← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

ألف وفدا واحدا مع وفد المغرب ووفد تونس، على أن تدوم الزيارة من ١٥ أكتوبر إلى ٥ ديسمبر ١٩٥٩، وكانت الدعوة قد وجهتها اللجنة الأمريكية الوطنية والمجلس العالمي للشباب، أما الهدف من المشاركة فهو دراسة وضع اتحاد الطلبة (لوجيما) مع الشباب الأمريكي وربط العلاقة معه، وبناء على الرسالة فإن آيت شعلال كان سيتوجه أولا إلى كندا لتمثيل الاتحاد في مؤتمر اتحاد الطلبة الكنديين الذي دعاه للحضور. وكانت رسالة وزارة الثقافة موقعة من أحمد توفيق المدني وهي باللغة الفرنسية، ومما جاء فيها أيضا أن الخارجية ستجد ضمن الرسالة التعليمات المعطاة إلى السيد آيت شعلال حول جولته (غير أن نص هذه التعليمات مفقود من الأرشيف) (١). لقد أثمرت جهود اتحاد الطلبة مع الروابط، والاتحادات العالمية والوطنية فحصل (لوجيما) على منح دراسية في كل من أمريكا وكندا وغيرهما، فنحن نجد تقريرا من خمس صفحات وضعه واضعه (من الاتحاد نفسه؟) بعد جولة في كندا وأمريكا، ويشير التقرير إلى خطة التوجيهات الصادرة في نوفمبر ١٩٥٨، ومنها أن السيد محمد سحنون هو المندوب الطلابي عندئذ، وأن هناك صعوبات تتعلق بتوفير شروط القبول في الجامعات بكل من أمريكا وكندا، ومنها استكمال الأوراق، ومكان الميلاد، وتحويل الملفات من الجامعة الأصلية (إذا رفضت الجامعة الأصلية تحويل الملف؟)، وهل تكفي شهادة مدرسية؟ ثم مسألة التذاكر والتكفل بالطلبة اللاجئين ومسألة منح الملابس والكتب وإحضار الفاتورات، وقد طلب صاحب التقرير - فيما يخص أمريكا - ضرورة مراجعة التعليمات الخاصة، ومحاولة التوصل إلى مشروع كامل، ودراسة العلاقة مع مؤسسة (فورد)، أما فيما يتعلق بالمنح الأوروبية فاقترح توسيعها لتشمل أوروبا الغربية

стр. 4657

بما فيها البلاد الاسكندنافية، بالإضافة إلى المشكل الصحي والتعويضات، وهو تقرير له أهمية خاصة (١). يبدو أن الولايات المتحدة بدأت بإعطاء منح للطلبة الجزائريين بطريق غير مباشر منذ ١٩٥٨، ونعني بذلك أن المنح كانت تسلمها مؤسسة (فورد) أو مؤسسة (روكفلر)، أو اتحاد الطلبة الأمريكي قبل أن تقدمها الحكومة الأمريكية نفسها، ففي برقية أرسلها السيد عبد القادر شندرلي (ممثل جبهة التحرير في نيويورك) إلى السيد بوقادوم (أمين عام الخارجية في القاهرة) أن مؤسسة روكفلر قد عرضت منحتين لجزائريين يتعلمان الإنجليزية ومؤهلين لمواصلة التعليم العالي على غرار ما فعلت مؤسسة فورد، وقد قام بوقادوم بتوجيه البرقية إلى وزير الثقافة بالقاهرة، في ١٧ سبتمبر ١٩٥٩ وعليها عبارة (مستعجل) لأن مقابلة المترشحين ستكون إما في مدريد وإما في الرباط، ويبدو أن مؤسسة فورد كانت هي السباقة إلى تقديم المنح الدراسية للجزائريين (٢). وقبل هذا أرسل مندوب الجزائر في نيويورك (شندرلي) إلى الخارجية بالقاهرة أنه بالتعاون مع جمال يعلى ممثل اتحاد الطلبة (لوجيما) في أمريكا استطاعا الحصول على منحتين جديدتين (كذا) من الجمعية الوطنية لطلبة أمريكا (USNSA) تحت غطاء مشروع يسمى (قادة الطلبة الأجانب)، وقد حصل على المنحتين المذكورتين كل من عبروس عبد النور وسعيد آيت شعلال (أخو مسعود)، وقد تقدم الطالبان المذكوران إلى السيد جمال يعلى مرسولين من الاتحاد (لوجيما)، وذكر شندرلي الخارجية بأن هناك طالبين جزائريين آخرين يدرسان في أمريكا هما: نور الدين جودي الذي كان يدرس الأدب وحسن إدريس الذي كان يقوم بدورة طبية متخصصة في الجزاحة (٣).

стр. 4658

ولكن قائمة أسماء فرع أمريكا لاتحاد الطلبة (سنة ١٩٥٨ - ١٩٥٩) تثبت وجود عشرة طلاب كانوا أعضاء في الفرع برئاسة محمد سحنون، فيما يبدو، لوجوده على رأس الأعضاء العشرة، وليس من بينهم جودي ولا إدريس المذكوران سابقا. والملاحظ أن كل فروع الاتحاد وعددها ١٨، لم يذكر معها إلا رئيسها ما عدا فرع أمريكا، فالرئيس والأعضاء مذكورون وهم: محمد سحنون، عبروس عبد النور، وسعيد آيت شعلال، ولد رويس بشير، ابن عمار محمد، أركان محمد، فيضي الشريف، بنو عمر رشيد، براح غلام، بستاني رشيد (١). وبعد أن كانت كندا من أواخر المانحين للطلبة الجزائريين دخلت هي أيضا الميدان وأعلن مسؤول اتحاد طلابها أن الجامعات الكندية ستستقبل الشباب الجزائري للدراسة، بل أعلن أن الاتحاد سيفتتح اكتتابا خلال يناير ١٩٦٠ لفائدة الطلبة الجزائريين الذين استأنفوا دراستهم في الجامعات الأجنبية (ومنها كندا؟). ومن جهة أخرى صرح مسعود آيت شعلال الذي كان قد زار كندا (أنظر سابقا) باعتباره رئيس اتحاد الطلبة (لوجيما) أن عدد الطلبة الجزائريين الذين يقيمون في مختلف الدول الأجنبية ينيف على خمسة آلاف طالب (وهو عدد ضخم لا نجد من تحدث عنه فيما مضى) من بينهم خمسمائة في الجامعات الأوروبية، وأضاف شعلال أنه من الضروري تكاثر عدد الطلبة الجزائريين في الجامعات الأجنبية واستعدادهم لتولي المسؤوليات بعد استقلال الجزائر التي ستكون في حاجة إلى كثير من المدرسين والأطباء والاختصاصين في جميع المرافق (٢). وما دمنا نتكلم عن المنح فقد وجدنا في وثائق الحكومة المؤقتة أن بولندا

стр. 4659

قد رصدت عشر منح للطلبة الجزائريين بناء على رسالة من الخارجية الجزائرية كتبها السيد بوقادوم إلى وزير الثقافة، بالقاهرة في ٢٦ يناير ١٩٥٩ (١). في رسالة بعث بها من القاهرة عبد السلام بلعيد عن وزارة الثقافة إلى الخارجية بتاريخ ١٤ يناير ١٩٦٠، أخبار عن وضع الطلبة في يوغسلافيا، والممنوحين الجدد، وعن بعثة السيد يعلى إلى يوغسلافيا وتأخر وصول المنح، وتدخل يعلي بصفته ممثل الخارجية لدى اللجنة الثقافية اليوغسلافية، وعن نقل ملفات الطلبة المعنيين (وعددهم عشرة) من القاهرة إلى يوغسلافيا، وفي سوريا منحت الجبهة مكتبها ٥٠٠ ليرة لكل طالب لإنشاء مكتبة لمقررات الطلبة في الجامعة، وعددهم ١٨ طالبا، وقد كان للجبهة مكتبة خاصة بها في القاهرة (٢). دور الاتحاد في الخارج قام الاتحاد على المستوى الداخلي والخارجي بدور فعال، وإذا كنا قد ركزنا حتى الآن على دوره الداخلي وصراعه مع السلطات الفرنسية في فرنسا والجزائر، فلنتحدث قليلا عن دوره الخارجي أيضا، إن مؤتمر باندونج قد جعل من يوم ٢١ فبراير من كل عام يوم الكفاح الطلابي، فكان الاتحاد يشارك في هذه الذكرى بالمظاهرات والاحتجاجات والاجتماعات في الجامعات، وخاصة في باريس، وقد قابلت الحكومة الفرنسية هذا النشاط بالقمع متهمة أعضاء الاتحاد بأنهم يعملون على إحياء منظمة منحلة، وأنهم يشتغلون بالسياسة والنشاط

стр. 4660

الهدام، وواجهتهم بالاعتقال والتعذيب، وهناك قائمة بأسماء الطلبة الذين اعتقلوا في فرنسا والجزائر بين ديسمبر ١٩٥٨ ويناير ١٩٥٩ مع ذكر الجامعات التي ينتمون إليها، وهم حوالي ٢٥ طالبا وطالبة، وكلهم من الجامعات الفرنسية، أما جامعة الجزائر فغير مذكورة في هذه السنة (١). وقد نجح اتحاد الطلبة في توصيل صوت الطالب وصوت الثورة إلى المحافل الدولية، وذلك بالوقوف على الحياد بين المنظمتين الدوليتين الكبيرتين، كما سبق، ظهر ذلك في مؤتمر البيرو، فبراير ١٩٥٩، بفضل التعاون مع اتحاداث المغرب العربي بحيث اتبعت الاتحادات الثلاثة خطة الحياد بين (المنظمة العالمية الغربية) و (المنظمة العالمية الشيوعية)، وكان ذلك انتصارا في نظر جريدة المجاهد أحرزه طلبة المغرب العربي، فقد أصدر المؤتمرون لائحة (جريئة) تخص القضية الجزائرية رغم انتماء المؤتمرين إلى الاتحادات الغربية (بريطانيا، أمريكا، أستراليا، هولندا ...)، وإليك بنود هذه اللائحة: وصف سوء أحوال الطلبة الجزائريين باعتبارهم مشردين ولاجئين، وسوء حالة التعليم الابتدائي والعالي في الجزائر، وأضافت اللائحة: لقد أصبح من المتعذر مواصلة الدراسة على الطلبة في الجامعات الفرنسية نظرا للقمع الذي يتعرضون له، مع التنديد بحل الاتحاد، وقد استنكر المؤتمر سياسة (الإدماج) لوجود ثقافة وطنية متطابقة مع تراث الجزائر وتقاليدها (٢). مذكرة الاتحاد إلى هيئة الأمم وتعتبر مذكرة اتحاد الطلبة (لوجيما) إلى هيئة الأمم المتحدة بمناسبة عرض قضية الجزائر، حول اضطهاد الثقافة في الجزائر إدانة قوية للاستعمار. فهي تروي ما يلي:

