاء الجبهة سواء كانوا جزائريين أو فرنسيين.

стр. 4494

وقد غطت (المجاهد) حادثة اغتيال ولد عودية وجاءت بأخبار مفصلة عن التعذيب أيضا. كان ولد عودية عندئذ يحامي على مجموعة من الطلبة اعتقلتهم السلطات الفرنسية (وعددهم خمسة عشر) بتهمة الإضرار بأمن الدولة الخارجي وببعث تنظيم منحل، وكانت محاكمتهم مقررة يوم ٢٣ مايو ١٩٥٩ في باريس، وعشية المحاكمة وجد المحامي ولد عودية مقتولا عند باب مكتبه، وقد تأجلت المحاكمة شهرا ولكن لم يطلق سراح الطلبة (١). وقد أخطرت اللجنة التنفيذية لاتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين (UGEMA) المنظمات الطلابية في العالم، فكان للخبر ردود فعل حاضرة مما جعل السلطات الفرنسية تأخذ بعين الاعتبار هذه الاحتجاجات، وقد أوردت (المجاهد) أسماء عدد من هذه المنظمات الطلابية الدولية. ويمثل اغتيال علي بومنحل ومقران ولد عودية والدكتور ابن زرجب وأمثالهم صفحة من عمليات التصفيات الجسدية التي قامت بها تنظيمات إرهابية أو أجهزة الشرطة والمخابرات الخاصة الفرنسية ضد عناصر المثقفين الجزائريين، وقد أشارت المجاهد (بالفرنسية) في مقالة طويلة إلى ظروف اغتيال ولد عودية وآيت الحسن في بون (ألمانيا)، وظروف اغتيال علي بومنجل في مدينة الجزائر، ولكنها لم تشر - حسب علمنا - إلى اغتيال الشيخ العربي التبسي ولا أحمد رضا حوحو ولا عبد الكريم العقون ولا الربيع بوشامة وأمثالهم. ولكنها هاجمت الصحافة الفرنسية والطريقة التي عالجت بها موضوع الاغتيالات مثل تسمية ولد عودية بـ (محامي جبهة التحرير)، وفي نفس الوقت أشارت المجاهد إلى جميلة بوحيرد وإلى محاميها فيرجيس وإلى المحامية جيزيل حليمي التي حامت عن جميلة بوباشا، وإلى موريس أودان الذي قتل تحت التعذيب لتقديمه خدمات إلى الثورة حسب قناعته الإيديولوجية (الشيوعية). كما

стр. 4495

أشارت إلى توفيني Thuveny الذي اغتيل في الرباط (١). إن عمليات الاغتيال ضد المثقفين الجزائريين بلغت مرحلة مكثفة ومعقدة كلما اقترب الاستقلال، ومن أواخر ضحاياها الأديب مولود فرعون، فقد اغتيل مع رفاق له بعد وقف إطلاق النار أثناء اجتماع تربوي في إحدى المدارس، وكانت الدعاوى الفرنسية كثيرة وغير مقنعة، ويظهر أنه كانت هناك انفعالات وسوء تنسيق بين السلطة الرسمية وأجهزتها العاملة في الميدان سواء في الجزائر أو في فرنسا نفسها أو خارجهما. أدباء اللغة الفرنسية مقدمات عندما كنت في القاهرة أيام الثورة سألت الحاج يعلى (محمد يعلى) عن أدباء الجزائر بالفرنسية، وهو نفسه أديب وسياسي، وكان ذلك في منتصف الخمسينات، فقد كنت أسمع عن بعضهم من خلال الدوريات العربية التي أخذت تترجم وتنشر أخبارهم لعلاقة أدبهم بالثورة الجزائرية، ولأن النقاد الفرنسيين كانوا يتحدثون عنهم في شيء من الاعتزاز أحيانا باعتبار أدبهم ما هو إلا نتاج (مدرسة الجزائر) الأدبية الفرنسية، وأحيانا كانت تتحدث عنهم في شيء من الدهشة والاستغراب باعتبار أدبهم أدبا هجينا مركبا من زيجة عربية - فرنسية، وكانت الصحف والدوريات العربية ولوعة بالأدب الأجنبي ولو كان من أتفه الإنتاج إذا كان منتجوه من العرب أنفسهم كحالة الأدب الجزائري الذي اكتشفته تلك الدوريات من خلال اللغة الأجنبية، فكانت (عقدة الخواجة) وراء العناية بأدب محمد ديب وكاتب ياسين ومولود معمري ومولود فرعون ومالك حداد، فانهالوا عليه ترجمة وتعريفا وتنويها بأصحابه الذين كانوا يدافعون عن قضية بلادهم بالقلم لا بالسلاح وبالكلمة لا بالبندقية وبالحوار لا بالعراك.

стр. 4496

وبصوت المستضعفين لا صوت الثوار الأقوياء، وصوت التسامح والحيرة لا صوت الصمود والثقة في النفس. سألت حينئذ الحاج يعلى عن جيله من الأدباء فأعطاني قائمة، منها من ذكرتهم سابقا ومضافا إليها: آية جعفر، نور الدين التدافي، الشريف بن حبيلس (أول من كتب القصة في نظره)، وعبد القادر حاج حمو، والشريف الساحلي (الذي تخصص في التاريخ وكتب كتابا بعنوان رسالة يوغرطة وكتابا آخر بعنوان فارس العقيدة عن الأمير عبد القادر)، وسفير البودالي (الذي نظم الشعر وكتب المقالات عن الموسيقى العربية)، وسعد الدين بن شنب (الذي اهتم بالدراسات الأدبية والنقدية ونال شهادة الدكتوراه عن الشعر العربي المعاصر)، وقريبع النبهاني (الذي تخصص في فلسفة الجمال)، وعبد الله نقلي (الذي ألف مسرحية عن الكاهنة)، ومالك واري (الأديب والصحفي)، كما نبهني الحاج يعلى أن هناك أدباء فرنسيين من الجزائر وهم ألبير كامو، وإيمانويل روبلس، وجان سيناك. ولا أدري لماذا لم يذكر لي الحاج يعلى عندئذ مصطفى الأشرف، ربما لأنه ليس شاعرا ولا قصاصا، ولكنه لم يذكر لي بشير حاج علي وهو شاعر وأديب وعضو في الحزب الشيوعي الجزائري، ولا محمد حربي المعروف باتجاهه الماركسي، ولا الصادق لهجرس الكاتب والطبيب والعضو أيضا في الحزب الشيوعي الجزائري، ولا عبد الحميد بن زين الأديب الصحفي الاشتراكي أيضا (وهؤلاء جميعا كانوا من أسرة تحرير جريدة - الجزائر الجمهورية - المعروفة باتجاهها اليساري والمشتلة التي نمت فيها معظم الأسماء السابقة، كما لم يذكر لي الحاج يعلى آسيا جبار التي كان نجمها آخذا في الصعود (١).

стр. 4497

أما سعد الدين بن شنب فكان من كتاب الدراسات الأدبية والنقدية، كما سبق، وقد نشر عدة مقالات في مجلة (هنا الجزائر) ومجلة (الأديب) البيروتية، و (المجلة الإفريقية)، وبعض الموسوعات، وكان يساهم في الكتابة باللغتين العربية والفرنسية، ومن كتاباته في هذا المجال التي لم يسبق لنا الحديث عنها (كتاب التعبير الفرنسي) في مجلة الجزائر والصحراء Algérie - Sahara المجلد ٢، باريس، وكذلك الموسوعة الاستعمارية والبحرية (موسوعة الإمبراطورية الفرنسية) سنة ١٩٤٨، ص ٢٥٢ - ٢٥٣، (أما الصفحات من ٢٤٨ - ٢٥٣ فمخصصة للأدب باللغة العربية)، وفي فبراير سنة ١٩٥٧ أصدرت مجلة الجزائر (Algérie) عددا خاصا تضمن أخبارا عن الأدباء والكتاب الآتية أسماؤهم: محمد حربي، مصطفى الأشرف وكاتب ياسين وآخرين من كتاب اللغة الفرنسية، بالإضافة إلى عدد من كتاب اللغة العربية، كما أسهم ابن شنب أيضا في كتاب بعنوان (المدخل إلى معرفة الجزائر) تعاون عليه عدد من الكتاب الفرنسيين، واختص هو بكتابة فصل عن أدباء الجزائر باللغة العربية الفصحى (١). أنتج كتاب الجزائر بالفرنسية في ميدان الشعر والنشر، لا سيما في القصة والرواية، وفيهم من كتب في النقد الأدبي والدراسة والمقالة الصحفية والفنية، وغلب على بعضهم الشعر كما غلبت على آخرين القصة، ونتناول أولا بعض القضايا التي اتفقوا فيها والخصائص المشتركة بينهم حين اكتشف مثقفو الوطن العربي أن في الجزائر عربا يكتبون أدبهم باللغة الفرنسية فاهتموا بهم وما كادوا يصدقون، وكانت أحداث الثورة تلفت النظر إلى كل ما هو جزائري، وكان الإعلام الفرنسي يسلط الأضواء على مبدعي الأدب الفرنسي في الجزائر معتبرا بعضهم دليلا على نجاح مهمة فرنسا الحضارية التي كانت عنوان احتلالها للجزائر. وزاد من التركيز على هذا الاهتمام غير المسبوق غياب أي تعريف بالأدب

