يقع في اثنين وثلاثين (٣٢) مجلدا، من ١٨٤٤ إلى ١٨٥٤، وكذلك حوليات الاستعمار في الجزائر من ١٨٥٢ إلى ١٨٥٥، ومجموعة جرائد المونيتور والأخبار. وفيما يتعلق بالفترة المعاصرة فإن مقتنيات المكتبة لا تتوقف عند الجزائر بل تمتد إلى شمال إفريقيا وإلى القارة الإفريقية، ولكن القسم الجزائري هو الأكثر غنى بفضل الإيداع القانوني، كما أن قسم شمال إفريقيا قد توسع بمكتبة ستيفان غزال الغنية بالوثائق والكتب الأثرية، بالإضافة إلى مكتبة المكتشف (دي برازا) (١).
كانت المكتبة تضم كتبا للثقافة العامة، وكتبا أخرى في مختلف الاختصاصات، ومنها الكتب الأدبية والكتب العلمية، ويتردد عليها الأساتذة والطلبة، وهي تلبي حاجتهم في مختلف التخصصات، وفي كل سنة هناك ميزانية مخصصة لشراء كتب نادرة أو نفيسة، كما أن هناك مجلات ترتبط بالاختصاص، وأسبوعيات ويوميات عامة، إضافة إلى الصحف الإقليمية، والمكتبة مفتوحة للإعارة العامة من رصيد خاص بذلك، وهناك مشروع تمت المصادقة عليه نهاية سنة ١٩٥٥ بإنشاء مكتبة مركزية للإعارة في مدينة الجزائر، وهو مشروع المطالعة العامة الذي يغطي حوالي ٣٠٠ مركز عبر القطر كله، والمكتبة تتعامل أيضا مع المكتبات البلدية ومكتبات النوادي الريفية ومكتبات المدارس ومكتبات المستشفيات، والإعارة مجانية، كما استحدثت مكتبات صغيرة في مراكز صحراوية بلغت خمسا وعشرين مكتبة (في الأغواط، والبيض، وغرداية ...).
لقد بلغ رصيد المكتبة المخصص للإعارة ٤٥٠٠٠ كتاب، وهي تحتوي على الروايات والتراجم والدراسات الأدبية والتاريخ والجغرافيا والرحلات والطب الشعبي والفنون الجميلة وكتب خاصة بالمراهقين وأخرى بالأطفال.
стр. 4762
إضافة إلى كتب باللغة العربية (١).
المكتبة الجامعية
أما المكتبة الجامعية فقد تضررت كثيرا بسبب الحريق الذي عانت منه سنة ١٩٦٢ (يونيو) على يد منظمة الجيش السري الإرهابية، وتظهر إحدى الصور المكتبة وهي تحترق والنوافذ مفتوحة والزجاج مهشم، وفي ديسمبر ١٩٦٢ قامت لجنة دولية برئاسة وزير التربية بحملة لإعادة إعمار المكتبة، وقد وصلتها ردود مشجعة، وأذكر أنني كنت عندئذ الجزائري الوحيد في جامعة مينسوتا فاسدعتني الجامعة واستلمت من رئيسها الدكتور ميريدت ويلسون رمزا لهدية الكتب التي قدمتها الجامعة لمكتبة جامعة الجزائر، وقد جرى ذلك في حفل كبير سلطت عليه أضواء باهرة.
أما المكتبة الوطنية فلكي تمنع ضياع الكتب أو تلفها قامت بتصوير المخطوطات بواسطة الميكروفيلم (الأشرطة)، بما في ذلك مكتبات المساجد والزوايا والخاصة، وتسجيل الموسيقى الوطنية في أشرطة لحمايتها من الضياع، ويلاحظ أن إحصاء الكتب والمخطوطات سنة ١٩٦٢ فيه شيء من المبالغة إذ جاء فيه أن عدد الكتب في المكتبة الوطنية بلغ خمسمائة ألف (٥٠٠ ألف) كتاب مطبوع، وأن المخطوطات بلغت ٣٥٠٠ بالعربية وحدها، وأنها المكتبة الأولى في إفريقيا (٢).
مكتبات جهوية
وقد اطلعنا على كاتلوغ الكتب التي يحتويها أرشيف ولاية التيطري (دائرة المدية) لسنة ١٩٦١ (من أكتوبر ١٩٦٠ إلى فبراير ١٩٦١)، فوجدناه يضم عددا
стр. 4763
من الكتب العامة والدوريات، وفي مقدمة الكاتلوغ تنبيه على أن الهدف من وضعه هو تسهيل المطالعة والبحث، وقد صنف حسب مادة الاختصاص فهو يبدأ بالعموميات والقواميس ثم يمر إلى الفلسفة وعلم النفس والتربية والأديان والعلوم السياسية والقانون والعدل والعلوم الاقتصادية والعلوم الاجتماعية، وفقه اللغة، واللغات، والعلوم التطبيقية والفنون الجميلة والمسرح والسينما ... هذا الكاتلوغ موجود في المكتبة الوطنية (بالحامة).
وفي كاتلوغ آخر لنفس الدائرة (المدية) قائمة بالكتب التي دخلت المكتبة من مارس إلى نوفمبر ١٩٦١، وهو يسير على نفس النسق الذي سار عليه الكاتلوغ الأول، وكذلك نفس التصنيف (١).
كما اطلعنا على كاتلوغ دائرة القبائل فوجدناه يشتمل على الكتب التي دخلت المكتبة إلى ديسمبر ١٩٦١، ولها مجموعتان: الأولى الكتب المشتراة من قبل السيد حداد قبل وصول السيد (بران) Parrain، وقد سجلت بعناية في المكتبة، والمجموعة الثانية الكتب التي وضعها السيد حداد جانبا ولم يسجلها، كما لم يسجل المجلات القديمة، وقد أكد السيد بران على وجود الكتب التي سبق أن صنفت ودخلت المكتبة وتلك التي تم شراؤها ولم تسجل، إلى حلول ١٥ يوليو ١٩٦١، فبلغت ١٢٧١ كتابا، وكانوا يعدون بطاقات خاصة بالمؤلفين وأخرى بالمواضيع.
صنفت الكتب ثلاثة أصاف: أ - المؤلفات العامة، ب - مؤلفات خاصة بشمال إفريقيا، ج - مؤلفات عن الإدارة والقانون، ووعد المصنف أن المؤلفات الجديدة ستنشر في نهاية كل سنة، وإذا كان الصنف الثاني هو الذي يهمنا هنا بالدرجة الأولى فإن ما فيه من مؤلفات عن الإسلام لا يعدو سبعة عناوين، منها (مساهمة في دراسة الطرق الصوفية، وترجمة للقرآن الكريم قام بها إدوارد
стр. 4764
مونتاي، والمرأة المسلمة، والإسلام في الغد، والحضارة العربية، والإسلام والمسلمون اليوم، وعرف وتقاليد المسلمين، وكذلك مجلة الدراسات الإسلامية ...
(المكتبات: ولاية القبائل، الوثائق الولاية، مركز التوثيق بالمكتبة الوطنية (بالحامة).
وهناك نموذج ثالث نمثل له (بعد التيطري والقبائل) بكتب تعود إلى جبهة التحرير، لقد كان للجبهة مكتبتها في مبنى الحكومة المؤقة بالقاهرة، وربما في مختلف مكاتبها الإعلامية وسفاراتها، وكانت مكتبة القاهرة تضم عددا من الكتب المهداة في أغلب الأحيان، وهي المكتبة التي عملت فيها شخصيا بعض الوقت لجردها وتصنيفها في دفتر ضخم، وبعد سفري من القاهرة وانتقال وزارة الثقافة إلى تونس لا أدري ماذا جرى لتلك المكتبة، كما كان لجيش التحرير مكتبته، وأظن أنها كانت في مقر قيادة الأركان يتونس، لأن ممثل جيش التجرير (أو ممثل قيادة الأركان) في القاهرة كان غالبا ما يشتري الكتب ويرسلها إلى تونس.
اطلعنا على المجلد الثاني من كاتلوغ الكتب المنسوبة إلى جبهة التحرير فإذا به يضم ٦٨٩ عنوانا بما في ذلك المجلات، وعنوانه: كاتلوغ كتب المكتبة المجلد ٢، الكتب من ٣٢٠ إلى ٦٨٩، أي أن المجلد الأول يحتوي على الأرقام من ١ إلى ٣١٩، ويذكر أن صفحة العنوان تحتوي على اسم جبهة التحرير الوطني، المكتب السياسي، مصلحة الدراسات والتوثيق، تاريخ ١٢/ ٣/ ١٩٦٨ وتقع الوثيقة في ١٣ صفحة، فهل هذه الكتب قديمة ترجع إلى عهد الثورة؟ يبدو ذلك، كما يبدو أنها كتب تجمعت من الهدايا أثناء الثورة لأنها كتب سياسية واقتصادية وثورية وتتعلق بتاريخ المنظمات وتراجم الرجال، ونحو ذلك، ولعل الجزء الأول (الذي لم نطلع عليه) فيه وصف لها في مقدمته، وهذا الكاتلوغ يوجد أيضا في المكتبة الوطنية (بالحامة).
стр. 4765
الخطاطة
بالنسبة للخطاطة أشرنا إلى أن عمر راسم كان مولعا بمختلف الخطوط العربية، ولا سيما الكوفي والنسخي والعثماني، وكان قد خط ذلك على لوحات أسماء الشوارع في القصبة وزخرفة الكتب وعلى لوحات خطية رغم أنها قليلة، وقد درس الخطاط الموهوب محمد شريفي في رسالته للدكتوراه اللوحات الخطية في الفن العربي ... وخاصة المغربية والجزائرية، ومن بينها لوحات عمر راسم، كما ظهر خطاطون وقت الثورة منهم محمد شريفي نفسه الذي درس الخط في مصر وبرع فيه، وكان أستاذه فيه (وأستاذنا أيضا) هو سيد إبراهيم صاحب الشهرة الواسعة والمدرسة - المتميزة في مصر والشرق في زمنه، ويعتبر محمد شريفي من الذين درسوا وطبقوا الخطوط العربية حتى أصبح اليوم أحد أبرز المحكمين والمستشارين فيها على مستوى العالم الإسلامي، وإليك بعض الأضواء على حياته في هذا المجال.
محمد سعيد شريفي
ولد محمد بن سعيد شريفي بالقرارة (بني ميزاب) بجنوب الجزائر سنة ١٩٣٥، ودخل المدرسة فحفظ فيها القرآن الكريم، ثم درس في معهد الحياة بنفس المدينة إلى أن تخرج منه حاصلا على الشهادة الثانوية سنة ١٩٥٦، ولا ندري إن كان قد درس أيضا في تونس، ولكنه التحق بالقاهرة التي حصل منها على شهادة خطاط من مدرسة تحسين الخطوط العربية بعد أن قضى فيها أربع سنوات (تخرج ١٩٦٢)، وفي هذه السنة حصل من الأستاذ سيد إبراهيم على إجازة في الخط العربي، كما حصل على بكالوريوس كلية الفنون الجميلة (قسم الحفر) بالقاهرة حيث قضى خمس سنوات، وكان موضوع تخرجه سنة ١٩٦٣ بعنوان مساجد القاهرة.