стр. 4661

- أن الاستعمار عمل على نشر مبادى ثقافية مفروضة وإدخال قيم أجنبية على الشعب الجزائري بعد تجريده من حضارته الأساسية، والملاحظ أن المذكرة لا تذكر ما هذه الحضارة الأساسية التي جردت فرنسا منها الجزائر. - صارت لغة الجزائر الوطنية (لاحظ أن المذكرة لم تسمها أيضا) التي هي المعبر الوحيد للجزائري عن فكرته والتي هي الوعاء لحضارته، لغة أجنبية، وأصبح تعليمها محصورا في نطاق ضيق جدا، وهو تصرف يرمي إلى محو الشخصية الجزائرية. - أن الجزائر جزء من المغرب (يعني المغرب العربي) وبذلك نمت في مهد الحضارة الإسلامية واحتضنت جانبا من أزهى جوانب هذه الحضارة. - أن فرنسا عند احتلالها للجزائر لم تجد شعبا أميا لا ماضي له، بل إنها اصطدمت بشعب له حضارته العريقة، وله ماض تاريخي وقيم وطنية. - أسفرت حروب الاحتلال على هدم المدارس والجامعات وخلو المراكز الثقافية من رجال العلم والأدب، وقد اغتصبت الحكومة الفرنسية الأوقاف التي كانت في خدمة الثقافة والعبادة. - كان التعليم الفرنسي للجزائريين متطابقا مع التعليم في فرنسا، ليس له خصوصية بالجزائر لأنه كان يهدف إلى إدماج الجزائريين، ثم إنه كان وقفا على الفرنسيين، أما الجزائريون الذين استفادوا منه فهم قلة، وإليكم إحصاءات رسمية صادرة سنة ١٩٥٣. التعليم الابتدائي: - جميع أبناء السكان الأوروبيين متمدرسون وعددهم ١٣٥٠٠٠. - أطفال المسلمين الذين في سن التعليم عددهم ١٩٦٩٠٠، ولكن عدد الذين يزاولون التعليم منهم لا يتجاوز ٢٦٦٠٠، وبذلك تكون نسبة الباقين في حالة أمية ٥، ٨٦%.

стр. 4662

التعليم الثانوي: - للأوروبيين ٢٤٠٠٠ طالب ثانوي، وللمسلمين ٤١٥٦ طالب ثانوي فقط. التعليم العالي: - للأوروبيين في جامعة الجزائر: ٥١٣٢ طالبا، وللمسلمين في نفس الجامعة: ٥٠٧ طلاب فقط. فنسبة الأمية في الجزائر ٨٠%. التعليم العربي: أما التعليم العربي فيقوم على جهود خاصة سيما منذ ١٩٣٠، رغم اضطهاد المعلمين وإغلاق المدارس ... (المقصود التعليم العربي الحر الذي تشرف عليه جمعية العلماء) (١).

стр. 4663

الفصل السادس المسرح والموسيقى والغناء وصلنا في كتابنا تاريخ الجزائر الثقافي فيما يتعلق بالمسرح والفنون إلى مشارف عهد الثورة، ولكننا لم ندرسه، وها نحن اليوم نريد مواصلة المسيرة بدراسة ذلك العهد وتتبع تطورات ما حدث خلال الثورة فنعثر على إنتاج مهم، سيما بعد أن دعمت الثورة نفسها هذا الإنتاج بإنشاء الفرقة المسرحية وصعود ممثلين ارتبطوا بالفكر الثوري وظهور مسرحيات جديدة تتبنى قضية الجزائر على المستوى الوطني والعربي والعالمي، وقد حدث مثل ذلك في الموسيقى والسينما والتصوير والخطاطة ... ولكن هناك جوانب لم نجد عنها معلومات جديدة هامة كالمكتبات والمتاحف، فقد ظلت المكتبة الوطنية والمكتبة الجامعية والمكتبات الولائية والبلدية تنمو وتضاف إليها الفهارس والكاتلوغات والدوريات ونحوها، ولكننا لم نعثر على دراسات أو رصد لهذه المؤسسات والأعمال، خلافا للعهد السابق للثورة، ويبدو أن تأثير الأحداث على المسؤولين الفرنسيين، ولا سيما المثقفون قد جعلهم يغادرون الجزائر بطريقة ارتجالية تاركين أوراقهم وتقاريرهم وراءهم بدون حماية ولا نظام أو أنهم أخذوها معهم فظلت بدون متابعة، كما أن إرهاب المنظمة السرية ضد المؤسسات التعليمية والعلمية وضد المثقفين ترك جانب المكتبات والمتاحف وغيرها في حالة فوضى وربما في حالة بؤس واندثار. ومع ذلك فقد أقمنا هذا الفصل على قواعد سابقه، كما قلنا، من خلال

стр. 4664

الإنتاج المتوفر من مصادره كما عرضنا حياة أصحاب الفنون المدروسة، وقدرنا جهدهم لأنهم أنتجوا في ظرف صعب للغاية، مما أدى بعدد منهم إلى التشرد والعيش في حالة خوف، وهي ظروف غير ملائمة للأعمال الفنية بطبيعتها. المسرح عشية الثورة بالنسبة للمسرح هناك روايات عديدة مثلت عشية الثورة، وكان المسرح نشطا بممثلين لهم تجربة ترجع إلى بداية العشرينات من القرن الماضي. تعرضنا في مكان آخر لتاريخ المسرح في الجزائر وكونه يرجع إلى العشرينات من القرن الماضي، وزيارة فرقة جورج أبيض المصرية سنة ١٩٢١، كما تعرضنا إلى مشكلة اللغة (هل هي الفصحى أو العامية، وهي على كل حال مشكلة ليست خاصة بالجزائر إذ تناولها كتاب معروفون مثل ميخائيل نعيمة وأحمد حسن الزيات، ومجاراة الجمهور في رغبته أو الارتفاع بذوقه، والمواضيع: هل تكون تاريخية أو اجتماعية أو للتسلية، ثم محاولات علالو ودحمون ورشيد القسنطيني وباش تارزي، وهل مهمة الممثل تنتهي عند إرضاء الجمهور وإضحاكه أو تبليغ رسالة له، وكيف سيطر القسنطيني على المسرح حتى اعتقد الناس أن وجود المسرح مرهون به، وقد بقي تأثيره إلى أوائل الخمسينات، كما ظهرت مشكلة التأليف المسرحي وغياب النصوص وجهل الممثلين وعدم أهليتهم لأداء دور المبلغ المثقف، وعقيدة الناس في أن الممثل ما هو إلا إنسان ساقط اجتماعيا وأخلاقيا، وغياب المرأة في المراحل الأولى من تطور المسرح (١). وقد عرفنا أيضا من ثقافة هذا العصر أن اللذين قاما بدراسة تاريخ المسرح الجزائري بالفرنسية هما الأخوان سعد الدين ورشيد بن شنب، وأخبرنا أحد كتاب المنار أن عثمان الكعاك قد ترجم بحث معد الدين بن شنب عن المسرح

стр. 4665

الجزائري إلى العربية ونشره في حلقات في مجلة (الثريا) التونسية، ويرى الكاتب أن التدخل السياسي قد منع المسرح من التطور وأن الاستبداد، كما قال، هو الذي أبقى المسرح في دائرة دار المهابل، وتاج العروسة، وفاطمة المقرونة، وأمثالها، وهي روايات في نظره لا تقدم شيئا مفيدا للمجتمع، وأرجع هذا الكاتب عدم تطور المسرح أيضا إلى عدم تطوير لغة الأداء، ورأى أنه إذا كان لا يمكن تقديم المسرحيات باللغة الفصحى فعلى الأقل بلغة تقرب منها، وأخبرنا أن يوسف وهبي قد حبذ هذا المنحى، ومع ذلك تبقى مشكلة التأليف المسرحي لأنه لا أحد قدم مسرحية في مستوى عالمي باستثناء (المولد) لعبد الرحمن الجيلالي، (وبلال) لمحمد العيد آل خليفة، و (حنبعل) لأحمد توفيق المدني، وأخبرنا هذا الكاتب أيضا أن رواية المولد قد مثلت في أهم الإذاعات العربية في العالم بما فيها إذاعات لندن ونيويورك وباكستان ومصر ... وإذا عجزنا عن التأليف فعلينا أن نعرب الإنتاج الأجنبي رغم أن هذا المنحى قد يضعف دور المسرح عندنا (١). إن عدم وجود النصوص هو الذي جعل أهل المسرح يلجأون إلى وسائل أخرى مثل الاقتباس أو الترجمة أو الرجوع إلى التراث، فهذه رواية (عائشة القادرة) اقتبسها عبد الرزاق كرباكة التونسي من ألف ليلة وليلة، وخلاصتها أن فتاة يتيمة خدعها الخادعون واغتصبوا منها تركتها من العقار والمتاع فقررت الانتقام من المجتمع، وخصوصا الرجال، حتى أصبحوا لها طائعين كالخاتم في الإصبع، مثلت دور البطولة فيها شافية رشدي ومعها الموسيقي صالح المهدي ومعهما كوكبة من الفنانين جاءوا ضمن الفرقة التونسية إلى الجزائر. ويبدو أن هذه الفرقة التونية كانت تتردد على الجزائر حتى أن أحد كتاب المنار تمنى أن تعمم التجربة ويصبح هناك تبادل للفرق الفنية بين البلدين (٢).

стр. 4666

كما اقتبست رواية (ولد الليل) من ألف ليلة وليلة أيضا، ولا ندري ما رسالتها السياسية والاجتماعية، فهي تمثل ملكا جائرا عاث فسادا في رعيته لكن ابنه انقلب عليه وخلص الناس من شره، وقد انتقد بعض النقاد طريقة التمثيل لأن الملك الجائر لا يظهر إلا في الفصل الأخير، أما قبل ذلك فالناس كانوا غاضبين عليه وكانوا يتحدثون عن ظلمه ولكنهم لا يرونه شخصيا، وفي الرواية موسيقى وطرب، وهي من اقتباس محيي الدين باش تارزي، كما أنها خليط من المأساة والملهاة والدراما (١). أما مسرحية (عائشة بوزبايل) فقد قيل إنها من صميم الأدب الخيالي الجزائري، وليس لها أصل في التاريخ ولا مؤلف، وموضوعها هو محاولة هروب عائشة وزوجها من سجن الملك وانتباه الحراس لهما، ثم إنعام الملك عليهما بالعفو مما أدخل السرور عليهما، ويبدو أنها مسرحية ملهاة أثارت كثيرا من الضحك والتسلية على يد محمد التوري وكلثوم وحبيب رضا، وقد نصح الناقد بعدم اللجوء إلى التقليد الأعمى للموسيقى المصرية وتمنى أن يبدع الجزائريون موسيقى خاصة بهم (٢). قدم المسرح أيضا مسرحيتين أخريين الأولى بعنوان (منيب) المترجمة عن الفرنسية، ولم تقدم جديدا حسب بعض النقاد، أما المسرحية التي جاءت بالجديد فهي (كيد النساء) التي أبدع باش تارزي في تأليفها وجعلها تتلاءم مع الذوق الجزائري ووصف فيها أخلاق النساء اللائي يخربن البيوت كما أخرجن آدم من الجنة، والشخصيات التي مثلت الرواية جديدة أيضا بمن فيهم المرأة التي كادت للرجال وأتقنت دورها، وهي نورية، ومن رأي هذا الناقد أن المسرحية جعلت المسرح الجزائري يقفز من طور الصبا إلى طور الشباب والفتوة (٣).

