أخرى حساسة في مجتمع القبائل كالعرف والمرأة والزوايا، ومهما كان الأمر فإن النقاد الفرنسيين رشحوا قصة معمري لجائزة لجان التحكيم الأدبية لسنة ١٩٥٣ (سنة صدور القصة) احتفاء بهذا اللون من الأدب.
أما الضجة الثانية التي أثارتها رواية معمري فهي موقفه من الوطنية، فقد سببت له هذه الرواية الاتهام بخيانة القضية الوطنية وتلقى عليها العبارات الجارحة لكونه أساء بها في نظر النقاد إلى الوطن وأدان فيها المجتمع الأهلي دون أن يدين فيها الاستعمار الفرنسي، وسنتحدث عن ذلك بعد قليل.
تعرض الأديب والمفكر المصري أنور عبد المالك إلى حادث اختطاف وتغييب مولود معمري في الجزائر سنة ١٩٥٧، فكتب مقالة في جريدة (المساء) المصرية تحت عنوان (كتاب الجزائر لن يخضعوا لإرهاب الاستعمار: مولود مامري (كذا) من الثورة الفردية إلى الكفاح الشعبي)، افتتح مقالته بقوله: منذ أيام قلائل كان مولود معمري (يكتبه مامري) مهددا في حياته، ففي ٥ أبريل ١٩٥٧ هاجمت إحدى الدوريات المسلحة منزله بمدينة الجزائر واختطفته، ولم يعرف مصيره، فاجتمعت لجنة من الكتاب الفرنسيين في فرنسا، وفيها أراغون، وسارتر، وروا وأرسلت برقية احتجاج إلى الحكومة الفرنسية، ثم مرت الأيام، واعتقد الناس أنه قتل ... ثم وردت الأخبار أنه غادر الجزائر إلى الرباط وأنه هناك يعيش في دار عمه سي معمري الوزير بالحكومة المراكشية، ويرى أنور عبد المالك أن الإبعاد قد يكون تم بقرار من السلطات الفرنسية نفسها، وما يلفت النظر هنا أن الأدباء الفرنسيين والسلطات الفرنسية لم تتحرك حين خطف وقتل، في نفس الفترة، أدباء وعلماء جزائريون آخرون أمثال أحمد رضا حوحو والشيخ العربي التبسي والربيع بوشامة، وعبد الكريم العقون.
ويرى أنور عبد المالك أن مولود معمري قد أتم دراسته في مراكش وباريس، وأصبح مدرسا للأدب في ثانوية ابن عكنون (الجزائر)، وأن روايته (الربوة المنسية) قد عبر فيها عن سخط أبناء الأسر الكبيرة نتيجة أعمال
стр. 4517
الاستعمار (؟)، ولكن الرواية لم تتجاوز مجال الخط ولم تصل إلى درجة الثورة أو القيام بعمل إيجابي، إنها تمثل الصراع بين القديم والجديد في القرية وعلى مستواها فقط ولا تتجاوزها إلى الوطن الجزائري، ويمثل النموذج القديم شيخ القرية الذي كان يصرخ دائما في الشباب بأنه جيل ملعون، أما الجديد فيمثله شباب القرية، وفيهم هذه الأسماء التي يبدو أن بعضها غير إسلامي وهي: مدور، ومناخ، ووالي ومقران ورافع وموك، فقد كان هؤلاء كلهم ساخطين على الفقر والضعف والركود، فثاروا على آبائهم، كان هؤلاء الآباء هم المسؤولين على ما حدث لهم وللجزائر من بؤس، وكأن الاستعمار غير موجود في المنطقة ولا يتحمل أية مسؤولية، ويقول عبد المالك إن حدوث الثورة هو الذي فجر الدموع والحزن لدى الأمهات على أولادهن، ثم تنتهي بذلك الرواية نهاية سوداء لأنها ليست رواية ثورية وإنما هي رواية سخط، فقد انفض الشباب وتشتتوا ورضخ مقران لضغط التقاليد فانفصل عن زوجته لأنها لم تنجب له ولدا ذكرا وعاد الغبار إلى القرية.
فكيف يصح هذا الحكم على نهاية الرواية مع أنها نشرت عشية الثورة، هل تنبأت الرواية بحدوث الثورة؟ هل هناك خطأ في تصور الناقد أنور عبد المالك، إن المرجح هو أن هذا الكاتب إنما خلط بين الربوة والرجل العادل أي بعد أن سخط الوطنيون على معمري واتهموه بالانحراف وربما حتى بالخيانة فعاد في (نوم الرجل العادل) ليهاجم الاستعمار مباشرة ويجعله هو المسؤول عما حل بالجزائر من مآس، وبذلك اقترب معمري من الخط الوطني وأدرك أن هناك وطنية جزائرية، وأن الجيل القديم ليس هو المسؤول عما حدث للجزائر، إن هذه الأفكار وما يماثلها موجودة في رواية (نوم الرجل العادل) الصادرة سنة ١٩٥٧ وليس في الربوة المنسية الصادرة سنة ١٩٥٣.
اكتشف معمري - كما قيل - الوطنية الجزائرية إذن في روايته الثانية، وقد جعل أحد أبطاله فيها يجيب كلما سئل عن سبب تصرفاته (أنا جزائري)، كما اكتشف معمري أن الوطن هو وطن الشعب العامل، وليس الراكد الخامل، وأن
стр. 4518
الأغنياء قد تنكروا للوطن ووالوا الاستعمار، واكتشف أيضا أن الاستعمار يقوم على نظام سياسي مدروس وعلى فلسفة معادية للإنسان والأخلاق، وأن الماضي والحاضر يمثلان خطا واحدا متصلا، وأن الجيل القديم هو الذي مهد الطريق للجيل الجديد وأنه هو الذي ربط بين نضال الأجداد ضد الاحتلال في القرن التاسع عشر وبين الثورة الأخيرة وأن الجميع في سجن كبير يسمى الجزائر، وقد خاطب معمري قومه بأن يضعوا ثقتهم في الكفاح الشعبي لأن شعارات ١٧٨٩ ما هي إلا شعارات مزيفة.
ولنعد قليلا إلى نوفمبر ١٩٥٦ فقد بعث معمري برسالة من الرباط إلى أحد أصدقائه يقول فيها: إنه لم يعد يكتب منذ أكثر من سنة وإنه لا يوجد ما يستحق الكتابة عدا المأساة الكبرى والدموع ودم الأبرياء، وقال له إن المجرم الحقيقي والوحيد هو الاستعمار، ولكنه هو لا يدين الرجال وإنما يدين النظام، وإنه يعتبر الرجال الذين يزدهرون في ظل الاستعمار هم المنافقون والخونة (١)، والظاهر أن معمري الذي أصبح تحت حماية عمه في المغرب، وجد الفرصة مواتية ليواصل تعلمه، لأنه عندما رجع إلى الجزائر بعد الاستقلال باشر التعليم في إحدى الثانويات، كما رأينا.
وبعد أكثر من عشر سنوات من نشر الرواية الثانية لمعمري وخمس عشرة سنة من نشر الرواية الأولى، كتب الأديب محمد الصالح دمبري مقالة موثقة بالفرنسية عنوانها (مجادلات حول الربوة المنسية) عن قصة ظهور الربوة المنسية لمولود معمري وردود الفعل الوطنية عليها، والظروف المحيطة بموضوعها، وقد ترجم المقالة إلى العربية حنفي بن عيسى ونشر الترجمة في مجلة الثقافة.
стр. 4519
وبناء على المقالة فإن معمري وقع فيما وقع فيه عبد القادر حاج حمو (الاسم الحقيقي لعبد القادر فكري) حين مجد هو وأمثاله عمل الشاب معمري، وكادت تلك الكتابة (التمجيد) تقضي على مستقبل معمري باتهامه بالخيانة للوطن، إذ وصلته تهديدات وتساؤلات من الأوساط الوطنية الجزائرية (١).
مولود فرعون
ولد مولود فرعون في تيزي هيبل سنة ١٩١٣، وهو ابن فلاح فقير، درس في بلدت، ويغلب على الظن أنه درس على الآباء البيض في المنطقة، ثم في مدرسة ترشيح المعلمين ببوزريعة، وقد أهله ذلك لتولي وظيفة مدرس في الأربعاء ناثيراثن وإدارة إكمالية فيها، ثم مديرا لإكمالية بالمدنية في العاصمة، كما تولى وظائف إدارية محلية باعتباره (منتخبا بلديا) بالأربعاء، وقد زار فرنسا عدة مرات، وكان انتماؤه للحركة الوطنية (كانتماء مولود معمري) غير واضح ولا حاسم، ولكنه كان يشعر بإهانة الفرنسيين له وللأهالي عموما رغم أنه درس بلغتهم وكان يتكلمها بطلاقة ويكتب بها.
وفي يومياته تحدث عن شؤون الجزائر العامة كإضراب ١٩٥٧، وحالة المنتخبين البلديين الذين هددتهم الجبهة بالقتل فاستقالوا، وعن مسألة الاندماج مع الفرنسيين وعن الجزأرة، ووقع على بيان يطالب الجنرال ديجول بوقف إعدام ١٥٠ جزائريا، ولكنه كان يعتبر الثورة ضربا من العبث، اختلف مع كامو حول استقلال الجزائر فقد كان كامو يخشى أن تستقل الجزائر فلا يزورها إلا بجواز سفر فقال له فرعون إن المسلم الجزائري كان يسافر إلى فرنسا بجواز سفر، رغم أن المسلم الجزائري لم يعتبر نفسه في يوم من الأيام فرنسيا، اغتيل فرعون من
стр. 4520
قبل منظمة الجيش السري، في ضاحية بن عكنون الجزائر، عشية الاستقلال، مع معلمين آخرين (١).
لفرعون أعمال أدبية نشرها أثناء الثورة أو قبلها بقليل، وهو أكبر زملائه الأدباء سنا، ولم يكتسب شهرة كأديب مثل الآخرين، ويبدو أنه كان متفرغا للتعليم وإدارة المدارس والأعمال التربوية أكثر من التفرغ للأدب والنقاش الفكري، خلافا لزملائه، ورغم أنه كان يتردد على فرنسا فإنه لم يستقر فيها وربما لم يدرس فيها أيضا، ومن أعماله الأدبية قصة (الطرق الصاعدة) وهي مترجمة إلى العربية و (الأرض والدم)، بالإضافة إلى اليوميات التي كان يحتفظ بها.
وقد ركز فرعون في أدبه على المحلية مصورا عيشة القبائل، مثل زميله مولود معمري، فلم يتناول الوطن الجزائري ولم تظهر في كتاباته الهوية الوطنية ولا الإيمان بالأمة الجزائرية، وإنما ركز اهتمامه على عادات وتقاليد التي تميزت بها القبائل.
مالك حداد
ولد مالك حداد بقسنطينة في ٥ يوليو ١٩٢٧، ودرس فيها الابتدائي والثانوي ثم تجول كثيرا حول العالم، لا سيما زمن الثورة، سافر إلى فرسا ليتابع دراسته في القانون (جامعة إيكس) وتونس ونيودلهي وموسكو وسوريا وغيرها. بدأ نشاطه الأدبي بنظم الشعر وصدر له منه ديوان، ثم كتب الرواية أيضا، ولكنه كان غير مكثر، رأيناه واجتمعنا به في عدة مناسبات فكان نعم الإنسان خلقا، وقد جلس إلى جانبي الأيسر في المنصة يوم ألقيت أول محاضرة عامة في قسنطينة سنة ١٩٦٧، ثم عملنا معا فترة في اتحاد الكتاب يوم أن كان هو رئيسه.
