إن الاهتمام بلغة المسرح والأدب المسرحي جعل مجلة (الشباب الجزائري) التي كانت تصدر في تونس عن فرع اتحاد الطلبة (لوجيما) تعلن عن مسابقة لأحسن مسرحية تعالج مشكلة من الواقع الثوري، ومدة المسابقة هي خمسة أشهر ابتداء من يناير ١٩٦٢، وقد اشترطت أن تكون المسرحية مكتوبة بالعربية الفصحى أو الدارجة أو حتى بالفرنسية، وليس في ذلك من شرط في الواقع ما دام المشارك يستطيع أن يكتب المسرحية بإحدى هذه اللغات، وعلى كل حال فإن المسابقة كانت مفتوحة لكل عربي، ومدتها خمسة أشهر ابتداء من يناير ١٩٦٢، وقد وعدت المجلة بإن الفرقة الفنية الجزائرية ستقوم بتمثيل المسرحيات الفائزة، ونحن لم نقرأ بعد ذلك ما إذا نفذت المسابقة ففاز فيها من فاز وخسر من خسر، وربما غطت أحداث الثورة سنة ١٩٦٢ على المسابقات والجوائز والمسرحيات خصوصا بعد إعلان وقف إطلاق النار (١).
مصرع الطغاة
مسرحية سياسية كتبها عبد الله ركيبي تتألف من أربعة فصول هي يقظة الضمير الثوري والشعور بالواجب الوطني، وإفلاس الأحزاب السياسية، ويأس الجيل الجديد والشعب من الأحزاب، والتضحية من أجل حب الوطن والحبيبة، وأخيرا فشل الاستعمار الفرنسي في وضع حد للثورة، وفي المسرحية لوحات فنية جميلة وتعبير صادق، رغم الخطابية أحيانا، عن المرحلة الجديدة التي أصبحت تعيشها الجزائر.
رمز المؤلف للجزائر القديمة بشيخ مريض يودع الحياة، وهو والد البطل، والشخص النقيض للبطل رجل أحدب مشوه رمز به للخيانة وكان مصيره الموت برصاص الثورة، وهناك رمز آخر وهو الكاهنة العربية (رحمة) التي تقمصت التاريخ كله في شخصها لكي تعجن تاريخ العروبة والإسلام، ولقاء أحمد المناضل بحبيبته حسم حب الوطن والحبيبة، بينما غادر شاب مقعد الدراسة في
стр. 4692
المدرسة الفرنسية ولازم الخمر والقمار انتقاما من واقع الاستعمار، وقد أعلن البطل (البشير) أن الثورة قامت باسم عروبة الجزائر، والمسرحية تنتهي بانتصار الثورة قبل الأوان استباقا للأحداث.
ولا شك أن هذه المسرحية تعبر عن تطور تاريخي ووطني عاشه المؤلف نفسه فهو ابن البيئة التي انطلقت منها الثورة (الأوراس)، وقد عاشها من سنواتها الأولى مناضلا وسجينا ومثقفا (١).
الموسيقى والغناء
لم يطرأ على الموسيقى والموسيقيين تطور كبير بعد ١٩٥٤ - وربما يأتي في طليعة التغيير انقسامهم إلى تقليديين ومتحررين، ونقصد بالصنف الأول أولئك الذين استمروا في عطائهم التقليدي ماكثين في الجزائر رغم المضايقات وحجم الأحداث، ووسيلتهم في ذلك الظهور في الحفلات الشعبية والإذاعة المحلية وتسجيل الأسطوانات، وبعد ظهور التلفزيون أخذوا أيضا يقدمون له مادة جديدة تصلح به وبجمهوره، كما استمر تصنيف الفن الموسيقى والغنائي إلى أندلسي وشعبي وحوزي وبدوي وعصري، وهلم جرا من هذه التصنيفات الاستعمارية التي كانت تهدف إلى تغييب عوامل الوحدة الفنية لأنها من عناصر الهوية الوطنية.
أما المتحررون فنقصد بهم أولئك الذين خرجوا من النطاق السابق، وتمردوا عليه، وأخذوا يظهرون في سجالات أخرى كإنشاد الأناشيد للثورة وإقامة الحفلات للمهاجرين واللاجئين والوفود الأجنبية والشعوب الشقيقة والصديقة، وقد ألف هذا الصنف أجواقا وفرقا كما ألف الصنف الأول أجواقا، وفرقا، وتبنت بعض الفرق العربية في تونس وسوريا ومصر الفنانين الجزائريين المتحررين وأعطتهم المجال للظهور، كما تبناهم صوت العرب وأصوات
стр. 4693
الجزائر التي كانت تنطلق من العواصم العربية وأتاحت لهم تسجيل ألحانهم وأغانيهم وأناشيدهم على اسطوانات لترويجها.
وفي الجزائر استمرت عدة أجواق في أداء دورها الموسيقي منها جوق الحاج العربي بن صاري الذي كان يقدم حفلات في التلفزيون، وتحدثت الصحافة عن جوق شعبي كان يديره الشاب محمد الطاهر (؟) قال عنه أحد الكتاب إنه (أطربهم بألحانه الواردة وبموسيقاه العصرية التي نستطيع أن نفاخر بها أية موسيقى شرقية) (١).
وظهر جوق بقيادة الصادق البجائي، وآخر بقيادة عبد الكريم دالي، وكاد يصبح لكل مطرب معروف جوق يحمل اسمه، مثل محمد العنقاء ومحمد فخارجي وأحمد خليفي، كما ظهرت فرقة باسم (حفلة الوالعين) كان يشترك فيها هواة الفن والغناء والطرب أمثال رابح درياسة الذي كان يؤلف لها الأغاني أيضا، وازداد اسم عبد الرحمن عزيز شهرة فألف أيضا فرقة للفن العصري، ويمكننا أن نواصل ذكر الفرق والأجواق التي كان عمرها يطول أو يقصر، وقد ترتفع بالفن وقد تهبط به (٢).
آراء في الموسيقى
نشير في البداية إلى رأي غريب يعود بالطالع في الموسيقى إلى عهد بعيد. عهد بني هلال، وقد جاء رأيه في مراسلة من مجهول بعث بها من تقرت أحد المتذوقين أو المطلعين على تطور الموسيقى، فقد لاحظ هذا المراسل أن الموسيقى والشعر الملحون في تلمسان وقسنطينة، وأن أصل الغناء الحوزي والعروبي ... أو ما أسماه بالصياح أو الطالع في الموسيقى إنما هو مصري الأصل ورد إلى الجزائر مع بني هلال عبر تونس، ولكن هذا المراسل ربما لم
стр. 4694
يعرف أن بني هلال ليسوا مصريين وإنما عبروا مصر فقط (١).
كان الفنان التونسي قدور الصرارفي يتعاون في الجزائر مع فرقة الفن العربي بقيادة محيي الدين باش تارزي، وقد أدلى بتصريح إلى جريدة (تونس سوار) قارن فيه الوضع الفني في الجزائر بالوضع الفني في تونس، بعد أن قضى في الجزائر ثلاث سنوات، فنوه بالنهضة الفنية فيها وبتأثيرها على النهضة الفنية في شمال إفريقيا، وصنف الفن الجزائري ثلاثة أصناف أو أقسام:
١ - الكلاسيكي الذي تقدره - كما قال - إذاعة الجزائر تقديرا خاصا لكي يبلغ درجة عالية، وهو يقصد به الأندلسي أو الموسيقى العربية القديمة.
٢ - المحلي (الشعبي؟)، وهو في نظره الصنف الوحيد الذي يحرز على تقدير جميع الطبقات، ويمثل الطابع الوطني الجزائري سواء كان يعتمد الأسلوب القديم أو الحديث، وهو في نظره يسير نحو التطور، ولا ندري كيف وصل الصرارفي إلى هذا القرار، مع أن الشعبي خاص بالعاصمة، بل بفئة ربما بفئة واحدة من أهل العاصمة وليس له طابع (وطني) يرضى جميع الطبقات والأذواق عبر القطر الجزائري.
٣ - العصري، وله مكانته أيضا في المجتمع، ولا تعني كلمة العصري أن أصحابه يعتمدون الموسيقى الغربية أو المقلدة، وأفضل أنواعه عنده هو الممزوج بالطابع الوطني.
ولم يخبرنا الصرارفي عن قادة كل صنف وموضوعاته، فهل كل هذه الأصناف من النوع (المحلي) أو الجهوي؟ والملاحظ أن الصرارفي قد أشاد بدور الإذاعة الجزائرية (الفرنسية) في تشجيع الفن والارتفاع به إلى المستوى الذي يحصنه من السرقات أو الاقتباس والتقليد، وهو يفضل برامج إذاعة الجزائر على برامج إذاعة تونس، لأن إذاعة الجزائر تتعاون مع فرقة المسرح
стр. 4695
العربي التي يديرها باش تارزي (عميد النهضة الفنية)، حسب تعبيره (١).
رأينا في محتوى أحد أعداد (هنا الجزائر) مقالة بعنوان (الموسيقى بين الأداء والتسجيل) فأغرانا الموضوع بالقراءة لنعرف مدى تقدم فن الموسيقى، ولكننا للأسف وجدنا المقالة مقتطعة وليس لها اسم لكاتب، ولم ننجح في الاطلاع على المقالة المفقودة (٢).
لكن الكاتب الذي درس الموسيقى الأندلسية دراسة وافية من موقع المختص والمثقف هو سفير البودالي الذي زود مجلة هنا الجزائر وغيرها بمقالات قيمة عن هذا الفن، وقد تعرفنا عليه سنة ١٩٦٧ حين سافرنا معا على نفس الطائرة إلى قسنطينة لنسهم في النشاط الثقافي في هذه المدينة، وقد لاحظنا عليه التواضع وحب التأمل وقلة الكلام، وكان فيما بدا لي عميق الثقافة، وسنتتبع هنا بعض نشاطه وآثاره، من ذلك ما كتبه عن الموسيقى العربية في مجلة (الوثائق الجزائرية) الصادرة بالفرنسية عن الولاية العامة (٣).
بعد وقوع زلزال الأصنام سنة ١٩٥٤، توجهت الفرقة الفنية الجزائرية إلى فرنسا بقيادة مديرها باش تارزي لتحيي حفلة تجمع خلالها التبرعات للمنكوبين، قدمت الفرقة حفلات شارك فيها جيش من الفنانين قوامه تسعون فنانا، ركب هؤلاء ثلاث طائرات عسكرية حملتهم إلى العاصمة الفرنسية التي وصلوها بعد أربع ساعات، وبعد الاحتفاء بهم في المطار (لوبورجي) توجهوا إلى مسجد باريس حيث تناولوا الغداء، ثم توجهوا إلى الفندق الذي سكنوه مجانا مشاركة من أصحابه في التبرع، كان ذلك في أول نوفمبر ١٩٥٤، ويالها من مصادفة! فقد ثارت الجزائر في غياب فنانيها.
стр. 4696
وفي الثاني من الشهر انتقلوا إلى دار الأوبرا ليشرعوا في التدريبات، وكان قد رافقهم الطاهر بوشوشي رئيس تحرير مجلة هنا الجزائر، ذهب بعضهم إلى نادي الأدباء والكتاب ولعل بوشوشي والبودالي كانا منهم فكلاهما من الأدباء البارزين، ومن الذين حضروا الحفل الرئيسي بدار الأوبرا رئيس الجمهورية ووزير الداخلية (ميتران) وغيرهما، وقد رفع الستار على منظر من ألف ليلة وليلة يتصدره هارون الرشيد في مجلس أنس وشراب .. وهو محاط بالجواري والشعراء والمطربين ... ذلك هو الشرق وتلك هي الجزائر الشرقية في عرف الفرنسيين، وفي هذه اللحظة تقدم سفير البودالي، بصفته مديرا للقسم العربي في الإذاعة الجزائرية (الفرنسية) وألقى كلمة شكر فيها لجنة الاحتفال، وأشاد بالفن الجزائري في ظل البنادق المشرعة ... وبعد ذلك بدأ التمثيل.
