إخراج شندرلي وحمينة، وقد أدمجت مادته مع مادة فيلم (جزائرنا) ليصبح فيلما باسم الشعب، وليقول إن المعركة بدأت قبل ١٩٥٤، فهو كما سبق القول عن (جزائرنا) ويمثل عرضا تاريخيا من خلال تركيب حديث ويصور النشاط السياسي والعسكري لجيش التحرير.
- ياسمينة: وهو الفيلم الوحيد، حسب النقاد - الذي اعتمد على قصة، ولكنه لم يبتعد عن ميزات الوثيقة، وهو - كما قيل - يمثل بداية الفيلم الروائي الجزائري في عهد الثورة، وقد أخرجه الأخضر حمينة بناء على قصة لطفلة جزائرية يتيمة فقدت أبويها بعد انفجار قنبلة، ومن خلال قصتها نعرف قصة جميع اللاجئين الجزائريين الذين أرغموا على مغادرة بلادهم للعيش في معسكرات داخل الحدود التونسية، وهو أسود وأبيض ويرجع إلى الفترة ١٩٦٠ - ١٩٦١، ومدته ٢٠ دقيقة، وطوله ٣٥ ملم، وقد جمع بين الحقيقة والخيال، وتمثل ياسمينة فيه رمزا لكل الأطفال الجزائريين.
- خمسة رجال وشعب، فيلم بالألوان، ومدته ٤٣ دقيقة، وطوله ١٦ ملم، وهو من النوع الوثائقي، أخرجه وصوره وركبه (فوتييه) وقد صورت الكاميرا الزعماء الخمسة: ابن بلة، بوضياف، آيت أحمد، خيضر، بيطاط، بعد إطلاق سراحهم عند وقف القتال ١٩ مارس ١٩٦٢.
- الطالب: وهو فيلم أسود وأبيض من إنتاج المركز الوطني للسينما؟ ومدته ١٧ دقيقة، وطوله ١٦ ملم، ويعتبر خياليا، أخرجه عبد الحليم ناصف (؟) ووضع له السيناريو يوسف فرحي، وصوره سرية علي، وركبه رابح ديوز، وهو يصور حياة (طالب) أو مؤدب في كتاب قرآني.
وقد أشار لطفي محرزي إلى نماذج أخرى كنا قد نبهنا إلى بعضها مثل ساقية سيدي يوسف، وهي من عمل مصورين فرنسيين أمثال فوتييه وكليمون اللذين تعتبر مساهمتهما السينمائية مساهمة هامة في وقتها، سيما فوتيية الذي أسهم أيضا في تكوين فوج من الجزائريين في فن السينما!
стр. 4727
- الجزائر تشتعل، وهو فيلم بالألوان يرجع إلى ١٩٥٦ - ١٩٥٧ يدوم عرضه ٢٥ دقيقة، وطوله ١٦ ملم، أنتجته الجبهة، وأخرجه فوتيية، وهو يصور الحياة اليومية في المخابى السرية والدخول في معارك ضد جيش العدو ويرافقه صوت يعلق على سير الأحداث ويبين أبعاد حرب التحرير.
- اللاجئون الجزائريون، وساقية سيدي يوسف كلاهما أخرج سنة ١٩٥٨، إضافة إلى ثلاثة تحقيقات (ريبورتاج) قام بها كليمون (١).
وقد حاول محرزي أن يؤرخ لأوليات السينما أثناء الثورة، فرأى أن المعنيين بالأمر قد تنبهوا إلى أن السينما كانت كالمنشور الإعلامي تؤدي دورا مباشرا وفعالا، وبدأ ذلك الوعي منذ ١٩٥٦، أي إلى مؤتمر الصومام الذي نصت وثائقه على ضرورة الاهتمام بالعمل الإعلامي، دون تحديد للسينما، ويرى محرزي أن الخطوة الأولى كانت في سنة ١٩٥٧ حين التقت في منطقة تبسة جماعة من المهتمين الجزائريين وأصبحت نواة لوحدة تصوير الأفلام مطلقة على نفسها اسم (مجموعة فريد) group Farid دون تفسير لهذه التسمية، وكانت تتبع الولاية الأولى، وقد ضمت ستة أفراد هم محمد قنز، وعلي الجناوي، ورينيه فوتييه، وجمال شندرلي، ثم انضم إليهم أحمد راشدي (ولم نعثر على اسم الخامس).
ورغم قلة الإمكانيات فقد سار المشروع، وكانت مساهمته الرئيسية تتمثل في جمع الوثاثق لخدمة معركة التحرير، ولم يكن الهدف عندئذ هو إنشاء سينما تعتمد الفن والجمال، ومن كان يأمل عندئذ في إنتاج عمل سينمائي متقن في ظل الخوف والسرية؟ لقد كان يكفي عندئذ تسجيل ما ترتكبه السلطات الاستعمارية من فظائع ضد السكان المجردين من السلاح، وكانت هذه الخطوة استجابة لتعليمه (النظام) التي أطلقها سنة ١٩٥٦ خدمة لبرنامج الثورة، وقد
стр. 4728
نصت وثائق الصومام على أن كل منشور أو تصريح أو مقابلة أو إعلان من جبهة التحرير اليوم له وقع عالمي، لذلك علينا أن نتصرف بمسؤولية محافظة على الجزائر في الساحة الدولية، الجزائر الزاحفة إلى الحرية والاستقلال) (١).
وهكذا فإنه منذ ١٩٥٦ دخل كل من علي الجناوي وفوتييه وغيرهما في العمل السري تصحبهم الكاميرا وصوروا المناظر والمشاهدات لفعاليات الثورة المسلحة، ولم يعش من هذه الجماعة بعد الثورة إلا القليل، ولكن ما جمعوه من وثائق وصور ومناظر يعتبر أول إنتاج سينمائي جزائري، وكان الأسلوب الذي سجلت به الأحداث وركبت به الصور يعتمد الرؤية (الفكرة) اليسارية ويلاحظ عليه عدم الدقة والإتقان حسب تعبير السيد محرزي، غير أن ذلك لم يفقده القيمة الوثائقية.
وفي سنة ١٩٥٨ اشتدت المعركة المسلحة فأصبح من الصعب الحصول على شحن المصورة بالأشرطة (البيليكول)، مما اضطر مصلحة السينما إلى الانتقال إلى تونس، تاركة تبسة خلفها، وعندئذ ألحقت (مصلحة السينما الوطنية) بوزارة الداخلية في الحكومة المؤقتة، وفي نفس الوقت وانطلاقا من الصور التي التقطها سرا رينيه فوتييه وعلي الجناوي أخرج فيلم (الجزائر تلتهب) على يد فوتييه، وعندما تأكدت الحكومة المؤقتة من فائدة الرسالة الثورية للعمل السينمائي قررت إرسال بعثة إلى البلاد الاشتراكية ليتكونوا فيها، وكان على الحكومة أيضا أن توفر الوثائق الدامغة والصور المعبرة لتقنع وتكسب الرأي العام لصالح القضية الجزائرية، وتقاوم بها الدعاية الاستعمارية، وأغلب الصور التي أصبحت متوفرة عندئذ كانت قد أخذت على الحدود الجزائرية التونسية، أي من قواعد جيش التحرير، ومنها خرجب مجموعة من الأفلام التي أتينا على ذكرها، ويؤكد الباحثون على أن فترة ١٩٥٧ وما بعدها قد شهدت ميلادا ثقافيا حقيقيا
стр. 4729
للجزائر، موازاة مع التقدم السياسي والعسكري، فبالإضافة إلى السينما انطلقت الأعمال الأدبية والرسم والمسرح وغيرها مما يدل على أن الثورة قد انغرست في تربة الشعب في مختلف المجالات، فكان الشعر والرواية واللوحة والمسرحية.
وخلافا للوثائق الاستعمارية التي كانت تخاطب الفرد وتحاول التأثير عليه لكي يترك الثورة ويقبل بهوية غير هويته، كانت وثائق الثورة الجزائرية التي أخذها شهود عيان تخاطب الشعب والرأي العام، وتظهر أن الشعب كله كان في المعركة، وقد انضم إليها بكل قواه، إنها حرب شعبية، لعب فيها جيش التحرير الدور الرئيسي في كونه جيش الشعب، فهو الذي يحميه من الغارات، كما يشهد بذلك فيلم (الجزائر تلتهب)، وقد تأسف السيد محرزي - وهو على حق - على أن الوثائق السينمائية التي تعالج حرب التحرير لم تسترجع ولم ترتب ولم تصنف، وكان ذلك سنة ١٩٧١، فأين هي الآن ونحن في سنة ٢٠٠٥ (١).
ومنذ عدة شهور حضر السيد فوتييه إلى الجزائر وأجرت معه إحدى الصحف حديثا جاء فيه أنه هو الذي أنتج أفلاما عن الثورة الجزائرية في إبانها مع جمال شندرلي، وقد زار قسنطينة رفقة فرقة للتصوير، وتوقف فيها لإنتاج فيلم وثائقي كان يعده حول حياته الشخصية وعنوانه: (رينيه فوتييه ضد الرياح والأمواج)، وأثناء تلك الأيام التي نظمتها بلدية قسنطينة بمناسبة الذكرى الخمسين للثورة، ومن الوثائق التي أظهرتها البلدية بهذه المناسبة: عشرون سنة في الأوراس، وشعب زاحف، والجزائر الملتهبة، وقال محمد حزرولي المكلف بالسينما في بلدية قسنطينة إن حضور فوتييه في هذه المناسبة تصادف مع فتح ورشة للفن السمعي البصري في (الكونسرفتوار) البلدي، وفي هذه الورشة سيلتقي الشباب بفوتييه الذي اعتبره حزرولي (رائدا للسينما الجزائرية الشخصية المهمة جدا فيها)، وقد أوردت الصحيفة صورة للسيد فوتييه، أما دور شندرلي
стр. 4730
والآخرين فقد نسيه الناس فيما يبدو، على هذا العهد (١).
إن الذين درسوا علاقة الجزائريين بالسينما في العهد الاستعماري خرجوا بنتيجة وهي أن الأفلام الفرنسية كانت تجعل من الجزائر موضوعا فقط باعتبارها إقليما فرنسيا يتميز بطبيعة خاصة فيها النخيل والفروسية، وفيها حي القصبة والإنسان الأهلي .. وكلها تشكل عناصر لديكور غريب وجميل، فكان الفيلم نفسه يمرر الفكرة التي يريد الاستعماريون الترويج لها، وقد ذكروا لذلك نماذج من الأفلام مثل (نداء البلاد) لموريس قليز، و (البلاد) لجان رينوار، و (عطش الرجال) لسيرجي وليني، ولكننا لا ندري الآن متى أنتجت هذه الأفلام، قبل الثورة أو أثناءها.
كان الجزائري في هذه الأفلام إنسانا محددا، فهو متوحش يجب تخليصه مما هو فيه من رذائل، وعملية التحرير هذه جزء من الديكور نفسه، وإذا حضر ففي مشهد للخيانة ضد المهمة الحضارية الفرنسية، وفيما يخص التوزيع والإنتاج فالجزائري غائب عن الكاميرا باستثناء شخصين هما مصطفى قريبي والطاهر حناش اللذان أنتجا أفلاما للتلفزيون، كما أن إنتاج الأفلام الفرنسية مليء بالدعاية العنصرية ضد العرب، فهذا سيرجي وليني يقول على لسان بطل فيلمه عطش الرجال: (لم يعد هناك سارق عربي بعد اليوم، ولا مرابي يهودي، بل مسلحون مستعمرون فقط، هذا فقط! هذا فقط!) (٢).