стр. 4667

وهناك رواية تمثل حالة اجتماعية متداولة وهي صراع تقليد الأجانب (الفرنسيين) أو التمسك بالتقاليد الاجتماعية الإسلامية، فالبطل هنا ابن باشاغا كان متزوجا من امرأة مسلمة من بيئته، ثم وقع في شرك امرأة إفرنجية مستهترة غيرت مجرى حياته، ودخل في الانتخابات والسياسة، ولكنه في نهاية المطاف طلق هذه المرأة وهرب إلى زوجته الأولى التي بقيت محافظة على تعاليم الإسلام، وقد اعتبرت الرواية من أفضل ما أنتجته القريحة الجزائرية عندئذ، رغم أننا لا نعرف مؤلفها، ولا شك أن كون الموضوع اجتماعيا/ سياسيا هو الذي أعطاها هذه الأهمية، فهو يتعرض للعلاقة بين المعمرين والمتعاملين الجزائريين معهم (١). في فاتح سنة ١٩٥٣ مثلت على خشبة المسرح رواية (تحيا الأخوة) من تأليف الشيخ بودية مرسلي الذي قال عنه أحد النقاد إنه لم يدرس الأدب المسرحي، رغم أنه سبق له التأليف فيه، ومن رواياته (أجبذ يماهم)، وهي رواية فاشلة حسب بعض النقاد، أما رواية تحيا الأخوة فقد مثلها باش تارزي ومحمد التوري، ويبدو أنها تعرضت إلى أشخاص بأعيانهم وربما كانت أنجح من أختها (٢). وتأتي بعد ذلك رواية سوفكليس (أنتيقون)، وهي الرواية التي ترجمها طه حسين عن الأدب اليوناني القديم، ومن تعاليق النقاد عليها أن الرواية مليئة بالعواطف والمشاعر المتصارعة والجياشة لشخصيات ذات وزن، ومن الصعب على العامية أن تعبر عن هذه العواطف التي تعتمل في شخصيات الرواية مما يدل ربما على أن الممثلين قد أدوها بالعامية وليس بالفصحى، وقد مثلتها كوكبة من الممثلين والممثلات (٣). ومن الروايات التي لفتت الأنظار رواية (الآغا مزغيش)، وقد قيل إن

стр. 4668

موضوعها غير جديد لأن أناتول فرانس قد عالجه من قبل، ومن ثمة يكون موضعها مقتبسا، وعلى كل حال فإن بطلها قد مثله حسن الحسني، فالبطل قد اتهم بإهانة مارشال فأدخلوه السجن وحين خرج من السجن هتف يحيا المارشال فأعادوه إلى السجن، فاحتار البطل في أمره: هل يمدح المرشال أو يذمه (١)). ولم تكن المسرحيات كلها اجتماعية أو للتسلية بل كان منها ما هو احتفالي بالمناسبات الدينية والتاريخية، فبمناسبة المولد النبوي الشريف أقام باش تارزي حفلة، مثلت أثناءها رواية بطل قريش لمحمد الطاهر فضلاء، وبعد التمثيل أقيمت حفلة طرب المدائح الدينية شارك فيها منشدون أمثال عبد الرحمن عزيز وعلي معاشي (٢). من الروايات التي لفتت انتباه النقاد وأثارت كتابات في الصحافة رواية (الصحراء)، وهي رواية تمثل كفاح ليبيا ضد إيطاليا، وقد قام فيها محمد الطاهر فضلاء بالدور الرئيسي وامتدح على أدائه الجيد، وقد سبق له أن مثل رواية أخرى بنجاح وهي (ليلى بنت الكرامة) ورواية (بطل قريش) التي تحمل رسائل للشعب عن تراثه وانتمائه، كما سبق له أن مثل المولد للجيلالي، ويبدو أن رواية الصحراء قد مثلها يوسف وهبي من قبل. وما يلفت النظر بهذه المناسبة هو ما أثاره تمثيل الرواية مجددا من حديث حول الأداء بالفصحى أو بالعامية، فرواية الصحراء مثلت بالفصحى، ومع ذلك تجاوب معها الجمهور وصفق لها في الأماكن التي تستحق التصفيق، وأرجع أنصار الفصحى الدعوة إلى العامية إلى العجز عن التأليف بالفصحى وعدم التدرب عليها عند القيام بالتمثيل، ومن الذين انتقدوا تمثيلها بالفصحى مصطفى غريبي في جريدة (ليكو دالجي) فقد قال إن العامية تجعل فائدتها أكثر (٣).

стр. 4669

ويبدو أن العناية بالتمثيل والمسرح بلغ درجة متقدمة من الاهتمام عشية الثورة، فبالإضافة إلى التمثيل ظهرت جمعيات وفرق في العاصمة وغيرها مثل قسنطينة، كما أعلن عن بعض المسابقات لتشجيع المواهب في هذا الميدان، من ذلك فرقة هواة المسرح التي أنشأها محمد الطاهر فضلاء بالعاصمة والتي كان هدفها هو الارتقاء بالتمثيل العربي لكي يؤدي رسالته على خير وجه، وقد أعلنت فرقة الهواة أن بداية موسمها سيكون نهاية ديسمبر ١٩٥٣ بسينما الجمال وأنها ستفتتحه بتمثيل مسرحية (بيومي أفندي) ليوسف وهبي، كما أعلنت لجنة تسمى لجنة تنظيم مسابقة الجائزة المسرحية بشمال إفريقيا لمن يؤلف مسرحية بالعربية أو بالفرنسية في موضوع يتصل بشمال إفريقيا، ولكننا لم نطلع على شروط المسابقة ولا على من تقدم لها بعد ذلك (١). ولا ندري إلى أي مدى كان هناك تعاون بين المسرح الجزائري والمسرح الفرنسي فيما يتعلق بالتمثيل والاقتباس والترجمة والقيام بجولات داخل الجزائر أو خارجها، فالمسرح الجزائري لا يملك مكانا خاصا به، وهو يعتمد في نشاطه على تسهيلات المسرح الفرنسي (الأوبرا في العاصمة والمسارح الجهوية في قسنطينة ووهران وعنابة ...)، وقد وجدنا من يكتب عن المسرح الفرنسي على أنه هو الجزائري عندما تحدث أحدهم (مصطفى غريبي) عن أول مهرجان جزائري للمسرح (٢). وبالإضافة إلى المسرحيات التي أتينا على ذكرها عرضت في الجزائر المسرحيات التالية التي ظهر بعضها على شاشة التلفزيون أو مثلت على الأثير في الإذاعة الفرنسية: منها تمثيلية إذاعية بعنوان (الأمير السعيد)، وهي قطعة فكاهية كتبها فؤاد سليم، ثم مسرحية القديس أوغسطين ومسرحية غوستاف فلوبير، وكلاهما مثلت في الإذاعة، ولمحمد الطاهر فضلاء وغيره مسرحيات عديدة

стр. 4670

مثلت في الإذاعة، أضف إلى ذلك ما كان يقدمه مسرح الهواة في مستغانم ومسرح سيدي بلعباس من مسرحيات (١). المسرح أثناء الثورة: باش تارزي خص أبو العيد دودو مسيرة المسرح الجزائري بدراسة منذ الأربعينات فقال: ظل المسرح بيد رشيد القسنطيني، ثم محيي الدين باش تارزي الذي نهض بالمسرح الاجتماعي والذي بقي مديرا للمسرح حوالي عشر سنوات، وقدم خلالها مسرحيات عربية وأوروبية مترجمة، وطور المسرح الشعبي، ثم اختفت جهوده سنة ١٩٥٦ في ظروف غامضة، وخلال الثورة أنشئت فرقة مسرحية قادها مصطفى كاتب ساهمت في التعريف بالقضية الوطنية في البلدان العربية (٢). حقيقة أن محيي الدين باش تارزي التزم بالمسرح الاجتماعي وطوره وأخضعه لمقاييس شعبية في لغته وموضوعاته، ولكن مصطفى كاتب خدم المسرح أيضا ولكنه انضم إلى جبهة التحرير في تونس وساهم في تطوير المسرح بجعله يهتم بالقضية الوطنية، أي (بأدلجته) وإدخاله عالم الفكر والعقيدة السياسية، فأصبح مسرحا ملتزما بلغة الاشتراكيين والتقدميين في ذلك الوقت، ومع ذلك يجب الاعتراف بأن باش تارزي قد لعب دورا كبيرا في تطوير المسرح تمثيلا وإدارة وتأليفا وترجمة وتخطيطا كما كشفت، عن ذلك مذكراته وبعض المصادر الأخرى (٣). ويبدو أن باش تارزي كان محترما بين زملائه في المسرح لماضيه في خدمة المسرح منذ العشرينات من القرن الماضي ولكفاءته الفنية والثقافي، وها هو الآن يضع برنامجا لتطوير وتنشيط المسرح بالتعاون الداخلي مع الإدارة الفرنسية والتعاقد الخارجي مع البلاد العربية وخصوصا مصر، وكانت له رؤية

стр. 4671

بعيدة في جعل المسرح يخدم أهدافا اجتماعية وأخلاقية معينة. عند افتتاح موسم ١٩٥٤ - ١٩٥٥ عقد باش تارزي ندوة صحفية ألقى فيها خطبة بالفرنسية لخص فيها خططه وأهدافه، وقد دأب على ذلك في كل سنة منذ أن تولى إدارة المسرح، ففي السنة المذكورة عرض زميله عثمان بوقطاية أفكاره التي وردت في خطابه الأخير فقال إن باش تارزي مدير الأوبرا (المسرح) بالجزائر ووهران وقسنطينة وعنابة وإنه التقى مندوبي الصحف والإذاعة ورجال الفكر والقلم والمنظمات المعنية، وكان من بين الحاضرين أيضا مندوب شيخ بلدية الجزائر ومدير إدارة الفنون الجميلة، كما لبى الدعوة بعض الممثلين والممثلات، كان خطاب باش تارزي طويلا تحدث فيه عن ماضي المسرح الجزائري والأطوار التي عرفها وكيف تغلب على العراقيل التي اعترضته، وقال إن الصحافة التونسية والمغربية والمصرية تكتب عن المسرح الجزائري وعن الفن الجزائري وتتحدث عنه المجالس والمنتديات، ونوه بالإعانات التي تلقاها المسرح من الإدارات المسؤولة الفرنسية وقال بفضلها سيتمكن من التغلب على الصعوبات ويبلغ بالمسرح المكانة المرموقة، وذكر أسماء المطربات والمطربين الذين سيزورون الجزائر خلال الموسم، وهم من مختلف الأقطار العربية (١). وقد كشف باش تارزي لسامعيه عن عدد الروايات المتنوعة التي سيمثلها المسرح خلال الموسم، كما أخبرهم عن التعاقد الذي حصل بينه وبين أفراد وفرق من تونس والمشرق لزيارة الجزائر، ومنهم يوسف وهبي وبعض أعضاء فرقته (٢).