كانت هناك ترجمة مرافقة تساعد المتفرجين على فهم ما يجري، وكان البودالي نفسه يقوم بشرح مختصر باللغة الفرنسية، وقد مثل مصطفى كاتب دور الخليفة هارون الرشيد، ومن بطانته الفكاهي محمد التوري، وقامت بعض الفتيات بدور الجواري المغنيات، أما المنشدون فكان منهم عبد الرحمن عزيز ومحمد فؤاد ومحمد بن يحيى، وكان الجوق الفني يتكون من ٣٢ عازفا بإدارة مصطفى اسكندراني، وفي لحظة سريعة مفاجئة دخل بوعلام تيتيش وفرقته وهي تضرب الطبل وتصدح بالزرنة، فاستقبلتهم الجواري بالزغاريد.
لقد كان منظرا مؤثرا هذا الذي يجري على مسرح الأوبرا بباريس، وكان إعجاب الحاضرين واضحا من التصفيق وتتبع تفاصيل الحدث والموسيقى والمكونات الأخرى لهذه اللوحة الفنية، وختمت الفنانة هاجر المشهد برقصة الموت (؟)، وكان مصطفى بديع هو صاحب هذا السيناريو الذي يدل على موهبة بارعه، بينما قام البودالي بتفسير السيناريو للجمهور، أما الإخراج فقد قام به الحبيب رضا بمساعدة مصطفى بديع، هذا هو محتوى القسم العربي من الحفل الذي جاء، فيما يبدو، في غير زمنه.
стр. 4697
ثم جاء دور القسم الفرنسي من الحفل، والمفهوم أن نفس الفرقة هي التي قامت بالدورين معا، ومهما كان الأمر فإن حصيلة ما جمعته الفرقة من التبرعات بلغ عشرين مليون فرنك سلمت - كما قال كاتب المقال - إلى شيخ بلدية الأصنام (الفرنسي) بعد طرح المصاريف وهي غير مذكورة، فكم بقي للمنكوبين؟ وبعد هذه الليلة الليلاء طارت الفرقة عائدة إلى الجزائر، إنها سهرة عربية - فرنسية، كما قال الواصف عثمان بوقطاية، تجلى فيها التضامن في الظاهر على الأقل، أما الباطن فقد عبرت عنه الثورة التي أخذت تشتعل في هشيم الاستعمار (١).
رأي باربيس في الموسيقى
كان هناك اهتمام خاص بالموسيقى العربية - الأندلسية كما لاحظ الصرارفي، سواء من الجزائريين أو من بعض الباحثين الفرنسيين، فهذه مجلة (هنا الجزائر) لا تكاد تصدر عددا إلا وفيه مقالة بالعربية أو بالفرنسية عن هذه الموسيقى، وقد حفل عددها السادس والعشرون بمقالة كتبها ليو - لويس باربيس، وقامت المجلة بتلخيصها دون ذكر من قام بالتلخيص.
بدأ باربيس دراسته بقوله إن هناك موسيقى في الجزائر لا يهتم بها أهلها ولا الأوروبيون، ولكنها تلفت نظر الزائر الغربي الذي يعتقد عند سماعها أنها رتيبة، تكرر نفسها، وأنها حزينة إلى درجة الإزعاج، وأنها فقيرة في الألحان، ومنذ أمد قصير أخذ بعض الخبراء في هذا الفن يحاولون التعريف بأشرف فقرة من هذا التراث الذي بقي مجهولا، ثم عدد أنواع الموسيقى في الجزائر فإذا بها لا تخرج في رأيه عن:
- الموسيقى الشعبية البربرية (موسيقى أهل جرجرة، التوارق، الشلوح فيالأطلس المغربي) وهو يسميها جميعا موسيقى قبائلية وليس بربرية.
- الموسيقى الشعبية العربية القديمة في النواحي الناطقة بالعربية في الجزائر.
стр. 4698
- الموسيقى البدوية بأراضي القبلة والهضاب العليا.
- الموسيقى العصرية المتأثرة بـ (الميزكهول) الأوروبي والجاز الأمريكي والأوبريت المصرية، وهي موسيقى تظهر في أغانيها الكلمات العربية مشوهة بالفرنسية والإنجليزية وغيرهما.
- الموسيقى الكلاسيكية المعروفة بالأندلسية، وهي التي نقلها المهاجرون العرب من الأندلس إلى بلاد المغرب بعد القرن الحادي عشر، وهي تشمل الأراضي الممتدة من فاس إلى الجزائر، وتتوسطها تلمسان التي يمكن اعتبارها مركزا للبلاد المغربية، وهي موسيقي تختلف عن الأخريات لأصالتها وقيمتها، وكانت هذه الموسيقى مهملة في الجزائر منذ حوالي خمسين سنة (انظر رأي عمر راسم لاحقا)، وتكاد تكون منسية إلا في وسط نخبة برجوازية بالمدن الكبرى، وهي في ذات الوقت تكاد تكون مجهولة في الدوائر الغربية.
إن هذا التقييم الذي اعتمده باربيس لم يرد عليه، حسب علمنا، ولكنه تقييم قائم، فيما يبدو على القاعدة اللغوية وليس على أصول الفن، فليس هناك أصل واحد لهذه الأنواع من الموسيقى، بل هناك أصل لكل فرع من فروعها تبعا لنطق أهلها وألفاظهم، وهذا لا يساعد كثيرا على موضوعية صاحب المقالة، ورغم أنه ركز دراسته على الموسيقى الأندلسية (الكلاسيكية) فإنه لا يجعلها أصلا تفرعت عنه أنواع أخرى من الموسيقى شأن البلدان صاحبة الحضارة المتطورة والمتأصلة، أليس تقسيم باربيس للموسيقى يتماشى مع النظرية الاستعمارية القائمة على تنوع (سكان) الجزائر أيضا؟ على كل حال دعنا نواصل معه الموضوع (١).
أثار باربيس مشكلة ثم رد عليها وهي مدى صلة الموسيقى الأندلسية بالموسيقى الإغريقية، ذلك أن البعض يزعم أن هناك صلة بين الاثنين، ولكن
стр. 4699
باربيس نفي ذلك، أو بالأحرى قال إن المسألة ليست بهذه البساطة، والمحقق عنده أن الموسيقى الأندلسية أخذت في الازدهار في القرنين الثالث عشر والرابع عشر في قرطبة وغرناطة، أثناء ازدهار الحضارة هناك أكثر من أوروبا لأن الأندلس كانت تتمتع بازدهار العلوم والفنون ومنها الموسيقى، وكان الشعر الغنائي الغربي يرجع بأصله إلى الشعر الغنائي العربي، فقد شاع ديوان ابن قزمان وكتاب طوق الحمامة الذي كان من مصادر الشعراء الفرنسيين الجوالين، فكانت الموسيقى الأندلسية وسيلة من وسائل الترفيه لمجتمع بلغ درجة عالية من التقدم المادي والفني، مجتمع القرنين الرابع عشر والخامس عشر في الأندلس، وكانت هذه الروح الفنية المزدهرة تظهر في الزخارف والألوان المنتشرة ذات المباني والأشكال الهندسية المتمثلة في قصر الحمراء وجنة العريف بغرناطة وجامع قرطبة وقصر أشبيلية، وهو فن قائم على الخطوط الأنيقة المضاهية لرسوم ونحوت تلك المآثر العظيمة الخالدة.
إن السيد باربيس يربط بين الحضارة الأندلسية وبين موسيقاها الباقية في بلاد المغرب، ومنها الجزائر، فهي في نظره تعبير عما وصلت إليه الفنون والآداب والشعر خاصة، وما وصلت إليه الفئات الاجتماعية من بذخ احتاج إلى ترفيه وتسلية تتلاءم مع الذوق الناعم والحياة البورجوازية الراقية، فهل هذا صحيح؟ إن الكاتب يقول (إن الموسيقى الأندلسية تعزف على لحن واحد أساسي خالص وجميع الآلات المعبرة عنه والأصوات التي تشاركه ... تكون في تآلف واتحاد كاملين)، ولهذه الموسيقى أربعة مقامات أساسية هي: العراق ويمثل الجد والغلظة، والمزموم ويمثل اللطافة والحزن، والديل ويمثل القوة والحيوية، والجاركة وتمثل الروح الدينية، وقد قام باربيس بمقازنة هذه المقامات بما يقابلها في الموسيقى الإغريقية، وتبين له أنهما مختلفان وأن لكل منهما خصائصه المميزة.
كما قابل المقامات الأساسية الأربعة المذكورة بمقامات ثانوية هي: الحسين والصيكة والماية والرصد، ثم قارنها بمقامات أخرى فرعية تتمثل في:
стр. 4700
الرمل، والرمل ماية، ورصد الديل، والغريب، والزيدان، والمجنبة، إن كل مقام من هذه المقامات يشتمل على (النوبة) وهي قطعة أو مجموعة من القطع تعزف وتغنى، إنها نوع من السنفونية المشتملة على عدة حركات متناغمة (١).
رأي عمر راسم في الموسيقى
من الذين اهتموا بالموسيقى عن دراية وعلم عمر راسم، فقد عاصرها ومارسها وكتب عنها، وهو يعتبر عمدة فيها، وكان يحب الموسيقى ويغار عليها بحكم أنه فنان من جهة وبحكم أنه باحث في أصولها وتطورها من جهة أخرى، وقد كنا عرضنا لبعض آرائه وكتاباته في كتابنا الثقافي، وها نحن نختم بما قاله عنها في آخر حياته، وإذا كان أخوه محمد راسم قد ختم حياته وهو غارق في متحف الرسم والمنمنمات فإن عمر راسم قد ختم حياته وهو يدافع عن الموسيقى الأندلسية الأصيلة.
في شهر الثورة (نوفمبر) كتب عمر راسم مقالة عنوانها (الموسيقى الأندلسية: صفحة من تاريخها بالجزائر) تحدث فيها عن أصول هذه الموسيقى في مدينة الجزائر وعن شيوخها وميزاتها وبعض تاريخها إلى زمنه، بدأ مقالته بتعريف الموسيقى وكونها مؤثرة في الإنسان وأنها من علامات الرقي الحضاري، وضرب لذلك مثلا بـ (أمة الأندلس العربية) التي نبغت في هذا الفن مما جعل ملوك أوروبا، في نظره، يتنافسون على ألحانها أو على ملحن عربي أندلسي يزين مجالسهم، ثم هاجرت الأمة الأندلسية إلى بلاد المغرب، ومنها الجزائر، فانتشرت الموسيقى في هذه الأقطار وحدث للموسيقى في موطنها الجديد ما ليس منه بد، فحرفت نغماتها وتغيرت تراتيبها ونظامها، أي تغلب عليها ما يسميه هو (الطابع الملي البلدي)، وهذه الظاهرة نجدها بالخصوص في تونس والمغرب، ومن ثمة تغيرت طرق الأداء الفني الموسيقي، وضرب لذلك مثلا
стр. 4701
وهو تغير الموسيقى في مصر والعراق بتداخل الألحان البدوية فيها ثم الألحان الأوروبية والأمريكية.
