← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

كل بلد مدة محددة تصل في الغالب إلى عشرة أيام تبدأ من نهاية أبريل وتنتهي في ٢٥ يوليو، وكان بإمكان الفريق أن يلعب مقابلتين أو ثلاثة خلال المدة المحددة له في كل بلد، كما يمكنه الاتصال بمنظمات الشباب والعمال من أجل الدعاية لنضال الشعب الجزائري، وقد نصت المراسلة على أن الفريق سيتوجه بعد الجولات الرياضية المذكورة إلى فيينا للمشاركة في المهرجان السابع الدولي للشباب. قامت الفيدرالية بإرسال التذاكر إلى عبد السلام بلعيد في القاهرة، وقد جاء في المراسلة أن البلد المضيف للفريق سيتولى تذاكر السفر والإقامة والغذاء وكذلك مصروف الجيب، إضافة إلى تأشيرة دخول، ووعدت الرسالة أيضا بتوفير مساعدة مادية للشعب الجزائري (١). وكان على الفريق أن يمر بالقاهرة ليسافر منها إلى أوروبا الشرقية - ولكي يحصل على تأشيرة لدخول القاهرة استنجدت الخارجية الجزائرية بالسيد فتحي الديب لتسهيل مهمة الفريق الذي كان ينتظر التأشيرة في ليبيا، ويبدو أن التأشيرة المنتظرة كانت للعبور فقط، وجاء في مراسلة الخارجية الجزائرية أن هناك مدة ضرورية لمثل هذه الحالة وأن الفريق قد اتفق مع عدة أندية في أوروبا الشرقية (٢). لقد تكون الفريق في ربيع سنة ١٩٥٨ (قبل تكوين الحكومة المؤقتة) حين انسحب حوالي ثلاثين جزائريا من النوادي الرياضية الفرنسية فسببوا بذلك إرباكا لتلك النوادي التي كانت تستعد لمباريات دولية هامة في صيف ذلك العام، وكان صدى هذا الانسحاب كبيرا في عالم الرياضيين والسياسيين، وكانت

стр. 4587

المجاهد تطلق على الفريق اسم (فريق جيش التحرير لكرة القدم)، وقد نشرت صورة لمن وصل من أعضائه إلى تونس، وقالت إن الفريق يعتزم القيام بدورات أخوية و (التعرف والتصادق مع شباب العرب الأشقاء)، وكان عنوان مقالة المجاهد هو (فريق الجيش لكرة القدم يزور الأقطار الشقيقة، وبلفتة إعلامية ذكية أخبرت أن اللاعبين قدموا من أرض الوطن، وما داموا سيتطلقون من تونس إلى ليبيا فإن الجالية الليبية والغارة الليبية في تونس قد أقامت للفريق حفلات تكريمية، وكان يصحب الفريق مدربه السعيد صالح والمسؤول الإداري أحمد معاش، وأضافت المجاهد أن (كل لاعب كان مجاهدا في جيش التحرير الوطني). وفي رسالة موقعة من الدكتور الأمين دباغين مسؤول الشؤون الخارجية في قاعدة تونس أن عدد الأعضاء الذين التحقوا بتونس حتى تاريخ ١٢ يوليو ١٩٥٨ هم أحد عشر لاعبا فقط بينما يلزم بين أربعة وخمسة احتياطيين، لذلك اقترحوا إرسال رسالة إلى اتحادية فرنسا لتجنيد لاعبين أكفاء وتوجيههم إلى تونس في أقرب وقت، وحثت الرسالة على الكفاءة والسرعة في تكوين الفريق لأنه سيلعب قريبا مباراة دولية، وبرفقة هذه الرسالة توجد مذكرة مرسلة إلى اتحادية فرنسا تضمن أسماء الفريق الموجود في تونس (١). وصفت المجاهد ما حل بالملاعب عندما لعب الفريق الرياضي الجزائري في البلاد العربية، وركزت على ما حدث في بغداد خاصة، فقالت إن الشخصيات السامية كانت تجلس في الصفوف الأمامية حيث تصف الكراسي الشرفية في مختلف الملاعب العربية، وكل مباراة كانت تحول إلى مظاهرة، كما حدث في بغداد حين خرج الجمهور يهتف بحياة الجزائر وثورتها. كان الفريق الوطني يدخل الملعب في ظل العلم الوطني، وهو يردد نشيد (جزائرنا يا بلاد الجدود)، وقد حدث في بغداد أن دخل الجمهور الملعب قبل

стр. 4588

انتهاء المباراة وحملوا أفراد الفريق على الأكتاف، ولاحظت المجاهد أنه في كل المباريات كان الجمهور عادة يهتف للفريق المحلي أما بالنسبة للفريق الجزائري فإن الجمهور كان يهتف للفريق الضيف، وقد أجرى الفريق عدة مباريات في ليبيا وتونس والمغرب ومصر وسوريا والعراق، وأذكر أنني حضرت شيخصيا إحداها في القاهرة، والتقيت عندئذ بالشاعر أحمد معاش الذي كان مسؤولا إداريا على الفريق، وكان الفريق يقيم في فندق (ناسيونال) وسط القاهرة (١). وعلقت المجاهد على مدى أثر اختفاء أشهر اللاعبين الجزائريين على النوادي الفرنسية، فقالت إنها عانت صدمة عنيفة خصوصا وأنها كانت تستعد لمباراة عالمية يوم ١٦ أبريل من نفس العام، كما قالت إن خروج ثلاثة وثلاثين لاعبا من فرنسا وقرارهم عدم اللعب في النوادي الفرنسية كان له وقع الصاعقة (٢). لقد اهتمت الثورة بالرياضة لا باعتبارها فنا من فنون الحرب فقط ولكن باعتبارها وسيلة من وسائل الإعلام زمن الحرب أيضا، ولذلك جندت فريقا كاملا من الرياضيين، كان هذا الفريق يرفع شعارات جبهة وجيش التحرير ويحمل العلم الوطني وينشد الأناشيد في الملاعب ويصرح للصحافة الدولية تصريحات معادية للاستعمار ولصالح استقلال الجزائر أسوة بكل الشعوب، كما كان الفريق قد سبب إحراجا للفرق الفرنسية التي كانت تعتمد على العناصر الجزائرية في اللعب في صنوفها، ومن جهة أخرى كان الفريق مصدرا من مصادر الدخل المالي للحكومة المؤقتة، كما سبقت الإشارة. يروي الشيخ محمد الصالح بن عتيق في مذكراته أنهم في السجون كانوا يتعلمون كل ما يفيد من بعضعهم البعض، بما في ذلك كرة القدم والمصارعة اليابانية، فهذا عبد الرحمن يبرير وهو من سكان العاصمة، كان يعلمهم في

стр. 4589

السجن لعبة كرة القدم حتى نال إعجاب السجناء، كما كان آيت يحيى الوناس، وهو رياضي من حي المدنية ومن تلاميذ ابن عتيق نفسه في مدارس جمعية العلماء، يعلمهم قواعد المصارعة اليابانية، إن الرياضة في عهد الثورة لم تعد للتسلية واللهو وإنما أصبحت ممارسة ثورية تهدف إلى تحرير الإنسان والوطن (١). أعمال الوفد الخارجي للجبهة قلنا إن مكتب الوفد الخارجي في القاهرة كلف بتسييره الشيخ أحمد توفيق المدني أثناء سفر محمد خيضر وأحمد بن بلة إلى مدريد فالرباط سنة ١٩٥٦، فعند اختطاف الطائرة المغربية المتوجهة إلى تونس من قبل قراصنة الجو الفرنسيين كان فرحات عباس وعبد الرحمن كيوان يدعوان للثورة في أمريكا اللاتينية، والدكتور أحمد فرنسيس والدكتور الأمين دباغين في تركيا لنفس الغرض، وقد كان على المدني أن يقوم بملء الفراغ ريثما يعود هؤلاء جميعا إلى القاهرة ويتدارسوا ماذا يفعلون في ضوء التعليمات التي ستأتيهم من لجنة التنسيق والتنفيذ حديثة النشأة. وتثبت الوقائع أن أعضاء الوفد الخارجي الذين لم يحضروا مؤتمر الصومام كانوا يجهلون كل شيء عنه، فقد انعقد في ٢٠ أغطس ١٩٥٦ وهم الآن في ٢٢ أكتوبر وما تزال أخبار ذلك المؤتمر لم تصل إلى المعنيين بها في الخارج إلا في شكل إشاعات، فهم لا يعرفون بدقة برنامج الصومام ولا تكوين المجلس الوطني ولا لجنة التنسيق والتنفيذ ولا علاقة الخارج بالداخل، وفي ظل الوضع المتأزم على المستوى الشعبي والرسمي، العربي والدولي، كان على أحمد توفيق المدني أن يؤكد للحكومة المصرية والحكومات العربية وغيرها استمرار الكفاح، وأن يواجه الدعاية الفرنسية التي كانت تقول إن الجبهة قد

стр. 4590

انتهت وإن الثورة قد فشلت، كما كان عليه أن ينشط المكتبين السياسي والعسكري، وخاصة استمرار تدفق السلاح إلى المجاهدين، وهذا الجهد قد استمر بفضل التصريحات في إذاعة القاهرة وصوت العرب والمقابلات الصحفية وإصدار البرقيات الاحتجاجية للبلاد العربية ودول باندونج واستقبال مثلها، لقد كانت لحظة حرجة ووقتا عصيبا عاشته الثورة الجزائرية وبعض رجالها على الأقل. وفي يوم ٢٧ أكتوبر جرى اجتماع في القارة كلف فيه الدكتور الأمين برئاسة الوفد الخارجي نتيجة برقية وردت من رمضان عبان تاريخها سابق لاختطاف الطائرة، وبعد هذا الاجتماع بأيام وصلت معلومات أكثر تفصيلا عن مؤتمر الصومام وبرنامجه وعن تكوين المجلس الوطني ولجنة التنسيق والتنفيذ. في هذه الأثناء حضر أحمد (علي) محساس إلى القارة وأعلن، كما فعل في تونس، معارضته لقرارات مؤتمر الصومام، وأن ابن بلة يقف أيضا ضد هذا المؤتمر لأنه مؤتمر (خان) مبادى الثورة والعروبة والإسلام، وكان محساس يحمل رسالة موقعة من ابن بلة يعينه فيها ممثلا له، لذلك كان على الوفد الخارجي أن يحل عدة مشاكل مستعجلة قبل أن يستفحل الأمر فيؤثر على الوضع في الداخل، وهي: ١ - الاعتراف بمؤتمر الصومام ونتائجه. ٢ - مكافحة حملة الانشقاق (الإجرامية) التي يقودها أحمد محساس. ٣ - تأمين السلاح وتوصيله من مكتب طرابلس إلى تونس (١). بعد التغلب على الأزمة المزدوجة (اختطاف الطائرة وانشقاق محساس) انطلق الوفد في تحقيق الأهداف التي حددها، وأهمها تأمين السلاح للثوار

