ونحوها بذهنية وتحليل ليس هو التحليل الذي يؤمن به الطلبة الآخرون، يضاف إلى ذلك بدء الثورة في المغرب وتونس قبل بدئها في الجزائر، ثم أحداث الفيتنام والهند وإيران، وكان وجود مكتب المغرب العربي بقيادة الأمير عبد الكريم الخطابي، ومكتب جمعية العلماء، ومكتب جبهة التحرير في القاهرة، قد فجر وضعا جديدا بين طلبة المشرق أنفسهم. ذلك ان الثورة قد أحدثت انشقاقا في صفوف طلبة البعثات التي بادرت جمعية العلماء إلى إرسالها قبل الثورة إلى كل من مصر والعراق وسوريا والكويت، وقد عمل مكتب جبهة التحرير في القاهرة على توسيع الخلاف بين الطلبة ومكتب جمعية العلماء ليجند الطلبة في الثورة بدل الدراسة عكس ما كان يعمل له مكتب الجمعية الذي كان على رأسه الشيخان الإبراهيمي والورتلاني، ويمكن القول إن المنافسة بين جمعية العلماء وحزب الشعب من أجل التأثير على الطلبة قد انتقلت إلى القاهرة، كما ساهم وقوف السلطات المصرية إلى جانب مكتب جبهة التحرير (مع ابن بلة بالخصوص) واتهام الشيخين بالانتماء إلى حركة الإخوان المسلمين المتهمة بدورها بمعاداة النظام المصري - قلنا ساهم في توسيع الشقة بين المكتبين وأحدث ذبذبة في الأوساط الطلابية.
وأمام ذلك كان من الطبيعي أن يحاول الطلبة عموما تأليف جمعية أو رابطة بصفتهم الجزائرية أو كجزء من تنظيم يجمعهم أيضا بطلبة المغرب وتونس الذين يدرسون في مصر، وكانت مختلف الأطراف التي ذكرناها تتجاذب الطلبة، وأهمها الجذب الثوري، فقد جند مكتب جبهة التحرير عددا منهم سنة ١٩٥٥، فوصل عدد المتطوعين في هذه السنة وحدها سبعة وعشرين طالبا، ولحقت بهم مجموعة الباخرة (دينا) التي كان من ضمنها محمد بوخروبة (بومدين)، ثم مجموعة الباخرة (أطوس) التي كان من ضمنها الهادي حمدادو ومحمد صباغ ومحمد الطاهر شرفي (١).
стр. 4622
وعلى مستوى آخر شارك طلبة المشرق في مهرجان الشبيبة العالمي الذي انعقد في فارصوفيا (وارسو) في السنة المذكورة أيضا، كما شاركوا في مهرجان الشباب العربي الذي انعقد في الإسكندرية بمصر سنة ١٩٥٦ (١).
وفي هذا التاريخ كان طلبة المشرق قد قطعوا مراحل في تجميع أنفسهم داخل تنظيم يتولى شؤونهم، ولعل بعضهم كان يرى أن إخوانهم طلبة الجزائر وفرنسا كانوا غير أحرار في اتخاذ قرارهم، أو كانوا غير مهتمين بغير أنفسهم، أو أن مستقبلهم مضمون، لأنهم - بالنسبة إلى طلبة المشرق المتقدمين عادة في السن - ما يزالون أغرارا يعيشون نوعا من المراهقة الفكرية، ولكن الأيام أن هذه النظرة كانت خاطئة وأن الإضراب وما تلاه قد برهنا على نضج فكري لدى طلبة الجامعات الفرنسية، وعلى إدخال الطالب إلى معترك الحياة والفصل بينه وبين الحياة الناعمة التي اعتاد عليها. ورغم نضج طلبة المشرق النسبي وانضمامهم المبكر إلى صفوف الثورة. كما لاحظنا، ورغم لعب طلبة تونس والمغرب دورا مبكرا في الكفاح وتهريب السلاح والعمل السري الخطير فإن تنظيم طلبة القاهرة في رابطة قد تأخر إلى
стр. 4623
يوليو سنة ١٩٥٦، ففي هذا التاريخ اجتمع الطلبة جامعيين وأزهريين، في مقر رابطة الطلبة الفلسطينيين وأعلنوا عن تأسيس الرابطة وانتخبوا مكتبا برئاسة منور مروش والكاتب العام عبد القادر بن قاسي، وقامت الرابطة بالتزاماتها نحو الطلبة والثورة إلى أن حان موعد التطوع المشار إليه، أي بعد سنة من تكوين الرابطة، فاجتمعت الجمعية وانتخبت مكتبا جديدا برئاسة بشير كعسيس، ومنذ ١٩٥٧ أصبح للرابطة مقر دائم وسط القاهرة وهو المقر الذي احتضن كل أنشطة الطلبة إلى ما بعد الاستقلال، ومنه انطلقت الرابطة أيضا للمشاركة في المهرجانات والتظاهرات والندوات مع الهيئات الفاعلة من أجل دعم الثورة بالتنسيق مع وفد جبهة التحرير بالقاهرة، وفي المقر نفسه كانت الرابطة تستقبل الطلبة الجزائريين الذين يفدون من تونس والمغرب أو من بلدان المشرق العربي حيث يدرسون، كما كانت تنسق نشاطها مع طلبة تونس والمغرب الذين يدرسون في القاهرة.
من نشاط الطلبة في القاهرة
جاء في ورقة محمد بلعيد عن نشاط رابطة الطلبة الجزائريين في القاهرة ما يلي:
(وتطبيقا لما جاء في البرنامج كونت الرابطة لجنة ثقافية أسندت رئاستها إلى الأخ أبو القاسم سعد الله الذي بذل جهدا معتبرا في تنفيذ أجندة ثرية اشتملت على دعوة محاضرين وتنظيم ندوات وإحياء أمسيات شعرية تتمحور جميعها حول الجزائر وثقافتها، وقد حرصت اللجنة على أن يكون في مقدمة المدعوين لإلقاء المحاضرات مناضلون جزائريون كثر عددهم بمصر بعد تشكيل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، فكان من بين الذين أغنوا هذا النشاط بمساهماتهم الإخوة أحمد توفيق المدني، ومالك بن نبي، وإبراهيم مزهودي، وعباس بن الشيخ الحسين، وإبراهيم غافة، وعدة بن قطاط، وبوعلام أوصديق، كما شارك في ذلك الطلبة أنفسهم، وأذكر منهم أبو القاسم سعد الله ويحيى بوعزيز والجديدي خليفة، وأحيت اللجنة أمسيات شعرية نشطها شعراء عرب
стр. 4624
وجزائريون، وفي واحدة من تلك الأمسيات ألقى الشاعر المصري الكبير أحمد معطي حجازي ولأول مرة قصيدته الرائعة الأوراس، وشارك من الجزائريين الشاعران أبو القاسم سعد الله وحسن الصائم، وتشجيعا للطلبة على ممارسة فن الكتابة أصدرت اللجنة جريدة حائط تحولت إلى نشرة مطبوعة، كما نظمت دروسا باللغتين الفرنسية والانجليزية للمبتدئين وتطوع للقيام بهذه المهمة الأساتذة مصطفى هني (جزائري)، ومحمد الأمين غيطة (سنيغالي)، وعزمي لبيب (مصري)) (١).
وإليك عينة مما قامت به رابطة الطلبة من نشاط ثقافي وإعلامي، ضمن سلسلة من المحاضرات والندوات، في مقر الرابطة بالقاهرة، مع عناوين محاضراتهم: الديموقراطية في الإسلام قدمها مالك بن نبي، محمد العيد آل خليفة قدمها أبو القاسم سعد الله، الثقافة الوطنية قدمها إبراهيم غافة، سياسة ديغول في الجزائر وموقف الثورة قدمها عدة بن قطاط، رسالة الطالب قدمها إبراهيم مزهودي، أحمد رضا حوحو ونضال الكلمة قدمها أبو القاسم سعد الله، دور المرأة الجزائرية في الثورة قدمها بوعلام الصديق، نظرية الحضارة قدمها مالك بن نبي، نظرات في تاريخ الجزائر العثمانية قدمها أحمد توفيق المدني، الكفاح النفسي قدمها أبو مدين الشافعي، وهناك مساهمات تاريخية وأدبية أخرى شارك فيها يحيى بوعزيز وحسن الصائم ... ثم في مرحلة لاحقة ساهم في هذا النشاط صالح الخرفي وعبد الله الركيبي والجنيدي خليفة سيما بعد أن تحولت الرابطة إلى فرع للاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين الذي سيأتي الحديث عنه.
كما كانت اللجنة الثقافية تستضيف أعلاما في الفكر والثقافة إلى نادي
стр. 4625
الطلبة، منهم الناقد الدكتور عبد القادر القط الذي أشرف على ندوة لشعراء الطلبة الجزائريين، والشاعر أحمد عبد المعطي حجازي الذي ألقى قصيدته الشهيرة (أوراس)، وغير ذلك من الضيوف والأنشطة التي كانت تخدم الثورة في أبعادها الثقافية والفكرية والإعلامية (١)، ومن الأنشطة دعوة قادة الثورة وأعضاء الحكومة المؤقتة لزيارة النادي، وأذكر أن من بين الزائرين كريم بلقاسم وأحمد توفيق المدني والرائد رابح نوار وعبد السلام بلعيد، وللطلبة صور جماعية مشتركة معهم.
وفي نفس الوقت كانت هناك لجنة تضم الطلبة الجزائريين في دمشق، ومعلوماتنا عنها قليلة رغم أنها واردة في عدة مصادر، منها كتابة محمد مهري - الذي شارك في تكوينها وقيادتها، وقد أورد الحديث عنها وهو بصدد الحديث عن تكوين رابطة الطلبة الجزائريين في المشرق العربي ، فقد كان رئيسا لهذه اللجنة عندما دعوا لعقد اجتماع لتأسيس الرابطة العامة، ونحن نفهم من كلامه أنه كانت هناك روابط في القاهرة والكويت والعراق أيضا، بخلاف دمشق التي كان التنظيم فيها يسمى لجنة.
رابطة الطلبة الجزائريين في المشرق العربي
أما رابطة الطلبة الجزائريين في المشرق العربي فقد تأسست في دمشق وحضر اجتماعها التأسيسي ممثلون عن مختلف الروابط الطلابية في مصر وسورية والعراق والكويت، ولماذا الاجتماع في سورية؟ يجيب الطلبة الذين حضروا الاجتماع بأن سورية واقعة في الوسط بالنسبة للعواصم العربية المذكورة، ويفسر بعضهم ذلك بالأسباب المادية، وبعضهم يفسره بأسباب سياسية لأن قوانين مصر أكثر تعقيدا في إنشاء الجمعيات من قوانين سورية، كما أن هذه كانت مفتوحة فكريا وقوميا أكثر من مصر، ولسورية استعداد خاص لتبني المبادرات الجزائرية لأسباب تاريخية معروفة، ولكن الذي يجب أن يذكر
стр. 4626
هنا هو أن سورية ومصر في وقت تكوين الرابطة (سبتمبر ١٩٥٨) كانتا في وحدة تتشكل منها الجمهورية العربية المتحدة.