وبعد رجوعه للجزائر تولى تدريس الخط في المدرسة الوطنية للفنون
стр. 4766
الجملة، وغيرها، وواصل رسالته إلى أن حصل على عدة إجازات في الخط منها إجازة حامد الآمدي باسطنبول في رمضان من عام ١٣٨٩ (١٩٦٩ م)، وعلى شهادة في الخط والتذهيب من مدرسة تحسين الخطوط العربية بالقاهرة حيث قضى من جديد سنتين، عام ١٩٧٠، أما من جامعة الجزائر فقد تحصل سنة ١٩٧١ على دبلوم في الفن الحديث، وعلى دكتوراه الحلقة الثالثة في تاريخ الفن الإسلامي بعنوان (خطوط المصاحف عند المشارقة والمغاربة من القرن الرابع إلى العاشر الهجري)، ومن جامعة الجزائر أيضا نال دكتوراه الدولة في التاريخ الإسلامي في موضوع (اللوحات الخطية في الفن العربي بخط الثلث الجلي) سنة ١٩٩٧، وهذه الأطروحة طبعت سنة ١٩٩٨ في دشمق.
لمحمد شريفي مجموعة من المصاحف بخط يده، وبعض أجزاء من القرآن الكريم برواية ورش، وبعضها برواية حفص عن عاصم، هذه المصاحف منشورة في الجزائر وكذلك بدار الغرب، وقد اشترك شريفي في ملتقيات جرت بعدة عواصم وحواضر منها تلمسان وبغداد والرباط، وكلها ملتقيات تناولت الخطوط والآثار والزخرفة الإسلامية، وهو عضو في لجنة التحكيم للمسابقة الدولية لفن الخط، وقد علم الخط، كما قلنا، في المدرسة العليا للفنون الجميلة للجزائر منذ ١٩٦٤، وطبع كراريس بأنواع الخطوط: الثلث، الفارسي، النسخي، الرقعي، الديواني ... وله بحوث في الفنون التشكيلية وسبل تطويرها، وفي الخط العربي وأصالته وفنونه وحاضره وتاريخه.
وقد صمم شريفي عملة العشرة دنانير الجزائرية النحاسية ذات الأضلاع العشرة، وأعد الخطوط للحروف العربية واللاتينية لأوراق النقد الجزائرية، كما صمم ورسم شهادات التعليم العالي، وقد منح عدة جوائز وحظي بالتكريم في الجزائر وبغداد والشارقة، وأشرف على عدة معارض فنية وطنية في عدة بلدان عربية (١).
стр. 4767
عبد الحميد اسكندر
ولد عبد الحميد اسكندر بالجزائر العاصمة، ودرس الابتدائي في المدية. ثم درس في مدرسة الشبيبة الإسلامية بالعاصمة، ثم التحق بالزيتونة في تونس ١٩٥٥.
تعرف اسكندر على محمد الخماسي وأعجب به، وأصبح من تلاميذه وأشركه الخماسي معه في يومية الحائط ويومية الجيب اللتين كان يصممهما ويكتبهما بالخط الجميل، وفي سنة ١٩٥٩ التحق بالقاهرة حيث درس بمدرسة تحسين الخطوط العربية، ومن أساتذته فيها سيد إبراهيم ومحمد علي مكاوي والشيخ رضوان، إلخ، ونال منها الدبلوم العالي في الخط والزخرفة.
رجع بعد الاستقلال إلى الجزائر ومارس كتابة الكتب المدرسية للمرحلة الابتدائية، وتعاطى التدريس في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة، وشارك في العديد من المعارض في داخل وخارج الجزائر، وحصل على عدة جوائز وشهادات تقدير، ومنها أنه حاز على الميدالية الذهبية في مهرجان الخط العربي، ١٩٩٣، ١٩٩٥.
عمل اسكندر في رئاسة الجمهورية حيث أنجز لوحات التدشين الرسمي مثل مقام الشهيد، والمتحف المركزي للجيش، ومجمع الفنون، كما صمم عدة كتب وخططها وكذلك بعض المجلات الوطنية، وقد كرم عدة مرات، آخرها كان بمناسبة الذكرى ٥٠ للثورة مع زميله محمد بن سعيد شريفي (٢٠٠٤)، ومما يحتفظ به اسكندر رسالة من مدير مدرسته في القاهرة سنة ١٩٦٤ عند انتهاء الدراسة ومغادرة مصر إلى الجزائر، وهي رسالة من ثلاث صفحات بخط يد ناظر المدرسة المعروفة بمدرسة خليل آغا الثانوية، وقد أطلعني على هذه الرسالة التي تعبر له عن مكانه في المدرسة واستقامة سلوكه وأخلاقه، وقد تفصل اسكندر بتخطيط وتصميم بعض كتبنا منها ديوان الزمن الأخضر وكتاب
стр. 4768
محمد العيد عندما كان مخطوطا والذي تركناه أمانة لدى الشيخ محمد البشير الإبراهيمي سنة ١٩٦٠، أما محمد سعيد شريفي فقد خطط لنا عنوان كتاب هموم حضارية (١).
سعدي حكار
كان سعدي حكار من أبرز الخطاطين وقت الثورة وقبلها، ورأينا له نماذج في البصائر والمنار، وهو الذي خطط عناوين هنا الجزائر التي وصفته بالفنان، وكان حكار يقدم أحاديث فنية في الإذاعة كل خميس وله كلمة قصيرة بعنوان (نظرة في الفنون) مع صورته، وهو يقصد بالفنون: الزخرفة والتخطيط والنقش والتصوير، كما قال، وطالب بالرجوع إلى الكتب للاطلاع على معاني هذه الفنون على مدى العصور وما أحدثته في الإنسان من الحزن والفرح واليأس والألم ... وهذه المشاعر لا يعبر عنها إلا الفنان الملهم خلافا للمؤرخ والكاتب والشاعر الذين يعبرون بالقلم (٢)، وعناوين لبعض كتب حوحو، وبعض الكتب الأخرى، ويبدو أنه وضع أيضا يوميات أو تقويمات، وغير ذلك من الأنشطة الفنية.
وقد مدحه الشاعر محمد العيد آل خليفة بما هو أهل له عندما زاره حكار، فقال الشاعر مقارنا له بالخطاط الشهير ابن مقلة:
هذا فتى الخط والتصوير حكار ... هذا (ابن مقلتنا) ما فيه إنكار
أعد للخط مولانا أنا مله ... كما تعد لحلو اللحن أوتار
أنظر إطاراته تزدان فاتنة ... كأنها في اختلاف اللون أزهار
إن الجزائر أحرى أن تكرمه ... فخطه من خطوط الجيل مختار
يا زائرا قد طوى للفن مرحلة ... يرجى له شرف فيها ومقدار
стр. 4769
أقم على الرحب محفوفا بتكرمة ... وإن رحلت فهذا الشعر تذكار (١).
المتاحف
اطلعت على الكتلوغ الدولي للمتاحف الخاص بإفريقيا فوجدت فيه أكثر من ٢٥ متحفا في الجزائر، ولا شك أن عددها قد زاد بعد أن سجلت تلك الأعداد، فالجزائر كانت تحتوي على متاحف معظمها أثري، لأن لكل مدينة تراثا تريد أن تبديه وتحفظه، ولكننا لا ندري مدى تطور كل متحف خلال الثورة بالخصوص: من تولاه؟ ما مقتنياته السنوية أو الفصلية؟ ما ميزانيته؟ ما عدد زواره؟ الخ.
وفي كتاب (مدينة الجزائر ورساموها ١٨٣٠ - ١٩٦٠) الصادر سنة ٢٠٠٠ يوجد قسم عن المتاحف في مدينة الجزائر فقط، كما أن في كتاب (من دولاكروا إلى رينوار أو جزائر الرسامين) الصادر سنة ٢٠٠٤ عن المعهد العربي في باريس مقال عن المتحف الوطني للفنون الجميلة إلى حين تخريبه من قبل منظمة الجيش السري الإرهابية في نوفمبر ١٩٦١، وهو الحادث الذي أجبر إدارة المتحف - حسب الكاتب - على نقل محتويات المتحف إلى فرنسا.
وقد عرفنا أن عددا من الفنانين (الرسامين) الجزائريين كانوا أيضا نحاتين مثل عائشة حداد المولودة سنة ١٩٠٥ وحسن بن عبورة وأزواو، وقد كان بالعاصمة ساعة الاستقلال عدد من المتاحف سلمت من تدمير منظمة الجيش السري ولكنها لم تسلم من تخريب الضمائر، منها متحف ستيفان غزال الخاص بالأشياء القديمة والإسلامية، ومتحف باردو الخاص بأشياء ما قبل التاريخ وبالأنثروبولوجيا.
стр. 4770
وقد حاولنا إحصاء المتاحف التي كانت موجودة زمن الثورة في الجزائر فواجهتنا صعوبة، ويمكننا أن نقول إن منها الوطني ومنها المحلي، وهي على النحو التالي:
المتحف الوطني للفنون والتقاليد الشعبية بالقصبة (العاصمة) وهو يضم المجموعة الإثنية (الإثنوغرافية)، وهو موجود منذ ١٩٤٧، وفي سنة ١٩٦١ أصبح اسمه متحف الفنون الشعبية، وفي سنة ١٩٨٧ أصبح اسمه المتحف الوطني.
وهناك متحف وادي سوف الذي افتتح سنة ١٩٥٤، ويضم آثار منطقة سوف لما قبل التاريخ والسلالات، والحرف اليدوية والنباتات والحيوانات.
ثم متحف الآثار القديمة بتبازة ويضم مجموعة من الآثار، وقد بني سنة ١٩٥٥، وهو يحتوي على غرفتين وباحة، ويطل على ميناء المدينة.
ورغم بحثنا فإننا لم نجد معلومات مفيدة عن تطور المتاحف أثناء الثورة. وإنما وجدنا أسماءها، إما القديمة وإما المستحدثة (بعد الاستقلال)، وكلاهما لا يهمنا هنا.
المتحف الوطني للفنون الجميلة
كان مديره هو جان ألازار مدة ثلاثين سنة (١٩٣٠ - ١٩٦٠)، ويحتل المتحف موقعا جميلا يطل على حديقة التجارب في مواجهة البحر، بينما تظهر مدينة الجزائر على يسار الرائي، صدر قرار إنشائه رسميا في ٢٢ يناير ١٩٣٠، وافتتحه رئيس الجمهورية الفرنسية بنفسه (غاستون دوميرغ)، في شهر مايو ١٩٣٠ أما الجمهور فلم يفتح له إلا بعد سنة من تاريخه.
كان المتحف يضم مجموعة كبيرة من لوحات وتماثيل منحوتة وطوابع بريد وأختاما ورسومات، وهي ترجع إلى القرن الرابع عشر مع التركيز على الفن الفرنسي الحديث والمعاصر، كما ركز المتحف على الأشخاص الذين قدموا إلى
стр. 4771
شمال إفريقيا الشرقي أو من الشرق، ومن بين التماثيل مائة وخمسون برونزية حديثة، كما يضم مكتبة متخصصة فيها تسعة آلاف كتاب. وبعد استقلال الجزائر تولى ميزوسيل Maisonceul إدارة المتحف تحت عنوان (التعاون الفرنسي)، طبقا لمعاهدة إيفيان (١).
