← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

كبائع لجريدة (صدى الجزائر) ثم (بريد الجزائر) اللتين تصدران عن الدوائر الاستعمارية في الجزائر. انخرط أوزقان في الحياة النقابية منذ ١٩٢٦، وفي ١٩٣٠ دخل تنظيم الشباب الشيوعي، وفي ١٩٣٤ رقي إلى كاتب عام لفرع الجزائر للحزب الشيوعي الفرسي عوضا عن ابن علي بوقرط الذي اغتيل في سبتمبر من نفس العام، ثم أصبح رئيسا لتحرير جريدة (الصراع الاجتماعي)، ونائبا في المؤتمر السابع للكومنتيرن صيف ١٩٣٥، كان أوزقان معارضا للنجم ثم لحزب الشعب، وقد انفصل عن الحزب الشيوعي الفرنسي ثم رجع إليه، وأصبح نائبا شيوعيا عن العاصمة سنة ١٩٤٥، وقد اصطدم مع قيادة الحزب الشيوعي الجزائري فطرد منه سنة ١٩٤٨ لأفكاره الوطنية، وفي سنة ١٩٥٥ انخرط في جبهة التحرير الوطني وساهم في كتابة محضر برنامج الصومام قبل أن يعتقل بالعاصمة بداية ١٩٥٨ (١). كما أعاد محمد السعيد الزاهري إصدار جريدته (المغرب العربي) المشار إليها، في ١٧ مارس ١٩٥٦ وظهر منها سبعة أعداد ودعا فيها إلى الوحدة بين الوطنيين مما فهم منه مساندة الحركة المصالية، ويذهب إيحدادن إلى أن الجبهة طلبت من الرجلين (أوزقان والزاهري) التوقف عن أسلوب الدعوة للحوار مع السلطة الفرنسية وترك ذلك إلى الجبهة نفسها لأن ذلك الأسلوب لم يعد يفيد وقد فات وقته فامتثل أوزقان وخالف الزاهري فكان جزاءه القتل، وقد صدر آخر عدد من جريدته في ١٩ مايو ١٩٥٦ (٢). وهكذا توقفت الجرائد المخالفة لجبهة التحرير أو الداعية للحوار، فتوقفت (الجمهورية الجزائرية) حوالي يناير سنة ١٩٥٦ و (البصائر) في أبريل، وأوقفت السلطة الاستعمارية صحيفة (الحرية) الشيوعية، كما توقفت جريدة

стр. 4552

(النجاح) من تلقاء نفسها في نفس السنة، وبذلك لم تبق إلا الصحف الاستعمارية. كان الإعلام الاستعماري قويا بإمكاناته وأجهزته، وقد اتخذ أسلوبين من الجبهة: الأول عدم الاكتراث بها على أساس أنها ضعيفة وما تقوم به سيرجع عليها سلبا وسيجعلها تفقد قواعدها، والثاني اتهام الجبهة بإراقة الدماء وارتكاب الفظائع، وكانت مقاومة الجبهة للأسلوب الاستعماري قد تمثلت في منع انتشار هذا النوع من الإعلام بين الجزائريين، فعاقبت من يقرأ الصحف الفرنسية كما حرضت على عدم سماع الإذاعة الفرنسية، ثم تبين للجبهة أن المواطنين يستطيعون التمييز بين الحق والباطل، بين ما هو وطني وما هو استعماري، وتأكدت أنه لا بد من إعلام مضاد، ولكن الوسائل كانت ضعيفة بحيث لا تكاد تتعدى الاتصال الشخصي وتوزيع المناشير، كما أن الصحافة الاستعمارية قد تكون مفيدة للثورة لأنها تتحدث عن الثوار وأنشطتهم وعددهم وأسلحتهم وتصريحاتهم، ولذلك شجعت الجبهة صحافة الفرنسيين الأحرار، كالصحف الكاثوليكية أو ما يعرف بصحف الأستاذ (مندوز). ومع أهمية هذه الإستراتيجية الإعلامية فإنها لم تكن كافية، لأن الصحافة الاستعمارية كانت قوية، ولذلك قررت الجبهة إنشاء إعلام خاص بها له كل مواصفات الإعلام الحديث، وذلك بدخول سوق المنافسة لكسب الرأي العام في الداخل والخارج، فكان أول الغيث هو إنشاء جريدة المقاومة الجزائرية، ثم المجاهد والإذاعة، ثم وكالة الأنباء، وهي الوسائل التي درسناها في مكانها من الكتاب. كما أنشأت الجبهة وسائل إعلامية أخرى لا تقل أهمية، منها المسرح والسينما والفرقة الفنية وشجعت نشر القصة والشعر والرياضة، وحضور المؤتمرات والندوات والمهرجانات الثقافية والشبابية، بالإضافة إلى إعطائها أهمية للمحافظ السياسي في الولايات الذي كان يلعب دورا إعلاميا فعالا (١).

стр. 4553

جريدة المجاهد كانت المجاهد تصدر أول مرة في مدينة الجزائر في شكل نشرة بحجم الكراسة تقريبا قبل أن تصبح جريدة، وقد ظهرت أول مرة في يونيو ١٩٥٦ وكانت تطبع على الرونيو، وكانت تصدر بالفرنسية ثم تترجم إلى العربية في حوالي ست صفحات، وقد دمر مقرها ومعداتها وأتلفت وثائقها أثناء معركة الجزائر الشهيرة وإضراب ١٩٥٧، كما تشتت أعضاء هيئة التحرير لأن لجنة التنسيق والتنفيذ نفسها لجأت إلى تونس بعد المعركة، كما سبق، وأول عدد من المجاهد صدر في شكل صحيفة هو العدد الثامن الذي صدر حوالي الخامس من أغسطس، وقد أضيف إلى عنوانها أنها اللسان المركزي لجبهة التحرير الوطني مما يعني أن الإعلام فعلا أصبح مركزيا في يد جبهة التحرير المتمثلة في لجنة التنسيق والتنفيذ، وقد أصبحت المجاهد تصدر في طبعة واحدة في الجزائر وتونس وفرنسا، واستمرت تصدر في تطوان المغربية إلى سبتمبر ١٩٥٧، ولم تنقل منها إلى تونس إلا بعد انعقاد المجلس الوطني للثورة الجزائرية في القاهرة في أغسطس، في نفس السنة. تولى رمضان عبان الإشراف على جريدة المجاهد بطبعتيها العربية والفرنسية، وقد فصل عبان الطبعتين عن بعضهما لاختلاف جمهور الإعلام بين الغرب والشرق وبين الداخل والخارج، وابتداء من العدد ٢٣ الصادر في ٧ مايو ١٩٥٧ تولى أحمد بومنجل الذي كان نائبا لعبان، الإشراف على الطبعة الفرنسية لجريدة المجاهد. ومنذ تكوين الحكومة المؤقتة في ١٩ سبتمبر ١٩٥٨، أي ابتداء من العدد ٢٩ أصبحت المجاهد تابعة مباشرة إلى وزارة الأخبار التي تولاها محمد يزيد واستمرت على ذلك الحال إلى الاستقلال (١). لقد أصبحت الوزارة مسؤولة على الإعلام المتعلق بالثورة، سواء أكان

стр. 4554

صحفا أو نشرات سياسية أو مكاتب إعلامية في الخارج، أو إذاعة أو غيرها من الوسائل. ومما يذكر أن المصالح الفرنسية قد عمدت إلى تزييف المجاهد كجزء من الحرب ضد الثورة، وقد وزعتها في الخارج، وفي الجزائر أيضا، بهدف عزل الشعب عن الجبهة، وأخبرت (المجاهد) أن جريدة (الطليعة) المغربية قد نددت بهذا العمل المشين وطالبت بالتحقيق في النشاط الفرنسي في المغرب (١). ومهما كان الأمر فإن المجاهد أصبحت مدرسة في الصحافة الوطنية زمن الثورة، فقد تابعت تطور كفاح الجزائر عبر السنوات الصعبة وتعاملت مع الإعلام الصديق والعدو وأوضحت مواقف الثورة في مدها وجزرها وفي تعرجاتها داخليا وخارجيا، وشهدت تطورا أيضا في الفن الصحفي عن طريق الممارسة والتجربة، وقاومت الدعاية الفرنسية المضادة بنجاح سيما أثناء سوء التفاهم أو حتى الأزمات مع الجيران والأشقاء، أو حرب الإيديولوجيات، أو سير المفاوضات السرية والعلنية. النشرات الداخلية بالإضافة إلى الصحافة لجأت الجبهة إلى إصدار نشرات ولائية للإعلام المحلي، ولم تكن النشرات في مستوى واحد من الجودة والانتشار، فقد صدرت في المنطقة الأولى (الأوراس) صحيفة بالفرنسية باسم (الوطن) سنة ١٩٥٥ مطبوعة على الرونيو، وكانت تحتوي على أخبار الولاية والرد على الصحف الأجنبية، كما نشرت المناطق الأخرى نشرات خاصة، فصدرت عن المنطقة الثالثة نشرة (الجبل) وربما هي صوت الجبل، وعن المنطقة الرابعة نشرة (حرب العصابات)، وقد بلغ عدد النشرات خمسا، وكانت كلها نصف شهرية، وكانت المناطق (الولايات فيما بعد) تتبادل الأخبار عن طريق اللاسلكي.

стр. 4555

وكانت النشرات تطبع بالعربية والفرنسية وتفتقر إلى الخبرة الصحفية، أما وصولها إلى تونس والمغرب فكان عن طريق القوافل والتسريب الخاص (١). كما صدرت عن المنظمات التابعة لجبهة التحرير صحف ومجلات ونشرات، من ذلك (العامل الجزائري) التي صدرت عن الاتحاد العام للعمال الجزائريين، و (الشباب الجزائري) المعبرة عن نشاط شباب جبهة التحرير، وكذلك نشرات فروع الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين، ونشرات وزارة الأخبار، وكان بعض هذه الوسائل الإعلامية يصدر بالعربية، وبعضها يصدر بالفرنسية، أو يصدر باللغتين، بل فيها ما كان يصدر بالفرنسية والإنجليزية كالنشرة التي كان يصدرها فرع الاتحاد بأمريكا بعنوان (معرفة الجزائر). أصدرت وزارة الأخبار نشرة سياسية نصف شهرية تقع في اثنتي عشرة صفحة وتصدر بالعربية والفرنسية وتوزع على السفارات والصحفيين الأجانب والإعلاميين، وكانت لها افتتاحية وتعليق، وللوزارة نفسها نشرة أخرى شهرية تحتوي على ما يذاع في صوت الجزائر من إذاعة تونس خلال شهور مارس وأبريل ومايو ١٩٦٠ ثم توقفت، وأصدرت نفس الوزارة نشرات أخرى حول مواضيع معينة ذات صلة بالثورة مثل تحرير الجزائر، وافريقيا تتحرر، وإفريقيا في طريقها إلى الوحدة (وهذه كلها طبعت في يناير، ١٩٦٠ بمناسبة انعقاد مؤتمر الشعوب الآسيوية - الإفريقية)، كما نشرت الوزارة ما يلي: - النابالم في الجزائر، أغسطس، ١٩٦٠. معسكرات التعذيب، أكتوبر، ١٩٦٠. عبر ولايات الجزائر، مارس، ١٩٦٠. الجميع جزائريون، مارس، ١٩٦١. صحراء الجزائر، أغسطس، ١٩٦١.