стр. 4591

وتكثيف الإعلام للثورة، انطلقت الوفود في مختلف الاتجاهات، وبالأخص داخل البلاد العربية حيث المال والسلاح والضغوط الدبلوماسية على فرنسا، وقد أصبح الدكتور الأمين دباغين هو قائد السفينة خارج الجزائر وكان عليه أن يعود إلى مبدأ القيادة الجماعية التي سارت عليها الثورة حتى ذلك الحين بحيث لا تتأثر الثورة بموت أو اعتقال أحد من قادتها، وكان الأمين (وهو طبيب بالمهنة) سياسيا من الحرس القديم في حزب الشعب يعمل أكثر مما يتكلم، وله شخصية تفضل الانطواء والعمل السري على الظهور والزعامة، وهو إذا قوبل بابن بلة يقف منه على طرفي نقيض في هذه الأمور الشخصية. توجه وفد من جبهة التحرير إلى موسم الحج لعام ١٩٥٧ ضم أحمد توفيق المدني والشيخ العباس بن الشيخ الحسين وعمر دردور، كان هذا التجمع الكبير للمسلمين فرصة للوفد لتوزيع أكثر من ٣٥٠٠ نسخة من كتيب يحتوي على معلومات أساسية عن الثورة، كما أذاع الوفد كلمات ست مرات في الإذاعة السعودية وعقد اجتماعات مع وفود عديدة وقام باتصالات، وخلال هذا الموسم أعلن الملك سعود بكل صراحة أنه يقف مع استقلال الجزائر ولن يتخلى عن دعمه إلى أن يتحقق هذا الاستقلال (١). وقد عثرنا على رسالة من الوفد الذي توجه إلى باكستان موجهة إلى (حضرات الإخوان) بتاريخ ٢٧ يوليو ١٩٥٧ تصف اجتماعا حماسيا لصالح الثورة جرى في لاهور، وفي كراتشي وفي حيدر آباد عاصمة السند، وتحدثت الرسالة عن الحماس والتزاحم على الوفد الجزائري الذي اعتبره الناس كأنه من المسلمين الفاتحين الأولين، والغالب أن يكون الشيخ محمد البشير الإبراهيمي هو الذي كان يقود الوفد في باكستان لأن المصدر الذي رجعنا إليه يتحدث عن (الشيخ) دون الإفصاح عن اسمه، والمعروف أن الشيخ الإبراهيمي كان في

стр. 4592

باكستان في تلك الفترة (١). كما زار وفد جزائري السودان في فاتح سنة ١٩٥٨، ومن بين أعضائه الهاشمي الطود والتارزي الشرفي، وقد تحدث التقرير عن الحماس الشديد الذي استقبل به الوفد في السودان من الحكومة والشعب، والتعلق بالقضية الجزائرية، وقد ركز التقرير أو الرسالة على شكر السودان على دعمه للقضية الوطنية مع رجاء المزيد منه دبلوماسيا وماديا وسياسيا ... وفي رسالة من الدكتور دباغين إلى ابن يوسف بن خدة شكوى من كون اثنين من أعضاء الوفد، وهما الطود والشرفي، قد رجعا إلى القاهرة دون علم الوفد في السودان، والمعروف أنه كان للثورة مكتب أيضا في السودان، وقد تكررت الزيارات لهذا البلد الشقيق (٢). وهناك وفد آخر توجه إلى الكويت بقيادة الشيخ حامد روابحية في شهر مايو ١٩٥٨، وجاء في التقرير الذي كتبه الوفد أنه جمع من الكويت تبرعات بلغت ٩٣٧، ٦٩٠ دولارا صبت كلها في البنك العربي بدمشق لحساب الجبهة. وكان هناك تعاون بين الحكومة المؤقتة والحكومات العربية والإسلامية في مجالات أخرى أيضا غير المال والسلاح، ففي رسالة كتبها أحمد توفيق المدني وزير الثقافة إلى الخارجية الجزائرية أن الحقيبة الدبلوماسية الليبية والإندونيسية مستعدة لحمل بريد الحكومة المؤقتة إلى مختلف الاتجاهات (٣).

стр. 4593

كان الدكتور دباغين هو الذي يعين الوفد ورئيسه لأي بلد أو لأي مؤتمر. ففي دمشق مثلا لاحظنا أن الدكتور دباغين قد عين الشيخ الإبراهيمي تحت مسؤولية عبد الحميد مهري الذي كان مسؤولا على مكتب دمشق، وذلك بتاريخ ١٣ يوليو ١٩٥٧، وفي مذكرة تحمل حرفي M.Y) والتي قرأنا أنها ترمز إلى اسم محمد الصديق بن يحيى مدير مكتب دباغين) أن أحمد توفيق المدني قد تعين ضمن الوفد الذي سيتوجه من دمشق إلى العراق لتهنئته بقيام الجمهورية. وتاريخ المذكرة هو ٢٤ يوليو ١٩٥٨، وكان الشيخ المدني قد شارك في مؤتمر الخريجين العرب وانتخب من المشاركين في الوفد الذي سيتوجه إلى العراق للغرض المذكور أيضا، وكان الشيخ المدني قد حضر في دمشق (المؤتمر الشعبي العربي) الذي حضره بعض قادة الحركة العربية القومية، منهم ميشيل عفلق وصلاح البيطار وشفيق إرشيدات وفؤاد جلال ... (١). ولا نريد هنا تقديم إحصاء بالوفود المنطلقة في اتجاهات مختلفة للدعوة للثورة سواء كان في عهد الجبهة أو في عهد الحكومة المؤقة، فقد كانت الدبلوماسية الجزائرية قد نجحت في كسب الرأي العام العالمي ضد الاستعمار الفرنسي بوسائل ذكية أصبحت اليوم محل دراسة الباحثين. وكانت هذه الدبلوماسية قد تعززت بالإعلام المتزن أيضا، وقد تعرضنا له، سواء في جريدة المجاهد أو في النشرات المختلفة، أو في الإذاعة الجزائرية أو في الندوات والمحاضرات وأخبار النقابات ذات الإيديولوجيات المختلفة، وقد كان للوفد الخارجي قبل أكتوبر ١٩٥٦ نشرة إعلامية يوزعها على الصحف والوكالات الصحفية والدوائر الرسمية. وفي أغطس من سنة ١٩٥٧ أصبح الوفد يتلقى الأخبار من الداخل ليصدر النشرة من جديد ويوزعها على الصحافة والوكالات، كذلك نشر الوفد

стр. 4594

كتيبات وكتبا بالعربية والإنكليزية والفرنسية والإسبانية عن الوضع بالجزائر ومسيرة الثورة وشجب فظاعة الاستعمار وحرب الإبادة، ومن حين لآخر كان الوفد الخارجي يعقد مؤتمرات صحفية سواء في تونس (مارس ١٩٥٧) أو القاهرة (يوليو من نفس العام) ليجيب على الأسئلة ويوضح المواقف إزاء عدد من القضايا الحيوية ذات العلاقة بمصير الثورة (١). أما دور اتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين (لوجيما) في الحياة الدبلوماسية للثورة فقد تناولناه على حدة في الفصل الخاص بالمنظمات الطلابية، وقد كان هذا الدور رديفا لنشاط وفود جبهة التحرير في الخارج، وأحيانا موازيا له. المسؤول السياسي كما أن المسؤول السياسي على مستوى الولايات في الداخل قد لعب دورا إعلاميا هاما، فقد كان موكلا بالتوعية والإرشاد ومحاربة الآفات الاجتماعية وإصلاح ذات البين بين المواطنين، وكان يشرف على تسجيل عقود الزواج والطلاق والميراث والمواليد والوفيات، أي أنه كان يقوم بتعويض درو المحاكم التي كانت تحت السلطة الاستعمارية، وبالإضافة إلى ذلك كان المحافظ السياسي يشرف على مسائل التربية والتعليم، وجمع التبرعات والاشتراكات والعشور والزكاة، ومن جهة أخرى كان يقوم بتقديم المساعدات للمحتاجين وعائلات الشهداء والمجاهدين والمعتقلين، وكان له دور إداري أيضا يتمثل في تنظيم القرية والعرش والدوار، وكان يعد تقريرا شهريا عن أعماله، كما كان يستقبل تقارير شهرية من مسؤولي النظام في القرى، ومن أهم ما كان يقوم به في هذا المجال هو الدعاية والدعاية المضادة للاستعمار (٢).

стр. 4595

الفصل الخامس التعليم والتنظيمات الطلابية يمكن القول إن من أسباب الثورة تكريس سياسة التجهيل التي اتبعتها السلطة الفرنسية نحو الشعب، فقد كانت سياسة تقليدية اتبعها الخلف الفرنسيون عن السلف، وهي أن تعليم الجزائريين أو ترك الحرية لهم يتعلمون بوسائلهم الخاصة سيؤدي إلى يقظتهم والمطالبة بحقوقهم، لذلك كانت الأمية في الجزائر بعد قرن وربع من الاحتلال قد تجاوزت التسعين في المائة، وقد صدق فرحات عباس عندما خاطب الطلبة سنة ١٩٦٠ بقوله (في ظرف ست سنوات فقط استطاعت الثورة أن تخرج من صفوفكم عددا من الخبراء والفنيين أكبر من العدد الذي كونه الاستعمار خلال ١٣٠ سنة من الاحتلال) (١). استمر التعليم في الجزائر متعدد الأنواع، فهناك على الأقل تعليم فرنسي وتعليم مختلط وتعليم عربي حر، والتعليم الفرنسي الرسمي تشرف عليه الدولة الفرنسية عن طريق مؤسساتها وممثليها وهو ما تسميه المراجع عندنا بالتعليم العمومي أو التعليم العام، وهذا النوع من التعليم فيه المستويات الثلاثة وهي الابتدائي والمتوسط والعالي، والتعليم حسب القانون الفرنسي، إجباري ومجاني، ولكننا نجد أكثر من مليون ونصف المليون من الأطفال الجزائريين كانوا سنة ١٩٥٢ خارج المدارس.