стр. 4498

العربي خارج الجزائر، ماضيا وحاضرا، فيما عدا الشيخ البشير الإبراهيمي الذي لم يكن يعرفه في المشرق إلا جيل قديم محدود من اللغويين ودعاة السلفية والإصلاح، وهكذا فإن جيلا من المثقفين الفاعلين في المشرق العربي لا يكاد يعرف شيئا عن محمد العيد آل خليفة ولا مفدي زكرياء، ولا حتى ابن باديس صاحب الشهاب والدعوة الإصلاحية التي هزت الجزائر، وبذلك انحصر الاهتمام بالأدب الجزائري في إنتاج جيل من الشباب يكتب بالفرنسية وما تقدمه عنه الصحف الأدبية والنوادي الفرنسية من شهرة ونقد وتعريف وجوائز وتعاليق، وهذا الجيل هو الذي سنقدم بعض أعلامه وإنتاجهم بعد قليل، (عن شعراء هذا الجيل انظر فصل الشعر). محمد ديب بلا منازع هو أبو الرواية الجزائرية المعاصرة، هكذا بدأت إحدى البيانات الأجنبية المطبوعة عن محمد ديب، اشتغرق عهده نصف قرن من العطاء الأدبي، ولد في تلمسان ٢١ يوليو ١٩٢٠ من عائلة برجوازية محطمة، تابع دراسته الابتدائية والثانوية في تلمسان ثم في وجدة، بدأ يكتب الشعر ويرسم عندما بلغ خمسة عشر عاما، سمي معلما في وجدة ثم محاسبا في مكاتب الجيش أثناء الحرب العالمية الثانية ومترجما عند جيش الحلفاء, وبعد الحرب رجع إلى تلمسان وأصبح مصمما للزرابي، وابتداء من الخمسينات عمل صحفيا في جريدة الجزائر الجمهورية الشيوعية كما كتب في جريدة الحرية، وهي لسان حال الحزب الشيوعي الجزائري، وفي ١٩٥٢ أصدر أولى رواياته وهي الدار الكبيرة ثم تلتها الحريق ثم النول، وهي ثلاثيته الشهيرة. بدأ ديب بالقصص والشعر السريالي، وإنما الظروف التي كانت تعيشها الجزائر هي التي دفعته إلى الواقعية، فأصبح روائيا (وطنيا) كما قال (أراغون) الذي اعتبر ذلك من محمد ديب جرأة لكونه غامر في دخول عالم الرواية الوطنية الجزائرية، وبعد الاستقلال رجع ديب إلى السريالية والأسطورية

стр. 4499

(الميثيولوجيا)، وأصبحت روايته أكثر نضجا، فإلى جانب الإلياذة نجد عنده عالم كافكا الجهنمي. كان ديب كاتبا إنسانيا يتشرف مستقبل الكائن البشري ويشعر بما هو أبعد من الحدود والحواجز، وله أعمال كثيرة وصلت إلى أربعة وعشرين عنوانا بين رواية وقصة وشعر، ومن أعماله المؤلفة بين ١٩٥٢ - ١٩٦٢ الثلاثية المذكورة، وفي المقهى، والظل الحارس (شعر)، وض يتذكر البحر، وبابا فكران (رواية). بالقياس إلى زملائه حظي محمد ديب بدراسات تحليلية أكثر وأعمق، فقد ترجمت له جريدة (المجاهد) بعض قصصه ونشرتها في وقت مبكر، واهتم به النقاد الفرنسيون والنقاد العرب على السواء، ففي مقالة كتبها أبو سيف يوسف نشرها في جريدة (المساء) المصرية نقرأ العنوان التالي: (محمد ديب كاتب الجزائر المؤمن بشعبه)، جاء فيها: هناك أدب جزائري فرنسي، وهناك أدب جزائري بالفرنسية، وهو يعني بالتعبير الأول الأدب الذي كتبه مستوطنون فرنسيون في الجزائر، ويعني بالتعبير الثاني موضوع حديثنا وهو الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية، أما الأدب الجزائري العربي أو المكتوب بالعربية فهو غائب في هذه المعادلة. يقول الكاتب أبو سيف إن الأدب الجزائري بالفرنسية كتبه مسلمون، وهذا هو وجه الدهشة عنده، وهو يمثل أدبا جديدا ويتحدث بصوت قوي وناصع، صوت الحق والبلاد، وهو أدب يبحث عن حلول لمشكلات الشعب، في هذا الجو كتب مولود معمري رواية (التل المنسي) أو (الربوة المنسية) وكتب مولود فرعون رواية (الأرض والدم)، وكتب محمد ديب جزئين من ثلاثيته (الجزائر) وهما البيت الكبير والحريق، إن كتابات هؤلاء ليست صفحات من الدعاية السياسية بل هي أعمال فنية ممتازة يستغرقها شعور وطني (دافق) ورغم الفروق بين الأدباء الثلاثة (لاحظ أنه لم يشر إلى كاتب ياسين) فإن محمد ديب يقف على رأس هؤلاء لأنه يمثل الاتجاه الأدبي الجديد (لتفاؤله العميق بمستقبل

стр. 4500

شعبه)، وهو يؤمن بالتطور الذي يطرأ على الشعب ليخرج من عبودية الاستعمار إلى الحرية، وهو يعبر عن حياة الغالبية العظمى من الجزائريين، وهم الفلاحون. لماذا تميز محمد ديب عن زملائه في نظر هذا الكاتب؟ إن نشأته الفقيرة (والواقع أن ديب لم يكن كذلك تماما كما نعرف من سيرته) قد ساعدته على تشكيل تفكيره في المستقبل، فهو أصيل شعبه، وهو يؤمن بأن الشعب (يكافح من أجل حقه في الحياة، ففي الجزء الأول من روايته وهي (البيت الكبير) يصور أسرة أرهقها الجوع، فهناك أرملة معدمة وعليها أن تدبر معاش أولادها لإنقاذهم من الموت، وفي الجزء الثاني (الحريق) يكبر عمر (وهو شخصية ممتدة في أعمال ديب) ويذهب للعمل مع الفلاحين، وهنا تبرز أيضا مشكلة الجوع. لكن الفرنسيين يحرقون أكواخ الفلاحين ويطردون عمر فيرجع إلى أمه التي عليها أن تدبر الخبز لإطعام أبنائها الثلاثة. لكن الرواية تروي قصة الطفولة الشهيدة في الجزائر، أي مصير الأطفال العرب، وهو الحرمان منذ نعومة أظفارهم، لقد هرب عمر من جحيم البيت لأنه يأكل ما هو لأمه وأختيه، وعمره أحد عشر عاما، وعندما هرب وجد أطفالا مثله يمتلى بهم الشارع وهم يهيمون على وجوههم، يلعبون ثم يكونون مستعدين للهروب أمام الشرطة المدنية ... وكانوا يمارسون التسول والنظر في النساء الأوروبيات وأطفالهن المرفهين، ويقارنون بين وقعهم وبين هؤلاء الأطفال، ثم كانوا ينطفئون على إدمان الخمر والسجون، لكن التفاؤل لا يفارق محمد ديب، فقد قال أحد الفلاحين لجاره: إننا نشهد عصرا جديدا ... لكن إلى أين؟ فقال له الفلاح الآخر: خيرا يا جارنا محمد، صدقني، لن يكون إلا خيرا، فإن روح شعبنا قد تزلزلت (١). وكتب الناقد المصري رجاء النقاش مقالة عنوانها (صاحب البيت الكبير) تحدث فيها عن محمد ديب ودوره في الحركة الأدبية رغم أن سنه عندئذ لا

