جمهور غفير، ولكن لا يمكن أن نسمي هذا النوع من الإعلام خطابة بالمعنى الفني (١).
أتيح لحزب الشعب / حركة الانتصار أن يتصل بالشعب سياسيا منذ أن قبل بالمشاركة في الإنتخابات المحلية والبرلمانية، ولكن هذه الفرصة لم تؤد إلى ظهور خطباء سياسيين إلا على نطاق محدود، وكان عبد الحميد مهري وعبد الرحمن العقون من المثقفين بالعربية والمنتمين للحزب، ولكننا نجهل قيامهما بجهد في هذا المجال قبل خروجهما من الجزائر بعد نشوب الثورة، وأذكر أنني رأيت شخصيا السيد مهري خطيبا في الطلبة بتونس قبيل الثورة، ولكني لا أستطيع الحكم على خطابته عندئذ رغم أنني رأيته يرتجل خطابه ارتجالا، كما حضرت له خطبته المرتجلة في المؤتمر الرابع للاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين بتونس (١٩٦٠)، وهو عندئذ وزير، ولا شك أن وجود الرجلين (مهري والعقون) في دمشق والأردن أيام الثورة، قد أفسح لهما المجال لمخاطبة الجماهير العربية المتعطشة لأخبار الجزائر وتوصيل صوت الثورة إليها عن طريق الكلمة المباشرة في المناسبات العامة كإحياء أسابيع الجزائر.
ومن الجانب الإصلاحي نشير إلى أن الذين اشتهروا بالخطابة في عهد الثورة هم: الشمخ الإبراهيمي في قضايا الإصلاح وآثار الاستعمار على الأمة العربية والإسلامية، ومنها الجزائر، والفضيل الورتلاني الذي أشرنا إلى دوره في المشرق قبل وفاته سنة ١٩٥٧، وهو متميز في المجال الدعوي والفكر السلفي والحركات الوطنية، وأحمد توفيق المدني الذي جمع بين الخطابة في القضايا
стр. 4797
الدينية والسياسية ولا سيما ثورة الشعوب المضطهدة في آسيا وإفريقيا، وكانت له فرص عديدة في الخطابة في منتديات جمعية الشبان المسلمين وجمعية الخريجين العرب والمؤتمرات الآسيوية الإفريقية وحتى في أروقة الجامعة العربية، وكان يتميز بالفصاحة والشجاعة الأدبية والتمرس على الجمهور وحضور البديهة والثقافة السياسية الواسعة، وكان يرتجل خطبه ولا يتلعثم ولا يمل، وكنا قد سمعناه في باتنة أثناء افتتاح إحدى مدارسها، ثم سمعناه في جمعية الشبان المسلمين بمصر، وفي الجامع الأزهر حيث كانت تتاح مناسبات إحياء ذكرى الثورة أو إقامة أسبوع للجزائر أو عند حادث اختطاف طائرة قادة الثورة ... فكان الشيخ المدني يهز الحاضرين بفخامة أسلوبه ونبرات صوته وهيئته الثابتة، فكان في الخطابة كمفدي زكرياء في الشعر السياسي لا يدانيهما أحد من الجزائريين فيما عرفت، وقد استمعت أيضا إلى الشيخ الإبراهيمي خطيبا ولكني لم أسمع الشيخ الورتلاني، ويقال إن الشيخ العربي التبسي كان في خطبه مؤثرا أيضا ولكني لم أره خطيبا، أما الشيخ الطيب العقبي فقد اختفى من الميدان في المرحلة التي نعالجها، رغم أنه محسوب على الخطباء المثورين في الماضي.
وقد سمعت السيد فرحات عباس يخطب بالفرنسية، فظهر لي أنه سياسي عقلاني محنك، سمعته وهو يلقي أول بيان للحكومة المؤقة في القاهرة، فكان يقرأ من ورقة أمام وسائل الإعلام وجمهور محدود، فلم يكن هناك مجال للخطابة المرتجلة بالمعنى الفني، ولكن شخصيته كانت قوية وصوته كان موزونا معبرا عن فكر نير، ثم سمعته في المؤتمر الرابع لاتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين بتونس (١٩٦٠) وكنت واحدا من الجمهور الذي غصت به القاعة من السياسيين والطلبة والإعلاميين، فكان عباس مع ذلك هادئا يخاطب العقل لا العاطفة، ويزن كلامه بدقة متناهية رغم أن الموقف كان يسمح له بالخروج عن التزمت الدبلوماسي إلى الخطابية والتوتر ومخاطبة الخصم بما لا تهوى نفسه. وكان فيما أذكر يلقي خطابه من أوراق وليس مرتجلا.
стр. 4798
من النماذج التي نشير إليها أن السلطات الفرنسية قد احتجزت العدد ٣٥٠ من جريدة البصائر الذي كان فيه خطاب الشيخ العربي التبسي نائب رئيس جمعية العلماء، وفي نفس هذا العدد كلمة عنوانها (هل الهدنة ممكنة)، كان ذلك بتاريخ ٢٠ يناير ١٩٥٦، والواقع أن هذا العدد من البصائر كان فيه أيضا البلاغ الرسمي الصادر عن الاجتماع العام لجمعية العلماء وكيف تناولته الدوائر السياسية والصحافة الفرنسية النافذة، ولا شك أن الذين حضروا اجتماع المجلس الإداري قد سمعوا خطبة الشيخ العربي التبسي الذي نعتقد أنه ألقاه ارتجالا وليس من الورق، كما هي عادته.
الترجمة
كانت الجزائر تتوفر على عدد لا بأس به من المترجمين، من الفرنسية إلى العربية، خلال الخمسينات، ويبدو أن الاتجاه الآخر من الترجمة كان ضعيفا، أي من العربية إلى الفرنسية شفويا وحتى كتابيا بغير اللغة الأدبية أو الفصحى باعتبارها لغة حضارة أولا ولغة اتصال ثانيا، وأنتج الإستشراق الفرنسي والكنيسة رجالا على درجة هامة من المعرفة والثقافة باللغة العربية، فنقلوا منها مصادر عديدة ونشروا بها أعمالا تشهد لهم بالباع الطويل، ونعني بذلك النقل من العربية إلى الفرنسية (١).
وهناك أسماء جزائرية تركت بصماتها على الترجمة الأدبية، من أبرز أصحابها الطاهر بوشوشي، والمولود الطياب والعربي أولخيار (بالولاية العامة) والهاشمي العربي، وإسماعيل العربي، والحاج حمدان (وهو مترجم شرعي) وسعد الدين بن أبي شنب.
стр. 4799
ويمكننا أن نعمم فنقول إن معظم الموظفين في ميدان التدريس والقضاء والإدارة التعليمية ونحوها كانوا يتعاطون الترجمة بشكل أو بآخر، لأنهم قبل كل شيء قد تخرجوا من المدرسة الفرنسية - الإسلامية التي كانت تعلم اللغة الفرنسية لفترة طويلة ومؤكدة، ولكن هناك من تخرج من هذه المدارس وهو لا يكاد يترجم ولا يكتب بالعربية رغم أنه يفهمها، ولدينا مثال على ذلك مالك بن نبي الذي تخرج من مدرسة قسنطينة (الفرنسية - الإسلامية) وهو لا يكتب بالعربية إلا قليلا ولم تتحسن لغته العربية وترقى إلى درجة اللغة الأدبية المكتوبة إلا بعد إقامته في المشرق إذ استطاع أن يكتب بعض كتبه لاحقا بالعربية مباشرة، دون مترجم، وكان أحمد رضا حوحو استثناء لأنه رغم دراسته في مدرسة فرنسية بسكيكدة فإنه تعاطى الترجمة في الحجاز ثم كان يترجم من الفرنسية إلى العربية بعد رجوعه إلى الجزائر، ولا شك أن رجلا مثل محمود بوزوزو رئيس تحرير جريدة المنار، كان يعرف العربية والفرنسية بشكل متميز، ومهما كان الأمر فإن مجلة هنا الجزائر قد ضمت مجموعة طيبة من المترجمين الجزائريين، في الميدان الأدبي.
منذ نوفمبر ١٩٥٦ نشرت هنا الجزائر مقالة بعنوان (الترجمة من أكبر الوسائل لدعم التفاهم بين الشعوب)، ولكن كاتب المقالة أخفى اسمه، ونحن نرجح أنه هو الطاهر بوشوشي نفسه، ومما جاء في المقالة أن جماعة المترجمين الدولية، وهي تضم اثنتي عشرة دولة، تستعين بمنظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة وتعقد أن الترجمة قد أسهمت عبر العصور في نقل الأفكار، وأعلنت الجماعة المذكورة أنها أنشأت مجلة باسم (بابل)، وهو رمز له دلالته الحضارية، وجاء في المقالة أيضا ذكر لعدد من الأعمال التي ترجمت من الآداب الروسية والإسلامية (العربية) واليونانية (١).
ومن المقالات التي ترجمت إلى العربية لحاجة في نفس الموعزين بذلك
стр. 4800
محاضرة القاضي ابن حورة وعنوانها (هل أهل شمال إفريقيا مشارقة؟)، ورغم أن كاتبها الأصلي مسلم ومن رجال القضاء فيما يبدو وكان ربما بإمكانه أن يترجم محاضرته بنفسه فقد قام شخص اسمه محمد الحاكم (؟) بترجمتها، وقد تفلسف ابن حورة بعض التفلسف واستنجد بالتاريخ وبنظرية (غوتييه) المعروف بمعاداته للحضارة العربية الإسلامية وانتصاره للرومان والفرنسيين، يقول ابن حورة إن الإسلام مادة وروح، وأن الإسلام قديم وجديد (شاب وشيخ)، وأن المدنية الرومانية قد انقرضت من شمال إفريقيا، بينما المدنية العربية بقي منها شيء (كذا) وأن الحضارة الرومانية مع ذلك تركت عظماء بينما الحضارة العربية لم تترك عظماء عدا ابن خلدون، (هذا هو رأي غوتييه، ولكنه يشكك حتى في قدرة ابن خلدون، وهو ربما ما لم يدركه ابن حورة).
وقد كرر ابن حورة نظرية الجغرافي الفرنسي (غوتييه) في الاعتماد على الطابع الروحي للحضارة وليس الطابع المادي فقط، واستدل هذا الفيلسوف الجديد (ابن حورة) بنظرية طه حسين في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) من كون المصريين أوربيين في توجههم رغم أنهم يعيشون في المشرق، أي أنهم ليسوا مشارقة بل هم أوروبيون وضعتهم الجغرافيا في المشرق، كما استدل ابن حورة بكون الإسلام يعلو على القوميات، والمقصود بالذات هو أن أهل شمال إفريقيا أوروبيون وإن كانوا يعيشون في إفريقيا على بقايا الحضارة العربية الإسلامية، تمهيدا للاندماج في الفرنسيين وطعنا في ظهر الحركة الوطنية ودعاة الاستقلال (١).