ويقف عمر راسم ضد التقليد ولذلك تعوذ من (الهجانة والمسخ!) والغريب أنه يقول إن الموسيقى الأندلسية هذه لم يطرأ عليها تغيير في الجزائر فلم تنحرف عن طابعها الأصيل، وهو رأي مخالف إلى حد كبير لرأي باربيس السابق، ذلك أن أهل الجزائر العاصمة بالذات كانوا ولوعين (بالتقليد للفن تقليدا دينيا)، فلم يتغير - كما قال - من الموسيقى حرف واحد ولا صوت واحد مما ورثته عن المهاجرين الأندلسيين بل نقلت عنهم ألحانهم ونغماتهم وأناشيدهم نقلا دقيقا، كما رويت أسانيد الحديث، لقد كانت الجزائر أيام شبابها وعزها - في نظره - هي غرناطة إفريقيا الشمالية، ولذلك قال عمر راسم إن ما بقي من الموسيقى، على قلته، ما هو إلا صورة صادقة مما كانت تتغنى به غرناطة وأشبيلية ومالقة وطليطلة وغيرها من المدن الأندلسية، وذلك عن طريق التواتر الصحيح.
نلاحظ مما سبق إصرار عمر راسم على عذرية الموسيقى الأندلسية في الجزائر - وهو يربط عذريتها بأيام العز التي لم يحددها، فهل كان ذلك زمن المرابطين أو زمن الموحدين، أو العثمانيين الذي شهد هجرة الموسيقى الأندلسية من موطنها إلى مهجرها الحصين؟ ولماذا تغيرت في تونس والمغرب، وهما جناحا المغرب العربي وموطنا الحضارة فيه، ثم تبقى الجزائر (الوسطى) محافظة على الموسيقى بدون تحريف؟ كما نلاحظ الربط عنده بين تطور الموسيقى وتطور ووصول الحديث الشريف، فهو يتكلم هنا عن التواتر، وللتذكير نقول إن عمر راسم كان من القراء المشهورين في الجامع الكبير، ومن ثمة كانت صلته بالموسيقى الأندلسية والقرآن الكريم والحديث الشريف وإنشاد المدائح.
كما نلاحظ إصراره على أنه هو نفسه شاهد على ثبات الموسيقى مدة
стр. 4702
خمسين سنة (انظر رأي باربيس، سابقا) على أمر واحد، فلم يشاهد أو يسمع طيلة المدة المذكورة، ولم يقف على فرق، فيما سمع، ولو في مد أو قصر بين من عرفت من معلم ومتعلم، ومن أخطأ في نداء أو زاد نصف نقطة في غير محلها عد عليه نقص يسفه به عند أهل الفن، فالموسيقى الأندلسية مبنية على قواعد علمية، وعلى الأصوات المطلقة والممتزجة، فهي مركبة من (نوبات) ومرتبة على قواعد الإنشاء، وهي: الاستهلال فمقصود ثم خاتمة، والنوبة تبدأ بالتوشية ضربا من دون غناء، وكرسي مثلها، وهما مغفتاحا الآلة، ويكونان على نقر الوتر، ثم يجهر بالمصدر ثقيلا، ويليه البطاحي أثقل منه في الغالب، ثم يليهما الدرج وهو أخف منهما، ثم يأتي الانصراف خفيفا، ثم الخلاص أخف، وقد يزيدون على ذلك الانقلابات (النقلبات؟) واحدها الانقلاب، وهو يتبع الصياح دائما، أو الاستخبار المناسب لصناعة النوبة، فإن كانت نوبة الزيدان يصيحون زيدانا أو يستخبرون سيكة، وهكذا، ولكل صناعة نوبة أو نوبات، ويقال إن الشيخ محمد المنيمش أستاذ السيد محمد سفينجة كان يعرف في الصنعة الواحدة عشرات النوبات بأصواتها.
وبعد هذه المعلومات الفنية والعملية يقدم عمر راسم معلومات تاريخية. فهو لا يستغرب مما روي عن الشيخ المنيمش مثلا، لأنه رأي بنفسه ديوانا بخط إمام الجامع الكبير الشيخ عبد الرحمن بن الأمين، جد شيخه قدور الأمين إمام مسجد سيدي عبد الرحمن الثعالبي، فإذا في هذا الديوان أربع وعشرون صناعة أو لحنا، ولكل صناعة نوبات كثيرة منها ما يزيد عدد مصدراتها على العشرين. وكان الشخ عبد الرحمن بن الأمين يتقن الفن (الموسيقى) ويحسن تلك النوبات كلها، وكان في عصره هو رئيس القصادين، (باش قصاد)، وهي وظيفة تشريفية، كان يتقلدها من يتقن الفن ويحسن تأدية تلك النوبات كلها، ويتولى بها إدارة جماعة من القصادين أو الفنانين الذين يتغنون بمدح الرسول ﷺ بالأناشيد أيام المولد النبوي في المساجد والأضرحة والزوايا، ويأسف الشيخ عمر راسم على أن الديوان الذي سبق أن رآه قد ضاع، كما ضاع في الجزائر كل
стр. 4703
ما كان ينبغي أن تفاخر به ... ولم يبق لأهلها في هذا الباب إلاقليل، لكن هذا القليل الذي بقي يعتبر أصح في نظره مما بقي عند المغاربة والتوانسة ... وكذلك اللبنانيين لأن في نطقهم رقة تضعف قيمة اللحن الفنية، كما أنهم اخترعوا زيادة على الأصل أنفاسا غير موافقة لميزان الصنعة ونسبة الأصوات في الغالب.
وهكذا اهتمت الجزائر بالمحافظة على الموسيقى الأندلسية، كما اهتم أهل الحديث بصحة الرواية، فكان أعيانها وعلماؤها يتنافسون في حفظها في الصدور وإتقانها ... وأشدهم حفاظا على ذلك الشعراء العلماء الذين تنافسوا في إنشاد (المولديات) وقياسها على نظام الأنغام الأندلسية، ويكفي دليلا على ذلك أن الذي أدخل الألحان الموسيقية، ثقيلها وخفيفها، حسب القواعد العلمية في الأناشيد والموشحات هو الشاعر أحمد بن عمار ... (١).
وكان يشارك ابن عمار في الإنشاد الأئمة والفقهاء، وقد سار الكثير منهم على منواله من بعده، ومنهم أحمد بن القبطان إمام الجامع الجديد، وآخر فنان من ذلك السلف هو الشيخ محمد سفينجة المتوفى عام ١٩٠٨، وهو تلميذ الشيخ محمد المنيمش.
لقد كان سفينجة حسن الصوت (وهذا مما يقل وجوده في الفنانين في الجزائر)، وبهذه المناسبة ذكر عمر راسم قصة جرت عند زيارة الشيخ محمد عبده للجزائر (١٩٠٣)، فقد أقام له الأعيان وليمة حضرها الشيخ سفينجة فأراد الشيخ مصطفى الكمال أن يعتذر للشيخ عبده عن لحن المغني وتحريفه للعربية فأجاب الشيخ عبده (بأن جميع المغنين يلحنون)، وأضاف أنه يستحسن نظام موسيقى الجزائر وأثنى على الشيخ سفينجة، وقال إن غناء الجزائر يشبه غناء
стр. 4704
الأتراك وأنهما عنده أحسن بكثير من الغناء المصري، هذه هي خلاصة رواية عمر راسم.
وكانت هناك - حسب عمر راسم - مغتيات محترفات يتقن الموسيقى الأندلسية الصحيحة، وخاتمتهن في نظره، هي المعلمة أمينة بنت الحاج المهدي، وما يزال من بنات العائلات الكبيرة من يعزفن بالقيثارة والرباب والقانون ... وتأسف الشيخ راسم على أن من يرى ذلك العهد الذي يشبه عهد إسحاق النديم وإبراهيم بن المهدي، ثم يرى الحالة الحاضرة وضياع تلك الآثار الجليلة واستبدالها بتقاليد المنحطين خلقا وخلقا للأغاني الأجنبية الفظيعة ونغمات النواح، فمن حقه أن يتأسف بشدة على ما آلت إليه الأحوال، بهذا الأسف والأسى ختم عمر راسم مقاله عن الموسيقى الذي هو ربما آخر صيحة له في هذه الدنيا (١).
تعليق على الموسيقى والغناء
هناك جيل من الموسيقيين الجزائريين ومن المغنين نشأ بعد الحرب العالمية الأولى وأعطى ثماره قبل الثورة، ثم لما حلت سنة ١٩٥٤ كان هذا الجيل يرحل عن الدنيا تاركا وراءه ثروة من التقاليد والأشرطة والتلاميذ الذين واصلوا المهمة، ولم نستطع أن نجمع سير كل هؤلاء فهي متفرقة في الصحف وبعض الكتب والمذكرات والكنانيش، وهي موجودة لدى العائلات والأقارب، وقد نجح السيد محمد الحبيب حشلاف في تسجيل نبذة عن بعض الفنانين مع صور لمعظمهم، ونعم ما فعل.
ومما يلاحظ أن معظم الموسيقيين والمطربين كانوا قليلي الثقافة أو أميين، لم يدرسوا الموسيقى في معاهد متخصصة، ولم يتقنوا لغة الأداء بقراءة
стр. 4705
القرآن الكريم وترتيله، ولم يخضعوا لمدرسة نقدية صارمة تقيم أعمالهم وتضعهم على المحك والطريق الذي يستحقونه، وإنما هي الموهبة والهواية، وبعضهم انضم إلى المغنين والملحنين بالصدفة ولم يخضع لتدريب ولا لمعاناة، حقا لقد كان بعضهم موهوبا فاعتمد على نفسه ولم يخضع للدربة والمران. وبدأوا هواة مغامرين حتى وصلوا إلى مستوى اعتقدوا أنه يؤهلهم للجلوس على عرش الفن، ومعظمهم اعتمد على الموسيقى الأندلسية والشعبية يدندن أو يرطن بهما، وكلاهما نوع من الموسيقى التي تستر عيوبهم عن عيون النقاد والمتذوقين، فهذه الموسيقى أصبحت - رغم رأي عمر راسم فيها - هي حمار الموسيقيين على غرار حمار الشعراء (بحر الرجز) يتسلقها كل غاو وكل طاو وكل عاو، ولكن لا بد من استثناء من لا يستحقون هذا الحكم وهم الذين درسوا وتعلموا وعانوا حتى وصلوا إلى مرحلة الجودة والإتقان والإبداع مثل محمد إيقربوشن.
عشت فترة في العاصمة في مرحلة الثورة، قادما إليها من تونس بعد التخرج من الزيتونة، وسكنت غرفة على سطح حمام شعبي بضاحية الحراش، وفي كل صباح كنت وصاحبي ننزل من السطح إلى بهو الحمام حيث نسمع ونحن نعبره الحاج محمد العنقاء وزملاءه يدندنون بكلام غير مفهوم لنا وبموسيقي ليس فيها - في نظرنا - سوى نقر العود وبعض الأنغام الرتيبة، نتوقف وننصت محاولين جهدنا فهم ما يغنى وموضوع الأغنية فلا نفهم شيئا، فنواصل سيرنا إلى هدفنا وهو المدرسة، وقد تكرر ذلك منا إلى أن صرنا نسمع فتقبل آذاننا وذوقنا ذلك النغم الرتيب والدندنة المملة، وكنا نكتفي بالقول لبعضنا إنه فن العاصمة ونحن فيها وعلينا أن نتأقلم ونقبل ما يقدم لنا على أنه فن وموسيقى وشعر جزائري.