стр. 4521
ترجمت أعماله إلى العربية على يد حنفي بن عيسى وكذلك ملك أبيض زوجة الشاعر السوري سليمان العيسى.
منذ الاستقلال تخلى مالك حداد عن الكتابة لأنه عانى أزمة نفسية، معتبرا اللغة الفرنسية منفاه، فعاد إلى أحضان الثقافة الوطنية دون أن يبذل جهدا في تعلم اللغة العربية فضلا عن الكتابة بها، وقد انقطع عن الكتابة بالفرنسية منذ الاستقلال، وتولى إدارة الثقافة في وزارة الأخبار في الستينات فقدم خدمات ورؤى للثقافة بالتعاون مع عناصر هامة في الدولة تتفق معه في المشرب والهدف مثل محمد الصديق بن يحيى ومصطفى كاتب ومحمد سعيدي، وقد أثرت عليه هو أيضا أحداث ٨ مايو ١٩٤٥ واعتبرها مائة ألف جريمة، أشرف على الصفحة الأدبية في جريدة النصر التي كانت تصدر في قسنطينة بالفرنسية سنوات ١٩٦٨ - ١٩٧٢.
خلافا لبعض زملائه الذين كتبوا باللغة الفرنسية نجد مالك حداد قد عاش الثورة الجزائرية بكل جوارحه ولم يشك أو يطالب التفاهم بين الضفتين أو بين الشعبين كما فعلوا، وإنما وقف مع الثورة إلى نهايتها المنتصرة رغم أنه هو القائل: إن وطنه هو الإنسان، بعد اندلاع الثورة تعرض منزله للاعتداء فغادر الجزائر إلى فرنسا وأوروبا وأخذ يدافع عن الجزائر العربية ويدعم الثورة، أدركته الوفاة في الجزائر في شهر يونيو ١٩٧٨ ونقل جثمانه إلى قسنطينة حيث ووري التراب، توقف عن الكتابة سنة ١٩٦١ مفضلا الصمت على الكتابة بلغة يعتبرها منفاه، وقد قيل إنه علم ولده العربية انتقاما من الفرنسية، كما يروى ذلك بعض الأدباء، ولعل مالك حداد بالغ في ذلك الموقف، فلو أنه تعلم العربية وأبقى على الفرنسية كما فعل مالك بن نبي وغيره لكان أجدى على الثقافة والأدب على ما نعتقد (١).
стр. 4522
ولمالك حداد مؤلفات قبل الثورة وأثناءها نذكر منها: الشقاء في خطر (شعر)، واسمع وسأناديك (شعر)، والانطباع الأخير (رواية)، وسأهبك غزالة (رواية)، والتلميذ والدرس (رواية)، ورصيف الأزهار لا يجيب (رواية)، وكلها صدرت بين ١٩٥٦ و ١٩٦٠، وله كتاب بعنوان (الحرية ومأساة التعبير لدى كتاب الجزائر)، دمشق ١٩٦٠.
اعتبر مالك حداد اللغة الفرنسية هي منفاه في وطنه فانقطع عن الكتابة منذ الاستقلال، أما زميله كاتب ياسين فاعتبر اللغة الفرنسية عصا حرب واستمر يكتب بها، وكذلك فعل محمد ديب، قد تكون (التلميذ والدرس) أهم أعمال حداد لأن فيها رمزية عن الحياة والحلم ونهاية كل حي، فالبطل قد أضاع حلمه، وقد يكون هو الكاتب يرمز به إلى نفسه، فالرواية نوع من السيرة الذاتية، وربما اعتبر الحياة كلها نوعا من الزيف والحماقة، لقد قال حداد بعد الاستقلال إنه مفصول عن وطنه بالبحر الأبيض المتوسط وباللغة الفرنسية، وهو موقف احترمه من أجله أناس واستخف به آخرون.
آسيا جبار
نوهت هنا الجزائر بالكاتبة الناشئة آسيا جبار، فخصصت لها افتتاحية العدد وتحدثت عن حياتها فقالت إنها تبيع ٢٢ سنة وإنها متخرجة من مدرسة ترشيح المعلمين (النورمال)، وقارنتها في أدبها الجديد بالكاتبة الفرنسية الصاعدة عندئذ (فرنسوا ساغان) (١)، وفي مقال آخر تعرضت المجلة إلى رواية (العطش) التي نشرتها آسيا جبار عندئذ، كما تحدثت عنها الصحافة الفرنسية الأدبية.
كانت العطش أول رواية جلبت الشهرة لآسيا جبار ونالت بها سمعة مبكرة وتقديرا واستحسانا بين المعاصرين، كب أحدهم عنها (وهو فرنسي يدعى
стр. 4523
F - L. Benos) مقالة نوه فيها بهذه الفتاة البالغة من العمر الثانية والعشرين، وقال إنها درست في شرشال في المدارس الابتدائية والثانوية، وشاركت في مسابقة صعبة في فرنسا، ومع ذلك نجحت فيها وهي المسابقة التي تؤدي إلى دخول مدرسة المعلمات العليا، ونعلم من هذا التنويه أن آسيا جبار كتبت القصة الأولى تحت عنوان (العطش) والثانية بعنوان (المستعجلون)، وفي العدد المذكور من المجلة تعريف روايتها (العطش) (١).
ومهما كان الأمر فإن آسيا جبار ليست هي الأولى من ذلك الجيل الذي أخذ يكتب عن الموضوع نفسه، ففترة الخمسينات فترة حرجة بالنسبة لتطور الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية، فهي فترة ظهور كتاب الجزائر بالفرنسية الذين لحقت بهم الثورة.
ولدت في شرشال باسم فاطمة الزهراء إيمالين في الرابع من أغسطس سنة ١٩٣٦، ودرست في مدينتها الأثرية المطلة على البحر، وأظهرت نبوغا مبكرا غير عادي، ودخلت المدرسة العليا للأساتذة ربما لكي تكون أستاذة في التعليم الثانوي، وانتقلت بسكناها إلى البليدة الأقرب إلى العاصمة وإلى المدرسة العليا، والبليدة هي عاصمة سهل متيجة الجميل، وهي واقعة في أسفل الأطلس البحري، وقريبة من القصبة وعمق الحياة العربية الشعبية ومن التاريخ البعيد الذي يرجع إلى عصر المرابطين والعثمانيين والتاريخ القريب حيث أثر الاحتلال الفرنسي بنماذجه الهندسية ومظاهر حضارته ونمط معيشة المستوطنين الأوروبيين الذين ينظرون نظرة دنيا للجزائريين أهل البلاد ويطلقون عليهم اسم (الاندجين) تحقيرا لهم.
في هذا الجو نشأت فاطمة الزهراء إيمالين وبدأت منذ الخمسينات تتعاطى الكتابة باللغة الفرنسية، وهي ما تزال تتردد على المدرسة العليا في الجزائر وفي فرنسا حيث فازت في مسابقة لفتت إليها الأنظار.
стр. 4524
كان عمرها حوالي اثنتين وعشرين عاما عندما نشرت أول قصة لها، وقد اختارت اسمها القلمي (آسيا جبار) واختارت (العطش) عنوانا لقصتها، ومنذ ذلك التاريخ (١٩٥٧) والاسم والوصف متلازمان: آسيا جبار والعطش من أجل الأدب والصعود فيه إلى القمة التي بلغتها في نهاية المطاف بفضل مثابرتها وتواضعها واختيارها لموضوعات أهملها الرجال والنساء السابقون وهي الموضوعات المتعلقة بالمرأة والمطبخ والحريم والتقاليد الاجتماعية والأطفال.
وفي الوقت الذي كانت فيه فتيات جزائريات أخريات يقمن بأعمال فدائية في القصبة ومدن الجزائر الأخرى وفي الجبال كانت آسيا جبار تشق طريقها في ميدان الأدب وتبحث في التاريخ حيث سجلت نفسها في جامعة الجزائر، فاستقبل النقاد قصة العطش استقبالا مرحبا فزاد ذلك من دفعها إلى الأمام، وكتبت عنها الصحف، وكانت "نجمة) من نجوم الجزائر الذين ظهروا عندئذ يتقدمهم محمد ديب وكاتب ياسين ومولود فرعون ... وعرفت أن مكان الأدب المكتوب بالفرنسية هو باريس فرحلت إليها، وربما ظلت تتردد عليها وعلى عاصمة بلادها طيلة عهد الثورة، وقبل نهاية الثورة تزوجت وأصدرت قصة أخرى هي (فاقدو الصبر) عن بنات جنسها المتعجلات في تغيير واقع الحال الثقافي في الجزائر والطامحات إلى تبني الثقافة الغربية (الفرنسية) بسرعة، وفي سنة ١٩٦٢ أصدرت قصة جديدة وهي (أطفال العالم الجديد)، وكانت طيلة هذا العهد ما تزال في العشرينات من عمرها، وكانت غير مستعجلة في خطواتها نحو القمة، وربما يمكن القول إنها كانت تعمل في صمت وتأن كأنها تعد مواقع قدميها، وها هي اليوم قد بلغت رواياتها ومسرحياتها حوالي ثلاثة عشر، وفي هذه الأعمال مسرحيات وأشعار، ومنها (أشعار من أجل جزائر سعيدة).
ويهمنا هنا أعمالها المنشورة قبل ١٩٦٢، يبدو أن آسيا جبار قد تأثرت بالبيئة الاجتماعية والبيئة التاريخية، فأعمالها تتناول تاريخ الجزائر الاجتماعي بشكل جديد، فهي توظف أحداث الماضي، بما في ذلك الأساطير والرموز.
стр. 4525
لبناء الحاضر، ولا تتناول ذلك بطريقة مباشرة شأن السياسيين والمؤرخين الأكاديميين، ولكنها تتناول ذلك بالأسلوب الأدبي الشفاف وبطريقة الإيحاء وبعاطفة هادئة لا تجرح ولا تقدح، رغم أنها تضع أصبعها على الجرح، وهي وإن عاشت زمن الثورة، فإنها لم تكتب عن الثورة مباشرة - حسب علمنا - ولكنها وصفت الظروف والأسباب التي أدت إلى الثورة، كما تحدثت عن معاناة المرأة والأطفال، والإنسان الجزائري عامة، نتيجة حرب التحرير، فهي لم تكن غائبة عن المشهد ولكنها كانت تصفه بأسلوبها الخاص، وقد ظهرت معظم أعمالها بعد الاستقلال.
نعم صعدت آسيا جبار (العالمية) بعد الستينات، وحظيت بالجوائز الفرنسية وغيرها، وترجمت أعمالها إلى عدد من اللغات التي منها الإنجليزية، وللأسف لم نعرف حتى الآن أن أعمالها قد ترجمت إلى العربية، رغم أنها تتحدث عن عالم عربي وإنسان عربي وتقدمه للقارى (العالمي) ولاسيما الفرنسي، ولم تبذل هي جهدا في إتقان اللغة العربية والكتابة بها على غرار ما فعل رشيد بوجدرة ومالك بن نبي، وكأنها استمرأت الحياة (الخارجية) مطلقة شعبها وأهلها، غير مبالية بهم فهموا دورها ورسالتها أو لم يفهموا، إنها أديبة ومؤرخة لأناس آخرين وليس لشعبها، وقد أعطاها هذا الخارج ما تريد وأكثر، ربما لأسباب معلومة وأخرى مجهولة، ولكن شعبها بقي يجهلها إلا القليل ممن يلفون لفها ويغزلون غزلها، والغريب أن الأدباء من أمثالها يطيلون ألسنتهم ويبرون أقلامهم للحديث عن (دور الأديب) في مجتمعه وشعبه، ولكنهم عندما يجد الجد نجدهم ينفضون من حوله ويختارون الاختباء وراء العالمية والشهرة ويهربون من التخلف وينسون (التزاماتهم) نحو أنفسهم وبلادهم، ولا نعتقد أن رأينا هذا يعد من باب الخطابية والوطنية الخشبية، بل أنه رأي يدين به أهل البلاد المتقدمة أنفسهم، فهم بالتحديد أدباء بلدانهم وليسوا أدباء بلدان أجنبية، ومن آخر أخبار آسيا جبار أنها انتخبت لعضوية الأكاديمية الفرنسية.