стр. 4772
الفصل الثامن
أنواع النثر
نتناول في هذا الفصل أنواع النثر من مقالة وقصة ورواية ومسرحية وخطبة وترجمة، بعض هذه الأنواع قد حظي بإنتاج طيب، ولاسيما القصة والرواية باللغة الفرنسية والمقالة باللغة العربية، وبعضها كان له إنتاج ضعيف إلى حد كبير كالخطابة، كما أننا لم نعثر على أية مقامة، وقد انتعشت المسرحية فترة ولكن باللهجة العامية في معظم الأحيان، ولعل السبب في انتشارها يرجع إلى الإذاعة والتلفزيون وظهور ممثلين وممثلات استطاعوا أن يروضوا أنفسهم بعد عقدين أو ثلاثة من التجارب على فن المسرح، وقد تناولنا المسرحيات في الفصل الخاص بالمسرح.
أما الخطابة بالعربية الفصحى فقد كانت محدودة لقلة مناسباتها وضعف جمهورها المثقف، ومع ذلك وجدنا خطباء سياسيين أيام الانتخابات المسموح بها وأيام فتح المدارس ودروس الوعظ والإرشاد، أما الخطب السياسية بالعربية أيام الثورة فلم تكن شائعة داخل الجزائر عموما ولا سيما في الأرياف حيث قادة الثورة، فالعمل السري كان ميزة من ميزات الفترة التي نتناولها، ولكن الخطابة انطلقت من عقالها حين حل عدد من قادة الجزائر في البلدان العربية، فكان
الفضيل الورثلاني والبشير الإبراهيمي وأحمد توفيق المدني قد أثروا في جماهير
سوريا ولبنان ومصر والعراق والسودان، وربما جماهير ليبيا وتونس أيضا، وكان عبد الحميد مهري يخطب ولكن في هدوء، وكان فرحات عباس يخطب ولكن
стр. 4773
بالفرنسية، وكان عيسى مسعودي مؤثرا ولكن في الإذاعة، وكان الشيخ عبد القادر الياجوري خطيبا بارعا ولكن قيده السجن، كما كان الشيخ الطيب العقبي خطيبا مفوها ولكن أقعدته التقلبات السياسية والمرض.
قبل الثورة كان الورثلاني خطيبا مؤثرا في المحافل العربية والإسلامية. ويقال إنه كان يتفوق على بعض خطباء الإخوان المسلمين الذين كان يشاركهم منهجهم وفكرهم أيضا، أما الشيخ الإبراهيمي فقد عرف بالخطابة الأدبية في الجزائر حيث جمهورها يختلف عن جمهور المشرق في المستوى الثقافي والاستجابة، ومن خطبه النادرة بعد خروجه من الجزائر تلك التي ألقاها في مؤتمر اليونسكو بباريس عام ١٩٥٢، وقد قيل إنه ارتجلها ارتجالا ولخصها للبصائر أحد الحاضرين.
وحين رحل إلى المشرق شارك الإبراهيمي خطباء جمعية الشبان المسلمين ومهرجانات الدعوة للثورة الجزائرية، ولكن ذلك الدور قام به على الكبر والمرض، فكانت قواه البدنية لا تطاوعه، وزاده الأمر سوءا سقوطه وهو في زيارة باكتسان حيث أصيب برضوض في عموده الفقري، وقد سمعته يخطب في طلبة كلية دار العلوم بالقاهرة فلم أكد أصدق أنه هو الشيخ الإبراهيمي الذي سمعت عن لسانه الذرب، وقرأت إنتاج قلمه العذب.
المصادر
هناك عدة مصادر تتحدث عن الأدب في عهد الثورة كتبت في شكل مقالات أو مؤلفات حرة في شكل تأريخ للأدب العربي في الجزائر أو في شكل رسائل أكاديمية قدمها باحثون شباب لنيل درجات علمية، ولكنها أعمال قليلة على ما نعرف، ومنها كتابات عبد الله ركيبي وأبو العيد دودو وعبد الملك مرتاض وأحمد منور ومحمد ناصر وصالح خرفي، وقد حاولنا من جهتنا أن نرصد تطور النثر في بعض البحوث التي كتبناها زمن الثورة مثل الأدب الجزائري: مؤثراته وتياراته، ورضا حوحو ونضال الكلمة، والجمعيات
стр. 4774
والنوادي في الأدب في الجزائر وغيرها، ثم ظهرت عدة ترجمات لروايات وقصص جزائرية من اللغة الفرنسية إلى العربية وبعض المسرحيات، مع دراسات عن هويتها وروحها ومصادرها التراثية وقيمتها الأدبية، وظهرت سير ومذكرات لكتاب آخرين سواء بالعربية أو الفرنسية، مثل حياة الشخ عبد الحميد بن باديس وآثار الشيخ الإبراهيمي ومذكرات مالك بن نبي ومذكرات محيي الدين باش تارزي التي لم تترجم حتى الآن.
وهكذا فإن مصادر النثر الأدبي تكاد تنحصر في جريدة المنار (التي توقفت عن الصدور عشية الثورة) وجريدة البصائر و (النجاح) و (المغرب العربي) التي توقفت ثلاثتها سنة ١٩٥٦، وجرائد أخرى مثل (المقاومة الجزائرية) و (المجاهد) اللتين ظهرتا غداة توقف الصحف المذكورة، وقد حاول مسعود مجاهد أن يصدر جريدة باسم (الجزائر العربية) لدعم الثورة والفكر القومي العربي، ولكن محاولته لم تنجح، حسب علمنا.
ويجب أن نذكر في هذا المجال أيضا مجلة (هنا الجزائر) التي كانت تصدرها الإذاعة الفرنسية بالجزائر، فقد كانت تستكتب عددا من الكتاب والشعراء باللغتين، وكان بعض الكتاب لا يكتفون بالكتابة في الصحف المحلية ولا ينشرون كتبهم في الجزائر بل يراسلون بإنتاجهم صحفا تونسية ومشرقية، ومن جهتنا سنتناول الكتب في فصل خاص بالمؤلفات والدراسات، أما دار الوثائق أو الأرشيف فلا تمدنا إلا بالتقارير والمراسلات الرسمية، وهي عادة جافة مكتوبة بأسلوب إداري مقتضب وبلغة فرنسية في أغلبها، ومن ثمة فهي غير داخلة في موضعنا على كل حال (١).
لم يصدر من كتب الأدب والدراسات الأدبية والدواوين إلا القليل خلال
стр. 4775
الثورة، وأغلب ما صدر عندئذ كان في نطاق القصة والرواية والمسرحية، وسنكتفي هنا بذكر بعض العناوين فقط، ونريد أن نوضح أولا أننا لن نعيد هنا ذكر القصص والروايات والدواوين التي وردت مع أصحابها في الفصول المعنية سواء كتبها أصحابها بالعربية مثل كتب الطاهر وطار وعبد الحميد بن هدوقة ... أو كتبوها بالفرنسية مثل مؤلفات محمد ديب وكاتب ياسين ومولود معمري ..
ونذكر في مجال الدراسات الأدبية النقدية كتاب (محمد العيد آل خليفة رائد الشعر الجزائري الحديث) لأبي القاسم سعد الله الذي صدر سنة ١٩٦١، وقد نشر نفس الكاتب مجموعة من البحوث حول الشعر والنقد والقصة في مجلة الآداب اللبنانية وغيرها بين ١٩٥٦ و ١٩٦٠ ثم جمعها ونشرها بعد الاستقلال تحت عنوان (دراسات في الأدب الجزائري الحديث)، ونشر عبد الله ركيبي كتابه (دراسات في الشعر الجزائري العربي الحديث) سنة ١٩٦١ تناول فيه تطور الشعر منذ الحرب العالمية الأولى، وناقش شعر مفدي زكرياء وصالح خرفي في التجربة النووية الفرنسية، وقارن بين قصيدتي (نداء الضمير) لصالح خرفي و (ثائر وحب) لأبي القاسم سعد الله.
وفي ميدان النشر أيضا صدرت للشيخ الإبراهيمي بعض المقالات التي تحمل طابع قلمه المتميز، ولكن طابع النثر الإعلامي والسياسي أخذ يطغى على أسلوب الإبراهيمي بتقدم الثورة ومطالبها في التبليغ السريع والمباشر، وهذه الكتابات هي التي ضمها الجزء الخامس من آثاره، كما كتب الشيخ أحمد توفيق المدني مقالات إنشائية ساخنة عن مواضيع سياسية في عهد الثورة في شكل افتتاحيات للبصائر قبل احتجابها، وكذلك أمد الشيخ حمزة بوكوشة البصائر بتعاليقه عن بعض الكتب الصادرة حديثا بأسلوبه الأدبي الخفيف، وإذا توسعنا في هذا الباب فإننا سنجد كتابات أحمد بن ذياب وأحمد رضا حوحو ومولود الطياب النقدية تغذي هذا التيار الجديد الذي أخذ يكتسح الساحة أثناء الثورة، وقد تعرضنا إلى هذا الإنتاج في محله من أنواع النشر.
стр. 4776
وقبل اغتياله زود أحمد رضا حوحو المكتبة بمجموعة قصصية سماها (نماذج بشرية) أصدرها له كتاب البعث في تونس سنة ١٩٥٥ ونالت حظا كبيرا من الرضى، ولكنها قصص لا تتناول مواضيع ثورية بل اجتماعية وأدبية شأن قصص حوحو الأخرى، رغم أنها قصص واقعية، وسنذكرها في مكانها، وقد سبق الحديث عن إنتاج كتاب القصة والرواية بالفرنسية أمثال محمد ديب وكاتب ياسين ومالك حداد وآسيا جبار (١).
المقالة
دعنا نبدأ بالمقالة التي هي الفن الأدبي المميز للحركة الأدبية في الجزائر. ربما أكثر من الشعر، فالمقالة من أقدم أنواع الفنون الأدبية عندنا، ويهمنا منها بالدرجة الأولى المقالة خلال الثورة، أين ظهرت، ومن فرسانها؟ نعتقد أن أبرز من تخصص في المقالة الأدبية هو الشيخ البشير الإبراهيمي وأن أبرز من تفنن في المقالة السياسية هو أحمد توفيق المدني، وأن أشهر من كتب المقالة الدينية هو الشيخ أحمد سحنون، وأن أحسن من عبر بالمقالة الاجتماعية هو الشيخ باعزيز بن عمر، ويأتي مجليا بعد هؤلاء في المقالة الأدبية حمزة بوكوشة وأحمد رضا حوحو والحفناوي هالي، أما المقالة التاريخية فكتابها متعددون منهم محمد علي دبوز وعبد الوهاب بن منصور، وهؤلاء جميعا ميدانهم غالبا هو جريدة البصائر، وخلال الثورة ظهر جيل جديد مارسوا أدب المقالة بالعربية في المشرق ونشروا إنتاجهم في مجلاته، منهم عثمان سعدي وأبو القاسم سعد الله وعبد الله ركيبي والجنيدي خليفة، أما في تونس فقد كتب المقالة بالعربية عبد الله شريط ومحمد الميلي.