стр. 4596

وهناك تعليم عربي/ فرنسي، وهو الموجه للجزائريين (المدرسة الأهلية/ الأندجين) والذي دخلته العربية كلهجة أو لغة دارجة، وهو لا يستوعب كل الأطفال وليس إجباريا كالتعليم المخصص لأبناء الفرنسيين، إضافة إلى ذلك هناك التعليم الفرنسي - الإسلامي أو (الفرنكو - ميزولمان) الذي عرف تطورا مع بداية الثورة حين حولت المدارس القديمة الثلاث إلى ثانويات للذكور مع استحداث ثانوية رابعة للإناث، أما التعليم العربي فهو خارج نطاق النظام التربوي الذي تشرفه عليه الحكومة الفرنسية، , وهو إما تحت إشرافه الزوايا ويسمى تقليديا أو أصليا وإما تحت إشرافه جمعية العلماء (وأحيانا حزب الشعب) ويسمى التعليم الحر، وقد سبق التنويه بتطورات التعليم عشية الثورة في الفصل الأول. التعليم: إحصاءات متنوعة نشرت الحكومة العامة في الجزائر سنة ١٩٥٩ نشرة أسمتها (الجزائر - تنمية، ١٩٥٩ أو الجزائر والتنمية) تتعلق بمجالات التعليم في العهد الجديد وانطلاق الجزائر إلى عصر التنمية، وفي هذه النشرة تفصيل عن كون التعليم هو أساس كل تنمية، فهناك التعليم الشامل والتعليم الثانوي والتعليم العالي، والمقصود بالتعليم الشامل هو التعليم الابتدائي وما في مستواه، ومما جاء في النشرة أن التعليم الشامل قد حقق تقدما ملحوظا، ففي ١٩٤٨، كان هناك طفل مسلم (جزائري) يتعلم من بين تسعة أطفال لا يتعلمون، وبعد عشر سنوات أصبح هناك حوالي أربعة أطفال يتعلمون من كل تسعة لا يتعلمون، وهذا تقدم كبير في نظر الحكومة العامة. وفي فاتح أكتوبر ١٩٥٨ سجل ٦١٢ ألف طفل في المدارس الابتدائية، منهم ٤٧٣ ألف طفل من المسلمين (الجزائريين) من بينهم ١٧١ ألف تلميذة، وفي ٣٠ يناير ١٩٥٩ زاد عدد التلاميذ المسلمين بخمسين ألف طفل جرى تسجيلهم خلال السنة الدراسية حين افتتحت أقسام جديدة، ويضافه إلى هذه

стр. 4597

الأرقام ٦٩ ألف تلميذ (مسلم) يزاولون التعليم في المدارس التي فتحها الجيش الفرنسي في المناطق النائية عن المدن والقرى، وهناك بضعة آلاف من الأطفال (المسلمين) الذين يتلقون تعليما في المدارس الحرة، دون تقديم إحصاء عنهم (والمعتقد أن المقصود بهم تلاميذ مدارس جمعية العلماء). وتتحدث نشرة الحكومة العامة المتفائلة جدا بمستقبل التعليم في الجزائر. عن التعليم الثانوي أيضا خلال نفس الفترة (١٩٥٨ - ١٩٥٩)، فقد مجل سبعة وأربعون ثانوية ومعهد (كوليج) في القطر الجزائري ٤٢ (اثنين وأربعين) ألف تلميذ، منهم ٧٨٠٠ فقط من المسلمين، من بينهم ألفان من البنات المسلمات، أي ٢٢% حسب هذا الإحصاء، وكان هذا العدد لا يتجاوز ١٠% فقط منذ عشر سنوات (أي سنة ١٩٤٨). أما التعليم العالي فالإحصاء الرسمي متفائل به أيضا، بل إنه أعطى الرقم الإجمالي الذي يشمل الطلبة الأوروبيين وسكت عن التفاصيل لأنها تكشف عن حقيقة فاضحة بالنسبة للعدد الخاص بالجزائريين، فالجامعة الجزائرية في الواقع جامعة فرنسية رغم الحديث عن كونها ذات طابع إفريقي - إسلامي متميز، فهي تضم ٥٤٠٠ طالب ليس بينهم سوى حوالي ٤٠٠ طالب مسلم (جزائري)، وقد صدقت النشرة عندما وصفتها بأنها إحدى كبريات الجامعات الفرنسية، ومع ذلك تبجحت النشرة وقالت إن للجامعة مهمة يفرضها عليها موقعها الجغرافي في إفريقيا وصلتها بالعالم الإسلامي، وللجامعة أربع كليات واثنا عشر معهدا متخصصا، منها معهد الدراسات الإسلامية، ومعهد الدراسات الشرعية في وهران وقسنطينة، وقد شرع في بناء معهد للدراسات النووية وفي بناء كلية للطب، وهي كلية جديدة رغم أن للطب كلية قديمة (١). أما جريدة (المقاومة الجزائرية) فقد أوردت إحصاء بعدد الطلبة الجامعيين في الجزائر سنة ١٩٥٤ فكان كما يلي: هناك ٥٥٧ طالبا جزائريا في جامعة

стр. 4598

الجزائر مقابل ٧١٤٦ طالبا أوروبيا، ولا شك أن هذا الرقم فيه مبالغة لأن رقم طلاب الجامعة عندئذ لم يتجاوز ٥٥٠٠ طالبا من جميع الطوائف، وعلقت الجريدة على ذلك بقولها: لو كانت الأمور طبيعية لكان في الجامعة ٣٧٠٠٠ (كذا) طالب مسلما حسب إحصاء السكان، كما قالت إن الأطفال الجزائريين الذين لم يجدوا مكانا لهم في المدارس يبلغو ٢، ٤٠٠، ٠٠٠ وبدلا من ذلك فإن هؤلاء الأطفال مشردون في الشواع (١). وهناك تقرير حول التعليم في الجزائر يرجع إلى سنة ١٩٦١ ويعرف بتقرير غورجو Gorgeu، و، قد فصل الإحصاءات بشكل ملحوظ، ولا نعرف أنه منشور، فنحن قد اطلعنا عليه في الوثائق (الأرشيف) الوطنية، كان الأطفال بين سن السادسة والرابعة عشرة في الوسط الأوروبي يمثلون ١٦% من السكان بينما ترتفع نسبتهم إلى ٣٥% في الوسط المسلم، وحسب مصادر الحكومة العامة سنة ١٩٥٧ فإن عدد الأطفال الأوروبيين في التعليم الابتدائي وصل إلى ١٣٥، ٢٠٠ أما لدى الجزائريين فالعدد حوالي ٤٠٠، ٠٠٠، (مع فارق عدد السكان دائما)، أما عدد التلاميذ الأوروبيين في الثانويات فيصل إلى ٢٠٠، ٣٥، بينما عدد الجزائريين، ٧٨٦٠. فإذا رجعنا إلى التعليم العالي نجد جامعة الجزائر تضم، حسب التقرير المذكور، حوالي ٥٠٠٠ طالب فقط، منهم حوالي ٥٠٠ طالب جزائري، فنسبة الأوروبيين فيها ٤، ٥% بينما نسبة الجزائريين هي ٠، ٠٠٠٠٥٥ أو ٥٤ طالبا أوروبيا لكل ١٠٠٠ ساكن، وطالب واحد جزائري لكل ١٨٠٠٠ ساكن. وإليك الآن بعض التفاصيل الأخرى المستخرجة من هذا التقرير حسب مستويات التعليم وجنس الطلبة وأصل السكان: ففي التعليم الابتدائي نجد عدد التلاميذ المسلمين: ٦٢٥، ٤٦٩ (منهم ٢٣٦، ٦٩٥ إناث و ٣٨٨، ٧٧٤ ذكور)، أما غير المسلمين فالتلاميذ كاكالي:

стр. 4599

١٤٧، ٤٥٨ (منهم ٧١، ٤٤٤ إناث و ٠١٤، ٧٦ ذكور). وفي التعليم الثانوي نلاحظ أن عدد التلاميذ المسلمين ١٠، ٢٨٣ (دون تفصيل في الإناث والذكور)، أما التلاميذ غير المسلمين فعددهم ٣٤، ٤١٣ (دون تفصيل)، ولكن جملة التلاميذ هي ٤٤، ٦٩٦. وبالإضافة إلى ذلك هناك التعليم العمومي الذي يشمل حوالي خمسين (٥٠) ثانوية ومعهدا ثانويا في الجزائر، ومن بين أساتذة التعليم الثانوي يوجد ١٠٥ أساتذة بالعربية (الدارجة؟)، ومن ١٥٠ إلى ٢٠٠ أستاذ مسلم بالثانوي من بين ١٤٣٤ أستاذا وأستاذه. أما بالنسبة للتعليم التقني، والمهني فعدد التلاميذ فيه موزع كما يلي: ١١، ٧٥٣ من المسلمين، ١، ٣٣٦ من غير المسلمين، ومجموعهم: ٢١، ٠٨٦. بينما لاحظ التقرير فيما يتعلق بالتعليم الخاص وجود تعليم ابتدائي يتوزع فيه المسلمون وغير المسلمين كما يلي: المسلمون: ٤، ١٥٤ (بين أمومة ٩٨٤١ وابتدائي ٣، ١٧٣)، غير المسلمين: ١٠، ٨٤١ (أمومة: ٤٣٧٥ وابتدائي ٦، ٤٦٦). أما الثانوي الخاص فلم يفصله التقرير تفصيلا طائفيا كما فعل سابقا. ولكنه قسمه حسب جنس التلميذ: الذكور ٣، ٣٢٢ والإناث: ٢، ٨٨٧، والمجموع: ٦، ٢٠٩ (١). التعليم الحر أما التعليم الحر أو التعليم المدعوم من التبرعات الشعبية والذي تشرف عليه غالبا جمعية العلماء المسلمين الجزائريين فله إحصاء غير مفصل، على هذا النحو: سنة ١٩٥٥ كان عدد التلاميذ ٣٥، ١٩٠، وعدد المدارس ١٩٣، وعدد المعلمين ٥١١، من بين العدد الإجمالي هناك ١٢٠٠ طالب في معهد عبد

стр. 4600

الحميد بن باديس بقسنطينة، وهي المؤسسة الوحيدة للتعليم المتوسط لجمعية العلماء، ولكن منذ ١٩٥٥ أغلقت السلطات الفرنسية معظم المدارس في وجه التعليم واحتلها الجيش الفرنسي الذي استعملها لأغراض مختلفة مقلدا ما قام به سلفه سنة ١٨٣٠ نحو المؤسسات التعليمية والدينية. وهناك مؤسسات أخرى كانت تمارس التعليم الحر مثل المدارس التابعة لحزب الشعب والمدرسة الكتانية التي كانت تتولاها الزاوية الرحمانية (فرع ابن الحملاوي)، وغيرها، ويقول التقرير الذي رجعنا إليه إن مدارس التعليم الحر (غير التابع لجمعية العلماء) كانت تتولاه مؤسسات خاصة قبلت بتطبيق مرسوم ٢٧ نوفمبر ١٩٤٤ الذي ينص على التعليم الإسلامي الخاص والقاضي بتدريس خمسة عشرة ساعة للغة الفرنسية في الأسبوع لتلاميذها مع قبولها بمراقبة فرنسية لسير التعليم فيها، ولاحظ التقرير أن عدد التلاميذ في هذه المدارس قليل، دون إعطاء أرقام (١). بالإضافة إلى التعليم الرسمي بمستوياته المختلفة والتعليم الخاص والحر. هناك المدرسة الفلاحية الجزائرية التي تطورت عن المعهد الفلاحي الجزائري سنة ١٩٤٦، ويعود تاريخ هذا المعهد إلى سنة ١٩١٨، كانت المدرسة ملحقة بوزارة الفلاحة، وتقبل التلاميذ بمسابقة، وتمنح دبلوم مهندس فلاحي، وغايتها تكوين كبار المسيرين في الفلاحة لشمال إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، وتكوين خبراء في الاقتصاد والتعمير في أقطار ما وراء البحار، وهذا النوع يسمى تعليما عاليا، وللمدرسة رسالة أخرى وهي البحث والدراسة، فهي تضم مخابر وتجهيزات تجري أبحاثا في مركز الحراش للأبحاث الزراعية، وينشر الأساتذة والباحثون نتائج بحوثهم في منشورات المعهد الفلاحي، أما، التعليم الفلاحي فهو في الجزائر على ثلاثة أنواع: ابتدائي ومتوسط وعالي، وللتعليم المتوسط مثلا خمس مدارس، وقد أشار مصدرنا إلى وجود المعهد