стр. 4556

وكل نشرة كانت تقع في ٣٠ و ٥٠ صفحة (١). ومن النشرات العائدة لاتحاد الطلبة نذكر مجلة (الشباب الجزائري) التي كانت تصدر في تونس والتي أصدرت عددا خاصا بالمؤتمر الرابع لاتحاد الطلبة الذي انعقد سنة ١٩٦٠، ولفرع اتحاد الطلبة في أمريكا نشرة سبق التنويه بها وقد صدر منها ثمانية أعداد على الأقل في أبريل سنة ١٩٦٢، وأصدر فرع دمشق نشرة ثقافية في يناير سنة ١٩٦٠، وفي سوريا أيضا صدرت مجلة (كفاح المغرب العربي) بالتعاون بين فرع دمشق ورابطة طلاب المغرب العربي في سوريا، وقد صدر منها عدة أعداد، كما كان لفرع القاهرة نشرة ثقافية بعنوان الطالب الجزائري، وكانت تضم مقالات وقصائد وقصصا حول الجزائر بأقلام الطلبة (٢). أصوات الجزائر صوت الجزائر الحرة المجاهدة إلى جانب الصحافة كان على الثورة أن تدخل بابا آخر للإعلام وهو باب الإذاعة لتسمع صوت الثورة للشعب وللعالم، ولكن دخول الباب الجديد لم يكن سهلا، فقد كان الأمر في حاجة إلى خبرة وإلى أمن وتقنية، وكلها كانت مفقودة في المرحلة الأولى من الثورة، ولكن بالتدرج وتحت ضغط الحاجة نجحت التجربة وأصبح صوت الجزائر مسموعا بل محترما حتى لدى العدو لصدقية الخبر وجدية العمل. كان إنشاء الإذاعة الجزائرية السرية من قرارات مؤتمر الصومام، وكان أول ظهور لها في ١٦ ديسمبر ١٩٥٦ عشية التحضير للإضراب الذي قررته لجنة التنسيق والتنفيذ في الأسبوع الأول من فبراير ١٩٥٧، بدأت الإذاعة بجهاز إرسال محمول فوق شاحنة من نوع ج، م، س استجلب من القاعدة الأمريكية

стр. 4557

بالقنيطرة المغربية، وهو بقوة ٤٠٠ وات، وكان مستعملا من قبل الجيش الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية، ثم استعملت الإذاعة جهازا آخر من نوع (ت. أ. ب، t. e. b مرينا) اقتنته من البحرية الأمريكية، قوته ١٥ كيلو وات، وهو يبث على الموجات القصيرة: ٢٥، ٣١، ٤٩ م، وكانت مدة البث ست ساعات يوميا، أما البرنامج فكان يقدم بالعربية أخبارا عسكرية وسياسية وتعاليق بالفصحى وبالعامية، مع نصف ساعة بالقبائلية ونصف ساعة أخرى بالفرنسية. تبدأ الإذاعة الجزائرية السرية لحنها المميز بقولها: (هنا صوت الجزائر الحرة المكافحة، أو صوت جبهة التحرير وجيش التحرير يخاطبكم من قلب الجزائر،) وقد تولى التعاليق والبث والتقنيات في هذه الإذاعة مجموعة من ثلاثة عشر عضوا من بينهم عبد المجيد مزيان، والهاشمي التجاني، وعبد السلام بلعيد، ومدني حواس، ورشيد النجار، والشيخ رضا بن الشيخ الحسين، وقد تعرضت الإذاعة السرية في أول أمرها إلى أخطار عندما اكتشفتها السلطات الفرنسية، ولحمايتها نقلت إلى مكان آمن ومستقر في الناظور بالمغرب ثم تطوان ثم الرباط، وفي تطوان كان المشرف عليها هو علي مرحوم بمساعدة زهير إيحدادن وعلي عسول، أما في الرباط فقد أشرف عليها سي الدراجي وموساوي زروق وعبد القادر قريصات وإسماعيل حمداني وإيحدادن، وفي ١٥ أكتوبر ١٩٦١ بدأت تبث إذاعة طنجة التي عمل فيها إبراهيم غافر (غافة) ومحمد بوزيدي وعلي نساخ ... وقبل أن نترك المغرب نقول إن الإذاعة السرية عندما كانت في الناظور قد افتتحها سعد دحلب وعيسى مسعودي في ١٢ يناير ١٩٥٩، وتولى التحرير فيها والتعليق والبث والهندسة عدد من المناضلين منهم محمد السوفي، ومدني حواس، ومحمد بوزيدي، وعبد العزيز شكيري، ودحو ولد قابلية. وأصل الإذاعة السرية سيارة متنقلة على ظهرها معدات إذاعية يديرها حوالي عشرة مناضلين ليس لهم خبرة في ميدان البث الإذاعي، وكان الإرسال

стр. 4558

يستغرق ساعتين مساء، وفي اليوم التالي يعاد نفس البرنامج، وبالإضافة إلى الإذاعة باللغات الثلاث المشار إليها هناك اللهجة العربية الدارجة، كما كان لها برنامج أسبوعي خاص موجه إلى العمال الجرائريين بفرنسا. أما المشاكل التي واجهتها هذه الإذاعة السرية فلا حصر لها، ومن أهمها العزلة، فهي مقطوعة عن جبهات القتال وعن أخبار الثورة في الخارج، كما أنها كانت تفتقر إلى المواد الخبرية، وكانت تعاني من تشويش العدو وخطره المتواصل عليها، وحين اكتشفت سنة ١٩٥٨ أوقفها المشرفون عليها، وهو ما أنقذ حياتهم أيضا، وفي عام ١٩٥٩ توقفت هذه الإذاعة مدة أربعة أشهر حين أصر عمالها على ضرورة إنشاء إذاعة ثابتة وعلى توفير الحماية لهم فنقلوا إلى داخل الحدود المغربية تحت حماية جيش التحرير (١). وفي الأخير نقول إن الإذاعة السرية قد لعبت دورا رئيسيا كوسيلة إعلامية مؤثرة لجبهة التحرير بتوعية الشعب وبث الثقة في النفس، وتجنيد الجماهير وراء الثورة ومنحها الأمل في النصر، وإذا كانت الإذاعة السرية وصوت الجزائر من تونس ومن المغرب قد نجحت في أداء رسالة جبهة التحرير في الداخل فإن إذاعات القاهرة ودمشق والكويت وغيرها من الإذاعات العربية قد نجحت في تبليغ رسالتها إلى الخارج. صوت الجزائر من الإذاعات العربية كذلك شهدت سنة ١٩٥٦ انطلاقة (صوت الجزائر) من تونس أيضا، وقد تميز بصوت عيسى مسعودي الذي لفت إليه الأنظار وأصبح الناس ينتظرون سماع صوته بشوق، وكانت مدة البث نصف ساعة فقط، وبالإضافة إلى مسعودي

стр. 4559

والبوزيدي والأمين بشيشي والعربي سعدوني، هناك سيرج ميشال الذي كان مكلفا بالحصة الفرنسية. وفي القاهرة كان صوت العرب يتولى البث للجزائر، وكان له برامجه الموجهة إلى المغرب العربي منذ نشأته، ولكنه غير من عناوينها وحجمها مع تقدم الكفاح ومع استقلال المغرب وتونس، كان برنامج الجزائر محصورا في ركن محدود فأصبح بعد تأليف الحكومة المؤقتة يسمى صوت الجمهورية الجزائرية، كما أضيف إليه ركن المغرب العربي الذي كان يحرره الطلبة بإشراف محمود أبو الفتوح أحد الساهرين على برنامج المغرب العربي في إذاعة صوت العرب، وكان صوت الجمهورية الجزائرية المذاع من صوت العرب ناطقا بالعربية، وكان يشرف عليه أحمد توفيق المدني ويذيع فيه عثمان سعدي، ومحمد قصوري، ورشيد النجار، وعلي مفتاحي، والتركي رابح، وعبد القادر بن قاسي، وعبد القادر نور، وغيرهم، وكان هناك برنامج آخر عنوانه (جزائري يخاطب الفرنسيين من القاهرة) يذاع بالفرنسية، ثم تحول إلى صوت ج. ج. وكان يحرره عدة بن قطاط، وغافة، ومبروك نافع، وعبد الرحمن كيوان. وفي سنة ١٩٦٠ - ١٩٦١ أنشئ برنامج آخر باسم (إذاعة الجزائر اليوم)، وكانت مدته ساعة واحدة ويذاع من البرنامج الدولي بإذاعة القاهرة، ويقول عبد القادر نور إنه يحتوى على أخبار عسكرية وتعاليق وأناشيد، وإنه كان من العاملين فيه مع محمد مفتاحي، وعبود عليوش، وآخرين ... وكان البرنامج تحت إشراف جمال السنهوري أحد أعضاء هيئة إذاعة صوت العرب. هذا بالنسبة لانطلاقه صوت الجزائر سنة ١٩٥٦ وما تلاها في المغرب العربي والقاهرة، أما انطلاقة سنة ١٩٥٨ فقد عم صوت الجزائر خلالها العواصم العربية، فكان يغطي أيضا طرابلس حيث افتتحه فيها الدكتور الأمين دباغين، وعمل فيه رابح مجحود، وم، الصالح الصديق، وحسين يامي، وبشير القاضي، وأحمد بودة، وعبد الحفيظ أمقران، كما عمل في صوت الجزائر في بنغازي عبد الرحمن الشريف.

стр. 4560

كانت رابطة المغرب العربي في دمشق تذيع من وقت إلى آخر برنامجا عن قضايا المغرب العربي من إذاعة دمشق، وفي سنة ١٩٥٨ أيضا، والوحدة بين مصر وسورية قائمة، جرى اتصال بين مكتب جبهة التحرير وإذاعة دمشق من أجل تخصيص حصة عن الثورة الجزائرية فيها، ويخبرنا محمد مهري أنه اتصل بالشيخ محمد الغسيري ممثل الجبهة وحصل منه على رسالة بهذا المعنى إلى مدير الإذاعة بينما تولى المكتب الجبهة الاتصال بوزارة الإعلام السورية، ونتيجة هذا الاتصال وافق السوريون على فتح ركن في الإذاعة بعنوان (صوت الجزائر من دمشق)، وقد تجند له عدد من الطلبة فكونوا منهم مكتبا إعلاميا داخل مكتب جبهة التحرير، يتألف من الهاشمي قدوري ومحمد بوعروج وأبو القاسم خمار، والمنور الصم، وبوعبد الله غلام الله، وكان هذا المكتب هو الذي يشرف على حصة صوت الجزائر في دمشق، وهي حصة تدوم حوالي نصف ساعة يوميا من حوالي الساعة السادسة والنصف مساء، وكان برنامجها يشمل الأخبار والتعاليق وتزيد الرأي العام العربي بأخبار الثورة، وكانت لهم كامل الحرية والاستقلالية فيما يذيعون، وكانوا يعتمدون في مصادر الخبر على جرائد ومنشورات جبهة التحرير والقراءة فيما ينشره الإعلام العربي، لكن صوت الجزائر من دمشق توقف بعد انفصال سورية عن مصر (١). أما صوت الجزائر من بغداد فقد تولاه أولا أحمد بودة ثم محمد الربعي. وعلى الرياحي، وحامد روابحية، وكذلك صوت الجزائر من الكويت فقد كان يشرف عليه عثمان سعدي، ثم صوت الجزائر من عمان الذي كان بإشراف عبد الرحمن العقون، وصوت الجزائر من جدة بإشراف عبد الرحمن زلاقي (٢).