стр. 4526
شعراء بغير العربية
حدثت الثورة في وقت كان فيه جيل من الشباب الجزائري يتفتح نحو الأدب باللغة الفرنسية أيضا، سواء في ميدان القصة أو الرواية أو المسرح (وقد درسنا ذلك في محله) أو الشعر، ولذلك عرف عقد الخمسينات بأنه عقد شهد فيه الإنتاج الأدبي خصوبة غير معهودة لاعتبارين الأول أن التعليم المحدود بالفرنسية الذي سمح به الفرنسيون للجزائريين منذ سنة ١٩٤٥ قد بدأ يؤتي ثماره، كما أن طلاب جمعية العلماء، ولا سيما طلاب معهد ابن باديس، أخذوا يتخرجون وينتجون، أما الاعتبار الثاني فهو وجود الحافز الوطني الذي هو الثورة، فقد فتحت المجال أمام الشباب المثقف/ المتعلم لكي يعبر عن طاقته الأدبية في الحرية والاستقلال، ومن ثمة حدث ذلك التحرك الطلابي الذي عرفته الجزائر منذ ١٩٥٤ والمتمثل في ميلاد التنظيمات كاتحاد الطلبة ورابطة الطلبة والإضراب عن الدروس والامتحانات ونحوها، وكان الأدب أحد جوانب هذا النشاط، وكان الشعر هو لسان الشباب المتحفز.
ليس غرضنا أن ندرس شعراء الجزائر بالفرنسية حالة بحالة وفردا فردا، والذي يهمنا منهم هو الشعر الذي قالوه في الثورة وليس شعرهم بصفة عامة، والمعروف أن منهم من نشر مجموعات شعرية ومن نشر قصائد في دوريات، ومنهم من جمع أشعارا بالعربية أو البربرية دون أن يكون هو قائلها، ومنهم من قال شعرا ثوريا، ومن اكتفى بالتعبير عن الحرية والطبيعة والمرأة والظواهر الاجتماعية كالفقر والحرمان، ومنهم من يعود شعره إلى الأربعينات ومن تجاوز عهد الخمسينات إلى الستينات وما بعدها.
فهذا السيد محمد بكوشة قد أصدر سنة ١٩٤٦ مجموعة من الشعر الموزون في تلمسان بعنوان (أشعار حرة)، وهي ذات موضوعات مختلفة، من بينها الاضطهاد الذي عاشه الشعب بعد أحداث ٨ مايو ١٩٤٥، وقد أصدر نفس الشاعر مجموعة بعنوان (آمال) في الرباط، سنة ١٩٥٨، بينما أصدر أحمد
стр. 4527
الشامي (رياح الصحراء) من سعيدة سنة ١٩٥١ و (أنشودة الجزائر الشهيدة) ١٩٦٠ ربما في المغرب، و (الغرق) سنة ١٩٦١، ومن جهة أخرى أصدر النبهاني قريبع مجموعات من الأشعار في سنوات مختلفة منها مجموعة (شكاوى العربي) سنة ١٩٥٤، وأشعار النبهاني تنم عن روح فلسفية إنسانية وليست سياسية، وكان السيد محمد حداد ينشر شعره تحت اسم مستعار، ومنه (النبرة الحادة) سنة ١٩٥٤ الذي أصدره في مونتكارلو، ونفس الشيء فعله الطاهر باقي الذي نشر تحت اسم مستعار مجموعته (أنا جزائري) وهي تشتمل على أشعار وحكايات، الرباط، ١٩٥٨، وهو الذي أصدر أيضا (عن الحب والموت) سنة ١٩٥٩ في الرباط، وقد علق الكاهن جان ديجو على أشعاره وحكاياته بأنها ساذجة.
ومن شعراء هذه المرحلة إسماعيل آية جعفر الذي يبدو أنه كان متقدما في صناعة الشعر، فله (شكوى العرب في القصبة وشكوى الطفلة ياسمينة التي قتلها والدها)، سنة ١٩٥١، وقد نشر هذا العمل في الجزائر سنة ١٩٥٣، وهو الشعر الذي حاز على اهتمام الأدباء والنقاد في لغات أخرى، فنشر في مجلة (الأزمنة الحديثة) الفرنسية، كما ترجم إلى الإنجليزية في أمريكا ونشر سنة ١٩٧٣، وهو شعر طويل ومثير للحزن والألم نظرا للموضوعات التي تناولها حول القصبة، وحديثه عن الفقر والفقراء، وللشاعر آية جعفر مجموعتان أخريان لم تطبعا وهما (مفترق الشر) و (المخاوف الصغيرة).
ومن هذا الرعيل الهادي فليسي في مجموعته (الرغبة الإنسانية)، باريس ١٩٥٩، وحسين بوزاهر الذي نشر في باريس أيضا سنة ١٩٦٠ مجموعة بعنوان (أشعار) وهي أشعار عن الثورة وعن الحرية والشعب والمجاهدين، بالإضافة إلى بوعلام خليفة الذي نشر (يقينيات) في باريس ١٩٦١، ونور الدين التيدافي الذي غنى لحرب التحرير في مجموعته (الوطن دائما) ونشرها في تونس ١٩٦٢، ثم محمد حدادي في مجموعته (لابد من طلوع النهار) سنة ١٩٦١.
стр. 4528
ولكن هناك شعراء (كبار) ظهروا خلال الخمسينات وارتبطوا بأدب الثورة نشرا وشعرا، منهم مالك حداد، وكاتب ياسين ومحمد ديب ... فقد نشر مالك حداد ديوانه (الشقاء في خطر) في باريس ١٩٥٦، تغنى فيه بالمقاومة الوطنية، وقد نوه به النقاد، ويقال إنه تأثر في شعره عندئذ بأدب إيلوار وأراغون، وفي وقت لاحق نشر مالك حداد مجموعة (أستمع إلي أناديك) في باريس ١٩٦١، وقد سبقت أشعاره هذه مقالة عنوانها (الأصفار تصبح مدورة)، وأشعار مالك حداد تعبر عن الجزائر وهي تخوض حرب التحرير وتكافح من أجل الحرية.
أما كاتب ياسين فقد دخل ميدان الأدب بمجموعة شعرية سنة ١٩٤٦ من عنابة حيث نشر مجموعته (موليلوك)، وأعلن مرات عن مجموعات شعرية أخرى ولكنها لم تظهر في الواقع، منها (قصائد الجزائر المضطهدة) ١٩٤٨، ومجموعة (مائة ألف مخدر) ١٩٥٨.
ونشر محمد ديب مجموعة شعرية بعنوان (الظل الحارس) في باريس ١٩٦١، وهي المجموعة التي كتب له مقدمتها أراغون، وقد أصبحت أشعاره معروفة في عالم الأدباء، وهي تتحدث عن الجزائر الأم وعن المنفى الحديث وعن الغربة الفعلية كما كان يعيشها عندئذ والغربة الرمزية الداخلية، ومحمد ديب تحدث في مجموعته عن ذاته في هذا العالم القلق.
ومن الذين برزوا في ميدان الشعر محمد الحاج يعلى الذي نشرت له (المجاهد) قطعا معبرة عن روح الثورة، فقد احتوت الصفحة الأخيرة من جريدة المجاهد وفي ركن بعنوان (ركن الشعراء المقاومين) قطعة بعنوان (الحرب والتهدئة) وبتوقع، M. Y الذي قرأناه (محمد يعلى)، وقد أهدى هذا الشعر إلى أولئك المعروفين أو المجهولين الذين استشهدوا لكي تعيش الجزائر حرة، وختم القطعة بعبارة الحرية أو الموت، وقد وجدنا للشاعر محمد يعلى قطعا أخرى، واحدة بعنوان (فقراء مدينتي) الذين يقول عنهم إنهم (عند بزوغ كل فجر تراهم على اختلاف أعمارهم يعلو وجوههم الشحوب ... همهم هو
стр. 4529
التسكع خلال الديار، بحثا في القمامة، يدفعهم إلى ذلك الإملاق المرسوم على وجوههم ... أمام كل باب وتحت الأقواس يقضون ليلهم ... الخالي من الأمل ... المشحون بالضجر، ما أكثر هؤلاء في مدينتي الجميلة!
ولمحمد يعلى قطعة أخرى بعنوان (دماء أهل الحق) يقول فيها: (ألواح الحرب القائمة ... من يقدر على وصفك بالكلمات .. الحرب جحافل من البشر لا يملكون سكنا ولا خبزا، نجوا بمعجزة من الخراب، وذهبوا ينتظرون الموت على قارعة الطريق ... الحرب ... آلاف الزوجات والأمهات يسفحون وابلا من الدمع .. الحرب .. سيل من الدماء!) إن قطعة (فقراء مدينتي) منشورة أيضا في L'Echo بتاريخ ٢٠ أكتوبر ١٩٥٧، ولمحمد يعلى قطعة أخرى موجودة في أوراقي بالفرنسية عنوانها Aboublie تبدأ هكذا: (قلت لقلبي مع من أتقاسم المرأة غير المخلصة) .... وهي قصيدة تعود إلى ما قبل الثورة فهي ترجع إلى مايو ١٩٤٩.
وأثناء وجود محمد يعلى في القاهرة أيام الثورة كنا نلتقي رفقة التارزي الشرفي وحسن الصائم ونتبادل الحديث حول الأدب الجزائري، وأذكر أنني نشرت له قطعة قصيرة في مجلة (الرسالة الجديدة) المصرية بعد أن ترجمتها إلى العربية بمساعدته، وطالما أمدني بمعلومات عن الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية ... ويبدو أنه لم يستمر في التعاطي مع الأدب لأنه غرق في السياسة إلى الأذقان، ولا نشعر بضرورة الترجمة لحياته هنا - على غرار ما فعلناه مع زملائه - لأن الرجل معروف الآن، وقد تولى بعد الاستقلال مسؤوليات كبيرة في الدولة، وهو الآن متقاعد، ونلتقي من وقت لآخر فى المناسبات الثقافية.
بالإضافة إلى المجموعات الشعرية المنسوبة لأصحابها أو القصائد الفردية المنشورة - في المجلات والجرائد، هناك مجموعات أو مختارات قام غير الشعراء بجمعها وتقديمها للقراء، من ذلك (أشعار بربرية قبائلية) جمعها جان عمروش وطبعت في تونس، ١٩٤٧، وقد قام مولود فرعون بجمع بعض (أشعار سي
стр. 4530
محند) ونشرها في باريس ١٩٦٠، ولكن مولود معمري هو الذي جمع ديوان سي محند ونشره كله سنة ١٩٦٩ بعنوان (إيسفرة سي محند)، ولكن جهد معمري خارج عن التاريخ الذي حددناه (١).