ولا شك أن فكرة ابن حورة هذه تتماشى مع تيار فرنسي يقول بأن أهل شمال إفريقيا (البرر؟) أوربيو الأصل، دون الإلتفات إلى كون مؤرخي اليونان والعرب لا يعتبرونهم كذلك، ومهما كان الأمر فإن هذه الأفكار انطلقت مع الثورة لإضعاف قوتها وشل أهدافها وخدمة فكرة الاندماج التي أصبحت
стр. 4801
مرفوضة حتى عند الفرنسيين أنفسهم، وإذا كان أهالي شمال إفريقيا غير مشارقة كما انتهى ابن حورة وبعض النخبة الاندماجية - فلماذا لم يعاملهم الفرنسيون على أنهم أوربيون أو على أنهم رومان؟ والذي يهمنا من هذا النص ليس هو الأفكار التي حملها، ولكن الترجمة التي نقلته من لغة فرنسية إلى لغة عربية. ومن لغة الفرنسيين الأوربية إلى لغة الأهالي الشرقية.
برع الطاهر بوشوشي الذي كان يوقع اسمه (ابن جلا) في الترجمة من الفرنسية إلى العربية، وأيضا من العربية إلى الفرنسية، ولنذكر الآن بعض العناوين التي ترجمها:
- بحيرة لامارتين في الأدب العربي، ترجمة لحياة هذا الشاعر الفرنسي، هنا الجزائر ٣٠، ديسمبر ١٩٥٤.
- حياة وأفكار جان جاك روسو، في حلقتين من الفرنسية إلى العربية، هنا الجزائر ٧٠ - ٧١، ديسمبر ١٩٥٨.
- نشر أعمالا يبدو أنه نقلها من الفرنسية مثل: (قبر الرومية،) هنا الجزائر ٢١، فبراير ١٩٥٤.
- ترجم أغنية/ قصيدة الجندول لعلي محمود طه، فقد قام بترجمتها إلى الفرنسية ونشرها وأشاد بها، وهي تنسجم مع هواه في الشعر الرومانسي، وعلق على حياة وشعر علي محمود طه قائلا إنه تلميذ شوقي، وأن أغنية الجندول من أجمل أشعاره، وأتى على ديوانه الملاح التائه، وشبه الشاعر المصري بالشاعر الفرنسي موسوي والشاعر الإنجليزي شيلي، هنا الجزائر ٢٠، يناير ١٩٥٤.
ومن المترجمين نور الدين عبد القادر الذي أسهم في الترجمة لعدد من الأدباء والمفكرين الفرنسيين أمثال المستشرق إتيان كاترمير (هنا الجزائر، يونيو ١٩٥٤)، وسيلفستر دي ساسي مع التركيز على حياته وآثاره وتأثيره، هنا الجزائر، أبريل ١٩٥٤، وادمون فانيان، وغير هؤلاء.
стр. 4802
أما الهاشمي العربي فهو بالرغم من أنه من أبرز المترجمين في هذه الفترة فإننا لم نجد له في هنا الجزائر سوى القليل، وهو لا يعدو عملين أولهما (آخر درس) وهي قصة مترجمة عن الفرنسية بقلم ألفونس دوديه، هنا الجزائر، أوت ١٩٥٨. وثانيهما (ليلة في أورشاليم) وهي مسرحية جرت حوادثها ليلة ميلاد المسيح ﵇، هنا الجزائر، يناير ١٩٥٥.
وتوجد أعمال مترجمة أخرى بعضها يذكر المترجم إلى جانبها مثل (تأسيس مدينة غرداية) وهي بحث ترجمه أبو الحسن (؟) عن المستعرب الفرنسي إيميل ديرمنغام، هنا الجزائر، مارس ١٩٥٤.
وهناك أعمال قدمها أحمد شقار الثعالبي ولها صلة بالأدب الغربي، كالخداع والحب عند شيلر الألماني، وقصة الفنجان العاشق، وهي تمثيلية إذاعية ذات شخوص من المسلمين والنصارى، هنا الجزائر، يونيو ١٩٥٦، وهناك مقالة عن مدينة الزهراء لمحمد بكوشة، هنا الجزائر، أوت ١٩٥٧.
كما ترجمت بعض قصص مالك واري بدون اسم المترجم، مثل عيشوش الجلابية أو دهاء امرأة.
ولمالك واري بعض القصص المتخيلة مترجمة إلى العربية أيضا.
وفي عدد سابق من هنا الجزائر (عدد ٧٠) ترجم السيد محمود الجيلالي قصة (عديمو الصبر) أو (المستعجلون) إلى العربية، وهي قصة أذيعت من إذاعة الجزائر (الفرنسية) وشارك في ذلك عدد من الأدباء الذين مثلوا الأسماء الواردة في النص، والقصة تتحدث عن الفتيان والفتيات المستعجلات للأخذ بالثقافة الفرنسية الذين كانوا يعيشون حيرة ثقافية، كما تناولت مشكلة الفتاة المسلمة أمام الفتاة المسيحية (الغربية)، أي صراع الثقافات والتقاليد في مجتمع متخلف.
وهكذا نلاحظ أن مجلة هنا الجزائر قد خدمت حركة الترجمة، ولكن في نطاق خدمة اللغة الفرنسية، أي نقل الأدب والفكر والآراء الفرنسية إلى
стр. 4803
الجزائريين، أما نقل الثقافة العربية إلى الفرنسيين فيكاد يكون غائبا، وقد لاحظنا أيضا أن أعمالا جادة كتبت بالفرنسية، ومع ذلك لم تنقل إلى العربية مثل دراسات سفير البودالي عن الموسيقى العربية والموسيقى الأندلسية، وبعض الدراسات الأخرى التي حفل بها القسم الفرنسي من المجلة، والملاحظة الأخيرة هي أن بعض الدراسات تناولت تأثير الأدب الفرنسي في الفكر والأدب العربي، وقد عالج هذا الموضوع كل من سعد الدين بن أبي شنب وأحمد بن
ذياب، وتعتبر مقالات ابن أبي شنب عميقة في بابها، ولكنها تحمل طابع الدعاية أحيانا، أي التعريف بأثر الأدب الفرنسي خارج بيئته.
أما وسائل الإعلام الأخرى فقد استخدمت الترجمة أيضا ولكن في نطاق ضيق، ولا سيما في نطاق الأدب، فالبصائر مثلا نشرت بعض المترجمات في العلوم والآراء السياسية، ولكنها كانت مقلة في ذلك، وكذلك فعلت جريدة المنار.
بينما اهتمت جريدة المجاهد بالأدب والدراسات المترجمة في مرحلة متأخرة من عمرها، فقدمت لقرائها أعمالا لأدباء فيتناميين، وبعض الأعمال لفرانز فانون، وقطعا شعرية لبعض الجزائريين، ونماذج لمثقفين فرنسيين، وربما لبعض اليساريين الآخرين أيضا، أما مترجماتها الأخرى فكانت لا تخرج عن الأخبار والوثائق الإعلامية.
وقد ترجم مولود الطياب أعمالا عديدة في شكل تعريف بالكتب كما فعل مع مؤلف إدريس الشرايبي المغربي، كما ترجم قصة (الفيلسوف ودماغه) لهيلين برملان (١).
ومن الواجب أن نشير هنا إلى دخول أبي العيد دودو وحنفي بن عيسى ساحة الترجمة إلى العربية ابتداء من مرحلة الثورة، الأول من الألمانية والثاني من الفرنسية، وقد نشر حنفي بن عيسى في بعض المجلات الشرقية، منها
стр. 4804
الآداب، أما دودو فقد نشر في دوريات تونسية، وكل منهما أسهم بغزارة بعد الاستقلال في حركة الترجمة وأثرى اللغة والأدب العربي (١).
ويجب ألا نغفل مساهمة أحمد رضا حوحو في ميدان الترجمة أيضا، فقد ترجم وهو في الحجاز أعمالا لمجلة المنهل السعودية، وعندما رجع إلى الجزائر استمر في الترجمة أيضا ولكن على نطاق ضيق فيما يبدو، وربما تحت اسم مستعار، مثلا وجدنا له ترجمة من الفرنسية في البصائر لمقالة عن النقط في الخليج وتنافس الشركات البريطانية والأمريكية في المنطقة وعنوانها (دم ونفط) مع ذكر اسمه واضحا (٢).
القصة والرواية
حوحو ونماذجه البشرية
تكلمنا عن حوحو كاتبا وناقدا أدبيا منذ ما قبل الثورة، وقد نشر أيضا عددا من القصص وألف مسرحيات، وذكرنا بعض أعماله المنشورة ومنها نماذج بشرية التي كانت آخر أعماله قبل اغتياله سنة ١٩٥٦، هذه المجموعة نشرتها له دار كتاب البعث في تونس التي كان يشرف عليها الأديب القومي أبو القاسم كرو.
يقول حوحو عن مجموعته هذه إن (الذي يعنينا هنا هو عرض وتصوير مجموعة من الطباع البشرية، في مجموعة من البشر منتقاة من صميم المجتمع)، وهذه الطباع ليست واحدة وإلا لخضعت لتأثير البيئة والنشأة والتعليم فتسيرها طبقا لهذه التأثيرات، وحوحو يؤمن بأن هذه النماذج تتمرد على القيود (تأثير البيئة والنشأة والتعليم)، فضحايا الاستعمار وغيره يكسرون القيود
стр. 4805
الاجتماعية والإدارية والبيئية وهي (تتخذ من الوطنية دينا يهديها سواء السبيل)، وضرب مثلا آخر بالفقيه الذي تمرد على تعليمه وأصبح تاجرا يبيع متخذا شرع الله حانوتا.
إن نماذج حوحو ليست خيالية، فهو كاتب واقعي كما عرفنا، ولكنه لم يلجأ فيها إلى التحليل النفسي فيسخره لإثبات فكرة ورد أخرى، لقد التجأ إلى المجتمع متخذا منه نماذج من مختلف طبقاته (عشت مع بعضها، وسمعت عن بعضها)، ولذلك جاءت نماذجه خليطا من الجزائريين والأوربيين، فهناك يحي الضيف، وفقاقيع الأدب، وسيدي الحاج (جزائري جاء مكة على نفقة الحكومة الفرنسية)، وسي زعرور وأمثاله من الأشخاص ذوي الظلال المتعددة المستوحون من أوروبا (١).
عبد الله ركيبي
ولد عبد الله ركيبي في جمورة، (ولاية بسكرة) ودرس التعليم الابتدائي في مسقط رأسه والإعدادي والثانوي في جامع الزيتونة بتونس حيث نال شهادة التحصيل سنة ١٩٥٤، التحق بالثورة ودخل السجن في آفلو سنة ١٩٥٦، وبعد إقامة جبرية في بسكرة فر إلى الأوراس ومنه توجه إلى تونس ثم مصر، التحق بجامعة القاهرة وحصل منها على الماجستير في (القصة الجزائرية القصيرة)، والدكتوراه في (الشعر الديني الجزائري الحديث)، وخلال إقامته في القاهرة ترأس فرع اتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين.