وبعد حوالي عام كنت في القاهرة حيث أسمع - كما في تونس - الموسيقى والطرب الشرقي والشعر الفصيح والشعر الملحون (الزجل)، ومختلف الألحان الشرقية دون دندنة ولا كلام مغموم، وذات يوم كنا في نادي
стр. 4706
الطلبة، وقد فرضت الثورة الوحدة الوطنية على الجميع وقبول فن الآخر على أنه وإن اختلف نغما ولفظا فهو فن وطني، كما فرضت على الجميع التحدث وطنيا لا جهويا حتى في الفن والموسيقى، ومع ذلك حدث نقاش حاد بين طالبين حول ما إذا كان ما يسمى الموسيقي الأندلسية مفهومة جزائريا أم لا وما إذا كان فعلا فنا وطنيا، وكذلك جرى النقاش حول ما يسمى بالموسيقى الشعبية ودندنة العنقاء التي يرددها في أغنيته (لحمام اللي ربيت مشى عليا) وقد انتهى النقاش بين الطالبين على أن هذا النوع من الفن قد انتهى عهده وأن على المغنين أن يفصحوا بألسنتهم عما في قلوبهم وعقولهم لأن ما ينطقون به غير مفهوم إلا لهم ولحوارييهم.
الأخوان فخارجي
من أقدم الموسيقيين عشية الثورة الأخوان فخارجي، كانت شهرة محمد فخارجي قد غطت على عدد من زملائه، وقد وصل إلى رئاسة جوق المحطة للموسيقى الأندلسية براديو الجزائر، وكان يعتبر من النابغين فيها، وهو يظهر بطربوشه العثماني وصورته المهيبة من القادة البارزين في هذا الفن، إلى أن توفاه الله سنة ١٩٥٦، فترك فراغا في مجاله لم يملأه إلا أخوه عبد الرزاق فخارجي الذي تولى بعده رئاسة الجوق، وهو أيضا فنان موهوب، ولد حوالي ١٩١٢ واهتم بالموسيقى الأندلسية التي يبدو أنها كانت متوارثة في العائلة، ولعل العائلة نفسها كانت من أصول أندلسية، ورغم أن سفينجة وجيله قد انتهوا فإن عبد الرزاق ظل يستمع إلى أشرطة سفينجة على الخصوص، ثم بدأ يعزف بنفسه رفقة أخيه الآخر حميدو الذي كان يكبره، كما عزف على آلة (الماندولين) أوائل العشرينات، ثم تخلى عبد الرزاق عن الموسيقى فترة بعد وفاة أخيه حميدو (١٩٢٥) ولكنه رجع إليها بعد أربع سنوات، وفي هذه الأثناء أنشئت جمعية باسم (الأندلسية) فنودي على محمد فخارجي ليتولى أمرها كأستاذ، مع السيد مخيلف، فاشترك معهم عبد الرزاق كعازف على آلات غربية، وهكذا أصبح عبد
стр. 4707
الرزاق يرافق أخاه في الحفلات.
وفي سنة ١٩٣٠، أنشأ محمد جمعية باسم (الجزائرية) فانضم إليها محمد تفاحي فتعلم عليه عبد الرزاق الكثير من الأغاني، وكانت الحفلات التي يشترك فيها مع أخيه وتفاحي حفلات اجتماعية مثل الأعراس، وبعد أدائه الخدمة العسكرية أصبح أستاذا في الموسيقى الأندلسية، وفي هذا العهد اندمجت جمعية (الجزائرية) في جمعية (الغرناطية) فواصل العمل فيها كأستاذ مع تفاحي، وقد تخرج على يديه عدد من العازفين الذين أصبحوا من عناصر (الأوركسترا)، ومنذ ١٩٥٠ سمي عبد الرزاق أستاذا في المعهد البلدي للموسيقى بالجزائر، ولما نشأت الإذاعة سنة ١٩٣٠ خصصت ساعتين للموسيقى العربية فكانت الأوركسترا الجزائرية هي التي قدمت أول مسابقة، وكانت تؤدي دور المخفف لما عليه الناس من حزن وبؤس، ومن ثم نفهم أن عبد الرزاق فخارجي لم يتلق أية ثقافة رسمية في حياته، وأنه لم يخرج من الجزائر للمشاركة والتدريب والتعلم، وأن مجاله هو الموسيقى الأندلسية التي ورثها عن العائلة وعن الشيخ سفينجة بالأثر لا بالتتلمذ، ومع ذلك وصل إلى رئاسة جوق المحطة (الإذاعة) وقيادة الأوركسترا، مثل أخيه محمد (١).
إضافة إلى ما سبق عن محمد فخارجي نذكر أن أحمد سري، وهو من الموسيقيين المشهود لهم، كتب عنه كلمة تأبين، فقال إنه مرض مرضا دام عشر سنوات، ومنه إلى الموت، قبل الأوان، وله تلاميذ في الموسيقى الأندلسية، وأضاف سري أن محمدا كان من أتباع زرياب (٢).
كما أن تقسيم أنواع الموسيقى العربية في الجزائر إلى مدارس حسب
стр. 4708
الجهات أو حسب والطبوع قد تبلور في الخمسينات، فقد صنفت الموسيقى إلى: أندلسية وشعبية وعصرية ونحوها، كما صنفت أحيانا إلى الفن الصحراوي والقبائلي والوهراني والقسنطيني والتلمساني ... ونعتقد أن هذا التصنيف كان مقصودا ومدروسا، وهو من صنع وتكريس الفرنسيين حتى يبقى الجزائريون بعيدين عن الوحدة في تذوق فنهم والشعور بجمال طبيعتهم.
وللأسف فإن الجيل الذي تولى مقاليد الاستقلال من الجزائريين قد أبقوا على هذا التصنيف دون التفطن إلى ما وراءه من حبائل وفخاخ، بالعكس لقد تكرس هذا التصنيف اليوم بإنشاء إذاعات محلية تحافظ على خصوصيات كل ولاية وتغيب كل ما له علاقة بالروابط الوطنية من تراث مشترك وثقافة دينية ولغوية وشعور بالانتماء الحضاري الواحد، وقد أصبح لكل صنف جوقة أو فرقة فنية تعزفه وتختص به، ولكل جوقة فنانها الماهر الظاهر المتميز، فللأندلسي مثلا محمد فخارجي وعبد الكريم دالي ودحمان بن عاشور وللمالوف محمد الفرقاني، وللشعبي محمد العنقاء وتلاميذه، وللعصري عبد الرحمن عزيز ومحمد العماري، وقد ظهر متخصصون من الجزائريين ومن الأوروبيين (خصوصا اليهود) في دراسة كل صنف وتحديد معالمه وأصوله، وللوهراني أحمد وهبي والبلاوي الهواري، وللصحراوي أحمد خليفي ورابح درياسة وعبد
الحميد عبابسة، وللقبائلي سليمان عازم.
وأشار أحد الكتاب إلى وجود جمعية جزائرية للموسيقى الأندلسية. وانتقد مؤتمر القاهرة لسنة ١٩٣٢ الذي لم يحقق في نظره شيئا، كما عرفنا بوجود بحث كتبه جول رواني الفرنسي ونشره في دائرة المعارف الموسيقية، وقام السيد إسكندر شلفون بنقله إلى العربية وأظهر بعض هفواته، وهو البحث الذي استفدنا منه في الأجزاء السابقة من التاريخ الثقافي، وهناك مقال آخر عن الموسيقى الأندلسية عرض رأيين، رأي من يقول بتطوير هذه الموسيقى عن طريق استعمال الآلات الأوروبية ورأي من يقول ببقائها دون تطوير، أي على أصالتها، ودليل من يقول بالتطوير هو أن صاحب العمامة والجبة وغيرهما
стр. 4709
يستطيع أن يقود السيارة ... فلماذا لا يستعمل أيضا الآلات الأوروبية للموسيقى الأندلسية (١).
وفي أوائل الخمسينات برز محمد العنقاء بعد أن مر بمراحل في حياته جديرة بالاعتبار حتى وصل إلى رئيس جوقة الموسيقى الشعبية، كتب عنه عثمان بوقطاية مقالة تتبع فيها مراحل حياته منذ ميلاده سنة ١٩٠٧ وسماه صاحب مدرسة في الفن الشعبي، وفي سنة ١٩١٩ كان الفن الشعبي في الجزائر يحتكره الشيخ مصطفى الناظور وكان العنقاء من تلاميذه المواظبين على حضور مجلسه وجوقته بل حتى في تنقلاته، ولما توفي الشيخ الناظور سنة ١٩٢٦ تملكت العنقاء مشاعر اليأس خوفا على ضياع ما تعلمه.
توقف العنقاء فترة عن تعاطي الفن الشعبي والتحق بضريح الشيخ عبد الرحمن الثعالبي وعاش أجواء المدائح النبوية وحياة الحضرة الصوفية والأناشيد فانتعشت روحه ووجد ضالته ولازم هناك الشيخ علي الأكحل الذي أخذ عليه العنقاء قواعد الفن الشعبي، وبعد أن أجازه هذا الشيخ على طريقة القدماء أخذ العنقاء يحيي الحفلات ويسجل الاسطوانات، كما عمل في الإذاعة وتخرج على يديه عدد من الفنانين الشعبيين، وفي سنة ١٩٥٤ - وهو العهد الذي يهمنا - أصبح العنقاء رئيسا للجوقة الشعبية الرسمية للإذاعة (٢).
بالنسبة للموسيقى أيضا نجد الفنانين الجدد يقلدون من سبقهم، فقد قيل إن الربيع بوعلام كان يقلد رشيد القسنطيني، وسمي عبد الرحمن عزيز بمطرب الشباب، وقيل عن محمد العماري إنه كان يقلد عزيز، ومن جهتها كانت الإذاعة تقيم حفلات فنية باسم (الميزكول العربي) تارة في سينما الجمال
стр. 4710
وأخرى في سينما دنيازاد، كما كانت تقيم حفلات في المسارح (١).
بعض الموسيقيين والمغنين
كنا درسنا حياة ونشاط محمد إيقربوشن في كتابنا التاريخ الثقافي، ج ٨. وهو من الذين درسوا الفن ونالوا جوائز وشهرة عالمية، ومع ذلك لم تغره هذه الأمور ورجع إلى الجزائر في وقت صعب وفضل الإقامة بها إلى وفاته سنة ١٩٦٦، قيل عنه إنه كان رجلا متواضعا حييا، بدأ حياته الفنية عازفا على الجواق (الناي) شأنه في ذلك شأن الفتيان الجبليين والصحراويين الذين يندمجون في الطبيعة ويبتهلون إلى الأرض والسماء في لحظات من التجلي، وبالصدفة زار المنطقة زائر من اسكتلندا يعشق الفن ويدرس البيئة فأعجب بقدرة محمد إيقربوشن على العزف فأخذه معه إلى لندن فتعلم فيها وفي العواصم الأوروبية الأخرى الموسيقى حسب أصولها، حتى وصل إلى أعلى السلم.
كان راديو وتلفزيون الجزائر يذيع مسرحياته ونشاطه الموسيقي، وقد فاز أحد الأفلام التي وضع لها الموسيقى بالجائزة الثانية في مهرجان بروكسل الدولي سنة ١٩٤٩.