ومهما كان الأمر فإن ممثلي الروابط شعروا بضرورة إنشاء تنظيم يوحدهم ويمدهم بالمعلومات عن الثورة وينسق نشاطهم إزاء جبهة التحرير الوطني، فاتفقوا على أن يحمل التنظيم الجديد اسم (رابطة الطلبة الجزائريين في المشرق العربي)، ويبدو أن العلاقة مع الاتحاد لم تكن في أجندة المجتمعين عندئذ، وقد وضع المجتمعون خطة عمل تتضمن المراحل والأهداف، كما وضعوا مشروع القانون الأساسي للرابطة وهو ينص على أن يكون للرابطة مجلس إداري من اثني عشر عضوا بمعدل ثلاثة عن كل رابطة، ولجنة تنفيذية من ثلاثة أعضاء هم مندوبو رابطة القاهرة وينتخبهم المجلس الإداري، وهم الرئيس والأمين العام وأمين المال، كما كتبوا إلى مكاتب الفروع لتعين ثلاثة يمثلونها في المجلس الإداري.
وجهت لجنة دمشق الدعوة للروابط في مصر والعراق والكويت لحضور الاجتماع التأسيسي للرابطة التي هدفها توحيد الطلبة في المنطقة العربية ووضع حد لسياسة التهميش التي سلكها اتحاد الطلبة الجزائريين وبعض الجهات الأخرى نحو طلبة المشرق، دام الاجتماع ثلاثة أيام في مقر رابطة طلبة المغرب العربي، وقد أعلنوا بعده عن ميلاد الرابطة، على أن يكون مقرها القاهرة، ويذكر محمد مهري أنهم اتفقوا على أن يتولى علي مفتاحي رئاسة الرابطة، ولكن مهري لم يتحدث عن أعضاء مكتب الرابطة (١).
وبناء على ما تم في دمشق اجتمع أعضاء رابطة القاهرة (التي أصبحت فرعا) يوم ٣١ أكتوبر ١٩٥٨ في القاهرة وانتخبوا منهم ثلاثة هم: علي مفتاحي، وسعد الدين نويوات ومحمد الأخضر بلعيد بصفتهم ممثلين في المجلس الإداري للرابطة الجديدة، كما انتخبوا هيئة فرع القاهرة فكانت كالتالي: بشير
стр. 4627
كعسيس رئيسا، وأرزقي صالحي نائبا له، ونور عبد القادر كاتبا، ومحمد بن عقيلة أمينا للمال، وأحمد فرجاج للشؤون الاجتماعية، وقد حصل مثل ذلك في مختلف الفروع، فقد تحولت كلها من روابط إلى فروع للرابطة الأم، وانتخب كل فرع هيئته المسيرة من جهة ومندوبيه الثلاثة في المجلس الإداري للرابطة من جهة أخرى.
وطبقا لما كان مقررا فقد اجتمع المجلس الإداري للرابطة في دمشق في شهر مارس ١٩٥٩، وحضره المنتخبون الثلاثة من القاهرة (مفتاحي ونويوات وبلعيد)، وحضره ثلاثة من سورية (الهاشمي قدوري، وعبد العزيز سعد، وعبد الرحمن شطيطح)، كما حضره ثلاثة من الكويت (محمد عرباجي، وعبد العزيز يعقوبي، ومهدي الغوثي)، أما عن بغداد فقد حضر محمد الصالح شيروف فقط، وقد أقروا القانون الأساسي، ودرسوا وسائل التلاحم بين الطلبة وتبادل المعلومات وتحسين ظروف الطلبة الاجتماعية وطرق المشاركة في دعم الثورة، كما قرروا المشاركة في مؤتمر الطلبة العرب الذي كان يحضر له في القاهرة في نفس الشهر (مارس)، وفعلا انعقد المؤتمر في القاعة الكبرى بجامعة القاهرة وكلف علي مفتاحي بإلقاء كلمة الرابطة في الجلسة الافتتاحية، فكانت هذه المشاركة أول ظهور للرابطة على المستوى الإقليمي، ومن بين الجزائريين الذين حضروا في القاعة عبد السلام بلعيد وبوزيان التلمساني ورابح التركي، وكان عبد السلام بلعيد هو مدير مكتب وزير الثقافة عندئذ، وبعد الخروج من القاعة انتقد عبد السلام بلعيد مستوى وعي الطلبة العرب مما جعل النقاش يحتد بينه وبين رابح التركي إلى درجة العنف.
ويبدو أن وزارة الثقافة المسؤولة على الطلبة لن تسكت عن وجود تنظيمين طلابيين في وقت تتوحد فيه الجهود لتوحيد الصفوف دفاعا عن الوطن، لذلك استدعى الوزير أحمد توفيق المدني مسؤولي الرابطة وطلب منهم حلها لأنها جلبت الكثير من ردود الفعل غير الحسنة، فطلبوا منه عقد مؤتمر يجمع جميع الطلبة فوعدهم بتحقيق ذلك في القريب وبدعم علاقاتهم باللجنة التنفيذية
стр. 4628
للاتحاد العام، كما وعدهم بحظ أوفر من المشاركة في كل أنشطة الاتحاد، ولكنهم لم يعطوه وعدا صريحا بشأن مستقبل الرابطة متذرعين بمسألة قانونية وهي أن عليهم الرجوع في أي قرار إلى الجمعيات العامة في كل فرع من فروع الرابطة، ومع ذلك ظل يلح عليهم بضرورة حل الرابطة.
ولعل هذه النهاية التي انتهت إليها مقابلة الوزير هي التي تفسر محتوى التقرير الذي كتبته اللجنة التنفيذية للاتحاد عن الرابطة وعن طلبة القاهرة خصوصا وطلبة المشرق العربي عموما، فهو تقرير لو نفذت توصياته لكانت له عواقب وخيمة، ولكن من حسن الحظ أنه وضع على الرف حال وصوله إلى مكتب وزيري الداخلية والثقافة، وسنعود إلى هذا التقرير بالعرض والتحليل، (انظر لاحقا)، والشيء المؤكد هو أن انعقاد المؤتمر الرابع للاتحاد في تونس بعد سنة وانتقال اللجنة التنفيذية من لوزان إلى تونس كان نتيجة هذه (الأزمة) بين الرابطة واللجنة التنفيذية للاتحاد، ويغلب على الظن أن مصالح بوصوف لها دور في التعجيل بعقد المؤتمر الرابع.
لقد تضافرت الجهود لتحقيق وحدة الطلبة، وكان منها لقاء عبد الحفيظ بوصوف في القاهرة برئيس الرابطة وكاتبها العام وكلامه المبطن بالوعد والوعيد، كما ضغط عليهم وزير الثقافة، وانهالت عليه ضغوطات أخرى من مختلف الجهات لكي تقرر الرابطة حل نفسها وتنضم إلى الاتحاد مع الوعد الرسمي بعقد المؤتمر الجامع، وهكذا اجتمعت الرابطة في القاهرة يوم ١٥ يونيو ١٩٥٩، أي بعد حوالي ثلاثة أشهر ونصف فقط من تأسيسها وقررت دعوة الجمعية العامة يوم ٢٠ منه للانعقاد، وبعد شرح وتوضيح تقرر حل الرابطة وتحويل فرعها في القاهرة إلى فرع للاتحاد، وكذلك فعلت الفروع الأخرى في سورية والعراق والكويت، وبذلك انتصرت الإرادة الثورية وتأجلت القضايا التي كانت محل شكوى إلى المؤتمر الرابع أو بعد تحرير الجزائر نفسها، وبعد سنة انعقد المؤتمر الرابع في تونس وحضرته فروع الاتحاد في عواصم العالم ومنها فروع القاهرة ودمشق والعراق والكويت، وكان عددها ينوف على
стр. 4629
العشرين فرعا، (انظر لاحقا).
علق محمد مهري على المفاوضات التي أدت إلى حل الرابطة بقوله: كان هناك عدم ثقة بين طلبة المشرق والاتحاد ترتب عليه نشوء توتر بين الطرفين، بل إن مسؤولي الثورة لم يتخلصوا من هذه النظرة الاستعلائية والمتحيزة نحو طلبة المشرق، وكانوا يجهلون دور هؤلاء، ويعتقد أعضاء الاتحاد أن الرابطة هي صدى للأحزاب المشرقية، أما الحكومة المؤقتة فقد مالت إلى الاتحاد لأنها تحمل ذات ميول الاتحاد، لذلك ضغطت على وزير الثقافة أحمد توفيق المدني من أجل حل الرابطة وانضمام طلبتها للاتحاد، وقد طمأن الطلبة في القاهرة فوافقوا على حلها بشرط قبول طلبة دمشق، فأرسل إليهم الوزير ممثله بوزيان التلمساني الذي اتفق معهم على عقد مؤتمر يضم كافة الطلبة سنة ١٩٦٠ وعلى أن يصلهم التعهد الرسمي قبل حل الرابطة، وفعلا وصلتهم البرقية بذلك، وعندئذ أصبحوا فرعا للاتحاد (وكذلك فعل زملاؤهم في الروابط الأخرى (١).
كان طلبة الرابطة يرون أنفسهم أحق بالقيادة لأنهم سباقون إلى الثورة ولأنهم يمثلون الوجه الحضاري للجزائر العربية المسلمة، فهم الذين اتخذوا المبادرات الثورية وضحوا براحتهم حين تطوعوا للثورة وهاجروا من أجل تعلم لغة وثقافة الوطن، وأنهم هم الأعداء الحقيقيون للاستعمار، وأنهم كانوا يعانون البؤس والشقاء في المشرق حيث يعيشون على موارد ضئيلة شهد الجميع على أنها أقرب إلى الصدقات والإحسان منها إلى المنح والتكفل.
أما زملاؤهم الذين أنشأوا الاتحاد (أنظر لاحقا) فكانوا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم ربما الأحق بانضمام زملائهم في المشرق إليهم، لأنهم هم
стр. 4630
الذين يعيشون تحت رعب الشرطة الفرنسية وينشطون في السرية بعد حل الاتحاد، وهم الذين أضربوا عن الدروس تضحية منهم من أجل الثورة، وأنهم منذ مؤتمر الصومام أخذوا مكانهم في صفوف الثورة سواء في داخل الجزائر أو خارجها، كما أنهم هم الذين يمثلون الطلبة الجزائريين على المستوى الدولي، وأنهم يعيشون كالمشردين في عواصم العالم، ولاسيما باريس ولوزان.
إننا لا نعتقد أن هناك خلفيات أخرى للتوتر الذي حدث بين طلبة الجزائر شرقا وغربا، حقا لقد كان هناك خلفية مؤتمر الصومام التي وجهت دفة الثورة نحو الداخل وليس نحو الخارج، وربما نحو الغرب وليس نحو الشرق، ولكن تأثير تلك الخلفية لم يكن واضحا إلا ربما في تونس والقاهرة، وإلى حد ما في باريس ولوزان، وهناك خلفية التيار العروبي والإسلامي الذي يريد أن يحتفظ بالطلبة الجزائريين كورقة ضغط، فمصر تعرف أن قيادة الشباب لها المستقبل وأن التيار الموالي لابن بلة قد ضرب بقوة بتغييبه عن مؤتمر الصومام ثم باعتقاله مع زملائه، وكانت القاهرة، ولا سيما بعد تحقيق الوحدة مع سوريا (فبراير ١٩٥٨) قد أصبحت محجة للشباب العربي النشيط أو المنشط، ممثلا في اتحادات الطلبة غير المعترف بها حتى في بلدانها، كاتحاد طلاب الأردن واتحاد طلاب فلسطين، ثم اتحاد الطلبة العرب وغيره من التنظيمات الطلابية الغاضبة على نظمها، كالتنظيم الطلابي التونسي الموالي لصالح بن يوسف، والاتحاد الطلابي المغربي الموالي للأمير الخطابي.