لم تحتكر البصائر ميدان المقالة، فقد ظهر على صفحات هنا الجزائر كتاب مقالة جيدين في الأدب والتاريخ والاجتماع والدين، ومن فرسان هذا
стр. 4777
الميدان أحمد بن ذياب وعبد القادر نور الدين وأحمد الأكحل والسعيد بوزار، ومولود الطياب.
اشتمل الجزء الخامس من آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي على إنتاجه خلال الثورة وما قبلها بقليل، ويهمنا من هذا الإنتاج ما كان خلال الثورة: مقالات ونداءات ورسائل ومحاضرات وأحاديث إذاعية، وقد تناول الشيخ في إنتاجه موضوعات تتعلق بالثورة كدعوة الشعب الجزائري للانضمام إليها ودعمها وخوض الحرب ضد فرنسا، ومخاطبة العرب والمسلمين في المشرق والحكومات العربية والإسلامية لمساندة الثورة، كما تناول الإبراهيمي في جولاته في الشرق للتعريف بالقضية الجزائرية، ومحاضراته عن تاريخ الجزائر، بعض هذه المقالات من النشر المرسل السهل الذي لا تكلف فيه، وبعضه فيه اهتمام باللفظ والبديع والتراكيب اللغوية التراثية، وكان الإبراهيمي قد تجاوز الستين عندما كتب محتوى الجزء الخامس فثقلت عليه المجاملات والرسميات في مجتمع تقليدي يخضع فيه كل شيء للمراسيم وتكاثرت عليه الضغوط السياسية فكانت بعض معاني الإبراهيمي في هذه المرحلة تكرارا لما كتبه في السابق، سيما فيما يتعلق بفرنسا واستعمارها للجزائر ومعاملتها السيئة للأهالي وحرمانها لهم من الحق في الحياة والحرية، ومن الطبيعي أن نشير إلى أن أسلوب الإبراهيمي أسلوب خطابي وأدبي يهز ضمير القارى والسامع بألفاط مشحونة بمعاني النخوة والكرامة باسم الإسلام والعروبة.
اهتمت (البصائر) بأنواع المقالة: فنحن نجد فيها الافتتاحيات ذات الموضوعات المختلفة، حسب حوادث الأسبوع، وأغلبها موضوعات اجتماعية أو سياسية أو تربوية، وغالبا ما يتولى كتابة المقالة الافتتاحية الشيخ الإبراهيمي نفسه، وأمام تأزم الوضع في الجزائر وغياب الشيخ الإبراهيمي في المشرق أصبح توفيق المدني هو الذي يكتب الافتتاحيات مشحونة بالعاطفة حول الأوضاع العامة بعناوين مزلزلة كهذه: الجزائر على كف عفريت، يريدون كل شيء فسيخسرون كل شيء، فأخذتهم الصيحة ... كما فتح الشيخ المدني بابا
стр. 4778
للمقالة السياسية في باب (منبر السياسة العالمية) تحت اسم (أتم)، وقد أضاف المدني بابا جديدا للمقالة العلمية هو (العلوم والاختراع) كان يتحدث فيه عما وصل إليه العلم من تقدم، وغالبا ما يكون هذا الباب ترجمات من الأخبار العلمية التي يراعى فيها الفائدة العامة، مسايرة للعصر وربطا للقارى بالتحولات التي تجري في العالم.
وفي البصائر أيضا كلمات ساخنة في التعزية في مقتل الشهيد الدكتور ابن زرجب بناحية تلمسان، فقد كتبت (والغالب أن الكاتب هو أحمد توفيق المدني) معبرة عن الحزن الذي أصاب (الأمة التلمسانية) والشعب الجزائري من نبأ اغتيال الرجل الكامل العامل الشهيد المبرور .... فخرجت تلمسان كاملة لوداعه بمظاهرات صاخبة، ونقلت عن (لوموند) أن اغتيال ابن زرجب جرى عن بعد سبعة ك م من سبدو وأن الشرطة اكتشفت أن الدكتور كان يداوي جرحى الثوار ويمدهم بالأدوية والضمادات (١).
وفي كل عدد تقريبا كان الشيخ أحمد سحنون يخرج بمقالة وعظية تناغي القلوب ويربط فيها بين واقع المجتمع والتاريخ الإسلامي ويتحدث فيها عن شخصيات من الرجال والنساء الذين لهم دور في مسيرة التاريخ بأسلوب هادى يخاطب الأعماق الروحية في الإنسان، وكان لصفحته عنوان هو: (منبر الوعظ والإرشاد).
كما كان باعزيز بن عمر يطل على القارى أسبوعيا بمقالة اجتماعية يتناول فيها حدثا أو تشريعا أو ظاهرة مما يجري في المجتمع الجزائري بالقياس إلى ما يجري في المجتمعين الفرنسي والعالمي، والشيخ باعزيز كان يكتب بأسلوب بسيط ومباشر ولكن بروح تعكس الاتجاه الإصلاحي كما تجسده جمعية العلماء، أما عنوان الباب الذي يكتب تحته فهو (في مجتمعنا الجديد).
أما بقية الجريدة فهي خليط من المساهمات فيها المقالة الأدبية، والمقالة
стр. 4779
النقدية، والمقالة التاريخية، وما يمكن أن نسميه المقالة الفكاهية، وهناك عدد من الكتاب غير الدائمين كانوا يقدمون مساهماتهم وتجاربهم حول التعليم والثقافة والمدن والتاريخ والشخصيات، منهم (بالإضافة إلى من ذكرنا) محمد منيع، وعبد المجيد الشافعي ورابح بونار، كما ساهم فيها من المشرق بطريقة غير منتظمة عبد المنعم الجبالي، وسيد قطب، ومحيي الدين القليبي، وعمر بهاء الأمير ... وكذلك بعض علماء المغرب، وعندما تقدمت الثورة أضافت البصائر بابا أخذ يكبر ويتضخم حتى استولى على صفحتين منها على الأقل، وهو باب (يوميات الأزمة الجزائرية) الذي كانت تستعرض وتترجم فيه أحداث الأسبوع العسكرية والسياسية بتواريخها المحددة، ولكن ليس في هذا البابا مجال للمقالة لأنه عبارة عن شريط للأخبار المترجمة من وكالات الأنباء والصحف.
في هذه الأثناء كانت مجلة (هنا الجزائر) تهتم بأدب المقالة أيضا ولكن بأسلوب مختلف عن أسلوب أدب المقالة في البصائر والمنار، ويمكن تصنيف مقالات (هنا الجزائر) على النحو التالي:
المقالة التاريخية وقد برز فيها عبد القادر نور الدين سواء في تراجمه الشخصية أو في الأحداث العامة كحديثه عن المستعرب إدمون فانيون (مع صورته) الذي نشر فهرسة مخطوطات الجزائر واهتم بالتراث المكتوب ونشر منه عدة نصوص، كما اهتم نور الدين بحياة ابن أبي أصيبعة مؤرخ الأطباء المسلمين، وحياة الشيخ أبي القاسم القالمي كاتب الموحدين، وأبي الصلت الأندلسي، وأحمد بن البنا الرياضي المغربي، وابن رشد الفيلسوف شارح أرسطو، وأحمد المقري مؤرخ الأندلس ورجالها، وابن خلدون خلال إقامته في تونس، كما ترجم نور الدين للأديب المغربي محمد بن أكنسوس، وله مقالات مترجمة تتعلق بمستشرقين فرنسيين، كما تناول مسائل هامة منها: لغز أبي الهول في الأدب العربي، ونظرة تاريخية في دولة بني حماد، ويمين أبقراط عند الأطباء العرب، وقصيدة الفجيجي في الصيد، وقصة الجازية الهلالية ... وكل هذه المقالات كتبت بين ١٩٥٤ - ١٩٥٨.
стр. 4780
المقالة الأدبية: في نطاق المقالة الأدبية النقدية نجد مولود الطياب يعرف ويعلق على عدد من الكتب والكتاب أمثال إدريس الشرايبي الأديب المغربي، مع نبذة من حياته في المغرب وفي فرنسا حيث ألف بالفرنسية روايته (الأكباش) أو التيوس، ثم أدباء وكتاب من إفريقيا السوداء، ومهنة الكاتب، ومعرض فني لعهود ما قبل التاريخ في الطاسيلي، ولمولود الطياب مقالات في التعريف بمقاصد القرآن لمحمد الصالح الصديق، ومع حمار الحكيم وصاحبة الوحي لأحمد رضا حوحو، وكتاب منابع الحضارة العالمية لعبد الرحمن بن الحفاف، فكان بابا غنيا يسلط الضوء على الإنتاج الذي تخرجه المطابع سواء كان صادرا في الجزائر أو في غيرها.
ويبدو أن فرنسا كانت تتبادل مجلة هنا الجزائر مع مثيلاتها في المشرق العربي عن طريق سفاراتها، وقد وجدنا أصداء ذلك في المجلة نفسها حيث اتهمت بعض المجلات العربية بالأخذ عنها أو الاقتباس منها بدون استشارتها مما اعتبر اعتداء أو سطوا.
أما أحمد بن ذياب فقد جمع بين المقالة الأدبية والتاريخية، وكان أميل إلى تاريخ الأدب منه إلى التاريخ، فمن مقالاته في (هنا الجزائر): حفصة بنت عمر بن الخطاب، وهي مقالة جعلها في (باب الأدب العربي)، وكذلك أم سلمة (أم المؤمتين)، ورابعة العدوية، وكلها، كما نلاحظ، شخصيات نسائية من التراث العربي الإسلامي، وله أيضا مقالات أدبية محض مثل معرض الشعراء في الربيع حين ساق وحلل نماذج شعرية لعدد منهم، مقدما كل نص بعباراته الخاصة، وله مقالة في الحب والبهجة والجمال في شعر أبي ماضي، ثم المرأة والحجاب في القرآن الكريم، والربيع في الشعر الجزائري (١).
стр. 4781
وله مقالة أخرى ربما تدخل في باب الدعاية في ذلك الوقت وهي أثر الأدب الفرنسي في بعث الأدب العربي الحديث (في حلقتين) تحدث فيها عن بعض أدباء المشرق وتأثرهم بالأدب الفرنسي ومدارسه المختلفة، وهي تشترك في أكثر من منحي مع مقالة لسعد الدين بن شنب عن أثر الثقافة الفرنسية على الأدب العربي الحديث (أنظرها في مكانها)، ومن المواضيع الطريفة التي تناولها أحمد بن ذياب: الأعياد ومطالع الأعوام في الثقافة العربية، ومن الملاحظ أنه كان يجمع بين الكتابة في هنا الجزائر وفي البصائر، وهو ما لم يكن يفعله أغلب زملائه في المجلة، وقد اختلف مع كتاب البصائر الذين كانوا يقاطعون هنا الجزائر لصلتها بالإدارة الفرنسية وسياستها المعادية للدين الإسلامي والهوية الوطنية، ولكن ابن ذياب شذ عن زملائه وقاطع فيما يبدو البصائر أو قاطعته، وربما كانت الأسباب المادية هي التي ألجأته، كما ألجأت غيره، إلى التعامل مع هنا الجزائر.