стр. 4501

تتجاوز السابعة والثلاثين، واعتبره النقاش أبرز كتاب جيله، وأنه بدأ الكتابة بالفرنسية مبكرا، ونظم الشعر وعمره خمس عشرة سنة، وكان يقيم عندئذ في تلمسان بعد أن كان غادرها إلى فرنسا ثم رجع إليها، وقال إن له ثلاثة أولاد لا يعرفون أيضا غير الفرنسية، وهو الأمر الذي جعل ديب حزينا وساخطا على هذا الوضع غير الطبيعي حتى أنه قال لأحد الفرنسيين ذات مرة، وهو يحاوره (وكان هذا الفرنسي متحمسا للاستعمار، واسمه روبير كامب): (هل تظن أنه سواء لدي أن يعرف أولادي لغتهم العربية أو لا يعرفوا سوى اللغة الفرنسية التي بها أكتب؟ وأضاف النقاش أن لمحمد ديب إنتاجا خصبا، فله رواية كبيرة عن الجزائر تتألف من ثلاثة أجزاء هي: البيت الكبير والحريق و (النول) أو المنسج، كما له مجموعة قصص بعنوان (في المقهى)، ومقالات وقصائد عديدة، وكان ذلك بالطبع قبل أن ينشر محمد ديب أعمالا أخرى أصبحت الآن معروفة. وعند رجاء النقاش أن الظاهرة البارزة في أدب محمد ديب هي أن أعماله مصبوغة إلى حد العنف بالمأساة التي تعيشها الجزائر تحت الاستعمار، ونماذجه منتقاة من واقع الحياة التي جربها مع أبناء وطنه، ثم إن الجزائر فريدة في الاستعمار، فكل فرد فيها ذاق وبال الاستعمار بنفسه، والاستعمار هنا ليس قوة عسكرية واقتصادية فقط، ولكنه هو كل ذلك زيادة على القوة الثقافية، واضطهاد الحياة اليومية المتمثل في الإدارة والمدارس والمتاجر، فالجزائري يعيش هذه المواجهة يوميا وفي مختلف المجالات، ورغم القتل والحرق والضحايا فإن ديب احتفظ بمستواه الفني في رواياته إلى الحد الذي وصل به إلى العالمية، كما أن له روحا شعرية خصبة، وهو يتحدث على لسان أبطال واثقين بالنصر رغم المعاناة، وليس هناك غرابة في لغة محمد ديب فقد بدأ حياته بنظم الشعر وله في ذلك ديوان، كما كان أدبه نابعا من حضارة عريقة كانت تمثلها تلمسان التي حافظت على طابعها الحضاري رغم الفقر والحرمان (١).

стр. 4502

وعلى نفس النسق كتب الأديب والصحفي كامل زهيري أيضا مقالة عن (البيت الكبير: قصة جزائرية للكاتب محمد ديب) مع صورة مرسومة لصاحب القصة، ورسومات أخرى معبرة عن روح صاحب القصة بريشة الفنان حسن فؤاد، وقد حلل زهيري ثلاثية ديبب بأجزائها فقال إن (البيت الكبير) تبدأ قبل الحرب العالمية الثانية وتنتهي بإعلان الحرب، وتصور (الحريق) أيام الحرب، أما النول (المنسج) فتصور الجزائر ما بعد الحرب، أما بطل الثلاثة فهو عمر الذي يظهر في الجزء الأول صبيا يافعا، وفي الجزء الثاني بالغا من الرشد، وفي الجزء الثالث شابا قويا، ويعتبر البيت الكبير باكورة محمد ديب الذي بلغ عند تأليفه الثلاثين من عمره، وقد تفرغ للأدب، بعد أن مارس مهنا كثيرة، فقد عمل صحفيا، وعامل نسيج، ومحاسبا، ومدرسا ابتدائيا، وتعتبر كتاباته بسيطة إلى حد السذاجة (؟) ولكنها (تخفي دهاء وذكاء وفطنة وفهما عميقا للجزائر والجزائريين) (١). أما الكاتب الأمريكي جورج جوايو فقد عبر عن رأيه في إنتاج محمد ديب في دراسة قام بها لأدبه وأدب زملائه الجزائريين الذين يكتبون أدبهم باللغة الفرنسية، فقد ألف ديب ثلاثيته وقصصه القصيرة (في المقهى) عندما قام جوايو بدراسته، قال جوايو إن الثلاثية تذكر المرء برواية (أمريكا) لدوس باسوس، فهي لوحة للجزائر عشية الحرب العالمية الثانية، من خلال الأرملة (عيني) وابنها عمر، وهو (أي عمر) يمثل النموذج (البطل؟) والوحدة في الثلاثية بمغامراته .. وتهدف القصة كاملة إلى ميلاد ضمير جزائري متلهف للاعتراف به مع الإصرار عليه، ظهرت البيت الكبير سنة ١٩٥٢، وفيها وصف لحالة الفقر المدني في المدينة للعمال الذين لم يقدروا على العيش المحترم أخلاقيا وماديا، فالثلاثية في الواقع ترجمة شخصية (أوتوغرافيا): تشتمل على مغامرات عمرها هو عمر

стр. 4503

مغامرات محمد ديب نفسه، كما تمثل الرواية الطبقة العاملة، ورواية الاحتجاج لباسوس وشتاينبك. أما (الحريق) فقد ظهرت سنة ١٩٥٤، وفيها نقل محمد ديب فتاه إلى عالم الريف ليكون شاهدا على حالة الفقر لدى الفلاحين أيضا، إن عمر قد شهد في نهاية المطاف بداية الحريق (الثورة) الذي عم البلاد كلها، فالنار قد بدأت ولن تتوقف أبدا، أما (المنسج) فقد ظهرت سنة ١٩٥٧، وفيها رجع ديب إلى المدينة، وقد أصبح عمر شابا وبدأ يشتغل في نسيج الزرابي، ولكن الحريق انتشر إلى المدينة حيث نزح إليها الفلاحون وهم جائعون عراة، وفي نهاية الثلاثية أصبح عمر رجلا واقفا متمردا يرمز إلى الإنسان الجزائري الجديد، وقد تعلم عمر المعنى الحقيقي للاحترام الإنساني، وقرر ألا يستريح حتى يحقق لنفسه وللبشرية وعيا واحتراما. لقد ركز ديب على استرجاع الشعب الجزائري حقه في الكرامة أكثر من أي شيء آخر، فهو يقول على لسان الإنسان الجديد: إن الخوف والإهانة والشرف قد أنهكت قوانا، فلم نعد نبدو كبني آدم، وهو يلوم الاستعمار عامة على هذه الحالة، لأن الاستعمار يريد أن يمتلك عمل الفلاح وكذلك ملك الفلاح نفسه، ولابد من إعادة النظر في العلاقة بين المستعمر والمستعمر، فالمسؤول المباشر ليس الأقلية الأوروبية المستوطنة فقط، ولكن الأغلبية المسلمة أيضا لسكوتها، رغم مروءتها، أي أن فرنسا كلها مسؤولة عما حدث (١). من أعمال محمد ديب الأخرى مجموعة قصص بعنوان (في المقهى)، وقد ترجمها محمد البخاري، ضمن سلسلة كتب ثقافية (الكتاب ١٣) وتحتوي المجموعة على سبع قصص هي في المقهى، والأرض المحرمة، وابنة العم. الصغيرة، وليلة عرس، والصاحب، والانتظار، والوريث السعيد، وسنعود إليها