من الذين اهتموا بترقية الإذاعة والتلفزيون وأنتجوا أفلاما السيد سفير البودالي، فقد كان مسؤولا عن الإذاعات الفنية والأدبية قبل بدء التلفزيون، أي من سنة ١٩٤٣ إلى ١٩٥٨، وفي هذا التاريخ نقل إلى التفتيش في وزارة التهذيب القومي، وكانت شهرته تقوم على ثقافته الواسعة بالفرنسية وخبرته
стр. 4731
بالتراث الأندلسي ولاسيما الموسيقي منه، وقد كتب عن هذا التراث بحوثا عديدة وروج لروائعه، ويهمنا هنا أنه أسهم أيضا في صنع الأفلام العربية الأولى للتلفزيون الفرنسي في الجزائر (١).
والواقع أن إذاعة الجزائر الفرنسية شرعت في إخراج أفلام عربية للتلفزيون منذ شهر يناير ١٩٥٥، فهناك قصة ألفها عبد الحليم رايس باسم (هدية الشيطان) ومثلها محمد التوري ولطيفة، وقد ساقت مجلة (هنا الجزائر) بعض المناظر من هذا الفيلم على صفحاتها، وأخبرت أن أول فيلم طويل أنتج للتلفزيون كان عنوانه (اليتيم) وأن قصته كتبها أيضا عبد الحليم رايس، وهو الفيلم الذي أخرجه فرنسي يدعى نويل رافتر (٢).
الرسم والمعارض الفنية
تعرضنا للرسم والرسامين والخط والخطاطين في كتاب التاريخ الثقافي، وحاولنا الوصول بدراسة هذا الإنتاج إلى مشارف الثورة، وأثناء إعدادنا لهذا الكتاب اكتشفنا أن هناك جوانب لم نتناولها من حياة الرسامين لأنهم أضافوا أثناء حياتهم خلال الثورة نشاطا جديدا، ووصلتهم الدعوة للتحرر والحرية كما وصلت جميع المواطنين فاهتزت مشاعر بعضهم وتبدلت أساليبهم وأنتجوا لوحات جميلة معبرة وأشكالا فنية جديدة تشير إلى العهد الجديد، ومن الطبيعي أن هذا الحكم لا ينطبق على كل واحد منهم، ولكن علينا أن ندرس حياتهم وإنتاجهم ونقيم مساهمتهم حسب المستطاع.
من الأمور المتعلقة بالثورة والإعلام إقامة المعارض كجزء من الدعاية ضد الوحشية الاستعمارية، فقد جمع المصور الإيطالي فيتيريغو كونتينو مثلا حوالي ستين صورة كان قد أخذها في الجزائر سنة ١٩٥٩ بالأسود والأبيض، وهي تمثل عينات فقط من معاناة الشعب الجزائري تحت القمع، وهي صور
стр. 4732
تمثل الحياة في المحتشدات (الكازمات)، والأطفال داخل الأسلاك الشائكة، وحياة اللاجئين حيث اقتلع جنود الاحتلال المواطنين من ديارهم فهاموا على وجوههم.
عرض المصور الإيطالي حديثا صوره في معرض بالمكتبة الوطنية الجزائرية بالحامة، في ديسمبر ٢٠٠٤، وقال بأنه كان يشعر منذ التقط الصور أنه سيصبح شاهدا على ما ارتكبه الاستعمار، لذلك احتفظ بصوره كل هذه المدة، ويقول إنه عندما رجع إلى روما سنة ١٩٥٩ تحدث إلى مواطنه المخرج السينمائي بونتيكورفو عما رأى في الجزائر، وعندما حانت سنة ١٩٦٦ أنجز المخرج المذكور فيلمه (معركة الجزائر) الذي أخذ شهرة عالمية، وقد نشرت جريدة (الوطن) هذا الخبر مع صورة لمجموعة من الأطفال مكتوب تحتها (أطفال المدارس سنة ١٩٥٩)، ويظهر الأطفال في الصورة مختلطين، بنات وبنين، لكن صور البنات تأتي في المقدمة وخلفهن وجوه أطفال ذكور لا تكاد ملامحهم تظهر بينما عيون البنات جاحظات وهن في حيرة على مصيرهن، ولا يدري المرء هل هن ينظرن بدهشة إلى المعلم أو إلى المصور (١).
وكانت المكاتب الإعلامية لجبهة التحرير في العالم تعرض صور اللاجئين وحياة الطلبة والمحتشدات والسجون وآثار النابالم، وغيرها وترسل بها إلى الطلبة الجزائريين ليعرضها في الأحياء الجامعية وفي الأوساط الاجتماعية والدينية، وقد كنت من بين الذين تلقوا، خريف ١٩٦١، مجموعة من الصور من مكتب جبهة التحرير بنيويورك (وعددها اثنتا عشر صورة) فقمت بعرضها في مهرجان طلابي دولي بجامعة منيسوتا بالتعاون مع أخوين من المغرب أحدهما هو محمد بن عيسى (وزير الخارجية الحالي) والآخر هو الفنان محمد المليحي. شارك عدد من الرسامين الجزائريين في معرض باريس (قاعة ليليان. أبريل ١٩٥٥) وكلهم كانوا، رغم اختلاف اتجاهاتهم الفنية، أصلاء في فنهم.
стр. 4733
حيث تظهر على أعمالهم الروح الشرقية، فهذا بشير بن يلس عرف كيف يتخلص من الطابع الفرنسي الباريسي ويخرج - كما قال أحد النقاد - من الألوان الرمادية إلى الألوان الزاهية التي تعبر عن صفاء الجزائر وضوئها، ورغم أنه تأثر ب محمد راسم صاحب الأسلوب الشرقي في المنمنمات، فإنه قد تخرج أيضا من مدرسة الفنون الجميلة بباريس، وزار مدريد، وأطال المكث في أوروبا مما جعله يتأثر بجوها في فنه، ولقد قدم إلى المعرض ثمرة جهد كبير مشفوع بمشاعر تلقائية متدفقة، وتعبر لوحاته عن ألوانه المختارة والمنسجمة مع بعضها، ومن لوحاته مناظر من الأبيار، ورسم الأستاذ جورج مارسيه، ولوحة لفتاة جميلة (١).
محمد راسم
تركنا في كتاب التاريخ الثقافي رسالة الرسم في يد الفنان محمد راسم وأخيه عمر راسم، ومعهما كوكبة من الفنانين الذين بلغوا درجة عالية من إبداعاتهم، ومنهم حسن بن عبورة، وبشير بن يلس، وأزواو معمري وآخرون، ونريد أن نواصل الحديث عن محمد راسم ثم نعود إلى تلاميذه ورفاقه في دروب الفن الأصيل ونجمع بين حياة الفنان ونشاطه في المعارض التي لم تكن بالضرورة معارض لصالح الثورة مباشرة لأن الفنان كان يهدف منها بالأساس إلى المنافسة وإظهار تقدمه في فنه.
كانت مجلة (هنا الجزائر) تتحف قراءها من وقت لآخر بلوحة من لوحات محمد راسم تضعها على غلافها الذي يمثل القسم العربي وأحيانا القسم الفرنسي أيضا، ومن المعروف أن محمد راسم من مواليد ٢٤ يونيو ١٨٩٦ بالجزائر العاصمة وقد صدر سنة ١٩٣٦ كاتلوغ بلوحات الفنانين والنحاتين الجزائريين، فكان حظ محمد راسم فيه أربع لوحات عظيمة اقتنتها مصلحة الفنون الجميلة، منها صفحة من القرآن الكريم، والخليفة مع جنوده، وأسطول بربروس، والصيد (٢).
стр. 4734
وفي سنة ١٩٥٦، نشرت هنا الجزائر لوحة تمثل صورة للطبيب أبو علي (كذا) بن سينا كما تخيله محمد راسم، كما نشرت له لوحة أخرى هي (تصديرة العروسة) على غلاف العدد ٥٠، وتظهر في التصديرة العروس والعريس، تحيط بهما مجموعة من النسوة وهن في حالة طرب وفرح، مع تقديم الشاي، كما تظهر العروس والعريس باللباس التقليدي في دار عربية أندلسية أصيلة (موريسكية) فيها زخارف وثريا جميلة تتدلى (١).
وفي عدد لاحق من هنا الجزائر ظهرت لوحة أخرى تمثل منظرا لمدينة الجزائر والقصبة والبحر كما تظهر النساء وهن في سهرة وفي جو اجتماعي تقليدي حميم (٢).
وفي عدد آخر نشرت نفس المجلة لوحة لمحمد راسم على غلافها اسمها (شارع سيدي عبد الله) المزدحم في القصبة: فهناك الباعة والمتسوقون، أطفالا ورجالا ونساء باللباس التقليدي، والدكاكين المفتوحة على ما فيها، وتظهر حولها أبواب المنازل، وصومعة أحد المساجد، وزخارف وآثار عربية - إسلامية (موريسكية) وأباريق الماء، وفي سنة ١٩٦٠ نشرت هنا الجزائر أيضا لوحة بعنوان (قصر رفيع في رياض بديع) تمثل نساء عند حوض ماء في حديقة قصر كبير رائع الأشجار والمدرجات والزهور (٣).
وهناك لوحة لمحمد راسم تمثل شراعا حربيا يرجع إلى العهد العثماني. وفي أعلى اللوحة عن اليمين عبارة: الفوز ثمرة الشجاعة، وعن الشمال كتبت الآية الكريمة: ﴿وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم﴾، وفي أسفل اللوحة عن اليمين الآية الكريمة: ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾، وعن الشمال كتبت عبارة الجنة في ظلال السيوف، ويقف الشراع أمام مدينة الجزائر البيضاء، إلى جانب مجموعة
стр. 4735
من السفن الحربية، فالمنظر يمثل أسطول الجزائر في العهد العثماني، ومن الخلف تطل صومعة أحد المساجد العتيقة، أما التوقيع فهو: محمد راسم، الجزائر.
كنا قد لخصنا حياة محمد راسم من مقال هام لمؤرخ الفن الإسلامي جورج مارسيه، ونريد هنا أن نستفيد من مقال لكاتب فرنسي آخر له دراية واسعة بالموضوع وهو لويس أوجين أنجلي L.E.Angel وعنوانه (قادة الرسم الجزائري: فن المنمنمات ومحمد راسم)، والمقال أوردته (هنا الجزائر) في القسم الفرنسي ولخصته في القسم العربي، وبناء عليه فإن محمد راسم هو الذي بعث فن المنمنمات بعد أن نسيه أهله، وكان أسلافه يتعاطون فن الزخرفة فهو وارثه عنهم، وكذلك فن الخط، فقد كان والده، (علي بن سعيد) وعمه (محمد بن سعيد) يملكان دكانا في العاصمة يقصده أعيان المدينة وأدباؤها، تلك هي بداية محمد راسم، ولكنه لم يتوقف عندها بل اتجه أيضا نحو الفنون الأوروبية، عندما كان عمره أربع عشرة سنة كان محمد يستعد لدخول المدرسة الثانوية ولكن السيد ريكار مفتش الفنون الأهلية رأى دفتره في معرض بروكسل فأعجب به وعرض عليه أن يكون مساعده في التصوير الموجه إلى المدارس الأهلية. فكان عمل محمد راسم هو نقل الزخارف إلى مراكز الطرز ونسج الزرابي.
اطلع راسم على الفن الفارسي (المنمنمات) من كتاب هنري دالماني، فأخذ يقلده، ثم برع فيه وتأثر بالخصوص بالألوان الذهبية، وتعرف عليه إيتيان دينيه في مكتب ريكار، وكان دينيه يبحث عمن يرسم له رسومات يحلي بها كتابه (حياة محمد) فوجد ضالته في محمد راسم، كما كان الناشر (بيازا) في باربس قد نشر عدة كتب عن الإسلام والمسلمين، منها الإسلام تحت الرماد، وبابا عروج، وبستان سعدي، وعمر الخيام، وسعى إلى أن يجلب إليه محمد راسم، فاتفق معه على العمل، ومن ثم غادر محمد راسم الجزائر إلى باريس، وفيها تعاقد مع (بيازا) لكي يزخرف له كتاب ألف ليلة وليلة، وقد استغرق ذلك ثماني سنوات مضنية، ولكنها جعلته يسافر إلى بلدان أخرى ليطلع على ما فيها من تراث إيراني وإسلامي وشرقي.
стр. 4736
زار محمد راسم الأندلس أيضا على نفقة الولاية العامة بالجزائر، وامتلأت مشاعره بمشاهدات الآثار الإسلامية والتحف والزخارف في مدن قرطبة وغرناطة وإشبيلية وغيرها، وأخذت شهرته تزداد بين المختصين، وعرض إنتاجه في المعارض الدولية في مدن القاهرة وباريس وروما وفيينا وأستكهولم ... وتردد على السويد بالخصوص عدة مرات، فرحبت بفنه وتزوج منها، وقد اهتم النقاد بلوحاته ونوهوا بها، وأعجبوا بدقة صنعته وجمال تعبيره وسلامة ذوقه، وعندما رجع إلى الجزائر سنة ١٩٣٣ عرض لوحاته، واقتنيت أربعة منها، ونال الجائزة الفنية الكبرى، وعين أستاذا في معهد الفنون الجميلة حيث بقي إلى سنة ١٩٥٥ يلقن الشباب أصول الفن الإسلامي الأصيل.
ورغم أنه تأثر بالفن الإيراني فإن موضعاته كانت مستوحاة من التاريخ الجزائري كما لاحظنا في اللوحات التي ذكرنا بعضها، ففي لوحاته تظهر الروابي المحيطة بخليج الجزائر، والمنازل الأندلسية (الموريسكية) والبساتين والملابس والوجوه والتقاليد، ولمحمد راسم الفضل في بعث فن المنمنمات، حسب السيد (أنجلي) بعد أن اختفى قرونا في طي النسيان، واشتهر اسم راسم في العالم وحظي بتقدير عظيم حتى أنه انتخب عضوا شرفيا في الجمعية الملكية الإنجليزية للتصوير سنة ١٩٥٠، ومن تأثيره أن بعض الفنانين في المشرق رجعوا إلى فن المنمنمات بعد أن أهملوه زمنا، رغم أنه فن أجدادهم، وأصبح فن راسم يدرس لذاته مما يدل على تأثيره في النهضة الفنية المعاصرة، لقد رفع رأس الجزائر عاليا في الشرق والغرب.
وقد اشتمل مقال (أنجلي) على لوحتين كنا أشرنا إليهما وهما:
١ - شارع (سوق) في مدينة الجزائر مليء بالحركة واختلاط الرجال والنساء والأطفال، وهم في حديث وانسجام، وفي حالة بيع وشراء، وتطل مباني القصبة على المكان في انسجام مع زخرفة السوق، وتظهر اللوحة في المقال بدون ألوان.
стр. 4737
٢ - سطوح الجزائر، وهي لوحة تمثل مجموعة من النساء على أحد سطوح القصبة، وتظهر في الصورة الصوامع والمرسى، بينما النسوة يشربن الشاي في حالة استرخاء وحديث هادى، ومن حولهن قناني الماء والمزهريات، وليس هناك أطفال ولكن هناك قطة تضفي الأنس والهدوء على الجلسة.
وفي المقال إشادة بلوحات أشرنا إليها وهي: سفن حربية جزائرية. ومدينة الجزائر، وفي حديقة إحدى الفيلات، وخير الدين بربروس (مؤسس الدولة الجزائرية)، وقد ضمت النسخة الفرنسية من المقال تفاصيل وعناوين لم تشملها الخلاصة العربية (١).
لا ندري ما الذي فعل أو حدث لمحمد راسم بعد ١٩٥٥، وقد بلغ الستين سنة تقريبا، ولا ما إذا تركت الثورة بصماتها على لوحة من لوحاته، سواء أثناءها أو بعدها، فقد عاش إلى السبعينات على ما نعرف، ومات موتة عنيفة لا يستحقها فنان وشيخ طاعن في السن مثله، فقد قيل إن لصوصا مختصين قدموا من أوروبا واعتدوا عليه وعلى زوجته العجوز أيضا، وسرقوا مجموعة من لوحاته، وهربوا، ما الذي حدث بالضبط؟ وما مصير القضية؟ لقد اختفت آثار الجريمة، فمتى تظهر الحقيقة؟ ولم يكن محمد راسم وحده في عدم وجود آثار الثورة في إنتاجه المعروف حتى الآن، فكثير من الفناتين عاشوا في الجزائر أو في فرنسا ومع ذلك لم نجد له التزاما نحوها، رغم أن المرحلة كانت مرحلة الفن والأدب الملتزمين، ومع ذلك عاد بعضهم إلى الجزائر من الخارج وظهروا بصفة الأبطال والمناضلين.
عمر راسم
أما عمر راسم فقد اكتسب سمعة وطنية عالية ولكنه لم يكتسب شهرة أخيه العالمية، كان عمر وفيا أيضا لتراث الأسرة الجزائر، ولكن في مجال
стр. 4738
مختلف عن مجال أخيه، فترك ثروة من الدراسات عن الرسم والموسيقى والخط، وله دروس في نشأة الصحافة العربية الوطنية، وترك تلاميذ وتأثيرا واسعا، وإذا كان محمد قد التصق اسمه بأوروبا وفنانيها وجوائزها ومعارضها، فإن عمر ترك بصماته على العالم الفني الجزائري بما رسم من لوحات ودبج من مقالات عن الموسيقى وخطط من كتب وعزف من ألحان، وقد كنا ترجمنا له، أو بالأحرى عرفنا به في كتابنا السابق (الجزء ٥)، ونود هتا أن نضيف بعض المعلومات عنه مما أتيح لنا الإطلاع عليه بعد طبع كتابنا بما قدم بين ١٩٥٤ و ١٩٥٩، فقد ظل يسهم في الحياة الأدبية والفتية إلى آخر لحظة من حياته.
أبنته مجلة (هنا الجزائر) التي كان أحد كتابها فقالت إنه توفي في ١٣ فبراير ١٩٥٩، عن ٧٥ سنة، ودفن في مقبرة الشيخ عبد الرحمن الثعالبي، وإنه من عباقرة فن الرسم والخط العربي والخط الأندلسي والخط الكوفي، وهو وأخوه محمد يعتبران فارسي رهان في ميدان الفنون الجميلة، فحين أنشأت إدارة الفنون الجميلة بالولاية العامة، (سنة ١٩٣١) مدرسة لتعليم فن التصوير (الرسم) والزخرفة العربية الشرقية في العاصمة اختارت الأخوين الفنانين محمد راسم وعمر راسم، للتدريس فيها فن الخط العربي والزخرفة الشرقية، وقد باشرا التعليم فيها، وتخرجت على أيديهما نخبة من الشباب ...
لم يتخرج عمر من مدرسة فنية معينة ولكنه بالموهبة والمثابرة والتتلمذ على والده، علي بن سعيد راسم، استطاع عمر أن يشق طريقه وسط المبدعين والتابعين في الفن والزخرفة، وقد ابتكر أشياء جميلة أدت إلى إقبال دور النشر عليه لطلب زخرفة مطبوعاتها، وكان عمر أديبا ذواقة أيضا وكاتبا ناقدا، وكان من قدماء المحاضرين والمقرئين في محطة الإذاعة، وكان يلقي حديثه الأسبوعي بنفسه في الإذاعة في موضوع فن الرسم والتصوير والموسيقى، ونشرت له مجلة (هنا الجزائر) مقالات في الفنون التي اختارها، ولعمر راسم اطلاع واسع ومهارة في فن الموسيقى العربية الأندلسية، ويعتبر من المحافظين على تراثها، وقد كتب عنها مقالات نشرت في هنا الجزائر وفي دوريات أخرى.
стр. 4739
لقد بدأ عمر حياته في مجال الصحافة العربية، فأصدر أوائل القرن الماضي مجلة (الجزائر) وجريدة (ذو الفقار)، وكان يقوم برسم الصور بنفسه، ومن آثاره كتابات أسماء شوارع القصبة القديمة في مدينة الجزائر على لافتات باللغة العربية إلى جانب اللغة الفرنسية، وهي كتابات بلون أبيض على أرضية زرقاء بحروف تبدو لنا اليوم معقدة ومتداخلة، كما كان يضع تحت كل اسم ما يوضح مسماه وتاريخه أو الحدث الملتصق به (١).
وقبل أن نتحدث عن رأي عمر راسم في الموسيقى، نشير إلى مقاله (التقليد والفن) الذي كتبه سنة ١٩٥٧ والذي ربما كان أحد أحاديثه الإذاعية أيضا، في هذا المقال نقد لاذع للتقليد في الفن وهجوم كبير على المقلدين لأنهم بالتقليد يفقدون في نظره شخصيتهم، وفي هذا المقال كلام عام عن الفرق بين المبدع والمقلد، والموهوب في نظره هو الذي يتفرغ لفنه لأنه يحبه ويلتزم به، (أما المقلد (فهو) كالطماع والمحتكر الذي يريد أن ينال الأرباح الطائلة من دون تعب، إن ناسخ الكتب لا يعد مؤلفا، ولا الملحن شاعرا، ولا الراوي محدثا) (٢).
رغم أن الأخوين محمد وعمر راسم قد أسهما في الثقافة الجزائرية إسهاما كبيرا بالموهبة والإبداع فإنهما كانا متوسطي الثقافة فيما يبدو من آثارهما، ونقصد هنا الثقافة الأكاديمية أو المنتظمة، وقد رأينا أن محمد راسم قد حيل بينه وبين مواصلة دراسته الثانوية فاكتشف الفن وظهرت موهبته فيه فتفرغ لإنتاجه يشبع رغبته في الإبدع في فن المنمنمات، ولم يكمل قاعدته الثقافية إلا بطريقة شخصية، ويبدو أن محمدا كان محافظا في ثقافته لأننا وجدنا له اطلاعا واسعا على التاريخ والآثار والحياة الاجتماعية لبلاده كما تظهرها لوحاته، ذلك أن موضوعاته جزائرية إسلامية عربية، ترجع إلى أعماق التاريخ، كما أنه كفنان كان
стр. 4740
يستمد من البيئة والأسرة والقصبة التي يبدو أنه من مواليدها، وهي آخر حصن من حصون الثقافة الوطنية الباقية في العاصمة بعد أن كادت تزول جميع معالم الثقافة الأخرى على يد الاستعمار، كما عرفنا أنه زار وتأثر تأثرا عظيما بمعالم الأندلس وتراثها الحضاري، ولا نعلم أنه زار الشرق أو أدى فريضة الحج.
وقد لاحظنا أن محمد راسم كان كذلك يوقع دائما لوحاته بالحروف العربية حتى تلك التي كانت تعرض في أوربا أو تنشر في الكتب المتعلقة بالإسلام وثقافته لمؤلفين أوروبيين، ومن جهة أخرى نلاحظ أن المرأة كانت أيضا من موضوعاته الرئيسية، ولا ندري بأي إيعاز كان يفعل ذلك، والغالب أنه إيعاز ذاتي أي أنه كان يرى المرأة جزءا من حياة القصبة ورمزا للجزائر التي بقيت وراء الجدران العالية لهذا الحصن، فالمرأة في الحديقة والشرفة، وهي في المقصورات الوثيرة الأثاث والسطوح الشفافة، وهي العروس المخضبة بالحناء في ثياب الزفاف، وهي تشرب الشاي وتتحدث إلى صويحباتها، وهي طربة نشوانة، وهي تتزين بالأزياء التقليدية .. كل ذلك يتمثل في لوحاته الجميلة المليئة بالرموز التاريخية والاجتماعية.