стр. 4601

الجزائري للأبحاث الاقتصادية والاجتماعية. ولاشك أن كل هذه المؤسسات على تواضعها تقدم خدمة للشباب، ولكن ساسة التجهيل والتمييز العنصري التي أشرنا إليها جعلت الجزائري يشعر بأنه كان في درجة دنيا، رغم أنه حاول أكثر من مرة أن يكون في درجة عليا (١). التعليم في إحصاءات جبهة التحرير في حديث مع الشيخ أحمد توفيق المدني، وزير الثقافة في الحكومة المؤقتة سنة ١٩٥٨ نشرته المجاهد عن (وضعية الطلبة الجزائريين في الخارج) جاء فيه أن عددهم عندئذ أكثر من ألف طالب موزعين على النحو التالي: تونس: ٦٥٠ (دون تحديد المستوى) ومصر: ١٠٠ في الجامعات المصرية، وسورية: ٦٥ في جامعة دمشق، والعراق: ٦٥ في جامعة بغداد، والكويت: ٣٠ (دون تحديد المستوى)، والمغرب: ١٠٠ (دون تحديد المستوى). أما في أوروبا والولايات المتحدة فهناك: ١٧٠ طالبا في جامعات غير فرنسية (تشمل سويسرا، يوغسلافيا، الاتحاد السوفياتي، ألمانيا الشرقية، أسبانيا). وجملة الطلبة في الخارج ١٢٠٠، يضاف إليهم طلبة يواصلون العلوم العسكرية والطيران والبحرية في معاهد المشرق، ولم يذكر الحديث الجامعات أو الكليات التي يدرسون فيها. أما حالة الطلبة فقد وصفها الشيخ المدني كما يلي: إنهم يتقاضون منحا من الحكومات العربية، ولكنها لا تفي بحاجاتهم، لذلك فإن الحكومة الجزائرية تقدم لهم معونة إضافية، ما عدا طلبة الكويت فإن إمارة الكويت تكفيهم

стр. 4602

حاجاتهم، أما بالنسبة للطلبة الذين يدرسون في البلدان الأوروبية فإن أغلبهم يتمتعون بمنح كافية، وهذه المنح تدفعها حكومات تونس والمغرب وغيرهما، أما المشكل الحقيقي فيكمن في طلبة تونس، فهم يعانون من الفقر، والقليل منهم يحصل على إعانة عائلية، والغالبية من الطلبة لا تعيش إلا على ما تقدمه هيئة الإغاثة الجزائرية، وهو قليل (١). وفي نفس الحديث ذكر الشيخ المدني مختلف التخصصات التي كان يدرسها الطلبة الجزائريون، فطلبة تونس يدرسون في أغلبهم برنامج التعليم الزيتوني والمواد التي تدرس في المدرسة الخلدونية، أي أنهم يدرسون العلوم العربية والإسلامية التقليدية مع تطعيم حديث، أما الطلبة في أوروبا فيتلقون تعليما عصريا (أي العلوم والتكنولوجيا)، والواقع أن بعض هؤلاء الطلاب كانوا يدرسون أيضا علوما تقليدية ومواد أدبية، وأما طلبة المشرق العربي فأغلبهم يدرس المواد الأدبية والتاريخ والحقوق والتربية، وأضاف الشيخ بأن الحكومة المؤقتة جادة في توجيه هؤلاء الطلبة (طلبة المشرق) إلى العلوم العصرية والمتخصصة. وقد أبدى الشيخ المدني مجموعة من الملاحظات عن حالة الطلبة، ولا سيما طلبة تونس، إن سيرة الطلبة الجزائريين عموما سيرة حسنة في كل مكان يدرسون فيه، والوزارة منشغلة بدراسة حالة الخريجين لسنة ١٩٥٨ - ١٩٥٩ (أول سنة من عمر الوزارة) لتوزيعهم على معاهد التخصص (لأننا نريد علماء كاملين متبحرين في كل علم وفي كل فن)، ولاحظ أن الطلبة أنفسهم يسيرون في الخط المرسوم لهم، وهو أن يكونوا بناة الجزائر المستقلة، وإن المجالات التي يتوجه إليها الطلبة حتى الآن هي المجالات العلمية (البيولوجيا، والتعدين، والهندسة بأنواعها، والكيمياء، والفيزياء ...) وابتداء من هذه السنة (١٩٥٩) بدأت, الوزارة توجه الطلبة لدراسة التخصصات المذكورة سواء في أوروبا أو في المشرق.

стр. 4603

أما عن طلبة تونس بالذات، فإلى جانب مسألة الفقر هناك الناجحون الذين لا يحصلون إلا على درجة (القريب من الحسن)، وبعض الطلبة لا ينالون الباكلوريا، وليس للطالب في تونس سكن يسمح له بالدراسة والتفوق، وتمنى الوزير لطلبة تونس التوجه أيضا نحو الشعب العصرية الخاصة حتى يمكنهم دخول الجامعات فيما بعد. وحول سؤال عن توجيه الطلبة إلى الصين للدراسة العلمية والتجربة الثورية أجاب الشيخ بأنه تناول ذلك مع سفير الصين بالقاهرة، وأن للحكومة الآن وفد في الصين سيتذاكر مع حكومتها حول الموضوع، وقال إنه يجب الاستفادة من تجربة الصين الاقتصادية والصناعية والعلمية (وكذلك غير الصين)، ولاحظ أنه يتمنى أن يرى خريجي الجزائر في مختلف جامعات العالم لأن ذلك أكثر فائدة للبلاد، ولكنه لاحظ أن الأولوية لتوفير السلاح للثورة، وأنه تمكن من حل مشاكل الطلبة في تونس (المطعم والسكن، وسد الضرورات) (١). ملاحظات على التعليم والجبهة كان على الثورة أن تعمل على جبهتين جبهة التحرير وجبهة التعليم، وكان الطلبة قد خرجوا من الجزائر، بعد أن جف فيها معين العلم، إلى مختلف الاتجاهات، فمنهم من قصد تونس والمغرب، ومنهم من قصد المشرق العربي، ومنهم من قصد أوروبا وأمريكا، وهناك التحاق فردي بالمؤسسات التعليمية وبعثات منظمة أشرفت عليها مثلا جمعية العلماء قبيل الثورة وفي عهدها الأول، وهناك منح كانت تمنح من قبل بعض الدول أو المنظمات الدولية للطلبة الجزائريين إما لأنهم في حالة تشرذم بعد إضرابهم الشهير عن التعليم سنة ١٩٥٦، وإما لأسباب ايديولوجية، وإما لأن بعض الدول شعرت أن الجزائر في طريقها إلى الاستقلال وعليها أن تأخذ مكانا لها في هذا البلد الواعد بكل خير.

стр. 4604

لذلك تكاثر عدد الطلبة الجزائريين في الخارج بالتدرج أثناء الثورة وتعددت تخصصاتهم، فكان المشرق العربي مثلا لتكوين المدرسين في اللغة العربية والثقافة الإسلامية في معظم الحالات، وكانت أوروبا لإعداد إطارات في مختلف العلوم والتكنولوجيا. وهناك ملاحظات نريد أن نبديها هنا قبل الدخول في التفاصيل وهي أن تشتت الطلبة الجزائريين جعلهم يلتحقون بالمعاهد العلمية في المشرق وفي أوروبا على أساس العطف والاستثناء وليس على أساس الكفاءة والدراسة المنتظمة، ولولا ذكاء الطالب الجزائري الفطري وحماسه للعلم المفقود في بلاده ولولا روح الثورة والطموح الوطني والشخصي لما نجح منهم إلا عدد ضئيل في الجامعات والمعاهد التي التحقوا بها. وتثبت الأرقام التي سنوردها أن عدد البلدان المستقبلة للطلبة الجزائريين كان يزداد مع الأيام وكذلك عدد الطلبة الدارسين، وهناك إحصاءات نعتبرها رسمية لأنها صادرة عن مؤسسة عامة للثورة هي وزارة الثقافة عندئذ، وهناك إحصاءات صادرة عن جهات أخرى كالجرائد والمجلات والأفراد نستعين بها أو نذكرها للتأكيد وتقديم وجهة نظر مخالفة أو مصححة، وليس لدينا إحصاء شمل كل سنوات الثورة لنستدل به على عنايتها بهذا الموضوع، فقد يكون هناك إحصاء من سنة كذا إلى سنة كذا وإحصاء آخر لا يشمل إلا المرحلة النهائية للثورة (١). رسم وزير التربية الجديد بعد الاستقلال صورة متشائمة لحالة التربية والتعليم في فاتح سنة ١٩٦٢ - ١٩٦٣، وهي السنة التي بدأت فيها الجزائر تمارس سيادتها على مؤسساتها التعليمية، فمن ناحية هناك تعليم كان في خدمة الاستعمار سواء في شكله العام أو في شكله التقني، فهو تعليم لا يخرج من

стр. 4605

المتعلمين إلا بالقدر الذي تحتاجه الإدارة، وكان حظ اللغة العربية حظا بائسا في بلاد لغتها العربية ودينها الإسلام حتى أن الوزير انتهى إلى أن أقل من ٣؟ من ميزانية التعليم كان يصرق على العربية، وهكذا عرفت الجزائر في خريف ١٩٦٢ مليوني طفل غير قادر على التمدرس، وزادت حرب التحرير من حدة الوضع، ولا يأخذ التعليم في الجزائر في العهد الاستعماري في الاعتبار مسألة الشخصية الوطنية (الهوية) بل بالعكس كان يعمل على إقبار هذه الهوية وطمسها بطريقة منظمة، ومن حيث الإحصاء فإن سنة ١٩٦١ - ١٩٦٢ مثلا لم يمارس التعليم التقني فيها سوى ١٤٠٠ من مجموع ١٤٠٠٠ تلميذ، بينما بلغ سكان الجزائر عندئذ عشرة ملايين، وإذن فإن التعليم كان في خدمة الاستعمار والاندماج (١). التعليم والسكان بلغ سكان الجزائر (القطر): ١٩٤٨ = ٨، ٦٨١، ٧٨٥ (مسلمون وأوروبيون). وفي سنة ١٩٥٤ بلغ عدد السكان ٩، ٥٢٩، ٧٢٦ نسمة، وقد ازداد هذا الرقم الأخير قد ازداد سنة ١٩٥٨. أما سكان مدينة الجزائر فقد بلغوا ٣٠٨، ٣٢١ نسمة سنة ١٩٤٨، وفي سنة ١٩٥٤ بلغوا ٣٥٥، ٠٤٠ ولكنهم قد بلغوا سنة ١٩٥٨ بين ٤٠٠، ٠٠٠ و ٤٢٠، ٠٠٠. إذا أضيفت الضواحي إلى سكان العاصمة (حسين داي، الحراش، القبة. بئر مراد رايس، بوزريعة، بولوغين، فإن سكان العاصمة سنة ١٩٥٤ قد وصلوا إلى ٥٧٠، ٠٨٦ ولكنهم قد يصلون سنة ١٩٥٨ بين ٦٥٠، ٠٠٠ و ٦٧٥، ٠٠٠. هذا النمو السكاني يقابله نمو في عدد المتعلمين، وقد نص البرنامج التعليمي لسنة ١٩٥٨ على أن الهدف من التعليم هو تخريج التلاميذ حتى يصل عددهم إلى (٢):