стр. 4504

بالتعريف والنقد في مناسبة لاحقة (١). نشرت المجاهد لمحمد ديب عدة قصص عندما كانت الثورة على أشدها. من ذلك قصة التمشيط (راتيساج)، وهي تصور عملية قام بها الجيش الفرنسي في تلمسان ونواحيها في بداية الثورة، كما تصور الحياة في تلمسان أثناء العملية، والقصة أخذتها المجاهد من مجموعة (صيف إفريقي) لمحمد ديب، وقد قدمت لها الجريدة بمقدمة طويلة عن الأدب الذي لم يعد صالحا اليوم، و (هو أدب القصور والطبقات المترفة البعيدة عن مشاكل الشعب، لأن العهد الذي يقتصر فيه الأدب على تصور ونقل المشاكل الغريبة ... قد انتهى، كما انتهى الترف الفكري والخيالات المريضة ... إننا في عهد ثوري أصيل لا يجوز فيه أن يبقى الأدب بمعزل عن حياة الجماهير، لذلك يجب أن تخرج من ثورتنا تجارب تسد هذا النقص). وهكذا وجهت المجاهد دعوتها إلى الأدباء أن يكتبوا أدبا ملتزما وليس أدب القصور والترف، ودعت إلى أدب يصور حياة الشعب ويعبر عن مطامحه، ومن أجل ذلك أنشأت الجريدة ركنا أسمته (ركن الأدب الثوري) وفتحته لقصص من الصين وأخرى من الفيتنام ... وكذلك فعلت مع قصة محمد ديب التي نحن بصددها، إذ جعلتها تحت العنوان نفسه (من الأدب الثوري) بينما نشرت قصائد ابن تومرت (مفدي زكرياء) تحت عنوان آخر قريب منه وهو (من أدب الثورة)، ومن الملاحظ أن الجريدة لم تذكر ما إذا قامت بترجمة القصة عن الفرنسية، كما لم تذكر أمامها اسم المترجم، والقصة تصور بدقة حياة الناس في الريف أمام عمليات التفتيش المهينة الدقيقة والمخيفة والقبض على الرجال (٢) .. أما قصة (فراق) لمحمد ديب أيضا فقد وضعت لها الجريدة عنوانا فرعيا هو (من الأدب الجزائري)، وهي مكتوبة في شكل حوار بين البطل وزوجته.

стр. 4505

وكان البطل (جمال) مستلقيا على فراشه في دار كبيرة وهو يحلم ويصف السكان كما يظهرون له، وهو يريد أن يتحرر، وأن يفارق هذا النمط من الحياة، وفي مساء يوم حار من شهر أغسطس خرج وشعر بالتحرر وبأنه إنسان، لكن أين ذهب؟ يفهم من الموقف أنه انضم للثورة، ولكن القصة لا تخبرنا بذلك، لقد كان عمر البطل ٢٨ سنة، والملاحظ أن جريدة (المجاهد) لم تقدم للقصة بأية مقدمة تساعد على فهمها وتشير إلى محتواها ورموزها وهدفها (١). وهناك قصة (مصرع خائن) التي قدمتها المجاهد أيضا لقرائها بمقدمة جاء فيها: هذا هو القسم الثاني والأخير من الفصل الذي عربناه من قصة (صيف إفريقي) التي صدرت بالفرنسية للكاتب الجزائري محمد ديب، وهي قصة تصور كيف فقد باساحلي ابنه وأخذ الفرنسيون آخرين لإعدامهم بسبب (وشاية أو بيع) العياشي لهم، لذلك قتل باساحلي العياشي بمساعدة ابنه (عابد)، ثم رجع إلى مكانه، لقد قتله بفأس في رحبة خاصة بدرس القمح (٢). تناول إذن عدد من الكتاب، العرب والأجانب، حياة محمد أديب وأدبه، وأعجبوا به، ومنهم من انتقده، ورأى فيه آخرون الأديب المتفائل المحب للإنسانية والفقراء، ورأى فيه آخرون الأديب المتشائم الهارب من الحياة. وسنعرض هنا لرأيين آخرين في الموضوع، رأي لويس عوض ورأي أحد الصحفيين الفرنسيين، وسنحاول أن نخرج بصورة واضحة عنه باعتباره أحد رموز هذا الأدب الجزائري المكتوب بلغة المستعمر. حاول لويس عوض أن يدرس حياة محمد ديب من خلال أعماله لأنه كما قال لم يجد له ترجمة وافية، وكانت أعمال ديب عندئذ خمسة: البيت الكبير والحريق، والمنسج، ومن ذا يذكر البحر وصيف إفريقي، والبيت الكبير هو أشهرها ويأتي بعده في الشهرة: من ذا يذكر البحر؟، أما الأعمال الأخرى

стр. 4506

لمحمد ديب وهي في المقهى، وبابا فكران فقد كانت ما تزال بصدد النشر في فرنسا، كما أن لمحمد ديب ديوان شعر بعنوان الظل الحارس، لقد بدأ حياته شاعرا قبل أن يختار القصة ميدانا لنشاطه الأدبي، أما ثقافته فهي فرنسية حيث درس في تلمسان التعليم الابتدائي والثانوي، ومن ثمة كانت كتاباته كلها بالفرنسية. نشأ محمد ديب في مدينة عريقة هي تلمسان ولكنه عاش طفولة بائسة. أثناء دراسته الابتدائية وقع له حادث وهو مشاهدة طفل فقير في حاجة إلى قطعة خبز، فحز ذلك في نفسه، فأسقط خبزا بالقرب منه وذهب في حال سبيله حتى لا يجرح شعور الطفل بمناولته الخبز، كانت طفولة محمد ديب تعبر عن طفولة كل الأطفال الجزائريين الذين عاشوا حياة البؤس، لذلك فإن الكبار يجدون في روايات محمد ديب ماضيهم وصورة لأنفسهم، وقد واصل ديب تعليمه الثانوي وهو من القلائل الذين أسعفهم الحظ بالدراسة في هذا المستوى، واكتشف وهو في هذه السن اهتمامه بالأدب، فأخذ يقرأ لنوابغ الأدب الفرنسي وغيرهم، واعترف ديب أنه تأثر بروايات (فرجينيا وولف) وبقي تحت تأثيرها إلى بلوغه سن العشرين، وفي الخامسة والعشرين حرر نفسه من تأثير هذه الكاتبة الانجليزية ليستقل بأسلوبه الخاص وبأفكاره، وكان هواه الأول أن يكون شاعرا موهوبا، فأخرج ديوانه (الظل الخارس)، ولكنه تحول من الشعر إلى النثر وخصوصا القصة، فكان (البيت الكبير) أول عمل له في هذا الميدان، ثم واصل نشر أعماله الروائية تباعا بعد أن اكتشف نفسه واكتشف فيه النقاد روائيا موهوبا أيضا (١). كانت مجلة (الليترير فرنسيز) قد طرحت على محمد ديب أسئلة عن قضايا متعددة مثل الحب والمرأة ومستقبل الأدب الجزائري بالفرنسية، فقال عن الحب: إنه بالمعنى الغربي قوة غامضة تمتلك في الإنسان كل جوارحه وهو بهذا

стр. 4507

المعنى عاطفة غريبة عن الجزائريين، ولكنها عاطفة بدأت تنبث في تربة بلادهم منذ بدأوا كفاحهم من أجل وطنهم، فكأن ديب بذلك يربط بين الحب والحرية ويجعل بينهما علاقة طردية، حسب تعبير لويس عوضى، إن الرجل الذي يستعبد المرأة هو في نفس الوقت غير حر، ويقول ديب إنه بمجرد ما اشتد الكفاح الوطني ولدت روايات الحب الحقيقية في الحياة ... فالنساء بدأ وجودهن عنده منذ اشتراكهن في المعركة. وقارن ديب بين شعوره وشعور زملائه الأدباء في موضوع الحب والمرأة. فقال إن كاتب ياسين استشعر (هو وبعض الروائيين الآخرين) موجة دور المرأة قبل حدوثها، أما هو (محمد ديب) ومولود معمري ومولود فرعون فقد كان من المستحيل عليهم التفكير في كتابة رواية غرامية أو التفكير في الكلام عن عاطفة الحب ... وهو لا يرى في أدب الحب المتوارث منذ قرون تعبيرا صادقا على حد تعبير لويس عوض، فهو مجرد صيغ بلاغية عن الحب والمحبين، ويرى ديب أن شخصية المرأة قوية رغم ما يحيط بها من ظروف تمنع انطلاقها، وأن شخصيتها لا تقل قوة عن شخصية الرجل، بل قد تفوقه، ويبقى ديب يربط دائما بين المرأة ودورها في الكفاح، ويذهب إلى أن الحجاب أعد المرأة الجزائرية إعدادا مسبقا لحياة المقاومة السرية، ولا شك أن بعض الآراء حول الحب والمرأة تمثل هنا وجهة نظر الناقد وليس الكاتب. أما بالنسبة إلى الأدب الجزائري بالفرنسية فيذهب محمد ديب إلى أنه بعد مرحلة التحرر والدخول في معركة البناء لم يعد أمام هذا الأدب سوى اقتحام مواقع الأدب العالمي، ومن رأيه أن صوت الكاتب سيخفت بعد الاستقلال ولن يبقى هو لسان الحال المعبر لأن الإقبال سيكون على ترتيب البيت وإعادة البناء، وهذه أمور سوف لا تسمح للكاتب بأن يصرخ كما كان يصرخ أغلب كتاب الجزائر، إنهم سيدخلون مرحلة يهتمون فيها بترسيخ وتعميق موضوعات أكثر إنسانية وفردية وستتقلص عندهم الإقليمية، وسيدخل الأدب الجزائري في حركة الفكر العالمي، ومنه الرؤى التي رصدها محمد