استوحي محمد إيقربوشن فنه من الفولكلور، كما أنه الوحيد تقريبا من الموسيقيين المسلمين الذين درسوا الموسيقى الكلاسيكية (الأوروبية) دراسة عميقة، وقد أصبح عضوا شرفيا في عدة جمعيات، وطلبته عدة شركات دولية صانعة للأفلام لوضع موسيقى أفلامها الشرقية، ومع ذلك فضل الرجوع إلى الجزائر والإقامة بها حيث كان يكتب قصة تارة ويعزف لحنا تارة أخرى، ويتعاون مع راديو وتلفزيون الجزائر إلى أن وافاه أجله (٢).
стр. 4711
هناك فريق من الموسيقيين والمغنيين شاركوا في الحياة العامة كأصحاب مواهب وهواية فنية وعملوا في وسائل الإعلام المتاحة في ذلك الوقت، بما فيها العمل داخل الإذاعة والتلفزيون الفرنسية (بالجزائر أساسا)، ثم كان لهم نشاط لفائدة الثورة أيضا سواء داخل الجزائر أو خارجها.
ومن هؤلاء أحمد وهبي الذي قضى حوالي عشر سنوات (١٩٤٧ - ١٩٥٧) في فرنسا، وهو التاريخ الذي انتقل فيه إلى تونس، وبادر بإنشاء فرقة المسرح الوطني لجبهة التحرير باقتراح من بعض القادة، ولكنه لم يستطع أن يبدأ جولاته خارج تونس إلا بنهاية ١٩٥٨، لأنه كان في حاجة إلى ممثلين آخرين من الجزائر وفرنسا، وقد شارك حتى سنة ١٩٦٢ في جولات فنية للدعاية لقضية الجزائر، وخلال هذه الفترة ألف وغنى عدة أغاني، ثورية، ومنذ الاستقلال اختار الإقامة في وهران، ولم يغادرها إلا لزيارة المغرب أو فرنسا حيث كان مولده سنة ١٩٢١، وفي سنة ١٩٧١ تولى الإشراف على المسرح الجهوي لوهران، ونال الجائزة الأولى في مهرجان أبي ظبي على تلحين أغنية دينية بكلمات الشاعر السوري علي صالح، كان أحمد وهبي معجبا بمحمد عبد الوهاب، ولكنه لم يتلق الفن دراسة، وشارك في فرق محلية ووطنية وفي الكشافة، وله صوت بدوي عميق، وشخصية فنية متميزة (١).
ولد عبد الحميد عبابسة في بريكة سنة ١٩١٨، وتلقى تعليمه الابتدائي في المدرسة القرآنية، ثم درس على الشاعر محمد العيد آل خليفة في مدرسة الشبيبة الإسلامية بالحزائر العاصمة، وقد لحن في هذه الفترة للكشافة الإسلامية نشيدا جميلا هو (عليك مني سلام يا أرض أجدادي) وهو نشيد وطني ربما كان يتردد المشرق (؟)، كان عبابسة مهتما بالأغنية والشعر والموسيقى، وقيل إنه كان من الشعراء المتصلين بحزب الشعب الذي أوعز إليه بالاتصال بالجماهير وتوعيتها وطنيا وسياسيا وحثها على جمع التبرعات،
стр. 4712
وله أشعار في مذبحة ٨ مايو قادته إلى السجن، حسب رواية حشلاف، وقد خرج منه سنة ١٩٤٦ بعد العفو العام.
ذهب عبابسة إلى باريس وغنى هناك للجالية العربية، وسجن من جديد مع المغني الحسناوي الذي اتهم بالتعاون مع (راديو مونديال) خلال احتلال باريس، وعندما اندلعت الثورة كان عبابسة مع فرقته في خراطة فتفرقت الفرقة وألغيت حفلاتها، ثم رجع إلى فرنسا سنة ١٩٥٦، وفيها تعاون مع محمد بوضياف، وواصل حثه لأعضاء الجالية على الرجوع للوطن والانضمام للثورة، ومن أبرز أعماله بعد الاستقلال قصة (حيزية) التي وضعها في شكل أوبريت للتلفزيون الجزائري، وله أكثر من ٣٥٠ قصيدة وأغنية، ويعتبر من شعراء الملحون التقليديين (١).
ومن هذا الفريق علي معاشي الذي كان واعدا بتقدم كبير في ميدان الفن ولكن حياته اقتطفت قبل الأوان.
ولد علي معاشي في تيارت، وشارك في الكشافة الإسلامية، وأنشأ سنة ١٩٥٢ فرقة موسيقية داخل الكشافة سماها (سفير الطرب)، وكانت الكشافة هي المدخل للحركة الوطنية لعدد كبير من الشباب، كان معاشي يعزف الناي ويغني اللحن الوهراني العصري، وكان من المعجبين بفريد الأطرش وبأغتيته (بساط الريح)، فقلدها بأغنيته (أنغام الجزائر) التي وضع فيها ألحانا من مختلف أنحاء الوطن، كما كان معجبا بعلي الرياحي التونسي، وفي ١٩٥٣ أدى الخدمة العسكرية في البحرية، وتخصص في اللاسلكي، فتعلم مبادى الإرسال الإذاعي، وعين بعد ذلك مساعدا لمهندس البث الإذاعي الصوتي وعمل في الحصص العربية، وسجل عدة أغاني في هذه الفترة (١٩٥٤)، منها (وصية القومري) التي عبر فيها عن مشاعره الوطنية، وربما ألف ذلك الشعر واللحن حين كان بحارا بعيدا عن الوطن.
стр. 4713
كان معاشي على اتصال بجبهة التحرير التي كلفته بعدة مهام، ومنها - كما قيل - تسجيل نشيد (قسما) لأول مرة، وقد بقيت هذه المسألة - حسب السيد حشلاف - غامضة ودفينة أرشيف الثورة، ورغم أنها كانت مهمة محفوفة بالأخطار فقد نالت حظا من الشهرة والنجاح، فقد قررت الجبهة تسجيل النشيد من نسخة وردت إليها من تونس، وكان الهدف هو توزيعها عبر الوطن، ولم يكن من السهل القيام بتسجيل من هذا النوع دون آلات متقدمة، ولذلك قرر علي معاشي القيام بالنسخ مع السرية داخل الإذاعة نفسها مع جماعة كانوا يعملون معه، وكانت الإدارة الاستعمارية تراقبه بدقة، وفي سنة ١٩٥٨ رجع معاشي إلى تيارت فاعتقلوه وأخذ الجيش الفرنسي أقواله، وعذبوه في غابة مع زميلين له، ثم شنقوهم وسط المدينة في الثامن يونيو ١٩٥٨، وهذا العمل الفظيع ينسب إلى الضابط (ماركان) وجنوده السكارى (١).
عاش ميسوم العمراوي في الجزائر وفرنسا، ومنذ ١٩٥٧ أصبح من أبرز الملحنين المحدثين، وهو من مواليد القصبة سنة ١٩٢١، وقد عرف اليتم منذ صغره، ومارس مختلف المهن، منها ماسح أحذية ليدفع ثمن دراسته، ثم أنشأ في العاصمة أول (أوركسترا) للفن الشعبي، متخصصة في الحفلات العائلية، وقام بجولات ناجحة عبر القطر، ومنها حفلات لصالح حزب الشعب وحركة الانتصار، وفي ١٩٤٧ سافر إلى فرنسا بهدف بث نشاط هذه الحركة داخل الجالية الجزائرية، وفي فرنسا لحن أغنية (القصبة) و (يا فلاح) بالتعاون مع أخيه غير الشقيق: الحاج عمر الذي كان مخرجا وممثلا في المسرح الجزائري، وغنى العمراوي أغنيته (أنا العربي) بنفس اللحن الذي غنى به اليهودي راؤول جورنو (أنا التارقي)، فنالت نجاحا كبيرا.
وتعلم العمراوي في باريس أنواعا جديدة من الآلات، وواصل نشاطه السياسي أيضا وسط المهاجرين إلى ١٩٥٨، ودخل السجن خلال هذه الفترة
стр. 4714
في غرونوبل لأنه غنى نشيد (فداء الجزائر) إضافة إلى (أنا العربي)، وفداء الجزائر هو النشيد الوطني الذي غنته معه القاعة، وقيل إنه سبب له مشكلا مع جبهة التحرير أيضا فاتهمته بأنه ذو نزعة مصالية، كما غنى نشيد (من جبالنا) الذي أعطاه إياه حشلاف بصفته كشافا، وكذلك نقل إليه نشيد (شعب الجزائر مسلم): كل ذلك قبل أن يمكنه حشلاف من نشيد (قسما) الذي وصلت نسخة منه عن طريق إذاعة المغرب سنة ١٩٥٨.
عادت الأمور إلى مجراها بين جبهة التحرير والعمراوي، ولكنه لم يجد الكلمات المناسبة للغناء والإنشاد رغم كونه ملحنا، فدخل مع محمد الجاموسي وغيره في عمل مشترك، وفي سنة ١٩٦٠ دخل أحمد حشلاف إلى الجزائر وعاد له منها بعدد من القصائد التي نظمها أخوه محمد الحبيب حشلاف المعروف بأنه (قوال) وصاحب قصائد على طريقة مصطفى بن إبراهيم وعبد الله بن كريو وابن سماية وابن سهلة، وقد استمر العمراوي في عمله الفني إلى وفاته سنة ١٩٦٩ في باريس إثر عملية جراحية، ويذهب حشلاف إلى أن كل أعمال ميسوم العمراوي مسجلة ما عدا تلك التي سجلها وهو على فراش الموت، وله تلاميذ غنوا ألحانه (١).
وشبيهة بسيرة العمراوي سيرة حسن العربي المعروف (حسيسن)، فقد غنى الشعبي الذي يأتي إسهامه فيه بعد إسهام العنقاء والحاج مريزق وخليفة بلقاسم، وحسن العربي من مواليد العاصمة أيضا سنة ١٩٢٠، عاش طفولة غير مستقرة مثل جيله من أبناء القصبة، وكان ظهوره قد تمثل في العزف المنفرد على آلة القيثارة لكي يطرب شباب الحي، ثم شارك في الفرق التي أنشأها من هم أكبر منه سنا، فأظهر موهبة فائقة وأصبح يؤلف وحده بعد أن جمع الأشعار، وكان حسيسن يمزج الفن بالسياسة، فكان - كما قيل - مغني حركة الانتصار، وقد واصل مسيرته على ذلك النحو إلى أن وقعت معركة الجزائر
стр. 4715
(١٩٥٧) فشعر بالخطر فذهب إلى فرنسا حيث بقي مدة يغني للمهاجرين، وأدى هو ورفيقه ميسوم العمراوي بعض الأغاني، وغنى بالقبائلية أشعارا أخلاقية ودينية، وكانت حصته تعرف بـ (ليالي حسيسن) في مقصف (المروك)، ثم التحق بتونس وانضم إلى الفرقة المسرحية التابعة للجبهة وشارك في عدة حفلات لصالح قضية الجزائر، لكن صحته تدهورت بسرعة وتوفي بتونس سنة ١٩٥٩ ولما يبلغ الأربعين من عمره (١).
أما محمد التوري فقد ولد في البليدة سنة ١٩١٨، ودرس في المدارس القرآنية ودخل مدرسة جمعية العلماء في البليدة، ثم أصبح بدوره مدرسا في المدارس الحرة، وتحول إلى دهان، وبدأ خلال ذلك يهتم بالغناء وتطوير الكشافة الإسلامية، وكانت حياته مع إخوته ضنكة، فاختار الأغاني الساخرة، وكان اسمه الحقيقي محمد بسناسي، وقد تولى عدة بعض الوظائف، ثم ترك ذلك وتفرغ للمسرح والغناء وأنشأ أول فرقة سنة ١٩٣٦، ولا نجد من تحدث عن مشاركته في الثورة في الجزائر أو في فرنسا، ولكن أدواره المسرحية والسينمائية كانت تجسد نقدا للاستعمار والمجتمع وتعبر عن أحوال الثورة التي كان الشعب مندمجا فيها، فقد كان التوري قريبا جدا من الجمهور المضطهد، وله تفكير عميق يعبر عن ثورته ضد الظلم والاضطهاد، ولعل حالة الفقر التي عاشها هو وإخوته وقسوة الحياة لها دخل في اختياره هذا الاتجاه الذي يسميه كتاب ذلك الوقت بالواقعي (٢).