стр. 4672

وأضاف باش تارزي أنه تعاقد أيضا مع مجموعة من أعلام الفكاهة والفن المصري لزيارة الجزائر، منهم الراقصات والمضحكون والمضحكات ... ثم قدم نصائح للممثلين على خشبة المسرح وحثهم على العمل والجد. وعد باش تارزي بتمثيل عدة روايات خلال الموسم، كلها ذات موضوع اجتماعي، وبعضها مترجم إلى العربية، منها دون جوان لموليير، وهارون الرشيد والبرامكة، وبنات الهوى ليوسف وهبي، وغادة الكاميليا للإسكندر دوما، وكيد النساء، ودولة النساء لمصطفى كشكول، ويوم الحساب لعامر التونسي، وورش علي، ومدرسة النساء لموليير، وليلة خير من ألف ليلة وليلة لصالح الزواوي، وصالح باي لحسن دردور، وفاطمة البدوية لمحمد الجاموسي، هذه كلها روايات تعرض لأول مرة حسبما كتب بوقطاية الذي لخص وعود باش تارزي، أما الروايات التي سيعاد تمثيلها لإعجاب الناس بها فمنها البنت الوحشية، وولد الليل، وبوقرنونة، واللصوص الثلاثة، وأذان الفجر، والمولد ... (ربما هي المولد النبوي للجيلالي). وقد افتتح الموسم المسرحي برواية دون جوان لموليير، واختار لها المعرب عنوانا ملفتا هو (الكافر بأمر الله)، فكانت محل إعجاب الجمهور (١). وإذا تأملتا في تاريخ افتتاح الموسم المسرحي فسنعرف أنه أيضا هو تاريخ افتتاح الثورة، ولكن الثورة ظلت غير مؤثرة على مستوى العاصمة إلى سنة ١٩٥٦ حين تغيرت الأمور وشملت الأحداث مختلف جهات ومدن الوطن، ولذلك قال أبو العيد دودو إن باش تارزي قد اختفت جهوده سنة ١٩٥٦ بطريقة غامضة، فهل غادر، الجزائر؟ وعلى كل حال فنحن لا نعرف كيف انتهى موسم ١٩٥٤ - ١٩٥٥، أما الموسم التالي فهو الذي يبدو قد تأثر بالأحداث، فلم تبق العاصمة والمدن الأخرى على هدوئها، ولم يبق الممثلون في أماكنهم، كما أن

стр. 4673

الفرق والأفراد الزائرين للجزائر قد انقطعت بهم السبل أو لم يغادروا بلدانهم أصلا. حقا إن الموسم ١٩٥٥ - ١٩٥٦ قد بدأ بدايات مشجعة، فقد تعين باش تارزي من جديد مديرا للمسرح للمرة التاسعة، وكذلك مديرا لفرقة المسرح العربي الجزائري، وعقد أيضا مؤتمرا صحفيا شرح فيه برنامجه الفني للسنة الجديدة، وعلى إثر عودته من رحلة قادته إلى تونس ومصر، كانت له فرصة التعاقد والتعاهد مع الفنانين والفرق المسرحية لزيارة الجزائر، ولذلك جاء بحزمة من الوعود إلى مؤتمره الصحفي ليبرهن على نجاح سفرته وعلى النشاط الذي تحمله الأيام إلى المسرح وأهله، وقد ذكر أنه في مصر تعاقد مع ثلاث فرق هي فرقة يوسف وهبي وفرقة نجيب الريحاني وفرقة فاضل شوا، وتأسف على أن الظروف الراهنة لم تساعد الفرق المذكورة على زيارة الجزائر وتقديم عروضها فيها، وهو يشير بذلك إلى تطور أحداث الثورة مما أدى إلى تأخير افتتاح الموسم المسرحي إلى ٢٥ أكتوبر ١٩٥٥، ولكن الوضع قد ازداد توترا بالنسبة لسكان المدن، فإذا كانوا ينتظرون الهدوء، فإن ذلك كان أضغاث أحلام، ومن ثمة اضطرب برنامج الموسم الثقافي، ومنه المسرح. وعلى كل حال فلندع الآن باش تارزي يقدم نشاطه الموعود في الموسم الجديد رغم أسفه، فقد وعد سامعيه بأن فرقته ستحاول إرضاء جميع الأذواق على الرغم من عدم وصول الفرق الزائرة، وشكر رجال بلدية الجزائر على حضورهم وعلى الدعم الذي قدموه لفرقته ماديا وأدبيا، وأصر على أنه تعاقد مع نفس الفرق التي تعاقد معها في الموسم الماضي، ثم وزع الأدوار على أعوانه فقال إن رئاسة الجوق الموسيقي ستبقى في يد مصطفى اسكندراني وإن قدور الصرارفي (من تونس) سيكون سندا أيضا لزميله اسكندراني في قيادة الجوق الموسيقي، ووعدهم بأنه سيوجه المسرح وجهة جديدة فيكون الاهتمام بالدراما والميلودراما أكثر من الاهتمام بالمسرحيات الفكاهية وحفلات الرقص والاستعراض، وربما نلاحظ أن هذا التغيير في التركيز على الدراما ونحوها

стр. 4674

ينسجم مع جدية الوضع الجديد. أما الروايات التي وعد بتمثيلها فهي مغتصب التاج، وسيدي المقدم. والطلاق، وجميعها من تأليف جزائريين، وستمثل بعض الروايات بالفصحى أيضا مثل سر الحاكم بأمر الله، والحجاج بن يوسف، وسر شهرزاد، وهي روايات تاريخية عربية نذات نكهة أدبية من تأليف كتاب من المشرق، ويشترك في تمثيلها محمد الطاهر فضلاء الذي تخصص في التمثيل بالفصحى والذي أضاف إلى خبرته القديمة في المسرح خبرة جديدة بعد زيارته الأخيرة إلى المشرق العربي، وبالإضافة إلى ذلك هناك روايات جديدة من نوع الأوبريت، منها رواية علي بابا والأربعون لصا، وليلة خير المقتبسة من ألف ليلة وليلة، والأميرة الأندلسية، كما أن هناك روايات سيعاد تمثيلها لأن الجمهور استحسنها في الموسم السابق. والملاحظ أن عبد الرحمن كيوان (عضو حركة الانتصار) نائب شيخ البلدية، كان من الحاضرين، وهو الذي نوه باسم البلدية بجهود باش تارزي في خدمة المسرح العربي الجزائري، على إثر انتهاء باش تارزي من إلقاء كلمته في المؤتمر الصحفي، وللإشارة نقول إن شيخ البلدية المنوه به هو (جاك شوفالبيه) السياسي الفرنسي الليبيرالي الذي تقرب من الساسة الجزائريين، ومنهم منتخبو حزب الشعب، ومما يذكر بهذا الصدد أن السيد كيوان لم يلبث أن غادر الجزائر وانضم إلى الوفد الجزائري (جبهة التحرير) في الخارج، وقد التقينا به وتحادثنا معه عدة مرات في مكتب المغرب العربي بالقاهرة (١). كانت زيارة باش تارزي الأخيرة إلى المشرق في شهر فبراير ١٩٥٥، وقد أشرنا إلى أنه لم يكتب عن رحلته إلى المشرق بنفسه وإنما ساق رحلته في كلمته التي لخصها عثمان بوقطاية، فقال هذا إن باش تارزي له أكثر من ثلاثين سنة في خدمة المسرح الجزائري، وإنه بدأ رحلته بتونس وانتهى بمصر وسوريا

стр. 4675

ولبنان، وإنه تعرف على الأوساط الفنية والتقى بالمطربين والمطربات وأخذ معهم الصور، كما التقى بالمخرجين والممثلين، كما حضر حفلات عديدة وشاهد مسرحيات وأقلاما، وعقد مع أشهر الفرق اتفاقات، وهذه العقود كانت فيما يبدو الهدف من الرحلة، بل حدد معهم تواريخ وجداول، واختار الروايات التي شاهدها في مصر لتمثل في الجزائر أيضا، وبذلك يكون قد قام بخدمة جليلة للمسرح الجزائري (١). مجلة مصرية تكتب عن المسرح الجزائري . وبمناسبة زيارة باش تارزي لمصر كتبت (مجلة الفن المصرية) عنه وأسمته (والد المسرح الجزائري)، وقد تحدثت عن موهبته الفنية ونشاطه وحبه للفن والمسرح، وقارنت بين ما يقدمه المسرح الجزائري والمسرح المصري من روايات لجمهورهما، والمعلومات التي ساقتها المجلة ربما تكون معلومات نادرة عن باش تارزي لأنه قد يكون خصها بها، ومهما كان الأمر فإن المجلة كتبت مقدمة عن أوليات الرجل وموهبته وصوته العذب وبدايته بترتيل القرآن الكريم في شبابه بالجامع الكبير بالعاصمة، ثم عن تعلمه الموسيقى وهو شاب وتدربه على الغناء طبقا للأصول الفنية على أستاذ أوروبي (كذا)، ثم أخذ يلحن أغنيات من تأليفه، فهو - حسب المجلة - شاعر مطبوع، وقد سجلت له شركات الاسطوانات بين ١٩٢٠ - ١٩٢٩، أكثر من خمسمائة (٥٠٠) أسطوانة. وأضافت المجلة المصرية أن الشاب باش تارزي هوى التمثيل فجأة. ونجح فيه مما جعله ينشئ فرقة خاصة به، ثم أصبح مديرا إداريا للأوبرا في الجزائر ووهران، كما عين مديرا للفرقة البلدية الجزائرية التي كانت تضم ٧٢ فردا من أشهر الممثلين والمطربين، وقد طاف هؤلاء الجزائر وشمال إفريقيا لتقديم حفلاتهم، ولا شك أن هذه الأرقام والصفات وإن كان فيها الكثير من

стр. 4676

الصحة فإن فيها أيضا الكثير من المبالغة، لأن الفن المسرحي وغيره من الفنون لم يكن من أولويات أهل الجزائر. واعترفت المجلة أن باش تارزي كان يحسن استقبال الفرق المصرية الزائرة للجزائر ويحب الفن المصري وأهله، وفي رأيها أن باش تارزي أصبح منذ ١٩٢٠ صديقا للفنانين المصريين، مثل فرقة جورج أبيض التي زارت الجزائر في تلك الفترة، رفقة فاطمة رشدي وبديعة مصابني ونجيب الريحاني وبابا عز الدين، ولا تنسى له هذه الفرق ترحيبه بها، على أن باش تارزي جاء هذه المرة إلى مصر ضيفا، وتعاقد مع يوسف وهبي لزيارة الجزائر (في يونيو ١٩٥٥)، والمعروف أن يوسف وهبي كان قد زار الجزائر على رأس فرقته القومية سنة ١٩٥٤ فوجد ترحيبا كبيرا وأحرز نجاحا عظيما فنيا وسياسيا وإعلاميا من مختلف التيارات الجزائرية، واحتفت به جمعية العلماء وتبادلوا معه الخطب والمشاعر كما احتفى به شيخ بلدية الجزائر الفرنسي جاك شوفالييه. شمل حديث المجلة مع باش تارزي سؤاله عن المنحة السنوية التي تمنحها الدولة (الفرنسية) للفرقة الجزائرية على يدي بلديتي العاصمة ووهران، فقدرها بخمسة وعشرين مليونا من الفرنكات ٢٥ ألف جنيه)، إضافة إلى تمكين الفرقة من المسارح مجانا طيلة أيام التمثيل، أما عن منح البلديات الأخرى فهي قليلة، وهي تتمثل في تخليها لهم عن المسارح مجانا عندما يذهبون للتمثيل عندها، ويبلغ عدد المسارح في الجزائر كلها ٤٢ (اثتين وأربعين) مسرحا، كل منها يضارع (دار الأوبرا) المصرية، ربما في الحجم والأثاث. أما موسم التمثيل فيمتد عبر سبعة أشهر، والتمثيل ليس يوميا ولكنه يتم في يوم واحد في كل بلدة أي بمعدل حفلتين في اليوم الواحد، مثلا في مدينة الجزائر يقدمون حفلتين كل يوم اثنين، وفي وهران حفلتين كل يوم جمعة، وإذا كانت الروايات جديدة فإن القاعة تغص بالجمهور أيام التمثيل، والمسرحية لا تعاد إلا بعد عام، وقال باش تارزي للمجلة المصرية إن عدد المؤلفين في