وما دمنا نتحدث عن نشر المجاميع فلنشر إلى أن مصطفى الأشرف قد نشر سنة ١٩٥٣ (أغاني الفتيات العربيات) في باريس، وقد ترجمها من العربية إلى الفرنسية، وهي تتعلق بالحياة اليومية، والغزل، والعمل، مع مقارنة بالشعر الأندلسي، أما دنيس باريه D. Barret فقد نشر مجموعة من الشعر المعاصر تحت عنوان (الأمل والخطاب) Espoir et Parole باريس ١٩٦٣، وهي وإن ظهرت بعد الاستقلال إلا أنها تحمل تواريخ عهد الثورة وتتعلق بحرب التحرير.
ويجب أن نذكر أنه إلى جانب المجاميع الشعرية (الدواوين) التي نشرها أصحابها هناك القصائد التي نشرت في الدوريات، ومن الذين فعلوا ذلك قبل وأثناء الثورة، نذكر نور الدين عبه، ورشيد عبد الجليل، ومحمد أبركان، وإسماعيل آية جعفر، وبشير الحاج علي، وقدور محمصاجي ومصطفى الأشرف، ومالك واري، وقد احتوى العدد الخاص من مجلة (النقد الجديد) الصادرة سنة ١٩٦٠ على مجموعة من الشعر الموضوع والمترجم.
ومن الملفت للنظر في الشعر المكتوب بالفرنسية أن هناك شعراء من الجنس اللطيف بخلاف زميلاتهن اللائي يكتبن بالعربية، ففي الوقت الذي لا نكاد نجد فيه امرأة كتبت شعرا بالعربية في فترة الثورة وجدنا عددا من النساء كتبن الشعر بالفرنسية، وهي ظاهرة تستحق الدراسة من النقاد وعلماء الاجتماع، وإليك بعض الأسماء: ليلى الجبالي، وآسيا جبار، ومليكة أو
стр. 4531
الحسن، وجميلة دبيش، وزهرة زراري.
وأخيرا نشير إلى أن هناك أسماء فرنسية ساهمت في حركة الشعر بالجزائر وارتبطت بعهد الثورة وما بعده وتعتبر مساهمة أصحابها أحيانا مساهمة في حركة التحرير الوطني الجزائري، ومن هؤلاء هنري كريا، وجان سيناك، وجان عمروش، وأنا غريكي (١).
ومن جهة أخرى نشرت (المجاهد) قطعا شعرية أخرى لجزائريين مجهولين، ولكنها كانت عاطلة من الأسماء، فقد نشرت قطعة لشاعر قالت إنه من ضباط جيش التحرير الشباب، وعنوان قطعته (تحيا الحرية) التي أهداها إلى مقران وعبد المالك وكل الرفاق الذين سقطوا في ميدان الشرف، بالإضافة إلى شاعر شاب آخر من جيش التحرير كتب قطعة عنوانها (الغضب المشروع)، فهو شاعر ضد الظلم، لأن الظلم يقود إلى الغضب، ولعله يقصد بالغضب هنا الحرب ومن ثمة فهو ضد الحرب التي دفع إليها دفعا بسبب القهر والظلم (٢).
جريدة المجاهد والقومية العربية
جريدة المجاهد جريدة خبرية وإعلامية وسياسية كانت تدافع عن قضايا الثورة وترد على الإعلام الفرنسي، وكانت إيديولوجيتها هي الإيديولوجية الوطنية الموجهة نحو اليسار، وقد ظلت على هذه الصفة فترة طويلة، ثم أخذت تعالج مسائل الدين والأدب والتاريخ ونحوها ربما باعتبار هذه العناوين جزءا من القيم الوطنية وسلاحا لتعبئة الجماهير وراء الثورة. وكان الاحتلال الفرنسي قد انتهك الدين الإسلامي فلم يحترم التزاماته
стр. 4532
النصوص عليها في اتفاق يوليو ١٨٣٠ والمتعلقة بالإسلام والمرأة والممارسات الدينية والأملاك الوقفية والهيئة القضائية ورجال الدين والزهد في مساجدهم ونواياهم، ولكن حين أثار ديجول شروعا لتعديل القضاء الإسلامي والتشريعات الخاصة بالمرأة تدخلت المجاهد وكتبت عن هذا المشروع الذي سمته حرب ديجول الصليبية في الجزائر، كما تناولت القضاء الإسلامي والسيطرة الفرنسية عليه، وبهذه المناسبة تعرضت المجاهد إلى سجل فرنسا في اضطهاد الإسلام في الجزائر، ودور الكنيسة ورجالها من منظمة الآباء البيض إلى حالة الأيمة المسلمين وكيف تعامل الاستعمار مع الإسلام والأديان الأخرى، ولاسيما موقف فرنسا من قضية فصل الدين عن الدولة (١).
ومما يلفت النظر بهذا الصدد أن عدد ٨٩ من المجاهد بالفرنسية قد احتوى مقالة مطولة (ربما هي مترجمة أيضا في الطبعة العربية) عنوانها (الأمة العربية والثورة الجزائرية)، وللمقالة هامش أحال على دراسات أخرى حول نفس الموضوع، ويلاحظ القارى أن المقالة لا تحمل توقيعا وأن الإحالات هي: الثورة العربية، رقم ٢٧، وعلى طريق الوحدة رقم ٢٨، وغدا، الأمة العربية رقم ٢٩، ثم تطور المجتمع الإسلامي والتجربة الجزائرية رقم ٣٥.
وبالإضافة إلى المسألة القومية كتبت المجاهد عن التاريخ الجزائري برؤية غير تقليدية، ومن ذلك حديثها عن ثورة المقراني وثورة أولاد سيدي الشيخ، ولا يكاد يخلو عدد من المجاهد بالفرنسية من حديث عن الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين ونشاطه النقابي والوطني والقومي (٢).
أما المجاهد بالعربية فلم ترجع إلى تاريخ الجزائر البعيد واكتفت بتاريخها مع الاستعمار الفرنسي في أغلب الأحيان، فلم تتناول التاريخ القديم
стр. 4533
ولا الحركة الوطنية الحديثة وإنما تناولت شخصيات من زعماء المقاومة مثل الأمير عبد القادر الذي اهتمت به في عدة مناسبات، وابن باديس، والحاج المقراني، وبوعمامة، وبوشوشة ... وقد كتبت مرة خلاصة لتاريخ الجزائر منذ العهد العثماني الأخير فتعرضت لتاريخ الأسطول والديون المعروفة بين الجزائر وفرنسا كمقدمة للحديث عن مقاومة الاحتلال الفرنسي، مع صور بريشة فنانين فرنسيين يبدو أنها صور ترجع إلى عهد الأمير عبد القادر، وقد جعلت عنوان المقالة (خصائص النضال الجزائري عبر التاريخ، ١٨٣٠ - ١٩٥٤) وهي تمتد على ثلاث صفحات، ويلاحظ أنها لم تذكر شيئا عن فترة ١٩٠٠ - ١٩٥٤ ربما حتى لا تأتي على ذكر مصالي الحاج ودوره في الحركة الوطنية (١).
وفي فاتح السنة الأخيرة من عمر الثورة كتبت المجاهد مقالة عنوانها (الثورة الجزائرية والقومية العربية)، وهي مقالة تحليلية طويلة وبدون توقيع، ومن عناوينها الفرعية ما يذكرنا بالمقالة السابقة التي نشرتها المجاهد بالفرنسية، وهي الأمة العربية وحدة لا تتجزأ، وعوامل الوحدة، وعوامل التجزئة وطرق تجاوزها، وطريق الوحدة، ودور الثورة الجزائرية في بناء الوحدة العربية، ونلاحظ أن المقالة كتبت عشية تقدم المفاوضات في إيفيان بين جبهة التحرير والحكومة الفرنسية وتباشير نجاح الثورة التي كانت الجماهير العربية مأخوذة بها، فهذا التناول ينسجم مع الجو المفعم بالآمال في تحقيق الوحدة العربية التي تلعب فيها الجزائر دور المحرك، ذلك أن قارى المقال يلاحظ أن هناك صورة لجيش لتحرير بسلاحه وتحت الصورة كتب: جيش التحرير الوطني الجزائري، مفخرة العروبة (٢).
стр. 4534
الفصل الرابع
الإعلام في الثورة
بالإضافة إلى الصحف الفرنسية الناطقة في أغلبها باسم الكولون (الأوربيين) في الجزائر هناك صحف ونشرات كانت ناطقة باسم الأحزاب والهيئات، وأحيانا باسم أشخاص مستقلين أو تابعين لتيار معين، ويهمنا الآن الصحف والمجلات والنشرات التي أصدرها الجزائريون، سواء كانت بالعربية أو بالفرنسية، وننبه إلى أننا كنا تناولنا هذه الصحف في الأجزاء الأخرى من كتابنا في الفترة السابقة للثورة.
الصحافة
صحف جمعية العلماء
أصدرت جمعية العلماء جريدة البصائر في سلسلتها الثانية سنة ١٩٤٧، وهي صحيفة جامعة تعبر عن الاتجاه الإصلاحي السلفي الذي تتبناه الجمعية، وهي تتناول مواضيع ثقافية وعلمية وأدبية وسياسية، وغالبا ما يحمل كل عدد منها افتتاحية بقلم رئيس تحريرها وصاحب امتيازها (الشيخ محمد البشير الإبراهيمي) الذي هو في نفس الوقت رئيس جمعية العلماء، وقد وصفت بأنها كانت محل إعجاب في المشرق والمغرب والأمريكيتين لتنوع مواضيعها ورقي أسلوبها، ووصفها الإبراهيمي وصفا جامعا فقال إنها (سيف من سيوف الإسلام، وقبس من روح الشرق، ومنبر للعربية، وهي شجى في حلق
стр. 4535
الاستعمار، وهي ترجمان أفكار جمعية العلماء)، وقد استمرت البصائر في الصدور إلى أبريل سنة ١٩٥٦، كما سنرى (١).
وفي وقت لاحق (١٩٥٢) أصدرت جمعية العلماء أيضا جريدة بالفرنسية أسمتها الشاب المسلم فكانت صورة لما تنشره البصائر في المواضع والاتجاه، فاستقطبت نخبة من كتاب الجزائر المتنورين والمتحررين فتناولوا على صفحاتها موضوعات مستقلة ذات اتجاه إصلاحي - تجديدي وطني - أمثال مالك بن نبي، وعمار أوزقان، والشريف ساحلي، وكانت الجمعية تصدرها نصف شهرية من العاصمة وتوجهها إلى الشباب الجزائري المثقف بالفرنسية، وعند صدورها حيتها (المنار) فقالت إنها لسان حال شباب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين باللغة الفرنسية لربط الصلة بين المثقفين بالعربية والمثقفين بالفرنسية، وتمنت لها النجاح في خدمة التعاليم الإسلامية الخالدة (٢).
وفي سنة ١٩٤٩ أصدر بعض أعضاء جمعية العلماء جريدة شعبية باسم (الشعلة)، وكان الهدف منها تعرية الفئة الجزائرية المتعاونة مع الفرنسيين ونقدها سواء كانوا من رجال الدين الرسميين أو من الموظفين أو من النواب في المجالس النيابية الفرنسية، صدرت الشعلة بإشراف الأديب أحمد رضا حوحو والشيخ الصادق حماني، وكانت تكتب بأسلوب ساخر وأحيانا بالدارجة وبنبرة حادة ومباشرة تحرك الصخر.