أخذ هؤلاء الطلبة (في سوريا والعراق) ينسقون مع طلبة الكويت الذين أنشأوا رابطة لهم في سنة ١٩٥٥، أما طلبة سوريا فقد أنشأوا في نفس السنة لجنة الطلبة الجزائريين وهي اللجنة التي استمرت نظريا إلى قيام الرابطة في ٢٢ سبتمبر ١٩٥٨، وقد أثبتت اللجنة وجودها حين أرسلت برقية احتجاج إلى السلطات الفرنسية تعلن فيها تضامنها مع إخوانهم الطلاب في فرنسا والجزائر الذين كانوا يواجهون الاضطهاد والتعسف لإعلانهم الإضراب عن الطعام احتجاجا على سوء المعاملة، ونددت اللجنة بتدخل الطلبة الفرنسيين الحاقدين
стр. 4631
ضد الطلبة المضربين، وطلبت تدخل الرأي العام العربي والإسلامي والدولي لإطلاق سراح الطلبة والمعتقلين السياسيين، كما طالبت الحكومة الفرنسية بوقف خرافة (الجزائر فرنسية)، والتفاهم مع الممثلين الحقيقيين للجزائر على أساس الاستقلال (١) إن هذا بلا شك موقف ناضج أبدته لجنة الطلبة في سوريا بقطع النظر عن خلفية التوتر مع الاتحاد، فقد انتهت اللجنة بتكوين الرابطة التي أصبح مقرها الدائم في القاهرة بينما بقيت دمشق هي المقر الدائم للاجتماع (٢).
والواقع أن طلبة سوريا كانوا مبكرين في اتخاذ المواقف السياسية، ففي يونيو ١٩٥٥ وجدنا أحدهم، وهو علي عمار الذي كان يدرس في اللاذقية، يكتب رسالة إلى محمد خيضر طالبا معلومات وافية عن الجزائر لكي يقدمها إلى السوريين ليعرفهم بالثورة وبالجزائر المجهولة في المشرق عموما، وقال علي عمار إنه يعرف أحمد بن بلة منذ مروره بالقاهرة، أما خيضر فلم يره ولكنه سمع عن نضاله ووطنيته، وفي إجابته شكره خيضر وأحاله على عبد الحميد مهري في دمشق ليزوده بما يريد (٣).
وقبل أن نتحدث عن طلبة القاهرة والتقرير الخاص عن الرابطة نقول إن أخبار طلبة العراق ليست كثيرة في الوثائق التي اطلعنا عليها، وقد لاحظنا أنهم كانوا مشاركين في نشاط لجنة طلبة سوريا، ومن أخبارهم أنه كان في العراق قبل سنة ١٩٥٩ ثمانية وثلاثون طالبا، وقد طلب ممثل الجبهة في بغداد من الخارجية الجزائرية اتخاذ الإجراءات اللازمة لكي يمنح الأمن العراقي التأشيرة للطلبة لأنه لا بد من تحديد الجنسية على الجوازات، كما طلب ممثل الجبهة إعطاءه اسمي الطالبين الحاملين لورقة مرور مغربية (٤).
стр. 4632
وهناك طالب آخر يدعى (م، م) طلبت الخارجية الجزائرية من وزارة الثقافة اتخاذ إجراءات ضده لارتكابه أعمالا غير منسجمة مع سمعة الجزائر ومهمته العلمية، وقد أمر الطالب فعلا بالخروج من العراق والرجوع إلى القاهرة (١).
وضمن الملف السابق توجد حالة الطالب (ع، ب) الذي كان يدرس في بغداد والذي قيل إنه كان يجمع التبرعات باسم الرابطة، فقد كتب السيد سامي شعار إلى السيد أحمد (؟) عن هذه الحالة وطلب منه توضيحا للموقف والاهتمام بالموضوع مع كل من عبد الحمد مهري ومحمد الغسيري، وليس في هذه الرسالة مكان ولا تاريخ، ولكن مهري كتب ردا بشأنها إلى ممثل جبهة التحرير في سوريا عليها الختم الرسمي للجبهة، وهي موجهة إلى رئيس رابطة
الطلاب الجزائريين بالقاهرة ومؤرخة من دمشق في ٢٥ سبتمبر ١٩٥٧، وتتناول موضوع الطالب المذكور على أنه كان يجمع التبرعات في لبنان ويقدم للمتبرعين وصولات، وتطلب من رئيس الرابطة العمل فورا لاتخاذ اللازم (٢).
نشأة الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين (لوجيما)
سبق القول أن الطلبة الجزائريين في جامعة الجزائر والجامعات الفرنسية كانوا قد توحدوا في تنظيم خاص بهم منذ العشرينات من القرن العشرين، وكان فرحات، عباس رئيسا لهذا التنظيم فترة من الوقت، وكانت له نشرة تسمى (التلميذ) ثم تكونت جمعية لطلبة المغرب العربي (شمال افريقيا) فيها تونسيون
стр. 4633
ومراكشيون من أمثال الحبيب ثامر والمنجي سليم (تونس) وأحمد بلافريج ومحمد الفاسي وعلال الفاسي (مراكش)، وكانت الجمعية الأخيرة تضم الطلبة المغاربة في الجامعات الفرنسية بما فيها جامعة الجزائر التي كانت تعتبر جامعة فرنسية بحيث يسجل فيها طلبة المغرب وتونس أيضا في الطب والقانون والأدب ... وقد اختارت الجمعية أن تجتمع في حاضرة من حواضر الأقطار الثلاثة كل سنة تقريبا، كالجزائر وتلمسان والرباط وتونس، وحين اجتمعت في تلمسان كانت جلساتها برعاية الشيخ الإبراهيمي، ولهذه الجمعية نشرة تعرضنا إليها في أحد كتبنا (١).
إلى أي حد كانت الثورة تشكل دافعا للطلبة الجزائريين في الجامعات الفرنسية إلى إنشاء الاتحاد؟ هل كان وراء ذلك فكرة قديمة طالما راودت طلائع الطلبة وهي ضرورة إنشاء تجمع طلابي جزائري خارج اتحاد الطلبة الفرنسيين؟ هل كان الدافع هو التميز عن الطلبة الفرنسيين كما فعل - الكشافة والرياضيون والعمال؟ إلى أي مدى أيضا ساهمت الأحزاب وجمعية العلماء في بعث الوعي الوطني لدى الطلاب لكي ينفصلوا عن التنظيمات الفرنسية؟ فنحن إذا عدنا، مثلا - إلى جريدة (الشاب المسلم) نجدها تتميز بخطاب مختلف عن خطاب المنظمات والجرائد الأخرى، فهي جريدة تدعو إلى الوطنية والإصلاح وإلى العروبة والإسلام على غرار ما كانت تدعو إليه البصائر والمنار والجزائر الحرة ...
وكان الشيوعيون الجزائريون قد حاولوا إنشاء تنظيم طلابي ولكنه لم يكن فعالا، وأثناء ذلك كان في تونس أكثر من جمعية للطلبة الجزائريين كما كان طلبة المشرق يتململون ويحاولون تكوين تنظيم يمثلهم. لا شك أن مرور ثمانية أشهر على الثورة قد جعل الشباب الواعي في
стр. 4634
الجزائر وخارجها يفكر في إنشاء تنظيم طلابي يساير الروح الجديدة ويعطي للثورة صوتا إضافيا في المحافل الطلابية ويكون صوتا تجتمع من حوله الشبيبة المثقفة المؤهلة لخدمة الثورة، وقد بدأت الأمور تسير سيرا طبيعيا فأنشئت لجنة تحضيرية ثم انعقد مؤتمر انبثق عنه (الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين)، وعشية انعقاد هذا المؤتمر كتبت جريدة (البصائر) عن أهداف الاتحاد ما يلي:
أولا: تقريب الطلبة من بعضهم (في المشرق، في المغرب، في الجزائر. في فرنسا) لأن هناك تباعدا بينهم بسبب اللغة، بحيث هناك طلبة يدرسون بالعربية، وطلبة يدرسون بالفرنسية، والهدف من ذلك هو الوصول إلى توحيد مناهج التعليم مستقبلا في الجزائر.
ثانيا: وضع توجيه عام تسير عليه الجمعيات الطلابية الجزائرية في أي مكان، ومساندة بعضهم بعضا، وبذلك يتحاور الطلبة مع بعضهم سواء كانوا في السوربون أو في القرويين أو في الزيتونة أو في أي معهد أو جامعة أخرى.
ثالثا خلق جو يقرب الطلبة من مطالب الأمة (السياسية؟) والهيئة المثقفة من الشعب، فالاتحاد سيفتح أبوابه لجميع الطلبة بشرط إيمان الطالب: (بفكرة الجزائر كوطن إسلامي العقيدة، عربي الثقافة، شرقي الاتجاه،) وقد أعلنت البصائر أن الاجتماع الأول للاتحاد سينعقد في النصف الأول من شهر يوليو ١٩٥٥، أما من يرغب في مساندة المؤتمر ماديا فعليه الاتصال بجمعية الطلبة المسلمين الجزائريين بالجزائر (١).
وهكذا انعقد الاجتماع (سرا) كما تقول بعض الروايات في باريس بين ٨ و ١٤ يوليو ١٩٥٥، ومن بين أهداف الاتحاد غير المعلنة خدمة الثورة وخدمة اللغة العربية أساس الثقافة العربية، وإشراك الاتحاد في الحياة السياسية وعدم البقاء على الحياد في القضايا المصيرية، وأول رئيس للاتحاد هو أحمد طالب بن
стр. 4635
الشيخ الإبراهيمي (١).
ويتحدث كل من حضر أو شارك في إنشاء الاتحاد عن (المعركة) الحامية التي دارت من أجل كلمة (المسلمين) في عنوان الاتحاد، فقد اعترض عليها، - كما قيل - الشيوعيون والعلمانيون وتمسك بها الوطنيون والإصلاحيون، ولكن ما الفرق؟ يرى الوطنيون أن كلمة المسلمين تمثل الإيديولوجية الوطنية القائمة على الثلاثي (الجزائر - الإسلام - اللغة العربية)، ولولا ذلك لما كان الطلبة في حاجة إلى اتحاد خاص بهم إذ يمكنهم أن يكونوا ضمن الاتحاد العام للطلبة الفرسيين، فالجنسية الفرنسية محفوظة ومعترف بها للطلبة، سواء كانوا فرنسيين أو مسلمين، أما كلمة الجزائريين فهي التي لا يعترف بها الفرنسيون لهم وكان الشيوعيون يرون أن كلمة (المسلمين) تميز الطلبة الجزائريين عن بقية المجتمع بينما الأوروبيون هم جزء من نسيج الأمة الجزائرية التي هي بصدد الميلاد، في نظرهم.
ركز الاتحاد في أول نشرة على المسألة الثقافية قائلا (لقد جرد الطالب الجزائري من ثقافته العربية الإسلامية، ومن لغته التي هي اللغة العربية، وعليه أولا وقبل كل شيء أن يفرض شخصيته الجزائرية، وأن يطالب ويدافع عن تراثه الثقافي الذي ورثه عن الحضارة العربية) (٢).
ولقائل أن يقول لماذا لم ترد كلمة العرب في عنوان الاتحاد، وقد كان الفرنسيون أنفسهم يعترفون بهذا الاستعمال ويقرونه إذ أن الكلمة الشائعة عندهم للجزائري هي العربي والمسلم، ونرى أن ذلك السكوت عن كلمة العرب جاء لخدمة الوحدة الوطنية لأن المسألة البربرية كانت حية على مستوى حزب الشعب، وإلى حد ما على مستوى جمعية العلماء، وكان الحزب الشيوعي يستعملها ويغذيها قصدا للدلالة على أن هوية الجزائر لم تكتمل وأنها تتألف من
стр. 4636
عناصر العرب والبربر والفرنسيين (بمن فيهم اليهود)، وليس العرب وحدهم في مقابل الفرنسيين.