стр. 4677

الجزائر يقاربون المائة، وفيهم الجيدون، وهذا قول يخالف الواقع لأن الشكوى كانت دائما منصبة على عدم توفر النصوص، أما بالنسبة للروايات الناجحة فقد ذكر منها روايات يوسف وهبي مثل أولاد الشوارع، وأولاد الفقراء، ورجل الساعة، والخيانة العظمى، ثم روايات مسرح الريحاني، وأخبرها أن اللهجة المصرية ليست عائقا لأن الجمهور الجزائري يفهمها، بل يفضلها على الفصحى، والفضل في رواج اللهجة المصرية يرجع إلى السينما المصرية. بالنسبة لهذا القطاع (السينما) فإن أحب الأفلام المصرية لدى الجزائريين هي الأفلام الغنائية، حسب قوله، خصوصا أفلام فريد الأطرش وعبد الوهاب، أما ما أسمته المجلة الرقم الجديد (عبد الحليم حافظ) فستصل إيرادات أفلامه في الجزائر إلى أرقام قياسية، وكان باش تارزي صريحا مع المجلة حين لاحظ لها أن الجزائريين ينتقدون الأفلام المصرية على ما فيها من الرقص الخليع لأنهم ينظرون إلى مصر على أنها حافظة التراث العربي الإسلامي. وفي الجزائر يتقاضى الممثل المسرحي شهريا ما يعادل مائة وعشرين (١٢٠) جنيها مصريا عدا عمله في الإذاعة والتلفزيون، وقد لاحظت المجلة أن الجزائر هي أول قطر عربي دخله التلفزيون، ويبدو أن المجلة قد تأثرت بما رواه لها باش تارزي عن رعاية السلطات الفرنسية للمسرح العربي في الجزائر فطلبت من المسؤولين المصريين أن يقرءوا هذا الحديث الصريح مع باش تارزي وأن يأخذوا منه العبرة، ولا سيما فيما يتعلق بعدد المسارح والمنح (١). ورغم ما في هذا الحديث من مبالغة أحيانا فإنه مفيد في إعطائنا صورة مفصلة عن وضع المسرح وعلاقته بالمسؤولين الفرنسيين ورسالته ودور الممثلين وعددهم والمؤلفات وعلاقة الفن الجزائري بالفن العربي، وقد قدم لنا الحديث أيضا صورة دقيقة عن الذوق العام بالنسبة للسينما وسمو الذوق الجزائري.

стр. 4678

والتمسك باحترام القيم الإسلامية، وقد كنا سنشير إلى جزء من هذا الحديث في فقرة السينما ولكننا فضلنا إيراده هنا لأنه لا يخص السينما الجزائرية ولأنه يتحدث عن الذوق العام إزاء اللهجة الدارجة وإزاء الموضوعات المطروقة في الأفلام المصرية، ونلاحظ كذلك أن افتتاح التلفزيون في الجزائر كان في سنة ١٩٥٦ وليس قبل ذلك. من شهرزاد إلى أبناء القصبة ولا ندري في هذا المقام أين يقع تمثيل الجزائريين بعض المسرحيات أمام جمهور فرنسي، فالسيد باش تارزي لم يحدثنا عن ذلك، ولكننا وجدنا تنويها بتمثيل مسرحيتين باللغة الفرنسية أمام جمهور فرسي في قاعة النفق الجامعي بالعاصمة (الدكتور دودو حاليا)، إحداهما سرحية شهرزاد التي رجع إلى الفن العربي الإسلامي والأخرى مسرحية (أمفيتريون) Amphitrion التي رجع إلى التراث الروماني، وتعتمد الأولى على القص الشرقي المستخرج من ألف ليلة وليلة كما هو متمثل في الحديث الذي دار بين (شهرزاد وشهريار)، ومن أبرز الممثلين في المسرحيتين هو مصطفى كاتب وعلال المحب، بالإضافة إلى بعض الفرنسيات، وقد ظهر في العملين المقارنة بين ثقافتين، فمن جهة هناك مأساة شهرزاد وصراع الروح والمادة واللذة والضعف الإنساني أمام سحر المرأة، ومن جهة أخرى هناك التطلع إلى المادة ونيل الجاه والعظمة في رواية (أمفيتريون)، فهي رواية ضاحكة وتعتمد على القصص الخيالي في عالم الآلهة، وتمثل عشق الإله جوبيتر، كبير الآلهة عند الرومان، لامرأة هي زوج قائد روماني ترك الأهل والوطن ليحارب من أجل الشهرة والمجد، وفي غيابه جاء جوبيتر متنكرا في صورة الزوج القائد إلى المرأة المهجورة صحبة (ساتورن) رسول الآلهة الذي تنكر هو أيضا في زي خادم، ولكن الزوج الحقيقي رجع فجأة واتهم زوجته بالخيانة (١).

стр. 4679

وقد يستغرب المرء قيام جزائريين، وفي سنة ١٩٥٥، بتمثيل موضوعات على هذه الشاكلة وأمام جمهور فرنسي وبلغة فرنسية، هل من هدف؟ قد ينظر الناظر إلى شهرزاد على أنها كانت تؤدي وظيفة الجزائر عندئذ التي اخترع لها كاتب ياسين (نجمة) في نفس الفترة، فبينما كان الشبان الأربعة يصارعون - حسب رؤية ياسين - من أجل الظفر بنجمة كان شهريار - ولنقل إنه الاستعمار الفرنسي - يعمل على الفوز بشهرزاد (الجزائر) بمختلف حيله وقواه، ولكن ما الهدف من وراء (أمفيتريون) وخيانة الجميع حتى الإله جوبيتر .. والقائد الذي يبحث عن المجد في الجزائر التي تهرب من بين أصابع الاستعمار؟ لا ندري إن كان هذا التحليل مناسبا، ولكن من الأكيد أن تمثيل هذه المشاهد سنة ١٩٥٥ كان غير مناسب، ولذلك سنجد طائفة من الممثلين يغادرون الجزائر ليبحثوا لهم عن المجد في ظل الوطنية وعن نجمة في غمرة الملحمة الثورية الحقيقية. من نشاط الفرقة الوطنية الفنية بمناسبة عرض مسرحية (أبناء القصبة) سجلت المجاهد (بالفرنسية) الحديث التالي مع رئيس الفرقة الفنية، مصطفى كاتب ومؤلف المسرحية عبد الحليم رايس، وقبل أن نلم بالحديث نقول إننا سنتكلم على الفرقة الجديدة التي أنشئت في تونس خلال الثورة، وعن بعض أعضائها، ولكننا الآن نريد أن نعرف أن تجربة باش تارزي مع المسرح إلى منتصف الخمسينات قد تطورت على يد مصطفى كاتب إلى لون آخر من المشاركة العملية الفنية في الثورة، أو كما قال صاحب الحديث إن المسرح أصبح واقعيا وملتزما، فهو مسرح الشعب ومسرح جبهة التحرير في موضوعه ولغته وأدائه، دعنا الآن نتابع الحديث الذي جرى في إحدى الفيلات بضواحي تونس العاصمة، خلال شهر مايو ١٩٥٩، وقد حضره بالإضافة إلى كاتب ورايس، أعضاء الفرقة الفنية الجديدة. كتبت مسرحية أبناء القصبة (أحيانا تسمى أطفال القصبة) في ظرف خمسة عشر يوما، وقامت الفرقة بالتدرب عليها بحماس، وهي التي اختارت لها

стр. 4680

الديكور المناسب من الطاولة الرئيسية إلى الفوارة داخل البيت الجزائري ذي الطراز الأندلسي، والمدخل الممتد للمنزل، كما مثلت قصة القنبلة التي عاشها اثنان من أعضاء الفرقة والتي أبطل مفعولها طالب (هل هو طالب عبد الرحمن؟) نفسه قبل خمس دقائق من انفجارها، إن كل ما في المسرحية تقريبا عاشه أفرادها في الجزائر، ولم يكن الهدف من كتابتها وإخراجها على ذلك النحو وتمثيلها للدعاية أو الكتابة حسب الطلب، كما قد يظن البعض، بل لقد كتبت المسرحية نفسها بنفسها، إن المؤلف قد أعطى نبذة عن نشاط الثورة في القصبة آخر ١٩٥٦ وأوائل ١٩٥٧، وهي في الواقع تصدق على كل قصة في الجزائر، وبالإضافة إلى ذلك هناك قصة عائلية داخل الثورة، فهناك إذن تداخل بين القصبة والثورة والعائلة. لقد أعطت المسرحية أهمية خاصة للمرأة المكافحة، فشخصية ميمي كانت تعبر عن صلة الوصل مع الثوار، إنها شخصية هادئة ودقيقة، إنها تمثل (جميلة بوحيرد) كما عرفها المتحدث أثناء العمل، وكذلك الفتاة مريم والأم يمينة، فكلهن عرفهن المؤلف، وهن بمثلن في المسرحية آلاف النساء الجزائريات، أما أدوار الرجال فقد قام بها الشاب عمر المنحرف الذي أصبح مكافحا، ثم توفيق الذي كان مسؤولا وبقي لا يحب الظهور، وكان ذلك يجري وسط الفرنسيين الذين يمثلون مختلف الشرائح: الزواف، والمخبرين، والمرتزقة. بالنسبة للغة لاحظ مصطفى كاتب أنهم استعملوا دارجة القصبة باعتبار المسرحية في نظره واقعية، والواقع يفرض ذلك، إنها لغة الشعب في الشوارع والأسواق، لقد اختاروا الواقعية في الشكل، أي لغة أهل العاصمة بكل نبراتها الخاصة وتعبيراتها، إن العائلة التي تتحدث عنها المسرحية من الشعب فهي تتكلم لغة الشعب، بينما الفرنسيون في المسرحية يتحدثون لغتهم، وليس من الواقعية في شيء - في نظره - استعمال العربية الفصحى (الكلاسيكية - حسب تعبيره)، ولو تكلم الممثلون بالفصحى لنزعوا عن المسرحية نكهتها.

стр. 4681

وعندما سئل عن محدودية الجمهور عند استعمال اللغة الواقعية إذ تفقد مثلا جمهور البلاد العربية، اعترف كاتب بأن ذلك حق، لأن هذه المسرحية لا يمكن فهمها إلا من الرباط إلى بني غازي، ورأى أنه إذا كان لابد من توجه المسرحية إلى جمهور أبعد من هذه الرقعة فيجب أن يكون هناك كتاب يحتوي على النص العربي الفصيح، واعترف بأن ذلك من مشاكل المسرح الجزائري منذ نشأته، (بل هي من مشاكل المسرح العربي في جميع الأقطار) أما هو شخصيا فهو يفضل استعمال لغة الأم ولغة (سوق الخضرة)، وتمنى أن يأتي اليوم الذي يصبح فيه استعمال العربية الفصحى ممكنا، أما الآن فالذي يهم هو أن يكون هناك جمهور يفهم ويشارك، ولكي يتحقق ذلك لا بد من استعمال اللغة المتداولة، لأن استعمال العربية الفصحى يفقدنا جمهورا عريضا، وفي نظره أن اللغة العربية الفصحى تصلح للتراجيديات. ثم إن مشكل المسرح لا يتمثل في اللغة وحدها ولكن في الموضوع أيضا، إن (أبناء القصبة) لا تمثل توجيها جديدا وإنما تمثل تطورا، فمنذ ظهور المسرح الجزائري رسم الطريق، وهو طريق الواقعية، ولكي يعيش المسرح الجزائري ويخاطب الجمهور يجب معالجة الموضوعات التي تهم الشعب سواء في حياته مع الاستعمار أو في حياته الإنسانية العامة، فقبل الثورة كانوا يستعملون لغة الرموز ويقومون بأدوار ملتوية للهروب من الرقابة سواء بالنسبة للمسرح أو للإذاعة، ولكن المتفرجين كانوا يفهمون المقصود ويتابعون الممثلين، ويبدو أن مواضيع الحياة الاجتماعية هي التي كان يفضلها الشعب فقلد المؤلفون، وأحيانا اقتبسوا، مسرحيات أجنبية تنسجم مع هذا الذوق، فمثلا مسرحية (البرجوازي المهذب) حولوها إلى (أغنياء السوق السوداء) مع عدد من الشخصيات المناسبة، لقد كان المسرح الجزائري دائما واقعيا بل رائدا في الواقعية ولكنه كان أحيانا رمزيا موجها إلى جمهور محدود بينما الفنانون يريدون جمهورا عريضا، وهكذا مثلت (أبناء القصبة) خطوة إلى الأمام في تطور المسرح، ذلك أن الممثلين لم يهاجموا الاستعمار وإنما أصبحوا يتحدثون عن

стр. 4682

الشعب في حاضره، فكان المسرح هو وسيلة الفنانين في المقاومة، فهو مسرح ملتزم، مسرح شعب في حرب، مسرح جبهة التحرير، واعترف مصطفى كاتب بأن الاستقلال سيأتي بمشاكل جديدة للمسرح وعليه أن يواجهها، ومنها المواضيع الجديدة والطرق الجديدة للتعبير، وبالفعل عاش مصطفى كاتب نفسه بعد الاستقلال وتولى شؤون المسرح في وزارة الثقافة والإعلام وواجه هذا التحدي الجديد (١). أما الفرقة الفنية الجزائرية الجديدة فقد ظهرت سنة ١٩٥٨ في تونس، ومثلت في ٢٤ مايو أمام الجمهور التونسي والجزائري لوحات من الغناء والرقص مما يمثل واقع الجزائر في مختلف المناطق كما يمثل آمال الشعب، ثم مثلت الفرقة أيضا مسرحية ألفها أحدهم وهو (زينات) بعنوان (آخر القومية goumier) خلال شهري, يونيو ويوليو ١٩٥٨، واستمرت إلى سبتمبر في تقديم عروض عن (التضحية) ومسرحية بعنوان (مونتسيرا) مثلتها في تونس أيضا، ثم مثلت منظرين الأول أمام صحفية أمريكية، والثاني أمام صحفي ألماني جاء من أجل تأليف قطعة موسيقية، بالتعاون مع طلبة جزائريين كانوا يدرسون في ألمانيا، كما مثلت في ليبيا مسرحية بعنوان (نحو النور) في أكتوبر ونوفمبر من نفس السنة، وابتداء من ١٣ ديسمبر ١٩٥٨ توجهت الفرقة إلى يوغسلافيا حيث استقبلت بحفاوة كبيرة وزارت جمهوريات (كرواتيا، والبوسنة وصربيا، ومقدونيا)، ثم رجعت إلى تونس، في ٦ يناير ١٩٥٩ واستقرت في مقرها الجديد. وفي هذه الأثناء وجه السيد مصطفى كاتب مذكرة إلى ممثل الحكومة المؤقتة في مدريد حول المسرح الجزائري، فقد وجدنا هذه المذكرة عند السيد بوقادوم بوزارة الخارجية الذي قام بتحويلها إلى وزير الداخلية، من القاهرة بتاريخ ٧ مايو، ١٩٥٩، إن نص المذكرة مفقود، ولكن الإشارة إليها موجودة

стр. 4683

في مراسلة بوقادوم المذكورة، ولا ندري ماذا كانت تقول أو تطلب بالضبط، وقد تكون ذات فائدة كبيرة في هذا المجال، لو عثر عليها الباحثون (١). استمرار النشاط المسرحي وفي داخل الجزائر استمر المسرح الاجتماعي والغنائي يعمل عمله رغم اختفاء عدد من عناصره البارزة، ففي سنة ١٩٥٦ توجهت فرقة الجزائر للرقص والغناء إلى إيطاليا وشاركت في مهرجان فولكلوري في إيطاليا، كان ضمن الفرقة عدد من الفنانين والفنانات، منهم رحاب الطاهر ونجاة وهاجر بالي وأحمد سري، وقد روى هذه الرحلة الفنية رحاب الطاهر بالشعر الملحون، واستوحى فيها جزيرة صقلية التي زارها واستعاد منها تاريخ أمجاده العرب والمسلمين، وقد استغرقت رحلة الفرقة اثني عشر يوما، وشاركت في المؤتمر ثماني دول، منها الجزائر كما قيل، رغم أنها لم تكن عندئذ دولة (٢). وفي سنة ١٩٦٠ تحدثت وسائل الإعلام عن فرقة مستغانم للمسرح، وهي التي قامت بتمثيل مسرحية (الخيمة) فأحسنت تمثيلها، وأشاد بها النقاد ونالت حظا من الشهرة والرواج عندما مثلت في قاعة (بيير بورد) بالعاصمة، حتى أن أحد النقال قال إنها قد أثرت على الجمهور وشدت أنفاسه إذ اجتمع فيها حسن التمثيل مع جمال الزخرفة المناظر والموسيقى التصويرية، كما مثلت نفس الفرقة مسرحية قصيرة باسم (المصور)، ولكننا لا نعرف من هذه الفرقة إلا اسمها، فليس هناك أسماء لمخرج ولا لمؤلف ولا للممثلين، وفي عدد لاحق من مجلة (هنا الجزائر) نوه الممثل والناقد محمد الطاهر فضلاء بفرقة مسرح مستغانم قائلا إنها (درة في جبين الجزائر،) كما أشادت بها مجلة (المناظر) التي كانت تصدر بفرنسا وجاءت بصورة فرقتها ولخصت بعض نشاطها، وهكذا تعددت الفرق

стр. 4684

الفنية رغم أن الثورة كانت على أشدها (١). وغداة الاستقلال صرح مصطفى كاتب الذي عاصر المسرح قبل وأثناء الثورة بأن الفرنسيين كانوا قد أوقفوا (مسرح الظل) ومسرح (التريتو) سنة ١٩٤٣، فلم يبق للجزائر سوى الحكواتية والمنشدين (المداحين؟) والشعراء الشعبيين لمواصلة التقاليد المسرحية، أما الفن المسرحي بالمعنى الدقيق فلم يعد إلى الظهور إلا مع الجمعيات ذات التوجه السياسي، مثل جمعية الطلبة المسلمين الجزائريين، فقد جلب الفن المسرحي الشباب إليه، ولكن الإدارة الاستعمارية ضاعفت من المثبطات والعراقيل فأرجعت العمل بقانون الرقابة الصادر سنة ١٩٣٤، ولجأت إلى نقل المعلمين من أماكنهم وأجبرتهم على طلب الرخصة من رؤساء الدوائر ونوابهم وحتى من الشرطة، إضافة إلى ضرورة الحصول على رخصة خاصة في المناطق الجنوبية، ولا شك أن مصطفى كاتب يعني معلمي جمعية العلماء بالخصوص الذين طالهم قانون (ميشيل) ثم قانون (رينييه) في فترة الثلاثينات، ومن الممكن أن نتصور كم كانت حياة الممثلين ضنكة بين ١٩٢٧ - ١٩٥٤، وهم يتخذون المسرح هواية وليس حرفة. ومع ذلك فقد كان للمسرح نقاط ضعف أيضا، حسب رأي كاتب، فقد كانت تسود البعض روح (مركانتية) أو تجارية ربحية، وهي روح لا تقود إلا إلى الهبوط الفني، ومع ذلك فإن المسرح قد استمر محافظا على (لغتنا وهويتنا وثقافتنا،) وخلال حرب التحرير كان المسرح سلاحا في المعركة، فقد ساهم في كشف الغامضين والمؤثرين سلبا على الشعب، كما أنه حمل إلى الأشقاء والأصدقاء رسالة الشعب الجزائري المحب للسلام والحرية، وبعد الاستقلال أصبح المسرح، بناء على رأيه، في خدمة الجزائر الاشتراكية، وقد أممت

стр. 4685

الحكومة المسرح وجعلته في خدمة الشعب وتابعا لوزارة التربية (١). وللتذكير فإن السيد كاتب أصبح من أعمدة الحياة الثفافية بعد الاستقلال، فقد تولى على ما نعتقد إدارة المسرح بعد تأميمه، وكانت له ميول اشتراكية واضحة مسايرة للموجة الضاربة في ذلك الوقت، ولا ندري هل هي اشتراكية عقائدية (ماركسية) راسخة أو اشتراكية يسارية معادية للاستعمار كان التيار الوطني عموما يتغطى بها، وهو التيار الذي سيطر على توجه الجزائر بعد الاستقلال. ومن (نجوم) المسرح خلال الثورة وما بعدها حسن الحسني المعروف بوبقرة، وهو حسن بن الشيخ المولود، ولد في ٢٥ سبتمبر ١٩١٦، ببلدة بوغار جنوب المدية، وكان أول اتصال له بالمسرح سنة ١٩٣٦، بفضل والده الذي كان معلما، وفي سنة ١٩٤٥ التقى بمحيي الدين باش تارزي عندما نزل بفرفته مدينة البرواقية القريبة من مسقط رأسه، ودخل بوبقرة فرقة باش تارزي وأدى أدوارا هامة قبل أن يستقل بعرض مسرحي خاص به عنوانه (أحلام حسان)، وهو العض الذي قيل إنه أغضب السلطات الاستعمارية، وقد انضم بوبقرة إلى حزب الشعب ثم حركة الانتصار المنبثقة عن هذا الحزب، ودخل السجن من أجل نشاطه في هذه الحركة، وبعد خروجه منه سنة ١٩٥٠ مثل مسرحية بعنوان (المؤامرة) وأسس فرقة (الفن الجزائري) مع الطيب أبو الحسن، ثم التحق بالتلفزة وأدى دورا في مسرحية (المطاردة) لمصطفى بديع، وبعد الاستقلال تفرغ حسن الحسني للمسرح في فرقة المسرح الوطني، ثم تخلى عنه وأسس فرقة خاصة به أسماها (مسرح الفصول الأربعة)، كما دخل ميدان السينما وشارك في حوالي خمسة وثلاثين فيلما (٢).

стр. 4686

وكان حسن الحسني قد دخل السجن أيضا خلال الثورة ومع ذلك لم تغب عنه الفكاهة حتى في هذه الظروف العابسة، وقد تحدث الشيخ محمد الصالح بن عتيق في مذكراته عن تمثيل بعض المساجين رواية (تكول، تكول با) التي جرت حوادثها في معتقل (أركول) بضاحية وهران سنة ١٩٥٧ عند إضراب المعتقلين عن الطعام، فجاءت إدارة السجن وأرغمتهم على تناول الطعام بإدخال قطع الخبز في أفواههم قسرا: (تأكل أو لا تأكل؟)، وقد تقلد بوبقرة شخصية الرائد (دوفير) الذي كان يقوم بدور إرغامهم على تناول الطعام. ومنها رواية (كردافو = استعدوا) التي تعني أداء التحية العسكرية والتي جرت حوادثها في يونيو ١٩٥٩ عندما فرضت الإدارة على المساجين أداء التحية للجنود الفرنسيين، فتارة يقال لهم: استعدوا وتارة استريحوا، فحدثت فوضى لدى غير المدربين، وقد مثل بوبقرة هذا الدور مع آخرين، فكان هؤلاء يعزفون الموسيقى على طريقتهم (١). المسرح الثوري: والذي يرجع إلى أعداد المجاهد سيلاحظ اهتمامها بالنشاط المسرحي من عرض وتمثيل وموضوع، فكانت تتابع نشاط الفرقة الفنية الجزائرية، وتبدي ملاحظاتها على تنقل أعضاء الفرقة بين البلاد العربية وأوروبا، وقد تحدثت عن مسرحية جديدة عنوانها (الخالدون) على أنها ستمثل يومي ١٢، ٢٤ أبريل ١٩٦٠ من قبل الفرقة الفنية الجزائرية على المسرح البلدي في تونس، وتتألف المسرحية من أربعة فصول، وهي من عمل الجزائريين، وأنها تعكس المظاهر المختلفة للمعركة في الجزائر ضد القوات الفرنسية الغازية، وتصور الثوار في علاقتهم بالشعب ومعاناتهم وآمالهم ومشاكلهم، وتنبأت الجريدة للمسرحية بالنجاح لأنها تأتي بعد مسرحية أبناء القصبة.

стр. 4687

ومن رأيها أن (الخالدون) ستعجب الجمهور الذي أعجب بتمثيل (أبناء القصبة)، وأن (الخالدون) تمثل ما سجله أبطال الكفاح في الجزائر من تضحيات جسام في سبيل بلوغ الهدف المنشود وهو الحرية والسيادة الوطنية (١). لكن يلاحظ أن الجريدة لم ترجع إلى موضوع (الخالدون)، فهل مثلت فعلا؟ إن الإعلان عنها يمثل صورة لعنوان المسرحية، وتمثل الصورة المسرح البلدي التونسي من الأعلى، وفي الوسط تظهر الفرقة الفنية الجزائرية، وفي الأسفل عنوان (الخالدون)، ثم في الأعلى على اليمين رقم ١٢ وعلى اليسار رقم ٢٤، وهما التاريخان اللذان ستمثل خلالها المسرحية وفي نهاية الإعلان وبخط صغير عبارة: إخراج مصطفى كاتب وتأليف عبد الحليم رايس. لكن عناية إعلام الثورة بالمسرح لم يتوقف عند: الخالدون وأبناء القصبة ... فقد أصدر حسين بوزاهر كتابا/ مسرحية في باريس بعنوان (أصوات من القصبة)، وهو في الواقع يتألف من مسرحيتين، وبوزاهر هذا قدمته المجاهد على أنه شاب مناضل في صفوف جبهة التحرير، وقد اعتبر المؤلف المسرح سلاحا، وعملا نضاليا - حسبما نقله عن اليونانيين - ولكن الشاعر لا يعوض الشعب، والشعب يحب أن يسمع صوته في الشاعر، وهو ما جاء به هذا الكتاب، ويروي صاحبه أنه في ١٣ مارس اعتقل الفرنسيون حوالي مائة من القرويين بالقرب من جزيرة يسر ورموا بهم في كهف ثم قتلوهم خنقا، ولكن الفرنسيين لا يمكنهم القبض على الشمس ... إن الجريدة قدمت عرضا وافيا للمسرحيتين على لسان الممثلين، وتنتهي المسرحية بلحن وطني عظيم يردده الممثلون والمشاهدون معا (٢). إذا كانت أبناء القصية التي مثلت سنة ١٩٥٩ قد (قدمت بأمانة وحيوية

стр. 4688

صورا من المرحلة الأولى للثورة) عند انتشارها في المدن بعد أن تغلبت على قوى الشر في الأرياف، فإن مسرحية (دم الأحرار) قد عكست مرحلة أخرى من الثورة، ونقلتها إلى الريف حيث تجري حوادثها، ولكن موضوعها ليس هو الريف فهي ترجع إلى ما بعد مارس ١٩٥٩ إذ تشير إلى خط (شال) حيث تجري أحداث الرواية، لذلك فموضوعها ليس هو الشعب الذي يفترض فيه أنه أصبح كله إلى جانب الثورة، لكنه هو المجند الجزائري، ذلك أن الاستعمار يحاول أن يستعمل المجندين ضد الثورة، بينما الثورة تحاول تجنيدهم وكسبهم إلى جانبها، وهنا يصبح الصراع صراع المجند مع نفسه، صراعا ذاتيا، وقد نجح الممثلون في تجسيد هذا الموقف، وكانت الرواية محبوكة، ولها عقدة قوية وتتمتع بنفس المفاجأة التي مثلتها مسرحية أبناء القصبة، إن (دم الأحرار) هنا ليس دم التضحية الذي يسيل عند الكفاح، ولكنه دم الأجداد الذين هزموا، وظلوا يتطلعون إلى يوم الانتقام والثورة. وقد تابع الجمهور - حسب الجريدة - مسرحية (دم الأحرار) بشغف متأثرا بمناظر التعذيب، وقامت الفرقة الفنية الجزائرية بتمثيل المسرحية فأحسنت التمثيل، وهنأت الجريدة الفرقة، ولا سيما مصطفى كاتب الذي أبدع في دوره، كما قالت، كما أجاد المؤلف موضوعه الدقيق وحوادثه المثيرة. وقد مثلت دم الأحرار يومي ٢٩، و ٣١ ديسمبر ١٩٦١ على المسرح البلدي التونسي أيضا، فبعد أبناء القصبة سنة ١٩٥٩، والخالدون سنة ١٩٦٠، جائت دم الأحرار لتنتهي بها سنة ١٩٦١، في محاولة مسرحية جديدة مستوحاة من معركة التضحية والوطنية (١). ويبدو أن السلطات الاستعمارية قد كشفت النشاط الفني الشعبي للتغطية على ما يقوم به

стр. 4689

جنودها في الأرياف والجبال ضد المواطنين في السنتين الأوليين من الثورة، فقد نشطت الإذاعة وجيء بالتلفزيون وبدأ نقل النشاط الفني عبر هذه القنوات، وكانت مجلة (هنا الجزائر) تعكس هذا النشاط شهريا، وكان مقر هذا النشاط عادة يجري في قاعة (بيير بورد) بالعاصمة (ابن خلدون حاليا)، ففي فاتح نوفمبر ١٩٥٩ افتتحت السلطات الموسم الفني (١٩٥٩ - ١٩٦٠) وأعدت برنامجا حافلا كإذاعة المسرحيات والحفلات الغنائية والمقطوعات الموسيقية من كل نوع من الأنواع الخمسة المعروفة (أندلسي، شعبي، صحراوي، قبائلي، عصري)، وقد أشاد الواصف لهذه الحفلات بالجمهور الذي جاء من نقاط أبعد من العاصمة وضواحيها، مع تسهيل وسائل النقل، لحضور هذه الحفلات، وركز الواصف على سعادة الجمهور وظهوره بمظهر المبتسم المتفائل، ومن الفنانين البارزين من هذه الأثناء مصطفى بديع، وهو مخرج تلفزيوني، وقزدارلي، والعماري، وعلي عبدون ... (١). الحاجز الأخير أصدرت مجلة الفكر التونسية سنة ١٩٥٥ ترجمة لمسرحية كتبها مصطفى الأشرف أسماها (الحاجز الأخير) أو الباب الأخير، ويبدو أنه كتبها في ديسمبر ١٩٥٤ أي في بداية العهد الثوري، وهي مسرحية ليس لها بطل واحد، وربما رمز فيها الأشرف إلى أن البطل هو الشعب نفسه، وقد أدارها على ثلاثة فصول: تحدث في الفصل الأول عن جماعة من النسوة تجمعن أمام سجن سركاجي (سجن بربروس) لزيارة أزواجهن وأبنائهن وهن يحملن سلال الطعام لهم، ودار بينهن نقاش حول دورهن في غياب رجالهن، وحول الحواجز المقامة بينهن وبينهم، وهي حواجز وهمية لأن القدر يربط بين الجميع، وقد تعلمن كيف يتغلبن من الآن فصاعدا على الصعوبات لأن العالم غير مكترث بمن يعاني من

стр. 4690

القيود والأغلال، وعليهن الاعتماد على أنفسهن. وفي الفصل الثاني عرض الكاتب لوحة أخرى، ففي سجن قبيح المنظر جلس خمسة رجال مسندين ظهورهم إلى الحائط ومعهم رجل قوي العقيدة يحدثهم عن التعذيب الذي خضع له وعزيمته التي واجه بها الجلادين، وهو يرمز إلى الإصرار الذي يميز العهد الجديد والذي يمثله الرجل الذي ظهر في شخص (طالب) كان يحاول أن يبعث الأمل واليقظة في زملائه الشباب الذين يمثلون نصف سكان البلاد. أما الفصل الثالث فقد خصصه لحوار جرى بين سيدتين ريفيتين جلستا تقارنان بين زوج حليمة المجاهد مرزوق وزوج مريم السجين، ومن الحوار نعرف أن حياة مرزوق في الجبل أفضل من حياة زوج مريم القابع في السجن الذي قد ينسونه فيه، أما مرزوق فيتمتع بالحرية، وفجأة ظهر مرزوق أمام الكوخ ليطمئن على زوجته وابنه لأنه كان في معركة قريبة من الكوخ، وقد قالت حليمة في حوارها إننا نحن الأمهات نمشي وأبناؤنا ينبتون كالأشجار الباسقة دائما إلى الأعلى (١). تحدث الناقد الفني والشاعر الشعبي محمد الحبيب حشلاف عن تمثيلية كانت في حاجة - كما قال أحد النقاد الفرنسيين أيضا (وهو فيرنندان دوفان) - إلى موسيقى تصويرية توضح أفكار مؤلفها، والمقصود بالتمثيلية هنا (الخادمة الشريفة) التي أشار إليها باش تارزي في تدخله أمام الصحافة (أنظر سابقا)، ولا ندري إن كان مقال الناقد الفرسي قد ترجم إلى العربية، كما طرح حشلاف مسألة لغة المسرح: الدارجة أو الفصحى، وقد عرف حشلاف بأنه شاعر الملحون وصاحب برنامج (من كل فن شوية) الإذاعي (٢).