صحف حزب الشعب
كما كان لحزب الشعب/ حركة الانتصار صحفه أيضا، ومنها الجزائر الحرة التي صدرت باللغة الفرنسية بالعاصمة ولكن السلطة الفرنسية صادرتها وهي ما تزال تحت الطبع في عددها الأول، فانتقلت إلى باريس، لأن قانون الصحافة يختلف فيها عن الجزائر - ففي باريس حرية في تعبير لا توجد في
стр. 4536
الجزائر، فصدر منها بعض الأعداد، ثم لحقها الأذى هناك أيضا، فتشكلت لجنة للدفاع عن حرية التعبير وأعلنت في المنبر الحر من جريدة (الجزائر الجمهورية) عن استيائها من مضايقة السلطات لجريدة الجزائر الحرة، وعادت الجريدة للصدور بالجزائر مرة أخرى فصدر منها ثلاثة أعداد، ثم تعرضت للمنع من جديد، فاحتجت عن منعها (جبهة الدفاع عن الحرية واحترامها) التي سبق الحديث عنها، وكما هو متوقع فإن مواضع الجزائر الحرة سياسية في معظمها وتصف حالة الشعب وآماله وتعكس برنامج الحزب في التحرر والاستقلال (١).
وقد رجعت الجريدة إلى باريس مرة أخرى فرارا من الاضطهاد المسلط عليها في الجزائر ولكنها لم تسلم أيضا من المصادرة حين تناولت في أحد أعدادها الشهداء الجزائريين الذين سقطوا يوم ١٤ يوليو ١٩٥٣ بمناسبة الاحتفال بعيد الحرية في فرنسا (٢).
أما الجريدة الثانية التي أصدرها حزب الشعب/ حركة الانتصار فهي (الجزائر الجديدة)، وهي جريدة صدرت بالعربية بإدارة مصطفى فروخي، النائب عن حركة الانتصار في المجلس الجزائري، وكانت مواضيعها متنوعة.
وبالإضافة إلى الصحيفتين المذكورتين صدرت صحيفتان أخريان قريبتان من حزب الشعب وهما المنار التي ظهرت سنة ١٩٥١، وقد كان يرأس تحرير المنار محمود بوزوزو، صاحب القلم الوطني المثقف والفكر النهضوي العربي الإسلامي القريب من تيار جمعية العلماء، وكانت المنار تغطي أخبار الجزائر وتونس والمغرب والمشرق العربي والإسلامي وتكتب عن الأخبار الفنية والاجتماعية، وتتابع أخبار زعيم حزب الشعب مصالي الحاج، وكانت من الجرائد الناجحة ومع ذلك توقفت بسبب الأزمة المالية، فلم يطل عهدها، وهكذا توقفت عن الصدور في فاتح سنة ١٩٥٤ معلنة عن (أزمة المنار) وقالت
стр. 4537
إنها احتجبت قبل ذلك مدة شهرين لأسباب مادية، وتأسفت أن للأوروبيين أكثر من عشر صحف يومية وعددهم حوالي مليون بينما الجزائريون ليس لهم صحيفة يومية وعددهم حوالي عشرة ملايين، أما الصحف الأسبوعية - مثل النار - فمهددة بالموت في كل شهر.
أما الصحيفة الأخرى التي دعمت اتجاه حزب الشعب فهي جريدة المغرب العربي التي أدارها الشيخ محمد العيد الزاهري، وهو أديب واسع الاطلاع تقلب بين عدة تيارات دينية وسياسية، أصدر الجريدة سنة ١٩٤٨، وكانت جريدة أسبوعية ومساندة لحركة الانتصار، ثم اختفت فترة، وعادت إلى الظهور بالعاصمة في ١٧ مارس، ١٩٥٦ ودامت حوالي شهرين، ثم توقفت بعد اغتيال صاحبها في ظروف غامضة (١).
صحافة الحزب الشيوعي وحزب البيان
وكان للحزب الشيوعي جريدة (الجزائر الجمهورية) التي كان لها تأثير بارز على النخبة اليسارية عموما، وكان كتابها من المثقفين المسلمين (الأهالي) والمثقفين الفرنسيين، وقد كتب فيها في بداية حياتهم كل من محمد ديب وكاتب ياسين وألبير كامو ... ومن كتابها الجزائريين أيضا الصادق هجرس، والبشير حاج علي، وعبد الحميد بن زين، وكانت صحيفة (الجزائر الجمهورية) أسبوعية ثم يومية، وقد أوقفتها السلطات الفرنسية سنة ١٩٥٧، كما أصدر الحزب نفسه جريد باسم (الحرية).
وكان لحزب البيان الديموقراطي جريدة (الجمهورية الجزائرية) التي كانت تصدر بالفرنسية، ثم جريدة (الوطن) التي قد تكون باللغة العربية، ولكن لم يصدر منها سوى أعداد قليلة، ومن بين كتاب جريدة الحزب فرحات عباس ونخبة مؤمنة بمبادى الحزب في الحرية والمساواة والاستقلال الذاتي للجزائر في
стр. 4538
نطاق الاتحاد الفرنسي، كما كان المفكر مالك بن نبي يكتب فيها.
صحف أخرى
واصلت جريدة (النجاح) مسيرتها منذ أوائل العشرينات، وقد بدأت جريدة عربية أسبوعية مستقلة تصدر في قسنطينة برئاسة مامي إسماعيل، ثم تحولت من أسبوعية إلى يومية موالية للإدارة الفرنسية أو محايدة، ولم تتوقف عن الصدور إلا سنة ١٩٥٦ (١).
مجلة هنا الجزائر
ظهرت مجلة (هنا الجزائر) في مايو سنة ١٩٥٢ واستمرت على الأقل إلى سنة ١٩٦٠ إذ اطلعنا منها على عدد ٨٩ وهو صادر في مايو من السنة الأخيرة، ولا ندري إن كانت قد استمرت بعد ذلك فنحن لم نطلع على ما بعد التاريخ المذكور، وكانت تصدر شهريا في قسمين (عربي / فرنسي) في مجلد واحد، وكل قسم فيها مستقل عن الآخر ولكن بعض المواد من هذا أو ذاك كانت تترجم أو تلخص في القسم الآخر، وكان الغلاف يحمل عادة صورا تراثية أو فنية أو صورة لمدينة جزائرية معينة أو منظرا طبيعيا من إحدى جهات الجزائر، وليس بالضرورة أن يكون في الغلاف المقابل نفس المنظر بل ربما العكس هو الصحيح فكل جهة من الغلاف مستقلة عادة بصورها، وبعد دخول (الصحراء) كعامل في الحرب بين الجزائر وفرنسا أضافت المجلة هذه الكلمة إلى تعريف نفسها فأصبح التعريف ابتداء من أول يناير ١٩٦٠ هكذا: (هنا الجزائر، مجلة الراديو والتلفزيون الفرنسية بالجزائر والصحراء للقسمين العربي والقبائلي)، والملاحظ أن هذا العنوان الطويل غير موجود في الغلاف الفرنسي من المجلة.
حين صدرت مجلة هنا الجزائر أعلنت من خطتها فقالت إنها تهتم بنشرات الأخبار والمحاضرات والمسامرات العلمية والأدبية والفنية والمنوعات الثقافية
стр. 4539
والأخلاقية والاجتماعية والطبية والفلاحية والرياضة، كما تهتم بإذاعة المسرحيات والحصص الفكاهية والحفلات الغنائية، ووعدت قراءها بأن صبغتها أدبية، ولذلك أخبرت أنها تعنى بتقديم فصول من الأدب العربي عامة والجزائر خاصة وألوان جديدة من الأدب الغربي (بما يعربه الأدباء من إنتاج الكتاب والشعراء الفرنسيين)، وهي تغطي شؤون الحضارة الإسلامية وما يحدث في العالم من تيارات أدبية واتجاهات فكرية، كما اهتمت بنشاط المسرح والموسيقى والسينما والغناء والرياضة، كما سترى (١).
صدرت مجلة (هنا الجزائر) باللغتين العربية والفرنسية عن مؤسسة الإذاعة والتلفزة الفرنسية، وقد تولى رئاسة تحريرها الشاعر المزدوج الثقافة الطاهر البوشوشي، وكان يحررها نخبة من المثقفين الدائمين منهم عبد القادر نور الدين والأخضر السائحي وأحمد بن ذياب والمولود الطياب وأحمد الأكحل، وكانت مجلة جامعة تهتم بالأدب والشعر والعلم والترجمة والتراجم والتاريخ والفن والدين ... كما كانت تهتم بأعلام الأدب العربي في مختلف العصور، ولا سيما أعلام العصر الحديث، فأنت تجد فيها أخبار وترجمات جبران خليل جبران وعبد القادر المازني وميخائيل نعيمة وأحمد زكي أبو شادي وعلي محمود طه ... وهي تعرف نفسها بأنها (مجلة الإذاعتين العربية والقبائلية للراديو والتلفزيون الفرنسية بالجزائر، أسست لنشر العلوم والآداب والفنون)، ونلاحظ أنها لم تذكر شيئا عن اللغة الفرنسية التي تشكل القسم الثاني منها، كما نلاحظ أنها توحي بأنها مجلة ذات رسالة حضارية (٢).
جريدة الباتريوت (الوطني)
وعشية الثورة أيضا ظهرت نشرة بعنوان الوطني أو (الباتريوت) المنسوبة
стр. 4540
للجنة الثورية للوحدة والعمل، وقد قيل إن محمد بوضياف هو الذي كان يشرف عليها، وذكر أحد الكتاب أن (الباتريوت) كان يطبعها محمد العيشاوي مدير مكتب حركة الانتصار في العاصمة، وظهر منها عددان (الثاني والثالث) في شهر مايو، ١٩٥٤، وكانت تطبع على الحجر (ميموغراف)، أما العدد الأول منها فقد ظهر مع ظهور اللجنة الثورية للوحدة والعمل (١).
جريدة الجزائر العربية
في ربيع سنة ١٩٥٥ ظهر السيد مسعود مجاهد في مراسلتين تتعلقان بإنشاء جريدة عربية لصالح الثورة، المراسلة الأولى إلى الرئيس جمال عبد الناصر والمراسلة الثانية إلى محمد خيضر مدير المكتب السياسي لجبهة التحرير في القاهرة، واسم الجريدة الذي اقترحه مسعود مجاهد هو (الجزائر) أو (الجزائر العربية)، وقد عرف نفسه بأنه عضو جمعية أحباس الحرمين الشريفين، والقاضي الشرفي بقسنطينة، وحامل وسام الاحترام المراكشي من رتبة فارس، ووسام الاحترام التونسي من رتبة ضابط كبير، ومدير جريدة الجزائر العربية التي مقرها في نهج نافاران رقم ٨، باريس، القسم التاسع.
في رسالته إلى الرئيس عبد الناصر (مؤرخة في الخامس من أبريل سنة ١٩٥٥ وتقع في صفحتين كبيرتين) إشادة بزعامته منذ مؤتمر باندونج، وحديث عن تبعية المغرب العربي لمصر وعن علاقة الجزائر بمصر منذ حملة نابليون ومعركة نافارينو، وعن سياسة فرنسا في التدجين والتجهيل وشنها حربا على خيضر وابن بلة وآيت أحمد وزائدي (كذا، ولعله يقصد محمد يزيد) والأحول، وتحدثت الرسالة أيضا عن أن الثورة عملية شعبية من أجل الاستقلال التام وليس الاستقلال الذاتي الذي يشبه التجنس، وقال مسعود مجاهد إن لجنة تحرير الجزائر (لعله يقصد جبهة التحرير؟) طلبت منه التخلي عن منصبه فامتثل وإنه أنشأ جريدة (الجزائر العربية) التي أصدرها في باريس ثم حولها إلى طرابلس
стр. 4541
بعد أن حصل على الإذن بذلك من سلطانها (كذا)، وكان سيطلب من عبد الناصر الإذن بإصدارها من مصر ولكن وجودها بطرابلس في رأيه سيجعلها أقرب إلى المغرب العربي، وقد أيد هذا المشروع (وهو إنشاء الجريدة) في رأيه زعماء العرب في مصر، ومنهم شيخ الأزهر ووزير الأوقاف والشعب المصري ونبغاء القاهرة، وهو لا يطلب من عبد الناصر أكثر من الدعاء له لأنه مستجاب الدعاء لشبهه بعمر بن الخطاب.