стр. 4508

ديب قد تحقق الكثير منها بعد الاستقلال، وقد ثنى على رأيه لويس عوض مستشهدا بحركة التاريخ، ذلك أن محمد ديب وأصحابه يعترفون أن أدبهم هو أدب معركة وأدب إقليمي يتعرض لأوضاع لها ما يبررها في زمن معين من أجل إثارة الضمير الإنساني، لكن كتاب الجزائر بالفرنسية - في رأيه - لن يستمروا على هذا المنوال، بل سيصبحون كتابا تهيم أرواحهم بدون جسد تسكته، أي كتابا عالميين بحكم اللغة التي يكتبون بها (١). والحقيقة أنه لم يستمر في الكتابة بعد الاستقلال إلا محمد ديب وكاتب ياسين وآسيا جبار، ولكن جيلا جديدا من الكتاب بالفرنسية أخذ في الظهور بعد ١٩٦٢ أيضا، فإلى أي حد اقتحموا مواقع الأدب العالمي؟ وإلى أي حد ساهموا في ترتيب البيت الداخلي؟ الواقع أنهم وقعوا في حيرة أكبر من التي كانوا فيها بحكم ارتباطهم بالعالمية، فقد ازداد بعضهم بعدا عن شعبهم، وحاول آخرون الاقتراب منه عن طريق العيش داخله كما فعل كاتب ياسين حين استعمل اللغة الدارجة كوسيلة اتصال. وعلى ذكر الجيل الجديد من الكتاب نشير إلى أن محمد ديب قال عبارة حيرت بعض النقاد، وهي (نحن الجيل الأخير) أي هو وزملاؤه من كتاب اللغة الفرنسية، أما لويس عوض فقد علق على هذه المقولة بأن صاحبها متشائم لأنه يعبر ربما عن موقف أناني، وقال إن هؤلاء الكتاب لن يكونوا الجيل الأخير إلا إذا عزلوا أنفسهم عن بيئتهم وقوميتهم واقتلعوا بأيديهم جذورهم، وفروا من معركة الحياة الجديدة، بعد أن صمدوا ضد أخطر عدو للحياة وهو الاستعمار. والحق أن دراسة مصير جيل محمد ديب تفيد الكثير هنا، فهم قد اضطربوا ووهنت قواهم بعد استقلال بلادهم، وبدلوا آراءهم أو عزلوا أنفسهم عن مجتمعهم، فقد أحس بعضهم أن دوره قد انتهى بعد أن أطلق آخر صيحة.

стр. 4509

وانحرف بعضهم فأصبحوا من دعاة الإقليمية الضيقة والمحلية الجغرافية أو اللغوية وحتى العرقية، وهام بعضهم على وجهه بحثا عن العالمية صعبة الدروب والأشواك، واختفى فرعون لأنه كان ضحية الجرائم الأخيرة للاستعمار، وتأكد مالك حداد بأنه أصبح غريبا في وطنه منفيا في لغة أجنبية فألقى السلاح، ونشط ياسين فترة في معمعة الشيوعية ولكنه اجتهد واستعان بنخبة بلاده اليسارية إلى أن احترق واختفى، واختار محمد ديب المنفي العالمي فكان ربما الوحيد الصادق مع نفسه حين أعلن أنه يمثل الجيل الأخير، أما مولود معمري فقد ارتمى في حبائل الحاقدين على وحدة الجزائر فعزف معهم سمفونية الفصل العرقي واللغوي بين العرب والقبائل، وتحول من أدب رقيق إلى داعية ثقافتينفي الجزائر الواحدة وداس على التراث الإسلامي واللغة العربية وحضارة الأجداد من أجل اللغة والثقافة الفرنسية (العالمية). كاتب ياسين لعلنا لا نعدو الصواب إذا قلنا إن كاتب ياسين يأتي في الدرجة الثانية في الأهمية الأدبية بعد محمد ديب، رغم أن بعض المعجبين به وأنصاره الإيديولوجيين قد يجعلونه في الدرجة الأولى، فهو في الحقيقة الثاني ظهورا والثاني سنا والثاني سمعة، ولكن الأديبين (ديب وياسين) يلتقيان في الفترة الزمنية (الخمسينات) التي تعتبر فترة اليقظة والثورة والتحرر، وكلاهما تخرج من المدرسة الفرنسية، ونبت في مدينة عريقة من مدن الجزائر التاريخية: محمد ديب من تلمسان عاصمة بني زيان وكاتب ياسين من قسنطينة العاصمة العلمية والمركز السياسي لبني حفص، لكن ديب درس فيما يبدو دراسة منتظمة ونشأ في أسرة مستقرة ولو لم تكن مترفة، بينما ياسين عاش في حالة اضطراب دراسي وشهد وهو فتى أحداث الناس مايو ١٩٤٥ التي جرت قريبا من مدينته، وتأثر بالمدرسة اليسارية التي يبدو أن ديب لم يتأثر بها كثيرا، ولكن كليهما كان ناقما على الاستعمار الذي جاء بالتمييز العنصري وبالفقر

стр. 4510

والجهل لهما ولمواطنيهم، ولذلك اجتمع الاثنان على الثورة ضد الاستعمار ولكن طريقتهما في ذلك كانت مختلفة، فكان ديب يخاطب العقل والضمير الإنساني ويستعمل طريقة الإيحاء بينما استعمل ياسين العاطفة المشبوبة ولغة الشعر والرمز والأسطورة، وقد حافظ كل منهما على مكانته في المدرسة الأدبية الجزائرية ذات التعبير الفرنسي. ولد ياسين في السمندو القريبة من مدينة قسنطينة سنة ١٩٢٩، وبعد الدراسة في هذه المدينة شارك مبكرا في النضال السياسي وعانى من أحداث الثامن مايو، وبدأ نشاطه الأدبي كزميله بالشعر أيضا، وقد نشر في البداية عملا نثريا عن حياة الأمير عبد القادر عبر فيه عن ميوله الوطنية والأدبية المبكرة، ثم نشرت له تمثيلية بعنوان (الجثة المطوقة) أو المحاصرة، ولكنه لم يلفت نظر النقاد والرأي العام الأدبي إلا بروايته الغريبة (نجمة) التي نشرت في فرنسا سنة ١٩٥٦، فقد اعتبرها النقاد أحسن شاهد على ميلاد الجزائر الجديدة التي كانت تخوض معركة التحرر، ويبدو أن ثقافة ياسين اللغوية كانت محدودة، ولذلك قيل إن محمد ديب هو الذي قرأ نص نجمة وهو الذي صحح لغته المتوترة قبل أن يرى النور في شكل رواية، ومهما كان الأمر فإن النقاد اعتبروا كاتب ياسين عندئذ أحسن من يمثل أدباء شمال إفريقيا من غير الأوروبيين، وكان قد سبقه إلى هذه الشهرة محمد ديب، ومولود معمري، ومولود فرعون ومالك حداد، لقد فهم النقاد أن (نجمة) الهاربة أبدا هي بطلة الرواية الخيالية، وهي تمثل الجزائر المكافحة نفسها كما تصورها ياسين، فهي ابنة امرأة فرنسية وأب جزائري مجهول. ولنا أن نفهم من هذه الشخصية الغريبة التي اختارها ياسين بطلة لروايته أن ياسين قد تصور الجزائر على غير حقيقتها، فهي ليست امرأة فرنسية إلا إذا اعتبرنا ما كان يشاع من باب التهكم السياسي والدعابة الاجتماعية أن الجزائر (ابنة فرنسا)، وأن مدينة الجزائر هي (باريس الضغرى،) وهل نعتبر إذن الاستعمار هو أبو الجزائر؟ من هنا يظهر أن تصور ياسين للجزائر - إذا صح أنه