стр. 4606

مستوى التعليم .......... السنة .......... العدد الابتدائي .......... ١٩٥٣ .......... ٩٩١، ٣٩٧ / .......... ١٩٥٨ .......... ٨٨٦، ٤٨٦ / .......... ١٩٦٥ .......... ٠٠٠، ٣٠٠، ١ / .......... ١٩٥٣ .......... ١٢٨، ١١ التقني .......... ١٩٥٨ .......... ٤٦٠، ١٧ / .......... ١٩٦٥ .......... ٣٠٠، ٤٢ / .......... ١٩٥٣ .......... ٥٨٥، ٣٢ الثانوي .......... ١٩٥٨ .......... ٠٠٠، ٤١ / .......... ١٩٦٥ .......... ٧٠٠، ٥٨ / .......... ١٩٥٣ .......... ٤٩١٣ العالي .......... ١٩٥٨ .......... ٨١٥، ٤ (كذا) / .......... ١٩٦٥ .......... بياض بالأصل وقد ذكر الإحصاء أن إصلاح التعليم لسنة ١٩٥٨ سيؤدي إلى تخرج كذا وكذا سنة ١٩٦٥ فأهملناه هنا، ثم إنه لا يذكر التعليم العالي في هذه السنة، كما يلاحظ المرء أن عدد طلاب الجامعة لسنة ١٩٥٨ كان أخفض من العدد المسجل لسنة ١٩٥٣ ربما بسبب إضراب الطلبة الجزائريين (١).

стр. 4607

إحصاءات مجلة جون أفريك ولدينا إحصاء آخر أوردته مجلة (جوف أفريك) في نهاية الفترة التي أشرنا إليها، أي بين ١٩٦١ - ١٩٦٢، وهي أيضا سنة الاستقلال، فكانت النتيجة أن عدد الطلبة في مختلف البلدان لم يزد كثيرا، ولكننا عرفنا من خلالها ما تقدمه كل دولة على حدة سواء في البلاد العربية أو غيرها، وهذا الإحصاء قد نشرته - كما قالت المجلة - وزارة الداخلية الجزائرية في الحكومة المؤقتة: البلاد .......... العدد شمال إفريقيا المغرب .......... ٤٩ تونس (عربي) .......... ١٦٠ تونس (فرنسي) .......... ٩٢٩ البلاد العربية العراق .......... ١٢٢ الأردن .......... ١٤ الكويت .......... ٥١ ليبيا .......... ٢٠ مصر .......... ١٢٣ سورية .......... ٩١ البلاد الغربية ألمانا الاتحادية .......... ٧٧ بلجيكا .......... ٢٤ كندا .......... ١ إسبانيا .......... ١ (غير واضح) إيطاليا .......... ٥ النرويج .......... ٣ السويد .......... ١ سويسرا .......... ٤٣ أمريكا الشمالية .......... ٤٤ البلاد .......... العدد البلاد الاشتراكية ألبانيا .......... ٣ بولغاريا .......... ٢٣ ألمانيا الشرقية .......... ٦٤ المجر .......... ٩ بولندا .......... ٤ رومانيا .......... ٩ تشيكوسلوفاكيا .......... ٤٥ الاتحاد السوفياتي .......... ٤٨ يوغسالافيا .......... ٦٣ المجاميع شمال إفريقيا .......... ١١٣٨ البلاد العربية .......... ٤٢١ البلاد الغربية .......... ٣٠٩ البلاد الاشتراكية .......... ٢٦٨ المجموع الكلي .......... ٢١٣٠

стр. 4608

* الجزائر (حوالي) ٧٠٠. * فرنسا (حوالي) ١٢٠٠. ملاحظة هامة: يبدو أن هذه الإحصاءات تشمل طلبة الجامعات والثانويات كما تشمل مختلف التخصصات، أما بالنسبة للتخصصات فقد نشرت نفس المجلة (جون أفريك) إحصاء بذلك يرجع إلى نفس الفترة (١٩٦١ - ١٩٦٢). وإليك هذا الإحصاء الهام الذي جاء عشية الاستقلال، وهو يبين حصيلة الخبرة التي دخل بها الطلبة ميدان العمل في الجزائر المستقلة، فهل هي فعلا خبرة مدروسة ومفيدة؟ الآداب: ٢٤٣ الحقوق والاقتصاد: ٢٠٦ العلوم: ٥٣ الطب والصيدلة: ١٤٦ المهندسون التقنيون: ٢٧٠ فنون مختلفة: ٨ طلبة ثانويات: ١٢١٠ (١) ورغم التحري والتدقيق فإننا وجدنا بعض الأرقام التي لا تدل على الصحة المطلقة إذا قورنت بغيرها، مثلا وجدنا أن جامعة الجزائر كان بها ٨١٤ طالبا سنة ١٩٦٠، منهم ١١٧ طالبة، وأن الجامعة تضم ٦٥٥٣ طالبا منهم ٥٧٣٩ أوروبيا (غير مسلم)، أما عدد الموظفين في ميدان التعليم سنة ١٩٥٨ فالأساتذة بلغوا ١٧١ أستاذا، والمساعدون بلغوا ١٣٦ ومجموعهم ٣٠٧ موظفين، وفي المدرسة الوطنية للهندسة (بوليتكنيك؟) سنة ١٩٥٨ - ١٩٥٩ جزائريان فقط من

стр. 4609

بين ١١٥ دارس غير مسلمين، أما المدرسة العليا للتجارة فليس فيها جزائري واحد، وكل طلابها، وعددهم ٧٣ طالبا، غير مسلمين (١). إحصاءات أخرى وفي وثيقة ترجع إلى سنة ١٩٥٩ - ١٩٦١ وجدنا عدد الطلبة الجزائريين في التعليم العالي خارج الوطن موزعين على النحو التالي: - في بلدان المغرب العربي (المغرب وتونس وليبيا) حيث يدرسون بالعربية والفرنسية،: ١٩٥٩ - ١٩٦٠: ١١٠ طلاب، ١٩٦٠ - ١٩٦١: ١٨٠ طالبا. - في المشرق العربي (يشمل العراق وسوريا ومصر والكويت والأردن): سنة ١٩٥٩ - ١٩٦٠: ٣١٨ طالبا، ١٩٦٠ - ١٩٦١: ٣٧٨ طالبا. - في أمريكا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا) ١٩٥٩ - ١٩٦٠: ٢١ طالبا، ١٩٦٠ - ١٩٦١: ٣٩ طالبا. - في أوروبا الغربية (ألمانيا الاتحادية، بلجيكا، بريطانيا، النرويج، السويد) ١٩٦٠ - ١٩٥٩: ١٤٠ طالبا، ١٩٦٠ - ١٩٦١: ٢١٨ طالبا. - في أوروبا الشرقية (ألبانيا، بلغاريا، ألمانيا الشرقية، المجر، بولندا، رومانيا، تشيكلوفاكيا، الاتحاد السوفياتي، يوغسلافيا)، ١٩٥٩ - ١٩٦٠: ٢٠٣ طلبة، ١٩٦٠ - ١٩٦: ٢٤٤ طالبا. المجموع: ١٩٥٩ - ١٩٦٠: ٧٩٢ طالبا، ١٩٦٠ - ١٩٦١: ١، ٠٥٩ طالبا. ملاحظة: سيضاف إلى ذلك العدد التقريبي للطلبة الجزائريين في فرنسا نفسها (بما فيها جامعة الجزائر؟) وهو حوالي ٩٠٠ طالب، وبذلك يكون مجموع طلبة الجامعات الجزائريين خلال المدة المذكورة هو ١٠٥٩، ٩٠٠ = ٩٥٩، ١

стр. 4610

(أي حوالي ألفي طالب) (١). (الأرشيف الوطني، العلبة ٢٧). ونلاحظ أن هذا الإحصاء جاء بعد مرور أكثر من سنتين على ميلاد الحكومة المؤقتة ووجود وزارة للشؤون الثقافية، ثانيا رجوع الطلبة المضربين إلى الدراسة، ثالثا توفر بعض المنح الإضافية من الدول والمنظمات المانحة أو المتعاطفة مع الثورة الجزائرية، ومع ذلك نلاحظ أن النسبة في زيادة عدد الطلبة غير عالية. بعض الملاحظين قرأوا في سياسة الجبهة منذ ١٩٥٩ أن هناك خطة لإعداد إطارات المستقبل في الجزائر ليس فقط من الناحية العددية ولكن من الناحية الإيديولوجية أيضا، فقد نشرت جريدة (سالو بوبليك) التي تصدر في سويسرا مقالا طويلا عن الطلبة الجزائريين في التاريخ المذكور مستدلة على توجههم من الرقم الذي سجله الاتحاد السويسري لعدد الطلبة الجزائريين الذين مروا من هناك، وقد نقلت المعلومة عن نشرة تصدر في باريس وجاء في خاتمة مقالها أن أكثر من ٨٠٠ طالب جزائري مروا بمكتب الاتحاد بسويسرا، وأن قادة الاتحاد يتوقعون أن يرتفع العدد خلال السنة القادمة (١٩٦٠؟) إلى ١٥٠٠ أو ٢٠٠٠ طالب، وفسرت الجريدة ذلك التطور أن جبهة التحرير من جهة تستعد لكفاح طويل ولبناء الجزائر مستقبلا، ومن جهة أخرى فإنها هي الجهة الوحيدة التي تبذل جهدا لتأطير الطلبة، ذلك أن (تسعة أعشار الضباط الإداريين والسياسيين الجزائريين يتلقون تكوينا شيوعيا أو ماركسيا في الجامعات الأوروبية). التعليم العسكري وما دمنا نتحدث عن المدارس والبرامج فلنذكر أن الثورة أنشأت أيضا مدارس عسكرية خاصة بها في مختلف أنحاء القطر لتكوين ضباط جيش التحرير، وقد أجرت (المجاهد) تحقيقا صحفيا لأول مرة لكي ينشر في الصحافة

стр. 4611

العالمية، لأن الذين كتبوا عن الثورة لم يتمكنوا من دخول مدارسها، بصفتهم من الأجانب، ولو أنهم تمكنوا من كتابة تحقيقات عن جيش التحرير من الداخل، وأهم شيء يتعلمه (الطالب) في هذه المدارس العسكرية هو التدريب على استعمال السلاح، وللمدرسة ضابط مسؤول هو الذي تولى شرح البرنامج لمراسل المجاهد: عندهم جوالي ثلاثمائة (٣٠٠) شاب بين العشرين والثانية والعشرين سنة، وقد قضوا سنتين أو ثلاثة في ميدان القتال، والهدف هو أن يكونوا ضباطا لجيش التحرير يتمتعون بتكوين عسكري حديث، ويقتضي برنامج التدريب أن يقضوا بين سبعة وثمانية أسابيع كجنود يعملون تسع ساعات يوميا، فيتعلمون مختلف الأسلحة الفردية التي تغنم من العدو، والجنود الطلبة كلهم من المتطوعة، وهم يتعلمون الزحف على البطون مسافة ٨٠٠ متر، والقفز على الجدران، واجتياز الأسلاك الشائكة، واللوحة ذات الخمسة أمتار للسير المتوازن، وقد أضيفت مادة أخرى هي العوائق المكهربة. تستقبل المدرسة التي زارها مراسل المجاهد الرجال من ثلاث ولايات. وفيها ممرضون ممتازون يتعلمون في قاعة بنفس المدرسة، وكانوا عندئذ حوالي أربعين طالبا، وفي القاعة صور للتشريح الطبي، وهيكل عظمي وأدوات للجراحة وأنواع الأدوية (سمتها الجريدة مكتبة جامعية طبية)، وقد وجد المحقق - المراسل طبيبا يلقي محاضرة عن أولئك الطلبة، فروى له أن طلبته قد انتهوا من دروسهم العسكرية، وهم الآن في مرحلة التخصص في التمريض، وهم يعرفون الاتفاقيات الدولية وقواعد معاملة الأسرى في الحرب، وقد أوردت المجاهد صورة لمجموعة من الطلبة أثناء تكوينهم السريع لإسعاف جرحى المجاهدين. ولا شك أن هذا النوع من المدارس الذي يشمل التدريب العسكري والتعليم الطبي قد تكاثر كلما ازداد عدد الملتحقين به من جيش التحرير (١).

стр. 4612

ولم تكتف الثورة بإنشاء المدارس العسكرية بل بادرت إلى تنظيم دروس محو الأمية في كل مكان يرجع إليها، بما في ذلك السجون التي نظم فيها المساجين أنفسهم - كما سبق القول - وقاموا بتلقين بعضهم البعض دروسا في اللغة العربية والفرنسية، ومبادى العلوم والقرآن الكريم، وغيرها، وكل من يعرف كان يعلم من لا يعرف، وبالتدرج تحولت الدروس إلى مدارس متنقلة أحيانا وتحتوي على تجهيزات ومعلمين وإدارة، وقد اشترك في الدروس جنود جيش التحرير والمدنيون، وقد قيل إن عدد المدارس في الولاية الرابعة وحدها بلغ سنة ١٩٥٦، ١٢٠ مدرسة. ولم تكن هذه المدارس للدروس التقليدية فقط بل كانت للتوعية السياسية والتربية المدنية والإسلامية والوطنية، وقد أسهم الطلبة في هذه المدارس بعد انضمامهم للثورة، وقيل أيضا أن نسبة المتعلمين في الولاية الثالثة بين أعضاء جيش التحرير بلغت ٨؟ فكانوا هم الذين يسهرون على مختلف الأنشطة الثقافية والإدارية والسياسية (١). أنشطة الطلبة في تونس والمغرب أغلب الطلبة الجزائريين خارج بلادهم كانوا متمركزين في تونس حيث كان فيهم طلبة الزيتونة وطلبة المعاهد الأخرى، كما كان هناك طلبة في حالة انتظار لتوزيعهم على المشرق أو على أوروبا، سيما بعد الإضراب عن الدراسة في فرنسا والجزائر، وربما يأتي المغرب بعد تونس من حيث العدد، ثم مصر إذا أخذنا المشرق فقط بعين الاعتبار، وقد قيل إن حوالي ٤٠٠ طالب جزائري كانوا في الزيتونة عشية الثورة بينما كان في القرويين حوالي ١٨٦ وحوالي ٥٠ في مكذاس بين ١٩٦٠ - ١٩٦١ (٢).

стр. 4613

وكان طلبة المغرب العربي يتحركون داخل محيطهم أيضا، فبالإضافة إلى الرابطة التي تكونت بالقاهرة والتي كانت تستمد أفكارها من رؤية عبد الكريم الخطابي في وحدة كفاح المغرب العربي وعدم التفاوض مع الفرنسيين بلدا بلدا، فإن طلاب المنطقة كانوا يتجاوبون عبر قنوات متعددة حتى بعد استقلال البلدين الجارين للجزائر، ففي سنة ١٩٥٧ نظم اتحاد الطلبة الجزائريين واتحاد طلبة تونس ومنظمات ثقافية وقومية تونسية أخرى أسبوعا للتضامن مع الجزائر، وقام الطلبة الجزائريون في تونس بإضراب عن الطعام وتحصنوا بجامع الزيتونة، وزارت وفود الطلبة مقبرة الجلاز حيث أضرحة شهداء الجزائر وقرأوا عليهم فاتحة الكتاب، وألقى الشيخ الفاضل بن عاشور محاضرة تحت عنوان (حياة الجزائر في القومية الإسلامية)، كما حاضر في مناسبة أخرى الزعيم علي البلهوان، وتحدث الشيخ البشير العريبي (وهو من أصل جزائري ومن شيوخ الزيتونة) عن دعائم الوحدة بين أقطار المغرب العربي، كما تحدث في هذه المناسبة ممثل جبهة التحرير ولكن اسمه غير متوفر (١). وفي إحدى المظاهرات التي قام بها طلبة الجزائر في تونس رفعوا العلم الوطني بمناسية عيد الشباب التونس (مارس ١٩٥٦) وأنشدوا فيها نشيد شعب الجزائر مسلم، وفداء الجزائر، ومن جبالنا .. وحين وصلوا إلى وسط العاصمة حاولت الشرطة (الفرنسية) انتزاع العلم منهم لأنه علم (الفلاقة) فوقعت مصادمات بين الشرطة والجنود وتحولت المشاركة في عيد الشباب إلى مظاهرة استعملت خلالها فرنسا المدافع والرشاشات وغيرها من الأسلحة (٢). وخلال شهر أغسطس ١٩٥٨ انعقد مؤتمر بتونس يضم الاتحادات الطلابية الثلاثة (الجزائر وتونس والمغرب)، وقد صدرت عن المؤتمر لوائح من بينها

стр. 4614

لائحة سياسية تؤكد على وحدة الطلبة وتعلن عن تعلقهم بمبدأ توحيد المغرب العربي والعمل من أجله، كما أعلنوا أن بناء المغرب العربي يمر حتما باستقلال الجزائر، لذلك طلبت اللائحة من حكومتي تونس والمغرب العمل من أجل استقلال الجزائر، ومن أجل تشكيل جبهة مغاربية (١) ... وهناك مناسبات عديدة أخرى قام فيها طلبة الجزائر بتونس بأنشطة تدخل ضمن خدمة القضية الوطنية، من ذلك إحياء جمعية الطلبة الجزائريين لذكرى الشيخ عبد الحميد بن باديس، وقد صدرت نشرة بهذا العنوان تضم وقائع الذكرى، ثم ذكرى الأمير عبد القادر، وقع الحفل الأخير تحت إشراف مندوب عن جيش التحرير وجبهة التحرير وبحضور سفراء الدول العربية والمنظمات التونسية، ومندوب عن الحكومة التونسية، وتناول الكلمة مندوب الجيش والجبهة، وعيسى مسعودي كاتب عام جمعية الطلبة، والشيخ الفاضل بن عاشور والباحث عثمان الكعاك، وكلاهما من المتصلين على الدوام بالقضية الجزائرية، والشاعر أبو عبد الله صالح (صالح الخرفي)، وقد اقترح السيد الكعاك بهذه المناسبة إعادة رفات الأمير عبد القادر للجزائر المستقلة ودفنه في جامع كتشاوة الذي هو - كما قال - الآن كاتدرالية وإقامة تمثال للأمير في ساحة الشهداء حاليا (٢). وإثر تحطم طائرة روسية بثلاثة من الطلبة المغاربة أقام الطلبة اجتماع حداد على أرواحهم، ويبدو أن الطلبة الضحايا كانوا يمثلون الاتحادات، الثلاثة أو المكتب التنفيذي لجامعة طلبة شمال إفريقيا، ومهما يكن من شيء فقد تحطمت بهم الطائرة التي كانت عائدة بهم من بكين بعد حضورهم أحد

стр. 4615

المؤتمرات، وهم: مزور، والجعيدي، والشرقاوي (١). وبالإضافة إلى التطوع في جيش التحرير والعمل في المجال السياسي، كان للطلبة دورهم في إحياء الذكريات، والتضامن مع المضطهدين من إخوانهم، والمشاركة في المؤتمرات المحلية والمغاربية والعربية والدولية، والإسهام في الأسابيع التي تقام لجمع التبرعات لفائدة الثورة، وإلقاء المحاضرات وإقامة الندوات بإشراك أعيان كل بلد فيها لتوسيع التعريف بالقضية الجزائرية، وإنشاء الجرائد الحائطية والنشرات والمجلات الثقافية والإعلامية، والمشاركة بالكتابة فيها شعرا ونثرا، كما كان لهم في (صوت الجزائر) الوقع المجلجل والكلمات المدوية، فكان صوت عيسى مسعودي في تونس يهز السامعين ويقض مضاجع المستعمرين، وكان له إخوان يساعدونه ويمدونه بالمادة الخبرية، وكانت هناك أصوات أخرى مماثلة تنطلق من الرباط وطرابلس والقاهرة ودمشق وبغداد وعمان وغيرها من العواصم العربية، وتذيع بالعربية والفرنسية، وتقدم بالإضافة إلى الأخبار والتعاليق مواد في التاريخ والثقافة والأدب الذي يخدم القضية، وكانت الصحف والمجلات العربية تتحلى بكتاباتهم، وقد ظهرت لبعضهم تآليف حول شخصيات جزائرية تاريخية ودراسات عن الأدب الجزائري ورموزه إلى أن جاء الفتح وفاز الشعب بالشهادة والنصر. أما من طلبة الجزائر في المغرب فلا نملك إحصاء وافيا لعددهم ولا نمط معيشتهم ولا تعدد مراكزهم ولا من نشاطهم في الثورة إلا ابتداء من سنة ١٩٥٩، ففي مارس من هذه السنة زار المغرب وزير الثقافة عندئذ، الشيخ أحمد توفيق المدني لحل مشاكل الطلبة، ولم يفصل الشيخ المدني في حديثه عدد، الطلبة في جامع القرويين وخارجه، وإنما قال إنه التقى بطلبة القرويين الذين قدر عددهم بنحو ثلاث مائة (٣٠٠) طالب، واستمع لشكاواهم التي وصفها

стр. 4616

بالمرة، وانتهى إلى وجود حل لها، كما قال، لكن ماذا عن طلبة المدارس والمعاهد الأخرى؟ أما عن ممثل الوزارة في المغرب فهو السيد محمد الفرجاني خطاب، وعندما عقد الوزير جلسة عمل مع لجنة الطلبة حضرها أيضا ممثل جبهة التحرير، الشيخ محمد خير الدين، ورتب للطلبة شؤونهم المالية وخصص لهم منحا شهرية ... وقد ذكر الوزير أن مكتب اتحاد الطلبة الجزائريين قد خصص له مبلغا قدره ثلاثة آلاف فرنك (٣٠٠٠)، أي منحة ألف فرنك لـ ٢٦ طالبا بمدرسة الاتحاد المغربي للشغل، أما الباقون من طلبة القرويين الذين لم يدفع لهم فعددهم ١٣٤، وهكذا يفهم من توزيع المنح أن هناك طلبة جزائريين: ١ - في القرويين (يأخذون أكبر قسط من المنحة). ٢ - معهد مكناس. ٣ - مكتب الاتحاد العام في الرباط. ٤ - مدرسة الاتحاد المغربي للشغل (عددهم ٢٦ طالبا) (١). الطلبة في المشرق العربي عاش الطلبة الجزائريون عموما في شتات مستمر، فرغم انتمائهم إلى بلد واحد فإنهم كانوا لا يلتقون في جامعة أو اتحاد أو رابطة، كانت تفصلهم حواجز عديدة، لغوية وذهنية وجغرافية، فطلبة الجزائر في فرنسا مثلا ربما يشعرون بأنهم أقرب إلى زملائهم التونسيين والمغاربة في فرنسا من مواطنيهم الذين يدرسون في تونس أو المغرب (مراكش) أو مصر، لذلك نشأت جمعية لطلبة شمال إفريقيا في فرنسا تضم طلبة المغرب العربي منذ العشرينات من القرن العشرين، ولكنها لم تشمل طلبة الجزائر في تونس ومصر ومراكش، ونشأت جمعية الطلبة الجزائريين في تونس منذ الثلاثينات من القرن العشرين ولكنها لم تشمل طلبة الجزائر في فرنسا ونحوها، وقد تأسست كذلك جمعية طلبة الجزائر في العاصمة في العشرينات أيضا ولم تشمل طلبة الجزائر في البلدان المجاورة.

стр. 4617

وبعد الحرب العالمية الثانية تكاثر عدد الطلبة الجزائريين في البلدان العربية، ومنها تونس ومصر، فكان في تونس جمعية للطلبة الجزائريين معظم أعضائها من طلبة ابن باديس أو بتأثير من حركته ومن طلبة الزوايا وغيرهم، وقد سعى حزب الشعب إلى جذب الطلبة إلى صفوفه فانضم بعضهم إليه بينما بقي آخرون على حيادهم أو على ولائهم للحركة الإصلاحية، وقد نشط بعض طلبة الحزب سياسيا مما أثر أحيانا على تفرغهم للدراسة، وكانوا يعبرون عن ولائهم للحزب بالاجتماعات والأناشيد وتوزيع المنشورات والهتاف باسم مصالي الحاج، وأمام ذلك، وحتى لا تفقد جمعية العلماء تأثيرها على الطلبة الذين يمثلون جنودها في نشر التعليم العربي الحر، سعى قادتها إلى تكوين جمعية موازية شعارها الابتعاد عن السياسة والتفرغ للدراسة ثم الرجوع إلى الجزائر لنشر التعليم وفاء لروح ابن باديس، وكانت هذه الجمعية تدعى (جعية البعثة الزيتونية)، وكانت تتلقى التوجيهات والزيارات من أعضاء جمعية العلماء، وكان الذين يتخرجون من طلبتها من الزيتونة يجدون مكانهم في التعليم في مدارس الجمعية. إذا كان طلبة الجزائر في الجامعة والمعاهد العلمية الفرنسية (الجزائر وفرنسا) ينتمون غالبا إلى أبناء الفئة الموظفة في إدارة الاحتلال أو المتعاملة معها (القضاة والقياد والتجار والبرجوازية الصغيرة ...) فإن طلبة الجزائر في تونس والمغرب (ومن وصل منهم إلى المشرق) كانوا عادة من أبناء الفقراء، وهم أبناء أهل الزوايا والفلاحين وبعض العائلات التقليدية، كان الصنف الأول من الطلبة يدرسون لكي يتوظفوا مكان آبائهم أو يدخلوا ميدان السياسة والإعلام والتعليم الرسمي والمهن الحرة، أما زملاؤهم في تونس ومصر ومراكش فكانوا يدرسون غالبا وهم يعرفون أنه لا مكان لهم داخل إدارة الاحتلال، وأن دراستهم كانت حبا للثقافة العربية الإسلامية لذاتها وتعبيرا عن الانتماء إليها، فكانت الدراسة تعني لهم الهجرة والاغتراب، (من أجل العلم) وليس من أجل الخبز. فإذا جاء الخبز مع الهجرة لم يرفضوه وإذا لم يأت لم يتأسفوا عليه لأنهم لم يهاجروا من أجله أصلا، هذه الرؤيا العامة هي التي كانت سائدة في الطلبة

стр. 4618

الجزائريين عشية الثورة: جناحان لطائر واحد ولكنهما لا يلتقيان ولا يصفقان معا للوصول إلى غصن واحد (١). جاء في مصدر فرنسي موثق أن عدد الطلبة الجزائريين في الزيتونة بتونس حوالي ألف (١٠٠٠) وأن عددهم في القرويين بالمغرب حوالي ١٢٠ (مائة وعشرين)، وحوالي ١٥٠ (مائة وخمسين) في الأزهر بمصر، وأضاف المصدر إن هؤلاء الطلبة ينحدرون من عائلات أرستقراطية أو برجوازية، وأنهم درسوا في البداية في الكتاتيب القرآنية و (المدارس) التقليدية، وأنهم يدرسون بالعربية المختلفة عن العربية الشائعة في الجزائر ويتولون الوظائف القضائية التي تشرف عليها فرنسا، وهذه المعلومات كلها غير دقيقة ما عدا ربما ما يتعلق بالإحصاء (٢)، ذلك أن الوظائف القضائية لم تكن مفتوحة أمام المتخرجين من المعاهد الإسلامية، كما أنه من الخطأ أن نقول إن أبناء الكتاتيب والزوايا والفلاحين يمثلون البرجوازية أو ينحدرون من عائلات أرستقراطية. من نشاط الطلبة في المشرق العربي وإليك عينة مما قام به طلبة القاهرة من نشاط ثقافي وإعلامي، ضمن سلسلة من المحاضرات والندوات، في مقرهم بالقاهرة: الديموقراطية في الإسلام قدمها مالك بن نبي، محمد العيد آل خليفة قدمها أبو القاسم سعد الله، الثقافة الوطنية قدمها إبراهيم غافة، سياسة ديغول في الجزائر وموقف الثورة قدمها عدة بن قطاط، رسالة الطالب قدمها إبراهيم مزهودي، أحمد رضا حوحو ونضال الكلمة قدمها أبو القاسم سعد الله، دور المرأة الجزائرية في الثورة قدمها بوعلام الصديق، نظرية الحضارة قدمها مالك بن نبي، نظرات في تاريخ الجزائر العثمانية قدمها أحمد توفيق المدني، الكفاح النفسي قدمها أبو مدين الشافعي.

стр. 4619

وهناك مساهمات تاريخية وأدبية أخرى شارك فيها يحيى بوعزيز وصالح الخرفي والشيخ الإبراهيمي وعبد الله الركيبي والجنيدي خليفة ... كما كانت اللجنة الثقافية تستضيف أعلاما في الفكر والثقافة إلى ناديهم. منهم الناقد الدكتور عبد القادر القط الذي أشرف على ندوة لشعراء الطلبة الجزائريين، والشاعر أحمد عبد المعطي حجازي الذي ألقى قصيدته الشهيرة (أوراس)، وغير ذلك من الضيوف والأنشطة التي كانت تخدم الثورة في أبعادها الثقافية والفكرية والإسلامية (١). رابطة طلبة المغرب العربي بالإضافة إلى رابطة الطلبة الجزائريين في المشرق العربي فقد كانت هناك رابطة أخرى تسمى رابطة طلبة المغرب العربي، وهي كما يدل اسمها أوسع وأشمل من الأولى، وكانت قد أنشئت في القاهرة حوالي ١٩٥٧، أي بعد استقلال كل من تونس والمغرب، كان مقر هذه الرابطة في البداية هو ٣٦ شارع عبد الخالق ثروت، وهو مقر مكتب المغرب العربي السابق، ثم تحولت إلى مقر قريب منه وهو ٦ شارع بنك مصر، وقد وجدنا أن الحكومتين المصرية والسورية قد أعطت موافقتهما على قيام هذه الرابطة التي من أهدافها: خدمة القضية المغربية ... وإطلاع الرأي العام العربي عن الحالة في المغرب العربي ومحاربة الانتهازيين والاستغلاليين باسم جبهة التحرير، والسعي إلى توحيد القيادة السياسية والعسكرية في المغرب العربي، وخدمة الطلبة المغاربيين الذين يدرسون في المشرق، والابتعاد عن الحزبية والإيمان بوحدة المغرب العربي ومصيره والاستعداد لفدائه وتنفيذ أي عمل تطلبه الرابطة (٢) ...

стр. 4620

أما في دمشق فقد - تكونت أيضا رابطة لطلبة المغرب العربي خلال السنة الدراسية ١٩٥٦ - ١٩٥٧، وهي تتألف من خمسة طلاب عن كل بلد وبذلك كانت الهيئة المشرفة على الرابطة تتألف من خمسة عشر طالبا، اجتمع هؤلاء وانتخبوا من بينهم أمينا عاما وكاتبا وأمينا للمال، وتولى أحد الطلبة التونسيين الأمانة العامة ولكنها لم تلبث أن آلت إلى محمد برادة من المغرب، وابتداء من ١٩٥٧ - ١٩٥٨ تولى النيابة محمد مهري من الجزائر لمدة سنة، كان مقر هذه الرابطة في ضاحية المزرعة بدمشق، وكان لها نشاط ثقافي واجتماعي يتناسب مع دورها كمنظمة طلابية فكانت تشارك الطلبة العرب نشاطهم وتدعوهم لنشاطها في مقرها حيث كانت تعقد الندوات والمحاضرات وتحضر رحلات السياحية والترفيهية، كما كان للرابطة أحيانا برنامج إذاعي في ركن المغرب العربي بالإذاعة السورية (١). رابطة الطلبة الجزائريين في القاهرة بعد اندلاع الثورة كانت استجابة فئة الطبة بالمشرق أسرع من استجابة زملائهم في فرنسا بحكم كره الأولين للاستعمار والبحث عن الهوية التي دمرها الاحتلال، وبحكم الاستعداد الفطري للنضال لعدم وجود ما يخسرونه من انضمامهم للثورة، وكانت ربما وسائل التعبئة أكثر تأثيرا في تونس ومصر مثلا، لأن سيطرة الإعلام الفرنسي لم يترك لطبة الجزائر الآخرين منفذا يرون فيه أنفسهم بينما وسائل التعبئة العربية والإسلامية كانت متوفرة لدى طلبة البلدان المجاورة والمشرق، يضاف إلى ذلك أن الطلبة الجزائريين في المشرق (والمغرب العربي) كانوا يعيشون أزمة فلسطين بروح لا يعيشها زملاؤهم في الجزائر وفرنسا، كما كانوا يعيشون ثورات وانتفاضات مصر وسوريا والعراق