بعد التدريس في التعليم الثانوي، التحق بجامعة الجزائر سنة ١٩٦٧ حيث بقي إلى سنة ١٩٩٤ عندما شغل منصبا دبلوماسيا وظل يتنقل في الوظائف السامية إلى أن تقاعد منها ومن الجامعة منذ سنوات قليلة، وخلال حياته الطلابية
стр. 4806
والجامعية تصدى لخصوم التعريب ودافع عن الثقافة العربية وأشرف على عدة برامج في الصحف والإذاعة والتلفزيون والحزب (جبهة التحرير) لها صلة بالفكر والثقافة، وقد أقام سنتين في لندن متفرغا، كما زار عدة عواصم عربية وأوروبية مدرسا وممثلا لاتحاد الكتاب ومدعوا لندوات، وكرم عدة مرات، وأشرف على مجموعة كبيرة من الرسائل في الجامعة تتناول الأدب الجزائري الحديث، وهناك جيل من الباحثين يعترفون له بالفضل في ميدان البحث.
أسهم الركيبي في مجال التأليف فأصدر حوالي عشرين كتابا في الأدب والثقافة والدراسة، يهمنا منها ثلاثة صدرت أيام الثورة:
- مصرع الطغاة (مسرحية) دار بوسلامة، تونس، ١٩٥٩.
- دراسات في الشعر الجزائري الحديث، الدار القومية، مصر، ١٩٦١.
- نفوس ثائرة ، (قصص)، الدار المصرية، ط ١، ١٩٦٢.
نفوس ثائرة
هي مجموعة قصصية كتبها عبد الله ركيبي وقدم لها شكري عياد بدراسة نقدية، وقد أهداها المؤلف إلى روح صديقه الشهيد بشير بن رابح، في المقدمة قال المؤلف إن القصة العربية القصيرة في الجزائر ما تزال في طفولتها، وأنها لم تظهر إلا قبل مدة قصيرة لأسباب منها: أن النزعة الوعظية هي التي كانت سائدة في النشر وليس القصة، فكانت المقالة هي الوسيلة المباشرة للتعبير عن الدعوة الإصلاحية التي كانت تعد للثورة، ففيها الحماسة والفخر والتقرير وكأنها قصيدة شعرية، ثانيا أن اللغة العربية نفسها لم تكن أداة للتعبير.
ومع ذلك بدأت العربية تدخل ميدان التعبير، فظهر أدباء آمنوا بفعالية القصة الأدبية والاجتماعية، فكتبوا منها صورا للأحداث وليس قصصا متكاملة الأدوات، وذلك كانت تفتقر إلى عناصر أساسية، ولكن طغى عليها طابع الدعاية والوعظ، وكان رائد القصة القصيرة العربية بدون منازع هو أحمد رضا حوحو، فقد فهم دورها في التأثير على المجتمع بعيدا عن التعبير الأجوف
стр. 4807
والتصنع، ومن آخر أعماله (نماذج بشرية) الذي صدر في تونس عن كتاب البعث، وجاء بعده قصاصون شباب أمثال عبد الحميد بن هدوقة والطاهر وطار وعثمان سعدي وأبو العيد دودو، وما يزال هؤلاء لم يحددوا تياراتهم الفكرية بعد، فمنهم من ينحو نحو الثورية الواقعية كسعدي ومن اختار الذاتية كوطار.
ومن الواضح أن الركيبي يدعو إلى القصة الواقعية، (يجب أن تتجه (القصة) اتجاها ثوريا في التعبير والمضمون، في الشكل والمحتوى لأن الواقع يفرض هذا الاتجاه علينا) كما تفرضه القصة نفسها باعتبارها أداة للتعبير عن التجارب الشخصية، وقد أطال الركيبي في مدح الاتجاه الواقعي والقدح في الاتجاه الرومانسي أو الذاتي الذي يعتبره غير ثوري، ولأن رسالة القصة في نظره رسالة إنسانية، تفتح العيون على عالم الخير والحق والجمال، وتبعث الأمل والحياة، وقد صنف الركيبي قصصه في نفوس ثائرة بأنها قصص واقعية، بل من صميم الواقع و (واقع شعب في حرب دخل السنة الثامنة من كفاحه من أجل الحرية والكرامة الإنسانية).
تحتوي المجموعة على إحدى عشر قصة هي: نوارة الصغيرة، وجود. ولكن، راعي الغنم، في المغارة، قصة لم تتم، وجد نفسه، اختار الطريق، الإنسان والجبل، صرخة في الليل، الواد الكبير، إلى البئر، وهناك قيم وخصائص مشتركة بين هذه القصص وهي كونها تعبر عن حياة منطقة أهل بسكرة، ومنهم المؤلف، فحياته الريفية واضحة في عدد من القصص، أما القيمة الأخرى المشتركة بين القصص فهي أنها - كما يقول المؤلف - قصص تعبر عن الواقع الثوري الذي تعيشه الجزائر، وهو واقع جديد طالما انتظره الشعب، وقد اتضحت أمامه معالم الطريق، طريق الحرية والاستقلال، والملاحظ أن القصص نشرت عشية الاستفتاء على الاستقلال وبعد وقف إطلاق النار (١).
стр. 4808
الركيبي عن تطور القصة
والركيبي من أبرز من اهتم بالقصة القصيرة، تاريخا ودراسة ونقدا أيضا. فقد جعلها موضوع رسالته للماجستير، وتناولها في مقالات ومداخلات في مناسبات مختلفة، وظل يتابعها في محاضراته ودراساته النقدية حتى بعد أن مال عنها إلى التخصص فى الشعر الدينى، ومن رأيه أن هناك مراحل مرت بها القصة الجزائرية بالعربية قبل أن تنضج وتستقر، فهي مثل كل فن جديد عرفت تطورا قادها من المقالة إلى الصورة إلى القصة الكاملة، ثم من القصة الرومانسية إلى القصة الاجتماعية والثورية أو الواقعية.
ومن رأيه أيضا أن التيار الواقعي في القصة ظهر في عهد الثورة سواء كانت مكتوبة بالعربية أو بالفرنسية، غير أنها لم تتخلص نهائيا من الرومانسية حتى في العهد الأخير، والفرق في نظره بين القصة العربية والفرنسية يكمن في الشكل فقط، والمقصود بالشكل هنا هو اللغة المكتوبة التي كتبت بها القصة، أما المحتوى فهو واحد تقريبا، فالجميع يخاطبون الاستعمار، ويصورون آمال الشعب، ولعل الفرق أن القصة بالفرنسية توجه خطابها إلى الفرنسيين وإلى الخارج بينما تتحدث القصة بالعربية إلى القارى الجزائري والعربي على العموم، وقد حلل الركيبي مجموعة من الأعمال التي كتبها جيله في ميدان القصة وعبروا بها عن التيار الواقعي، كالجنيدي خليفة، وأبو العيد دودو، والطاهر وطار، وعبد الحميد بن هدوقة (١).
وهذا التحليل لبدايات القصة وممثليها ومحتواها يظهر أكثر عند الركيبي في الدراسة التي خص بها مؤتمر كتاب المغرب العربي الذي انعقد في طرابلس (ليبيا) في مارس سنة ١٩٦٩، وهي الدراسة التي نشرها في مجلة (القبس)
стр. 4809
وتحدث فيها أيضا عن (القصة القعيرة الجزائرية وأثر الثورة فيها)، ومن رأيه أن القصة تطورت إلى أن وصلت إلى مرحلة النضج أو مرحلة الواقعية الثورية التي يبدو أن الركيبي من أنصارها، على الأقل عندما كتب بحثه، فقد نشأت القصة أواخر العقد الثالث من القرن العشرين، ولا نعرف من الذي دشن هذا العهد الحاسم في حياة فن هام من فنون الأدب الجزائري، غير أن هناك دواعي دفعت إلى اختيار هذا اللون من الأدب، منها السياسي ويعني به الاحتفال بمرور مائة سنة على الاحتلال، والوطني ويعني به ظهور الحركة الإصلاحية على يد ابن باديس ورفاقه العلماء، كما كان للإحساس بانتماء الجزائر العربي (العروبي) دور في دخول ميدان الواقعية، ومن رأى الركيبي أن وجود الازدواجية اللغوية
في الجزائر قد عجل بظهور القصة العربية، كما أن الصراع بين الاستعمار والثقافة القومية (الإسلام واللغة العربية) كان له دور في التعجيل بظهور هذا اللون الأدبي الجديد.
لقد ظهرت القصة عندئذ على يد أعضاء من الحركة الإصلاحية، ولكنها لم تظهر في شكل متكامل، بل ظهرت أولا في شكل مقالة أدبية أو اجتماعية فيها بذور القصة أو الحكاية، ثم تطورت إلى شكل لوحة أو صورة يطبع فيها القصاص فكرته بالقلم المصور للواقع دون تكلف ولا مراعاة للأصول والقواعد، فهذه الألوان كانت تمثل ما يشبه القصة ولكنها ليست قصة لها مقوماتها وأركانها وشخوصها، لقد كان اهتمام الأدباء عندئذ منصبا على الشعر وليس على القصة أو حتى المقالة السيارة أو الخبرية فما بالك بالقصة الفنية، وقد شجع الاتصال بالمشرق العربي عن طريق زيارته والدراسة فيه وقراءة أدبه في المجلات الشهيرة وتتبع معاركه القلمية - شجع على اكتشاف الجزائريين للقصة فدخلت حياتهم الأدبية ولكن بالتدرج.
من رواد هذه المرحلة المبكرة (أو المتأخرة بالنسبة للقصة في أوروبا والمشرق العربي) محمد بن العابد الجلالي، وأحمد رضا حوحو وعبد المجيد الشافعي والحفناوي هالي وأحمد بن عاشور والهاشمي التجاني ومحمد الشريف
стр. 4810
الحسيني، فهؤلاء الكتاب هم الذين مهدوا - حسب الركيبي - لظهور القصة الفنية وتمثلوا علل الشعب وأمراضه الاجتماعية.
ويبدو أن هذا العهد قد طال، فتحن نجد الركيبي لا يذكر مرحلة أخرى بعده إلا أوائل الخمسينات من القرن العشرين أي أن المرحلة الأولى قد استغرقت ثلاثة عقود تقريبا، لأن الأسماء التي ذكرها كلها تقريبا أعطت ما عندها خلال هذه العقود.