стр. 4561

وهكذا كانت معظم العواصم العربية تفسح المجال في إذاعاتها لصوت الجزائر لكي يذيع منها رسالته إلى المستمعين العرب والجزائريين وغيرهم بتوجيهات جبهة التحرير وجيش التحرير. محتوى صوت الجزائر (صوت الجمهورية الجزائرية) كان (صوت الجزائر) يقدم المعلومات العسكرية والسياسية ويعلق على الأخبار في أغلب الأحيان باللغتين العربية والفرنسية، وله برامج تتناول التاريخ والأدب والثقافة العامة التي تخدم أهداف الثورة، كما كان يذيع الأخبار النقابية والمؤتمرات الدولية التي تهتم بمسيرة الثورة وتحركات وفودها في الخارج، وكانت جريدة المجاهد تطلب من قرائها أن يستمعوا (لصوت الجمهورية الجزائرية) - كما أصبح يدعى - كل يوم من الساعة الثامنة مساء إلى الساعة الثامنة والنصف ج م ت على الموجة القصيرة ٤٩ مترا (١). من البداية نعرف أن صوت الإذاعة الوطنية السرية انطلق تحت اسم (صوت الجزائر الحرة المجاهدة) استعدادا لتنفيذ الإضراب الأسبوعي الذي أشرنا إليه، وفي أتون هذه المعركة كتبت المجاهد في منتصف ديسمبر ١٩٥٦ مقالة تحت عنوان (ماذا تعرف عن إذاعتنا الوطنية)، وقد لخصت ذلك في قولها: إن العبارة التي تدوي كل يوم عدة مرات هي (هنا صوت الجزائر الحرة المكافحة)، وهي العبارة التي دوت فعلا لأول مرة وفاجأت كل جزائري في ليلة ١٦ ديسمبر ١٩٥٦، ثم أصبحت نغمة تلك العبارة مألوفة ينتظرها السامعون المتلهفون لسماع ما تحمل من أخبار وما تزفه من انتصار، وأضافت المجاهد قائلة إن الذين حاولوا التشويش على صوت الجزائر ومنع وصوله إلى الشعب قد فشلوا كما فشل الذين حاولوا تزييفه بالتقليد والتضليل.

стр. 4562

وقد اعترفت المجاهد، وهي تقدم صوت الجزائر لقرائها، بأن إذاعة صوت الجزائر لا تملك كل مؤهلات الإذاعة الوطنية، ومع ذلك كانت تؤدي مهمتها النضالية، إن الأسماء عديدة ولكن المهمة واحدة، فهناك صوت الجزائر، والإذاعة الوطنية الجزائرية، وإذاعة الجزائر الحرة .. ولكن إذاعة الجزائر ليست مثل الإذاعات الأخرى الرسمية في العالم، فليست لها مبان ضخمة ولا وسائل فنية عالية، ومع ذلك فقد كانت حلما فأصبحت حقيقة، خطط لها أول الأمر خفية في أحد مراكز قيادة الثورة ثم أصبحت مؤسسة وطنية تقدم للثورة خدمة جليلة وتساهم في توعية الشعب وإعداده لنضال طويل وتفضح أكاذيب العدو، لقد بدأت الإذاعة من الصفر بإشراف فنيين من مواصلات جيش التحرير الوطني، وواجهت خطر اكتشاف محطة إرسالها، مما يعرضها لقنابل العدو، لذلك كان على هذه الإذاعة الناشئة أن تكون دائما في حالة تنقل وارتحال. بدأت الإذاعة ببرنامج يومي قصير المدة والمدى يذاع بـ (اللغة العربية واللهجة القبائلية واللغة الفرنسية) على طول موجة واحدة، ويشمل الأخبار السياسية والعسكرية وتعليقا عسكريا، ثم توسع وتعززت إمكانيات البث مع الأيام والشهور، ومنذ ١٢ يوليو ١٩٥٩ أصبحت الإذاعة تذيع على ثلاثة أطوال ثلاث مرات في اليوم من الساعة الرابعة إلى السادسة صباحا ومن الحادية عشرة إلى الثالثة عشرة بعد الظهر ومن الثامنة إلى العاشرة مساء، وكانت تقدم أربع عشرة حصة أسبوعيا إضافة إلى الحصص اليومية، أي بمعدل حصتين أسبوعيتين في كل يوم، وفي هذه الحصص الأسبوعية كان الجزائري يستمع إلى برامج عن تاريخ الثورات وتاريخ الجزائر وحصة عن المرأة وأخرى عن نضال إفريقيا، بالإضافة إلى تحقيقات عسكرية يكتبها مراسلو الإذاعة، وتمثيلية قصيرة ... هذه البرامج كانت تذاع باللغات الثلاث المتقدمة، يضاف إليها برامج باللغة العربية فقط، مثل صدى الجزائر في العالم، ومن أدب الثورة، وفي طريق

стр. 4563

النصر، ثم برامج باللهجة القبائلية فقط تشمل قصائد شعرية وأناشيد وطنية، بالإضافة إلى برنامج بالفرنسية، وهكذا فنحن أمام إذاعة ثورية سرية ذات برامج متنوعة لها إمكانات تغلبت بها على عراقيل العدو، إنها صوت الثورة وصوت جبهة التحرير وصوت جيش التحرير بل صوت الكفاح المقدس (١). تطورات جديدة ثم تطورت الإذاعة الوطنية تطورا ملحوظا فلم يحن فاتح عام ١٩٦٢ حتى ازدادت الحصص والموجات مع تعاظم الثقة بالنفس مع مفاوضات إيفيان التي كانت قد قطعت مراحل هامة ومع تعاظم الصعوبات في الداخل أمام الثورة، ففي برنامج (صوت جبهة وجيش التحرير الوطني) أكد محمد يزيد وزير الأخبار، على الدور الذي تلعبه الإذاعة الوطنية في التعريف بالثورة، فهي بحق صوت الشعب الجزائري، وأعلن الوزير عن مشاركة المكلفين بالإذاعة في مؤتمر الإذاعات الإفريقية وفي ندوة الإذاعات التي انعقدت بالرباط، وقال إن الهدف من الإذاعة هو تبليغ قرارات الحكومة الجزائرية وتوضيح المواقف إلى الرأي العام العالمي وإلى الفرنسيين أيضا بأصوات عربية وأصوات أوروبية، وأضاف محمد يزيد أن وزارته شرعت في تكوين الفنيين الذين سيتولون تسيير الإذاعة والتلفزة الجزائرية الحرة، وأنه سيأتي يوم يذيع فيه صوت الجزائر من العاصمة نفسها. وبعد نشرها هذا التصريح أعطت المجاهد مواعيد البث الإذاعي في إذاعة الجزائر الحرة، فقد أصبحت تبث من الخامسة إلى السابعة صباحا، ومن الحادية عشرة إلى الواحدة ظهرا، ثم من السادسة إلى الثامنة مساء، وكلها بتوقيت الجزائر، وهذه البرامج تذع كما قلنا بالعربية والقبائلية والفرنسية على الموجات القصيرة ثم المتوسطة (٢).

стр. 4564

ولكن البحث وجمع المعلومات والشهادات أدت إلى معلومات إضافية تلقي مزيدا من الضوء على تطور الإذاعة، فإذا كانت لم تبدأ إلا في شهر ديسمبر ١٩٥٦ فكيف كان صوت الثورة قبل ذلك يصل إلى الشعب وإلى العالم؟ فضل الإذاعات العربية الواقع أن الإذاعات العربية، ولا سيما إذاعة مصر ثم تونس بعد استقلالها، هي التي ملأت الفراغ وأوصلت أخبار الثورة الجزائرية إلى المستمعين، ومن الطبيعي أن تكون إذاعة مصر هي الأولى في هذا الميدان لعدة أسباب منها أن إذاعة صوت العرب بدأت تذيع من القاهرة سنة ١٩٥٣ وأن الثورة المصرية قد وجهت اهتمامها لتحرير الشعوب العربية الرازحة تحت الاستعمار، ومنها شعوب المغرب العربي، وقد عرفنا متى بدأت الإذاعات العربية الأخرى تفتح قنواتها الإذاعية لبرامج الثورة الجزائرية. خصصت القاهرة في نهاية عام ١٩٥٥ ثلاثة برامج أسبوعية للجزائر مدة كل منها عشر دقائق، وهي برنامج (وفد جبهة التحرير يخاطبكم من القاهرة) الذي أصبح فيما بعد يسمى (صوت الجمهورية الجزائرية يخاطبكم)، وهو يذاع باللغة العربية من إذاعة صوت العرب في شكل تعليق سياسي، والثاني هو برنامج (هنا صوت الجمهورية الجزائرية) الذي كان يذاع بالفرنسية من البرنامج الثقافي المصري المعروف بـ (البرنامج الثاني)، أما البرنامج الثالث فعنوانه (جزائري يخاطب الفرنسيين) وكان يذاع أيضا بالفرنسية من البرامج المصرية الموجهة. أما إذاعة تونس فقد بدأت تذاي برنامج (هنا صوت الجزائر المجاهدة الشقيقة) ربما في نهاية سنة ١٩٥٦، وكان هذا البرنامج يذاع ثلاث مرات أسبوعيا ولمدة ربع ساعة، وكان يقدم أخبارا عسكرية وتعليقات سياسية، ويبدأ بالتعليق وينتهي بالنشيد الوطني الجزائري.