اضطهاد طلبة الاتحاد
تعرضت مكاتب اتحاد الطلبة في باريس وغيرها إلى التفتيش، واعتقلت الشرطة مسؤولي الاتحاد، وهم بين الخمسة والستة، وقادت هذه العملية إلى حركة احتجاج من فرع الاتحاد في تونس ومن الاتحادات الوطنية الأجنبية المؤيدة له، بما فيها اتحاد طلاب تونس، كما احتج الطلبة على حل الاتحاد وطالبوا بإطلاق سراح رئيسه عندئذ محمد خميستي، أما السلطات الفرنسية فقد اتهمت الاتحاد بأنه كان يعمل لصالح جبهة التحرير (١).
وفي نفس الفترة قتل الفرنسيون - حسب المجاهد - طالبة اسمها حميدو في تلمسان، مما أثار غضب أهل تلمسان فقاموا بمظاهرات احتجاجية، وقد فضح (صوت الجزائر) في حصة له بالإذاعة التونسية ما حدث للطالبة، وعندئذ فقط سارعت القيادة الفرنسية إلى الإعلان على أن الطالبة قتلت لأنها حاولت الفرار، وقد تساءلت المجاهد عن السبب في أن الفرنسيين لم يعلنوا عن قتلها إلا بعد إذاعة صوت الجزائر، ولماذا لم يعلنوا عن تقرير الطبيب الشرعي (٢).
إزاء حملة الاعتقالات لجأ الاتحاد إلى توجيه نداء إلى اتحاد الطلبة الفرنسيين وغيرهم للتدخل لصالحه والمساندة، فقد أوقفت الشرطة أحمد طالب الرئيس السابق للاتحاد والرئيس الشرفي له، والعياشي ياكر نائبه السابق، وكانت الاعتقالات قد توالت في صفوف الطلبة منذ مقتل الشهيد بلقاسم زدور في نوفمبر ١٩٥٤، وهو الذي كان يدرس في كلية دار العلوم بمصر والتحق بالثورة
стр. 4637
مبكرا، فقد ذكرت اللجنة التنفيذية في ندائها إلى اتحاد الطلبة الفرنسيين: باعتقال تسعة طلبة في تولوز، وآخر في ليل، وبالمعاملة السيئة للطلبة لتوزيعهم منشورات في بوردو وباريس، ووضع بعض الطلبة تحت الإقامة الجبرية، أما في الجزائر فقد اقتحمت الشرطة ثانوية بوجو (الأمير عبد القادر حاليا) في العاشرة ليلا واختطفت الطالب معيزة مصطفى وهو ناظر بالمدرسة وطالب في كلية الحقوق، ثم لم يعرف مصيره بعد ذلك، وطالب النداء اتحاد الطلبة الفرنسيين بالتنديد بهذه الأعمال التي (ستجعل التفاهم بين الشعبين مستحيلا) لأنها أعمال ضد حقوق الإنسان (١).
لخصت المجاهد أعمال الاتحاد منذ قيامه حتى سنة ١٩٥٩ فيما يلي: أصبح الطالب المثقف في أتون المعركة، فهو الطبيب والمنسق والمفوض السياسي، والممرض والكاتب وصانع القنابل، كان الإضراب وما تلاه دليلا على فشل الدعاية الفرنسية التي تدعي أن الثوار لا يمثلون إلا أنفسهم وأن الثورة من عمل أناس طائشين، كما كثف الاتحاد جهوده في الخارج لتحقيق:
١ - إعداد الإطارات للمستقبل بإرسال البعثات إلى أوروبا الشرقية والغربية والصين وأمريكا والمشرق العربي، إضافة إلى الطلبة الكثيرين في المغرب وتونس.
٢ - نشر الدعاية والعمل مع الاتحادات الأخرى على كسب الأنصار للثورة والاتصال بالأوساط النقابية والثقافية.
٣ - تحضير طلبة الاتحاد للقيام بدور رئيسي في توجيه التعليم والحياة الثقافية في الجزائر المستقلة على أساس أن الثقافة العربية الإسلامية التي أعلن الاتحاد عنها منذ نشأته هي التي ستكون ثقافة الشعب الجزائري (٢).
стр. 4638
ظروف إضراب الطلبة، ١٩٥٦
تعرض الاتحاد إلى اضطهاد السلطات الفرنسية في فرنسا والجزائر، فصدر قرار بحله ولاحقت الشرطة مسؤوليه فسجنت بعضهم وخرج آخرون خارج الحدود الفرنسية، وانضم بعضهم إلى صفوف الثورة في الجزائر أو إلى وفد جبهة التحرير في الخارج، لذلك قرر الاتحاد الدعوة إلى الإضراب عن الدروس في الجامعات والثانويات في فرنسا والجزائر يوم ١٩ مايو ١٩٥٦ وكان ذلك تصعيدا واضحا في الدفع الثوري إذ حرم الفرنسيون من حجة كانوا يستعملونها وهي أن الفئة المثقفة من الجزائريين لم تلتحق بالثورة وأن الثوار ما هم إلا (فلاقة) أو جماعة من المشردين وقطاع الطرق ثاروا بسبب الجوع والبطالة، لقد كان الإضراب في حد ذاته ضربة قوية للإعلام والدبلوماسية الفرنسية في العالم، كما كان نصرا كبيرا للجبهة في صراعها من أجل افتكاك المبادرة ليس من فرنسا وحسب ولكن من منظمات مناوئة أو موازية كالحركة الوطنية التي أسسها مصالي الحاج وجماعة مكافحي الحرية التي أسسها الشيوعيون، وهكذا انضم طلاب الجزائر في المعاهد الفرنسية إلى إخوانهم الثوار - المجاهدين، أو توزعوا على جامعات ومعاهد أوروبا لمواصلة الدراسة.
منذ فبراير ١٩٥٦ أعلنت البصائر أن وفدا من الطلاب المسلمين بالجامعة صرح بأنهم التقوا بأحد معاوني رئيس الحكومة (الفرنسية) وأنهم صارحوه بأنه لا يمكن وقف الحرب إلا بالاعتراف بالمبدئين الأساسيين وهما (وحدة الأمة الجزائرية وتكوين الدولة الجزائرية) (١).
والغالب أن يكون هذا الوفد الطلابي مبعوثا - إذا ثبتت اتصالاته - من قادة الجبهة في الجزائر، فهل كان رمضان عبان أحد هؤلاء القادة؟ إننا لا نملك دليلا على ذلك، وعلى كل حال فإن الجبهة كانت تمثل مستقبل الجزائر في نظر الطلاب.
стр. 4639
لخصت جريدة (المقاومة الجزائرية) الخطوات التي قطعها الاتحاد حتى وصل إلى قرار الإضراب عن الدروس، فتحت عنوان (طلبتنا في ميدان الكفاح) قالت إنه في السادس من فبراير ١٩٥٦ ضرب الطلبة الفرنسيون رئيس وزرائهم بالطماطم (إشارة إلى الهجوم على جي موليه عند زيارته الأولى للجزائر) وحاولوا اغتيال الأستاذ أندري مندوز في رحاب جامعة الجزائر (لولا وفاء الطلبة الجزائريين للحرية والحوار الذين افتكوه منهم وأحاطوه بسور من صدورهم وسواعدهم)، ومن جهة أخرى فوت الطلبة الجزائريون الفرصة على الطلبة الفرنسيين عندما أعلنوا لائحة في ٣١ مارس صمموا فيها على عقد اجتماع لهم بفرنسا، وفي هذه اللائحة استنكر الطلبة الاستعمار ودعموا الكفاح الوطني، كما طالبوا باستغلال الجزائر وسيادتها وبتحرير المساجين والتفاوض مع جبهة التحرير، ونتيجة لذلك قامت السلطة الاستعمارية بإلقاء القبض على قادة الطلبة، ولكن طلبة العالم هرعوا لنجدتهم والمطالبة بإطلاق سراحهم.
الخطوة الأخرى التي اتخذها الاتحاد (لوجيما) هي توزيعهم منشورا في الجزائر العاصمة (مايو ١٩٥٦) تساءلوا فيه: لأي شيء تصلح هذه الشهادات التي تمنح لنا في الوقت الذي يكافح فيه شعبنا ببطولة؟) كان ذلك كافيا لقدح النار في الهشيم وإدانة الاستعمار وتعبئة الطلبة لأمر قادم، فقد شككوا في قيمة الشهادات التي يعملون من أجلها واعتبروها وسيلة لهدف مزيف، فهم مستهدفون للتمويه والتزوير، وأعلنوا أن هناك أولويات توجب عليهم تحمل المسؤولية، بل أعلنوا التمسك (بالإضراب العاجل عن الدروس والامتحانات لمدة غير محدودة) وطلبوا من زملائهم إخلاء مقاعد الدراسة في الجامعة والالتحاق بجيش التحرير وجبهة التحرير، ليكونوا جنودا وأطباء في صفوف الثورة، وأضافت جريدة المقاومة: لقد ناقش البعض حكمة هذا القرار، هل الجزائر في حاجة إلى طلابها وجنودها، كل في ميدانه، أو أن شعار الكل للمعركة) هو الذي له الأولوية.
стр. 4640
وهنا نذكر أن النقاش قد احتد بين الطلبة في المشرق أيضا: هل هم معنيون بالإضراب أيضا؟ كان بعضهم قد نادى بوقف الدروس في المشرق تضامنا مع زملائهم وتمشيا مع الشعار المذكور (الكل للمعركة)، ولكن تعليمات الجبهة أوضحت أن الإضراب غير شامل، وأن من أراد التطوع فله ذلك ولكن وقف الدراسة في معاهد المشرق غير وارد (١).
وقد أكدت جريدة المجاهد، من جهتها، بيان الطلبة في الدعوة إلى الإضراب والالتحاق بالجيش والجبهة، فقد تضمن العدد الأول منها النداء الذي وجهه الاتحاد (لوجيما) إلى الإضراب مبررا ذلك بأسماء عدد من الطلبة المعتقلين أو الشهداء ومنهم محمد الونيس الطالب - حسب المجاهد - بمعهد الدروس الإسلامية والذي مات مجاهدا، وزدور بلقاسم الذي سبق ذكره، والطبيب ابن زرجب، والأديب رضا حوحو، والتنكيل بالطبيب التجاني هدام بقسنطينة، والطبيبين با أحمد وطبال بتلمسان، والقبض على آخرين من أعضاء الاتحاد، واختطاف وذبح رفيقهم الطالب فرحات حجاج في ضاحية بن عكنون، وفي هذا المجال وتجديدا للتعبئة النفسية أشارت المجاهد إلى إضراب الطلبة يوم العشرين يناير ١٩٥٦، وكررت العبارات المثيرة السابقة وهي أن الشهادات لن تفيد الطلبة بينما شعبهم يئن تحت براثن الاستعمار، فهم رجال الغد، وماذا سيفعلون بالشهادات إذا قضى الاستعمار على الشعب؟ إن هناك أمورا مستعجلة تنتظرهم وهي أن يكونوا مع المكافحين، وعليهم الآن القيام بالإضراب عن الدراسة والامتحانات لأجل غير مسمى، ودعت إلى هجر المقاعد في الجامعات والتوجه إلى الجبال والالتحاق بجيش التحرير قائلة: (أيها الطلبة والمثقفون الجزائريون) إن العالم ينظر إلينا والوطن ينادينا، فإلى حياة العز والبطولة والمجد)، تلك هي دعوة الاتحاد الصريحة إلى الإضراب والهدف منه ومبرراته (٢).