стр. 4511

كان يعنيها بروايته - تصور خاطى من أساسه، وهو تصور يخلخل حقيقة الجزائر التي هي عند السياسيين الوطنيين والمصلحين معلومة الأم والأب ومعروفة الهوية وأن ميلادها لم يبدأ من الاستعمار الفرنسي بل هي أمة قائمة الذات منذ حقب التاريخ، وأن يد الاستعمار قد عملت بالعكس على تشويهها وليس على إعطائها هوية: (أما) فرنسية وأبا جزائريا مجهولين، وقد سئل ياسين نفسه في إحدى المقابلات عن مغزى روايته (نجمة) فأجاب بأنها هي روح الجزائر الممزقة منذ البداية بشتى التوترات الداخلية، فإذا صح هذا النقل عنه فإنه يكون قد تبنى تصور فرحات عباس للأمة الجزائرية حين قال إنه بحث عنها في التاريخ ولم يجدها، أما كاتب ياسين فقد وجدها ولكنها كانت ممزقة ومتوترة ومشوهة لا تكاد تعرف نفسها أو يهتدي إليها الناس. وقد خاض النقاد في رواية نجمة وتفسير حضورها وغيابها، وفي الأبطال الذين يبحثون عنها فتمرق من بينهم دون أن يظفروا بها، إن الأبطال الأربعة (الأخضر ورشيد ومصطفى ومراد) كانوا يطاردونها فتنفلت منهم، وكانوا يخوضون من أجلها المغامرات للبحث عنها وهي المغامرات التي تشكل إطار الرواية، وبالإضافة إلى الحديث عن هؤلاء وعن نجمة هناك حديث عن الظلم السياسي والاقتصادي في الجزائر ووصف لمعاناة الشعب، ويلوم ياسين الفرنسيين وكذلك أهل بلاده على مصير الجزائر، وقد قلنا إن الرواية كتبت شعرا منثورا، وقد قيل إن كاتب ياسين دخل بذلك إلى مدرسة القصة الجديدة أمثال ناثالي ساروت وميشيل بوثور ... وتناول الباحث جورج جوايو طريقة ياسين في كتابة الرواية قائلا إنها طريقة ويليام فولكنر الذي اشتهر بالعودة إلى الماضي بصفة متتابعة، اهتماما منه بالمنابع الأولى للإنسان، كما نقل جوايو رأي الناقد الفرنسي موريس نادو الذي سنعود إليه. ويذهب جوايو أيضا إلى أن أصل الرواية عربي، ويظهر ذلك عنده في مواجهة الإنسان للزمن، أي اختلاط الأزمنة، فالمستقبل يختلط مع الماضي في ديمومة الحاضر، وفي الرواية قدر كبير من الخطابية العربية رغم أن ياسين

стр. 4512

يستعمل اللغة الفرنسية كأداة للتعبير، وهو، كما يقول جوايو، يتحدث العربية في حياته اليومية، وهذه إحدى خصائص هذا الأدب الجديد في إفريقيا الشمالية، وقد أوضح جوايو المشكلة الأساسية التي كان يعاني منها أدباء العهد الاستعماري في فرنسا والمتمثلة في كونهم يعيشون في عالمين (العالم الفرنسي والعالم العربي)، لا يريدان أن يفترقا وفي نفس الوقت لا يقران تعاملهما معاملة السيد والعبد، كما أنهم يبحثون على الاعتراف بأدبهم وبشخصيتهم، ويعتبرون أدبهم أدب معاناة لأصحابه لأنهم لا يريدون الانفصال عن العالم الغربي (الفرنسي) (١). ومن جهتها نشرت مجلة الآداب البيروتية مقالة ترجمتها عن مجلة (إيسبري) الفرنسية، تذهب إلى أن كاتب ياسين جذب إليه الأنظار بنشر تمثيليته (الجثة المحاصرة)، فهو أديب شاب مسلم (جزائري) اقتحم عالم النشر والأدب سنة ١٩٥٦، ثم نشرت له رواية بعنوان (نجمة) أثارت اهتماما كبيرا ورشحت صاحبها للجوائز الأدبية، سيما وهو يكتب باللغة الفرنسية، ولكنه يختلف عن الكتاب الفرنسيين في تقاليدهم الأدبية، فهو لا يلتقي معهم إلا بوسيلة التعبير ماعدا ذلك، كالأسلوب والإيديولوجية وطريقة علاج القصة فكلها تفصله عنهم، وهو يعرف أنه قدم عملا يتميز به عن غيره من كتاب إفريقيا الشمالية، حتى أنه قال عندما سئل بأنه من الخطأ أن يجمع النقاد هؤلاء الكتاب تحت سقف واحد، فالكتاب الفرنسيون أمثال: ألبير كامو وإمانويل روبليس، وجول روى، يختلفون عن مولود معمري ومولود فرعون ومحمد ديب ومالك واري لأن هؤلاء (الجزائريين) يعبرون بالفرنسية عن مشاعرهم وأفكارهم العربية. ومن رأي الناقد موريس نادو، أن ياسين قد أدخل قارى نجمة في عالم لا عهد للكتاب الجزائريين بدخوله، إنه عالم غريب وغامض، لذلك يجد فيه

стр. 4513

القارى الغربي صعوبة كبيرة في الفهم والمتابعة، لأن الرواية تخلو من علاقة الزمان بالمكان، وليس لها شخصيات محددة تعود إلى القصة الموحدة في نهاية المطاف، لقد أهمل ياسين أصول الرواية وجاء بطريقة مغايرة، وإليك الصورة التي رأى (نادو) أن ياسين قد بنى عليها روايته، فهو قد بنى عالما كوكبيا أقام في وسطه شمسا هي نجمة يدور حولها عدد من الكواكب الكبيرة والصغيرة، ولكل منها نجمه الخاص، ولئن كانت الشمس ثابتة وكانت تلتمع دائما بالكثافة نفسها فنحن لا نعرفها إلا بانعكاساتها على الكواكب التي تحيط بها والتي تبعدها حركتها أو تقربها من نورها، وكذلك الأمر في شأن النجوم، ولما كانت هذه الكواكب سجينة الحركة نفسها التي تجعلها حاضرة، فإنه ينتج عن ذلك اختلاط تام بين الماضي والحاضر والمستقبل، فهل ذلك هو فعلا ما أراده الكاتب أو هو فقط ما تخليه الناقد؟ وقد رأينا أن إجابة ياسين عندما سئل عن عالمه لا تضيف توضيحا ولا تحدد إطارا حين قال إن نجمة تمثل روح الجزائر (١). لقد رسمت نجمة على أنها فتاة ثابتة لا تتحرك وإنما تبدو ذات شعر ناري وجمال فتان ونسب خفي أو مجهول، ثم إنها تمثل الأهمية السعيدة أو المنحوسة التي يعلقها عليها الأشخاص الذين يطاردونها، إن الأشخاص الآخرين يمرون بجميع أطوار الحياة، من شباب إلى شيخوخة، ومن طفولة إلى بلوغ، ولكن أربعة من هؤلاء الأشخاص ينتمون إلى جيل واحد، ويعيشون تجارب مختلفة ولكن حبهم لنجمة يجمع بينهم، وهم يطوفون أنحاء الجزائر، وقد جمعتهم المدرسة، ثم طردوا منها وسقطوا في الدرك الأسفل الاجتماعي، ومارسوا الأعمال اليدوية، كما عانوا من التسكع ثم التقوا كعمال في ورشة كان يديرها فرنسي، وكان هذا يهينهم فانتقموا منه، وقتلوا فرنسيا آخر كان يتولى وكالة نقل لأنه أيضا كان يهين المسلمين (الجزائريين) ويتلذذ برؤيتهم يتعذبون.