стр. 4565

الإعلام الفرنسي أثناء الثورة كان للفرنسيين إعلامهم الموجه خلال الثورة، فقد كانت لهم صحفهم ونشراتهم ومجلاتهم وكتبهم بشكل أوسع وأكثر إتقانا وتقدما من الإعلام الجزائري، وقد حاولوا توظيف هذه الإمكانات للتأثير على الثورة وفصل الشعب عنها واستعملوا لذلك شتى الوسائل، ونحن لا نريد أن نتعرض إلى كل تلك الوسائل هنا، ولكن يكفي الإشارة إلى بعض ما هو موجه خاصة للجزائريين، مثل مجلة (هنا الجزائر) التي كانت لسان الإذاعة والتلفزة الفرنسية بالجزائر خلال مرحلة طويلة من عهد الثورة (١). أثناء حرب الإعلام التي دارت بين الجهة والفرنسيين حاول هؤلاء أن يشوشوا على صوت الجزائر كما حاولوا تزييف المجاهد، فقد أنشأوا مركزا بإحدى مقاطعات فرنسا أسموه مركز كليبر أو دار سوستيل، وأطلقوا على الإذاعة التي تنطلق منه (إذاعة صوت العرب من القاهرة) حسبما ذكرت جريدة المجاهد، وكان المركز تحت إدارة أشخاص متخصصين في الشؤون الأهلية أو ممن سبق لهم العمل في تونس والمغرب، وكان يساعدهم بعض العرب القادمين من المشرق. أما الأعمال التي قام بها المركز فتتمثل في بث حصص بالعربية على قناة باريس الثانية مساء كل يوم، وبتوجيه من الشرطة والمخابرات الفرنسية كان المركز يبث حصصا أخرى باسم (صوت الجزائر) للدعاية للحركة المحالية ولتضليل الجزائريين المقيمين في فرنسا، كما خصص برامج مزيفة تذاع تحت اسم (صوت العرب من القاهرة) على نفس موجات صوت العرب الأصلية

стр. 4566

وبنفس الأسلوب الذي اعتاد عليه مستمعو برامجه ولكن بلهجة أهل المغرب العربي، ومن مهمة مركز كليبر أيضا التشويش على (صوت الجزائر) الذي كان يذيع من إذاعة تونس. وبالإضافة إلى تزييف البرامج الإذاعية قام المركز بتزوير وتزيف البلاغات العسكرية المنسوبة إلى قيادة جيش التحرير، وهي بلاغات كانت ترسل إلى قيادة الجيش الفرنسي في الجزائر فيلتقطها ضابط تاح لـ (المكتب الخامس) المختص في شؤون الدعاية النفسية والذي يقوم بإذاعتها بجهاز إرسال خاص متنقل على كامل خط موريس. كما كان المركز يتولى تحرير عدة نشرات بالعربية ومنها النشرات التالية: (المجلة العربية) التي كانت تصدر من باريس، وجريدة (البرق) التي كان يتولاها عقيد تساعده عناصر مختصة في الشؤون الأهلية، و (الجزائر) وهي مجلة كان يشرف عليها ضابط برتبة رائد من ضباط الشؤون الأهلية في المغرب. أما ميزانية المركز فقد قدرت سنة ١٩٥٨ بخمسين مليون فرنك، وتساهم فيها أطراف عديدة منها وزارة الخارجية الفرنسية، وإدارة الشؤون الجزائرية بخمسة عشر مليونا، وفي نفس السنة افتتح قرض قدره مائة وعشرون مليونا لمقاومة الجاسوسية (١). ولم يتورع مركز كليبر حتى من استخدام بعض المغنين الجزائريين لتحقيق مآربه، ففي شهر أغسطس ١٩٥٩ قدم إلى المركز سليمان عازم الذي وصفته المجاهد بالمطرب الفاشل، وسجل نشيدا لحنه بنفسه وسماه (نشيد الحركي)، وقد تساءلت الجريدة عن سخرية الاستعمار من الحركى وبلاهة رجال الدعاية الفرنسية الذين لا يتورعون عن استخدام كل الأساليب لتحقيق أغراضهم الدعائية (٢).

стр. 4567

وتمشيا مع هذا الخط أشاع الفرنسيون أن الثورة الجزائرية شيوعية وأن الإسلام بريء منها، وحثوا الشعب على أن يتبرأ منها ومن القائمين عليها، وقاموا بحملة دعاية في هذا المجال سيما بعد زيارة وفد جزائري إلى الصين، فقد سجلوا اسطوانة وجعلوا منها نسخا ووزعوها بحرية، ومما جاء فيها أن الحكومة المؤقتة خائنة لأنها تفاهمت مع الصين وجاءت منها بالطائرات وبمختلف أنواع الأسلحة، ولذلك طلبوا من الجزائريين الاتحاد مع الفرنسيين لمحاربة الحكومة المؤقتة ومقاومة الشيوعية عدوة الإسلام (١). تطور الإذاعة الفرنسية في الجزائر ذكرنا في التاريخ الثقافي السابق بدايات الإذاعة الفرنسية في الجزائر، وقلنا إنها ترجع إلى العشرينات من القرن العشرين، ونضيف هنا بعض التفاصيل التي كانت مفقودة، فقد بدأ الإرسال منها سنة ١٩٢٦ بجهاز يبلغ ١٥٠ واط. يقع في البريد المركزي، ثم انتقل إلى ربوة الحامة (جاردن ديسي) - ولكي يرفعوا من مستواه أرسلوا بالفنيين إلى باريس للتدرب، وفي نوفمبر ١٩٢٩ (عشية الاحتفال المئوي بالاحتلال) احتفلوا بجهاز إرسال قوي جديد، ثم تطورت الإذاعة فأصبحت تعم القطر الجزائري كله، بحيث نصبوا بين ١٩٤٣ و ١٩٤٥ أجهزة صغيرة في تلمسان وقسنطينة وعنابة، كما وضعوا شبكة مؤقتة تطورت مع الأيام، فشهدت ١٩٤٧ - ١٩٤٨ إقامة جهاز إرسال بـ ٢٠ ثم ٢٥ ك

стр. 4568

واط في ناحية الكاليتوس على الأمواج القصيرة، ثم تحولت إلى أمواج متوسطة بـ ٥٠ ك واط، واستحضروا جهاز إرسال بهذه الموجة سنة ١٩٥١، كما أقيمت أجهزة إضافية في كل من قسنطينة ووهران بين ١٩٥٣ - ١٩٥٤، وفي عين الحمام (ميشلي) وفي بجاية سنة ١٩٥٥، وفي مارس من سنة ١٩٥٨ انتقل مركز الإرسال من الدار البيضاء إلى أولاد فايت. إن هذا التطور حدث بعد مرور حوالي ثلاثين سنة على ميلاد الإذاعة الفرنسية في الجزائر، وهو تطور يعني تدشين مركز الإرسال اللاسلكي الجديد في ٢١ فبراير ١٩٥٨، ففد أقيمت بناية تأوي أجهزة الإذاعة وحولها أعمدة الإرسال الصاعدة، وهو ما كان موجودا قرب مطار الجزائر، وكان الضيق هو الذي أدى إلى الانتقال من الدار البيضاء إلى أولاد فايت، وقد أعلن (شوصاد) المسؤول الفرنسي الذي افتتح الموقع في السنة المذكورة أمام الشيخصيات الإدارية والصناعية التي رافقته من فرنسا إلى الجزائر: إن دور الإذاعة خطير في سبيل نشر الأخوة والوئام بين سكان هذه البلاد وإظهار الحقائق الجزائرية ومحاربة الأحقاد والنعرات العصبية، وقال إن الجهاز الجديد يقوي (صوت الجزائر) في داخل البلاد وخارجها (١). كان للإذاعة (ستوديوهات) في وهران وقسنطينة وتلمسان وبجاية على أساس أن لكل مدينة فنها وذوقها الخاص، كما يتعذر على أجواقها الانتقال منها إلى العاصمة لإحياء حفلة أو حفلتين في الأسبوع، وحتى لو حصل هذا الانتقال لحرم أهل كل بلدة من أجواقها وفنانيها ولتمركز الفن في العاصمة فقط، هكذا برر الكاتب هذه الاستراتيجية في توزيع خارطة الفن والفنانين في القطر الجزائري. بالنسبة لأستوديو بجاية مثلا نعرف أنه تأسس سنة ١٩٤٧ وكانت تذاع منه أربع حفلات أسبوعيا، بالعربية والقبائلية، وكان المشرفون على الحفلات قد

стр. 4569

واجهوا صعوبات كثيرة في تنظيم استوديو بجاية لأن الناس كانوا يفضلون الحفلات الخاصة لعدم إيلافهم الغناء أمام المذياع في البداية، ولكن المذياع نجح في الترويج للفن والشهرة، ويرجع الفضل في تنشيط هذا الاستوديو إلى الشيخ الصادق البجائي (البجاوي) صاحب الجوق المؤلف من تسعة أفراد، فهو الذي كونهم بإشرافه على (جمعية الشباب الفني)، وقد لحن الشيخ الصادق ما يزيد على عشرين مقطوعة، ومعظم الأغاني التي كانت تذاع تشمل الفن الشعبي والأندلسي والعصري (١). كانت الإذاعة الفرنسية في الجزائر تنشر برنامجها كل شهر في مجلتها هنا الجزائر، وفي سنة ١٩٥٩ كان البرنامج شهر مارس مثلا يتضمن الأبواب التالية: القرآن الكريم، الحديث الديني، الأخبار التي كانت تذاع من (صوت البلاد) ضد الثورة، الأحاديث التربوية والرياضة، الإذاعات المسرحية والأدبية والتاريخية والتهذيبية، ثم برنامج صندوق الأفكار، وآخر بعنوان الجزائر تخاطبكم، بالإضافة إلى حفلتين موسيقيتين عربيتين إحداهما بقيادة العنقاء والثانية بقيادة عبد الكريم دالي (٢). التلفزيون دخل التلفزيون إلى الجزائر سنة ١٩٥٦، وخصص له جهاز بخمسين ك واط، وكان مقره في تامنفوست، ثم ارتفعت طاقته سنة ١٩٥٧ إلى ٥٠٠ ك واط، والواقع أن تاريخ التلفزيون يرجع إلى سنة ١٩٥٢ عندما منح مؤتمر ستكهولم لإذاعة وتلفزيون الجزائر خمس محطات لإرسال البرنامج التلفزيوني في الجزائر العاصمة ووهران وقسنطينة وعنابة وتلمسان، على أن تجرى تجارب بعد سنتين (١٩٥٤) لإقامة جهاز في العاصمة أولا، وقد خصص له ما يزيد على ٦٠٠ مليون فرنك، وجاء المهندسون والأخصائيون من فرنسا لاختيار الموقع المناسب، ثم أورد مقالا حول التلفزيون باعتباره جهازا للتربية والتسلية

стр. 4570

والتثقيف، ثم ما يسببه من حيرة قول من يقول إنه جهاز المستقبل، أي أن هناك مشاكل تترتب على إدخال التلفزيون في كل المجتمعات بين الفائدة والمضرة (١). ولكن التلفزيون لم يبدأ عمليا إلا سنة ١٩٥٦ كما ذكرنا، وقد جاء في العدد ٤٤ من مجلة (هنا الجزائر) أن هناك عددا من الأفلام سيشرع في عرضها، وكلها من إخراج فرنسي يدعى (راميتر) ما عدا فيلما واحدا أخرجه مصطفى بديع وهو فيلم المطاردة، أما باقي الأفلام وعددها أحد عشر فيلما، فمن عمل جزائريين، وهي: العجائز - علي عبدون، الدجالون - غريبي، والجائزة الكبرى - مصطفى بديع، والخادم المحتال - التوري، اللص والعساس - بوعلام رايس، وموسيقى ساحرة - بوعلام رايس أيضا، والبطل - التوري، وتلمسان - بوعلام رايس، والبخيل - الطاهر رحاب، وفداء الشتاء، والدابة - تمثيل حسن الحسني (٢). التلفزيون بين لاكوست وسوستيل وفي نهاية ١٩٥٦ أقامت السلطات الفرنسية معرضا للتلفزيون هو الأول من نوعه في مدينة الجزائر حيث قيل إن آلاف الكيلوات من الأفلام والصور قد عرضت على الجمهور الزائر الذي بلغ أربعين ألف نسمة، وقد دام المعرض تسعة أيام، وشارك فيه فنانون جاؤوا من باريس، لقد كان التلفزيون حدثا جديدا مما جعل الناس، حتى أهل الريف يقبلون على زيارته لمشاهدة هذه البدعة المبتكرة، على حد تعبير مجلة (هنا الجزائر)، ومن الملفت للنظر أن الذي رأس الحفل هو روبير لاكوست الوزير الفرنسي المقيم في الجزائر والذي استغل أجهزة الإعلام لمهاجمة الثورة والكذب على الفرنسين بأن النصر على الأبواب.