غنت فضيلة لمنكوبي زلزال الأصنام في باريس (أنظر سابقا) سنة ١٩٥٤، وشاركت بفنها في الإذاعة والتلفزة الفرنسية بالجزائر أيام الاستعمار، ورغم نشاطها الفني فقد قيل إنها شاركت في الثورة بجمع التبرعات مع أختها، فاعتقلت وسجنت في سجن سركاجي دون أن يذكر المصدر متى كان
стр. 4716
ذلك، وبعد خروجها من السجن شكلت فرقة موسيقية خاصة مع أختها ووالدتها وعدد آخر من النسوة، وأعدت لكل واحدة منهن آلة تعزف عليها، وهو عمل يثير الدهشة من فرقة لم يتعلم أعضاؤها الموسيقى في مدرسة أو معهد، وقد تحدثت (المناظر) عن فرقتها، واعتبرت فضيلة مجددة في الفن الأندلسي العصري (كذا)، وقالت إن باش تارزي قد ساعدها على شق طريقها في التمثيل وعلى نيل الشهرة في باريس، وأنها كانت معجبة بالطرب التونسي الشعبي والغناء العصري، واعتبرتها هذه المجلة، مع أحمد سري، باعثي النهضة الموسيقية الجزائرية العتيقة بين الشباب العصري (١).
من الفنانين الذين اشتهروا وكان له جمهوره الخاص وتعبير مفهوم وحكم مأثورة، عبد الرحمن العمراني المعروف بدحمان الحراشي، فقد كان والده (العمراني) مؤذنا بالجامع الكبير بالعاصمة، ففضل ابنه عبد الرحمن ألا يسى إلى اسم العائلة بذكرها مقرونة بالغناء الذي لا يرضاه كل الناس، ولد عبد الرحمن سنة ١٩٢٦ في الأبيار، ثم انتقل أهله إلى الحراش وهو صغير فأطال الإقامة في هذه الضاحية الشعبية فنسب نفسه إليها (الحراشي)، فهو من عائلة محافظة متدينة، درس في المدرسة القرآنية وكذلك في المدرسة الفرنسية، ونال الشهادة الابتدائية، ثم مارس مختلف المهن، فهو إسكافي ومستخلص (التراموي) لمدة سبع سنوات بين الحراش وباب الواد، بدأ حياته الفنية مع فرقة الحاج المنور وغيره وقام بجولات فنية بدأها ببسكرة التي يقال إن أصله منها، وعنابة سنة ١٩٤٩، ثم سافر إلى فرنسا لينشط حياة المهاجرين، وقد حقق نجاحا وأصبح مؤلفا وملحنا، وغنى أغنية أكسبته شهرة بعنوان (بلاد الخير)، يمتاز دحمان الحراشي بصوت فريد، وفنه يأتي بين الشعبي والعصري، فهو لا يشبه الآخرين في مجال الغناء، ومن الصعب تصنيفه، وركز في أغانيه على الحنين إلى الوطن وإسداء النصح وسوق الحكمة وتنبيه الغافلين.
стр. 4717
وهو الذي شبه في أغانيه المرأة بالحجلة والحمامة، وقيل عنه إنه كان مسلما ملتزما، وتوفي في حادث سيارة سنة ١٩٨٠ (١).
المطربة وردة من مواليد ١٩٤٠ بفرنسا، وبدأت تاريخها الفني وعمرها أحد عشر سنة إذ كانت تقدم أسبوعيا حصة أطفال يشرف عليها حشلاف في الإذاعة والتلفزة الفرنسية سنة ١٩٥١، وكانت تغني أغنية لمشاهديها الصغار، فنالت نجاحا كبيرا واهتم بها المؤلفون وأعطوها أغاني تلائم سنها، فوضع لها زكي خريف (يا مروح لبلادي)، والجاموسي (بلادي يا بلادي)، ورضا القلعي (يا حبيب القلب)، وهكذا، كان والدها من أقدم المهاجرين الجزائريين إلى فرنسا، وكان يدير مقصفا (فواييه) للعمال، وكان المقصف منذ ١٩٣٦ مكانا لنشاط نجم شمال إفريقيا، ثم أصبح والدها مالكا لمقصف (تام، تام) حيث بدأ نجم وردة في الظهور، ثم أصبح نفس المكان موئلا لنشاط جبهة التحرير إلى أن تم غلقه سنة ١٩٥٨، وهو تاريخ نفي العائلة كلها، أم وردة لبنانية مسلمة فعلمتها الأغاني اللبنانية، وبذلك تكون وردة قد تعلمت الفن الشرقي الأصيل، كانت وردة منذ صغرها تقلد أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش، أما غناؤها في طفولتها في الإذاعة والتلفزة الفرنسية فقد ربطها بالأغنية المغاربية، ولاسيما التونسية.
سنة ١٩٥٤ كان عمر وردة أربع عشرة سنة، بدأت تغني للثورة، فغنت (يا حبيبي يا مجاهد) و (يا عمي يا مناضل) و (بلادي يا بلادي) و (يا مروح لبلادي) السابقتين، وفي ١٩٥٨، اتفقت عائلتها كلها على الهجرة إلى بيروت حيث ظلت وردة تواصل غناءها للثورة، فغنت (جميلة) و (أنا من الجزائر أنا عربية)، وقد لحن لها رياض السنباطي أغنية (نداء الضمير) لصالح خرفي بعد أن سمع السنباطي صوتها من إذاعة معرض دمشق، ووصلت القاهرة سنة ١٩٦٠ فوجدت السنباطي مستعدا لمساعدتها، فلحن لها كلمات من شاعر
стр. 4718
مصري (يا حرية أنا بندهلك)، كما غنت لفلسطين، وفي ١٩٦١ شاركت في لحنين وضعهما محمد عبد الوهاب وهما (الوطن الأكبر) و (الجيل الصاعد)، وقد عرفت في المشرق باسم وردة الجزائرية (١).
كان يمكننا أن نواصل الحديث عن الفنانين وألحانهم وتقلبات الحياة معهم، ولكننا رأينا أن نكتفي بهذا القدر لأن الهدف هو معرفة مدى علاقة الفن بالثورة، ولا شك أن هناك مغنين وموسيقيين وشعراء شعبيين، كما كان هناك رسامون ونحاتون، لم ينضموا للثورة أو ناضلوا في صفوفها سرا، ونظن أن النماذج التي أتينا عليها تلقي الضوء على الموضوع بشقيه.
стр. 4719
الفصل السابع
السينما والرسم والمكتبات والخطاطة والمتاحف
السينما
السينما من الفنون الجديدة التي عرفتها الجزائر، وقد بدأ الفرنسيون في إنتاجها منذ وقت مبكر، ثم طوروها حتى وصلت، مع الإذاعة والتلفزيون، إلى مرحلة متقدمة، وعندما نتكلم عن التلفزيون فإننا نتكلم عن مرحلة الثورة لأنه بدأ، كما سبقت الإشارة، يعمل أثناءها، فالجزائر هي البلد العربي الأول الذي دخله التلفزيون، ورغم أنه مؤسسة فرنسية النشأة والتوجيه والإنتاج فإن الجزائريين سرعان ما استفادوا منه وظهر من بينهم من أخذ ينتج له أفلاما وبرامج وتمثيليات بالعربية الدارجة (١).
أما السينما فقد كانت الفن الأصعب تنفيذا لاحتياجه إلى خبرات وتقنيات دقيقة لكي تخدم الثورة والمجتمع، ولذلك تأخر ميلادها عند الجزائريين إلى عهد الثورة، ويقال إن أول فيلم جزائري أنتجته الثورة كان سنة ١٩٦٠، أي بعد حوالي ست سنوات من تقدم الكفاح، ولكن كيف سارت الخطوات وكيف أنجزت الأعمال، ومن فعلها أول مرة، هل هم الجزائريون وحدهم أو بمساعدة الأجانب؟ لنستمع إلى مختلف الآراء والروايات، ومصادرنا رغم أنها شحيحة، فإنها تكرر نفسها وتأخذ عن بعضها، ولا تعطي في معظمها إلا صورة غير كاملة لما حدث بالفعل.
стр. 4720
بكل حماس وفخر قدمت (المجاهد) ما اعتبرته أول فيلم جزائري أنتجته الثورة، وهو فيلم (جزائرنا) الذي خرجت به الجريدة على قرائها مع صورة لانفجار من الشريط نفسه علقت عليه بقولها: (من واقع الثورة الحي)، ولم تذكر المجاهد شيئا عن هذا الفيلم القنبلة ولا عن الممثلين ولا مكان التصوير ولا زمنه أو مدته، لقد اكتفت بقصته، بموضوعه وبكونه يصور أثر الحرب المدمرة على القرى والأرياف وسط مناظر الأطفال وهم في حالة رعب من جنود مسلحين بالحقد والكراهية، على حد تعبيرها، إنهم جنود يحملون الموت والخراب في كل مكان، تلك هي (جزائرنا)، البؤرة الوحيدة المشتعلة بالحرب في العالم، إن قصة الفيلم تمتد ١٣٠ سنة من الاضطهاد والنهب واغتصاب الأرض والاحتكار، وطرد السكان إلى الأكواخ والبطالة والذل، إنهم ملايين النساء والأطفال والرجال الذين أصبحوا بلا مستقبل، بلا وطن، وهو (جزائرنا).
ولكن الشعب المطرود من أرضه المغتصبة لم يستسلم، إنه يتمتع بإرادة النضال والثورة على الظلم والاستعمار من أجل أن تعود (جزائرنا) المغتصبة، كما أن المستعمرين صمموا على الاحتفاظ بالجزائر وقابلوا المقاومة بالحديد والنار وبجيش مدجج بالسلاح العصري يحمل معه (النابالم) والقنابل الحارقة وأدوات التعذيب ليقمع بها (جزائرنا) التي ظلت رافعة الرأس شامخة الذرى، لقد فتح العالم عينيه على الفاجعة، بينما فتح الممثلون الجزائريون ملف (جزائرنا) أمام هذا العالم فأصبحت مثالا للصمود والدفاع عن الحرية، هذا الصمود والكفاح قام بهما شعب مصمم على انتزاع حقه وهويته التي سرقها منه الاستعمار سنة ١٨٣٠.
إن شريط (جزائرنا) فيلم وطني أنتجته وزارة الأخبار في الحكومة المؤقة، وقد عرض يوم ٦ نوفمبر ١٩٦٠ على إطارات الحركة الوطنية بتونس، ثم على الصحفيين يوم ٨ من نفس الشهر، وقد تساءلت المجاهد: هل هو فيلم جميل؟ وقد ردت على السؤال بنفسها فقالت: من يسأل عن الجمال في الأفلام
стр. 4721
الحربية؟ يكفيه أنه شريط مفيد .. مهول، إنه سلاح جديد في يد الثورة الجزائرية، من أجل حرية (جزائرنا)! (١).
ولا ندري هل هذه النهاية لمقال المجاهد تشكل تبريرا لكون الفيلم غير جميل فنيا أو غير جميل من حيث التأثير النفسي واختيار المناظر واللقطات الخاطفة للأبصار والقلوب، أو هو اعتذار مسبق للقراء والمشاهدين عن كونه لم يبلغ في أداء رسالته ما هو متوقع منه، والحق أننا شاهدنا مع غيرنا هذا الفيلم في مناسبتين ونحن طلاب في القاهرة وأمريكا فكان له وقع كبير علينا وعلى غيرنا من المشاهدين، فقد شد أنظارنا وأبكى قلوبنا قبل عيوننا واختلط عندنا الإعجاب بالبطولة والمقاومة الشرسة بالمناظر الطبيعية الخلابة، وعادت (جزائرنا) فعلا إلينا بعد أن كنا نعيش الواقع الاستعماري الذي حاول أن ينزع منا هويتنا، فكنا نحس بالتلاحم ووحدة الحاضر والمستقبل، وقد طلبنا نسخا من هذا الفيلم عدة مرات من المكتب الإعلامي لجبهة التحرير ليعرض في مناسبات عديدة على مشاهدين يريدون أن يعرفوا حقيقة ثورة الجزائر التي يجهلونها، وفي كل مرة كانوا يخرجون مشدوهين من التناقض الصاعق الذي أمامهم: أين مبادى فرنسا المعلنة مما يمارسه جيشها في الجزائر؟ وكيف صبر الجزائريون مائة وثلاثين عاما على استعمار وحشي من هذا النوع؟
إن (جزائرنا) فيلم وثائقي قصير لا يتجاوز عرضه ٢٥ دقيقة، وهو من عيار ٣٥ ملم، وناطق بالعربية، وساهم في إخراجه جمال شندرلي، والأخضر حمينة، والدكتور شولي، ويعتبر محاولة أولى توجه إلى الرأي العام العالمي قامت بها الحكومة المؤقتة، تناول الفيلم وقائع المقاومة الجزائرية ماضيا وحاضرا في لقطات سريعة (٢).
стр. 4722
ومع الأيام تأكد أن فيلم (جزائرنا) من عمل جمال شندرلي، والأخضر حمينة، وهو فيلم تحول بالتدرج إلى (صوت الشعب)، وهو يعرض تاريخ الجزائر من خلال تركيب حديث، كما أنه يتابع الأعمال العسكرية والسياسية لجيش التحرير، ومظاهرات ديسمبر ١٩٦٠، والهجوم على قلعة فرنسية محصنة على الحدود الجزائرية التونسية.
والملاحظ أن لطفي محرزي جعل الفيلم من إنتاج سنة ١٩٥٩، بينما تقول عواطف عبد الرحمن إنه عرض في نوفمبر ١٩٦٠ في مهرجان ليبزيج بألمانيا الشرقية، وحصل على جائزة المهرجان، فكيف يتعرض لأحداث ديسمبر ١٩٦٠ وقد عرض في شهر نوفمبر من نفس السنة؟ (١).
فإذا أخذنا الموضوع من الزاوية التاريخية وجدنا أن إنتاج الجزائريين في ميدان السينما كان ضئيلا قبل الثورة وحتى في سنواتها الأولى، فقد كان الميدان حكرا على الفرنسيين واكتفى الجزائريون بدور ثانوي، ربما لعدم الخبرة وربما لوجود سياسة عنصرية متعمدة، وقد رأينا ذلك واضحا فيما درسناه من نماذج لما يسمى بالسينما الاستعمارية أو سينما الحريم والمناظر الخاصة بالجزائر والمثيرة أحيانا لغرابتها (٢).
إن سينما الثورة ميدان جديد في الإبداع والإعلام، تولاه الجزائريون وأصدقاؤهم، في ظروف صعبة تتميز بقلة الخبرة ونقص المال وغياب الأمن وندرة التأليف، أما الموضوع فهو دائما واحد تقريبا وهو الثورة بكل جوانبها وأبعادها وخلفياتها الميدانية والإنسانية، ومن الملاحظ أن بعض الأفلام كانت قد وضعت على أساس إيديولوجي، وأن معظمها كان أسود وأبيض، وأنها أفلام وثائقية بدرجة أولى كان الهدف منها خدمة الثورة كوسيلة إعلامية أو إعلامية
стр. 4723
مضادة للدعاية الفرنسية، ويبدو أن الجزائريين لم يكتشفوا أهمية السينما كوسيلة إعلامية إلا بعد مضي وقت طويل على تقدم الثورة، فهل ذلك راجع إلى (تأخر) انضمام الأشخاص المؤهلين إلى الثورة، أو إلى قلتهم من حيث العدد، أو إلى تأخر جبهة التحرير في تحضير طاقم وجهاز للسينما إلا سنة ١٩٥٩ أو ١٩٦٠؟
ففي ١٩٥٩ أنشأت وزارة الأخبار قسما خاصا بالسينما، فتولى التصوير ورصد حرائق القرى والمدن وإعداد الأفلام الوثائقية عن المعارك، لإبراز معاناة الشعب في صراعه اليومي مع السلطات الفرنسية، وقد أعد قسم السينما ستة أفلام وثائقية عن الثورة، واتفق مع بعض الشركات العالمية على توزيعها على محطات التلفزة، وفي نفس الوقت أنشأت الوزارة قسما للاسطوانات مهمته تسجيل الأناشيد والموسيقى الوطنية والخطب والمحاضرات، وكانت الوزارة ترسل بهذا الإنتاج إلى مكاتب الإعلام المنتشرة في العالم، وقد أنتج هذا القسم، بناء على السيد محمد يزيد، واحدا وعشرين أسطوانة (١).
هذه تقريبا خلاصة ما قامت به الوزارة في ميدان معين، وهو الاسطوانات، فماذا عن الأفلام؟ لقد لاحظنا أن الأفلام الأولى كانت وثائقية قصيرة، وسنشير إلى طولها قريبا، ومعظمها كانت ترصد الواقع الجزائري وأحداث التاريخ وتقدم عنه صورة للرأي العام العالمي، هذه الأفلام كانت تعتمد على الشهود، وعلى ما حدث للاجئين، وما قام به جيش التحرير من عمليات وغيرها، ومعاناة الشعب الجزائري ماضيا وحاضرا، وأفلام من هذا النوع لا يتوقع منها توخي الجمالية والفن، كما لاحظت المجاهد من قبل، ولم يهتم المصورون لهذه الأفلام إلا بالصورة المباشرة وابتعدوا عن الرموز والغموض، إن السينما الجزائرية الثورية ولدت في الجبال وجسدت أحداث الثورة.
стр. 4724
منذ سنة ١٩٥٥ بدأ الاهتمام بهذا القطاع ولكنه لم يتقدم بالسرعة المتوقعة لسد الفراغ الإعلامي لدى الرأي العام، فقد قيل إن الجبهة اتصلت بالشاب جمال شندرلي الذي كان مصورا في مجلة (الأحداث الفرنسية) وكلفته بمهمة الدعاية خارج الوطن والتعريف بالقضية، وقد تعاون شندرلي سنة ١٩٥٦ مع بعض الجزائريين والأجانب لإنتاج أفلام وثائقية تخدم ذلك الغرض، منهم بعض الفرنسيين، مثل ريني فوتييه، وفي السنة الموالية فتح مركز للتكوين السينمائي بالولاية الأولى وكان يشرف عليه (فوتييه)، وهو صاحب فيلم (عشرون سنة في الأوراس) وغيره، وكان الطلبة الذين يدرسون في المركز جنودا، ولم تدم الدراسة في المركز أكثر من أربعة أشهر، وقد قيل إن فوتييه أنتج حصصا تلفزيونية وزعت على البلدان الاشتراكية، وهي حصص خاصة بممرضات جيش التحرير، ومنها صور عن منجم الونزة (١).
وإليك بعض الأفلام التي أنتجها قسم السينما سواء قبل تأسيس الحكومة أو بعد تأسيسها:
- في سنة ١٩٥٧ - ١٩٥٨ أنتج فوتييه فيلم (الجزائر الملتهبة) أو المشتعلة، وهو فيلم بالألوان، طوله ٣٥ ملم ومدته ٢٣ دقيقة، ويعتبر فيلما وثائقيا أو تسجيليا ناطقا بالفرنسية، وقد ركبت صوره في برلين الشرقية وعرض في الدول الأوروبية فعرف الناس عن الثورة من خلال صور هذا الفيلم.
- الهجوم على مناجم الونزة، وهو من إخراج طلبة مركز التكوين السينمائي، وهو فيلم تسجيلي أسود أبيض، ولا يدوم أكثر من ست دقائق، في ١٦ ملم. وهو يصور إحدى عمليات جيش التحرير على مناجم الحديد والصلب، ويعطي فكرة عن الحرب التي يقوم بها جيش التحرير ضد اقتصاد العدو.
- ممرضات جيش التحرير الوطني، وهو فيلم لا يدوم أكثر من ست دقائق.
стр. 4725
أسود وأبيض، وطوله ١٦ ملم، ويقوم على إخراج جماعي، ويمثل دور المرأة في الثورة.
- لاجئون: أنتجته مصلحة السينما التابعة لجبهة التحرير، أسود وأبيض، مدته ١٥ دقيقة، وطوله ٣٥ ملم، ناطق بالفرنسية والإنجليزية من إخراج وتصوير (بيير كليمون)، وموضوعه المعاناة اليومية للاجئين الجزائريين.
- ساقية سيدي يوسف، فيلم أنتجته مصلحة السينما لجبهة التحرير، أسود وأبيض، يستغرق ١٥ دقيقة، ٣٥ ملم، وهو بالفرنسية والإنجليزية، وأخرجه المخرج السابق (كليمون)، ويصور قصف الطيران الفرنسي لساقية سيدي يوسف وما نتج عنه من تدمير وضحايا وخرق للقانون الدولي - ومن الملاحظ أن مخرج هذا الفيلم قد قبض عليه في الجزائر وسجن بضع سنوات (١).
- جزائرنا (٢).
- بنادق الحرية: فيلم بالألوان من إنتاج مصلحة السينما للحكومة المؤقتة، مدته ٢٠ دقيقة، وطوله ٣٥ ملم، جمع بين التوثيق والخيال، وقد أخرجه جمال شندرلي، والأخضر حمينة، وموضوعه تهريب السلاح من ليبيا وتونس عبر الصحراء وعلى ظهور الجمال.
- عمري ثماني سنوات: أنتجته لجنة (موريس أودان)، ومدته ثماني دقائق، أخرجه يان Yann وأولغا لوماسون Le Masson، وكله من تصوير وتركيب غير جزائري، مرجعه الرسوم التي قام بها الأطفال في مخيمات اللاجئين بتونس.
- صوت الشعب: أنتجته مصلحة السينما التابعة للحكومة المؤقتة، وهو من النوع التوثيقي، أسود وأبيض، ومدته ٢٠ دقيقة، وطوله ٣٥ ملم - وهو من
стр. 4726
إخراج شندرلي وحمينة، وقد أدمجت مادته مع مادة فيلم (جزائرنا) ليصبح فيلما باسم الشعب، وليقول إن المعركة بدأت قبل ١٩٥٤، فهو كما سبق القول عن (جزائرنا) ويمثل عرضا تاريخيا من خلال تركيب حديث ويصور النشاط السياسي والعسكري لجيش التحرير.
- ياسمينة: وهو الفيلم الوحيد، حسب النقاد - الذي اعتمد على قصة، ولكنه لم يبتعد عن ميزات الوثيقة، وهو - كما قيل - يمثل بداية الفيلم الروائي الجزائري في عهد الثورة، وقد أخرجه الأخضر حمينة بناء على قصة لطفلة جزائرية يتيمة فقدت أبويها بعد انفجار قنبلة، ومن خلال قصتها نعرف قصة جميع اللاجئين الجزائريين الذين أرغموا على مغادرة بلادهم للعيش في معسكرات داخل الحدود التونسية، وهو أسود وأبيض ويرجع إلى الفترة ١٩٦٠ - ١٩٦١، ومدته ٢٠ دقيقة، وطوله ٣٥ ملم، وقد جمع بين الحقيقة والخيال، وتمثل ياسمينة فيه رمزا لكل الأطفال الجزائريين.
- خمسة رجال وشعب، فيلم بالألوان، ومدته ٤٣ دقيقة، وطوله ١٦ ملم، وهو من النوع الوثائقي، أخرجه وصوره وركبه (فوتييه) وقد صورت الكاميرا الزعماء الخمسة: ابن بلة، بوضياف، آيت أحمد، خيضر، بيطاط، بعد إطلاق سراحهم عند وقف القتال ١٩ مارس ١٩٦٢.
- الطالب: وهو فيلم أسود وأبيض من إنتاج المركز الوطني للسينما؟ ومدته ١٧ دقيقة، وطوله ١٦ ملم، ويعتبر خياليا، أخرجه عبد الحليم ناصف (؟) ووضع له السيناريو يوسف فرحي، وصوره سرية علي، وركبه رابح ديوز، وهو يصور حياة (طالب) أو مؤدب في كتاب قرآني.
وقد أشار لطفي محرزي إلى نماذج أخرى كنا قد نبهنا إلى بعضها مثل ساقية سيدي يوسف، وهي من عمل مصورين فرنسيين أمثال فوتييه وكليمون اللذين تعتبر مساهمتهما السينمائية مساهمة هامة في وقتها، سيما فوتيية الذي أسهم أيضا في تكوين فوج من الجزائريين في فن السينما!
стр. 4727
- الجزائر تشتعل، وهو فيلم بالألوان يرجع إلى ١٩٥٦ - ١٩٥٧ يدوم عرضه ٢٥ دقيقة، وطوله ١٦ ملم، أنتجته الجبهة، وأخرجه فوتيية، وهو يصور الحياة اليومية في المخابى السرية والدخول في معارك ضد جيش العدو ويرافقه صوت يعلق على سير الأحداث ويبين أبعاد حرب التحرير.
- اللاجئون الجزائريون، وساقية سيدي يوسف كلاهما أخرج سنة ١٩٥٨، إضافة إلى ثلاثة تحقيقات (ريبورتاج) قام بها كليمون (١).
وقد حاول محرزي أن يؤرخ لأوليات السينما أثناء الثورة، فرأى أن المعنيين بالأمر قد تنبهوا إلى أن السينما كانت كالمنشور الإعلامي تؤدي دورا مباشرا وفعالا، وبدأ ذلك الوعي منذ ١٩٥٦، أي إلى مؤتمر الصومام الذي نصت وثائقه على ضرورة الاهتمام بالعمل الإعلامي، دون تحديد للسينما، ويرى محرزي أن الخطوة الأولى كانت في سنة ١٩٥٧ حين التقت في منطقة تبسة جماعة من المهتمين الجزائريين وأصبحت نواة لوحدة تصوير الأفلام مطلقة على نفسها اسم (مجموعة فريد) group Farid دون تفسير لهذه التسمية، وكانت تتبع الولاية الأولى، وقد ضمت ستة أفراد هم محمد قنز، وعلي الجناوي، ورينيه فوتييه، وجمال شندرلي، ثم انضم إليهم أحمد راشدي (ولم نعثر على اسم الخامس).
ورغم قلة الإمكانيات فقد سار المشروع، وكانت مساهمته الرئيسية تتمثل في جمع الوثاثق لخدمة معركة التحرير، ولم يكن الهدف عندئذ هو إنشاء سينما تعتمد الفن والجمال، ومن كان يأمل عندئذ في إنتاج عمل سينمائي متقن في ظل الخوف والسرية؟ لقد كان يكفي عندئذ تسجيل ما ترتكبه السلطات الاستعمارية من فظائع ضد السكان المجردين من السلاح، وكانت هذه الخطوة استجابة لتعليمه (النظام) التي أطلقها سنة ١٩٥٦ خدمة لبرنامج الثورة، وقد
стр. 4728
نصت وثائق الصومام على أن كل منشور أو تصريح أو مقابلة أو إعلان من جبهة التحرير اليوم له وقع عالمي، لذلك علينا أن نتصرف بمسؤولية محافظة على الجزائر في الساحة الدولية، الجزائر الزاحفة إلى الحرية والاستقلال) (١).
وهكذا فإنه منذ ١٩٥٦ دخل كل من علي الجناوي وفوتييه وغيرهما في العمل السري تصحبهم الكاميرا وصوروا المناظر والمشاهدات لفعاليات الثورة المسلحة، ولم يعش من هذه الجماعة بعد الثورة إلا القليل، ولكن ما جمعوه من وثائق وصور ومناظر يعتبر أول إنتاج سينمائي جزائري، وكان الأسلوب الذي سجلت به الأحداث وركبت به الصور يعتمد الرؤية (الفكرة) اليسارية ويلاحظ عليه عدم الدقة والإتقان حسب تعبير السيد محرزي، غير أن ذلك لم يفقده القيمة الوثائقية.
وفي سنة ١٩٥٨ اشتدت المعركة المسلحة فأصبح من الصعب الحصول على شحن المصورة بالأشرطة (البيليكول)، مما اضطر مصلحة السينما إلى الانتقال إلى تونس، تاركة تبسة خلفها، وعندئذ ألحقت (مصلحة السينما الوطنية) بوزارة الداخلية في الحكومة المؤقتة، وفي نفس الوقت وانطلاقا من الصور التي التقطها سرا رينيه فوتييه وعلي الجناوي أخرج فيلم (الجزائر تلتهب) على يد فوتييه، وعندما تأكدت الحكومة المؤقتة من فائدة الرسالة الثورية للعمل السينمائي قررت إرسال بعثة إلى البلاد الاشتراكية ليتكونوا فيها، وكان على الحكومة أيضا أن توفر الوثائق الدامغة والصور المعبرة لتقنع وتكسب الرأي العام لصالح القضية الجزائرية، وتقاوم بها الدعاية الاستعمارية، وأغلب الصور التي أصبحت متوفرة عندئذ كانت قد أخذت على الحدود الجزائرية التونسية، أي من قواعد جيش التحرير، ومنها خرجب مجموعة من الأفلام التي أتينا على ذكرها، ويؤكد الباحثون على أن فترة ١٩٥٧ وما بعدها قد شهدت ميلادا ثقافيا حقيقيا
стр. 4729
للجزائر، موازاة مع التقدم السياسي والعسكري، فبالإضافة إلى السينما انطلقت الأعمال الأدبية والرسم والمسرح وغيرها مما يدل على أن الثورة قد انغرست في تربة الشعب في مختلف المجالات، فكان الشعر والرواية واللوحة والمسرحية.
وخلافا للوثائق الاستعمارية التي كانت تخاطب الفرد وتحاول التأثير عليه لكي يترك الثورة ويقبل بهوية غير هويته، كانت وثائق الثورة الجزائرية التي أخذها شهود عيان تخاطب الشعب والرأي العام، وتظهر أن الشعب كله كان في المعركة، وقد انضم إليها بكل قواه، إنها حرب شعبية، لعب فيها جيش التحرير الدور الرئيسي في كونه جيش الشعب، فهو الذي يحميه من الغارات، كما يشهد بذلك فيلم (الجزائر تلتهب)، وقد تأسف السيد محرزي - وهو على حق - على أن الوثائق السينمائية التي تعالج حرب التحرير لم تسترجع ولم ترتب ولم تصنف، وكان ذلك سنة ١٩٧١، فأين هي الآن ونحن في سنة ٢٠٠٥ (١).
ومنذ عدة شهور حضر السيد فوتييه إلى الجزائر وأجرت معه إحدى الصحف حديثا جاء فيه أنه هو الذي أنتج أفلاما عن الثورة الجزائرية في إبانها مع جمال شندرلي، وقد زار قسنطينة رفقة فرقة للتصوير، وتوقف فيها لإنتاج فيلم وثائقي كان يعده حول حياته الشخصية وعنوانه: (رينيه فوتييه ضد الرياح والأمواج)، وأثناء تلك الأيام التي نظمتها بلدية قسنطينة بمناسبة الذكرى الخمسين للثورة، ومن الوثائق التي أظهرتها البلدية بهذه المناسبة: عشرون سنة في الأوراس، وشعب زاحف، والجزائر الملتهبة، وقال محمد حزرولي المكلف بالسينما في بلدية قسنطينة إن حضور فوتييه في هذه المناسبة تصادف مع فتح ورشة للفن السمعي البصري في (الكونسرفتوار) البلدي، وفي هذه الورشة سيلتقي الشباب بفوتييه الذي اعتبره حزرولي (رائدا للسينما الجزائرية الشخصية المهمة جدا فيها)، وقد أوردت الصحيفة صورة للسيد فوتييه، أما دور شندرلي
стр. 4730
والآخرين فقد نسيه الناس فيما يبدو، على هذا العهد (١).
إن الذين درسوا علاقة الجزائريين بالسينما في العهد الاستعماري خرجوا بنتيجة وهي أن الأفلام الفرنسية كانت تجعل من الجزائر موضوعا فقط باعتبارها إقليما فرنسيا يتميز بطبيعة خاصة فيها النخيل والفروسية، وفيها حي القصبة والإنسان الأهلي .. وكلها تشكل عناصر لديكور غريب وجميل، فكان الفيلم نفسه يمرر الفكرة التي يريد الاستعماريون الترويج لها، وقد ذكروا لذلك نماذج من الأفلام مثل (نداء البلاد) لموريس قليز، و (البلاد) لجان رينوار، و (عطش الرجال) لسيرجي وليني، ولكننا لا ندري الآن متى أنتجت هذه الأفلام، قبل الثورة أو أثناءها.
كان الجزائري في هذه الأفلام إنسانا محددا، فهو متوحش يجب تخليصه مما هو فيه من رذائل، وعملية التحرير هذه جزء من الديكور نفسه، وإذا حضر ففي مشهد للخيانة ضد المهمة الحضارية الفرنسية، وفيما يخص التوزيع والإنتاج فالجزائري غائب عن الكاميرا باستثناء شخصين هما مصطفى قريبي والطاهر حناش اللذان أنتجا أفلاما للتلفزيون، كما أن إنتاج الأفلام الفرنسية مليء بالدعاية العنصرية ضد العرب، فهذا سيرجي وليني يقول على لسان بطل فيلمه عطش الرجال: (لم يعد هناك سارق عربي بعد اليوم، ولا مرابي يهودي، بل مسلحون مستعمرون فقط، هذا فقط! هذا فقط!) (٢).
من الذين اهتموا بترقية الإذاعة والتلفزيون وأنتجوا أفلاما السيد سفير البودالي، فقد كان مسؤولا عن الإذاعات الفنية والأدبية قبل بدء التلفزيون، أي من سنة ١٩٤٣ إلى ١٩٥٨، وفي هذا التاريخ نقل إلى التفتيش في وزارة التهذيب القومي، وكانت شهرته تقوم على ثقافته الواسعة بالفرنسية وخبرته