стр. 4691

إن الاهتمام بلغة المسرح والأدب المسرحي جعل مجلة (الشباب الجزائري) التي كانت تصدر في تونس عن فرع اتحاد الطلبة (لوجيما) تعلن عن مسابقة لأحسن مسرحية تعالج مشكلة من الواقع الثوري، ومدة المسابقة هي خمسة أشهر ابتداء من يناير ١٩٦٢، وقد اشترطت أن تكون المسرحية مكتوبة بالعربية الفصحى أو الدارجة أو حتى بالفرنسية، وليس في ذلك من شرط في الواقع ما دام المشارك يستطيع أن يكتب المسرحية بإحدى هذه اللغات، وعلى كل حال فإن المسابقة كانت مفتوحة لكل عربي، ومدتها خمسة أشهر ابتداء من يناير ١٩٦٢، وقد وعدت المجلة بإن الفرقة الفنية الجزائرية ستقوم بتمثيل المسرحيات الفائزة، ونحن لم نقرأ بعد ذلك ما إذا نفذت المسابقة ففاز فيها من فاز وخسر من خسر، وربما غطت أحداث الثورة سنة ١٩٦٢ على المسابقات والجوائز والمسرحيات خصوصا بعد إعلان وقف إطلاق النار (١). مصرع الطغاة مسرحية سياسية كتبها عبد الله ركيبي تتألف من أربعة فصول هي يقظة الضمير الثوري والشعور بالواجب الوطني، وإفلاس الأحزاب السياسية، ويأس الجيل الجديد والشعب من الأحزاب، والتضحية من أجل حب الوطن والحبيبة، وأخيرا فشل الاستعمار الفرنسي في وضع حد للثورة، وفي المسرحية لوحات فنية جميلة وتعبير صادق، رغم الخطابية أحيانا، عن المرحلة الجديدة التي أصبحت تعيشها الجزائر. رمز المؤلف للجزائر القديمة بشيخ مريض يودع الحياة، وهو والد البطل، والشخص النقيض للبطل رجل أحدب مشوه رمز به للخيانة وكان مصيره الموت برصاص الثورة، وهناك رمز آخر وهو الكاهنة العربية (رحمة) التي تقمصت التاريخ كله في شخصها لكي تعجن تاريخ العروبة والإسلام، ولقاء أحمد المناضل بحبيبته حسم حب الوطن والحبيبة، بينما غادر شاب مقعد الدراسة في

стр. 4692

المدرسة الفرنسية ولازم الخمر والقمار انتقاما من واقع الاستعمار، وقد أعلن البطل (البشير) أن الثورة قامت باسم عروبة الجزائر، والمسرحية تنتهي بانتصار الثورة قبل الأوان استباقا للأحداث. ولا شك أن هذه المسرحية تعبر عن تطور تاريخي ووطني عاشه المؤلف نفسه فهو ابن البيئة التي انطلقت منها الثورة (الأوراس)، وقد عاشها من سنواتها الأولى مناضلا وسجينا ومثقفا (١). الموسيقى والغناء لم يطرأ على الموسيقى والموسيقيين تطور كبير بعد ١٩٥٤ - وربما يأتي في طليعة التغيير انقسامهم إلى تقليديين ومتحررين، ونقصد بالصنف الأول أولئك الذين استمروا في عطائهم التقليدي ماكثين في الجزائر رغم المضايقات وحجم الأحداث، ووسيلتهم في ذلك الظهور في الحفلات الشعبية والإذاعة المحلية وتسجيل الأسطوانات، وبعد ظهور التلفزيون أخذوا أيضا يقدمون له مادة جديدة تصلح به وبجمهوره، كما استمر تصنيف الفن الموسيقى والغنائي إلى أندلسي وشعبي وحوزي وبدوي وعصري، وهلم جرا من هذه التصنيفات الاستعمارية التي كانت تهدف إلى تغييب عوامل الوحدة الفنية لأنها من عناصر الهوية الوطنية. أما المتحررون فنقصد بهم أولئك الذين خرجوا من النطاق السابق، وتمردوا عليه، وأخذوا يظهرون في سجالات أخرى كإنشاد الأناشيد للثورة وإقامة الحفلات للمهاجرين واللاجئين والوفود الأجنبية والشعوب الشقيقة والصديقة، وقد ألف هذا الصنف أجواقا وفرقا كما ألف الصنف الأول أجواقا، وفرقا، وتبنت بعض الفرق العربية في تونس وسوريا ومصر الفنانين الجزائريين المتحررين وأعطتهم المجال للظهور، كما تبناهم صوت العرب وأصوات

стр. 4693

الجزائر التي كانت تنطلق من العواصم العربية وأتاحت لهم تسجيل ألحانهم وأغانيهم وأناشيدهم على اسطوانات لترويجها. وفي الجزائر استمرت عدة أجواق في أداء دورها الموسيقي منها جوق الحاج العربي بن صاري الذي كان يقدم حفلات في التلفزيون، وتحدثت الصحافة عن جوق شعبي كان يديره الشاب محمد الطاهر (؟) قال عنه أحد الكتاب إنه (أطربهم بألحانه الواردة وبموسيقاه العصرية التي نستطيع أن نفاخر بها أية موسيقى شرقية) (١). وظهر جوق بقيادة الصادق البجائي، وآخر بقيادة عبد الكريم دالي، وكاد يصبح لكل مطرب معروف جوق يحمل اسمه، مثل محمد العنقاء ومحمد فخارجي وأحمد خليفي، كما ظهرت فرقة باسم (حفلة الوالعين) كان يشترك فيها هواة الفن والغناء والطرب أمثال رابح درياسة الذي كان يؤلف لها الأغاني أيضا، وازداد اسم عبد الرحمن عزيز شهرة فألف أيضا فرقة للفن العصري، ويمكننا أن نواصل ذكر الفرق والأجواق التي كان عمرها يطول أو يقصر، وقد ترتفع بالفن وقد تهبط به (٢). آراء في الموسيقى نشير في البداية إلى رأي غريب يعود بالطالع في الموسيقى إلى عهد بعيد. عهد بني هلال، وقد جاء رأيه في مراسلة من مجهول بعث بها من تقرت أحد المتذوقين أو المطلعين على تطور الموسيقى، فقد لاحظ هذا المراسل أن الموسيقى والشعر الملحون في تلمسان وقسنطينة، وأن أصل الغناء الحوزي والعروبي ... أو ما أسماه بالصياح أو الطالع في الموسيقى إنما هو مصري الأصل ورد إلى الجزائر مع بني هلال عبر تونس، ولكن هذا المراسل ربما لم

стр. 4694

يعرف أن بني هلال ليسوا مصريين وإنما عبروا مصر فقط (١). كان الفنان التونسي قدور الصرارفي يتعاون في الجزائر مع فرقة الفن العربي بقيادة محيي الدين باش تارزي، وقد أدلى بتصريح إلى جريدة (تونس سوار) قارن فيه الوضع الفني في الجزائر بالوضع الفني في تونس، بعد أن قضى في الجزائر ثلاث سنوات، فنوه بالنهضة الفنية فيها وبتأثيرها على النهضة الفنية في شمال إفريقيا، وصنف الفن الجزائري ثلاثة أصناف أو أقسام: ١ - الكلاسيكي الذي تقدره - كما قال - إذاعة الجزائر تقديرا خاصا لكي يبلغ درجة عالية، وهو يقصد به الأندلسي أو الموسيقى العربية القديمة. ٢ - المحلي (الشعبي؟)، وهو في نظره الصنف الوحيد الذي يحرز على تقدير جميع الطبقات، ويمثل الطابع الوطني الجزائري سواء كان يعتمد الأسلوب القديم أو الحديث، وهو في نظره يسير نحو التطور، ولا ندري كيف وصل الصرارفي إلى هذا القرار، مع أن الشعبي خاص بالعاصمة، بل بفئة ربما بفئة واحدة من أهل العاصمة وليس له طابع (وطني) يرضى جميع الطبقات والأذواق عبر القطر الجزائري. ٣ - العصري، وله مكانته أيضا في المجتمع، ولا تعني كلمة العصري أن أصحابه يعتمدون الموسيقى الغربية أو المقلدة، وأفضل أنواعه عنده هو الممزوج بالطابع الوطني. ولم يخبرنا الصرارفي عن قادة كل صنف وموضوعاته، فهل كل هذه الأصناف من النوع (المحلي) أو الجهوي؟ والملاحظ أن الصرارفي قد أشاد بدور الإذاعة الجزائرية (الفرنسية) في تشجيع الفن والارتفاع به إلى المستوى الذي يحصنه من السرقات أو الاقتباس والتقليد، وهو يفضل برامج إذاعة الجزائر على برامج إذاعة تونس، لأن إذاعة الجزائر تتعاون مع فرقة المسرح

стр. 4695

العربي التي يديرها باش تارزي (عميد النهضة الفنية)، حسب تعبيره (١). رأينا في محتوى أحد أعداد (هنا الجزائر) مقالة بعنوان (الموسيقى بين الأداء والتسجيل) فأغرانا الموضوع بالقراءة لنعرف مدى تقدم فن الموسيقى، ولكننا للأسف وجدنا المقالة مقتطعة وليس لها اسم لكاتب، ولم ننجح في الاطلاع على المقالة المفقودة (٢). لكن الكاتب الذي درس الموسيقى الأندلسية دراسة وافية من موقع المختص والمثقف هو سفير البودالي الذي زود مجلة هنا الجزائر وغيرها بمقالات قيمة عن هذا الفن، وقد تعرفنا عليه سنة ١٩٦٧ حين سافرنا معا على نفس الطائرة إلى قسنطينة لنسهم في النشاط الثقافي في هذه المدينة، وقد لاحظنا عليه التواضع وحب التأمل وقلة الكلام، وكان فيما بدا لي عميق الثقافة، وسنتتبع هنا بعض نشاطه وآثاره، من ذلك ما كتبه عن الموسيقى العربية في مجلة (الوثائق الجزائرية) الصادرة بالفرنسية عن الولاية العامة (٣). بعد وقوع زلزال الأصنام سنة ١٩٥٤، توجهت الفرقة الفنية الجزائرية إلى فرنسا بقيادة مديرها باش تارزي لتحيي حفلة تجمع خلالها التبرعات للمنكوبين، قدمت الفرقة حفلات شارك فيها جيش من الفنانين قوامه تسعون فنانا، ركب هؤلاء ثلاث طائرات عسكرية حملتهم إلى العاصمة الفرنسية التي وصلوها بعد أربع ساعات، وبعد الاحتفاء بهم في المطار (لوبورجي) توجهوا إلى مسجد باريس حيث تناولوا الغداء، ثم توجهوا إلى الفندق الذي سكنوه مجانا مشاركة من أصحابه في التبرع، كان ذلك في أول نوفمبر ١٩٥٤، ويالها من مصادفة! فقد ثارت الجزائر في غياب فنانيها.
следующие страницы →