стр. 4571

وقد أعلن بهذه المناسبة بأن يكون عهد التلفزيون في الجزائر عهدا يعود فيه التفاهم والوئام والسلام للجزائر (١). فهو يبحث في دور الإذاعة والتلفزيون خلال الثورة في فرنسا، وفيه بحثان أحدهما كيف تستمع جبهة التحرير للإذاعة، ص ص ١٠٩ - ١١٣، والثاني الإخراج في الجزائر، ص ص ٢٢٥ - ٢٣٥. تولى جاك سوستيل حاكم الجزائر السابق، وزارة الأخبار في حكومة ديجول الجديدة، وبهذه الصفة جاء إلى الجزائر ليفتتح فيها دار الإذاعة والتلفزيون في ١٩ سبتمبر ١٩٥٨ على إثر محاولة اغتياله في باريس، وبعد شكر مستقبليه قال إن الاستوديوهات والمؤسسات والمكاتب والآلات والأجهزة ... تشكل مجموعة نادرة في إفريقيا وإن فرنسا تستطيع أن تقوم في هذه البلاد بهذه الإنجازات التي تسمو بالإنسان إلى المراتب العليا من الرقي والتمدن، وهو الأمر الذي يدعو إلى التقدم والرجاء والتفاؤل، ثم كرر نفس العبارات تقريبا بعد توجهه إلى مدينة بشار لتدشين محطة تزود الصحراء وإفريقيا بالأخبار وتحمل إليها في نظره رسالة الرقي والسلام والوئام (٢). وهذه اللغة الحضارية في ظاهرها تعبر عن نظرة سوستيل أستاذ الفلسفة في عصر الاستعمار الآفل، فالرجل كان يتحدث عن التفاؤل والرقي والتقدم والسلام والوئام على يد فرنسا التي لطخت ثوبها بدم الشعوب المستعمرة، فكيف يوفق سوستيل بين ما جاء به من أجهزة ومعدات تلفزيونية لبث الحضارة وبين ما يقوم به الجيش الفرنسي في هذه البلاد (الجزائر)؟ وبدخول التلفزيون عامه الثالث في الجزائر تطورت برامجه وتنوعت وتكاثرت، وكان بالطبع جهازا فرنسيا لتلميع صورة فرنسا طبقا لما صرح به.

стр. 4572

سوستيل للجزائريين، فهو جهاز إعلامي جديد وخطير - لقد تحدث أحدهم (يونس فرحات؟) عن أن من برامج التلفزيون: الجريدة المصورة والأفلام والرياضة والحصص الموسيقية والاستطلاعات ومطالعات الكتب ومعارض الطيران والسيارات. هذا عن برامج التلفزيون العامة، أما برامجه باللغة العربية فبعضها إخباري وعلمي وبعضها فني وأدبي، فهناك جريدة العالم التي تبرز أهم الحوادث، وهناك تقديم الكتاب والشعراء الغربيين والشرقيين مثل لامرتين وقصيدته البحيرة، وملاحظات فرومنتان عن مناظر الجزائر، ونظرات على قصص مولود فرعون، وإذا صدقنا المعلومات الواردة في هذا المقال فإن هذه البرامج الأدبية كانت تخدم الأدب الفرنسي ولا علاقة لها بالأدب الجزائري أو العربي ولا التاريخ الإسلامي حتى فيما يترجم أو يقدم أحيانا على أنه نتاج عربي حديث، والملاحظ أن من بين الأسماء التي وردت مع صور أصحابها في التلفزيون: يحيى الضيف، وسعيد حايف، والطيب أبو الحسن (١). التلفزيون والسينما: هذه الوسيلة الإعلامية الخطيرة كان التنافس عليها شديدا بين الجزائريين والفرنسيين (أنظر بحث حرب الكلمات)، فقد كانت لا تكتفي بنشر الخبر بل تقدم الفيلم والتحقيق والصورة وغيرها، فبالإضافة إلى أصوات الجزائر المنطلقة من الجزائر والقاهرة وتونس والرباط ودمشق ... أنشأت الحكومة المؤقتة مصالح خاصة بالسينما والمسرح والرياضة ونحوها، وقد أرسلت الحكومة بعض الشباب ليتكونوا في ميدان السينما في الدول الاشتراكية مثل محمد الأخضر حمينة وعلي يحيى اللذين أرسلا إلى تشكوسلوفاكيا، كما أرسل عدد آخر إلى

стр. 4573

برلين ويوغسلافيا، وقد عرفنا أن أول فيلم جزائري صور في ميدان المعركة نفسها هو (الجزائر الملتهبة/ المشتعلة)، الذي أخرجه روني فوتييه، ثم تليه أفلام: (لاجئون) لبيير كليمون، والهجوم على مناجم الونزة لمجموعة من الطلبة، وساقية سيدي يوسف لكليمون المذكور، ولأول مرة عرض سنة ١٩٦٠ فيلم جزائري في الأمم المتحدة وهو (جزائرنا) الذي أنجزه ثلاثة هم: د. شولي وجمال شندرلي وحمينة، ثم فيلم (ياسمينة) لشندرلي وحمينة، لإطلاع الرأي العام عما كان يجري في الجزائر. ويعتبر فوتييه من الشيوعيين الفرنسيين الذين تخلوا عن حزبهم (الحزب, الشيوعي الفرنسي) والتحفوا بجبهة التحرير الوطني - وكان قبل ذلك مصورا للأحوال الاجتماعية في فرنسا كالاضطرابات العمالية، وقد التحق بالولاية الأولى (أنظر سابقا)، ومثله الدكتور شولي وكليمون، وأما جمال شندرلي فقد كان شابا جزائريا ويعتبر الأول من جيله الذي باشر الكاميرا أثناء الثورة في المنطقة الشرقية، ويرى بعضهم، مثل المخرج عمار العسكري، أن ميلاد السينما الجزائرية كان رد فعل على الدعاية الفرنسية التي تريد توجيه ولاء الشعب ضد الثورة (١). ومن الجانب الفرنسي كانت محطة الإذاعة التلفزيون الفرنسية في الجزائر تعمل على تطوير أجهزتها وتوسيع شبكتها لكي تصل إلى الرأي العام من مستوطنين (كولون) وجزائريين، فكانت تنتج أفلاما ومسرحيات وتمررها على الأثير أو الشاشة، فمنذ أكتوبر ١٩٥٦ أعلنت هنا الجزائر أن الجمهور سيشاهد قريبا قصة فكاهية للفنان رويشد عنوانها (وجه الخروف معروف)، كما أعلنت عن فيلم عنوانه (بنتي) من إخراج مصطفى بديع، ومع الخبر صور لمجموعة من الفنانين الجزائريين، وإعلان يقول إن هذا الإنتاج سيعرض على شاشة

стр. 4574

التلفزيون الجديدة (١). وقد وعد مدير الإذاعة والتلفزة الفرنسية في الجزائر (بيير مالان) في ندوة صحفية بتحسين برامج الإذاعة بأقسامها لتناسب أذواق الجميع، وقال إن برنامج التلفزيون سيتوسع إلى أربعين ساعة أسبوعيا، كما ستقوى أجهزته في وهران، وإن سكان الوسط سيتفيدون من جهاز إرسال آخر لأنهم إلى ذلك الوقت لم يشاهدوا التلفزيون، أما ناحية الشرق وقسنطينة بالخصوص فقد وعد المدير بأنها ستحصل على جهاز إرسال قريبا، وكل ذلك لدعم شبكة التلفزيون، وقد توقع أن عدد المشاهدين للشاشة سيبلغ حوالي خمسائة ألف نسمة، وهو سيعمل على أن يبلغوا مليونا ونصفا (٢). تنظيم المكاتب الإعلامية للجبهة خضع تنظيم المكاتب الإعلامية لجبهة التحرير منذ اندلاع الثورة وإلى حين تأليف الحكومة المؤقتة إلى مراحل وتغييرات اقتضتها ظروف الحرب وقلة التجربة والحاجة إلى العناصر المؤهلة، ولعل أول مكتب إعلامي تأسس في الخارج هو مكتب القاهرة سنة ١٩٥٥، وكان ذلك منطقيا لموقف مصر المعروف من الثورة، ولوجود وفد من قادة الجبهة فيها، ولأسيقية مكتب المغرب العربي فيها بقيادة الأمير عبد الكريم الخطابي، كان أول مكتب إعلامي تحت إشراف أحمد بن بلة ومحمد خيضر وحسين آيت أحمد، ولكننا لا ندري كيف كانوا يتوزعون المهام فيما بينهم، والظاهر أن خيضر كان يمسك بزمام الشؤون السياسية بينما كان ابن بلة يتولى الشؤون العسكرية وآيت أحمد العلاقات العامة والإعلام، وربما بقيت الأمور على هذا النحو إلى أن وقع اختطاف الطائرة في أكتوبر ١٩٥٦ وكان فيها الثلاثة المذكورون، عندئذ تولى أحمد توفيق المدني شؤون المكتب فترة انتقالية بتكليف من خيضر إلى

стр. 4575

أن حل بالقاهرة الدكتور محمد الأمين دباغين وتولى فيها رئاسة مكتب الوفد الخارجي بتكليف من لجنة التنسيق والتنفيذ. عندئذ توزعت المهام في المكتب على النحو التالي: الرئيس: محمد الأمين دباغين السكرتارية والتنسيق مع المكاتب الإعلامية الأخرى (انظر لاحقا): محمد الصديق بن يحيى ويساعده عدة بن قطاط. مكتب القاهرة: أحمد توفيق المدني، وهو يتولى التوجيه، وشؤون الجامعة العربية. والهيئة الدبلوماسية والحكومة والمنظمات المصرية. ومعه فريق عمل يتكون من: حامد روابحية - السكرتارية عمر دردور - المالية والمحاسبة الطيب الثعالبي - الصحافة والإذاعة مصطفى بن با أحمد - الهلال الأحمر أوعمران وابن عودة - المكتب العسكري مكتب الصحافة والإذاعة: الطيب الثعالبي - مسؤول رابح التركي، محمد قصوري - النصوص العربية لإذاعة صوت العرب. وكل نص يجب أن يحمل توقيع أحمد توفيق المدني قبل إذاعته. عبد القادر معاشو - النصوص الفرنسية، وكل النصوص الموجهة لإذاعة صوت العرب يجب أن يوقعها ابن يحيى مسبقا.