أما الأمر الثاني الذي يطلبه من عبد الناصر فهو أن يهديه صورته ليضعها في مكتب إدارة الجريدة حاملا علم مصر باليد اليمنى قبل أن يحمل علم الجزائر باليسرى، وكتب اسمه هكذا: مجاهد مسعود رئيس مجلس قضاء الجزائر، ومدير جريدة الجزائر العربية، طرابلس، ليبيا، مع الختمين المذكورين لاحقا، وكتب عليها بخط يده (نسخة للجنة تحرير المغرب العربي) (١).
أما رسالته إلى محمد خيضر (المؤرخة في ٢١ يونيو ١٩٥٥)، فبدأها بالحمد لله وحده، وخاطبه بالأخ خيدر (كذا)، والإخوة المكلفين بإدارة شؤون لجنة التحرير (جبهة التحرير؟) بالقطر الجزائري العزيز، السلام عليكم .. وهو يعلن له وظائفه وأوسمته التي أشرنا إليها التي حصل عليها من مراكش وتونس، وتحمل الرسالة ختمين، الأول بالعربية وعليه المجاهد مسعود، قاضي محكمة الخروب سنة ١٩١١ (هكذا قرآناه)، أما الختم المكتوب بالفرنسية فهو عبارة (الجمهورية الفرنسية، قاضي محكمة الخروب)، أما الختم الثاني فمكتوب فقط بالفرنسية؟ وعليه عبارة إدارة الجريدة العربية (الجزائر).
وتقول الرسالة لخيضر إنهم إذا وافقوا فإنه يريد أن يصدر الجريدة في طرابلس لقربها من المشرق والمغرب، وإنه قابل لأي مكان آخر، فهو يريد إنشاء جريدة لحساب الحركة أي الجبهة، وقد سماها (عربية) لأنها ليست (فرنسية)، وهي تخدم القضية الوطنية (والأمر يكون لكم لا لي).
стр. 4542
والرسالة مرفقة بمذكرة قصيرة بالفرنسية عليها الختمان أيضا لكن الختم الفرنسي شطبت منه الكلمة الفرنسية من (الجمهورية الفرنسية) واستبدلت بالجزائرية فأصبحت العبارة (الجمهورية الجزائرية)، وتقول المذكرة لخيضر إن جريدة (الجزائر العربية) ستكون تحت تصرفهم بشكل كامل، مع توقيعه على أنه (مجاهد) المدير، وفي أعلى الورقة مجاهد مسعود، عضو جمعية الأحباس والرئيس الأول للمحكمة الإسلامية بالخروب (شرفي)، ومدير جريدة (الجزائر)، دون إضافة كلمة العربية (١).
الصحافة المدرسية
ظهرت أيضا صحافة من نوع خاص، وهي الصحافة المدرسية التي تصدر عادة عن مدارس جمعية العلماء، وربما يعود ظهورها إلى ما سبقت الإشارة إليه من أن الجزائريين رغم كثرتهم لا يستطيعون إنشاء الصحف والاستمرار فيها لضعف حالتهم المادية، فعوظوها بالصحافة المدرسية، ولكن هذه الصحافة لا تهتم إلا بشؤون التلاميذ والمعلمين والتربية والأخلاق والتوجيه العام والمحيط، ولا تهتم بأخبار العالم ولا بالأحداث السياسية والاقتصادية.
تنتشر أخبار الصحافة المدرسية في الصحف العادية، ولكن الذي اهتم بها وجمع المعلومات عنها هو الشيخ محمد الحسن فضلاء في كتابه عن معلمي المدارس الحرة (٢)، وفي أوراق خاصة سلمني إياها خلال التسعينات من القرن الماضي، والشيخ فضلاء يؤرخ للصحافة المدرسية بدقة ويذكر أسماءها ومن أنشأها، وإذا كان هناك من درس نستخلصه من هذا النشاط التربوي فهو الشعور بأهمية الصحافة والاتصال بين أبناء الحركة الواحدة والإيمان بدور الإعلام المبكر.
يذكر الشيخ فضلاء أنهم كانوا - كمعلمين ومفتشين - يجتمعون في عدة
стр. 4543
مدارس، مثلا وهران وما جاورها، وقد يتوسعون فتنضم إليهم مدارس مستغانم وسيق وغيليزان، كما أن التلاميذ كانوا يكتبون في النشرة الواحدة مهما تباعدوا، فهم يتواصلون مع بعضهم ولو كانوا من غير نفس المقاطعة، من هذه النشرات مجلة الفلاح التي صدر عددها الأول في ٣٠ أكتور ١٩٥٣ عن دار الفلاح بوهران، وهي مجلة باسم التلاميذ، وقد صدر منها اثنا عشر عددا، واستمرت تصدر مدة عام، كما أصدرت نفس الدار مجلة مصورة أخرى في يناير ١٩٥٤ للتلاميذ الصغار، بعنوان (اقرأ واكتب)، وقد صدر منها سنة أعداد كان آخرها في ٢٠ يوليو من نفس السنة.
وأصدرت مدرسة غيليزان مجلة باسم (الفتح) صدر منها ستة أعداد. وكان مديرها هو الشيخ السنوسي دلاي، وأصدر العربي سعدوني بالحمري سبعة أعداد من مجلة أسماها (أقلام الناشئة)، ومن دار الحديث بتلمسان أصدر محمد با أحمد مجلة باسم (الروضة) وصدر منها ثلاثة أعداد، كما أصدر الحسين كرايمية مجلة في عين تموشنت باسم (الإصلاح) صدر منها عددان، ومن تازمالت أصدر عبد الملك فضلاء مجلة باسم (التربية والتعليم)، صدر منها سبعة أعداد، وفي سطيف أصدر بوعلام باقي مجلة (الفتح) فصدر منها خمسة أعداد، أما علي شنتير فقد أصدر مجلة (المدرسة) في سللتين الأولى صدر منها أحد عشر عددا بين ١٩٥٢ - ١٩٥٣ والثانية صدر منها أربعة وعشرون عددا ولكن عن المدرسة الرشيدية بشرشال، وهي مجلة طال عهدها، ويقول الشيخ محمد الحسن فضلاء إنه يملك شخصيا مجموعات هذه المجلات أو النشرات المدرسية.
وربما كانت أطول المجلات المدرسية عمرا هي مجلة (التهذيب) التي كان يشرف عليها الشيخ فضلاء نفسه عندما كان مديرا لمدرسة التهذيب بالأبيار، وقد بدأت التهذيب في الصدور في ديسمبر ١٩٥٤ واستمرت إلى شهر مايو سنة ١٩٦٢ (١).
стр. 4544
وقد ساق فضلاء مسيرة مجلة (الفلاح) فقال إنه جاء في عددها الثاني الصادر في ١٥ نوفمبر ١٩٥٣ ما يلي: الفلاح مجلة مدرسية قديمة ظهرت في ٢٥ يونيو ١٩٤٧ تحت اسم الشبيبة الإسلامية، وفي السنة الثانية ظهرت بعنوان (أطفال العرب)، وفي الثالثة ظهرت باسم (الأحداث)، ثم اختفت سنتين، واستيقظت بشرشال تحت اسم (المدرسة)، ودامت سنة كاملة، ثم ظهرت في وهران باسم (الفلاح)، وقد نوه بمجلة الفلاح بعض المفتشين والشعراء، فكتب إليها الشيخ إبراهيم مزهودي مفتش مدارس جمعية العلماء في زيارته العملية لوهران منوها فيها بمعلمي مدرسة الفلاح، كما أتحفها الشيخ سعيد الزموشي معتمد جمعية العلماء بوهران بقوله:
أفلحت يا دار الفلاح ... بمجلة للعلم والإصلاح
عربت ألسنة ويراعة ... ببيان محمد ورباح
ورغمت أنف المستبد ... بحكمة وبغير سلاح
فأكرم بالمدير ونخبة ... مختارة للعلا والكفاح.
ولكن الفلاح (المجلة والمدرسة) أغلقت سنة ١٩٥٦، وكذلك المدارس الأخرى بمنطقة وهران، وسجن معلموها ومديروها (١).
الصحافة أثناء الثورة
بعد توقيف صحف المركزيين من حركة الانتصار لم يبق من الصحف الوطنية إلا البصائر التي بقيبت تصدر إلى أبريل سنة ١٩٥٦ كما سيأتي، ورغم أنها أسبوعية فإنها بقيت تمد الرأي العام بأخبار الثورة بافتتاحياتها السائرة في خط الثورة وبفتحها بابا جديدا أطلقت عليه عنوان (يوميات الأزمة الجزائرية)، وهي تقصد بالأزمة الثورة، ولكن التحايل الإعلامي كان ضروريا لأنها لو استعملت كلمة الثورة أو ما شابهها لأوقفتها السلطة الاستعمارية فورا، كما
стр. 4545
أن الباب الذي كان يحرره أحمد توفيق المدني باسم (منبر السياسة, العالمية) كان يتحدث عما يجري من ردود أفعال نتيجة الوضع في الجزائر.
وبقطع النظر عن المضايقات التي تعرضت لها البصائر وافتتاحياتها الوطنية الواضحة فإن علاقتها بالإدارة الفرنسية، بعد البلاغ الإداري لجمعية العلماء الذي نشرته في ١٣ يناير ١٩٥٦ لم تعد كما كانت، فقد تحول التوتر إلى استفزاز وتحول الاستفزاز إلى قمع، ولنذكر هنا أن البلاغ كان صريحا في دعم الثورة والخروج إلى السياسة من الباب الواسع بالنسبة لجمعية تقول لوائحها إنها لا تشتغل بالسياسة وإنما تشتغل بنشر التعليم الحر وترشد الناس إلى شؤون دينهم.
لقد صدر البلاغ بعد الاجتماع العام للجمعية، وتناول (الحالة الحاضرة في القطر الجزائري وموقف الجمعية منها) وكان الاجتماع قد انعقد في مدينة الجزائر بمركز الجمعية يوم السبت ٢٣ جمادى الأولى ١٣٧٥ و ٧ يناير ١٩٥٦، وتضمن نقاطا عديدة أهمها: تهنئة تونس والمغرب باستقلالهما، والتنديد بما كان يجري في الجزائر من فظائع، وإلقاء المسؤولية على النظام الاستعماري عما عاشه الجزائريون منذ ١٣٠ من عنصرية وتفقير وتجهيل وحرمان ومحاربة للإسلام والتعليم العربي القرآني ومحق الجنسية وفرض سياسة الاندماج.
كما احتج المجلس على ما يرتكب في مختلف جهات الوطن من موبقات باسم القضاء على الثورة وعلى مدارس جمعية العلماء، وهو يتعاطف مع أحرار الأمة الذين سجنوا أو ألقي بهم في المحتشدات، ويثمن مواقف أحرار العالم وجميع الصحف النزيهة والحكومات الحرة التي أيدت نضال الجزائر، ويعلن أن كل سياسة تقوم على ترقيع الماضي وإجراء (إصلاحات) إنما هي عبث وتيئيس يؤدي إلى الانفجار.