стр. 4621

ونحوها بذهنية وتحليل ليس هو التحليل الذي يؤمن به الطلبة الآخرون، يضاف إلى ذلك بدء الثورة في المغرب وتونس قبل بدئها في الجزائر، ثم أحداث الفيتنام والهند وإيران، وكان وجود مكتب المغرب العربي بقيادة الأمير عبد الكريم الخطابي، ومكتب جمعية العلماء، ومكتب جبهة التحرير في القاهرة، قد فجر وضعا جديدا بين طلبة المشرق أنفسهم. ذلك ان الثورة قد أحدثت انشقاقا في صفوف طلبة البعثات التي بادرت جمعية العلماء إلى إرسالها قبل الثورة إلى كل من مصر والعراق وسوريا والكويت، وقد عمل مكتب جبهة التحرير في القاهرة على توسيع الخلاف بين الطلبة ومكتب جمعية العلماء ليجند الطلبة في الثورة بدل الدراسة عكس ما كان يعمل له مكتب الجمعية الذي كان على رأسه الشيخان الإبراهيمي والورتلاني، ويمكن القول إن المنافسة بين جمعية العلماء وحزب الشعب من أجل التأثير على الطلبة قد انتقلت إلى القاهرة، كما ساهم وقوف السلطات المصرية إلى جانب مكتب جبهة التحرير (مع ابن بلة بالخصوص) واتهام الشيخين بالانتماء إلى حركة الإخوان المسلمين المتهمة بدورها بمعاداة النظام المصري - قلنا ساهم في توسيع الشقة بين المكتبين وأحدث ذبذبة في الأوساط الطلابية. وأمام ذلك كان من الطبيعي أن يحاول الطلبة عموما تأليف جمعية أو رابطة بصفتهم الجزائرية أو كجزء من تنظيم يجمعهم أيضا بطلبة المغرب وتونس الذين يدرسون في مصر، وكانت مختلف الأطراف التي ذكرناها تتجاذب الطلبة، وأهمها الجذب الثوري، فقد جند مكتب جبهة التحرير عددا منهم سنة ١٩٥٥، فوصل عدد المتطوعين في هذه السنة وحدها سبعة وعشرين طالبا، ولحقت بهم مجموعة الباخرة (دينا) التي كان من ضمنها محمد بوخروبة (بومدين)، ثم مجموعة الباخرة (أطوس) التي كان من ضمنها الهادي حمدادو ومحمد صباغ ومحمد الطاهر شرفي (١).

стр. 4622

وعلى مستوى آخر شارك طلبة المشرق في مهرجان الشبيبة العالمي الذي انعقد في فارصوفيا (وارسو) في السنة المذكورة أيضا، كما شاركوا في مهرجان الشباب العربي الذي انعقد في الإسكندرية بمصر سنة ١٩٥٦ (١). وفي هذا التاريخ كان طلبة المشرق قد قطعوا مراحل في تجميع أنفسهم داخل تنظيم يتولى شؤونهم، ولعل بعضهم كان يرى أن إخوانهم طلبة الجزائر وفرنسا كانوا غير أحرار في اتخاذ قرارهم، أو كانوا غير مهتمين بغير أنفسهم، أو أن مستقبلهم مضمون، لأنهم - بالنسبة إلى طلبة المشرق المتقدمين عادة في السن - ما يزالون أغرارا يعيشون نوعا من المراهقة الفكرية، ولكن الأيام أن هذه النظرة كانت خاطئة وأن الإضراب وما تلاه قد برهنا على نضج فكري لدى طلبة الجامعات الفرنسية، وعلى إدخال الطالب إلى معترك الحياة والفصل بينه وبين الحياة الناعمة التي اعتاد عليها. ورغم نضج طلبة المشرق النسبي وانضمامهم المبكر إلى صفوف الثورة. كما لاحظنا، ورغم لعب طلبة تونس والمغرب دورا مبكرا في الكفاح وتهريب السلاح والعمل السري الخطير فإن تنظيم طلبة القاهرة في رابطة قد تأخر إلى

стр. 4623

يوليو سنة ١٩٥٦، ففي هذا التاريخ اجتمع الطلبة جامعيين وأزهريين، في مقر رابطة الطلبة الفلسطينيين وأعلنوا عن تأسيس الرابطة وانتخبوا مكتبا برئاسة منور مروش والكاتب العام عبد القادر بن قاسي، وقامت الرابطة بالتزاماتها نحو الطلبة والثورة إلى أن حان موعد التطوع المشار إليه، أي بعد سنة من تكوين الرابطة، فاجتمعت الجمعية وانتخبت مكتبا جديدا برئاسة بشير كعسيس، ومنذ ١٩٥٧ أصبح للرابطة مقر دائم وسط القاهرة وهو المقر الذي احتضن كل أنشطة الطلبة إلى ما بعد الاستقلال، ومنه انطلقت الرابطة أيضا للمشاركة في المهرجانات والتظاهرات والندوات مع الهيئات الفاعلة من أجل دعم الثورة بالتنسيق مع وفد جبهة التحرير بالقاهرة، وفي المقر نفسه كانت الرابطة تستقبل الطلبة الجزائريين الذين يفدون من تونس والمغرب أو من بلدان المشرق العربي حيث يدرسون، كما كانت تنسق نشاطها مع طلبة تونس والمغرب الذين يدرسون في القاهرة. من نشاط الطلبة في القاهرة جاء في ورقة محمد بلعيد عن نشاط رابطة الطلبة الجزائريين في القاهرة ما يلي: (وتطبيقا لما جاء في البرنامج كونت الرابطة لجنة ثقافية أسندت رئاستها إلى الأخ أبو القاسم سعد الله الذي بذل جهدا معتبرا في تنفيذ أجندة ثرية اشتملت على دعوة محاضرين وتنظيم ندوات وإحياء أمسيات شعرية تتمحور جميعها حول الجزائر وثقافتها، وقد حرصت اللجنة على أن يكون في مقدمة المدعوين لإلقاء المحاضرات مناضلون جزائريون كثر عددهم بمصر بعد تشكيل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، فكان من بين الذين أغنوا هذا النشاط بمساهماتهم الإخوة أحمد توفيق المدني، ومالك بن نبي، وإبراهيم مزهودي، وعباس بن الشيخ الحسين، وإبراهيم غافة، وعدة بن قطاط، وبوعلام أوصديق، كما شارك في ذلك الطلبة أنفسهم، وأذكر منهم أبو القاسم سعد الله ويحيى بوعزيز والجديدي خليفة، وأحيت اللجنة أمسيات شعرية نشطها شعراء عرب

стр. 4624

وجزائريون، وفي واحدة من تلك الأمسيات ألقى الشاعر المصري الكبير أحمد معطي حجازي ولأول مرة قصيدته الرائعة الأوراس، وشارك من الجزائريين الشاعران أبو القاسم سعد الله وحسن الصائم، وتشجيعا للطلبة على ممارسة فن الكتابة أصدرت اللجنة جريدة حائط تحولت إلى نشرة مطبوعة، كما نظمت دروسا باللغتين الفرنسية والانجليزية للمبتدئين وتطوع للقيام بهذه المهمة الأساتذة مصطفى هني (جزائري)، ومحمد الأمين غيطة (سنيغالي)، وعزمي لبيب (مصري)) (١). وإليك عينة مما قامت به رابطة الطلبة من نشاط ثقافي وإعلامي، ضمن سلسلة من المحاضرات والندوات، في مقر الرابطة بالقاهرة، مع عناوين محاضراتهم: الديموقراطية في الإسلام قدمها مالك بن نبي، محمد العيد آل خليفة قدمها أبو القاسم سعد الله، الثقافة الوطنية قدمها إبراهيم غافة، سياسة ديغول في الجزائر وموقف الثورة قدمها عدة بن قطاط، رسالة الطالب قدمها إبراهيم مزهودي، أحمد رضا حوحو ونضال الكلمة قدمها أبو القاسم سعد الله، دور المرأة الجزائرية في الثورة قدمها بوعلام الصديق، نظرية الحضارة قدمها مالك بن نبي، نظرات في تاريخ الجزائر العثمانية قدمها أحمد توفيق المدني، الكفاح النفسي قدمها أبو مدين الشافعي، وهناك مساهمات تاريخية وأدبية أخرى شارك فيها يحيى بوعزيز وحسن الصائم ... ثم في مرحلة لاحقة ساهم في هذا النشاط صالح الخرفي وعبد الله الركيبي والجنيدي خليفة سيما بعد أن تحولت الرابطة إلى فرع للاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين الذي سيأتي الحديث عنه. كما كانت اللجنة الثقافية تستضيف أعلاما في الفكر والثقافة إلى نادي

стр. 4625

الطلبة، منهم الناقد الدكتور عبد القادر القط الذي أشرف على ندوة لشعراء الطلبة الجزائريين، والشاعر أحمد عبد المعطي حجازي الذي ألقى قصيدته الشهيرة (أوراس)، وغير ذلك من الضيوف والأنشطة التي كانت تخدم الثورة في أبعادها الثقافية والفكرية والإعلامية (١)، ومن الأنشطة دعوة قادة الثورة وأعضاء الحكومة المؤقتة لزيارة النادي، وأذكر أن من بين الزائرين كريم بلقاسم وأحمد توفيق المدني والرائد رابح نوار وعبد السلام بلعيد، وللطلبة صور جماعية مشتركة معهم. وفي نفس الوقت كانت هناك لجنة تضم الطلبة الجزائريين في دمشق، ومعلوماتنا عنها قليلة رغم أنها واردة في عدة مصادر، منها كتابة محمد مهري - الذي شارك في تكوينها وقيادتها، وقد أورد الحديث عنها وهو بصدد الحديث عن تكوين رابطة الطلبة الجزائريين في المشرق العربي ، فقد كان رئيسا لهذه اللجنة عندما دعوا لعقد اجتماع لتأسيس الرابطة العامة، ونحن نفهم من كلامه أنه كانت هناك روابط في القاهرة والكويت والعراق أيضا، بخلاف دمشق التي كان التنظيم فيها يسمى لجنة. رابطة الطلبة الجزائريين في المشرق العربي أما رابطة الطلبة الجزائريين في المشرق العربي فقد تأسست في دمشق وحضر اجتماعها التأسيسي ممثلون عن مختلف الروابط الطلابية في مصر وسورية والعراق والكويت، ولماذا الاجتماع في سورية؟ يجيب الطلبة الذين حضروا الاجتماع بأن سورية واقعة في الوسط بالنسبة للعواصم العربية المذكورة، ويفسر بعضهم ذلك بالأسباب المادية، وبعضهم يفسره بأسباب سياسية لأن قوانين مصر أكثر تعقيدا في إنشاء الجمعيات من قوانين سورية، كما أن هذه كانت مفتوحة فكريا وقوميا أكثر من مصر، ولسورية استعداد خاص لتبني المبادرات الجزائرية لأسباب تاريخية معروفة، ولكن الذي يجب أن يذكر
следующие страницы →