стр. 4576

محمد الحاج حمو، نافعة رباني، أرزقي بوزيدة - النصوص الفرنسية الموجهة لأوروبا وفرنسا وإذاعة القاهرة، مع وجوب توقيع ابن يحيى على هذه النصوص مسبقا. فرنسيسكو ديلاجي، F.Delagis - النصوص الأسبانية والبرتغالية. أحمد توفيق المدني - النصوص العربية الموجهة لأمريكا اللاتينية والنصوص التي تترجم لإيران. إبراهيم بولكرم - الشؤون الإدارية. إسماعيل بورغيدة - مكلف بالبريد (١). انتشرت بعد ذلك المكاتب الإعلامية في العالم باسم بعثة جبهة التحرير الوطني، وكل بعثة كانت تقوم بالعمل السياسي والدبلوماسي والإعلامي، فبعد مكتب القاهرة افتتحت مكاتب في العواصم العربية منها: طرابلس ودمشق وبيروت وعمان وجدة، وكذلك تونس والرباط بعد استقلالهما، وبغداد بعد الثورة، كما افتتحت مكاتب في كثير من البلدان الغربية والآسيوية والإفريقية. فكان هناك مكتب في نيويورك ولندن واستكهولم وروما وبون وجنيف، ثم في العواصم الآسيوية مثل جاكرتا ونيودلهي وكراتشي، ثم في عواصم بعض الدول الاشتراكية مثل موسكو وبكين وبلغراد وبراغ، إضافة إلى بعض عواصم بلدان أمريكا اللاتينية كالأرجنتين والبرازيل، وأخيرا في بعض عواصم الدول الإفريقية المتنقلة مثل أكرا وكوناكري وبماكو، مع زيارات إعلامية لدار السلام ونيروبي وكمبالا. كل هذا النشاط كان قبل الإعلان عن ميلاد الحكومة المؤقتة، أما ابتداء من خريف ١٩٥٨ فقد تحولت معظم البعثات أو المكاتب إلى سفارات في

стр. 4577

العواصم التي اعترفت حكوماتها بالحكومة المؤقتة، ولكن اسم بعثة جبهة التحرير بقي يطلق على المكتب الإعلامي في العواصم التي لم تعترف بالحكومة، بقي أن نقول إن هناك دولا لم يكن فيها للجبهة أي تمثيل لا في شكل بعثة ولا في شكل سفارة، فكان الحل هو العمل من داخل السفارات العربية في هذه الدول. كانت البعثات أو السفارات تقوم بأعمال متعددة لصالح القضية الجزائرية في النطاق الذي تسمح به الأعراف الدولية، ومن أبرز تلك الأعمال إصدار النشرات والتصريحات وتوزيع جريدة المجاهد والاتصال بوسائل الإعلام المحلية وتقديم البيانات في الصحف والإذاعات المحلية وتصحيح الصورة عن الحرب الدائرة ضد الاستعمار ومقاومة الدعاية الفرنسية، كما كانت تتلقى الأخبار العسكرية وغيرها وتعمل كصلة وصل بين أجهزة الثورة والبلد المضيف، ومعظم البعثات كانت تصدر نشرات يومية تحمل أخبار الثورة وتوزعها على السفارات الأجنبية (١). ولسائل أن يسأل: هل نجحت الجبهة في تقديم صورة حقيقية عن الثورة في الخارج؟ وقبل الإجابة عن ذلك دعنا نذكر بالصعوبات التي واجهها الإعلام الجزائري، سيما في أول أمره، كما ذكرنا من قبل، لقد كانت فرنسا معروفة في العالم بأنها بلد الحرية وحقوق الإنسان، وكانت تملك من الوسائل الدعائية ما لا يقارن بما عند الجزائريين على الإطلاق، وكان معظم العالم يعتد أن الجزائر فعلا جزء من فرنسا، قانونيا وعرفيا، وكان تضامن الإعلام الغربي مع بعضه واضحا كما هو حاله إذا تعلق الإمر بثورات يعتبرها وطنية أو يسارية أو إسلامية، كما أن الغرب كان يخشى أن تكون الجزائر المستقلة عن فرنسا موطى قدم للمعسكر الاشتراكي، والمعروف أن الجيش الفرنسي - رغم هزيمته في الفيتتام - كان قويا وكثير العدد والعتاد في الجزائر وأنه كان يتلقى المدد من

стр. 4578

ترسانة الحلف الأطلسي، كما أن فرنسا قد تفرغت للجزائر بكل إمكاناتها بعد أن فاوضت تونس والمغرب على استقلالهما. ورغم أن الكثير من بعوثي الجبهة كانوا يحسنون الفرنسية وبعض اللغات الأجنبية الأخرى فإن مسألة اللغة ظلت عائقا للاتصال الناجح مع الشعوب والحكومات في العالم، كما كان بعض القادة الجزائريين لا يحسنون التخاطب بالعربية مع إخوانهم في البلاد العربية حيث كان مركز الثقل للإعلام الجزائري، فكان على هذا الإعلام أن يحسن مخاطبة المعسكرين الغربي والشرقي لكيلا يخسر أحدهما، ومن جهة أخرى كان وجود الإعلام الجزائري في بلدان ذات سيادة يسبب لها حرجا أحيانا لأن خط الحرية المتاح قد لا يكون كافيا لأداء مهمة إعلامية ناجحة، وقد عمد الفرنسيون إلى أسلوب المناورة والمبادأة في محاصرة الجبهة إعلاميا بإطلاق شعارات براقة مثل: سلام الشجعان، والاستعداد لوقف القتال، والاعتراف بالشخصية الجزائرية دون الاستقلال .. وأخيرا نذكر أن إعلام الثورة كان يفتقر، ولاسيما في بادى الأمر، للاحترافية والتقتيات والخبرة، فهو إعلام قام به مناضلون استطاعوا أن يكشفوا للعالم عن واقع الدمار الذي خلفه العدو وراءه والمعاملة اللاإنسانية التي عامل بها الجيش الفرنسي الشعب في المحتشدات والسجون وأثناء التهجير. لكن بعض الباحثين رأى أن الإعلام الجزائري قد حقق مع ذلك نجاحا لتوفر عدة أبعاد: الأول قوة الكفاح المسلح، والثاني العمل السياسي والدبلوماسي الحكيم، والثالث الإعلام المثابر بالشكل الذي وصفناه، ومن جهة أخرى كان الإعلام معتمدا على أعمال ميدانية يستطيع أي كان أن يشاهدها ويعرف عنها وليست أمرا مغيبا أو أدعاء أجوف، ثم إن الوضع الدولي كان مواتيا إلى حد كبير لطرح الإعلام الجزائري أمام الرأي العام العربي والعالمي، ففرنسا كانت في حالة جزر بعد هزيمة فيتنام والسيطرة الأمريكية على أوروبا واستقلال عدد من شعوب آسيا وإفريقيا وقوة الدفع العربي بقيادة مصر، فهذه العوامل وغيرها قد ساعدت الإعلام الجزائري على أن يشق طريقه

стр. 4579

بنجاح (١). إنشاء وكالة الأنباء الجزائرية أنشئت أول وكالة جزائرية للأنباء في شهر ديسمبر سنة ١٩٦١ في تونس. وقد أعلنت في أول منشور لها أنها ستكون في خدمة الشعب والثورة وأنها ستكون الوجه الحقيقي للجزائر في العالم وأنها ستعرف الرأي العام بالنشاط الحكومي، وأنها ستهتم بأخبار المدن والقرى والدواوير البعيدة، وقد تمثل نشاطها في إصدار نشرة يومية بالعربية والفرنسية في حجم ملزمة تتضمن أخبار الجزائر الداخلية سواء كانت سياسية أو عسكرية أو اجتماعية، كما تتضمن الأخبار الدولية، وكانت هذه النشرة توزع على الوكالات واسعة الانتشار كما توزع على المنظمات الوطنية، وكانت الوكالة مدرسة لتكوين إعلاميين شباب ليتولوا قيادة الإعلام مستقبلا، وبهذه الطريقة أصبحت الوكالة ركنا أساسيا من أركان الكفاح الوطني رغم أنها أنشئت متأخرة (٢). ومن صلاحيات الوكالة عقد الاتفاقيات مع الوكالات الأجنبية لتتبادل معها الأخبار، أما قبل إنشائها فقد كانت الجبهة تتعامل مع وكالة أنباء الشرق الأوسط فيما يتعلق بالأخبار في الدول العربية، بينما تتعامل مع وكالة أنباء تشيكية فيما يتعلق بأخبار المعسكر الاشتراكي، أما بعد إنشاء الوكالة الوطنية فقد أصبحت هي مصدر أخبار الثورة والمصحح لصورتها عند تشويهها من قبل بعض الوكالات الأجنبية. وهكذا أصبح للثورة أجهزة إعلامية حساسة وفعالة، من صحافة وإذاعة وسينما ومسرح وفرق رياضية ومكاتب إعلامية في الخارج، بالإضافة إلى وكالة الأنباء.

стр. 4580

الندوات والمؤتمرات والمحاضرات يدخل في باب الإعلام أيضا الندوات والمحاضرات التي قامت بها المنظمات التابعة للجبهة في مختلف أنحاء العالم، ولا سيما الوطن العربي، ويشمل ذلك أيضا المهرجانات والأمسيات الشعرية والمشاركات في الأنشطة الطلابية والشبابية باسم الجزائر، كما يشمل استضافه شخصيات مرموقة لإلقاء محاضرات وأحاديث، وإقامة معارض وعرض أفلام حول الجزائر، وقد أصدر عدد من المثقفين والأدباء والإعلاميين كتبا ودواوين ومطبوعات تصب كلها في خدمة الثورة، ونشر بعضهم البحوث والمقالات والقصص في المجلات، العربية بالخصوص، حول الثقافة الجزائرية والتعريف بشخصياتها في مختلف الميادين والعهود، وأذكر أن فرع القاهرة استضاف محاضرين من الجزائر وغيرها، وأقام ندوات شعرية وأدبية وأنشأ جريدة حائطية، ومن المحاضرين في نادي الطلبة مالك بن نبي وأحمد توفيق المدني وأبو القاسم سعد الله وإبراهيم غافة أبو مدين الشافعي ويحيى بوعزيز وعبد القادر القط ... وقد ذكرنا مواضيعهم في مكان آخر من الكتاب. كثيرة هي المؤتمرات التي اشترك فيها الوفد الخارجي والتنظيمات التابعة لجبهة التحرير (الطلبة، العمال، والمثقفون، والفنانون ...) من أجل التعريف بالقضية الجزائرية، وهي مؤتمرات متنوعة المواضيع سياسيا وثقافيا وأدبيا، وهناك مؤتمرات مهنية وأخرى علمية، ومؤتمرات عربية وأخرى إقليمية أو دولية، وكثيرا ما كانت الوفود تعود بدعم كبير لأن المرحلة كان فيها الاستعمار في موقف الدفاع، وسنسوق نماذج فقط من هذه المؤتمرات. ولعل أول ظهور للجزائر في مرحلة الخمسينات كان حضورها مؤتمر باندونخ، ثم تسجيل القضية الجزائرية في الأمم المتحدة، وهناك مؤتمرات الدول والشعوب الآسيوية - الإفريقية، ثم مؤتمر طنجة حول وحدة الأحزاب في المغرب العربي، ومؤتمر أكرا، والمؤتمرات الطلابية العربية والدولية، ولقاءات