وتميز كتاب آخرون بإنتاج هام في أدب المقالة ولكنهم كانوا مقلين قياسا بزملائهم السابقين، كما أن بعضهم كان يجمع بين النثر والشعر، ومن هؤلاء الطاهر بوشوشي الذي اهتم بأدب الترجمة، كما سنرى، كما أنه كتب مقالات بالعربية كافتتاحيات للمجلة أو التأبين أو الوصف، وكان الشيخ عبد الرحمن الجيلالي يساهم في هنا الجزائر بمقالات قصيرة وتعاليق مطولة، مثل كتابته عن أبي حامد الغزالي، وعن الحج عند العرب في الجاهلية، وعما يسميه قضايا وتحقيقات أدبية.
وساهم أحمد الأكحل بمقالة عن الشاعر ابن علي الجزائري (شاعر العهد العثماني - القرن ١٨)، وعن مؤرخ الحضارة عبد الرحمن بن الحفاف، ومن جهته كتب جلول البدوي عن ديوان أحمد الخلوف (شاعر العهد الحفصي)، وسليمان عناني عن الجغرافيا في القرن الثالث الهجري، أما السعيد بوزار فقد تخصص في المقالة الدينية كالكتابة عن الزوايا في القبائل، وفي القصص
стр. 4782
الإسلامية، وفي علم القراءات، ولم نعثر لسعد الدين بن أبي شنب في مجلة هنا الجزائر سوى على مقالة واحدة تتعلق باللغة العربية والأدب العربي في الجزائر، وهي المقالة التي نشرتها له أيضا مجلة (الأديب) اللبنانية والتي تحدث فيها عن الأدب العربي الجزائري ورجاله، شعراء وكتابا وحتى مؤرخين، لأنه استعمل كلمة (الأدب) في معناها الواسع.
وإذا كان كتاب المقالة في هنا الجزائر هادئين مهتمين بالتاريخ وبتاريخ الأدب وبالشخصيات المبدعة التراثية أو المعاصرة فإن كتاب المقالة في المنار والبصائر كانوا كما لاحظنا، متوترين مهتمين بالأدب السياسي والمقالة الدينية الإصلاحية والمقالة السياسية الصريحة أو المباشرة، فهم نقاد لأوضاع كانوا يرونها غير طبيعية، وهم يطمحوف إلى التغيير غير قابلين بالوضع القائم إلا على مضض، فكانت مقالات محمود بوزوزو ومحمد محفوظي مثلا في المنار ناقدة حادة العبارة وشاملة للوضع بالجزائر والمغرب العربي والمشرق العربي، بما في ذلك التطور السياسي والأحداث التي تكون الدول الكبرى هي أطرافها اللاعبة وتكون الزعامات على نطاق هذه الرقعة الجغرافية الممتدة، كما كانت الجريدة تستقطب كتابا آخرين وقضايا أخرى ذات بعد عربي إسلامي أو وحدوي مغاربي، ومن ذلك المقالات المتعلقة باستفتاء الوحدة الوطنية.
أما الجرائد الأخرى (غير البصائر والمنار) فلم يطل عمرها حتى تقدم نماذج نستدل بها على اتجاه معين لكتابها، باستثناء جريدة النجاح التي لم نطلع عليها لنصدر حكما على نوعية مقالاتها وتصنيفها، وقد رأينا أعدادا من جريدة المغرب العربي فكانت مقالاتها سياسية على الأغلب.
ومن الممكن تلخيص أنواع المقالة في هذه الفترة على النحو التالي:
المقالة السياسية، المقالة العلمية، المقالة الأدبية - القومية، المقالة الأدبية الفنية، المقالة الاجتماعية، المقالة التاريخية، المقالة الوصفية أو أدب الرحلة، المقالة الدينية - الإصلاحية، المقالة التحليلية النقدية.
стр. 4783
ومن المقالات الأدبية الوصفية ما كتبه حمزة بوكوشة عن الحفل التكريمي الذي أقيم للشيخ أحمد توفيق المدني بمناسبة مرور ثلاثين سنة على نفيه من تونس إلى الجزائر، كان ذلك في العدد ٣٣١ من البصائر، فقد وصف الحفل باختصار وبدقة وتحدث عن المكان والزمان والمشاركين من شعراء وخطباء ولم يغفل الجو المرح الذي ساد الحفل رغم أن الجزائر كانت تعيش في طرف استثنائي (يونيو، ١٩٥٥) كما كتب بوكوشة نفسه مقالة أدبية نقدية حول تاريخ وظروف نشيد (من جبالنا) في العدد ٣٥٨ من البصائر.
وفي هذا النطاق نشرت البصائر (عدد ٣٥٣) مقالة أدبية لأبي القاسم خمار من دمشق، أيد فيها عمار النجار الذي أثار مسألة حساسة عندما كتب عن (أرستقراطية الكتب) في البصائر عدد ١٢ يناير ١٩٥٦، وكلتا المقالتين من النوع الأدبي النقدي.
وكان الحفناوي هالي يغذي البصائر بمقالاته الأدبية والنقدية الاجتماعية. من ذلك مقالته (فجر الحياة أو الشابي الصغير) وهي عن ديوان الشاعر التونسي منور صمادح، وقد نشرها على أكثر من حلقة، (البصائر، ٣١١)، كما كتب الشيخ هالي عددا من المقالات القصيرة والمرصعة أحيانا بالشعر مثل (أحب عيشة الحرية)، وهو يلجأ في ذلك إلى الأسلوب الفكاهي الرمزي (١).
ومن أدب المقالة السياحية ما كتبه الشيخ محمد الغسيري بعنوان (عدت من الشرق)، ابتداء من العدد ٢٥٠ من جريدة البصائر، وهي سلسلة مقالات
стр. 4784
أحسن فيها وصف المشاهدات وعبر فيها عن مشاعره الدينية والتاريخية والسياسية في المشرق، وآخر عدد غطى فيه الرحلة هو ٢٧٦ (١)، وسنعود إليها في باب الرحلات.
مسألة الفصحى والعامية والفرنسية
في افتتاحية من (هنا الجزائر) طرح الكاتب موضوع الفصحى والعامية وملاءمة اللغة للعصر وحاجات الناس، قال الكاتب المجهول الذي قد يكون هو رئيس التحرير نفسه (الطاهر بوشوشي)، إن موضوع اللغة قد أثير في الإذاعة عندئذ وهي العربية والقبائلية والفرنسية، مضيفا أن اللغة الأولى يفهمها أهل القطر الجزائري كله، وتستعمل الدارجة (العامية) ليسرها وفائدتها، بينما القبائلية المنطوقة فقط تستعمل بمنطقة القبائل الكبرى والصغرى، أما اللغة الفرنسية فهي موجهة إلى الأوربيين والأهالي الذين يفهمونها.
ودافع الكاتب على العامية لأنها مستعملة في مختلف البرامج الإذاعية. أما الفصحى فهي لغة (السبح في الأجواء الرفيعة) حب تعبيره، وهي ذات ثروة فنية، وهي أم اللغات، ولغة القرآن، ولغة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ولكل من اللغتين (الفصحى والعامية) أنصار، فماذا اختارت الإذاعة الجزائرية الفرنسية؟ لقد اختارت حلا وسطا أملته التجربة والحكمة في نظر الكاتب، فهي تخاطب أهل الاختصاص بالفصحى (وذكر البرامج التي تستعمل فيها وهي العلم، والفن، والأدب، والأخبار) بينما العامية لها أيضا برامجها (وهي الأحاديث الطبية والأخبار المحلية والزراعة ...)، والأسلوب الذي كتبت به المقالة سهل مرسل ليس فيه تزويق ولا تكلف (٢).
في المقالة التي كتبها بوشوشي عن افتتاح مدرسة بن عكنون سنة ١٩٥٤
стр. 4785
نجد أسلوبا جيدا ووصفا حيا، ونعني بذلك تدشين المدرسة المزدوجة التي خلفت الثعالبية التي خصصت للبنات المسلمات بينما خصصت المدرسة الجديدة للفتيات (عمارة رشيد حاليا) وقد افتتحت بحوالي أربعمائة طالب، وبناء على بوشوشي فقد افتتح المدرسة الوالي العام (روجي ليونار) بحضور المدير الجديد وهو أحمد بن زكري وحضور عبد الرحمن فارس رئيس المجلس الجزائري (البرلمان المحلي) والمفتي محمد بابا عمر، وهي مدرسة تجمع بين الذوق الشرقي والعصري (الأوروبي).
وقد تداول الخطباء بالفرنسية على المنصة فأشادوا بحضارة الشرق الإسلامية وحضارة الغرب الفرنسية - المسيحية والتقائهما في طراز وأداء رسالة هذه المدرسة، ومن الخطباء المترجم والباحث محمد الحاج صادق، فقد نوه بالثقافة المزدوجة العربية - الفرنسية لأنها في نظره وسيلة لمسايرة ركب الحضارة في العصر الحديث، قائلا إن المسلمين مع ذلك يتمسكون أيضا بحضارتهم الإسلامية ويعتزون بها لأنها إحدى مقومات حياتهم الفكرية والروحية، كما خطب الشيخ أحمد بن زكري وعميد الأكاديمية السيد (قو Gau) الذي ذكر المسلمين بإصلاح التعليم الإسلامي الذي انطلق سنة ١٩٥٠، وهو الإصلاح الذي جمع بين الدروس العربية والمواد العصرية في برنامج الثانويات الفرنسية، ونادى عبد الرحمن فارس بضرورة تعلم البنات المسلمات والجمع بين الثقافتين، ولم يفت الوالي العام الإشادة بكتابات طه حسين ومصطفى عبد الرازق اللذين تخرجا من فرنسا وأثار كل منهما ضجة في مصر في موضوع معين الأول حول الشعر الجاهلي ومستقبل الثقافة في مصر، والثاني حول أصول الحكم ومسألة الخلافة والسلطة في الإسلام (١).
ومن الطبيعي أن تهتم جريدة (المجاهد) بالمقالة السياسية التحليلية والافتتاحيات التي تعالج وضع الثورة واتجاهاتها وبعض مواقف الأشقاء
стр. 4786
والأصدقاء، أما المقالات الأدبية فهي قليلة فيها، من ذلك مقالة لابن تومرت (مفدي زكرياء؟) الذي اعتادت الجريدة أن تنشر له قصائده الثورية، والمقالة أرسلها، كما جاء في الجريدة، من سجن سركاجي (بربروس) وهي عن السجن نفسه ومن فيه من السجناء والحكم عليهم بالإعدام وردود الفعل الشجاعة من هؤلاء، وعلى تنفيذ الإعدام الساعة الثالثة صباحا وتهليل وتكبير السجناء الآخرين الذين يشاركون زملاءهم حتى بالزغاريد وهم يقادون إلى المقصلة، وجوابهم عندما يطلب منهم الجلادون التعلق بأي شيء في آخر لحظة، فكانوا يكبرون الله ويهتفوف بحياة الجزائر ثم ينشد الجمع نشيد: اعصفي يا رياح! وعنوان مقالة ابن تمورت (كيف نتحدى الموت أمام المقصلة).