أما خلال الخمسينات، وبالخصوص منذ بداية الثورة، فقد ظهر تيار رومانسي جديد شمل الشعر والقصة وبعض الألوان الأدبية الأخرى، ولكنه ما لبث أن ترك الساحة إلى تيار جديد، وهو التيار الواقعي، وخصوصا منذ اندلاع الثورة التحريرية، وهكذا فإن الفضل في رأي الركيبي في ظهور القصة الفنية الواقعية يرجع إلى الثورة التي أحدثت طفرة ونقلت القصة من الموضوعات (المادية المستهلكة إلى المضامين الثورية المعبرة عن الواقع الجديد،) ولا ندري ما المقصود بالمادية هنا؟ وعلى كل حال فإنه في هذه المرحلة استكملت القصة أدواتها وأشكالها وعناصرها الفنية، فاهتمت بالإنسان ونضاله ضد قوى الشر وأصبح لها رسالة إنسانية ووطنية واضحة، وقد حقق القصاص الجديد هذا الهدف عن طريق (الفن المهموس لا بالصراخ، وبالإيحاء لا بالتصرح ....) وببساطة أصبح الجبل بطلا رئيسيا في قصص الثورة، ينطق وينفعل وليس مجرد حجارة صماء.
ولعل الركيبي يشير بالواقعية الجديدة إلى الظاهرة الأدبية التي شاعت في الخمسينات في الأدب الاشتراكي أو التقدمي، وهي ظاهرة الالتزام، ومن ثمة تناولت القصة العربية الجزائرية موضوعات مثل: الاغتراب، والهجرة، والقهر الاستعماري، وصورت معاناة الفلاحين ومشاركة المرأة في الحياة العامة، كما تناولت الجندي الذي فر من جيش العدو إلى جيش التحرير الوطني، ونحوها من الموضوعات الجديدة، كما تبلورت في هذه القصة مفاهيم الوطنية والفداء
стр. 4811
والتضحية والتوق إلى الحرية، وأصبح بطل القصة هو الإنسان العادي، وعبرت القصة عن التفكير الجماعي وعن روح التفاؤل بالانتصار، وتعددت أشكال القصة فهي تارة رسالة، وتارة حوار داخلي أو ما يعبر عنه أحيانا بتيار الوعي، واستعملت الرمز والإيحاء، والوحدة العضوية.
وضرب الركيبي على ذلك مثلا بالقصص التالية التي توفرت في رأيه على المقومات الفنية المطلوبة، ونلاحظ أن هذه القصص كتبت كلها أثناء الثورة وطبعت خارج الجزائر، وأنها صورت نضال الشعب الجزائري في الموضوع والمضمون والشكل تصويرا واقعيا، في نظره، من ذلك الأشعة السبعة لعبد الحميد بن هدوقة، ودخان من قلبي للطاهر وطار، وبحيرة الزيتون لأبي العيد دودو، ونفوس ثائرة لعبد الله ركيبي ...
ورغم الحماس الذي أبداه الركيبي للتحول الجديد الذي شهدته القصة. فإنه استدرك قائلا إن ما سبق لا يعني توفر القصة في العهد المقصود على كل الخصائص الفنية، ولكنها قد خطت خطوات جديدة نحو الكمال واقتربت من النضج، فالنماذج التي ذكرها لم تتخلص نهائيا من الخطابية ومن التعبير المباشر، ومن جهة أخرى رد على بعض الدوائر العربية في المشرق التي تدعي أن القصة الجزائرية لم تظهر إلا في الأدب المكتوب بالفرنسية متناسية أن للجزائر أدبها المكتوب بالعربية والمتوفر على جميع العناصر الفنية.
أما بالنسبة للأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية فإن الركيبي يرى أن التعبير السائد فيه هو الرواية وليس القصة، أو بتعبير آخر طغت فيه الرواية على القصة، ومن رأيه أن القصة عند الكتاب بالفرنسية بقيت غير واضحة المعالم باستثناء مجموعة (في المقهى) وبعض الأعمال الأخرى لمحمد ديب (١).
стр. 4812
تجارب في القصة
والواقع أن الشعور بالحاجة إلى أدب قصصي له مقوماته قد ظهر مبكرا. ربما قبل الثورة نفسها، وقد كتبت شخصيا تجربة قصصية بعنوان (سعفة خضراء)، وأعلنت أن أدب القصة فن جديد وأنه مفقود في بلادنا وأنه قد آن الأوان لطرقه.
وقد رحب النقاد بهذه التجربة، ومنهم الركيبي نفسه، ولا شك أن غيري ربما قد حاول ذلك أيضا دون أن ينشره، ولكن قصة واحدة لا تدل على تيار أو على ظاهرة كاملة (١).
أما عمار النجار فقد تقدم خطوة أخرى حين أعلن سنة ١٩٥٦ أن في الجزائر (بذور قصصية في مقالات) بعد أن قرأ (جناية أب) لزهور ونيسي و (مشروع في مقهى) لمحمد شهرة، (فقد لاحظ أن كلا العملين يحتوي على (بذور) القصة ولكنهما كتبا في شكل مقال رغم أنهما يمثلان قصة قصيرة، دعا السيد عمار النجار، مستفيدا من كتابة حسين مروة اللبناني الذي عالج خصائص القصة القصيرة وتحدث عن أشخاصها، فقال إنهم يتحركون ويتحدثون معنا وأمام أعيننا وأن الكتابة الجيدة تجعلنا نحس كأن هؤلاء الأشخاص هم جزء منا ويتعايشون معنا، لذلك دعا النجار إلى الاهتمام بالقصة في الجزائر وبأشخاصها وفنياتها، أما ما قرأه النجار في هذا الشأن بالجزائر فلا يعدو أن يكون مقالات قصصية، وقد خاب ظنه حين اعتقد أنه سيجد في المقالين المذكورين قصتين لهما خصائصهما الفنية (٢).
زهور ونيسي ورصيفها النائم
توفر لزهور ونيسي ما لم يتوفر لغيرها من النساء والرجال، فهي بنت حاضرة قسنطينة محتدا وثقافة ومعاصرة، ولدت فيها سنة ١٩٣٦، في حي من
стр. 4813
أحياءها الفقيرة ولكنه حي غني بالتقاليد والإرث الحضاري العربي الإسلامي. كان بزوغ نجمها أيام شروق شمس ابن باديس وحركة الإصلاح في قلب قسنطينة، فكان تعلمها حسب هذه الشحنات التي تلقتها وهي صغيرة فصادفت قلبا فارغا فتمكنت وظلت معها إلى اليوم، وما كادت تبلغ الرابعة حتى أفلت شمس ابن باديس، وركعت فرنسا على ركبتيها أمام النازية، وعندما أخذت تعي أوليات الحياة جرت بإقليم قسنطينة حوادث الثامن مايو فتركت ندوبا في كل بيت، وقد وجدتها الثورة بنتا في مرحلة المراهقة، ومع ذلك ظهر قلمها مبكرا على جريدة البصائر التابعة لجمعية العلماء.
بدأت زهور ونيسي تكتب في هذه الجريدة مقالات اجتماعية وصورا قصصية من واقع الحياة الذي كانت تعيشه أو تشاهده في الشارع والمدرسة والسوق وبيوت الفقراء والأغنياء على السواء، وكانت قسنطينة أوائل الخمسينات تعيش حركة ثقافية وتعليمية لم تشهدها مدينة أخرى في الجزائر، ففيها مدرسة التربية والتعليم، ومعهد ابن باديس، والمعهد الكتاني، والمدرسة الفرنسية - الإسلامية، وفيها صحيفة (النجاح) و (الشعلة)، إلى جانب عدد من الصحف والمدارس والنوادي الأوروبية، وفي قسنطينة أيضا كان هناك نادي الاتحاد الإسلامي باتجاهه الوطني الإصلاحي، ونادي صالح باي العتيق، وجمعية المزهر القسنطيني بقيادة أحمد رضا حوحو ... وكل هذه المراكز قد أثرت على الفتاة زهور ونيسي، وهي تستقبل ربيع الحياة وربيع الثورة والحرية. وكان عملها (الرسمي) هو التعليم الذي صعدت منه إلى الكتابة وإلى المجتمع ثم إلى السياسة والقيادة.
بعد الاستقلال جمعت ما عندها من قصص وقدمتها للنشر، فكانت أول امرأة تشق طريقها، وبخطى سريعة، نحو النشر ومزاحمة الرجال في إنتاج القصة والرواية والمذكرات، فصدر لها الرصيف النائم، وعلى الشاطى الآخر، ومن يوميات مدرسة حرة، وغيرها، كما زاحمت الرجال في الوزارة والنيابة في البرلمان، وعضوية اتحاد الكتاب وغير ذلك من المناصب العليا، دون الحديث
стр. 4814
عن الاتحاد النسائي وإدارة مجلة المرأة الجزائرية، وحين نشرت بعض أعمالها الأدبية وجدت من قدما لها تقديما يليق بها كامرأة جزائرية دخلت ميدانا خاليا من النساء، فقد نوهت بأعمالها الدكتورة سهير القلماوني الأكاديمية المصرية المعروفة، وتلميذه طه حسين المدللة، ونوهت بها كذلك الدكتورة بنت الشاطى (فاطمة عبد الرحمن) المؤلفة والأستاذة المصرية المعروفة أيضا، فكان هناك نوع من الحلف النسائي الجزائري - المصري وراء ظهور الرجال، ولعل الأستاذتين المصريتين كان في ذهنيهما أن زهور ونيسي هي هدى شعراوي الجزائرية، أما الرجل الذي دخل على الخط وقدم زهور ونيسي إلى القراء فهو الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي الذي أشاد بمذكراتها كمعلمة في إحدى المدارس الحرة أيام الثورة، وما قامت به من خدمة للجزائر وآدابها وحركتها الوطنية (١).
دعنا نستعر هنا ما كتبناه عن مجموعة (الرصيف النائم) سنة ١٩٦٨، فمنذ البداية ذكرت زهور ونسي أنها لا تريد إعطاء تعريف للقصة، وكأنها كانت تتهرب من ذلك لتترك الأمر للنقاد والدارسين، وقد اعترفت أنها بدأت الكتابة بالمقالة قبل القصة، كان ذلك نتيجة علاقتها بالتربية والتعليم ومعرفة النفس البشرية، وهكذا تسلحت ثم بدأت تخوض الميدان، وهي لا تكتم القارى أنها بنت محيطها الاجتماعي والثقافي وأنها متأثرة بمبادى الحركة الوطنية والحركة الإصلاحية، كما أنها تعلمت من الثورة النشاط ومشاركة الآخر، وكيف تكون - مع كل تلك المعطيات - مع المتمسكين بالتقاليد أو المؤمنين بالبرجوازية، وهي تعيش عصرا جديدا تميز بالإيثار والعمل الجماعي لتحرير الوطن.
أما عن قصصها فتصفها بالبسيطة بساطة الشعب، وأنها (قطع نابضة وصور حية تبرز بعض جوانب ملحمة الثورة .. وتجسمها بكل ما فيها من أبعاد وإعجاز وأساطير)، وتصف قصتها (عقيدة الإيمان) بأنها (أول محاولة لي
стр. 4815
وضعت بأسلوب قصصي)، وهي قصة واقعية تروي حوادث حقيقية وقعت لأناس (ما زالوا يجترون الحياة)، أما قصة (فاطمة) (فهي قصة كل امرأة جزائرية .. المرأة التي عاشت حقا ثورة أول نوفمبر بكل ما فيها من أبعاد)، وهكذا تصف زهور ونيسي قصصها الواحدة تلو الأخرى، وهي تتساءل مع قصة (الرصيف النائم) (أصحيح يوجد ... في أرض الجزائر على مدى خمسة أجيال رصيف نائم) والجواب هو: لا، إن أرصفة الجزائر لم تعرف إلا (الضجيج والصراخ والعويل والانفجارات) (١).
الحبيب بناسي
ولعل (صرخة القلب) للحبيب بناسي تدخل ضمن هذا القصص السردي أو المقالة القصصية، فقد نوه محمد منيع بالصرخة وعرضها على القراء وقال إن المؤلف بذل جهودا شاقة، وبكى وحن إلى الوطن وواجه الحيرة والألم، لأنه جاء من غربة وحل بوطن مضطرب وتألم لأمته المعذبة، ولكن السيد منيع لم يصف لنا الكتاب ولا محتواه فبقي محتواه غامضا على من لم يقرأه، كما أنه لم يتحدث عن حجمه ولا مكان صدوره (٢).
وقد واصل الحبيب بناسي فنشر قصصه الحيوية الجميلة في تونس بعد اختفاء البصائر وتفرق قراؤها وكتابها على الصحف الأخرى، ومنها الصحف التونسية أيام الثورة، فنشر بناسي ثلاث قصص في جريدة الزيتونة بتونس سنة ١٩٥٦، ومنها مأساة أسرة، وشهيد بلا قبر، والدكتور الشهيد، ولا ندري الآن مواضيع هذه القصص التي يبدو أنها من وحي الثورة، كما أننا لا ندري ما مصير
стр. 4816
الأديب بناسي نفسه، فقد تلاشت أخباره وسط ضباب المعركة (١).
وقد وجدنا لبناسي قصة في مجلة هنا الجزائر عنوانها طويل وعاطفي وهو: صراع بين العاطفة والعقل أو دمعة القلب الجريح، وهي قصة غرامية حزينة ذات حب أفلاطوني، تنتهي بمأساة (٢).
وكان نقد القصة ما يزال في أوله كما كانت كتابة القصة نفسها ما تزال في أولها، فالشيخ حمزة بوكوشة قدم مجموعة (صاحبة الوحي وقصص أخرى) لأحمد رضا حوحو تقديما محبذا مستحسنا، قائلا إنها تحتوي على تسع قصص وإنه قرأها كلها وأعجب بها، وإن القراء في حاجة إلى قراءة فن القصة لقلتها عتد الجزائريين، وقد سبق هذا الكلام الإعلان عن قرب صدور هذه المجموعة القصصية التي تضم قصصا اجتماعية وأدبية مزينة بالرسوم (٣)، ونفس المجموعة نقدها وقدمها للقراء مولود الطياب في مجلة هنا الجزائر؟
ونشرت المجاهد قصة دون أن تنسبها إلى أديب بعينه، وعنوان هذه القصة (ما بين الزنزانة والمقصلة) مع عنوان فرعي لها هو (من أعماق بربروس) مما يوحي بأن القصة مرسلة أو كتبت في سجن بربروس، ولا نعرف حتى الآن اسم (الكاتب الجزائري) المسكوت عنه، ويبدو أن القصة غير مترجمة عن الفرنسية وأنها أصلا مكتوبة بالعربية (٤).
عثمان سعدي وابن عيسى
عثمان سعدي من الأدباء المبكرين في ميدان القصة القصيرة، فمنذ الخمسينات نشر عدة قصص في مجلة الآداب، وكانت قصصا تدل على نضج
стр. 4817
وامتلاك لأدوات الكتابة في هذا الفن الأدبي الجديد، وهو من الذين عاصروا تطور القصة في المشرق، وكان أديبا واعدا في هذا الميدان لولا انجذابه إلى السياسة والدبلوماسية، فقد نشر عندئذ قصصا منها: اثنتان وثلاثون طلقة، والشيخ حداد، والثلج والشرف، وتحت الجسر المعلق، والأخيرة هي نفسها القصة التي جعلها عنوانا لمجموعته القصصية التي نشرها بعد الاستقلال، وهي مجموعة تضم سبع قصص، وقد أشرت إلى ما نشر منها خلال الثورة في دراستي عن (الثورة الجزائرية في مجلة الآداب) التي نشرتها هذه المجلة في الذكرى العاشرة لاستقلال الجزائر على ما أذكر، ولعثمان سعدي لغة واضحة وقوية، وموضوع قصصه هو الواقع الجزائري أثناء الثورة وخلفيات الفقر والحرمان الذي خلفه الاستعمار الفرنسي، فقصصه تمثل صفحة هامة من الأدب الواقعي الهادف بلغة ذلك العهد، وهي تعبر أحيانا عن تجارب شخصية عاشها المؤلف نفسه، وكدلالة على ذلك كتب العنوان الفرعي للمجموعة: قصص مستوحاة من واقع الثورة الجزائرية (١).
أما حنفي بن عيسى فقد نشر في مجلة الآداب خلال الثورة القصص التالية: في حي القصبة، وعائدون، والشمس لا تشرق من باريس (٢).
أبو العيد دودو
حل أبو العيد دودو بالنمسا بعد أن انتهى من دراسته في بغداد، ومن النمسا أخذ يكتب القصة والمقالة ويرسل بإنتاجه إلى صحف تونس لأنه لم يبق في ساحة الجزائر غير الصحف الموالية للإدارة الاستعمارية أو الصادرة عنها، واستمر دودو ينشر إنتاجه على قلته - من تونس، فنشر في الندوة والفكر والصباح، إلى يناير ١٩٦٥، حسبما ذكر الباحث الجابري، وبذلك قدم دودو
стр. 4818
إلى الصحافة التونية قصصا ومقالات وترجمات، كما نشر بعض إنتاجه في مجلة الآداب اللبنانية، ويهمنا هنا إنتاجه القصصي ومنه: نضال، والعودة، وجاء دورك، وانتظار، والحلم، والفجر الجديد، والحبيبة المنسية، والغالب أن بعض هذه القصص ظهر في مجموعته الأولى (بحيرة الزيتون) (١).
الطاهر وطار
من رواد القصة والرواية بلا منازع الطاهر وطار الذي قطع بهذا الفن الجسر الصعب، وقد نضجتا على يديه حتى تفوق إنتاجه في هذا الميدان على إنتاج معاصريه حتى المكتوب باللغة الفرنسية، بدأ الطاهر وطار مشواره الأدبي أيضا من تونس حوالي سنة ١٩٥٦ حيث تجمعت نخبة جزائرية مثقفة بالعربية والفرنسية وتبارت في الإنتاج الوطني الثوري، فتخلف من تخلف إما عجزا وإما موالاة للإدارة الفرنسية لأن المرحلة فرضت هذا التمايز والفرز، فكان وطار في الضفة اليسرى من النخبة الثورية، وقد استمر في العطاء والإبداع إلى حوالي ١٩٦٢، ولكن الذين تابعوا إنتاجه بعد الاستقلال يعرفون أن معظم رواياته ظهرت في هذه المرحلة (بعد الاستقلال) وأن عهده الأول تميز بكتابة القصة القصيرة والمسرحية والمقالة، فقد نشر عدة مقالات وقصص في جريدة الصباح التونسية بين ١٩٥٦ و ١٩٦٢، وظهرت له بعض المسرحيات في مجلة الفكر سنة ١٩٦٠، كما نشر في جريدة العمل مسرحيات أخرى، وحسب الجابري فإن وطار نشر ما يقارب خمس مسرحيات في مجلة الفكر وحدها، منها: الأميرة، والهارب، وعلى الضفة الأخرى وكل منها في حلقتين أو ثلاث (٢).
وإذا عدنا إلى أوليات وطار وجدناه من مواليد مداوروش (بلد أبوليوس أو مضور كما سماها الطياب)، أثناء دراسته في معهد عبد الحميد بن باديس، تأثر بمجتمع قسنطينة المختلط الطبقات والنفوذ، فشعر فيه بالاغتراب سيما
стр. 4819
عندما وجد نفسه أمام الجاليات الأجنبية (المستوطنين)، وربما لم يكن هو بدعا في ذلك بل كان يشاركه كل أبناء الجزائر القادمين من الريف، فكلهم كانوا يشعرون بالغربة في وطنهم، وهو الأمر الذي دفعه إلى أن يتجه إلى تونس حيث الحياة الأدبية مزدهرة نسبيا وحيث المجتمع عربي اللسان والطبع في منسجم مغ بعضه ولا يحس معه الجزائري ابن الريف بالغربة، وفي تلك الأثناء نشرت له أول قصة لا نعرف ما هي، ولكننا نعرف أن تونس كانت تتوفر على وسائل النشر بالعربية أكثر من الجزائر، كما كانت تتوفر على الصحف والمجلات المحلية أو الوطنية وعلى الدوريات القادمة من المشرق العربي والتي كانت الجزائر محرومة منها، ويعترف الطاهر وطار أن الثورة الجزائرية هي التي فجرت فيه شرارة الإبداع الأبي والروائي بصفة خاصة، وقد قال إنه لولا الثورة لما خرج من قريته ولما كتب ربما حرفا ولما أصبح مناضلا برؤية جديدة يطغى عليها الأمل في المستقبل، ولعله في هذه المشاعر يعبر عن جيل كامل من المثقفين الجزائريين (١).
صور من البطولة في الجزائر
مجموعة قصص كتبها فاضل المسعودي ومحمد الصالح الصديق من وحي الثورة التحريرية ومحيطها وصدرت سنة ١٩٥٧ بطرابلس (ليبيا)، ومعظم القصص مكتوبة خلال السنة التي قبلها، وهي مهداة إلى أرواح الشهداء، والشرفاء و (المناضلين من أجل السلم والخبز والحرية (وإلى (رافعي السلاح والقلم والريشة،) ولذلك قلنا إنها من وحي الواقع بكل جدارة، بما في ذلك معاداة الغرب المعتدي والاستعمار وترديد شعارات اليسار، وقد قدم للمجموعة السيد يوسف القويري فقال إن الأدب يقاوم كما يقاوم الإنسان وإنه يقف إلى جانب القاعدة الشعبية، ولذلك فإن القصص التي يقدمها تفوح رائحة البارود أيضا.
стр. 4820
كتب محمد الصالح الصديق بعض القصص من المجموعة منها امرأة من آيت خلفون، وهي امرأة تنتزع الحب والعطف لبطولتها، فهي أم فدائية التحقت بزوجها في الجبل وأما قصة الساعة الخامسة فتجعلك تؤمن بأن للثورة إرادة لا تهزم أبدا وأن الاستعمار لا يمكنه أن يحمي الخونة إذا قررت الثورة تصفيتهم في ساعة محددة (الساعة الخامسة) ولو اختبأ الخائن منهم وراء قضبان السجن الفرنسي.
أما المسعودي فقد استعمل طريقة المونولوج الداخلي في قصة مليكة ورسم له أدق الظلال، وفي بعض القصص تبدو المشاهد قاسية حيث تقتل الأخت أخاها الخائن لأنها تفضل الشعب والوطن عليه، وتضم المجموعة إحدى عشرة قصة، سبعة منها كتبها الصديق وأربعة كتبها المسعودي (١).
عبد الحميد بن هدوقة
عبد الحميد بن هدوقة أحد أبرز كتاب القصة والرواية في عهد الثورة وما بعده، بدأ نشاطه في مسقط رأسه (المنصورة) حيث ولد سنة ١٩٢٩ ثم انتقل إلى قسنطينة فدرس في معهد الكتانية التابع للطريقة الحملاوية (الرحمانية)، وبذلك يكون قد نشأ نشأة ريفية صافية، وهو ابن الهضاب العليا الطيبة بهوائها وجمالها واتساعها، وقد سجل أحداث تلك المنطقة في أدبه فكان أدبه أدبا أصيلا .. سافر إلى فرنسا وأقام في مرسيليا فترة عندما كان عمره سبع عشر سنة. فتأثر بالبيئة الفرنسية عن قرب وعاشر المهاجرين الجزائريين وشاركهم معاناتهم قبل الثورة، وقد بقي في مرسيليا إلى سنة ١٩٤٩ بحيث قضى سنوات الحرب هناك، ولعله اختزن من تلك الفترة آثار سقوط النظام الفرنسي وحكم فيشي
стр. 4821
واحتلال الألمان لباريس، وقارن ذلك بما كان يجري في بلاده على يد الاستعماريين .. وبعد رجوعه إلى الجزائر التحق بالكتانية حيث بقي عاما، قبل أن يلتحق بجامع الزيتونة بتونس، هذه التحركات التي قام بها بين البلدان الثلاثة ما زلنا لا نعرف دوافعها، فهل هي دوافع مادية أو تعليمية أو هي مجرد صدفة ومغامرة؟
بقي ابن هدوقة أربع سنوات في تونس حيث درس الأدب والفنون الدرامية في المعهد الخاص بذلك، وربما كان في هذه الأثناء عضوا في حزب الشعب. وعلى كل حال فقد ترأس جمعية الطلبة الجزائريين في تونس، ثم رجع إلى الجزائر عام الثورة وفي قسنطينة قام بتدريس الأدب في المعهد الكتاني، ولما كان عضوا في الحركة النضالية فقد أحس بيد الاستعمار تتبعه، فسافر إلى فرنسا من جديد في نوفمبر ١٩٥٤، واهتم فيها بالأدب والإنتاج الدرامي، فأخذ يكتب المسرحيات التي كانت تذاع في المحطات المتوفرة التي ربما منها الإذاعة الفرنسية بالعربية، ويقال إنه عمل مخرجا في هذه الإذاعة أيضا، وفي سنة ١٩٥٨ التحق بتونس من جديد وتفرغ للأدب وكتب تمثيليات عديدة وعمل في الإذاعة التونسية.
ومن نتائج عمله في هذه الأثناء كتابة المجموعة القصصية (الكاتب وقصص أخرى) التي عبر فيها عن معاناته، وبعد الاستقلال رجع إلى الجزائر واشتغل في الإذاعة الوطنية، وتابع العمل الأدبي فصدرت له المجموعات القصصية التالية: ظلال جزائرية، والأشعة السبعة، وأهم أعماله الروائية: ريح الجنوب، ونهاية الأمس، وبان الصبح، وظهر له في الشعر (الأرواح الشاغرة) التي تذكرنا بكتابات جبران والتي تحتوي على الشعر المنثور.
وله في النثر (الجزائر بين الأمس واليوم)، ومن الملاحظ أن ما صدر له في عهد الثورة هو مجموعاته القصصية، أما رواياته فقد صدرت بعد الاستقلال، ولذلك فهي خارج موضوعنا هنا (١).
стр. 4822
ويذكر الجابري أن ابن هدوقة نشر في تونس بعض المقالات والقصص. فمن قصصه: هبهاب الكذاب في أربع حلقات في مجلة الإذاعة التونسية ابتداء من مايو ١٩٥٩، كما نشر في نفس المجلة: بائع التذاكر، وزيتونه الحب، والضفدع والثعبان، ولن أبني للخراب، من ٣٠ مايو، ١٩٥٩ إلى ٢ أكتوبر ١٩٦١ - كما نشر مقالات في جريدة الصباح (١).
إن حياة عبد الحميد بن هدوقة حياة أديب قضى عمره في البحث عن وسيلة يثبت بها هوية الجزائر، وقد وجدها في الأدب عامة والقصة والرواية خاصة، ولا ننسى أن ابن هدوقة شارك في الحياة الثقافية بتوجيه الإنتاج الأدبي، بما فيه الإذاعي، وتولى عدة مسؤوليات، منها مدير الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، وربما كان مسؤولا على فرز الإنتاج الإذاعي والتلفزيوني بعض الوقت، ويبدو أنه كان يعاني من أمراض عديدة، ولكنه كان مثل أبو العيد دودو، يعمل في صمت إلى أن رحل كل منهما في صمت أيضا، وأشهد أنني تعرفت عليه في تونس أيام الطلب وكنا ننتمي إلى جمعية الطلبة، ولكننا لم نحتلط كثيرا، ثم عرفته عن كثب بعد الاستقلال مسؤولا وكاتبا، فكان نعم الإنسان والأديب.
بقي أن نقول عن القصة والقصاصين إن تونس كانت المشتلة التي أنبتت شجيرات هذا النوع الأدبي الجميل، وهو القصة .. بدأ بعض الأدباء الجزائريين حياتهم فيها وواصلوها حتى بلغوا شأوا عظيما في القصة والرواية مثل وطار وابن هدوقة ورشيد بوجدرة، وبعضهم بدأ هذه الحرفة النبيلة ثم مال عنها إلى
стр. 4823
الدراسة والمقالة مثل عبد الله ركيبي والجنيدي خليفة، وهناك من بدأها ثم توقف لأسباب طبيعية كالوفاة مثل عبد الملك بوصبيع، فهذا الرجل (الطالب) قد نشر قصتين في جريدة الصباح التونسية، ربما سنة ١٩٥٦ أو سنة ١٩٥٧ قبل أن يتلقفه الموت فجأة (١).
قصاصون آخرون
وفي هذه الفترة نشرت جريدة (المجاهد) قصة قصيرة - على غير عادتها - بعنوان (الضفدعة الشهيدة) وردت فيها رموز عديدة ترجع إلى سنة ١٨٣٠، منها أن الجنود الفرنسيين قتلوا الضفدعة ليلا لأنها كانت تقلقهم بنقيقها المتواصل، كما قتلوا الحارس، وهو حارسهم، ليلا أيضا خوفا ورعبا منه، كانوا يستريحون بالمكان أثناء إحدى الغارات، ومن الرموز التي أوردتها قصة الضفدعة الشهيدة المسجد والضريح الواقع فوق ربوة، وهو ضريح أحد الأولياء، والولي هنا هو الضفدعة نفسها التي أصبح السكان يعتقدون أنها مقدسة وولية صالحة قتلها الكفار، لكن والد الفتاة، وهي صديقة الجندي الثوري، حكى لها أصل الحكاية أي أنها ضفدعة وليست ولية، وتقدم هذه القصة مشهدا للصداقة والشعور بالحب المتبادل بين الجندي والفتاة كما تقدم أسلوبا جميلا في القصص الأدبي، وقد أخذت القصة صفحة كاملة من المجاهد، كما أنها نشرت بدون توقيع ولا إشارة إلى أنها موضوعة أو مترجمة (٢).
كما نشرت المجاهد قصة عنوانها (من الأدب الثوري)، وهي ليست قصة جزائرية على كل حال، وكان الهدف من نشرها هو إعطاء نموذج من الأدب الصيني أو الفيتنامي الثوري، وكانت تنشر أحيانا قصصا معربة من الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية، أما لجوءها إلى نشر قصص من الأدب الأجنبي فهي عادة تريد به نموذجا من الأدب الريفي يخدم الثورة لأنه يتحدث
стр. 4824
عن المعاناة ثم اختيار الثورة طريقا للخلاص من الاحتلال والظلم، كما حدث في الصين والفيتنام (١).
في مجلة هنا الجزائر ظهرت عدة قصص بعض أصحابها معروف والآخر يبدو أنه كان يحمل أسماء مستعارة، كانت القصص عادة اجتماعية أو دينية بعيدة عن السياسة والثورة، من ذلك قصة مالك واري (أضحية العيد) التي يبدو أنها مترجمة عن الفرنسية لأن كاتبها لا يكتب بالعربية (٢).
ومن جهتها نشرت فتيحة مازيغي قصة موجهة للأطفال باسم (الزبير أو الطفل الرشيد)، سنة ١٩٥٦، وظهر اسم هذه الكاتبة مع عدة قصص في نفس المجلة، ولكن هل هذا هو اسمها الحقيقي؟ ومن جهة أخرى نشر الباهي فضلاء قصة بعنوان (اليتيم) (٣).
وأسهم الطاهر فضلاء في القصة إلى جانب المسرح، وكانت مساهمته في القصة تتمثل في كتابتها على أصول تدخلها عالم الصنعة، من ذلك قصة (راشد القافلة)، وهي قصة رمزية تصور نوم الجزائر سياسيا واجتماعيا وظهور ابن باديس وحركته باعتباره موقظا وهاديا وقائدا للقافلة (٤).
اضطهاد أدباء العربية
وفي هذه الأجواء لم يكن أدباء اللغة العربية أسعد حظا من زملائهم، فقد تعرضوا لمختلف أنواع الاضطهاد البدني والنفسي، دخل مفدي زكرياء السجن ثم هرب منه ورضي بالمنفى والغناء لقادة المغرب وتونس تحت راية وحدة المغرب العربي، وكاد يصمت محمد العيد وأحمد سحنون عن الشعر لأن
стр. 4825
كليهما كان خاضعا للقمع الأول تحت الإقامة الجبرية والثاني في غياهب السجن، واغتيل الأدباء حوحو وبوشامة والعقون والعمودي والزاهري ... ولكن الساحة لم تبق فارغة فقد حل بها جيل جديد في قامة من كنا نصفهم والذين رفعوا الراية في الشعر والقصة والرواية والمقالة في محافل تونس والمغرب والمشرق العربي .. ومع ذلك فأغلبهم بقي يدور في فلك النظام الجديد الذي قام بعد الاستقلال بأطيافه المختلفة، ولم يصعد إلى العالمية منهم سوى اثنين أو ثلاثة، أما الآخرون فقد جنى عليهم الحزب الواحد الذي انتموا إليه عن خوف أو طمع، فظلوا يدورون في فلكه ويتنفسون برئتيه، والحزبية والتحزب قيد للفكر والأدب، وهو القيد الذي تخلص منه أغلب أدباء التعبير بالفرنسية.
стр. 4826
الفصل التاسع
الشعر
المصادر
في العدد الخاص من مجلة آمال التي كانت تصدر عن وزارة الثقافة عدد عنوانه نماذج من الشعر الجزائري المعاصر، شمل مجموعة من الشعراء المخضرمين ومن الجيل الجديد، وتطول القائمة لو ذكرناهم جميعا بأسمائهم هنا، ولكن ميزتهم أن منهم من عاش حتى شهد نيران الثورة ومن عاش حتى ذاق حلاوة الاستقلال.
ومن المصادر أيضا كتاب أناشيد للوطن الذي جمعه ودرس نصوصه الأمين بشيشي، ثم الثورة في الأدب الجزائري لصالح مؤيد، وشخصيات من الأدب الجزائري لأحمد دوغان، والشعر الجزائري الحديث لصالح خرفي، والشعر الجزائري الحديث لمحمد ناصر، وحديث الشبوكي عن نشيده (جزائرنا) في جريدة المجاهد الأسبوعي (٣٠/ ١١/ ١٩٧٩)، ودراسات في الشعر الجزائري الحديث لعبد الله الركيبي، وروحي لكم لمحمد الأخضر عبد القادر السائحي، ونماذج من الشعر الجزائري المعاصر لعبد العالي رزاقي، ومحمد العيد آل خليفة تأليف أبي القاسم سعد الله، ولصالح خرفي دراستين مستقلتين عن رمضان حمود ومحمد سعيد الزاهري، ولابد من ذكر مقدمة مفدي زكرياء لديوانه اللهب المقدس وتعليق نذير مصمودي عن ديوان ابن رحمون، وما كتبه النقال والمعقبون على ديوان محمد العيد آل خليفة، بالإضافة إلى المجموعة
стр. 4827
الكلاسيكية المعروفة (شعراء الجزائر في العصر الحاضر) لمحمد الهادي السنوسي التي ما تزال تشكل خلفية لدارسي شعر المرحلة الثورية أيضا.
وفي مقال نشره سعد الدين بن شنب عن (اللغة العربية والأدب العربي في الجزائر) في مجلة الأديب اللبنانية نوه بالشاعرين محمد العيد وأحمد سحنون معتبرا الشاعر الأول بأنه أعظم شعراء العصر (١).
وكان أحمد بن ذياب قد نشر مقالة عن الربيع في الشعر الجزائري وذكر نماذج من الشعراء، منهم محمد العيد وأحمد سحنون وأحمد الأكحل والسائحي والسنوسي وعثمان بلحاج وعبد الكريم العقون (٢).
وفي سنة ١٩٦١ أنجزت وزارة الأخبار الجزائرية اسطوانتين تشتملان على مجموعة من الأناشيد والأغاني الوطنية، وجرى التسجيل في يوغسلافيا برعاية الفرقة الفنية الجزائرية، وتستغرق إذاعة الاسطوانتين ساعين، ومع هذا الخبر نشرت (المجاهد) صورتين: صورة لفتاة صغيرة كتب إزاءها بالخط الكبير (Algérie) بالفرنسية، وصورة أخرى لفرقة من الجنود المسلحين وهم في حالة سير وقد كتب إزاءها عبارة (الجزائر) بالعربية، ولم تذكر الجريدة نوع الأغاني والأناشيد ولا عددها (٣)، من الأعمال التي ظهرت أثناء الثورة عن الشعر الجزائري كتاب عبد الله ركيبي: دراسات في الشعر العربي الجزائري الحديث (٤).
في البحث الذي عنوانه (تصميم للشعر الجزائري الحديث) تحدثنا عن شعر الثورة، وهو منشور في مجلة الآداب اللبنانية، كما أنه منشور في كتابنا دراسات في الأدب الجزائري الحديث، في هذه الدراسة إشارات إلى شعر عبد السلام حبيب وصالح باوية وصالح خرفي وعبد الرحمن الزناقي وأحمد معاش
стр. 4828
وأبي القاسم خمار، مع نماذج من شعرهم، كما أشرنا في بحث (البطل في الأدب الجزائري) إلى أن شعر الثورة يعتبر من شعر الملاحم وأنه سيكون موضع دراسات متخصصة في عهد الاستقلال، وقد تحقق ذلك.
ومن ناحية أخرى صدرت دراسات متعددة عن الشعراء أنفسهم أو عن موضوع معين من الشعر أو في مكان محدد زمن الثورة، بما في ذلك الشعر الشعبي، وهي دراسات مفيدة في هذا المجال، وهناك أيضا ألوان من الدراسات عن شعر الثورة باللغة الفرنسية سجل بعضها الكاهن جان ديجو في كتابه (بيبليوغرافيا الجزائر).
ولعل من أواخر ما صدر عن الأدب الجزائري أثناء المقاومة والثورة كتاب عبد الملك مرتاض الذي سماه (أدب المقاومة الوطنية في الجزائر: ١٨٣٠ - ١٩٦٢)، ومن الواضح أن الكتاب ليس كله عن أدب الثورة ولا عن شعرها، ولكنه يتناول هذا الشعر في جزء منه، وهذا هو ما يهمنا الآن.
ومما تناوله مرتاض من شعر الثورة تحليل بعض النصوص لشعراء كانوا شبانا يتفجرون حماسا وغيرة على الوطن أمثال باوية وخرفي أو من المخضرمين أمثال مفدي زكرياء ومحمد العيد، وكانت دراسته لنماذجه مطولة وخاضعة لمقاييس نقدية حديثة، ومن هذه النماذج قصيدة ساعة الصفر لباوية التي حللها في الفصل الثامن من الجزء الأول، ص ٣٩٣ - ٤٢٣، كما خصص في نفس الجزء دراسة تحليلية للثورة في شعر مفدي زكرياء، ص ٤٢٦ - ٤٨٧، أما صورة الثورة في شعر الخرفي فقد تناولها على صفحات ٤٩١ - ٥١٩ من نفس الجزء أيضا، بقي أن نقول إنه خصص الصفحات ٥٢٣ - ٥٥٦ من نفس الجزء لقصيدة أبي بشير لمحمد العيد، وكل نص من هذه النصوص خصص له مرتاض فصلا بذاته (١).
стр. 4829
حالة الشعر والشعراء عشية الثورة
يمكن القول إن ساحة الشعر كانت خالية من الفرسان عشية الثورة، فقد أدى شعراء ما بين الحربين دورهم وانتهوا بالانطواء على أنفسهم، فلم نعد نقرأ لمحمد العيد وجيله سوى قطع في مناسبات محدودة ينشرونها في البصائر أو المنار أو النجاح أو هنا الجزائر وأمثالها من الصحف القليلة ذات المشارب المختلفة.
وخلت الساحة من أبي اليقظان (إبراهيم بن عيسى) ومحمد اللقاني والعمودي، بل حتى من الهادي السنوسي ومفدي زكرياء وأمثالهم ممن ضمهم كتاب (شعراء الجزائر في العصر الحاضر)، كانت القضايا التي ناضلوا من أجلها قد نضجت وبدأت تأتي أكلها في الأحزاب السياسية والجمعيات الوطنية ودخلت في صراع غير متكافى مع الاستعمار منذ الحرب العالمية الثانية، وهو الصراع الذي انتهى بمجزرة الثامن مايو التي أذهلت كل شاعر وكل مثقف وكل سياسي.
لم يكن جيل الشعراء الذين ظهروا بين ١٩٤٥ - ١٩٥٤ متفرغا للشعر. كان يعيش الحركة الوطنية في أبعادها المختلفة، بل لقد توزع في اتجاهاته بين الطرفية والوطنية والرومانسية، لم يكن كله من أنصار هذا التيار أو ذاك، كما برد الحماس للسياسة الحزبية لأنها لم تنتج قيادة مقنعة ولم تعبر عن طموحات الشعب أو تحقق الآمال التي وعدت بها، فسكت مفدي زكرياء شاعر حزب الشعب واشتغل بالتجارة، وانزوى محمد العيد مرددا:
وجنحت للحرم الذي فارقته ... زمنا جنوح الطير للأوكار
وفضل أحمد سحنون أداء رسالته في شعر الوعظ والإرشاد وتوجيه. الشباب الجديد، فكان يخاطب المعلم بهذه الأبيات الحية المتفائلة بمستقبل الوطن والأمة:
هات من نشء الحمى خير عتاد ... وادخرهم لغد جند جهاد
стр. 4830
هات نشئا صالحا يبنى العلا ... ويفك الضاد من أسر الأعادي
هاته جندا قريا باسلا ... إن دجى خطب يكن أول فاد
حطه بالإسلام من كل أذى ... واحمه بالخلق من كل فساد
اهده بالعلم فالعلم سنى ... ومن القرآن زوده بزاد
صغه للإسلام سيفا صارما ... ومثالا من ذكاء واجتهاد
قد إلى العلياء أشبال الحمى ... وإلى تحريرهم كن خير حاد
لا تقل شمس بني الضاد اختفت ... وطوت أيامهم سود عواد
إن ذوى النبت فإن البذر في ... باطن الأرض لينمو في ازدياد
لا تضق ذرعا ولا تهلك أسى ... أمة الضاد ستحظى بالمراد
وبنفس اللهجة المتفائلة خاطب أحمد سحنون التلميذ الذي رمز به إلى الجيل الجديد، الجيل الذي رفع راية الجهاد في النهاية وقاد الثورة، فهو يخاطب التلميذ قائلا:
لك في كل حشا نبع وداد ... يا رجاء الضاد يا ذخر البلاد
شعبك الموثق لم يبق له ... من عتاد فلتكن خير عتاد
لج الاستعمار في طغيانه ... كل يوم منه ألوان اضطهاد
لغة الضاد التي ما برحت ... لغة الإعجاز سيمت بكساد
دينك الإسلام في أوطانه ... ناله المكروه من أيدي الأعادي
وليكن حاديك تحرير الحمى ... إن تحرير الحمى للحر حاد (١).
ولم يستطع شعر عبد الكريم العقون ولا شعر الربيع بوشامة ولا شعر أبي بكر بن رحمون أن يخرج عن نموذج شعراء الإصلاح في باكورته خلال
стр. 4831
الثلاثينات رغم تداعيات الأحداث في الجزائر والبلاد العربية.
ولكن تيارا موازيا بدأ يظهر في الضفة الأخرى معبرا عن هموم المشاعر العاطفية والدينية والاجتماعية، وقد تمثل هذا التيار في الشعراء الذين احتضنتهم مجلة (هنا الجزائر) أمثال الأخضر السائحي والطاهر البوشوشي وأحمد الأكحل، والواقع أن هذا التيار قد استمر في تموجاته وعطائه حتى خلال الثورة.
لم يظهر أي أثر لنقد الشعر قبل الثورة، إذا استثنينا ملاحظات الإعجاب التي كان يبديها بعض الشيوخ عند سماعهم لقصيدة نظمها زميلهم الشاعر أو المعلم، لذلك كان الميدان خاليا من أصوات النقاد ومن محاسبة الشاعر على إنتاجه، فهو في ذلك ينظم الشعر في منتهى الحرية دون مراعاة الناقدين والمتذوقين.
عاش الشعراء الأزمة السياسية التي عرفتها البلاد عشية الثورة كما عرفها السياسيون، فقد أحسوا أن الجزائر قد فاتها ركب الثورة في تونس ومراكش وأن عليها اللحاق به، وكانوا غير راضين عن تصرف القادة مما جعلهم ينزعون ثقتهم منهم ويدعون إلى الوحدة الوطنية وتجاوز الأزمة، كما دعوا إلى عدم التحزب وتقديم المصلحة العليا للبلاد، ظهر ذلك في الشعر الذي قيل في جبهة الدفاع عن الحرية واحترامها (١٩٥١) على لسان محمد العيد مثل قصيدة (يا قوم هبوا) وقصيدة الصادق نساخ (اجمعوا الشعب)، كما ظهر في الشعر الذي نظم حول الاستفتاء على الوحدة الذي نظمته جريدة المنار سنة ١٩٥٣ والذي اشترك فيه الشعراء والكتاب والسياسيون والعلماء، لقد كان الشعراء يحسون ربما أكثر من غيرهم بجمود الوضع، لذلك كانوا يتحدثون عن البديل ويبشرون بغد جميل، كما في شعر أحمد سحنون سابق الذكر، ولمحمد العيد بالذات رأي مكتوب نثرا حول الوحدة المنشودة، ومن الملاحظ أن مفدي زكرياء لم يشارك في هذا الاستفتاء.
стр. 4832
وفي تحقيق حول إنجازات الاتحاد العمالي في تونس تحدث المحقق عن زيارة قاموا بها لمركز تعليم الأطفال، وقد جاء في التحقيق أن الأطفال وقفوا ينشدون نشيد (أرض الجزائر يا أمنا)، وكان لهذا النشيد معنى خاص لأن معظم الأطفال المشار إليهم فقدوا أمهاتهم في حرب التحرير، ومن إنجازات الاتحاد نشر التعليم المهني كالنجارة وتربية النحل والكهرباء، ولم تذكر المجاهد التي أوردت الخبر نص النشيد، ربما لأن المناسبة هي نقل معلومات عن المركز المهني أكثر من الحديث عن الأناشيد (١).
وفي العدد الثالث من جريدة المقاومة الجزائرية نجد كلمة بعنوان (المرأة الجزائرية عبر التاريخ)، وقد جاء فيها الكاتب على ذكر الكاهنة وكيف أوصت أبناءها بدخول الإسلام مما أهلهم لتولي قيادة جيوش الفتح، ثم جاء على ذكر نساء قبيلة رياح ومقاومتهن ضد الأتراك، حسب قوله، ونساء منطقة غريس في عهد الأمير عبد القادر ضد الفرنسيين، ثم الأميرة عائشة (كذا) التي تصدت للفرنسيين سنة ١٨٥٧ (ولعل الكاتب يقصد فاطمة نسومر؟) والتي ابتكرت - كما قال - نظام المسبلين.
والظاهر من المعلومات المذكورة أن الكاتب إما جاهل بالتاريخ أو أنه أراد توظيف أحداثه لخدمة الثورة في ذلك الوقت العصيب، أما الحقائق التاريخية المتعلقة بالأشخاص المذكورين فهي معروفة ولا تحتمل كل هذا التمحل ولي العنق والذراع.
الأناشيد الوطنية
الأناشيد من فنون النظم التي انتشرت عشية الثورة وهي على أنواع، منها التعليمي الذي شاع في المدارس والذي يعتمد التوجيه والتأثير في الفتيان والشباب، بنفخ فيهم الروح الوطنية والإسلامية والأخلاق الفاضلة، ومنها
стр. 4833
الأناشيد الكشفية التي تربي الاعتماد على النفس والشجاعة والإيثار والصحة البدنية، وبعد قيام الثورة أصبحت الأناشيد سياسية - وطتية تنمي الاعتزاز بالوطن وأهله وتحث على الالتفاف حول الثورة وخدمة الأهداف البعيدة التي تعمل الثورة على تحقيقها مثل الاستقلال والحرية وإقامة الدولة الحديثة.
وقصيدة إلى المعلم ثم قصيدة إلى التلميذ للشاعر أحمد سحنون اللتان سقناهما منذ حين تدخلان في الأناشيد التربوية التي قيلت قبل الثورة، وقد عرف الطاهر التليلي بنظم لأناشيد تربوية كثيرة ضمها إلى ديوانه الدموع السوداء، ومنها الأبيات التالية:
قد رأينا ما رأينا ... لعبة فيها عجب
قطة فوق حمار ... قد تولاها الطرب
رقصت وهي تموء ... وتصيح وتخب (١)
وهناك غير هذين الشاعرين، لأن المفترض أن كل معلم يحسن نظم أناشيد ينشط بها أذهان تلاميذه ويقوي الملكة اللغوية والأدبية عندهم، أو يحسن اختيار أناشيد نظمها شعراء آخرون سواء كانوا من الجزائر أو من المشرق العربي، وأذكر أنني عندما كنت أعلم في مدرسة التهذيب بالعاصمة، كنت أحضر لتلاميذي الصغار أناشيد من بينها: عليك مني السلام يا أرض أجدادي ..
ومن الأناشيد الكشفية مجموعة محمد الصالح رمضان (ألحان الفتوة). وهي أناشيد تمجد البطولة والإقدام والتضحية في سبيل الوطن وحب الطبيعة وخدمة المجتمع، وهي تشبه شعر أحمد سحنون الذي سقناه منذ قليل. أما الأناشيد السياسية والوحدوية فقد ظهرت مع الثورة، وهناك أناشيد ثورية لم تدون في وقتها وربما لن تدون أبدا لأنها قيلت في أول الثورة حين لم يكن هناك إلا الذاكرة، وربما يكون (جزائرنا) لمحمد الشبوكي أول نشيد مسجل
стр. 4834
وملحن تم إنشاده في مناسبات عديدة وشاع لحنه بين الثوار، وهو نشيد يرجع إلى سنة ١٩٥٥ أي بعد معركة الجرف الشهيرة التي تعتبر من أوائل المعارك الكبيرة بين الثوار وقوات الاستعمار، وقد سافر نشيد (جزائرنا) عبر الحدود ووصل إلى الحركات الطلابية وتجمعات الجالية الجزائرية وأنصار الثورة عبر العالم، وهو نشيد قوي في معناه ولغته ومحتواه، وقد لحن لحنا حماسيا مؤثرا يرفع معنويات الجنود ويدفع بالشباب إلى الانضمام إلى الثورة والاعتزاز بها، فهو نشيد محارب بألفاظه ولحنه ومعانيه الوطنية ومعلوماته التاريخية التي تجعل الاستعمار في قفص الاتهام.
ألحان الفتوة
صدرت مجموعة أناشيد ألحان الفتوة لمحمد الصالح رمضان سنة ١٩٥٣، وقد كتب عنها عدد من الكتاب ورحبوا بها لأنها لون من ألوان الأدب من جهة ولأنها نافذة جديدة للتعبير عن الوطنية والموقف السياسي، كتب عنها في جريدة البصائر الشيخ حمزة بوكوشة ومحمد الأكحل شرفاء وأبو القاسم سعد الله، وربما كتب عنه أيضا مولود الطياب في هنا الجزائر، أما كلمتي فقد نشرت بتاريخ ١٢/ ١٣/ ١٩٥٤ بعنوان (اعزفوا ألحان الفتوة)، وقد أعاد الشيخ رمضان طبع ألحانه سنة ١٩٦٤ وقدم لها هذه المرة الشيخ علي مرحوم، وكانت كلمتي عنها متميزة بأسلوب أدبي - شعري، بينما كانت كلمة شرفاء عنها أكثر التصاقا بالواقع فتحدث عن صدق الناظم وجودة أناشيده الكشفية وعن النهضة الجزائرية على يد الإمام ابن باديس، أما كلمة الشيخ بوكوشة فكانت أدق تعبيرا عن ألحان الفتوة وأهميتها الأدبية والتربوية في إطار الحركة الوطنية والإصلاحية، فهي قبل كل شيء قصائد تربوية وطنية في إطار الرياضة والصحة الذهنية والبدنية، وقد كان صاحبها رمضان مرشدا كشفيا عدة سنوات.
الشبوكي ونشيد جزائرنا
وحياة الشيخ محمد الشبوكي لم تكتب بتفصيل حتى الآن حسب علمنا.
стр. 4835
وتوجد بعض المعلومات عنه في عدة مراجع، منها: حديثه عن نشيد (جزائرنا) في جريدة المجاهد الأسبوعي المنشور في ٣٠ نوفمبر سنة ١٩٧٩، وأناشيد للوطن للأمين بشيشي.
ولد الشيخ الشبوكي في الثليجات بلدية الشريعة ولاية تبسة سنة ١٩١٦، حفظ القرآن العظيم صغيرا وواصل تعليمه في جامع الزيتونة إلى أن حصل على شهادة التطويع سنة ١٩٤٢، ومنذئذ دخل ميدان التعليم عند جمعية العلماء، كما تولى إدارة المدرسة التي كان يعلم فيها، وفي سنة ١٩٥٥ انضم إلى للثورة التي كلفته بالتوجيه والإعلام، وقد قبض عليه العدو أوائل السنة الموالية وتنقل على يديه بين عدة معتقلات سجون.
وقد تحدث بنفسه عن ظروف نظمه لنشيد (جزائرنا) في المسرح المشار إليه، وبناء عليه فقد كان قريبا من جبل الجرف الذي وقعت فيه المعركة ورأى الكثير من الجيش الفرنسي الذي جاء لسحق الثوار بعدته وعتاده، ولكن النصر كان حليف الثوار على قلتهم وضعف معداتهم، فكان هذا الانتصار دافعا للشاعر لنظم هذا النشيد الوطني الذي يفيض حماسة واعتزازا، وقد روى أن أحد الثوار اتصل به وطلب منه نظم نشيد يتغنون به في الميدان ويعتزون بمعانيه ولحنه، فسهر ليلته على هذا النشيد الخالد الذي شبه فيه معركة الجرف بمعركة بدر الكبرى.
أناشيد مفدي زكرياء (ابن تومرت)
نشرت جريدة (المقاومة الجزائرية) نشيدا من نوع جديد عنوانه (بنت الجزائر)، وهو في تمجيد دور المرأة واستنهاض همتها وهمة الشباب للتضحية من أجل الجزائر وربطهم بماضيهم العربي والجهادي، فيقول الشاعر الثوري (ابن تومرت) على لسان إحدى المجاهدات:
أنا بنت الجزائر ... أنا بنت العرب