أما أخوه عمر راسم فنعلم أنه بدأ بالاهتمام بالسياسة فأصدر الصحف بمعاناة شديدة، عندما كان الإعلام الوطني في درجة الصفر، ثم سافر إلى المشرق، وشاهد التيارات الموالية والرافضة للتبعية العثمانية والنهضة الإسلامية، وعرف الحركات الساخطة على الاستعمار والمنادية بالوطنية، واعتنق المذهب الاشتراكي في صورته المثالية الإنسانية، وكان رائدا في التحذير من التغلغل الصهيوني، وكان من المعجبين بحركة الأمير خالد، ثم خاب أمله في بعض الرموز الوطنية التي كانت تطفو ثم يغرقها الاستعمار بأدواته المعهودة، وعاد عمر إلى الرسم والخط والموسيقى، وكان يعيش عيشة ربما يجوز أن
стр. 4741
نسيها (بوهيمية) في بلاده المعذبة، ولم يكن وحده في ذلك، فقد تحطمت شخصيات وطنية كثيرة على صخرة التقلبات السياسية الفرنسية، كانت بقافة عمر راسم متوسطة كثقافة أخيه ولكنها كانت ميالة أكثر إلى ثقافة المشرق المتحركة أي ثقافة عهد النهضة، فكتمها في نفسه وتعاشر مع الإمكانات المتوفرة، فوجدناه في الإذاعة (وهي فرنسية) وفي مجلتها هنا الجزائر، يذيع ويكتب ويوجه، ووجدناه مدرسا في مدرسة الفنون الجميلة يساهم في تكوين الجيل الجديد إلى أن أدركه الموت وهو وراء المذياع، وهو أمام السبورة، وهو يمسك القلم، وهنا يبقى السؤال ما دمنا نكتب عن عهد الثورة: ما علاقة عمر راسم بالثورة؟ وهو السؤال الذي سيبقى بدون جواب، كما هو الحال بالنسبة لعدد كبير من الفنانين، إلى أن نعرف أكثر عن نهاية الرجل الذي يكون قد بلغ السبعين سنة عند اندلاعها.
بقي أن نسجل أن عمر راسم كان عميدا لمدرسة في فن التذهيب في الخط، وكذلك المنمنمات، وكان نشطا في هذا الميدان منذ ١٩٣٧، وقد كان مشاركا في اتحاد فناني شمال إفريقيا، وكان يعرض أعماله في صالونات خاصة، وقد عين معلما في مدرسة الفنون الجميلة بالجزائر، كما أشرنا، متفرغا لتذهيب القرآن الكريم على الخصوص (١).
رسامون آخرون
قائمة الفناتين طويلة خلال عهد الثورة، ولا يمكننا تغطية حياتهم ونشاطهم كلها في هذا الكتاب الذي يعتمد على مصادر قليلة وما تزال متفرقة، ثم إن بعض الفنانين قد تناولناهم في التاريخ الثقافي ولم يجد جديد عنهم منذ ظهور كتابنا المذكور، فهذا مثلا أزواو معمري كتبنا عنه في الجزء الثامن/ ٤٣٤ ولم نر داعيا للرجوع إليه إلا عند الضرورة.
стр. 4742
إن معظم لوحات أزواو تمثل الحياة المغربية التي تأثر بها كثيرا، ومنها الحداد المغربي، ووادي بورقراق، وسوق مراكش، والقصابون في جامع الفناء، والمكتب القرآني، وقد عرض أزواو لوحاته في المعارض الجزائرية والدولية، وكان يحب الموسيقى الأندلسية، وزار الأندلس وأعجب بالفن الإسلامي في غرناطة وقرطبة وإشبيليا، وأحب الفنون الشعبية المغربية وله صورة باللباس المغربي وهو يذيع من إذاعة مراكش وحوله الفرقة الموسيقية المغربية التي أنشأها، وبعد وفاته كتب عنه مالك واري مقالة في القسم الفرنسي من مجلة (هنا الجزائر) وضم إليها لوحة لآزواو عنوانها (سيدي علي أو يحيى بتاوريرت ميمون) (١).
وللبشير بن يلس عدة لوحات ربما لم نشر إليها في دراستنا السابقة عنه. منها (زفاف في تلمسان) وهي مرسومة على غلاف القسم الفرنسي من مجلة (هنا الجزائر)، وتمثل اللوحة فرقة موسيقية ومجمع المستمعين وهم في حالة انسجام واستغراق بملابسهم التقليدية الجميلة (٢).
أما ما يمكن أن نضيفه عن ابن يلس فهو تتلمذه على محمد راسم ثم ابتعاده عنه، وقد درس في مدرسة الفنون الجميلة بالجزائر العاصمة، ومنها ذهب لحضور أشغال أساتذة الرسم الحديث في باريس ومدريد، وفي عهد الاستقلال أصبح مديرا للمدرسة الوطنية للفنون الجميلة ورئيسا لاتحاد الفن البلاستيكي، وشارك في معارض مشتركة في بلدان المغرب العربي وأوروبا ونيويورك (٢).
وخلال الثورة أبدع حسن بن عبورة بعض اللوحات وأحرز على الجائزة الفنية الكبرى للجزائر للعام ١٩٥٧ - ١٩٥٨، وهو أيضا من تلاميذ محمد راسم
стр. 4743
في فن المنمنمات، وتمتاز لوحاته بالبساطة وحتى بالسذاجة، وهو يفصل مناظره بدقة تدهش الناظر، ومنها القطار، وشواع بلكور، وميناء الجزائر ... وكلها تعبر عن شاعريته الرقيقة والمؤثرة، وقد وردت عليه التهاني من أصحابه عندما نال الجائزة في شهر يناير ١٩٥٨ أي في أتون الثورة (١).
ومما يذكر أن ابن عبورة ولد بالعاصمة (الجزائر) سنة ١٨٩٨ وتوفي بها سنة ١٩٦١، وحصل على جوائز كثيرة، واقتنت إدارة الفنون الجميلة بالجزائر عددا من أعماله، وقد عشق رسم الأحياء الشعبية وشواطى مدينة الجزائر، وآخر معرض له أقامه سنة ١٩٦٠، وجعل شعاره فيه (الفن الأصيل لأحد أبناء مدينة الجزائر) (٢).
وابن عبورة معروف عند الرسامين في الجزائر بأنه الفنان الساذج، فهو يرسم مشاعره بكل أمانة وبساطة، وهو يأخذ بتلابيب المشاهدين للوحاته بمناظره الجذابة للقطار ومرسى الجزائر وشوارع بلكور، ففنه، كما قال أحد النقاد، كأنه قصيدة يتغنى بها، وهو أسلوب خاص به (٣).
أما رابح درياسة فقد اشتهر بالشعر واللحن والغناء ولم يشتهر بالرسم. ولكن هنا الجزائر أوردت له نماذج من الرسم تدل على موهبة متميزة على الأقل عندما كان في أول الطريق، من ذلك لوحته (حرب على الجهل)، وهي لوحة تحمل توقيعه نشرها سنة ١٩٥٧، ويمكن اتخاذها نموذجا أيضا بالنسبة لتعليم المرأة، وله لوحة أخرى كتبت لها هنا الجزائر مقدمة، وهي جزء من حصة (من كل فن شوية) التي كان يشرف عليها محمد الحبيب حشلاف، ومن هذا المصدر نعرف أن درياسة من تلاميذ محمد راسم أيضا (٤).
стр. 4744
ولد محمد بوزيد في الأخضرية سنة ١٩٢٩، وبدأ حياته العلمية معلما في مسقط رأسه، وابتداء من ١٩٥٣ كرس نفسه لفن الرسم، فحصل على منحة سنة ١٩٥٦، وأخرى بعدها بسنتين، ولفت الأنظار إلى رسوماته عندما شارك في معرض الفن الجزائري بباريس سنة ١٩٥٧، فقد عرض فن زخرفة الجدران في تيزي وزو والجزائر، ثم شارك في معارض عقدت بفرنسا وبلجيكا وفي غيرهما، وفي سنة ١٩٦٠ حصل على ما يسمى (الجائزة الجزائرية الفنية الكبرى).
وبعد الاستقلال كلف بتصميم الختم والدرع الرسمي للجمهورية الجزائرية، وسمي مستشارا بوزارة الثقافة، وهو الذي قام بزخرفة بواخر الشركة الجزائرية للملاحة، كما وضع الصميم (الديكور) لزخرفة المسرح الجزائري والنادي الوطني للسينما، وقام المعهد الوطني للفنون الجميلة بتكريمه سنة ١٩٩٩، وقد قيل عنه إنه كان متشبثا بكل قواه بالموضوع واللون، وإنه يستطع التخلص من كل التناقضات عندما يتفرغ للرسم، وإنه ينتمي إلى المدرسة الواقعية، ولذلك كانت موضوعاته مشبعة بالتعبير الحي (١).
أما باية محيي الدين فقد ولدت في برج الكيفان (شرقي مدينة الجزائر) سنة ١٩٣١، وعاشت يتيمة منذ كان عمرها خمس سنوات، وكانت جدتها تعيش في العاصمة فجاءت تنشد الدفء والحنان عندها.
لاحظ السيد (فرنك ماكوين) مدير المجلس البريطاني وزوجته (مارغريت) رسوماتها الفخارية سنة ١٩٤٢ فأخذاها على ذمتهما وشجعاها على الاستمرار وتطوير فن الرسم، ولم تلبث أن عرضت بعض أعمالها (١٩٤٧) في باريس، وقام الكاتب (أندري بريتون) بكتابة مقدمة لمجموعتها، ثم اشتغلت في ورشة تعمل في الفخار، وهناك التقت بالفنان العالمي بيكاسو، وأوائل الخمسينات تزوجت بالمغني والملحن الحاج محيي الدين المحفوظ (١٩٥٣) وأنجيت ستة أطفال، وعاشت معهم في البليدة، وبعد عشر سنوات عرض متحف الفنون
стр. 4745
الجميلة في العاصمة أعمالها القديمة واقتنى بعضها، وفي هذه الأثناء استأنفت الرسم بعد توقف طويل، وقد شاركت في معارض جماعية على مستوى المغرب العربي وفرنسا وبلجيكا (١).
الغالب أن مولود بوكرش من مواليد سيدي بلعباس، فنحن لا نعرف الكثير في هذه المرحلة عن أولياته ولا عن نهاية حياته، بدأ بوكرش حياته الفنية رساما في مدينة الجزائر، ثم توجه إلى مدرسة الفنون الجميلة بباريس، وأقام ورشته في هذه المدينة، أول معرض أقامه في الجزائر كان في النادي الفرنسي - الإسلامي عام ١٩٤٧، وقد تخصص في رسم مناظر الحياة العربية، كالمراعي والأرياف، وكذلك الأشخاص مثل العازف على الناي، والمتسول، والأعمى، ولأزواج المتحابين، والنساء في محيط صحراوي، ومن أعماله أيضا لوحة الحائك الأبيض الذي تلتف به امرأة ريفية ذات وشم (٢).
عبد الحليم حميش من مواليد تلمسان سنة ١٩٠٨، وقد تتلمذ على كوفي Couvy في الفنون الجميلة بالجزائر، أما ميدان اهتمامه فهو رسم المناظر الطبيعية والعادات الشعبية، شارك حميش في المعرض العالمي الذي انعقد في باريس سنة ١٩٣٧ بلوحة تمثل مقهى عربية، وفي سنة ١٩٤٥ شارك في معرض خصص للرسوم والمنمنمات الجزائرية، وبتوالي الأيام أصبح معلما للرسم في مدرسة الفنون الجميلة بباريس، ولكننا لا نعرف متى بدأ ومتى انتهى من ذلك، أما وفاته فكانت بتلمسان سنة ١٩٧٩ (٣).
ولد قارة أحمد أحمد في العاصمة سنة ١٩٢٣، كانت أسرته تتعاطى الوظائف الدينية والأعمال الخيرية، وقد درس النحت والفنون الجميلة في مدرسة الجميلة، ويعتبر من الفنانين ذوي الاهتمامات المتنوعة، أما أعماله فقد
стр. 4746
عرضها في عدة عواصم أوروبية مثل باريس واستوكهولم، وهلسنكي وروما. وكذلك في المغرب والعراق ولبنان، شارك قارة أحمد في تأسيس المتحف الوطني للفنون والتقاليد الشعبية بالجزائر، وكان هو المحافظ لهذا المتحف سنوات طويلة، وهو ينتمي إلى مدرسة الفن التجريدي (١).
يعتبر محمد خدة من الجيل الأحدث بين زملائه الرسامين، فقد ولد سنة ١٩٣٠ بمستغانم، وبدأ الرسم وهو في السابعة عشرة من عمره، ثم جاء إلى باربس سنة ١٩٥٣ رفقة زميله ابن عنتر، وأنجز أول لوحاته سنة ١٩٥٥، وقد اعتمد في رسوماته على العناصر البلاستيكية والخطوط العربية، ويبدو أنه لم ينتج كثيرا من اللوحات قبل الاستقلال، ولعله كان ذا صلة بالثورة سواء في فرنسا أو في الجزائر لأنه نشط منذ ١٩٦٣، وشارك في معارض الرسم الجزائري وكان مشاركا في معارض باريس وليون، وفي هذه الفترة أنجز أعمالا جدارية ومنحوتات ورسومات في الكتب والنقائش ... ولكن نشاطه هذا وما بعده لا يهمنا الآن، ومهما كان الأمر فقد التقينا بالفنان محمد خدة عدة مرات في الجزائر بعد الاستقلال، وكان انطباعنا عنه أنه فنان متواضع وموضوعي، وقد توفي سنة ١٩٩١ (٢).
ولد عبن الله بن عنتر في مستغانم أيضا سنة ١٩٣١، ودرس الرسم والنحت في معهد الفنون الجميلة بوهران، ثم استقر نهائيا في باريس سنة ١٩٥٣ حيث تحول إلى التشكيل، وفي سنة ١٩٥٧ أقام معرضا شخصيا، وواصل عرض فنه في باريس بانتظام، وكذلك في ألمانيا والدنمارك، وقد اشترك في عدة تظاهرات جماعية للفنانين في أوروبا والمغرب العربي، وابتداء من ١٩٦٢ أخذ ابن عنتر يشترك في معارض النقش المرفقة بأبيات شعرية من جان سيناك، ثم واصل إنتاجه في عهد الاستقلال، وقد أصبح معلما في مدرسة الفنون الجميلة
стр. 4747
في باريس خلال السبعينات (١).
محمد تمام كان أحد التلاميذ الأذكياء للأخوين راسم (محمد وعمر)، ولد بالجزائر العاصمة سنة ١٩١٥، وبعد المرحلة الأولى من حياته أدخلاه عالم فن التذهيب، وفي سنة ١٩٣٦ غادر الجزائر إلى فرنسا ليتعلم فن الديكور في مدرسة فن الزخرفة، ثم اشتغل في بعض المصانع بالقطع الصغيرة الدقيقة، وبعد سنة أقام أول معرض شيخصي له، أما في سنة ١٩٤٤ فقد شارك في معرض التذهيب والمنمنمات الجزائرية، كما اشترك مع أستاذه محمد راسم في معارض في البلاد الإسكندنافية بين ١٩٤٦ - ١٩٥٧، وعرض أيضا في بلدان المغرب العربي، وبعد الاستقلال رجع إلى الجزائر وعين محافظا لمتحف الآثار حيث بقي إلى وفاته سنة ١٩٨٨ (٢).
أما محمد غانم فقد ولد بالعاصمة سنة ١٩٢٥ وتتلمذ أيضا على يد عمر راسم، وقد ظهر سنة ١٩٤٤ في المعرض الذي خصصه محمد راسم للفنانين المسلمين الشباب، ثم أصبح أستاذا لفن التذهيب في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة بالجزائر، وكان يعرض أعماله في أماكن خاصة أو في التظاهرات الجماعية سواء في البلاد العربية أو في أوروبا (٣).
ينتمي الفنان محمد أكسوح إلى جيل حديث، فقد ولد سنة ١٩٣٤ في العاصمة، وبدأ منذ ١٩٥٩ ينجز منحوتاته على المرمر أو المعادن، وكان يرسم يميل إلى التجريد، فكان من مؤسسي الرسم الجزائري الحديث، وبعد الاستقلال شارك أكسوح في المعارض الجماعية، ثم استقر به المقام في باريس منذ ١٩٦٥ مثل عدد من زملائه، وشارك منها في عدة معارض وأنشطة، كما
стр. 4748
شارك في عدة تظاهرات خارج فرنسا أيضا (١).
ولد علي خوجة علي بالعاصمة سنة ١٩٢٣ ودرس الخط وفن التذهيب في مدرسة الفنون الجميلة بالعاصمة على يد عمر راسم، كما واصل دراسة الفن على محمد راسم وأندري دي باك .. Pac وفي سنة ١٩٤٢ عرض رسوماته في قاعة الفنانين الجزائريين وحصل على منحة مدينة الجزائر، أما بين ١٩٤٣ - ١٩٥٠ فقد اشتغل بالمنمنمات وبالحياة اليومية في قصبة العاصمة، وشارك في عدة معارض للرسم الإسلامي / الجزائري من إنتاج الشباب، كما أصبح عضوا في جمعية الفنانين الجزائريين والمستشرقين، ورساما في مكتب الفنون التقليدية، لقد تحول علي خوجة من المنمنمات إلى الرسم، وفي سنة ١٩٦١ ألحقته مدرسة الفنون الجميلة في الجزائر بها كمعلم لفن الزخرفة (٢) décoration.
فنانون أوروبيون
بالإضافة إلى المبدعين الجزائريين في فن الرسم هناك أسماء أخرى ذات صلة وثيقة بهذا الفن منهم: جان ألازار الذي كان من أبرز الوجوه في الحركة الفنية سواء في التأليف فيها أو إدارة مؤسساتها وتوجيهها، ولد ألازار J.Alazar سنة ١٨٨٧، وتخرج من مدرسة ترشيح المعلمين في التاريخ بالحصول على درجة التبريز ثم على الدكتوراه في فن النهضة الإيطالية، وأصبح مواطنا شرفيا لمدينة فلورنسا العريقة في إبداع فنون عصر النهضة والتي قضى فيها ردحا من الزمن أستاذا في المعهد الفرنسي، وفي ١٩٢٣ عين أستاذا في تاريخ الفن بجامعة الجزائر، ثم تولى عمادة الجامعة سنة ١٩٤٨، وسعى إلى إنشاء متحف وطني جديد للفنون الجميلة، وهو المتحف الذي تولى إدارته ثلاثين سنة كما سنذكر، وقد طوره ووسعه وأضاف إلى محتوياته، سيما المتعلقة منها بشمال
стр. 4749
إفريقيا، كما أنشأ فيه مكتبة غنية متخصصة ورواقا للنحت الخاص بالقرن العشرين. وكذلك تولى تحرير مجلة الفن التي غيرت اسمها إلى مجلة البحر الأبيض المتوسط، وأنشأ أيضا المعهد الحضري لمدينة الجزائر، وكان المشرف على فيلا عبد اللطيف التي كان يسهر على تلامذتها الموهوبين الممنوحين (١).
ومنهم جان برون J.Brune الذي ولد بالجزائر سنة ١٩١٢ ومات سنة ١٩٧٣ منفيا في نوميا، وهو من الكتاب الصحفيين الملتزمين سياسيا من أجل الجزائر الفرنسية، وكان من أنصار الملكية في فرنسا، وهو أيضا رسام ماهر بحيث كان يزود الصحف بمختلف المناظر الجزائرية، وكان مغرما بالفن الذي يعتمد المناظر الطبيعية، كما كان يكتب بتوثيق دقيق عن الرسم ويحلله، تحليلا يدل على مهارة وذوق، وبالأخص خلال سنوات ١٩٥٠ - ١٩٦٠ عندما كان يدير جريدة هنا الجزائر (٢) (Ici Alger).
أما ألبير كامو فقد عرف في ميدان الأدب والنقد وحب الفن وصداقة الفنانين، لذلك أقام هؤلاء له معرضا فنيا يحمل اسمه سنة ١٩٩٤، وكان ماكس فوشيه M.Fouchet قد عاش في الجزائر بين ١٩١٣ و ١٩٤٤ ثم غادرها في هذه السنة ليتولى (الحوليات الأدبية)، وكان يتعامل مع فن الرسم، كما كان والده رساما (٣).
والمعروف عن جان سيناك أنه شاعر وأديب ومن مواليد بني صاف سنة ١٩٢٦، وقد أنشأ مجلة (الشمس Soleil) سنة ١٩٥٠، وكان مهتما بالرسم. وله في ذلك أصدقاء فرنسيون وجزائريون، أمثال ابن عنتر وبوزيد وأكسوح، وبين ١٩٥٥ - ١٩٦٠ نشر سيناك (مذكرات الفن) أو ملاحظات فنية Notes dArt
стр. 4750
نوه فيها بالرسم الجزائري، وبعد نفي سياسي خلال الثورة رجع إلى الجزائر بعد الاستقلال وتحصل على الجنسية الجزائرية وأصبح مستشارا في وزارة التربية، ولكنه لم يتخل عن اهتمامه بفن الرسم (١).
والخلاصة أن الجيل الجديد من الفنانين كان يعبر عن التحرر من المراسيم، بل كان يعبر عن قلق حقيقي، ويريد التخلص من القيود التي فرضتها الحياة الاجتماعية والهروب من الإطار التقليدي، فقد كانوا يعتقدون أنهم قادرون أيضا على إنتاج مناظر وآفاق تشهد على تصور رائع للفن الجميل، وذلك بتجاوز حدود المحرمات الايديولوجية، وهناك لوحتان وردتا مع المقال الذي رجعنا إليه في هذا الصدد، الأولى: لوحة مرسى الجزائر وخلفية الحياة بالمدينة لابن عبورة، كما أوردت مجلة (هنا الجزائر) على غلافها الفرنسي لوحة لبوزيد عنوانها (الموسيقار) وهو يمسك بالعود (٢).
ومما يلاحظه المرء عندما يدرس حياة هؤلاء الفنانين الجزائريين أنهم في جملتهم انتقلوا إلى فرنسا قبل الثورة أو أثناءها واستقروا فيها، وأنهم كانوا يمارسون هناك عملهم الفني وربما وظائف أخرى عادية، ولم تؤثر الثورة - فيما يبدو - في مسيرة حياتهم، وعندما تحقق الاستقلال بقي بعضهم في فرنسا، وأدركت الشيخوخة أو الموت بعضهم، كما أن بعضهم رجع إلى الجزائر وتولى فيها وظائف بارزة، مديرين ومستشارين، فهل كانوا على صلة سرية بالثورة فكافأتهم على نضالهم؟ أو كانوا يحملون معهم جواز السفر الإيديولوجي المتمثل في الواقعية والالتزام، وهو أكبر مؤهل في تلك الفترة؟ أو هي مجرد عمليات ملء الفراغ التي دأبت عليها مصالح جزائرية بإيعاز من البعثة الثقافية الفرنسية حفاظا على (الجزائر الفرنسية) في شكلها الثقافي؟
стр. 4751
معارض أخرى
أثناء حرب التحرير أسهم الأطفال أيضا في فن الرسم، من ذلك إقامة معرض لرسومات الأطفال التي كانت كلها تقريبا تعبر عن الحرب التي عاشوها، فقد طلب منهم أن يرسموا ما يخطر ببالهم فرسموا الطائرات المحترقة والمنازل المهدمة، كما رسموا مختلف أنواع الأسلحة المستعملة كالرشاشات والبنادق والمدافع والدبابات والعلم الوطني على هامة الجبال، والجندي وهو يحمل رشاشا، فكانت الحصيلة ثلاثة وثلاثين صورة (٣٣)، إحدى وثلاثون منها عن حالة الحرب، وهناك صورة تجمع الأطفال وهم يتلقون درسا في ورشة، بينما أحدهم كان مصابا بالرصاص (١).
ومن جهة أخرى استمرت فيلا عبد اللطيف مفتوحة للعمل إلى حوالي ١٩٦٠، وقد تعاقب على نشاطها ومعارضها عدد من الفنانين الجزائريين، منهم حسن بن عبورة ومحمد بوزيد اللذان حصلا على جوائر فنية كبيرة كما أشرنا، كما أن إدارة الفنون الجميلة التابعة لوزارة الجزائر قد نظمت، ربيع ١٩٥٨، معرضا في قاعة (بورد) يدعى معرض الجوائز الكبرى، وتحدث المتكلم باسمها عن مرور ثلاثين سنة على إنتاج (مدرسة الجزائر)، ومن جهة أخرى نشير إلى أن ابن عبورة قد استفاد من جداريات رينيه فاما Famin، وهي عبارة عن أروقة المنارة الواقعة اليوم في شارع مراد ديدوش بالعاصمة، وكانت هذه الأروقة تستقبل الفنانين والأدباء أمثال ألبير كامو وجان سيناك (٢).
أنشئت المدرسة الوطنية للفنون الجميلة في نوفمبر ١٨٨١، وخصص لها في البداية مسجد مهجور - كما قيل - في حي البحرية، بشارع القناصل في القصبة، أما مدير المدرسة فكان العقيد ليون كوفيه L.Cauvy الذي قضى في المدرسة سنوات طويلة (١٩٠٩ - ١٩٣٣)، ثم أنشئت مدرسة جديدة في شارع
стр. 4752
التالملي، وكان فيها سنوات ١٩٥٠ - ١٩٥٤ أكثر من ثلاثمائة تلميذ وأحد عشر أستاذا من حملة الشهادات، إضافة إلى ستة مكلفين بالدروس، ومن أساتذتها محمد راسم وأخوه عمر راسم وبشير بن يلس، ومصدرنا في هذه المعلومات لم يتحدث عن المدرسة خلال الثورة، ومما يذكر أن الأستاذ الذي تولى فيها ورشة النحت هو جان بيرسييه Bersier، خلال ١٩٤٧ - ١٩٥٨، وبيرسييه كان قد تخرج من فيلا عبد اللطيف، وقد تخرج على يديه في النحت عدد من الأوروبيين، وأما المسلمون (الجزائريون) فمنهم: محمد إسياخم، وبشير بن يلس، ومن الأساتذة الذين درسوا في الورشة كزائرين يوجين كورنو Corneau الذي كان يزور الورشة كل ثلاثة أشهر لينشر علمه منها، بين ١٩٥٣ - ١٩٦٢ (١).
كما أنشئت معارض عديدة وهامة للفن ذات طابع مغاربي - إفريقي مع لمسة فرنسية، وقد استمرت في النشاط إلى سنة ١٩٥٦ على الأقل، هذه المعارض كانت تستقبل إنتاج الفنانين من بلدان المغرب العربي، وكانت تعقد كل مرة دورة في إحدى مدن المغرب العربي، فانعقد أول معرض في تونس سنة ١٩٢٨، ثم في الدار البيضاء سنة ١٩٢٩، وفي الجزائر سنة ١٩٣٠، وهكذا ... أما المعارض الأخيرة فقد انعقدت بعيدا عن المغرب العربي، إما لاستقلال تونس والمغرب أو لاشتداد الثورة الجزائرية، فقد انتظم مثلا معرض للفن المغاربي بلمسات فرنسية في مونتكارلو سنة ١٩٥١، ثم في بوردو سنة ١٩٥٦ (٢).
رسوم الطاسيلي
كان لاكتشاف رسوم الطاسيلي وفنون أخرى صحراوية ردود فعل من النقاد والكتاب المهتمين بالتراث الفني، فقد كان الشائع أن الصحراء خالية من الفنون في ماضيها وحاضرها فإذا بالباحثين يتوصلون إلى اكتشاف، في منطقة
стр. 4753
الطاسيلي، أبهر العالم، سنة ١٩٥٦، إن هناك عدة لوحات اكتشفت واستخرجت من قبضة الرمال، وكانت اللوحة لفنانين صحراويين رسموها بريشة من شعر حيوان وحشي، ويرجع تاريخ بعض الصور إلى آلاف السنين قبل الميلاد، وكان مع الإنسان عندئذ سلاحه وآلته، وقد أثبت وجود الزرافة والدب البحري والفيلة (وكلها مرسومة على اللوحة) أن الصحراء كانت عامرة بالأعشاب الكثيفة، كما أن وجود الفرس المائي والتماسيح والأسماك قد دل على أن ما هو صحراء اليوم كانت تغمره المياه.
إن مكتشفات الطاسيلي تعبر عن فنون ما قبل التاريخ، وعصورها المختلفة: ظهور الإنسان، ثم الحصان ثم الجمل، مرورا بعصر الإنسان الذي له شكل رأس مكورة، إلى صور للإنسان في شكل عملاق له طول يصل إلى ستة أمتار، وفي العصر الثاني رسم الصحراويون حياتهم اليومية كالأعراس والرقص والغناء والرعي والحروب والفلاحة والنساء ... وفي هذا العصر ظهر الحصان، ولعله العصر الذي شهد آخر سكان الصحراء قبل اختفائهم نتيجة الجفاف، بحيث لم يبق في الصحراء سوى جماعات من البدو، وبذلك دخل عصر الجمل الذي يعتير آخر العصور لأن الجمل جاء من آسيا وهو الحيوان الوحيد الذي استطاع أن يتكيف مع البيئة الصحراوية (١).
أما الرسوم التي عثر عليها الباحثون وعرضوها على الناس فهي: رسم لفتاتين زنجيتين طول كل منهما أكثر من متر، لهما جيد طويل وثياب بيضاء، وعلى إحداهما رسم حصان، وهناك صورة أخرى تمثل أحد الرماة وزوجته، وفلاحا يمسك بحبل لصيد الحيوانات، وصورا لزنوج، ثم صورة لقناع يرجع إلى عشرة آلاف سنة، وهو في شكل وجه لثور له قرنان، أما آخر الصور فلراقصين وراقصات بأقنعتهم التي يتخذونها للتنكر، ويظهر على الرسوم التأثير
стр. 4754
المصري الفرعوني (١).
وقد درس أحد المهتمين ما قامت به بعثة هنري لوط في الطاسيلي سنة ١٩٥٦، وبناء عليه فهي بعثة ضمت رسامين ومصورين كلفوا برسم الفنون المنقوشة على الأحجار في الطاسيلي، فكانت النتيجة باهرة إن لم نقل إنها تعبر عن معجزة، حيث استطاع الرسامون والمصورون نقل ما عثروا عليه من رسوم وصور ونقوش سنة ١٩٥٧، لقد كانت الفكرة شائعة عن وجود رسوم في الصحراء ولكن دون تحديد إلى أن اكتشفت في شمال شرق الهقار بقيادة علماء الآثار والتاريخ، كان هنري لوط يريد نقل الرسوم قبل هذا التاريخ، ولكنه لم يتمكن من ذلك سابقا، لأنه كان في حاجة إلى رجال ومعدات، وقد استطاعت بعثته أن تنقل ما يزيد على الألف متر مربع من الرسوم المنقوشة والمطابقة للأصل بألوانها وأحجامها، ويرجع تاريخ هذه الرسوم إلى ٧ أو ٨ آلاف سنة، وهي تثير تساؤلات حول ترتيب الحضارات في الظهور، وإعادة النظر في القيم التاريخية والفنية والعلمية، مما يجعل هذه الرسوم نادرة المثال، فهي تمثل وجود أمة أو أمم عمرت بها الصحراء قبل التاريخ، وانتهت إلى درجة متقدمة من الرقي الاجتماعي وإقامة النظم الحضارية.
فهل هذه المكتشفات سابقة للحضارة المصرية القديمة، وهل تأثر المصريون القدماء بحضارة الصحراء أو العكس هو الصحيح؟ إن هذه المكتشفات الجديدة دلت على وجود حضارة صحراوية متقدمة للإنسان بحيواناته، وهي البقر والغزلان والفيلة والحمر الوحشية وغيرها، بل أن هناك رسوما تمثل الحروب والحياة الدينية والفنية، وقد بلغت بعض الرسوم درجة عالية من الكمال والإتقان الفني، أما ما أقدمت عليه البعثة من كشف ما عثرت عليه للجمهور والعلماء فهو جزء فقط من خطتها الشاملة، فقد نظمت البعثة معرضا لبعض الرسوم المنقولة، وهو معرض مفتوح أقيم في قاعة (بورد) وتردد
стр. 4755
عليه المعجبون والمهتمون بهذا الاكتشاف النادر (١).
لقد كانت المعارض وسيلة للفنانين لعرض إنتاجهم والتعريف بأعمالهم، عرض محمد راسم إنتاجه في مختلف أنحاء العالم، كما عرض أزواو معمري وحسن بن عبورة، فالفنان أزواو مثلا اقتنت المتاحف الكبرى بعض لوحاته مثل متحف كليفلان في أمريكا، ومتحف لوكسبورغ في فرنسا، كما وضع رسومات لمؤلفات العديد من الكتاب، وكذلك فعل عمر راسم، كما عرفنا، والواقع أن معظم الفنانين الذين ذكرناهم عرضوا أعمالهم في معارض أوروبية وجزائرية وعربية، سواء بطريقة فردية أو جماعية، فكان لمساهماتهم أصداء واسعة على المستوى المحلي والعالمي، ونالوا عليها الجوائز والمنح، وأتيح لهم أن يبدعوا بطريقة غير مسبوقة (٢).
المكتبات
عندما نتحدث عن الخمسينات من القرن العشرين يتبادر إلى الذهن عهد نهضة علمية ذات دوافع كثيرة من أهمها التحرر من الاستعمار، فقد أقبل العالم على غزو الفضاء وتطور التسلح النووي وبدأ عصر الاتصال السريع والتكنولوجيا، وتحررت بحلول الستينات كثير من المستعمرات واحتلت مكانها في الأمم المتحدة، وبدأت حدة الحرب الباردة تخف نظرا لميلاد قوة ثالثة أحدثت شيئا من التوازن هي كتلة عدم الانحياز، وكنا نتوقع أن تدخل الجزائر هذا العصر الجديد بأبنائها وعلومها ورصيدها النضالي، ولكن الذي كان ينقصها هو التحرر الكامل من الاستعمار والتخلص من التبعية، والقضاء على الأمية، فماذا حصل؟
لقد انشغلت الجزائر عن نفسها بقضايا هامشية وأدخلوها في دوامة من
стр. 4756
سوء الظن وفقدان الثقة بالنفس وأدخلوها دائرة العنف حش فقدت السيطرة على مقاليدها وأسلمت زمام أمورها لغيرها، وخسرت ما ربحته من رصيد معنوي أيام الثورة.
ومن علامات هذه الظاهرة المرضية إصابة الجزائر في هويتها الثقافية، فقد جعلوها لعبة في أيدي العابثين، فأصبح أبناؤها يتنابزون بالألفاظ النابية في سبيل لغة الغير وثقافة الغير وتاريخ الغير، ونسي الجزائريون أن لهم وحدة يجب الالتفاف حولها، ولهم هوية مات أجدادهم من أجلها ولهم ثقافة عربية إسلامية هي التي حمتهم من الذوبان في الغير وحافظت على وجودهم كأمة بعد أن تعرضوا لأقسى امتحان في التاريخ وهو التخلي عن شخصيتهم والاندماج في أمة ليسوا منها في شيء.
وكانت الكتب والمكتبات هي الضمانة لتاريخهم وكيانهم، ولكنها كانت في يد المستعمرين يفعلون بها ما يريدون ويوفرون منها لأنفسهم ما يشاؤون بينما يحرمون منها أصحاب الأرض، كانت في الجزائر مكتبة عمومية (وطنية) ومكتبة جامعية ومكتبات ولائية وأخرى بلدية، بالإضافة إلى مكتبات عسكرية حيث ينشط القطاع العسكري الفرنسي، وكلها مكتبات في الواقع تخدم المصالح الفرنسية، كما تخدم الاستشراق في أوسع معانيه، أما المسؤولون عنها فكلهم فرنسيون، وقد يكون من بينهم عون جزائري في درجة ثانوية تقضي المصلحة وجوده كالترجمة وقراءة الخطوط والعناوين العربية.
بالإضافة إلى ذلك كان هناك مكتبات لبيع الكتب المستوردة أو المطبوعة في عين المكان أو في فرنسا، مثلا هناك مكتبة النهضة الجزائرية بالعاصمة التي كانت متخصمة في بيع كتب المشرق على العموم، ولكنها تبيع أيضا الكتب الفرنسية، وهناك دار الكتب التي تشبه الأولى في أهميتها، وهي تبيع مختلف أنواع الكتب ومنها الكتب الجزائرية، فهي في الحقيقة دار طبع وبيع وتوزيع، وهناك مكتبة الشباب بقسنطينة، إضافة إلى المكتبة الجزائرية التي لها أصل في
стр. 4757
العاصمة وفرع في قسنطينة، وكان على رأس مكتبة النهضة السيد ميموني، وعلى رأس المكتبة الجزائرية السيد شريفي، ولا ننسى هنا مكتبة رودوسي التي استمرت في نشاطها والتي تخصصت، كما ذكرنا في التاريخ الثقافي، في طبع المصاحف وبعض كتب التراث، وكانت هذه المكتبات تساهم في توريد ونشر وبيع الكتب، كما كانت تساهم في ترقية الحياة الثقافية عموما.
في يناير ١٩٥٥ كتب السيد عبد المجيد الشافعي كلمة غمز فيها من قناة أصحاب المكتبات فاتهمهم بأنهم لا يرحبون إلا بكتب الشرق ويهملون كتب الجزائريين، وقال إنهم لا يشجعون نشر كتب أمثاله من الشباب، ويرى الشافعي أن جلب الكتب من المشرق جناية على الثقافة العربية في الجزائر، فأخذه صاحب مكتبة النهضة على لسان زملائه، على (غروره) وصحح له قوله إنهم يستوردون الكتب من (الخارج) لأن الاستيراد من البلاد العربية ليس خارجا، وتساءل كيف يمكن مواكبة الثقافة، العالمية بكتاب مثل (خواطر مجموعة) للشافعي، وإن الوطن العربي واحد، وإن رأي الشافعي يعبر عن وجهة نظر محلية ضيقة، وقال إن أي دار للنشر لا تنشر أي شى بل لا بد لها أن تختار، وإن عليه أن يفرق بين مهمة المكتبة ومهمة دار النشر.
لقد جعل الشافعي عنوان كلمته (مناهضة المكتبة الجزائرية لحركتنا الإنتاجية) قائلا إن الأديب تنهك قواه المطبعة وإذا أخذ كتابه إلى دار النشر تثبطه، وبذلك يزهد في التأليف والإنتاج وتصبح المكتبة مساهمة في محاربة الكتاب، واستعدى الشافعي القراء على أصحاب المكتبات لأنهم يجلبون الكتب التافهة من الخارج ويهملون الإنتاج الوطني، فالقراء هم الذين شجعوا بذلك صاحب المكتبة على دفن التراث، وليس صاحب المكتبة سوى تاجر قبل كل شيء وليس له غيرة على الكتاب والثقافة (١).
كانت الصحف إلى وقت اختفاء معظمها سنة ١٩٥٦ تنشر الإعلانات عن
стр. 4758
صدور بعض الكتب، كما كانت تعرف ببعضها عند صدوره، ففي المنار والبصائر وهنا الجزائر مثلا كمية من العناوين الصادرة حديثا أو التي ستصدر، أو الكتب المشرقية الموردة إلى الجزائر، فكتب أحمد رضا حوحو، ومحمد الصالح الصديق وعبد الرحمن الجيلالي وسليمان الصيد ومحمد علي دبوز ومحمد الصالح رمضان وعبد الرحمن الحفاف والشريف الساحلي، وغيرهم وجدت طريقها إلى الإعلان للقراء، كما قام بعضهم (محمد منيع) بمراجعة (كتاب البربر لعثمان الكعاك) وكتاب صرخة القلب للحبيب بناسي، وأعلنت البصائر عن ورود موسوعة لسان العرب، وتاريخ ابن خلدون للبيع في مكتبة النهضة بالعاصمة، وأما هنا الجزائر فقد خصصت بابا شهريا تراجع فيه الكتب الصادرة حديثا باللغتين، وقام محمد منيع أيضا بعرض كتاب (ثورة الخيام) لمؤلف اسمه عبد الحق (؟)، وحمزة بوكوشة بعرض (ألحان الفتوة) لمحمد الصالح رمضان وغيره من (ثمرات المطابع)، حسب التعبير المستعمل عندئذ.
أما المكتبة الوطنية والمكتبة الجامعية وغيرهما من المكتبات الولائية والبلدية، فإننا لم نجد تقارير تتحدث عن تطورها وغناها خلال مرحلة الثورة، ولعل ذلك راجع إلى عدم استقرار الموظفين فيها نتيجة الأحداث، أو إلى الرحيل المفاجى للمسؤولين عليها، وأخذ ما يمكن أخذه إلى فرنسا بعد التيقن من حصول الجزائر على استقلالها عند الاستفتاء، والتدمير المنظم الذي قامت به منظمة الجيش السري منذ ١٩٦١، ومهما كان الأمر فإننا لم نعثر على قوائم المقتنيات الجديدة من كتب ودوريات ومخطوطات، ولم نجد أسماء الموظفين الذين تداولوا على هذه المؤسسات خلال الخمسينات أو على الأقل بعد رحيل غبريال إسكير آخر المحافظين البارزين للمكتبة العمومية.
وعلى كل حال فعند الاستقلال كانت المكتبة الوطنية تحتوي على ما يلي:
- القسم العربي: يحتوي على حوالي ثلاثة آلاف كتاب (٣٠٠٠) مطبوع باللغة العربية، دخلت إلى المكتبة بالشراء والهدايا من البلدان العربية والهند وأوروبا.
стр. 4759
- المخطوطات الشرقية: تبلغ أكثر من ثلاثمائة (٣٠٠) مخطوط باللغات العربية والتركية والفارسية، وهي مجموعة قيل إنها غنية بصورها وقدمها، إذ يرجع بعضها إلى القرون ١٢، و ١٣، و ١٤ الميلادية.
- مجموعة الدوريات: وهي تبلغ حوالي ١٤٠٠ جريدة يومية وأسبوعية ومجلات، ترد إلى المكتبة عن طريق الاشتراك والهدايا أو بعنوان الإيداع القانوني.
- المجموعة الموسيقية والشريطية (ديسكوتيك)، وهي تمكن المهتمين من الاستماع إلى التسجيلات الموسيقية التي يحتوي عليها ٢٤٠٠ شريط، وهي تضم أشرطة للموسيقى الكلاسيكية والحديثة والأوبرا والمسرح والقطع الأدبية، كما أنها وسيلة لتعلم اللغات (١).
أما بناء المكتبة التي أصبحت وطنية قرب فندق الأوراسي فيرجع إلى سنة ١٩٥٤، فبعد حديث طويل ومناقشات حول المكان والتكاليف والأبعاد وقعت الموافقة على مشروع بناء مكتبة جديدة ووضع الحجر الأول يوم عشرين أبريل
١٩٥٤، بحضور شخصيات رسمية، منهم جوليان كان J.Cain مدير المكتبات بفرنسا ممثلا لوزير التربية، والحاكم العام للجزائر وهو ليونارد Leonard، إن بناية المكتبة الجديدة التي تتربع على ربوة الثغريين في إطار عام ضخم يطل على ساحة الفوروم (إفريقيا حاليا) وعلى مقر الولاية العامة (قصر الحكومة حاليا)، وعلى مرسى المدينة في شكله المتدرج كان من مغريات هذا المشروع، كما تقع خلف بناية المكتبة حدائق الثغريين والمباني الرياضية، إن هذا الحي كان مخططا له أن يكون امتدادا لجامعة الجزائر، فقد كانت الأعمال تجري فيه لبناء كلية الحقوق ومعهد الدراسات النووية، ومعهد الدراسات الصحراوية، ودار المهندس ... وما يزال بعض هذه المعاهد موجودا في هذا الحي، مثل معهد الدراسات النووية.
стр. 4760
تبلغ المكتبة ١٢٢ م طولا على ١٧ م ارتفاعا، وهي تشمل: مكتبة شمال إفريقيا التي تحتوي على كل ما يهم هذه المنطقة ويهم الإسلام، وهي مكتبة للتوثيق العام، بطريقة موسوعية، وتمثل التفكير الفرنسي في إفريقيا، كما أنها تمثل مركز الإيداع القانوني، ومكتبة الإعارة وخدمات المطالعة، وألحقت بها المكتبة الموسيقية والشريطية والأشرطة (الميكروفيلم) والنسخ والمعارض، أما الرصيد العربي فيحتوي على حوالي ٣٠٠٠ مخطوط، كما ذكرنا، وهي مخطوطات ذات قيمة عالية لندرتها وقدمها، ومنها كتاب الموطأ للإمام مالك، وصحيح البخاري في الحديث، وهناك نماذج كتبت لأبي يوسف يعقوب الموحدي، وفقه اللغة للجوهري ونسخة من القرآن الكريم مكتوبة سنة ٧٦٨ (١٣٦٧) بالفارسية، كما يوجد في المكتبة قسم للكتب الفارسية (١).
وبالإضافة إلى المخطوطات هناك الكتب المشتراة بالعربية، وهناك اشتراك في المجلات العربية والجرائد، وهكذا فإنه يمكن للمثقفين الجزائريين أن يجدوا في المكتبة الوطنية ما يتطلعون إليه حول الإسلام والفلسفة والأدب والتاريخ الإسلامي.
وهناك الرصيد الفرنسي، وهو الأكثر غنى في المكتبة، فهو يضم كتبا في التاريخ وحضارة شمال إفريقيا، ومخطوطات تتعلق بتاريخ الجزائر بعد ١٨٣٠، كما أن هناك مشتريات حديثة لمخطوطات خاصة سمحت بالحصول على معلومات ثمينة تتعلق بتاريخ الجزائر في القرنين ١٧ و ١٨، وكذلك أعمالا أخرى مثل الدفاتر والرحلات، كرحلة الأب دي فوكو.