стр. 4641
دام الإضراب بالنسبة للجامعيين حوالي سبعة عشر شهرا، وكان قراره قد اتخذ لأسباب سياسية ونفسية وعسكرية، كما لاحظنا، وقد حقق الآن أهدافه، وكانت له نتائج هامة منها الصدمة الاجتماعية والسياسية للطالب والأسرة الجزائرية عامة، ومنها انضمام عدد من الطلبة ذوي الكفاءات العلمية والسياسية والطبية إلى الثورة، والالتحاق بالدراسة في جامعات ومعاهد غير فرنسية مما أدى إلى تنوع الدراسات وتعدد الأفكار عند الطلبة والخروج من الاحتكار العلمي واللغوي الفرنسي، لقد كان على الجبهة (جبهة التحرير الوطني) أن تواجه مشكلة بضع مئات من الجزائريين خارج الوطن، وكذلك معالجة عودة الطلبة الجزائريين إلى الجامعات الفرنسية بعد حل الإضراب.
لماذا أضرب الطلبة؟ وهل حققوا الهدف منه؟ لقد أثار قرار الإضراب جدالا متوترا بين المسؤولين الجزائريين، فمنهم من رآه خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح ومنهم من اعترض عليه ورآه خطوة في الاتجاه الخاطى وأن الخاسر فيه هو الجزائر وثورتها على المدى البعيد، تقول المجاهد إن الطلبة ليسوا ضد التعليم في الجامعات الفرنسية في حد ذاتها، وليسوا ضد العلم والمعرفة، لقد قام الطلبة المسؤولون على الإضراب بإطلاع الطلبة الفرنسيين على ما ارتكبه جيشهم في الجزائر من موبقات وأعمال وحشية تذكر بما فعله (الجستابو) الألماني مع الفرنسيين، كما أفهموهم العقيدة الوطنية والمقاومة من أجلها التي يقوم بها الشعب الجزائري، وهو ما يعرفه الفرنسيون أثناء مقاومتهم للنازية والاحتلال الألماني، كما عقد الطلبة الجزائريون خلال الإضراب ندوات ونظموا محاضرات للتعريف بالثورة، وجمعوا لها التبرعات في العلم الجزائري مما جعل الشرطة تعتقل بعضهم بدعوى أنهم رفعوا علم (الفلاقة).
وفي هذه الأثناء ظهرت في فرنسا جماعات تندد بالمقارنة بين المقاومة الجزائرية والمقاومة الفرنسية، وتيقن الطلبة أنه لا مكان لهم في فرنسا وفي جامعاتها بالخصوص، وأن عليهم أن يضعوا أنفسهم تحت تصرف جبهة التحرير
стр. 4642
وأن يقرروا الإضراب غير المحدود، ولا شك أن هذا تبرير واه لاستمرار الإضراب لأن بعض الطلبة استمروا في الدراسة، ولأن السلطات الفرنسية كان يهمها سياسا أن يرجع الطلبة للدراسة، ولكن التحاق العديد من الطلبة بالثورة مباشرة كان أمرا مرغربا فيه من قيادة الثورة نفسها كما قلنا، وكان من أهداف الإضراب زعزعة العلاقة بين الطالب وحالة الجمود التي كان فيها، فكان لابد من تسييسه وإحداث صدمة لديه يستيقظ على صوت الوطن والوطنية.
دخل الطالب صفوف الثورة إما كجندي في الجبال وإما مسؤول سياسي وإما مدرس أو ممرض، وإما دبلوماسي يجوب بلدان العالم للتعريف بقضية بلاده، وهكذا أصبحت القضية معروفة بعد أن قام الطالب بدوره المذكور في الداخل والخارج، وأصبت القضية الجزائرية معروفة على مستوى عالمي، ومنها الكتابات الصحفية عنها في الجرائد الكبرى، وأصبح انتصار الجزائر في حربها على الاستعمار هو انتصار للملايين المضطهدة في العالم والطامحة إلى الحرية والعدالة والديمقراطية، فقد حقق الكفاح بالإضراب أهدافه في النهاية وحان وقت بناء الأساس للمستقبل على العلم والاختصاص ومن ثمة جاء القرار بحل الإضراب في ١٤ أكتوبر ١٩٥٧ وعودة الطلبة الجامعيين للدراسة، أما طلبة الثانويات فقد سمح لهم باستئناف الدراسة قبل هذا التاريخ (١).
شارك الطلبة في تدويل القضية الوطنية، وكان للاتحاد موقف واضح من الإيديولوجيات المتصارعة في العالم عندئذ، فقد كان كل منها يريد الاستحواذ على الثورة ونسبتها إليه، فكان شعار الاتحاد أن من هو معنا فهو صديقنا وأن الثورة في حاجة إلى مساندة الجميع، وكانت تعليمات الثورة عدم انضمام الطلبة إلى أي حزب أو تنظيم خارج تنظيم الثورة سواء كان التنظيم جزائريا أو أجنبيا.
стр. 4643
كما كانت تمنع تبني إيديولوجية الشرق أو الغرب، لذلك كان موقف الاتحاد حياديا بين المنظمتين الطلابيتين الدوليتين اللتين كانتا تتنازعان الحركات الطلابية في العالم، والتمسك بالمبدأ القائم على التعاون مع كل المنظمات الطلابية الدولية والحركات الطلابية الوطنية لفائدة الثورة (١).
استأنف الطلبة الدراسة في مختلف الجامعات الفرنسية، ولكنهم استثنوا جامعة الجزائر لموقفها المتصلب من الثورة حسب صحيفة (لاكسيون) التونسية (٢١ أكتوبر، ١٩٥٧)، وانعقد المؤتمر الثالث للاتحاد سرا في باريس برئاسة مسعود آيت شعلال، خلال ديسمبر ١٩٥٧، لكن السلطات الفرنسية قامت بحل الاتحاد في ٢٧ يناير ١٩٥٨، فلم يبق أمام الطلبة إلا التوجه نحو البلدان الأوروبية لمواصلة دراستهم، رغم بقاء فرع سري للاتحاد في باريس (٢).
تقرير عن طلبة المشرق العربي، ١٩٥٩
حصد طلبة القاهرة الحظ الأوفر من اللوم والاتهام في التقرير الذي كتب عن رابطة الطلبة الجزائريين في المشرق العربي سنة ١٩٥٩ على إثر توترات تعرضنا إليها سابقا، وإلى الآن لا يعرف من هو الذي حرر التقرير الطويل الذي يقع في إحدى عشر صفحة، لأنه غير موقع من أحد، فهل هو الكاتب العام للاتحاد بعد زيارته للقاهرة وفشله في جمع كلمة طلبة المشرق تحت راية الاتحاد؟ أو كتبه شخص آخر من أجهزة الحكومة المؤقتة؟ على كل حال فإن التقرير مؤرخ بشهر أغسطس ١٩٥٩ أي بعد حوالي شهر من اتخاذ الرابطة القرار بحل نفسها والانضمام للاتحاد (انظر سابقا)، وهو مكتوب بالفرنسية ومرقون، ويتعرض بالتفصيل لحالة الطلبة في المشرق عموما وطلبة القاهرة خصوصا، ويختم بتوصيات محددة وقاسية تكاد تصل إلى الاتهام بالتخريب والخروج عن الجماعة في وقت كان يكفي فيه تهمة واحدة لكي يقاد صاحبها إلى مقصلة الثورة.
стр. 4644
جاء في هذا التقرير أن عدد طلبة القاهرة عندئذ بلغ مائة وعشرين (١٢٠) طالبا، وهم ينتمون إلى مختلف أنحاء الجزائر ويدرسون في كليات ومعاهد، وكان هؤلاء (سبق أن المصادر الفرنسية قدرتهم بمائة وخمسين دارسا في الأزهر)، وتشير المعلومات إلى أن كل الطلبة قبل الثورة كانوا يعيشون على مساعدات من عائلاتهم، ولكن منذ الثورة انقطعت بهم السبل ولم يعودوا يتلقون شيئا من بلادهم، فساء حالهم رغم أنهم أصبحوا يتلقون إعانات من الإدارة المصرية ومن مكتب جمعية العلماء بالقاهرة، وهي إعانات غير كافية، لذلك أصبح هؤلاء الطلبة هم الأكثر فقرا وبؤسا بين الطلاب العرب في القاهرة، مما عرضهم للمرض والفاقة، وقد جرى اجتماع في مكتب جمعية العلماء برئاسة أحمد توفيق المدني المكلف بالشؤون الثقافية في الوفد الخارجي لجبهة التحرير الوطني، فقررت منح الطلبة مساعدة تضمن الحد الأدنى للمعيشة وهي تتحدد حسب المستوى الدراسي للطالب، على أن تتوقف المساعدة حالما تصل الطالب مساعدة من أهله، أو دعي الطالب لخدمة الثورة، وقد أرسل المكتب العسكري منهم ثمانية عشر مجندا إلى الجزائر، وهناك آخرون كانوا يستعدون للسفر، هذه هي بداية محتوى التقرير (١).
واتهم التقرير الموجه إلى وزيري الداخلية والثقافة في الحكومة المؤقتة الطلبة بالانفصال عن الجماعة (اتحاد الطلبة) قائلا: في الوقت الذي يجد الطلاب الجزائريون أنفسهم منتمين في مختلف البلدان إلى الاتحاد (لوجيما) نجد طلبة المشرق العربي ما يزالون خارجين عنه، والأكثر خطورة في نظر صاحب التقرير هو أنهم أنشأوا تنظيما موازيا أسموه (رابطة الطلبة الجزائريين في المشرق العربي)، ولماذا طلبة القاهرة بالذات؟ يذهب التقرير إلى أن هؤلاء كانوا على علم بتفصيل نشأة الاتحاد في فرنسا سنة ١٩٥٥ وأن معظم الطلبة في المشرق كانوا متواجدين في القاهرة، وادعى أن الدعوة لحضور المؤتمر قد
стр. 4645
وجهت إليهم ولكن ظروفهم المادية والأمنية لم تسمح لهم بالسفر إلى باريس لحضور الاجتماع، فاكتفوا بإرسال رسالة مشاركة وانتماء قرئت (كذا) على الحاضرين مما جعلهم من المؤسسين للاتحاد، وهو ما ينفيه مسؤولو الرابطة ويقولون إنهم لم يتصلوا بأي دعوة ومن ثمة لم يرسلوا أية رسالة، ويعترف التقرير أن نفس الصعوبات (المادية والبوليسية) واجهت طلاب القاهرة أيضا سنتي ١٩٥٦ و ١٩٥٧ وعاقهم عن الحضور.
يشكو التقرير من كون طلاب، القاهرة قد أسسوا سنة ١٩٥٦ رابطة خاصة بهم، ثم تلاهم طلبة دمشق وبغداد والكويت فأسسوا أيضا تنظيمات محلية، وبينما تجاهلت رابطة القاهرة الاتحاد في دستورها فإن طلبة بغداد ودمشق اعتبروا أنفسهم في دستورهم فروعا للاتحاد، ورغم أن لجنة التنسيق والتنفيذ قد أنشأت مصالح للطلبة ضمن إدارة الشؤون الاجتماعية والثقافية، فإن ذلك قد هيأ الساعة التي ينظم فيها الطلاب في المشرق أنفسهم في فروع للاتحاد، ولا يتعدى الأمر إذن في نظره إعادة تسمية رابطة القاهرة أو غيرها باسم فرع (لوجيما) في ... ولا حاجة إلى شروط أو سوء فهم، ولهذا الغرض جاء رئيس الاتحاد (آيت شعلال) ونائبه والكاتب العام (عبد اللاوي) إلى القاهرة في أوقات مختلفة لإعطاء الموضوع الصفة الرسمية، غير أن هناك روحا انفصالية ظهرت بين طلبة المشرق منعت من تحقيق ذلك، فقد عقدوا اجتماعا (انفصاليا) في دمشق، سبتمبر ١٩٥٨، (تاريخ تأسيس الرابطة الجامعة) حضره طلبة القاهرة، لتكوين رابطة مشتركة، وحضرت وفود من مختلف روابط الطلبة الجزائريين في البلدان العربية.