ولا شك أن هذه شهادة حية على ما حدث على أيدي الجلادين لعدد من السجناء الشهداء، وقد تخلل المقالة (نشيد الشهيد) الذي يختم بقفلة: - لا نمل الكفاح، لا نمل الجهاد، في سبيل الله -، وهي مقالة أدبية حماسية وطويلة تعبر عن الظروف الحاسمة للثورة وعن تجربة حية، لأن صاحبها يذكر تفاصيل ما كان يحدث وما عاشه فعلا، بما في ذلك ذكر أسماء الحراس وأرقام بعض الزنزانات (١).
بعض كتاب المقالة
وهناك جيل من الكتاب وجدوا في الصحف والدوريات التونسية مجالا واسعا للكتابة عن المقاومة والثورة، بعض مقالاتهم كانت إنشائية أدبية، وبعضها تتناول شخصية أو حادثة ... وكان أصحاب المقالات يربطون بين كفاح الجزائر وكفاح المغرب العربي وكفاح فلسطين والأمة العربية، وقد يلتفتون إلى الموضوعات التاريخية والنقدية والتعريفية.
والصحف والدوريات التونسية المقصودة هي: الصباح، والعمل والفكر
стр. 4787
والندوة واللغات، ولكن معظم المقالات ظهرت في الجريدة الأولى، فقد نشر فيها أحمد بوروح خواطر حول الثورة، والذكرى الرابعة للثورة، وحول صور من البطولة، وأسبوع الجزائر بليبيا، وكلها بين ١٩٥٨ - ١٩٥٩، ونشر الجنيدي خليفة سلسلة من المقالات بعنوان (معركة اللائحة) في أربعين حلقة، وهي من المشاكسات الأدبية والفكرية القليلة في ذلك الوقت، ويبدو أنه اتخذ فيها موقفا ممن سماهم (الرجعيين)، كان ذلك سنة ١٩٥٨، وقد ظهرت آثار هذه المعركة أيضا في كتاب الجنيدي (من وحي الثورة الجزائرية) الذي جمع مادته ونشره سنة ١٩٦٣، (سنعود إليه في فصل آخر)، ونشر عبد الله الركيبي ست مقالات على الأقل في نفس الجريدة حول تأخر الفكر في المغرب العربي، سنة ١٩٥٨، ومن مقالات أبو العيد دودو في الدوريات التونسية تناوله لكتابنا محمد العيد آل خليفة رائد الشعر الجزائري الحديث، وكتاب الجنيدي خليفة من وحي الثورة الجزائرية.
ويبدو أن الثورة حركت هذا الجيل نحو التقدم والتطلع إلى العلم بدل اجترار الماضي، فساهم عبد الرحمن شيبان بعدد من المقالات في الصباح أيضا، سنة ١٩٥٧، عالج فيها قضايا متعددة في الأدب والبطولة، ومنها الجانب الأدبي عند الأمير عبد القادر، والتنويه بصديقه الشهيد أحمد رضا حوحو، وكانت مساهمة محمد الصالح الصديق كزملائه بمقالات أدبية تحليلية فيها صور قصصية ثورية، كتبها أيضا سنة ١٩٥٧، وشاركهم يحيى بوعزيز في الجريدة نفسها بمقالات تدور حول الثورة وأعمالها وظروفها السياسية، وكان بوعزيز ميالا بطبعه إلى التاريخ فصبغ مقالاته بلونه، ونشر ذلك في الصباح والفكر بين ١٩٥٧ - ١٩٥٨.
الشيخ الإبراهيمي
في اختيارنا لنماذج من كتاب أدب المقالة كان يمكن أن نختار أي كاتب له في هذا المجال براعة وشهرة، ولعل الذهن يتصرف تلقائيا إلى الشيخ
стр. 4788
الإبراهيمي الذي عرف بالنثر لا بالشعر وبالأسلوب المتميز في أدب المقالة، كما أشرنا، وقد تناول أسلوبه الفني عدد من النقاد، منهم عبد المالك مرتاض، كما تناولناه في كتابنا التاريخ الثقافي وغيره، ولا نريد أن نزيد على ذلك هنا إلا بشأن ما قرأناه له أثناء الثورة، كالنداءات والخطب والرسائل والمداخلات والمحاضرات ... وكلها تقريبا أنواع حديثة من أنواع النثر، وهي متوفرة في كتابه (١).
ويبدو لنا أن أسلوب الشيخ قد تغير نوعا ما في المرحلة الأخيرة من عمره، فقد تقدمت به السن وتغيرت عليه الظروف فلم يعد يكتب في الجو الهادى الذي كان يكتب فيه وهو في الجزائر، لأن الثورة فرضت نوعا من الآنية والاستجابة السريعة للضغوط، وهو لم يعد يخاطب جمهور الجزائر المحدود ثقافة وسياسة لأن جمهوره الآن هو جمهور الشرق على اتساعه بنخبه وطلابه وطوائفه ومسؤوليه، أما الموضوع فهو باستمرار الجزائر الثائرة حتى ولو عالج موضوعا دينيا مثل غزوة من الغزوات أو الهجرة النبوية أو صيام رمضان.
أحمد رضا حوحو
ومن كتاب المقالة والقصة أحمد رضا حوحو، ونحن لا نترجم له هنا ولكننا نذكر الموضوعات التي عالج فيها المقالة الأدبية - الاجتماعية، وقد أصبحت مصادر الحديث عن حوحو متوفرة إلى حد كبير اليوم، فقد ظهرت سيرته في كتاب البعث (الشهيد أحمد رضا حوحو) (٢).
وقد تناولته في مقالتي (في ظلال النقد) وفي محاضرتي (حوحو ونضال الكلمة)، وكتب عنه صالح خرفي (حوحو في الحجاز)، وأحمد دوغان (شخصيات ..) ولكن الباحث الذي تخصص فيه ودرسه دراسة علمية وأدبية
стр. 4789
وفهم أغوار حياته وألف فيه كتبا وبحوثا هو أحمد منور الذي نقب عن آثاره حتى كشف عنها واكتشف منها الكثير، وآخرها (مسرح الفرجة والنضال في الجزائر، دراسة في أعمال أحمد رضا حوحو)، وهي الدراسة التي قامت على رسالته الجامعية حوله، وقد علمنا أخيرا أن هناك باحثا في معهد التاريخ أنجز عن حوحو رسالة ماجستير لم تناقش بعد، وتوجد صورة لحوحو في البصائر، وفي كتابه نماذج بشرية (كتاب البعث، ٣، ١٩٥٥) وغيرهما، وقد رسم له الفنان السعدي حكار رسما ظل يظهر به في بعض الصحف والآثار.
لحوحو مقالات عديدة منها سلسلة (في الميزان) التي نشرها في البصائر و (خواطر حائر) التي رأيت منها الحلقة الثالثة في البصائر أيضا، ومقالاته في الرد على منتقديه، وكان وهو في الحجاز قد ترجم لمجلة (المنهل) السعودية أعمالا فرنسية عديدة أشار أحمد منور إلى بعضها فكانت أحد عشر عملا بين مقالة وقصة ومسرحية ودراسة، ويعتبر حوحو من رواد القصة القصيرة والمسرحية ومن هواة الموسيقى أيضا.
وقبل استشهاده برصاص العدو في ٢٩ مارس ١٩٥٦ نشر في البصائر (٣ فبراير ١٩٥٦) مقالة هي عبارة عن مشروع ثقافي كان ينوي القيام به بواسطة نشر سلسلة من الكتب يحمل كل كتاب منها ترجمة ونماذج لمجموعة من الكتاب والأدباء، وقد قال إن في الجزائر ثقافة وأدبا، وشيوخا وشبانا، لهم مواهب وأفكار وإنتاج، ولكنهم مغمورون وإنتاجهم مغمور، لا يعرفها الشعب ولا ينتفع بها، ثم إن وسائل النشر تكاد تكون معدومة في بلادهم، وأمام هذا الوضع كان حوحو مستعدا أن يغامر بفتح المشروع، وقد طلب من الأدباء والكتاب أن يراسلوه بترجماتهم وصورهم وإنتاجهم ونصائحهم، آملا أن يؤدي ذلك إلى التفكير في وسائل الطبع والنشر أيضا، واضعا أمامهم عنوانه الشخصي للمراسلة (١).
стр. 4790
إن البيئة الطبيعية والبشرية التي ولد وتريى فيها حوحو (سيدي عقبة / بسكرة) والبيئة التي هاجر إليها (الحجاز) متشابهة وذات أصول بشرية وجغرافية واحدة تقريبا، وكانت السنوات التي قضاها في سكيكدة مختلفة إلى حد كبير وكأنها كانت تهيئه لمهمة قادمة، فقد مكنته من معرفة أجواء الحياة الأوربية ومعرفة اللغة الفرنسية، ومن ثمة جمع بين بيئتين ولغتين وهو الأمر الذي مكنه من التحرر الفكري مع المحافظة على أصالته ومكنه من المقارنة بين هويتين، فساهم في السعودية بالترجمة من الآداب الفرنسية، وساهم في الجزائر في الرقي باللغة العربية بإدخال الأساليب الشرقية في التعبير، وبتناول موضوعات بأساليب لم تكن شائعة من قبل.
وكان اهتمامه المرتكز على الأدب والثقافة قد ميزه عن زملائه في الحركة الإصلاحية حين رجع من الحجاز، فهم كانوا مهتمين بالفقه والثقافة الإسلامية لأنهم يواجهون جمهورا محافظا، بينما كان حوحو لا يهمه ذلك كثيرا ما دام منسجما مع أفكاره ومتجاوبا مع قادة الإصلاح على المدى الإستراتيجي، بالإضافة إلى أنه كان يختلف عنهم في تحرره الفكري، فهو قد درس الفرنسية وآدابها، وعرف البيئة الشرقية المحافظة والمتحررة، كما تجول في أوربا وخالط أفكارها قبل رجوعه إلى الجزائر في وقت كانت فيه الحرب الباردة على أشدها بين المعسكرين، وكان ذلك في وقت يصنف فيه الأفراد والجماعات والدول على أساس إيديولوجي.
حتى عناوين مؤلفاته كانت تدل على اتجاه جديد لم يألفه الأدب العربي الجزائري، فلعل حوحو هو أول أديب نشر كتابا عنوانه ورمزه المرأة مثل (غادة أم الغرى)، و (صاحبة الوحي) على غرار عناوين قصص جورجي زيدان: فتاة القيروان، وعروس فرغانة.
وكان حوحو يعلن عن هوايته بدون حرج، فقد هوى الموسيقى وأسس
стр. 4791
جمعية (جوقة) المزهر القسنطيني سنة ١٩٤٩ وظل يرعاه إلى سنة ١٩٥٤، وكان يعزف على بعض الآلات الموسيقية في الجوقة، وكان من القلائل المنتمين لجمعية العلماء ممن يمكن تسميتهم بالمثقفين الأحرار، مثل الأمين العمودي في الثلاثينات وإسماعيل العربي في الأربعينات، لذلك لا نستغرب أن يكتب حوحو مقالاته بالأسلوب المتحرر المتجدد الذي كتب به، فهو في الناثرين كشعراء في الشعر الحر .. وكان حوحو في نشره ناقدا اجتماعيا، بسخرية لاذعة، مستعملا القصة غطاء والصحافة وسيلة، فكتب في المنهل والرابطة العربية (بالمشرق) وكتب في البصائر والشعلة والمنار أيضا، وكان حوحو جريئا في نقده للأدب الروماني لأنه كان يؤمن بأدب الواقعية الجديدة، وربما بالأدب الملتزم الذي كثر عشاقه مع موجة الاشتراكية في الخمسينات والستينات (١).
وكان بإمكان حوحو أن يكتب في مجلة (هنا الجزائر) ولكنه لم يفعل. حسب علمنا، وربما قدم بعض أعماله لإذاعة الجزائر (الفرنسية) فذكره زملاؤه من العلماء بموقعه فتوقف؟ وربما كانت قسوة مولود الطياب في نقده له نابعة من موقفه هذا لأن الطياب كان من كتاب هنا الجزائر الملتزمين.
عثمان سعدي
كان عثمان سعدي طالبا في جامعة القاهرة حين قامت الثورة في الجزائر. وكان من النشطين في المجالين الأدبي والسياسي لأنه كان على صلة بمكتب المغرب العربي حيث مقر جبهة التحرير الوطني، ويبدو أن صلته بمكتب جمعية العلماء لم تكن على ما يرام رغم أنه كان من تلاميذ معهد عبد الحميد بن باديس وربما جاء إلى القاهرة ضمن بعثات جمعية العلماء، ويهمنا هنا نشاطه الأدبي خلال مرحلة الثورة.
فقد نشر عثمان سعدي في مجلة الآداب اللبنانية المقالات الآتية: مشكلة
стр. 4792
الثقافة في الجزائر، والفن الشعبي في الجزائر، وزبدون الشهيد، ومأساة شعب وتبلد ضمير، والأدب الشعبي والمقاومة الجزائرية، والفلاح والثورة الجزائرية، ورسالة إلى مناضل، ومولود معمري، كما أذكر أنه كتب عن موقف ألبير كامو من الثورة الجزائرية ولكني نسيت أين رأيت له ذلك، وهي مقالات تدل على تنوع ثقافته والتزامه بالخط الثقافي الوطني، وتعبر عن اتجاه جديد في الأدب الجزائري الذي كان قبل الثورة يعاني من القيود والضغوط، وبالإضافة إلى أدب المقالة كان سعدي يكتب القصة القصيرة كما سنرى.
عبد الله شريط وآخرونه
عاش عبد الله شريط مرحلة الثورة في عهد النضج خلافا لعدد من الشباب الذين ولدوا شعريا، في الثورة نفسها، فهو من الجيل الذي سبق الثورة، وكان بتونس عند اندلاعها، فقد عرفته وأنا طالب في السنتين الأخيرتين في الزيتونة وهو يومئذ من شيوخها الجدد، بل وحضرت عليه محاضرتين أو أكثر من باب الفضول فقط.
ولد في مسكيانة سنة ١٩٢١، وتعلم فيها وفي تبسة، ثم سافر إلى تونس ودرس بها ثم قصد سورية وحصل منها على شهادة ليسانس في الفلسفة سنة ١٩٥١، وبعد العمل في تونس، كما ذكرنا، قبيل الثورة وأثناءها، رجع إلى الجزائر ودخل جامعتها مدرسا، وواصل أبحاثه الصحفية والسياسية والفلسفية إلى أن حصل على الدكتوراه سنة ١٩٧٢ عن الفكر الأخلاقي عند ابن خلدون، وله ديوان بعنوان (الرماد) نشره في الجزائر، سنة ١٩٦٩، ولكنه انقطع عن الشعر منذ عاد من الشرق، وواصل كتابة المقالة في القضايا الاجتماعية، وألف عدة كتب في هذا المجال، وهو في شعره ينحو منحى رومانسيا لأن شعره ذاتي جميل، ويعتبر من المحافظين على الشعر العمودي (١).
стр. 4793
انحصر نشاط شريط الأدبي وهو في تونس في المقالة الصحفية التي تناول فيها القضايا الوطنية والقومية والدولية، وحسب ما جاء في كتاب (النشاط العلمي) للجابري فإن شريط نشر بعض المقالات الثقافية عن ابن باديس والتضحية، ومستقبل المغرب العربي، والثورة ومفاهيمها، ومن الواضح أن هذه المقالات من بنات الواقع الذي كانت تعيشه المنطقة، ولكنه كتب أيصا عن الشابي، وعن التعليم الزيتوني .. وقد نشر في الصباح والفكر، أما الشعر فليس في ديوانه الرماد ما يدل على أنه نظم في الثورة، ولذلك فإن حياته تهمنا في النثر أكثر من الشعر.
أساس مقالاته عن الاستعمار والثقافة والحركة الوطنية التونسية والجزائرية، كما عالج مسألة الأرض والثورة، وكان يحرر ركنا عنوانه (ما رأيك؟) يتحدث فيه عن القضايا العربية والسياسية والدولية، وربما هذه هي المقالات التي جمعها في السنوات الأخيرة في عدة مجلدات ونشرتها له وزارة المجاهدين باعتبار هذا العمل جزءا من تراث الثورة، وكان شريط يلخص ويترجم ما تنشره الصحف والمجلات الأجنبية عن الجزائر فاجتمعت له من ذلك ثروة إعلامية وفكرية كبيرة.
ومن الملاحظ أن لشريط مرحلتين في الكتابة بتونس: مرحلة ما قبل الثورة ومرحلة ما بعد اندلاعها، فإذا كان قبل الثورة مهتما بقضايا العرب والثقافة والتعليم الزيتوني، وابن خلدون، فإنه بعد انطلاق الثورة، قد ركز على موضوعات جزائرية نضالية مثل حياة ابن باديس والتضحية التي نجدها في نشرة جمعية الطلبة الجزائريين بتونس، وفي مقالة أخرى نشرها في مجلة الفكر تحدث عن مستقبل المغرب العربي (١٩٥٧) أي بعد استقلال تونس والمغرب، وهو من القلائل الذين حاولوا إعطاء الثورة بعدا سياسيا وإيديلوجيا، فنجده كتب مقالة بعنوان (حول الثورة ومفاهيمها) في مجلة الفكر أيضا، وقد ظهر على كتاباته الطابع الفلسفي الإصلاحي في ذلك الوقت المبكر، سواء في تناوله مفاهيم الثورة أو المسألة الثقافية والهوية عموما.
стр. 4794
وكتب محمد الميلي في جريدة الصباح مقالات عديدة تناول فيها القضايا الوطنية والاستعمار وكفاح الشعوب، وهي موضوعات كان يعالجها أيضا في (المجاهد) لكن بدون توقيع، وبعد خروج الشاعر مفدي زكرياء من السجن وانتقاله إلى تونس كتب أيضا في جريدة الصباح، ونشر الطاهر وطار ببعض المقالات والقصص، ثم أخذ نجمه الأدبي في الصعود حتى أصدر بعض المؤلفات وهو ما يزال في تونس (انظر لاحقا)، ونشر عثمان شبوب مقالات في الصباح واللغات وساهم في الإذاعة، وكان مهتما بالأدب والمسرح والتراجم الأدبية، بمن فيها الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان (١).
ومن جهتي نشرت - كما سبقت، الإشارة - مقالات في البصائر عشية الثورة وخلالها، مثل أمة المجد في الميدان، وابن الرومي، وفي ظلال النقد، ومع أديب الخلود، وما لهم لا ينطقون، وأرض الملاحم، وشعرنا يمثلنا، وعندما لبست العمامة، وبعد الثورة راسلت البصائر بـ (رسالة القاهرة)، وخلال الثورة أيضا نشرت من القاهرة عدة مقالات عن الأدب الجزائري في مجلة (الآداب) اللبنانية مثل: تصميم للشعر الجزائرى الحديث، والبطولة في الأدب الجزائري، والغزل في الشعر الجزائري، ومحاولاتنا في النقد الأدبي ورضا حوحو ونضال الكلمة، أما في غير الآداب فقد نشرت مقالة عن محمد العيد في جريدة (الجمهورية) المصرية، والأدب الجزائري مؤثراته وتياراته في مجلة الرسالة العراقية، وحررت في باب المغرب العربي في مرآة التاريخ في مجلة (العالم العربي) المصرية، وهو باب تضمن مقالات قصيرة وأخبارا، ودخلت في ردود ومناقشات مع بعض الأدباء منهم رابح بونار على صفحات البصائر، وعلي الحلي وصلاح عبد الصبور وهنري صعب الخوري على صفحات مجلة الآداب ... وكل هذه الكتابات صيغت بأسلوب أدبي حماسي بقلم شاب لم
стр. 4795
يتمرس بعد على فن الكتابة (١).
الخطابة
أشرنا إلى أن الخطابة غير جديدة، ولكنها غير شائعة لمحدودية مجالها في الجزائر، فالأعمال الوطنية كانت كلها سرية تقريبا، والمناضلون كانوا يجتمعون سرا ويتداولون همسا، ولا يتصلون بالجمهور في معظم الأحيان إلا بطرق غير مباشرة كالمناشير والرسائل والنداءات، ورغم وجود تنظيمات سياسية منذ الحرب العالمية الأولى فإن ميدان الخطابة أمامها بقي محدودا، وقد عالجنا ذلك في محله من كتابنا.
كما أشرنا إلى أن الخطابة الدينية لم تكن كسالف عهدها، ذلك أن رجال الدين الرسميين كانوا لا يتجاوزون الخطوط الحمراء المحددة لهم في قرار التوظيف أو قرار الرضى عنهم، فمكانهم هو المساجد والزوايا وجمهورهم عامة الناس الذين يغلب عليهم الجهل والأمية، فلا مجال لرجال الدين إذن في الخطابة كفن من فنون الأدب والبلاغة والجهر بالقول.
حقيقة أن زعماء الحركة الإصلاحية استعملوا الخطابة المرتجلة إلى حد ما، وكانت صلتهم بالعامة أكثر حرية من زملائهم السياسيين ورجال الدين الرسميين، وكانوا يسمون خطبهم (دروسا) في الوعظ والإرشاد، وإذا بالغوا في دروسهم وذهبوا إلى الإثارة فإن مآلهم التوقيف عن التدريس وربما الاتهام بالإساءة إلى النظام العام كما فعلوا، مع الشيخ العقبي خلال الثلاثينات، وكان العلماء حتى في عهد الثورة الأول يستعملون شهر رمضان لبث الأفكار الدينية في قالب وعظي، ويدعون إلى المبادى الإصلاحية والاجتماعية التي يؤمنون بها، وكانوا يوزعون أنفسهم على مراكز عبر القطر فيستفيد من (دروسهم)
стр. 4796
جمهور غفير، ولكن لا يمكن أن نسمي هذا النوع من الإعلام خطابة بالمعنى الفني (١).
أتيح لحزب الشعب / حركة الانتصار أن يتصل بالشعب سياسيا منذ أن قبل بالمشاركة في الإنتخابات المحلية والبرلمانية، ولكن هذه الفرصة لم تؤد إلى ظهور خطباء سياسيين إلا على نطاق محدود، وكان عبد الحميد مهري وعبد الرحمن العقون من المثقفين بالعربية والمنتمين للحزب، ولكننا نجهل قيامهما بجهد في هذا المجال قبل خروجهما من الجزائر بعد نشوب الثورة، وأذكر أنني رأيت شخصيا السيد مهري خطيبا في الطلبة بتونس قبيل الثورة، ولكني لا أستطيع الحكم على خطابته عندئذ رغم أنني رأيته يرتجل خطابه ارتجالا، كما حضرت له خطبته المرتجلة في المؤتمر الرابع للاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين بتونس (١٩٦٠)، وهو عندئذ وزير، ولا شك أن وجود الرجلين (مهري والعقون) في دمشق والأردن أيام الثورة، قد أفسح لهما المجال لمخاطبة الجماهير العربية المتعطشة لأخبار الجزائر وتوصيل صوت الثورة إليها عن طريق الكلمة المباشرة في المناسبات العامة كإحياء أسابيع الجزائر.
ومن الجانب الإصلاحي نشير إلى أن الذين اشتهروا بالخطابة في عهد الثورة هم: الشمخ الإبراهيمي في قضايا الإصلاح وآثار الاستعمار على الأمة العربية والإسلامية، ومنها الجزائر، والفضيل الورتلاني الذي أشرنا إلى دوره في المشرق قبل وفاته سنة ١٩٥٧، وهو متميز في المجال الدعوي والفكر السلفي والحركات الوطنية، وأحمد توفيق المدني الذي جمع بين الخطابة في القضايا
стр. 4797
الدينية والسياسية ولا سيما ثورة الشعوب المضطهدة في آسيا وإفريقيا، وكانت له فرص عديدة في الخطابة في منتديات جمعية الشبان المسلمين وجمعية الخريجين العرب والمؤتمرات الآسيوية الإفريقية وحتى في أروقة الجامعة العربية، وكان يتميز بالفصاحة والشجاعة الأدبية والتمرس على الجمهور وحضور البديهة والثقافة السياسية الواسعة، وكان يرتجل خطبه ولا يتلعثم ولا يمل، وكنا قد سمعناه في باتنة أثناء افتتاح إحدى مدارسها، ثم سمعناه في جمعية الشبان المسلمين بمصر، وفي الجامع الأزهر حيث كانت تتاح مناسبات إحياء ذكرى الثورة أو إقامة أسبوع للجزائر أو عند حادث اختطاف طائرة قادة الثورة ... فكان الشيخ المدني يهز الحاضرين بفخامة أسلوبه ونبرات صوته وهيئته الثابتة، فكان في الخطابة كمفدي زكرياء في الشعر السياسي لا يدانيهما أحد من الجزائريين فيما عرفت، وقد استمعت أيضا إلى الشيخ الإبراهيمي خطيبا ولكني لم أسمع الشيخ الورتلاني، ويقال إن الشيخ العربي التبسي كان في خطبه مؤثرا أيضا ولكني لم أره خطيبا، أما الشيخ الطيب العقبي فقد اختفى من الميدان في المرحلة التي نعالجها، رغم أنه محسوب على الخطباء المثورين في الماضي.
وقد سمعت السيد فرحات عباس يخطب بالفرنسية، فظهر لي أنه سياسي عقلاني محنك، سمعته وهو يلقي أول بيان للحكومة المؤقة في القاهرة، فكان يقرأ من ورقة أمام وسائل الإعلام وجمهور محدود، فلم يكن هناك مجال للخطابة المرتجلة بالمعنى الفني، ولكن شخصيته كانت قوية وصوته كان موزونا معبرا عن فكر نير، ثم سمعته في المؤتمر الرابع لاتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين بتونس (١٩٦٠) وكنت واحدا من الجمهور الذي غصت به القاعة من السياسيين والطلبة والإعلاميين، فكان عباس مع ذلك هادئا يخاطب العقل لا العاطفة، ويزن كلامه بدقة متناهية رغم أن الموقف كان يسمح له بالخروج عن التزمت الدبلوماسي إلى الخطابية والتوتر ومخاطبة الخصم بما لا تهوى نفسه. وكان فيما أذكر يلقي خطابه من أوراق وليس مرتجلا.
стр. 4798
من النماذج التي نشير إليها أن السلطات الفرنسية قد احتجزت العدد ٣٥٠ من جريدة البصائر الذي كان فيه خطاب الشيخ العربي التبسي نائب رئيس جمعية العلماء، وفي نفس هذا العدد كلمة عنوانها (هل الهدنة ممكنة)، كان ذلك بتاريخ ٢٠ يناير ١٩٥٦، والواقع أن هذا العدد من البصائر كان فيه أيضا البلاغ الرسمي الصادر عن الاجتماع العام لجمعية العلماء وكيف تناولته الدوائر السياسية والصحافة الفرنسية النافذة، ولا شك أن الذين حضروا اجتماع المجلس الإداري قد سمعوا خطبة الشيخ العربي التبسي الذي نعتقد أنه ألقاه ارتجالا وليس من الورق، كما هي عادته.
الترجمة
كانت الجزائر تتوفر على عدد لا بأس به من المترجمين، من الفرنسية إلى العربية، خلال الخمسينات، ويبدو أن الاتجاه الآخر من الترجمة كان ضعيفا، أي من العربية إلى الفرنسية شفويا وحتى كتابيا بغير اللغة الأدبية أو الفصحى باعتبارها لغة حضارة أولا ولغة اتصال ثانيا، وأنتج الإستشراق الفرنسي والكنيسة رجالا على درجة هامة من المعرفة والثقافة باللغة العربية، فنقلوا منها مصادر عديدة ونشروا بها أعمالا تشهد لهم بالباع الطويل، ونعني بذلك النقل من العربية إلى الفرنسية (١).
وهناك أسماء جزائرية تركت بصماتها على الترجمة الأدبية، من أبرز أصحابها الطاهر بوشوشي، والمولود الطياب والعربي أولخيار (بالولاية العامة) والهاشمي العربي، وإسماعيل العربي، والحاج حمدان (وهو مترجم شرعي) وسعد الدين بن أبي شنب.
стр. 4799
ويمكننا أن نعمم فنقول إن معظم الموظفين في ميدان التدريس والقضاء والإدارة التعليمية ونحوها كانوا يتعاطون الترجمة بشكل أو بآخر، لأنهم قبل كل شيء قد تخرجوا من المدرسة الفرنسية - الإسلامية التي كانت تعلم اللغة الفرنسية لفترة طويلة ومؤكدة، ولكن هناك من تخرج من هذه المدارس وهو لا يكاد يترجم ولا يكتب بالعربية رغم أنه يفهمها، ولدينا مثال على ذلك مالك بن نبي الذي تخرج من مدرسة قسنطينة (الفرنسية - الإسلامية) وهو لا يكتب بالعربية إلا قليلا ولم تتحسن لغته العربية وترقى إلى درجة اللغة الأدبية المكتوبة إلا بعد إقامته في المشرق إذ استطاع أن يكتب بعض كتبه لاحقا بالعربية مباشرة، دون مترجم، وكان أحمد رضا حوحو استثناء لأنه رغم دراسته في مدرسة فرنسية بسكيكدة فإنه تعاطى الترجمة في الحجاز ثم كان يترجم من الفرنسية إلى العربية بعد رجوعه إلى الجزائر، ولا شك أن رجلا مثل محمود بوزوزو رئيس تحرير جريدة المنار، كان يعرف العربية والفرنسية بشكل متميز، ومهما كان الأمر فإن مجلة هنا الجزائر قد ضمت مجموعة طيبة من المترجمين الجزائريين، في الميدان الأدبي.
منذ نوفمبر ١٩٥٦ نشرت هنا الجزائر مقالة بعنوان (الترجمة من أكبر الوسائل لدعم التفاهم بين الشعوب)، ولكن كاتب المقالة أخفى اسمه، ونحن نرجح أنه هو الطاهر بوشوشي نفسه، ومما جاء في المقالة أن جماعة المترجمين الدولية، وهي تضم اثنتي عشرة دولة، تستعين بمنظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة وتعقد أن الترجمة قد أسهمت عبر العصور في نقل الأفكار، وأعلنت الجماعة المذكورة أنها أنشأت مجلة باسم (بابل)، وهو رمز له دلالته الحضارية، وجاء في المقالة أيضا ذكر لعدد من الأعمال التي ترجمت من الآداب الروسية والإسلامية (العربية) واليونانية (١).
ومن المقالات التي ترجمت إلى العربية لحاجة في نفس الموعزين بذلك
стр. 4800
محاضرة القاضي ابن حورة وعنوانها (هل أهل شمال إفريقيا مشارقة؟)، ورغم أن كاتبها الأصلي مسلم ومن رجال القضاء فيما يبدو وكان ربما بإمكانه أن يترجم محاضرته بنفسه فقد قام شخص اسمه محمد الحاكم (؟) بترجمتها، وقد تفلسف ابن حورة بعض التفلسف واستنجد بالتاريخ وبنظرية (غوتييه) المعروف بمعاداته للحضارة العربية الإسلامية وانتصاره للرومان والفرنسيين، يقول ابن حورة إن الإسلام مادة وروح، وأن الإسلام قديم وجديد (شاب وشيخ)، وأن المدنية الرومانية قد انقرضت من شمال إفريقيا، بينما المدنية العربية بقي منها شيء (كذا) وأن الحضارة الرومانية مع ذلك تركت عظماء بينما الحضارة العربية لم تترك عظماء عدا ابن خلدون، (هذا هو رأي غوتييه، ولكنه يشكك حتى في قدرة ابن خلدون، وهو ربما ما لم يدركه ابن حورة).
وقد كرر ابن حورة نظرية الجغرافي الفرنسي (غوتييه) في الاعتماد على الطابع الروحي للحضارة وليس الطابع المادي فقط، واستدل هذا الفيلسوف الجديد (ابن حورة) بنظرية طه حسين في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) من كون المصريين أوربيين في توجههم رغم أنهم يعيشون في المشرق، أي أنهم ليسوا مشارقة بل هم أوروبيون وضعتهم الجغرافيا في المشرق، كما استدل ابن حورة بكون الإسلام يعلو على القوميات، والمقصود بالذات هو أن أهل شمال إفريقيا أوروبيون وإن كانوا يعيشون في إفريقيا على بقايا الحضارة العربية الإسلامية، تمهيدا للاندماج في الفرنسيين وطعنا في ظهر الحركة الوطنية ودعاة الاستقلال (١).
ولا شك أن فكرة ابن حورة هذه تتماشى مع تيار فرنسي يقول بأن أهل شمال إفريقيا (البرر؟) أوربيو الأصل، دون الإلتفات إلى كون مؤرخي اليونان والعرب لا يعتبرونهم كذلك، ومهما كان الأمر فإن هذه الأفكار انطلقت مع الثورة لإضعاف قوتها وشل أهدافها وخدمة فكرة الاندماج التي أصبحت