стр. 4581

النقابات العمالية في العالم على اختلاف انتماءاتها الفكرية، ومن المؤتمرات الأدبية والفنية نشير إلى مؤتمر الكتاب الإفريقيين - الآسيويين، ومؤتمر الكتاب السود، ففد أسهم الكتاب الجزائريون (مسلمون وأوروبيون) في هذا المؤتمر بوفد ضم كاتب ياسين ومولود معمري ومصطفى الأشرف وآيت جعفر والشريف ساحلي ومالك حداد ونور الدين تيدافي، إضافة إلى جان سيناك وهنري كرية (١). وفي ٢٢ يوليو ١٩٥٩ بعث السيد بوقادوم من القاهرة بصفته كاتبا عاما للخارجية إلى رئيس الحكومة المؤقتة ونائبه ووزارة الاتصالات العامة يخبرهم أن الخارجية تلقت من ممثلها في بيروت مولود بوقرموح، رسالة تتضمن دعوة للمشاركة في مؤتمر عن الهندسة المعمارية العربية الذي سيعقد في أغسطس من نفس السنة في بيروت، وفي الرسالة يسأل بوقرموح ما إذا كانت الحكومة المؤقتة ستشارك في المؤتمر وهل سترسل وفدا يمثلها، مع العلم أن عنوان المؤتمر هو (التخطيط العمراني في البلاد العربية)، ولكن المصدر لم يتضمن الرد على رسالة بوقرموح، فلا ندري هل شاركت الحكومة المؤقتة في المؤتمر أو لم تشارك، والغالب أنها فعلت لأنها كانت لا تترك فرصة للمشاركة، ولو رمزية، إلا اغتنمتها (٢). انعقدت ندوة ثقافية في حوض البحر الأبيض المتوسط تحدثت عنها المجاهد ولكنها لم تخبر أين، وبناء عليها فقد انعقدت بين ١٩ و ٢٤ مايو وحضرتها حوالي تسعين شخصية إفريقية وأوروبية، من بينهم بعض الجزائريين، ولكن الجريدة لم تذكر أسماءهم، أما الأفكار المدرجة في جدول الأعمال فهي:

стр. 4582

١ - السيادة والاستقلال أو من القبيلة إلى الأمة. ٢ - الثورة الإفريقية ونطاقها الاقتصادي والاجتماعي. ونعرف من الجريدة نفسها أن الوفد الجزائري قام بنشاط مكثف في الندوة، وأنه حاول (التدقيق) في مغزى حضارة البحر الأبيض والحضارة الإفريقية، وأكد على تضامن الشعوب الإفريقية ضد الاستعمار لأن بعض الدول (خانت) تضامن البحر الأبيض، حسب تعبير المجاهد، وهذا طبعا كلام غامض ومختصر حول هذه الندوة، فهل هي مثلا حكومية أو نشطتها منظمات مدنية؟ ومهما كان الأمر فلا بد من الرجوع إلى مصادر أخرى لمعرفة المزيد عن هذه الندوة (١). ولم يكن معروفا في ذلك الحين أن مالك بن نبي قد شارك في مؤتمر ضم كتابا من آسيا وإفريقيا، ولكن الدراسات كشفت عن أنه قدم مداخلة في المؤتمر الثاني للكتاب والفنانين السود الذي انعقد في روما من ٢٦ مارس إلى أول أفريل ١٩٥٩، ولا ندري موضوع مداخلته، وهل حضر المؤتمر بصفته الشخصية أو باسم جبهة التحرير، كما شاركت الجزائر في مؤتمر كتاب إفريقيا وآسيا الذي انعقد في طوكيو خلال شهر مارس ١٩٦١ (٢) .. وفي يونيو ١٩٦٠ تأسس في الرباط الاتحاد العام لكتاب المغرب الكبير برئاسة الدكتور عبد العزيز الحبابي، ولكننا لا ندري من مثل الجزائر فيه، وأذكر أنه في السنة الموالية أحضر السيد محمد سحنون لوائح ذلك المؤتمر إلى اجتماع فرع اتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين بأمريكا ليطلع عليها الطلبة، وكنت من بينهم. من الاجتماعات الأخيرة التي حضرتها الجزائر قبل إعلان استقلالها

стр. 4583

اجتماع المكتب التنفيذي للجنة الثقافية لمؤتمر دول الدار البيضاء، وهو الاجتماع الذي انعقد في القاهرة وحضره عن الجزائر أحمد توفيق المدني بصفته المندوب الدائم لدى الجامعة العربية، وعبد القادر بن قاسي، وأرزقي صالحي، وقد قدم توفيق المدني تقريرا مفصلا من خمس صفحات عما جرى في الاجتماع الذي انعقد بين ٢٠ و ٢٣ مارس ١٩٦٢، أي فترة توقيع اتفاقيات إيفيان، ولذلك تحدث التقرير عن تهنئة الوفود العربية والافريقية لوفد الجزائر بنجاح المفاوضات المفضية إلى الاستقلال، ومن التوصيات التي حملها الوفد تقديم الحكومة المؤقتة خلال أيام مذكرة عن الطلبة الجزائريين والحاجة المالية لدراستهم لسنة ١٩٦٢ - ١٩٦٣، وكانت مهمة اللجنة المذكورة هي تنسيق البرامج والنظر في المعادلات، والتعاون الثقافي والعلمي والفني والإداري بين الدول الموقعة على اتفاقيات اجتماع دول الدار البيضاء (١). وهكذا نرى أن المؤتمرات والندوات وأمثالها كانت وسائل إعلامية فعالة استفادت منها جبهة التحرير لتبليغ صوت الثورة، وهذه الأنشطة كانت لا تقل فعالية عن الصحف والإذاعة والنشرات والفرق الفنية والمسرحية والرياضة التي احتضنت الثورة أيضا وحملت أفكارها إلى الجماهير في العالم العربي والدولي. الفريق الوطني لكرة القدم عقب تأليف الحكومة المؤقتة تكون فريق رياضي وطني لكرة القدم، وقد وجد في تأليفه وتدريبه وتنقلاته عناء كبيرا، وسبب للحكومة عناء أيضا ولكن فصل اللاعبين الجزائريين عن الفرق الفرنسية وإنشاء فريق يلعب تحت العلم الوطني الجزائري في الملاعب الدولية كان انتصارا كبيرا للثورة على المستوى الإعلامي ثم على المستوى المالي أيضا. جاء في تقرير مرقون بالفرنسية ومكتوب في فاتح سنة ١٩٥٩ أن الفريق

стр. 4584

الرياضي الجزائري واجه مشاكل منذ تكوينه في تونس، أبرزها موقف (الفيفا) من أعضائه ومسألة شراء الأعضاء من الفرق التي يلعبون فيها، مذكرا بأن معاقبة الفريق المغربي على لعبه مع الفريق الجزائري ما تزال ماثلة للعيان، ولذلك أرسلت الخارجية الجزائرية جمال دردور ليفاوض عن الفريق الجزائري مع الفرق الفرنسية، وقد تقدم دردور قي مفاوضاته ولكن أسبابا عائلية جعلته يعود إلى تونس قبل إتمام الصفقة. كما أن تبعية الفريق كانت محل شد وجذب بين الوزارات، فالداخلية قالت إن تبعية الفريق الرياضي ترجع إليها مثل الفرقة المسرحية التي كانت بصدد التكوين والتي اعتبرتها الوزارة من اختصاصها، ولاحظ التقرير أن (الفيفا) تستعمل حق (الفيتو) إذا أراد الفريق الجزائري اللعب مع فرق أخرى، لذلك أصبح أعضاء الفريق يعانون الإحباط والبطالة حتى لقد فكر بعضهم في التخلي عن الجبهة وفريقها، وقد لاحظ التقرير أن شراء أعضاء الفريق أصبح أمرا محتما وأن هذه العملية تكلف حوالي مائة مليون فرنك كحد أقصى، وهو مبلغ يمكن استعادته بسهولة قياسا على مقابلة المغرب التي جلبت حوالي اثني عشر مليونا (١). كما أن الجهة التي من حقها إيرادات الفريق الرياضي كانت محل خلاف. فوزارة المالية الجزائرية اقترحت ضرورة صب إيرادات الفريق الرياضي في حسابها في البنك العربي المحلي لاستعمال المال بالعملة المحلية، وقد بررت ذلك بأن نقل النقود من بلد إلى آخر يشكل مغامرة، كما أن تحويل النقود من عملة إلى أخرى يترتب عليه خسازة فروق العملة، ومن الملاحظ أن رسالة وزارة المالية قد سلمت إلى الشيخ محمد الغسيري لكي يوزعها على المكاتب العربية، هذه الرسالة أو المذكرة كانت صادرة من وزير المالية أحمد فرنسيس. وفي أدناها ذكر أنها مترجمة من العربية وموجهة إلى رئيس الوزراء والداخلية

стр. 4585

والخارجية، مع نسخة للاحتفاظ بها في الأرشيف (١). وهناك رسالة أخرى بخصوص الفريق الرياضي أيضا وهي صادرة هذه المرة من وزارة الخارجية إلى وزارة الداخلية لتخبرها أن مستشار سفارة الصين بالقاهرة أبدى استعداد بلاده لاستقبال الفريق الجزائري الرياضي في الصين لمدة شهر، وأن المستشار يرغب في مقابلة الداخلية لمناقشة سفر الفريق إلى الصين، ورسالة الخارجية موقعة من بوقادوم (٢). ولا ندري كيف تمت المفاوضابت بين الطرفين حول السفر إلى الصين. أما الذي حصل فعلا فهو سفر الفريق إلى الصين وإجراؤه عدة مقابلات مع فرقها، لقد غادر الفريق تونس يوم ٨ أكتوبر ١٩٥٩ متوجها إلى الصين الشعبية بدعوة من الفريق الرياضي الصيني، وبعد توقف في طرابلس حيث أجرى مقابلة كروية مع الفريق الليبي، واصل سفره إلى بيكين عبر القاهرة وموسكو، وقد وصل إلى الصين يوم الخامس عشر من أكتوبر، وقام بعدة مقابلات نجح في بعضها وخسر في أخرى، حسب جريدة المجاهد، وفي هذه الأثناء شارك الفريق في (طريق الصداقة الصيني - الجزائري)، وفي الخامس من نوفمبر سافر أعضاء الفريق إلى الفيتنام الشمالية حيث أجرى عدة مقابلات وأقام في البلاد إلى ٢٥ نوفمبر (٣). وفي ربيع ١٩٥٩ قام الفريق الرياضي المؤلف الآن من ٢١ عضوا تحت مسؤولية الدراجي زغلاش، بسلسلة من المقابلات الكروية في سبع دول من أوروبا الشرقية هي: بلغاريا، رومانيا، روسيا (الاتحاد السوفياتي)، بولندا، ألمانيا الشرقية، تشيكوسلوفاكيا، المجر، وفي مراسلة من الأمين العام للفيدرالية التي تضم الديموقراطيات الشعبية جدول عملي للفريق بحيث يقيم في

стр. 4586

كل بلد مدة محددة تصل في الغالب إلى عشرة أيام تبدأ من نهاية أبريل وتنتهي في ٢٥ يوليو، وكان بإمكان الفريق أن يلعب مقابلتين أو ثلاثة خلال المدة المحددة له في كل بلد، كما يمكنه الاتصال بمنظمات الشباب والعمال من أجل الدعاية لنضال الشعب الجزائري، وقد نصت المراسلة على أن الفريق سيتوجه بعد الجولات الرياضية المذكورة إلى فيينا للمشاركة في المهرجان السابع الدولي للشباب. قامت الفيدرالية بإرسال التذاكر إلى عبد السلام بلعيد في القاهرة، وقد جاء في المراسلة أن البلد المضيف للفريق سيتولى تذاكر السفر والإقامة والغذاء وكذلك مصروف الجيب، إضافة إلى تأشيرة دخول، ووعدت الرسالة أيضا بتوفير مساعدة مادية للشعب الجزائري (١). وكان على الفريق أن يمر بالقاهرة ليسافر منها إلى أوروبا الشرقية - ولكي يحصل على تأشيرة لدخول القاهرة استنجدت الخارجية الجزائرية بالسيد فتحي الديب لتسهيل مهمة الفريق الذي كان ينتظر التأشيرة في ليبيا، ويبدو أن التأشيرة المنتظرة كانت للعبور فقط، وجاء في مراسلة الخارجية الجزائرية أن هناك مدة ضرورية لمثل هذه الحالة وأن الفريق قد اتفق مع عدة أندية في أوروبا الشرقية (٢). لقد تكون الفريق في ربيع سنة ١٩٥٨ (قبل تكوين الحكومة المؤقتة) حين انسحب حوالي ثلاثين جزائريا من النوادي الرياضية الفرنسية فسببوا بذلك إرباكا لتلك النوادي التي كانت تستعد لمباريات دولية هامة في صيف ذلك العام، وكان صدى هذا الانسحاب كبيرا في عالم الرياضيين والسياسيين، وكانت

стр. 4587

المجاهد تطلق على الفريق اسم (فريق جيش التحرير لكرة القدم)، وقد نشرت صورة لمن وصل من أعضائه إلى تونس، وقالت إن الفريق يعتزم القيام بدورات أخوية و (التعرف والتصادق مع شباب العرب الأشقاء)، وكان عنوان مقالة المجاهد هو (فريق الجيش لكرة القدم يزور الأقطار الشقيقة، وبلفتة إعلامية ذكية أخبرت أن اللاعبين قدموا من أرض الوطن، وما داموا سيتطلقون من تونس إلى ليبيا فإن الجالية الليبية والغارة الليبية في تونس قد أقامت للفريق حفلات تكريمية، وكان يصحب الفريق مدربه السعيد صالح والمسؤول الإداري أحمد معاش، وأضافت المجاهد أن (كل لاعب كان مجاهدا في جيش التحرير الوطني). وفي رسالة موقعة من الدكتور الأمين دباغين مسؤول الشؤون الخارجية في قاعدة تونس أن عدد الأعضاء الذين التحقوا بتونس حتى تاريخ ١٢ يوليو ١٩٥٨ هم أحد عشر لاعبا فقط بينما يلزم بين أربعة وخمسة احتياطيين، لذلك اقترحوا إرسال رسالة إلى اتحادية فرنسا لتجنيد لاعبين أكفاء وتوجيههم إلى تونس في أقرب وقت، وحثت الرسالة على الكفاءة والسرعة في تكوين الفريق لأنه سيلعب قريبا مباراة دولية، وبرفقة هذه الرسالة توجد مذكرة مرسلة إلى اتحادية فرنسا تضمن أسماء الفريق الموجود في تونس (١). وصفت المجاهد ما حل بالملاعب عندما لعب الفريق الرياضي الجزائري في البلاد العربية، وركزت على ما حدث في بغداد خاصة، فقالت إن الشخصيات السامية كانت تجلس في الصفوف الأمامية حيث تصف الكراسي الشرفية في مختلف الملاعب العربية، وكل مباراة كانت تحول إلى مظاهرة، كما حدث في بغداد حين خرج الجمهور يهتف بحياة الجزائر وثورتها. كان الفريق الوطني يدخل الملعب في ظل العلم الوطني، وهو يردد نشيد (جزائرنا يا بلاد الجدود)، وقد حدث في بغداد أن دخل الجمهور الملعب قبل

стр. 4588

انتهاء المباراة وحملوا أفراد الفريق على الأكتاف، ولاحظت المجاهد أنه في كل المباريات كان الجمهور عادة يهتف للفريق المحلي أما بالنسبة للفريق الجزائري فإن الجمهور كان يهتف للفريق الضيف، وقد أجرى الفريق عدة مباريات في ليبيا وتونس والمغرب ومصر وسوريا والعراق، وأذكر أنني حضرت شيخصيا إحداها في القاهرة، والتقيت عندئذ بالشاعر أحمد معاش الذي كان مسؤولا إداريا على الفريق، وكان الفريق يقيم في فندق (ناسيونال) وسط القاهرة (١). وعلقت المجاهد على مدى أثر اختفاء أشهر اللاعبين الجزائريين على النوادي الفرنسية، فقالت إنها عانت صدمة عنيفة خصوصا وأنها كانت تستعد لمباراة عالمية يوم ١٦ أبريل من نفس العام، كما قالت إن خروج ثلاثة وثلاثين لاعبا من فرنسا وقرارهم عدم اللعب في النوادي الفرنسية كان له وقع الصاعقة (٢). لقد اهتمت الثورة بالرياضة لا باعتبارها فنا من فنون الحرب فقط ولكن باعتبارها وسيلة من وسائل الإعلام زمن الحرب أيضا، ولذلك جندت فريقا كاملا من الرياضيين، كان هذا الفريق يرفع شعارات جبهة وجيش التحرير ويحمل العلم الوطني وينشد الأناشيد في الملاعب ويصرح للصحافة الدولية تصريحات معادية للاستعمار ولصالح استقلال الجزائر أسوة بكل الشعوب، كما كان الفريق قد سبب إحراجا للفرق الفرنسية التي كانت تعتمد على العناصر الجزائرية في اللعب في صنوفها، ومن جهة أخرى كان الفريق مصدرا من مصادر الدخل المالي للحكومة المؤقتة، كما سبقت الإشارة. يروي الشيخ محمد الصالح بن عتيق في مذكراته أنهم في السجون كانوا يتعلمون كل ما يفيد من بعضعهم البعض، بما في ذلك كرة القدم والمصارعة اليابانية، فهذا عبد الرحمن يبرير وهو من سكان العاصمة، كان يعلمهم في

стр. 4589

السجن لعبة كرة القدم حتى نال إعجاب السجناء، كما كان آيت يحيى الوناس، وهو رياضي من حي المدنية ومن تلاميذ ابن عتيق نفسه في مدارس جمعية العلماء، يعلمهم قواعد المصارعة اليابانية، إن الرياضة في عهد الثورة لم تعد للتسلية واللهو وإنما أصبحت ممارسة ثورية تهدف إلى تحرير الإنسان والوطن (١). أعمال الوفد الخارجي للجبهة قلنا إن مكتب الوفد الخارجي في القاهرة كلف بتسييره الشيخ أحمد توفيق المدني أثناء سفر محمد خيضر وأحمد بن بلة إلى مدريد فالرباط سنة ١٩٥٦، فعند اختطاف الطائرة المغربية المتوجهة إلى تونس من قبل قراصنة الجو الفرنسيين كان فرحات عباس وعبد الرحمن كيوان يدعوان للثورة في أمريكا اللاتينية، والدكتور أحمد فرنسيس والدكتور الأمين دباغين في تركيا لنفس الغرض، وقد كان على المدني أن يقوم بملء الفراغ ريثما يعود هؤلاء جميعا إلى القاهرة ويتدارسوا ماذا يفعلون في ضوء التعليمات التي ستأتيهم من لجنة التنسيق والتنفيذ حديثة النشأة. وتثبت الوقائع أن أعضاء الوفد الخارجي الذين لم يحضروا مؤتمر الصومام كانوا يجهلون كل شيء عنه، فقد انعقد في ٢٠ أغطس ١٩٥٦ وهم الآن في ٢٢ أكتوبر وما تزال أخبار ذلك المؤتمر لم تصل إلى المعنيين بها في الخارج إلا في شكل إشاعات، فهم لا يعرفون بدقة برنامج الصومام ولا تكوين المجلس الوطني ولا لجنة التنسيق والتنفيذ ولا علاقة الخارج بالداخل، وفي ظل الوضع المتأزم على المستوى الشعبي والرسمي، العربي والدولي، كان على أحمد توفيق المدني أن يؤكد للحكومة المصرية والحكومات العربية وغيرها استمرار الكفاح، وأن يواجه الدعاية الفرنسية التي كانت تقول إن الجبهة قد

стр. 4590

انتهت وإن الثورة قد فشلت، كما كان عليه أن ينشط المكتبين السياسي والعسكري، وخاصة استمرار تدفق السلاح إلى المجاهدين، وهذا الجهد قد استمر بفضل التصريحات في إذاعة القاهرة وصوت العرب والمقابلات الصحفية وإصدار البرقيات الاحتجاجية للبلاد العربية ودول باندونج واستقبال مثلها، لقد كانت لحظة حرجة ووقتا عصيبا عاشته الثورة الجزائرية وبعض رجالها على الأقل. وفي يوم ٢٧ أكتوبر جرى اجتماع في القارة كلف فيه الدكتور الأمين برئاسة الوفد الخارجي نتيجة برقية وردت من رمضان عبان تاريخها سابق لاختطاف الطائرة، وبعد هذا الاجتماع بأيام وصلت معلومات أكثر تفصيلا عن مؤتمر الصومام وبرنامجه وعن تكوين المجلس الوطني ولجنة التنسيق والتنفيذ. في هذه الأثناء حضر أحمد (علي) محساس إلى القارة وأعلن، كما فعل في تونس، معارضته لقرارات مؤتمر الصومام، وأن ابن بلة يقف أيضا ضد هذا المؤتمر لأنه مؤتمر (خان) مبادى الثورة والعروبة والإسلام، وكان محساس يحمل رسالة موقعة من ابن بلة يعينه فيها ممثلا له، لذلك كان على الوفد الخارجي أن يحل عدة مشاكل مستعجلة قبل أن يستفحل الأمر فيؤثر على الوضع في الداخل، وهي: ١ - الاعتراف بمؤتمر الصومام ونتائجه. ٢ - مكافحة حملة الانشقاق (الإجرامية) التي يقودها أحمد محساس. ٣ - تأمين السلاح وتوصيله من مكتب طرابلس إلى تونس (١). بعد التغلب على الأزمة المزدوجة (اختطاف الطائرة وانشقاق محساس) انطلق الوفد في تحقيق الأهداف التي حددها، وأهمها تأمين السلاح للثوار
следующие страницы →