стр. 4514

فسجنوا، ولكن أحدهم تمكن من الفرار بينما بقي الثلاثة الآخرون في السجن، فكانوا يقضون وقتهم في تذكر نجمة، لقد اكتشفوها بالتدرج ووقعوا في حبها جميعا، وهو الأمر الذي كان يشدهم إلى بعضهم، وكل منهم كان يجتهد في التعرف على نسبها الغامض، فابنة من هي؟ ومن أبوها؟ وهل أمها فرنسية حقا؟ إن عشاقها كثيرون، وإذا كنا قد عرفنا بعضهم، فمن هم الباقون؟ ومن أية سلالة هم؟ ولعل ياسين يشير بذلك إلى ادعاء الفرنسيين أن الغزاة كانوا يتداولون على الجزائر عبر مراحل التاريخ، فهي عشيقة الجميع، وليس لها أب واحد في هذه الحالة (١). ولكن هذا الرأي لا نجده عند من انتقدوا نجمة، ونحن نرى ذلك قد يكون صحيحا لأن ياسين، بخلاف زملائه الأدباء، كانت له ثقافة تاريخية عبر عنها بكتابه المبكر عن الأمير عبد القادر واستقلال الجزائر. مولود معمري لم ينل مولود معمري حظه من الكتابة والتعريف مثلما نال زميلاه محمد ديب وكاتب ياسين، رغم أنه نشر إنتاجه مبكرا وكان أكبر منهما سنا، وهو بالنسبة إليهما من منطقة جبلية من قرية توريرت ميمون البعيدة عن الحواضر، ولد في ٢ ديسبر ١٩١٧ وتعلم في قريته، ربما على يدي الآباء البيض الذين كانوا منتشرين في المنطقة، وأدى الخدمة العسكرية الإجبارية في الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية، فحارب الألمان والإيطاليين، ولا ندري إن كان قد أكمل دراسته الثانوية بطريقة منتظمة ولكننا نعلم أنه تولى التدريس في ثانوية ابن عكنون خلال الأربعينات، وبعد اندلاع الثورة تعرض للاضطهاد، وكاد يقتل لولا تدخل من بعض المثقفين الفرنسيين ومن السلطات نفسها فنفته سنة ١٩٥٧ أو تركته يذهب إلى المغرب الذي نال استقلاله حديثا حيث عاش في كنف عمه محمد المعمري الوزير المقرب من ملك المغرب، وقد يكون مولود

стр. 4515

قد درس أيضا في المغرب أثناء إقامته، وعلى كل حال فنحن لا ندري ما نشاطه الأدبي والسياسي أثناء هذه الإقامة، وهل عمل في مصالح جبهة التحرير هناك. ومهما كان الأمر فقد رجع إلى الجزائر بعد استقلالها، وتولى قسم الدراسات الإثتية والأنثروبوليجية وتدريس البربرية في جامعة الجزائر متطوعا، ونشط في خدمة الثقافة البربرية حتى أصبح من رموزها المدافعين عنها وعن إحيائها، ومعظم نشاطه كان في مركز البحث الأنثروبولوجي والأثري الذي كان تابعا لوزارة التربية ثم الثقافة، وكان هذا المركز بؤرة يجتمع فيها دعاة وهواة الثقافة البربرية وأنصار الثقافة الفرنسية وأعداء استعادة الهوية العربية الإسلامية للجزائر، بمن فيها بعض الأجانب، وكان إلغاء أو تأجيل إحدى محاضرات معمري في جامعة تيزي وزو سنة ١٩٨٢ سببا في أزمة بين السلطة وأتباعه، وفي سنة ١٩٨٩ توفي في حادث وهو عائد من المغرب الأقصى أثناء عاصفة هوجاء، وقد عرفناه خلال الستينات والسبعينات بالجامعة فكان أديبا لبقا رقيق الحاشية كثير الحياء، ولكنه كان لا يرتاح للإسلام الذي يعتبره مسؤولا على تعريب البربر وفصلهم عن أوروبا، كما كان لا يتحدث إلا بالفرنسية رغم دفاعه الظاهر عن البربرية (القبائلية). لمولود معمري أعمال أدبية قبل وبعد الثورة، ويهمنا هنا ما كتبه عشيتها وأثناءها، فقد نشر أول رواية وهي (الربوة المنسية) في باريس سنة ١٩٥٣، ثم أردفها برواية (نوم الرجل العادل)، ولا ندري إن كان قد بدأ بقرض الشعر كما فعل زملاؤه، ولا محاولاته الأولى لكتابة القصة، ونعرف من اطلاعنا أن طه حسين كان من أوائل من كتب بالعربية عن الربوة المنسية، وهي القصة التي أثارت ضجتين: الضجة الأولى استقبال النقاد الفرنسيين لها ولصاحبها، خصوصا أنها لا تمس الاستعمار في الصميم وإنما تمس المجتمع الجزائري التقليدي المتمثل في شيخ القرية كرمز للتقاليد وللتراث الإسلامي والمجتمع الجديد المتمثل في الجيل الثائر على الأوضاع وعلى البطالة والأفكار القديمة، ولا ندري إن كان معمري قد اكتفى بذلك أو مس أيضا مسألة المرابطين ومسائل

стр. 4516

أخرى حساسة في مجتمع القبائل كالعرف والمرأة والزوايا، ومهما كان الأمر فإن النقاد الفرنسيين رشحوا قصة معمري لجائزة لجان التحكيم الأدبية لسنة ١٩٥٣ (سنة صدور القصة) احتفاء بهذا اللون من الأدب. أما الضجة الثانية التي أثارتها رواية معمري فهي موقفه من الوطنية، فقد سببت له هذه الرواية الاتهام بخيانة القضية الوطنية وتلقى عليها العبارات الجارحة لكونه أساء بها في نظر النقاد إلى الوطن وأدان فيها المجتمع الأهلي دون أن يدين فيها الاستعمار الفرنسي، وسنتحدث عن ذلك بعد قليل. تعرض الأديب والمفكر المصري أنور عبد المالك إلى حادث اختطاف وتغييب مولود معمري في الجزائر سنة ١٩٥٧، فكتب مقالة في جريدة (المساء) المصرية تحت عنوان (كتاب الجزائر لن يخضعوا لإرهاب الاستعمار: مولود مامري (كذا) من الثورة الفردية إلى الكفاح الشعبي)، افتتح مقالته بقوله: منذ أيام قلائل كان مولود معمري (يكتبه مامري) مهددا في حياته، ففي ٥ أبريل ١٩٥٧ هاجمت إحدى الدوريات المسلحة منزله بمدينة الجزائر واختطفته، ولم يعرف مصيره، فاجتمعت لجنة من الكتاب الفرنسيين في فرنسا، وفيها أراغون، وسارتر، وروا وأرسلت برقية احتجاج إلى الحكومة الفرنسية، ثم مرت الأيام، واعتقد الناس أنه قتل ... ثم وردت الأخبار أنه غادر الجزائر إلى الرباط وأنه هناك يعيش في دار عمه سي معمري الوزير بالحكومة المراكشية، ويرى أنور عبد المالك أن الإبعاد قد يكون تم بقرار من السلطات الفرنسية نفسها، وما يلفت النظر هنا أن الأدباء الفرنسيين والسلطات الفرنسية لم تتحرك حين خطف وقتل، في نفس الفترة، أدباء وعلماء جزائريون آخرون أمثال أحمد رضا حوحو والشيخ العربي التبسي والربيع بوشامة، وعبد الكريم العقون. ويرى أنور عبد المالك أن مولود معمري قد أتم دراسته في مراكش وباريس، وأصبح مدرسا للأدب في ثانوية ابن عكنون (الجزائر)، وأن روايته (الربوة المنسية) قد عبر فيها عن سخط أبناء الأسر الكبيرة نتيجة أعمال

стр. 4517

الاستعمار (؟)، ولكن الرواية لم تتجاوز مجال الخط ولم تصل إلى درجة الثورة أو القيام بعمل إيجابي، إنها تمثل الصراع بين القديم والجديد في القرية وعلى مستواها فقط ولا تتجاوزها إلى الوطن الجزائري، ويمثل النموذج القديم شيخ القرية الذي كان يصرخ دائما في الشباب بأنه جيل ملعون، أما الجديد فيمثله شباب القرية، وفيهم هذه الأسماء التي يبدو أن بعضها غير إسلامي وهي: مدور، ومناخ، ووالي ومقران ورافع وموك، فقد كان هؤلاء كلهم ساخطين على الفقر والضعف والركود، فثاروا على آبائهم، كان هؤلاء الآباء هم المسؤولين على ما حدث لهم وللجزائر من بؤس، وكأن الاستعمار غير موجود في المنطقة ولا يتحمل أية مسؤولية، ويقول عبد المالك إن حدوث الثورة هو الذي فجر الدموع والحزن لدى الأمهات على أولادهن، ثم تنتهي بذلك الرواية نهاية سوداء لأنها ليست رواية ثورية وإنما هي رواية سخط، فقد انفض الشباب وتشتتوا ورضخ مقران لضغط التقاليد فانفصل عن زوجته لأنها لم تنجب له ولدا ذكرا وعاد الغبار إلى القرية. فكيف يصح هذا الحكم على نهاية الرواية مع أنها نشرت عشية الثورة، هل تنبأت الرواية بحدوث الثورة؟ هل هناك خطأ في تصور الناقد أنور عبد المالك، إن المرجح هو أن هذا الكاتب إنما خلط بين الربوة والرجل العادل أي بعد أن سخط الوطنيون على معمري واتهموه بالانحراف وربما حتى بالخيانة فعاد في (نوم الرجل العادل) ليهاجم الاستعمار مباشرة ويجعله هو المسؤول عما حل بالجزائر من مآس، وبذلك اقترب معمري من الخط الوطني وأدرك أن هناك وطنية جزائرية، وأن الجيل القديم ليس هو المسؤول عما حدث للجزائر، إن هذه الأفكار وما يماثلها موجودة في رواية (نوم الرجل العادل) الصادرة سنة ١٩٥٧ وليس في الربوة المنسية الصادرة سنة ١٩٥٣. اكتشف معمري - كما قيل - الوطنية الجزائرية إذن في روايته الثانية، وقد جعل أحد أبطاله فيها يجيب كلما سئل عن سبب تصرفاته (أنا جزائري)، كما اكتشف معمري أن الوطن هو وطن الشعب العامل، وليس الراكد الخامل، وأن

стр. 4518

الأغنياء قد تنكروا للوطن ووالوا الاستعمار، واكتشف أيضا أن الاستعمار يقوم على نظام سياسي مدروس وعلى فلسفة معادية للإنسان والأخلاق، وأن الماضي والحاضر يمثلان خطا واحدا متصلا، وأن الجيل القديم هو الذي مهد الطريق للجيل الجديد وأنه هو الذي ربط بين نضال الأجداد ضد الاحتلال في القرن التاسع عشر وبين الثورة الأخيرة وأن الجميع في سجن كبير يسمى الجزائر، وقد خاطب معمري قومه بأن يضعوا ثقتهم في الكفاح الشعبي لأن شعارات ١٧٨٩ ما هي إلا شعارات مزيفة. ولنعد قليلا إلى نوفمبر ١٩٥٦ فقد بعث معمري برسالة من الرباط إلى أحد أصدقائه يقول فيها: إنه لم يعد يكتب منذ أكثر من سنة وإنه لا يوجد ما يستحق الكتابة عدا المأساة الكبرى والدموع ودم الأبرياء، وقال له إن المجرم الحقيقي والوحيد هو الاستعمار، ولكنه هو لا يدين الرجال وإنما يدين النظام، وإنه يعتبر الرجال الذين يزدهرون في ظل الاستعمار هم المنافقون والخونة (١)، والظاهر أن معمري الذي أصبح تحت حماية عمه في المغرب، وجد الفرصة مواتية ليواصل تعلمه، لأنه عندما رجع إلى الجزائر بعد الاستقلال باشر التعليم في إحدى الثانويات، كما رأينا. وبعد أكثر من عشر سنوات من نشر الرواية الثانية لمعمري وخمس عشرة سنة من نشر الرواية الأولى، كتب الأديب محمد الصالح دمبري مقالة موثقة بالفرنسية عنوانها (مجادلات حول الربوة المنسية) عن قصة ظهور الربوة المنسية لمولود معمري وردود الفعل الوطنية عليها، والظروف المحيطة بموضوعها، وقد ترجم المقالة إلى العربية حنفي بن عيسى ونشر الترجمة في مجلة الثقافة.

стр. 4519

وبناء على المقالة فإن معمري وقع فيما وقع فيه عبد القادر حاج حمو (الاسم الحقيقي لعبد القادر فكري) حين مجد هو وأمثاله عمل الشاب معمري، وكادت تلك الكتابة (التمجيد) تقضي على مستقبل معمري باتهامه بالخيانة للوطن، إذ وصلته تهديدات وتساؤلات من الأوساط الوطنية الجزائرية (١). مولود فرعون ولد مولود فرعون في تيزي هيبل سنة ١٩١٣، وهو ابن فلاح فقير، درس في بلدت، ويغلب على الظن أنه درس على الآباء البيض في المنطقة، ثم في مدرسة ترشيح المعلمين ببوزريعة، وقد أهله ذلك لتولي وظيفة مدرس في الأربعاء ناثيراثن وإدارة إكمالية فيها، ثم مديرا لإكمالية بالمدنية في العاصمة، كما تولى وظائف إدارية محلية باعتباره (منتخبا بلديا) بالأربعاء، وقد زار فرنسا عدة مرات، وكان انتماؤه للحركة الوطنية (كانتماء مولود معمري) غير واضح ولا حاسم، ولكنه كان يشعر بإهانة الفرنسيين له وللأهالي عموما رغم أنه درس بلغتهم وكان يتكلمها بطلاقة ويكتب بها. وفي يومياته تحدث عن شؤون الجزائر العامة كإضراب ١٩٥٧، وحالة المنتخبين البلديين الذين هددتهم الجبهة بالقتل فاستقالوا، وعن مسألة الاندماج مع الفرنسيين وعن الجزأرة، ووقع على بيان يطالب الجنرال ديجول بوقف إعدام ١٥٠ جزائريا، ولكنه كان يعتبر الثورة ضربا من العبث، اختلف مع كامو حول استقلال الجزائر فقد كان كامو يخشى أن تستقل الجزائر فلا يزورها إلا بجواز سفر فقال له فرعون إن المسلم الجزائري كان يسافر إلى فرنسا بجواز سفر، رغم أن المسلم الجزائري لم يعتبر نفسه في يوم من الأيام فرنسيا، اغتيل فرعون من

стр. 4520

قبل منظمة الجيش السري، في ضاحية بن عكنون الجزائر، عشية الاستقلال، مع معلمين آخرين (١). لفرعون أعمال أدبية نشرها أثناء الثورة أو قبلها بقليل، وهو أكبر زملائه الأدباء سنا، ولم يكتسب شهرة كأديب مثل الآخرين، ويبدو أنه كان متفرغا للتعليم وإدارة المدارس والأعمال التربوية أكثر من التفرغ للأدب والنقاش الفكري، خلافا لزملائه، ورغم أنه كان يتردد على فرنسا فإنه لم يستقر فيها وربما لم يدرس فيها أيضا، ومن أعماله الأدبية قصة (الطرق الصاعدة) وهي مترجمة إلى العربية و (الأرض والدم)، بالإضافة إلى اليوميات التي كان يحتفظ بها. وقد ركز فرعون في أدبه على المحلية مصورا عيشة القبائل، مثل زميله مولود معمري، فلم يتناول الوطن الجزائري ولم تظهر في كتاباته الهوية الوطنية ولا الإيمان بالأمة الجزائرية، وإنما ركز اهتمامه على عادات وتقاليد التي تميزت بها القبائل. مالك حداد ولد مالك حداد بقسنطينة في ٥ يوليو ١٩٢٧، ودرس فيها الابتدائي والثانوي ثم تجول كثيرا حول العالم، لا سيما زمن الثورة، سافر إلى فرسا ليتابع دراسته في القانون (جامعة إيكس) وتونس ونيودلهي وموسكو وسوريا وغيرها. بدأ نشاطه الأدبي بنظم الشعر وصدر له منه ديوان، ثم كتب الرواية أيضا، ولكنه كان غير مكثر، رأيناه واجتمعنا به في عدة مناسبات فكان نعم الإنسان خلقا، وقد جلس إلى جانبي الأيسر في المنصة يوم ألقيت أول محاضرة عامة في قسنطينة سنة ١٩٦٧، ثم عملنا معا فترة في اتحاد الكتاب يوم أن كان هو رئيسه.
следующие страницы →