وبعد رجوع وفد القاهرة من دمشق طلب منهم تقديم تقرير مكتوب عن الاجتماع يشمل المحضر واللوائح، ولكنهم لم يفعلوا واكتفوا بتقرير شفوي مفاده أنهم قرروا الانضمام إلى الاتحاد بعد تمكين فروعهم من تكوين فيدرالية داخل الاتحاد، فقيل لهم إن ذلك غير ممكن الآن لأنه غير موجود في دستور الاتحاد الذي لا يمكن تغييره إلا في المؤتمر، وإنه لم يبق أمامهم سوى تحويل
стр. 4646
روابطهم إلى فروعهم للاتحاد، وكان آيت شعلال (رئيس الاتحاد,) قد جاء إلى القاهرة لمعالجة الوضع ولكنه لم يستطع فعل أي شيء لوجود الطلبة في فترة امتحان، فعينت اللجنة التنفيذية للاتحاد رئيسي فرعي رابطة بغداد والقاهرة عضوين مع عبد اللاوي غير أن الرئيسين المذكورين تساءلا عن حق اللجنة في التعيين، وقد رأى عبد اللاوي أن ذلك دعوة صريحة لعدم الاندماج في الاتحاد، وهكذا عاد هذا التقرير إلى نقطة الصفر، نقطة الاتهام وطلب الانتقام الجماعي من طلبة المشرق، فأوصى وبلهجة حادة وحاسمة بما يلي:
أولا: وقف إرسال الطلبة إلى المشرق العربي، خصوصا الجامعات المصرية إلى أن يتحول الطلبة إلى المبادى الايديولوجية والتنظيمية التي تقود الثورة.
ثانيا: تجميد أية علاقة مع الروابط الطلابية المذكورة من قبل الحكومة ومن الجبهة والتنظيمات المتصلة بها وقطع الصلة معها وتعويضها بلجان من داخل الروابط لتقوم اللجان بدل الروابط بتوزيع المساعدات الشهرية للمنح الآتية من الحكومة المؤقتة.
ثالثا: قطع الثلاثين جنيها الشهرية عن رابطة القاهرة التي سلمت لها كإعانة من الحكومة المؤقتة.
رابعا: تأجيل إنشاء فروع للاتحاد في المشرق العربي إلى وقت لاحق.
خامسا: استثناء طلبة المشرق العربي من كل مشاركة على المستوى الدولي.
سادسا: إدخال التنظيم السياسي من قبل الجبهة وسط طلبة المشرق. العربي بالاعتماد على (العناصر النظيفة) التي بقي منها الكثير بينهم.
سابعا: اتخاذ عقوبات صارمة (مثالية) ضد العناصر التي لعبت دورا رئيسيا في الحركة الانفصالية.
стр. 4647
ومن سوء حظ صاحب التقرير أن توصياته بقيت حبرا على ورق وأن الوزارتين المعنيتين قد وضعتا التقرير على الرف لأنه فيما يبدو غير موضوعي ولأنه مفعم بروح الانتقام المجاني، فكيف تقوم الحكومة المؤقتة، وهي وسط المعمعة بمنع الطلبة في المشرق العربي من الدراسة ومن حق العيش بقطع العلاقة مع نخبة من أبناء الجزائر؟ فهل كانت جبهة التحرير تعمل في غابة منعزلة بعيدا عن الأنظار والأسماع؟
على كل حال فإن التقرير قد احتوى على تفاصيل عن نشأة الاتحاد وظروفه، ونشأة رابطة القاهرة وتنظيمات الطلبة في العراق وسوريا والكويت، ثم الرابطة الأم، وحق تمثيل الاتحاد في المؤتمرات الطلابية العربية والخطط المعلنة والمضمرة، وهو مقسم إلى فصول وعناوين وأرقام، وله خاتمة وتوصيات (١).
المؤتمر الرابع للاتحاد
للمؤتمر الرابع لاتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين أهمية خاصة، فقد انعقد لأول مرة خارج أوروبا (فرنسا)، انعقد في بلاد عربية نالت استقلالها حديثا وجارة للجزائر هي تونس، وانعقد بعد تأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزايرية، وقد أصبح لها شأن في القضايا الدولية واعترفت بها دول عديدة على رأسها البلاد العربية، وكذلك بعد إعلان الرئيس الفرنسي استعداد بلاده لتطبيق مبدأ تقرير المصير للشعب الجزائري مما جعل فكرة استقلال الوطن على الأبواب وأصبح ذلك مسألة وقت فكانت لغة المؤتمر الرابع السائدة هي الإعداد للجزائر المستقلة، كما أن التوازن الدولي جعل الاتحاد ينجح في مخاطبة الاتحادات العالمية والوطنية من موقع الحياد والقوة والاستقلالية، وقد
стр. 4648
فهم الجميع أن دخول الجزائر المسرح الدولي أصبح قاب قوسين أو أدنى.
ومن جهة أخرى فإن الاتحاد قد استطاع أن يجمع الطلبة الجزائريين في فروع تابعة له بلغت عندئذ عشرين فرعا وهي الفروع التي حضرت جميعا من أوروبا وأمريكا والمشرق العربي والمغرب العربي، وهكذا فلأول مرة يجتمع الطلبة الجزائريون - مهما تعددت اختصاصاتهم واللغات التي يدرسون بها والبلدان التي يقيمون فيها - اجتمعوا على صعيد واحد يتداولون في مصير بلادهم ويعدون العدة للجهد المشترك في بناء وطنهم الموحد، ومن حسن حظي أنني كنت حاضرا هذا المؤتمر ممثلا - مع آخرين - لطلبة فرع القاهرة، فكانت المشاركة فيه صفحة جديدة في حياتي النضالية، ولا شك أن الطلبة الآخرين قد شعروا بمثل ما شعرت.
على هذه الخلفية نريد أن نبرز أهمية المؤتمر الرابع للاتحاد، فقد انعقد على أرض عربية، بحضور كافة الفروع والوفود الأجنبية التي وجهت إليها الدعوة وعددها حوالي ١٢٠ منظمة طلابية وشبابية.
أما القضايا التي طرحت على المؤتمر الرابع فهي قضايا تمس جوهر المستقبل الوطني، وقد ظهر قادة الاتحاد عندئذ وكأنهم قطاع كبير من الدولة الناشئة، وكانت القضايا المثارة هي: ١ - الثورة والتحرر الإفريقي، ٢ - العلاقات مع الحركات الطلابية العالمية والوطنية، ما الموقف منها وكيفية الانخراط فيها، ومن ضمنها التضامن والتعاون والوحدة بين الحركات الطلابية، ومنها اتحاد الطلبة العرب واتحادات طلاب المغرب العربي، ٣ - الوضع الثقافي والنقابي للاتحاد كالدراسة في الجزائر والخارج، والمنح، والتوجيه، وما إلى ذلك.
والمبادئ العامة التي ركز عليها المؤتمر هي: ١ - مكافحة الاستعمار. ٢ - استقلال الاتحاد بالنسبة للمنظمات الطلابية العالمية المنتمية إلى المعسكر الشرقي أو الغربي، ولاسيما الاتحاد العالمي للطلاب والندوة العالمية للطلاب.
стр. 4649
والمبدأ هو مد يد الصداقة للجميع، والتعاون مع الجميع (١).
ولأهمية الحدث خصصت المجاهد له عددا ضمنته الوقائع: من كلمة رئيس الحكومة المؤقتة عندئذ السيد فرحات عباس إلى كلمة عبد الحميد مهري وزير الشؤون الثقافية، إلى كلمة رئيس الاتحاد نفسه، ثم كلمات الوفود الطلابية العربية والأجنبية، وكان السيد عبد الرحمن شريط رئيس فرع تونس هو رئيس المؤتمر، وقد وصفت المجاهد جلسات المؤتمر يوما بيوم على مدار سبعة أيام (الثلاثاء ٢٦ يوليو إلى الاثنين أول أغسطس، ١٩٦٠)، وقالت إن عدد الوفود الأجنبية التي حضرت بلغ ٢٩ وفدا، وأن فروع الاتحاد بلغت ٢٠ فرعا، جاء ممثلوها من مختلف أنحاء العالم، وقد نشرت الجريدة صورا لبعض الحاضرين والقادة والجلسات، ومما ذكرته أيضا أن الاتحاد قرر الرجوع إلى الدراسة وفك الإضراب (بالنسبة لجامعة الجزائر؟) بالاتفاق مع قادة الثورة نظرا لحاجة البلاد إلى إطارات، وربما مواجهة البلاد عجزا فظيعا في الإطارات لأن الطلبة المتخرجين هم الذين سيعوضون الموظفين الأوروبيين في جزائر الغد.
وهذه هي عناوين الجريدة المستقاة من محاضر المؤتمر ومن كلمات الوفود وشعارات الاجتماع: أهمية المؤتمر الرابع، كيف عاش المؤتمر أسبوعه الخالد، التقرير الأدبي، ومقولة رئيس الحكومة: إن مشاركتكم في الكفاح التحريري تجعل منكم طليعة الثورة، ومقولة وزير الشؤون الثقافية: الثورة ربطت المثقف الجزائري بروح الأمة وضمته إلى أحضان الشعب، وأهم مقررات المؤتمر وتوصياته، والمؤتمر يثير إعجاب طلاب العالم ... (٢).
ولاحظت المجاهد أن الطلبة بقوا محافظين على شخصيتهم القومية والروح الوطنية والعربية، كما برهنوا على ذلك في المؤتمر، رغم أنهم يعيشون
стр. 4650
في بلدان وبيئات مختلفة وداخل عادات وتقاليد مغايرة لعاداتهم وتقاليدهم، وكان المؤتمر قد انتخب المجلس الإداري الذي يتألف من ٢١ عضوا، منهم سبعة أعضاء يكونون اللجنة التنفيذية، ثم اجتمع المجلس لانتخاب اللجنة وهي التي أعادت انتخاب مسعود آيت شعلال الذي عقد مؤتمرا صحفيا، ولكن مقررات المؤتمر لم تنشر كلها، فهناك ما كان يمكن نشره وما كان يعتبر قرارات سرية تتعلق بمسائل داخلية حساسة لا يجوز نشرها عندئذ، أما اللوائح التي سمح بنشرها فهي المتعلقة بإفريقيا، والسياسة العامة بالجزائر، والمتعلقة بالوطن العربي، ولائحة (الطلبة الفرنسيين العاملين في صفوف جيش التحرير الوطني)، ثم لائحة شكر الاتحاد العالمي للطلبة، ولائحة شكر لحكومتي تونس والمغرب، ولائحة حول جامعة (ودادية؟) شمال إفريقية، ولائحة شكر البلدان العربية، وأخيرا لائحة حول المغرب العربي، ومن الوفود التي حضرت وفود الصين والاتحاد السوفياتي وفلسطين.