أما المطبوعات فشملت الكتب التي ترجع إلى القرون ١٧، ١٨، ١٩ الخاصة بالأسرى المسيحيين وتاريخ الجزائر قبل ١٨٣٠، كما شملت كتبا نادرة ترجع إلى ما بعد هذا العهد، مثل مجموعة طابلو Tableau، ووضع المؤسسات الفرنسية في الجزائر من ١٨٣٨ إلى ١٨٦٨، والاكتشاف العلمي للجزائر الذي
стр. 4761
يقع في اثنين وثلاثين (٣٢) مجلدا، من ١٨٤٤ إلى ١٨٥٤، وكذلك حوليات الاستعمار في الجزائر من ١٨٥٢ إلى ١٨٥٥، ومجموعة جرائد المونيتور والأخبار. وفيما يتعلق بالفترة المعاصرة فإن مقتنيات المكتبة لا تتوقف عند الجزائر بل تمتد إلى شمال إفريقيا وإلى القارة الإفريقية، ولكن القسم الجزائري هو الأكثر غنى بفضل الإيداع القانوني، كما أن قسم شمال إفريقيا قد توسع بمكتبة ستيفان غزال الغنية بالوثائق والكتب الأثرية، بالإضافة إلى مكتبة المكتشف (دي برازا) (١).
كانت المكتبة تضم كتبا للثقافة العامة، وكتبا أخرى في مختلف الاختصاصات، ومنها الكتب الأدبية والكتب العلمية، ويتردد عليها الأساتذة والطلبة، وهي تلبي حاجتهم في مختلف التخصصات، وفي كل سنة هناك ميزانية مخصصة لشراء كتب نادرة أو نفيسة، كما أن هناك مجلات ترتبط بالاختصاص، وأسبوعيات ويوميات عامة، إضافة إلى الصحف الإقليمية، والمكتبة مفتوحة للإعارة العامة من رصيد خاص بذلك، وهناك مشروع تمت المصادقة عليه نهاية سنة ١٩٥٥ بإنشاء مكتبة مركزية للإعارة في مدينة الجزائر، وهو مشروع المطالعة العامة الذي يغطي حوالي ٣٠٠ مركز عبر القطر كله، والمكتبة تتعامل أيضا مع المكتبات البلدية ومكتبات النوادي الريفية ومكتبات المدارس ومكتبات المستشفيات، والإعارة مجانية، كما استحدثت مكتبات صغيرة في مراكز صحراوية بلغت خمسا وعشرين مكتبة (في الأغواط، والبيض، وغرداية ...).
لقد بلغ رصيد المكتبة المخصص للإعارة ٤٥٠٠٠ كتاب، وهي تحتوي على الروايات والتراجم والدراسات الأدبية والتاريخ والجغرافيا والرحلات والطب الشعبي والفنون الجميلة وكتب خاصة بالمراهقين وأخرى بالأطفال.
стр. 4762
إضافة إلى كتب باللغة العربية (١).
المكتبة الجامعية
أما المكتبة الجامعية فقد تضررت كثيرا بسبب الحريق الذي عانت منه سنة ١٩٦٢ (يونيو) على يد منظمة الجيش السري الإرهابية، وتظهر إحدى الصور المكتبة وهي تحترق والنوافذ مفتوحة والزجاج مهشم، وفي ديسمبر ١٩٦٢ قامت لجنة دولية برئاسة وزير التربية بحملة لإعادة إعمار المكتبة، وقد وصلتها ردود مشجعة، وأذكر أنني كنت عندئذ الجزائري الوحيد في جامعة مينسوتا فاسدعتني الجامعة واستلمت من رئيسها الدكتور ميريدت ويلسون رمزا لهدية الكتب التي قدمتها الجامعة لمكتبة جامعة الجزائر، وقد جرى ذلك في حفل كبير سلطت عليه أضواء باهرة.
أما المكتبة الوطنية فلكي تمنع ضياع الكتب أو تلفها قامت بتصوير المخطوطات بواسطة الميكروفيلم (الأشرطة)، بما في ذلك مكتبات المساجد والزوايا والخاصة، وتسجيل الموسيقى الوطنية في أشرطة لحمايتها من الضياع، ويلاحظ أن إحصاء الكتب والمخطوطات سنة ١٩٦٢ فيه شيء من المبالغة إذ جاء فيه أن عدد الكتب في المكتبة الوطنية بلغ خمسمائة ألف (٥٠٠ ألف) كتاب مطبوع، وأن المخطوطات بلغت ٣٥٠٠ بالعربية وحدها، وأنها المكتبة الأولى في إفريقيا (٢).
مكتبات جهوية
وقد اطلعنا على كاتلوغ الكتب التي يحتويها أرشيف ولاية التيطري (دائرة المدية) لسنة ١٩٦١ (من أكتوبر ١٩٦٠ إلى فبراير ١٩٦١)، فوجدناه يضم عددا
стр. 4763
من الكتب العامة والدوريات، وفي مقدمة الكاتلوغ تنبيه على أن الهدف من وضعه هو تسهيل المطالعة والبحث، وقد صنف حسب مادة الاختصاص فهو يبدأ بالعموميات والقواميس ثم يمر إلى الفلسفة وعلم النفس والتربية والأديان والعلوم السياسية والقانون والعدل والعلوم الاقتصادية والعلوم الاجتماعية، وفقه اللغة، واللغات، والعلوم التطبيقية والفنون الجميلة والمسرح والسينما ... هذا الكاتلوغ موجود في المكتبة الوطنية (بالحامة).
وفي كاتلوغ آخر لنفس الدائرة (المدية) قائمة بالكتب التي دخلت المكتبة من مارس إلى نوفمبر ١٩٦١، وهو يسير على نفس النسق الذي سار عليه الكاتلوغ الأول، وكذلك نفس التصنيف (١).
كما اطلعنا على كاتلوغ دائرة القبائل فوجدناه يشتمل على الكتب التي دخلت المكتبة إلى ديسمبر ١٩٦١، ولها مجموعتان: الأولى الكتب المشتراة من قبل السيد حداد قبل وصول السيد (بران) Parrain، وقد سجلت بعناية في المكتبة، والمجموعة الثانية الكتب التي وضعها السيد حداد جانبا ولم يسجلها، كما لم يسجل المجلات القديمة، وقد أكد السيد بران على وجود الكتب التي سبق أن صنفت ودخلت المكتبة وتلك التي تم شراؤها ولم تسجل، إلى حلول ١٥ يوليو ١٩٦١، فبلغت ١٢٧١ كتابا، وكانوا يعدون بطاقات خاصة بالمؤلفين وأخرى بالمواضيع.
صنفت الكتب ثلاثة أصاف: أ - المؤلفات العامة، ب - مؤلفات خاصة بشمال إفريقيا، ج - مؤلفات عن الإدارة والقانون، ووعد المصنف أن المؤلفات الجديدة ستنشر في نهاية كل سنة، وإذا كان الصنف الثاني هو الذي يهمنا هنا بالدرجة الأولى فإن ما فيه من مؤلفات عن الإسلام لا يعدو سبعة عناوين، منها (مساهمة في دراسة الطرق الصوفية، وترجمة للقرآن الكريم قام بها إدوارد
стр. 4764
مونتاي، والمرأة المسلمة، والإسلام في الغد، والحضارة العربية، والإسلام والمسلمون اليوم، وعرف وتقاليد المسلمين، وكذلك مجلة الدراسات الإسلامية ...
(المكتبات: ولاية القبائل، الوثائق الولاية، مركز التوثيق بالمكتبة الوطنية (بالحامة).
وهناك نموذج ثالث نمثل له (بعد التيطري والقبائل) بكتب تعود إلى جبهة التحرير، لقد كان للجبهة مكتبتها في مبنى الحكومة المؤقة بالقاهرة، وربما في مختلف مكاتبها الإعلامية وسفاراتها، وكانت مكتبة القاهرة تضم عددا من الكتب المهداة في أغلب الأحيان، وهي المكتبة التي عملت فيها شخصيا بعض الوقت لجردها وتصنيفها في دفتر ضخم، وبعد سفري من القاهرة وانتقال وزارة الثقافة إلى تونس لا أدري ماذا جرى لتلك المكتبة، كما كان لجيش التحرير مكتبته، وأظن أنها كانت في مقر قيادة الأركان يتونس، لأن ممثل جيش التجرير (أو ممثل قيادة الأركان) في القاهرة كان غالبا ما يشتري الكتب ويرسلها إلى تونس.
اطلعنا على المجلد الثاني من كاتلوغ الكتب المنسوبة إلى جبهة التحرير فإذا به يضم ٦٨٩ عنوانا بما في ذلك المجلات، وعنوانه: كاتلوغ كتب المكتبة المجلد ٢، الكتب من ٣٢٠ إلى ٦٨٩، أي أن المجلد الأول يحتوي على الأرقام من ١ إلى ٣١٩، ويذكر أن صفحة العنوان تحتوي على اسم جبهة التحرير الوطني، المكتب السياسي، مصلحة الدراسات والتوثيق، تاريخ ١٢/ ٣/ ١٩٦٨ وتقع الوثيقة في ١٣ صفحة، فهل هذه الكتب قديمة ترجع إلى عهد الثورة؟ يبدو ذلك، كما يبدو أنها كتب تجمعت من الهدايا أثناء الثورة لأنها كتب سياسية واقتصادية وثورية وتتعلق بتاريخ المنظمات وتراجم الرجال، ونحو ذلك، ولعل الجزء الأول (الذي لم نطلع عليه) فيه وصف لها في مقدمته، وهذا الكاتلوغ يوجد أيضا في المكتبة الوطنية (بالحامة).
стр. 4765
الخطاطة
بالنسبة للخطاطة أشرنا إلى أن عمر راسم كان مولعا بمختلف الخطوط العربية، ولا سيما الكوفي والنسخي والعثماني، وكان قد خط ذلك على لوحات أسماء الشوارع في القصبة وزخرفة الكتب وعلى لوحات خطية رغم أنها قليلة، وقد درس الخطاط الموهوب محمد شريفي في رسالته للدكتوراه اللوحات الخطية في الفن العربي ... وخاصة المغربية والجزائرية، ومن بينها لوحات عمر راسم، كما ظهر خطاطون وقت الثورة منهم محمد شريفي نفسه الذي درس الخط في مصر وبرع فيه، وكان أستاذه فيه (وأستاذنا أيضا) هو سيد إبراهيم صاحب الشهرة الواسعة والمدرسة - المتميزة في مصر والشرق في زمنه، ويعتبر محمد شريفي من الذين درسوا وطبقوا الخطوط العربية حتى أصبح اليوم أحد أبرز المحكمين والمستشارين فيها على مستوى العالم الإسلامي، وإليك بعض الأضواء على حياته في هذا المجال.
محمد سعيد شريفي
ولد محمد بن سعيد شريفي بالقرارة (بني ميزاب) بجنوب الجزائر سنة ١٩٣٥، ودخل المدرسة فحفظ فيها القرآن الكريم، ثم درس في معهد الحياة بنفس المدينة إلى أن تخرج منه حاصلا على الشهادة الثانوية سنة ١٩٥٦، ولا ندري إن كان قد درس أيضا في تونس، ولكنه التحق بالقاهرة التي حصل منها على شهادة خطاط من مدرسة تحسين الخطوط العربية بعد أن قضى فيها أربع سنوات (تخرج ١٩٦٢)، وفي هذه السنة حصل من الأستاذ سيد إبراهيم على إجازة في الخط العربي، كما حصل على بكالوريوس كلية الفنون الجميلة (قسم الحفر) بالقاهرة حيث قضى خمس سنوات، وكان موضوع تخرجه سنة ١٩٦٣ بعنوان مساجد القاهرة.
وبعد رجوعه للجزائر تولى تدريس الخط في المدرسة الوطنية للفنون