وبهذه اللغة أعلن المجلس بكل صراحة أنه لا يمكن حل القضية الجزائرية إلا بالاعتراف العلني والصريح بكيان الأمة الجزائرية الحر وجنسيتها وحكومتها القومية ومجلسها التشريعي، ويؤكد أنه لا يمكن وضع حد لحالة الحرب
стр. 4546
الحاضرة والإقدام على بناء نظام حر جديد إلا بالتفاهم الصريح مع سائر الممثلن الحقيقيين للشعب الجزائري الذين أظهرهم الكفاح.
وقد وقع على هذا البلاغ القوي الشيخ العربي التبسي النائب الأول لرئيس جمعية العلماء (الغائب في القاهرة)، كما وقعه أحمد توفيق المدني (كاتب عام الجمعية)، والغالب أن صياغة البلاغ كانت بقلم الأستاذ المدني (١).
ويبدو أن السلطة الفرنسية لم تستطع صبرا على لهجة هذا البلاغ فبادرت بحجز العدد التالي من البصائر وافتكته من الباعة فلم يصل إلى قراء الجريدة في عدد من جهات البلاد، ولكن الجريدة صمدت ووعدت بقول الحقيقة مهما كلفها ذلك من عنت (٢).
أما آخر عدد صدر من البصائر فهو بتاريخ السادس من أبريل سنة ١٩٥٦. وهو العدد ٣٦١ الذي تضمن افتتاحية تحدثت عن دخولها السنة التاسعة، ومما جاء فيها: (والبصائر في سنتها هذه التاسعة تدخل في مرحلة جديدة من مراحل النضال .. سائرة إلى الأمام في خوض هذه المعركة الحاسمة التي يخوضها الشعب الجزائري المكافح لكسر قيوده وأغلاله واسترداد حريته واستقلاله، ولن تحيد البصائر عن طريقها ولن ترجع قيد شعرة عما عاهدت الله عليه حتى تفوز بإحدى الحسنيين، حسنى السيادة أو حسنى الشهادة)، فهذه لهجة من أشهر السلاح في وجه الاستعمار وعزم علي اللاعودة بدون رأس عدوه، ومن الصدف أن آخر قصيدة نشرتها لي البصائر كانت في هذا العدد الأخير (٣٦١) وهي قصيدة (الطين)، ومهما كان الأمر فإنه بعد توقف البصائر تفرقت هيئة تحريرها إما باللجوء إلى الخارج وإما بالاعتقال في الداخل، وانصهر الجميع في بوتقة الثورة تحت راية جبهة التحرير الوطني.
стр. 4547
صحافة جبهة التحرير
ذكرنا الصحف الحزبية التي سبقت الثورة، وقد استمر بعضها في الصدور أثناء فترة غير قصيرة بعد الثورة أيضا، فحزب البيان والحزب الشيوعي استمرت صحفهما في الصدور فترة بعد الثورة، كما ظهرت صحف جديدة تدعو إلى التفاهم بين الجزائريين والفرنسيين أصدرها أفراد وراءهم اتجاهات معينة مثل جريدة (المغرب العربي) التي سبق ذكرها والتي اتهمت بخدمة الحركة المصالية. ومثل جريدة (الجزائر أولا) التي أصدرها عمار أوزقان وكانت تعبر عن اتجاه شيوعي ولكن خارج الحزب.
ويبدو أن الثورة نفسها لم تهتم في البداية بالإعلام كوسيلة ناجحة في ربح المعركة وعزل العدو، ولكن إعلام الدوائر الاسعمارية والحاجة إلى كسب الرأي العام الداخلي والخارجي جعلت قادة الثورة يولون اهتماما خاصا للإعلام الوطني لتوضيح أهداف الثورة والرد على الإعلام المضاد، ولم يظهر إعلام الثورة في شكل ناضج من أول مرة وإنما ظهر في شكل يمكن تسميته بالبدائي، فقد تمثل أولا في الكتابات الحائطية، والمناشير المحلية والاتصالات الفردية، بل حتى في وضع قصاصات على جثث الخونة بعد إعدامهم.
يتفق معظم الذين درسوا إعلام الثورة أن البدء كان بالصحافة ثم لحقت بها الإذاعة ثم الوسائل الأخرى من سينما ومؤتمرات ونشرات ومسرح ورياضة ومنظمات وغيرها من وسائل الدعاية والتبليغ، ويمكن القول إنه لم تظهر صحيفة رسمية ناطقة باسم جبهة التحرير قبل مضي سنة على الأقل من اندلاع الثورة.
وأول عدد من جريدة (المقاومة الجزائرية) ظهر في آخر سنة ١٩٥٥، وقد طبعت في فرنسا أولا، وفي أوائل السنة الموالية بدأت طبعة في المغرب وهي تختلف في أسلوبها وفي تحريرها عن طبعة باريس، وفي منتصف السنة (١٩٥٦) ظهرت منها طبعة في توس أيضا، ولم تكن هي نفسها طبعة باريس ولا المغرب
стр. 4548
مما يدل على عدم التنسيق بين هيئات التحرير في الأماكن الثلاثة ربما لصعوبة الاتصال، وكانت جريدة المقاومة تدخل إلى الجزائر بطريقة التهرب والتسريب، وكانت تصلنا في القاهرة في طبعة تونس على الأغلب وهي الطبعة العربية، وربما كانت طبعة باريس الفرنسية موجهة للجالية بالدرجة الأولى ثم للرأي العام الأوروبي (١).
ولكن مؤتمر الصومام وضع برنامجا جديدا للإعلام نتج عنه تغيير اسم (المقاومة) إلى (المجاهد)، كما جعل جبهة التحرير هي التي تشرف على الإعلام تحت قيادة (لجنة التنسيق والتنفيذ) شعورا منه بأهمية الإعلام وضرورة توحيد مصدره وأسلوبه وتحديد جمهوره، كما قرر المؤتمر إلغاء طبعات جريدة المقاومة المستمد اسمها فيما يظهر من المقاومة الفرنسية أيام الحكم الألماني، بينما اسم (المجاهد) له معنى إسلامي ويعتبر من تراث المقاومة الوطنية الجزائرية عبر فترة الاحتلال الفرنسي، كما أن اسم المجاهد له نداء خاص لدى الجماهير التي طلب منها الانضمام للثورة (٢).
رأي زهير إيحدادن
يقول زهير إيحدادن الذي درس إعلام الثورة بتوسع إن هذه ظلت بدون إعلام خاص إلى يونيو ١٩٥٦، فهي لم تول اهتماما خاصا للإعلام في بداية أمرها وليس لها وسيلة رسمية تعبر من خلالها عن برنامجها وترد بها على خصومها أو على الدعاية المضادة، أما في منذ يونيو فقد صدرت (المجاهد)، وهي جريدة إخبارية سياسية دعائية، ولم تذكر في عددها الأول تاريخ صدورها رغم حديثها عن أحداث وقعت قبل يونيو ١٩٥٦، بينما جاء في العدد الثالث من
стр. 4549
(المقاومة الجزائرية) التي كانت تصدر في تطوان المغربية أن المجاهد قد صدر منها العدد الأول، وعلى هذا يكون العدد الأول من المجاهد قد صدر في يونيو أو يوليو من نفس السنة، وهي المدة التي بدأ فيها التحضير لمؤتمر الصومام، ولكن مصادر أخرى تقول إن (المجاهد) لم تظهر إلا بعد مؤتمر الصومام، وهو المؤتمر الذي قرر إنشاءها وتوقيف (المقاومة الجزائرية).
ومهما كان الأمر فقد مرت المجاهد بثلاث مراحل، في المرحلة الأولى صدر منها ستة أعداد بالعاصمة حيث كانت تطبع على الرونيو في شكل كراسة أو منشور بإشراف لجنة التنسيق والتنفيذ، وكانت تفتقر إلى مقر ثابت وهو مما صعب الحصول على مادتها وتوزيعها.
وفي المرحلة الثانية طبعت المجاهد في تطوان المغربية بإشراف لجنة التنسيق والتنفيذ أيضا، أي بعد خروج اللجنة من العاصمة نتيجة إضراب فبراير ١٩٥٧، ويرى البعض أنه في صيف هذه السنة فقط اتخذ القرار بوقف المقاومة الجزائرية والاكتفاء بالمجاهد التي أصبحت هي اللسان المركزي لجبهة التحرير الوطني، كانت المجاهد تطبع حوالي ٥٠٠٠ نسخة في مطبعة إسبانية في شكل جريدة هذه المرة وعلى ورق شفاف، كما كانت تطبع كمية أخرى لتوزيعها في الخارج، وبهذه الطريقة ظهر منها ثلاثة أعداد هي الثامن والتاسع والعاشر، أما السابع فيبدو أنه طبع أثناء إضراب فبراير المشار إليه ولكنه لم يوزع بطريقة عادية، ثم قررت لجنة التنسيق والتنفيذ الانتقال بالمجاهد من تطوان إلى تونس حيث يتوفر الإعلام الأجنبي ووسائل الطباعة الحديثة، كما أن اللجنة نفسها قد اتخذت من تونس مقرا دائما لها، وبذلك تبدأ المرحلة الثالثة من جريدة المجاهد، وهي الأطول والأكثر استقرارا، وهي تبدأ من نوفمبر ١٩٥٧ إلى الاستقلال ١٩٦٢ (١).
стр. 4550
وخلال هذه المرحلة صدرت المجاهد في طبعتين تونسية ومغربية (تطوان ثم الرباط)، وكانت طبعة تونس هي الأصلية، أما المغربية فقد كانت مصورة على التونسية، وفي تونس أصبح للمجاهد مكانة صحفية وإعلامية مرموقة في الأوساط السياسية سواء منها الداخلية أو الخارجية، ومن حيث المبدأ كانت تصدر نصف شهرية غير أنها لم تكن منتظمة، وكانت تصدر في طبعتين فرنسية وعربية، وإذا كان الخط العام واحدا في الطبعتين فإن المحتوى لم يكن دائما طبق الأصل لاختلاف الجمهور في الحالتين، وكان المسؤول على الطبعتين هو رضا مالك، بينما كان محمد الميلي ومنور مروش مسؤولين على النسخة العربية، وفرانز فانون مسؤولا على النسخة الفرنسية (١).
أشرنا إلى أن الإعلام أثناء الثورة بدأ في أغلبه كرد فعل على الإعلام المضاد الفرنسي الذي قاده المعمرون في عاصمة الجزائر وفي غيرها، فقد نشطت الصحف الاستعمارية والإذاعة الفرنسية ضد الثورة باتهامها بالشيوعية أحيانا والفاشية أحيانا أخرى، ووصف رجالها بقطاع طرق همهم السلب والنهب والعدوان، وقد تورطت بعض الصحف الأهلية وحتى بعض الزوايا فدعت إلى المؤاخاة والحوار لحقن الدماء، وأمام ذلك كان على جبهة التحرير أن تتحرك ضد هذه الهجمة التي تهدف إلى النيل من الثورة نفسها.
فباسم الدعوة إلى التفاهم أصدر عمار أوزقان في ١٨ يوليو ١٩٥٥ جريدة باسم (الجزائر أولا) دعا فيها إلى الحوار وحقن الدماء، غير أنه لم يظهر من هذه الجريدة سوى عددين، ومما يذكر هنا أن عمار أوزقان المولود في العاصمة سنة ١٩١٠ كان كاتبا عاما للفرع الجزائري للحزب الشيوعي الفرنسي سنة ١٩٣٤، كما كان عضوا في اللجنة المركزية لهذا الحزب سنة ١٩٣٦)، وكان قد تحصل على الشهادة الأهلية ثم بدأ يحفظ القرآن الكريم، ومنذ كان عمره ١٣ بدأ يعمل
стр. 4551
كبائع لجريدة (صدى الجزائر) ثم (بريد الجزائر) اللتين تصدران عن الدوائر الاستعمارية في الجزائر.
انخرط أوزقان في الحياة النقابية منذ ١٩٢٦، وفي ١٩٣٠ دخل تنظيم الشباب الشيوعي، وفي ١٩٣٤ رقي إلى كاتب عام لفرع الجزائر للحزب الشيوعي الفرسي عوضا عن ابن علي بوقرط الذي اغتيل في سبتمبر من نفس العام، ثم أصبح رئيسا لتحرير جريدة (الصراع الاجتماعي)، ونائبا في المؤتمر السابع للكومنتيرن صيف ١٩٣٥، كان أوزقان معارضا للنجم ثم لحزب الشعب، وقد انفصل عن الحزب الشيوعي الفرنسي ثم رجع إليه، وأصبح نائبا شيوعيا عن العاصمة سنة ١٩٤٥، وقد اصطدم مع قيادة الحزب الشيوعي الجزائري فطرد منه سنة ١٩٤٨ لأفكاره الوطنية، وفي سنة ١٩٥٥ انخرط في جبهة التحرير الوطني وساهم في كتابة محضر برنامج الصومام قبل أن يعتقل بالعاصمة بداية ١٩٥٨ (١).
كما أعاد محمد السعيد الزاهري إصدار جريدته (المغرب العربي) المشار إليها، في ١٧ مارس ١٩٥٦ وظهر منها سبعة أعداد ودعا فيها إلى الوحدة بين الوطنيين مما فهم منه مساندة الحركة المصالية، ويذهب إيحدادن إلى أن الجبهة طلبت من الرجلين (أوزقان والزاهري) التوقف عن أسلوب الدعوة للحوار مع السلطة الفرنسية وترك ذلك إلى الجبهة نفسها لأن ذلك الأسلوب لم يعد يفيد وقد فات وقته فامتثل أوزقان وخالف الزاهري فكان جزاءه القتل، وقد صدر آخر عدد من جريدته في ١٩ مايو ١٩٥٦ (٢).
وهكذا توقفت الجرائد المخالفة لجبهة التحرير أو الداعية للحوار، فتوقفت (الجمهورية الجزائرية) حوالي يناير سنة ١٩٥٦ و (البصائر) في أبريل، وأوقفت السلطة الاستعمارية صحيفة (الحرية) الشيوعية، كما توقفت جريدة
стр. 4552
(النجاح) من تلقاء نفسها في نفس السنة، وبذلك لم تبق إلا الصحف الاستعمارية.
كان الإعلام الاستعماري قويا بإمكاناته وأجهزته، وقد اتخذ أسلوبين من الجبهة: الأول عدم الاكتراث بها على أساس أنها ضعيفة وما تقوم به سيرجع عليها سلبا وسيجعلها تفقد قواعدها، والثاني اتهام الجبهة بإراقة الدماء وارتكاب الفظائع، وكانت مقاومة الجبهة للأسلوب الاستعماري قد تمثلت في منع انتشار هذا النوع من الإعلام بين الجزائريين، فعاقبت من يقرأ الصحف الفرنسية كما حرضت على عدم سماع الإذاعة الفرنسية، ثم تبين للجبهة أن المواطنين يستطيعون التمييز بين الحق والباطل، بين ما هو وطني وما هو استعماري، وتأكدت أنه لا بد من إعلام مضاد، ولكن الوسائل كانت ضعيفة بحيث لا تكاد تتعدى الاتصال الشخصي وتوزيع المناشير، كما أن الصحافة الاستعمارية قد تكون مفيدة للثورة لأنها تتحدث عن الثوار وأنشطتهم وعددهم وأسلحتهم وتصريحاتهم، ولذلك شجعت الجبهة صحافة الفرنسيين الأحرار، كالصحف الكاثوليكية أو ما يعرف بصحف الأستاذ (مندوز).
ومع أهمية هذه الإستراتيجية الإعلامية فإنها لم تكن كافية، لأن الصحافة الاستعمارية كانت قوية، ولذلك قررت الجبهة إنشاء إعلام خاص بها له كل مواصفات الإعلام الحديث، وذلك بدخول سوق المنافسة لكسب الرأي العام في الداخل والخارج، فكان أول الغيث هو إنشاء جريدة المقاومة الجزائرية، ثم المجاهد والإذاعة، ثم وكالة الأنباء، وهي الوسائل التي درسناها في مكانها من الكتاب.
كما أنشأت الجبهة وسائل إعلامية أخرى لا تقل أهمية، منها المسرح والسينما والفرقة الفنية وشجعت نشر القصة والشعر والرياضة، وحضور المؤتمرات والندوات والمهرجانات الثقافية والشبابية، بالإضافة إلى إعطائها أهمية للمحافظ السياسي في الولايات الذي كان يلعب دورا إعلاميا فعالا (١).
стр. 4553
جريدة المجاهد
كانت المجاهد تصدر أول مرة في مدينة الجزائر في شكل نشرة بحجم الكراسة تقريبا قبل أن تصبح جريدة، وقد ظهرت أول مرة في يونيو ١٩٥٦ وكانت تطبع على الرونيو، وكانت تصدر بالفرنسية ثم تترجم إلى العربية في حوالي ست صفحات، وقد دمر مقرها ومعداتها وأتلفت وثائقها أثناء معركة الجزائر الشهيرة وإضراب ١٩٥٧، كما تشتت أعضاء هيئة التحرير لأن لجنة التنسيق والتنفيذ نفسها لجأت إلى تونس بعد المعركة، كما سبق، وأول عدد من المجاهد صدر في شكل صحيفة هو العدد الثامن الذي صدر حوالي الخامس من أغسطس، وقد أضيف إلى عنوانها أنها اللسان المركزي لجبهة التحرير الوطني مما يعني أن الإعلام فعلا أصبح مركزيا في يد جبهة التحرير المتمثلة في لجنة التنسيق والتنفيذ، وقد أصبحت المجاهد تصدر في طبعة واحدة في الجزائر وتونس وفرنسا، واستمرت تصدر في تطوان المغربية إلى سبتمبر ١٩٥٧، ولم تنقل منها إلى تونس إلا بعد انعقاد المجلس الوطني للثورة الجزائرية في القاهرة في أغسطس، في نفس السنة.
تولى رمضان عبان الإشراف على جريدة المجاهد بطبعتيها العربية والفرنسية، وقد فصل عبان الطبعتين عن بعضهما لاختلاف جمهور الإعلام بين الغرب والشرق وبين الداخل والخارج، وابتداء من العدد ٢٣ الصادر في ٧ مايو ١٩٥٧ تولى أحمد بومنجل الذي كان نائبا لعبان، الإشراف على الطبعة الفرنسية لجريدة المجاهد.
ومنذ تكوين الحكومة المؤقتة في ١٩ سبتمبر ١٩٥٨، أي ابتداء من العدد ٢٩ أصبحت المجاهد تابعة مباشرة إلى وزارة الأخبار التي تولاها محمد يزيد واستمرت على ذلك الحال إلى الاستقلال (١).
لقد أصبحت الوزارة مسؤولة على الإعلام المتعلق بالثورة، سواء أكان
стр. 4554
صحفا أو نشرات سياسية أو مكاتب إعلامية في الخارج، أو إذاعة أو غيرها من الوسائل.
ومما يذكر أن المصالح الفرنسية قد عمدت إلى تزييف المجاهد كجزء من الحرب ضد الثورة، وقد وزعتها في الخارج، وفي الجزائر أيضا، بهدف عزل الشعب عن الجبهة، وأخبرت (المجاهد) أن جريدة (الطليعة) المغربية قد نددت بهذا العمل المشين وطالبت بالتحقيق في النشاط الفرنسي في المغرب (١).
ومهما كان الأمر فإن المجاهد أصبحت مدرسة في الصحافة الوطنية زمن الثورة، فقد تابعت تطور كفاح الجزائر عبر السنوات الصعبة وتعاملت مع الإعلام الصديق والعدو وأوضحت مواقف الثورة في مدها وجزرها وفي تعرجاتها داخليا وخارجيا، وشهدت تطورا أيضا في الفن الصحفي عن طريق الممارسة والتجربة، وقاومت الدعاية الفرنسية المضادة بنجاح سيما أثناء سوء التفاهم أو حتى الأزمات مع الجيران والأشقاء، أو حرب الإيديولوجيات، أو سير المفاوضات السرية والعلنية.
النشرات الداخلية
بالإضافة إلى الصحافة لجأت الجبهة إلى إصدار نشرات ولائية للإعلام المحلي، ولم تكن النشرات في مستوى واحد من الجودة والانتشار، فقد صدرت في المنطقة الأولى (الأوراس) صحيفة بالفرنسية باسم (الوطن) سنة ١٩٥٥ مطبوعة على الرونيو، وكانت تحتوي على أخبار الولاية والرد على الصحف الأجنبية، كما نشرت المناطق الأخرى نشرات خاصة، فصدرت عن المنطقة الثالثة نشرة (الجبل) وربما هي صوت الجبل، وعن المنطقة الرابعة نشرة (حرب العصابات)، وقد بلغ عدد النشرات خمسا، وكانت كلها نصف شهرية، وكانت المناطق (الولايات فيما بعد) تتبادل الأخبار عن طريق اللاسلكي.
стр. 4555
وكانت النشرات تطبع بالعربية والفرنسية وتفتقر إلى الخبرة الصحفية، أما وصولها إلى تونس والمغرب فكان عن طريق القوافل والتسريب الخاص (١).
كما صدرت عن المنظمات التابعة لجبهة التحرير صحف ومجلات ونشرات، من ذلك (العامل الجزائري) التي صدرت عن الاتحاد العام للعمال الجزائريين، و (الشباب الجزائري) المعبرة عن نشاط شباب جبهة التحرير، وكذلك نشرات فروع الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين، ونشرات وزارة الأخبار، وكان بعض هذه الوسائل الإعلامية يصدر بالعربية، وبعضها يصدر بالفرنسية، أو يصدر باللغتين، بل فيها ما كان يصدر بالفرنسية والإنجليزية كالنشرة التي كان يصدرها فرع الاتحاد بأمريكا بعنوان (معرفة الجزائر).
أصدرت وزارة الأخبار نشرة سياسية نصف شهرية تقع في اثنتي عشرة صفحة وتصدر بالعربية والفرنسية وتوزع على السفارات والصحفيين الأجانب والإعلاميين، وكانت لها افتتاحية وتعليق، وللوزارة نفسها نشرة أخرى شهرية تحتوي على ما يذاع في صوت الجزائر من إذاعة تونس خلال شهور مارس وأبريل ومايو ١٩٦٠ ثم توقفت، وأصدرت نفس الوزارة نشرات أخرى حول مواضيع معينة ذات صلة بالثورة مثل تحرير الجزائر، وافريقيا تتحرر، وإفريقيا في طريقها إلى الوحدة (وهذه كلها طبعت في يناير، ١٩٦٠ بمناسبة انعقاد مؤتمر الشعوب الآسيوية - الإفريقية)، كما نشرت الوزارة ما يلي:
- النابالم في الجزائر، أغسطس، ١٩٦٠.
معسكرات التعذيب، أكتوبر، ١٩٦٠.
عبر ولايات الجزائر، مارس، ١٩٦٠.
الجميع جزائريون، مارس، ١٩٦١.
صحراء الجزائر، أغسطس، ١٩٦١.