بالنسبة للائحة الخاصة بالحركة الطلابية العربية نشير إلى أنها قد نوهت بالشخصية العربية للجزائر وركزت على الكفاح المشترك وأهمية الثقافة العربية، ومما يلاحظ أن الدول الإسلامية غير مذكورة ولم تأخذ أي حيز في المؤتمر، كما أن الحديث عن الإسلام وحضارته لم يرد لهم ذكر في اللوائح والخطب، فالاتجاه العلماني كان واضحا في المؤتمر، وكأن الأمر يتعلق بمؤتمر لا يتحدث عن الثورة الجزائرية التي اتخذت رموزا إسلامية ودينية واضحة في مسيرتها وتعبئتها للشعب، فإطار المبادى الإسلامية المعلن في بيان أول نوفمبر ومصطلحات: المجاهد، والشهيد، والمسبل، والمحافظة على القيم الإسلامية في القضاء والأحكام، والممارسات الدينية كالصلاة، والتكبير عند الهجوم أو عند الإعدام ... كلها غابت من قاموس المؤتمر الرابع، أما الافتتاح أو الاختتام بالقرآن فلا مجال للحديث عنه.
لقد جاء في اللائحة الموجهة للحركة الطلابية العربية: إن الاستعمار الفرنسي حاول القضاء على الشخصية العربية للجزائر بمحاربة الثقافة العربية
стр. 4651
وتشويه التاريخ القومي للجزائر) وقالت إن الكفاح والثورة من أجل (عودة الجزائر إلى حضنها الطبيعي الذي تربطها به الثقافة والتاريخ والمصدر المشترك وهو المجموعة العربية)، ولما كان النهوض بالثقافة العربية هو مسؤولية كل الأقطار العربية، ولما كان الطلبة هم الطليعة التي تتحمل (عبء النهوض بالثقافة العربية في المستقبل) وحيث أن (توحيد الحركات الطلابية العربية يخدم قضية الثقافة العربية) فإن المؤتمر الرابع:
- يؤكد على وجوب العمل على الاتصال بجميع الاتحادات الطلابية العربية لعقد مؤتمر عام خلال هذه السنة (١٩٦٠) من أجل تحقيق وحدة الطلاب العرب.
- مناصرة القضايا العربية ولاسيما الطلابية منها.
- يحي الاتحادات الطلابية العربية الجديدة، (يعني طلاب فلسطين وطلاب الأردن بالخصوص) (١).
إن هذه اللائحة لا تدع المجال مفتوحا أمام الرؤية الحقيقية لاتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين، فقد اختفت منه عبارة (المسلمين) التي أثارت زوبعة ايديولوجية عند إنشاء الاتحاد، لقد أصبح اتحاد طليعة ثورية يريد تغيير المسار إلى ما هو أفضل من أجل خدمة الثقافة والأمة العربية، ولكن الاتحادات العربية كانت تنوء بأحمال من التبعية وليست أبدا حرة في اتخاذ قراراتها وعلاقاتها، فقد كانت الحكومات والأحزاب المحلية هي التي تسيطر على الاتحادات وتوجهها وفق رغباتها السياسية الضيقة.
ومن جهة أخرى بعث الرئيس الجديد للاتحاد مذكرة إلى اتحادات الطلاب في الأقطار التابعة لمنظمة الحلف الأطلسي يدعوهم فيها للقيام بعمل ما لحمل حكوماتهم على التخلي عن دعم (جريمة الحرب) الاستعمارية التي يشاركون
стр. 4652
فرنسا فيها ضد الشعب الجزائري، ولم تكتف المجاهد بهذا الخبر بل وجهت نص المذكرة (إلى الطلاب العرب) ودعتهم إلى أن يقوموا من جانبهم بما قام به اتحاد طلبة الجزائر من مراسلة اتحادات الطلاب في البلدان المنضوية تحت لواء الحلف الأطلسي (١).
المنح والاتحاد والجبهة
وفي نطاق هذا الاستعداد كانت الجهة ترسل فعلا بعثات طلابية دراسية وعسكرية إلى مختلف البلدان والجامعات، وليس بالضرورة لتلقي المبادى الشيوعية أو الماركسية، صحيح أن بعض البعثات توجهت في معظمها (عدا البلاد العربية) إلى ما كان يعرف بالدول الاشتراكية، وكانت هذه الدول تقوم (بأدلجة) الطلبة الجزائريين (وبعضهم انسحب من هذه البلدان هروبا من هذه الوجبات الإيديولوجية الدسمة)، وقد توجه آخرون إلى دول غربية، ومنها أمريكا، زعيمة العالم الحر عندئذ والتي لا مجال فيها للشيوعية أو الماركسية، ولكن التخويف من هذا البعبع كان قائما في الإعلام الغربي ضد الثورة الجزائرية، من الشارع إلى هيئة الأمم المتحدة والحلف الأطلسي، وهي دعاية مكشوفة سرعان ما سقط عنها القناع وتبين للناس جميعا أن الثورة كانت للتحرر من الاستعمار وليس لإقامة صرح لماركس أو لينين أو لليبرالية المتوحشة.
كانت الجبهة ثم الحكومة المؤقتة تتلقى المنح وهي تعطيها للطلبة ليوزعوها على المستحقين، وأحيانا كانت تقع بين الطرفين مجادلة حول من يستحقها من الطلبة، وكانت هناك خشية من أن تتحول المنح إلى ابتزاز من قبل بعض الدول والمنظمات ويؤدي ذلك إلى فشل مهمة الطلبة العلمية وإلى استعمالهم لأغراض أخرى لا ترضى عنها الثورة، كما أن اتحاد الطلبة (لوجيما)، كان يحابي أحيانا أعضاءه المقربين أو أصحاب نفوذ لغوي أو ثقافي معين ضد المصلحة العامة، لذلك حاولت المخابرات الجزائرية والوزارة المعنية السيطرة
стр. 4653
على الاتحاد ووضعه تحت مراقبتها ابتداء ربما من سنة ١٩٥٩.
اشتكى السيد شريف ساحلي من سوء تصرف مسؤولي الاتحاد (لوجيما) في تعاملهم مع السويد والبلدان الاسكندنافية عموما، وموقفهم من عادات وتقاليد البلاد ولغتها، وذكر آيت شعلال (رئيس الاتحاد) بالاسم، وكونه طلب منه الاتصال بممثل الأمم المتمحدة الذي وعده بمنح، وقبل أن يتلقى الجواب كتب شعلال رسالة تدل على عدم صبره، واستغرب كون المسألة لا تسير على ما يرام، وقال الساحلي إن الاتحاد يعتقد أن لديه (لدى الساحلي) كيسا من المنح لا ينتظر إلا أن يوضع تحت تصرفه، وقد اقترح الساحلي على ممثلي الاتحاد الاتصال بالاتحاد الطلابي السويدي في قضايا المنح (١).
كما أن السيد محمد يعلى ممثل الجبهة في برلين وجد الألمان هناك غير مرتاحين لسلوك الطلبة (لوجيما)، ومع ذلك فإن المنح لم تنقطع عنهم، وقد طلب محمد يعلى من الخارجية الجزائرية التدخل عن طريق البعثة الألمانية في القاهرة، وقامت السلطات الألمانية بمعاقبة الطلبة لضبطهم وذلك في شهر سبتمبر ١٩٥٩، ومن رأي السلطات الألمانية أن (لوجيما) ليس لها الحق في دعوة الطلبة ولا في الاتصال بأية حكومة (٢).
يبدو أن الحساسية بين الخارجية وبين اتحاد الطلبة (لوجيما) ظلت قائمة وتسببت في توترات عديدة، ومن الأمثلة الكثيرة على ذلك، بالإضافة إلى ما ذكرناه، الرسالة التي بعث بها السيد بوقادوم كاتب عام الخارجية الجزائرية إلى وزير الثقافة عن الوفد الطلابي الذي زار أمريكا الجنوبية وقابل المسؤولين هناك
стр. 4654
(خارج النطاق الجامعي والثقافي)، وصرح هذا الوفد الطلابي تصريحات سياسية خارجة عن مسؤوليته بل هي من صميم عمل الوزارة، وهناك اثنان من الاتحاد معنيان بهذه الزيارة، ومن البلدان المزارة كوبا وفنزويلا ... تقول الخارجية للثقافة إنها لا تمانع في قيام الاتحاد بالنشاط السياسي، ولكن بالتنسيق والتعاون مع الخارجية، والغريب في الأمر أن الخارجية اشتكت من أنها لم تعلم عن نشاط الاتحاد (لوجيما) إلا من خلال البعثات الدبلوماسية الأجنبية مما سبب لها حرجا، ونضيف هنا ملاحظة وهي أن ممثل الجزائر في نيويورك قدم لوفد الاتحاد أقصى المساعدات الممكنة أثناء زيارة الوفد (غير المتوقعة) ورحب بهما (عضوي الوفد) أجمل ترحيب، لذلك طلبت الخارجية من الثقافة وقف هذا الموضوع الذي يثير الأسف، واللجوء إلى التنسيق مع الخارجية والحصول على تعاون أفضل من ممثلي الاتحاد (١).
كان الاتحاد يشارك الاتحادات الطلابية العالمية نشاطها في أوروبا وأمريكا، وكانت القضية الجزائرية والدعوة إليها والدفاع عنها والحصول على منح للطلبة الجزائريين وتكوين فروعهم هي في الظاهر، المجالات التي ينشط فيها الاتحاد أو ممثلوه، وكانت هذه الأنشطة تتعارض أو تتقاطع أحيانا مع أنشطة وزارة الخارجية، وقبلها كانت وفود جبهة التحرير التي بقيت هي الأساس بالنسبة للبلدان التي لم تعترف بالحكومة واعترفت بالجبهة، من ذلك حضور وفد الاتحاد (لوجيما) لندوة طلابية عالمية (وهي الندوة التي نظمها اتحاد الطلبة العالمي (غربي أوروبا وأمريكا)، وقد انعقدت الندوة في لندن في ١٧ و ١٨ أبريل ١٩٥٨، وهي ندوة فوق العادة من أجل مساندة اتحاد الطلبة الجزائريين والوقوف ضد قرار حله من قبل السلطات الفرنسية.
وقد أصدرت الندوة لائحتين:
стр. 4655
الأولى: جاء فيها (١) (أن تعليم الشعب الجزائري قد تعطل مما جعل المرء يعتقد أن هناك تمييزا عنصريا تمارسه السلطات الفرنسية، (٢) أن اللغة العربية، وهي اللغة الوطنية للشعب الجزائري تعتبرها فرنسا رسميا لغة أجنبية لا تدرس في المدارس العمومية.
أما اللائحة الثانية فقد نصت على (١) أن حالة الطلبة الجزائريين قد ازدادت سوءا بعد المؤتمر العالمي السابع للطلبة (٢) أن طلبة (لوجيما) قد تعرضوا للقمع والحرمان من أبسط الحريات والحقوق، ويدل على ذلك توقيف محمد خميستي الكاتب العام للاتحاد، وكذلك أحكام الإعدام الصادرة ضد طالب عبد الرحمن وجميلة بوحيرد وجميلة بوعزة.
لذلك استنكرت الندوة الخارقة للعادة قرار حل الاتحاد واعتبرته غير شرعي مع إبداء عطفها على طلبة الجزائر والتضامن معهم، وأكدت على سوء أحوال طلبة الجزائر وطلبت من لجنة حقوق الإنسان ومجلس الأمن الانتباه للقضية، كما أن الندوة طلبت من الاتحادات الوطنية تخصيص منح مالية لمساعدة الطلبة الجزائريين على دراستهم وتأسيس صندوق لإسعاف الطلبة الجزائريين الذين لجأوا إلى تونس والمغرب، وقد تعهدت لجنة التنسيق بين الاتحادات الغربية بنشر كتاب أبيض عن المشروع وإبلاغ السلطات الفرنسية بالقرارات ... (١).
وفي السنة الموالية توجه وفد من اتحاد الطلبة (لوجيما) إلى أمريكا الشمالية ثم الجنوبية لحضور أنشطة الاتحادات الأخرى والدعاية للقضية الجزائرية، وجاء في رسالة من وزارة الثقافة إلى وزارة الخارجية أن الوفد الشبابي الجزائري كان يتألف من ثلاثة هم: بوديسة الصافي ممثلا لاتحاد العمال ومسعود آيت شعلال رئيس اتحاد الطلبة، ومحفوظ عوفي رئيس فرع لوزان لاتحاد الطلبة، وقد توجه الوفد - بناء على الرسالة - إلى الولايات المتحدة حيث
стр. 4656
ألف وفدا واحدا مع وفد المغرب ووفد تونس، على أن تدوم الزيارة من ١٥ أكتوبر إلى ٥ ديسمبر ١٩٥٩، وكانت الدعوة قد وجهتها اللجنة الأمريكية الوطنية والمجلس العالمي للشباب، أما الهدف من المشاركة فهو دراسة وضع اتحاد الطلبة (لوجيما) مع الشباب الأمريكي وربط العلاقة معه، وبناء على الرسالة فإن آيت شعلال كان سيتوجه أولا إلى كندا لتمثيل الاتحاد في مؤتمر اتحاد الطلبة الكنديين الذي دعاه للحضور.
وكانت رسالة وزارة الثقافة موقعة من أحمد توفيق المدني وهي باللغة الفرنسية، ومما جاء فيها أيضا أن الخارجية ستجد ضمن الرسالة التعليمات المعطاة إلى السيد آيت شعلال حول جولته (غير أن نص هذه التعليمات مفقود من الأرشيف) (١).
لقد أثمرت جهود اتحاد الطلبة مع الروابط، والاتحادات العالمية والوطنية فحصل (لوجيما) على منح دراسية في كل من أمريكا وكندا وغيرهما، فنحن نجد تقريرا من خمس صفحات وضعه واضعه (من الاتحاد نفسه؟) بعد جولة في كندا وأمريكا، ويشير التقرير إلى خطة التوجيهات الصادرة في نوفمبر ١٩٥٨، ومنها أن السيد محمد سحنون هو المندوب الطلابي عندئذ، وأن هناك صعوبات تتعلق بتوفير شروط القبول في الجامعات بكل من أمريكا وكندا، ومنها استكمال الأوراق، ومكان الميلاد، وتحويل الملفات من الجامعة الأصلية (إذا رفضت الجامعة الأصلية تحويل الملف؟)، وهل تكفي شهادة مدرسية؟ ثم مسألة التذاكر والتكفل بالطلبة اللاجئين ومسألة منح الملابس والكتب وإحضار الفاتورات، وقد طلب صاحب التقرير - فيما يخص أمريكا - ضرورة مراجعة التعليمات الخاصة، ومحاولة التوصل إلى مشروع كامل، ودراسة العلاقة مع مؤسسة (فورد)، أما فيما يتعلق بالمنح الأوروبية فاقترح توسيعها لتشمل أوروبا الغربية
стр. 4657
بما فيها البلاد الاسكندنافية، بالإضافة إلى المشكل الصحي والتعويضات، وهو تقرير له أهمية خاصة (١).
يبدو أن الولايات المتحدة بدأت بإعطاء منح للطلبة الجزائريين بطريق غير مباشر منذ ١٩٥٨، ونعني بذلك أن المنح كانت تسلمها مؤسسة (فورد) أو مؤسسة (روكفلر)، أو اتحاد الطلبة الأمريكي قبل أن تقدمها الحكومة الأمريكية نفسها، ففي برقية أرسلها السيد عبد القادر شندرلي (ممثل جبهة التحرير في نيويورك) إلى السيد بوقادوم (أمين عام الخارجية في القاهرة) أن مؤسسة روكفلر قد عرضت منحتين لجزائريين يتعلمان الإنجليزية ومؤهلين لمواصلة التعليم العالي على غرار ما فعلت مؤسسة فورد، وقد قام بوقادوم بتوجيه البرقية إلى وزير الثقافة بالقاهرة، في ١٧ سبتمبر ١٩٥٩ وعليها عبارة (مستعجل) لأن مقابلة المترشحين ستكون إما في مدريد وإما في الرباط، ويبدو أن مؤسسة فورد كانت هي السباقة إلى تقديم المنح الدراسية للجزائريين (٢).
وقبل هذا أرسل مندوب الجزائر في نيويورك (شندرلي) إلى الخارجية بالقاهرة أنه بالتعاون مع جمال يعلى ممثل اتحاد الطلبة (لوجيما) في أمريكا استطاعا الحصول على منحتين جديدتين (كذا) من الجمعية الوطنية لطلبة أمريكا (USNSA) تحت غطاء مشروع يسمى (قادة الطلبة الأجانب)، وقد حصل على المنحتين المذكورتين كل من عبروس عبد النور وسعيد آيت شعلال (أخو مسعود)، وقد تقدم الطالبان المذكوران إلى السيد جمال يعلى مرسولين من الاتحاد (لوجيما)، وذكر شندرلي الخارجية بأن هناك طالبين جزائريين آخرين يدرسان في أمريكا هما: نور الدين جودي الذي كان يدرس الأدب وحسن إدريس الذي كان يقوم بدورة طبية متخصصة في الجزاحة (٣).
стр. 4658
ولكن قائمة أسماء فرع أمريكا لاتحاد الطلبة (سنة ١٩٥٨ - ١٩٥٩) تثبت وجود عشرة طلاب كانوا أعضاء في الفرع برئاسة محمد سحنون، فيما يبدو، لوجوده على رأس الأعضاء العشرة، وليس من بينهم جودي ولا إدريس المذكوران سابقا.
والملاحظ أن كل فروع الاتحاد وعددها ١٨، لم يذكر معها إلا رئيسها ما عدا فرع أمريكا، فالرئيس والأعضاء مذكورون وهم: محمد سحنون، عبروس عبد النور، وسعيد آيت شعلال، ولد رويس بشير، ابن عمار محمد، أركان محمد، فيضي الشريف، بنو عمر رشيد، براح غلام، بستاني رشيد (١).
وبعد أن كانت كندا من أواخر المانحين للطلبة الجزائريين دخلت هي أيضا الميدان وأعلن مسؤول اتحاد طلابها أن الجامعات الكندية ستستقبل الشباب الجزائري للدراسة، بل أعلن أن الاتحاد سيفتتح اكتتابا خلال يناير ١٩٦٠ لفائدة الطلبة الجزائريين الذين استأنفوا دراستهم في الجامعات الأجنبية (ومنها كندا؟).
ومن جهة أخرى صرح مسعود آيت شعلال الذي كان قد زار كندا (أنظر سابقا) باعتباره رئيس اتحاد الطلبة (لوجيما) أن عدد الطلبة الجزائريين الذين يقيمون في مختلف الدول الأجنبية ينيف على خمسة آلاف طالب (وهو عدد ضخم لا نجد من تحدث عنه فيما مضى) من بينهم خمسمائة في الجامعات الأوروبية، وأضاف شعلال أنه من الضروري تكاثر عدد الطلبة الجزائريين في الجامعات الأجنبية واستعدادهم لتولي المسؤوليات بعد استقلال الجزائر التي ستكون في حاجة إلى كثير من المدرسين والأطباء والاختصاصين في جميع المرافق (٢).
وما دمنا نتكلم عن المنح فقد وجدنا في وثائق الحكومة المؤقتة أن بولندا
стр. 4659
قد رصدت عشر منح للطلبة الجزائريين بناء على رسالة من الخارجية الجزائرية كتبها السيد بوقادوم إلى وزير الثقافة، بالقاهرة في ٢٦ يناير ١٩٥٩ (١).
في رسالة بعث بها من القاهرة عبد السلام بلعيد عن وزارة الثقافة إلى الخارجية بتاريخ ١٤ يناير ١٩٦٠، أخبار عن وضع الطلبة في يوغسلافيا، والممنوحين الجدد، وعن بعثة السيد يعلى إلى يوغسلافيا وتأخر وصول المنح، وتدخل يعلي بصفته ممثل الخارجية لدى اللجنة الثقافية اليوغسلافية، وعن نقل ملفات الطلبة المعنيين (وعددهم عشرة) من القاهرة إلى يوغسلافيا، وفي سوريا منحت الجبهة مكتبها ٥٠٠ ليرة لكل طالب لإنشاء مكتبة لمقررات الطلبة في الجامعة، وعددهم ١٨ طالبا، وقد كان للجبهة مكتبة خاصة بها في القاهرة (٢).
دور الاتحاد في الخارج
قام الاتحاد على المستوى الداخلي والخارجي بدور فعال، وإذا كنا قد ركزنا حتى الآن على دوره الداخلي وصراعه مع السلطات الفرنسية في فرنسا والجزائر، فلنتحدث قليلا عن دوره الخارجي أيضا، إن مؤتمر باندونج قد جعل من يوم ٢١ فبراير من كل عام يوم الكفاح الطلابي، فكان الاتحاد يشارك في هذه الذكرى بالمظاهرات والاحتجاجات والاجتماعات في الجامعات، وخاصة في باريس، وقد قابلت الحكومة الفرنسية هذا النشاط بالقمع متهمة أعضاء الاتحاد بأنهم يعملون على إحياء منظمة منحلة، وأنهم يشتغلون بالسياسة والنشاط
стр. 4660
الهدام، وواجهتهم بالاعتقال والتعذيب، وهناك قائمة بأسماء الطلبة الذين اعتقلوا في فرنسا والجزائر بين ديسمبر ١٩٥٨ ويناير ١٩٥٩ مع ذكر الجامعات التي ينتمون إليها، وهم حوالي ٢٥ طالبا وطالبة، وكلهم من الجامعات الفرنسية، أما جامعة الجزائر فغير مذكورة في هذه السنة (١).
وقد نجح اتحاد الطلبة في توصيل صوت الطالب وصوت الثورة إلى المحافل الدولية، وذلك بالوقوف على الحياد بين المنظمتين الدوليتين الكبيرتين، كما سبق، ظهر ذلك في مؤتمر البيرو، فبراير ١٩٥٩، بفضل التعاون مع اتحاداث المغرب العربي بحيث اتبعت الاتحادات الثلاثة خطة الحياد بين (المنظمة العالمية الغربية) و (المنظمة العالمية الشيوعية)، وكان ذلك انتصارا في نظر جريدة المجاهد أحرزه طلبة المغرب العربي، فقد أصدر المؤتمرون لائحة (جريئة) تخص القضية الجزائرية رغم انتماء المؤتمرين إلى الاتحادات الغربية (بريطانيا، أمريكا، أستراليا، هولندا ...)، وإليك بنود هذه اللائحة: وصف سوء أحوال الطلبة الجزائريين باعتبارهم مشردين ولاجئين، وسوء حالة التعليم الابتدائي والعالي في الجزائر، وأضافت اللائحة: لقد أصبح من المتعذر مواصلة الدراسة على الطلبة في الجامعات الفرنسية نظرا للقمع الذي يتعرضون له، مع التنديد بحل الاتحاد، وقد استنكر المؤتمر سياسة (الإدماج) لوجود ثقافة وطنية متطابقة مع تراث الجزائر وتقاليدها (٢).
مذكرة الاتحاد إلى هيئة الأمم
وتعتبر مذكرة اتحاد الطلبة (لوجيما) إلى هيئة الأمم المتحدة بمناسبة عرض قضية الجزائر، حول اضطهاد الثقافة في الجزائر إدانة قوية للاستعمار. فهي تروي ما يلي: