← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

الثلاثينات رغم تداعيات الأحداث في الجزائر والبلاد العربية. ولكن تيارا موازيا بدأ يظهر في الضفة الأخرى معبرا عن هموم المشاعر العاطفية والدينية والاجتماعية، وقد تمثل هذا التيار في الشعراء الذين احتضنتهم مجلة (هنا الجزائر) أمثال الأخضر السائحي والطاهر البوشوشي وأحمد الأكحل، والواقع أن هذا التيار قد استمر في تموجاته وعطائه حتى خلال الثورة. لم يظهر أي أثر لنقد الشعر قبل الثورة، إذا استثنينا ملاحظات الإعجاب التي كان يبديها بعض الشيوخ عند سماعهم لقصيدة نظمها زميلهم الشاعر أو المعلم، لذلك كان الميدان خاليا من أصوات النقاد ومن محاسبة الشاعر على إنتاجه، فهو في ذلك ينظم الشعر في منتهى الحرية دون مراعاة الناقدين والمتذوقين. عاش الشعراء الأزمة السياسية التي عرفتها البلاد عشية الثورة كما عرفها السياسيون، فقد أحسوا أن الجزائر قد فاتها ركب الثورة في تونس ومراكش وأن عليها اللحاق به، وكانوا غير راضين عن تصرف القادة مما جعلهم ينزعون ثقتهم منهم ويدعون إلى الوحدة الوطنية وتجاوز الأزمة، كما دعوا إلى عدم التحزب وتقديم المصلحة العليا للبلاد، ظهر ذلك في الشعر الذي قيل في جبهة الدفاع عن الحرية واحترامها (١٩٥١) على لسان محمد العيد مثل قصيدة (يا قوم هبوا) وقصيدة الصادق نساخ (اجمعوا الشعب)، كما ظهر في الشعر الذي نظم حول الاستفتاء على الوحدة الذي نظمته جريدة المنار سنة ١٩٥٣ والذي اشترك فيه الشعراء والكتاب والسياسيون والعلماء، لقد كان الشعراء يحسون ربما أكثر من غيرهم بجمود الوضع، لذلك كانوا يتحدثون عن البديل ويبشرون بغد جميل، كما في شعر أحمد سحنون سابق الذكر، ولمحمد العيد بالذات رأي مكتوب نثرا حول الوحدة المنشودة، ومن الملاحظ أن مفدي زكرياء لم يشارك في هذا الاستفتاء.

стр. 4832

وفي تحقيق حول إنجازات الاتحاد العمالي في تونس تحدث المحقق عن زيارة قاموا بها لمركز تعليم الأطفال، وقد جاء في التحقيق أن الأطفال وقفوا ينشدون نشيد (أرض الجزائر يا أمنا)، وكان لهذا النشيد معنى خاص لأن معظم الأطفال المشار إليهم فقدوا أمهاتهم في حرب التحرير، ومن إنجازات الاتحاد نشر التعليم المهني كالنجارة وتربية النحل والكهرباء، ولم تذكر المجاهد التي أوردت الخبر نص النشيد، ربما لأن المناسبة هي نقل معلومات عن المركز المهني أكثر من الحديث عن الأناشيد (١). وفي العدد الثالث من جريدة المقاومة الجزائرية نجد كلمة بعنوان (المرأة الجزائرية عبر التاريخ)، وقد جاء فيها الكاتب على ذكر الكاهنة وكيف أوصت أبناءها بدخول الإسلام مما أهلهم لتولي قيادة جيوش الفتح، ثم جاء على ذكر نساء قبيلة رياح ومقاومتهن ضد الأتراك، حسب قوله، ونساء منطقة غريس في عهد الأمير عبد القادر ضد الفرنسيين، ثم الأميرة عائشة (كذا) التي تصدت للفرنسيين سنة ١٨٥٧ (ولعل الكاتب يقصد فاطمة نسومر؟) والتي ابتكرت - كما قال - نظام المسبلين. والظاهر من المعلومات المذكورة أن الكاتب إما جاهل بالتاريخ أو أنه أراد توظيف أحداثه لخدمة الثورة في ذلك الوقت العصيب، أما الحقائق التاريخية المتعلقة بالأشخاص المذكورين فهي معروفة ولا تحتمل كل هذا التمحل ولي العنق والذراع. الأناشيد الوطنية الأناشيد من فنون النظم التي انتشرت عشية الثورة وهي على أنواع، منها التعليمي الذي شاع في المدارس والذي يعتمد التوجيه والتأثير في الفتيان والشباب، بنفخ فيهم الروح الوطنية والإسلامية والأخلاق الفاضلة، ومنها

стр. 4833

الأناشيد الكشفية التي تربي الاعتماد على النفس والشجاعة والإيثار والصحة البدنية، وبعد قيام الثورة أصبحت الأناشيد سياسية - وطتية تنمي الاعتزاز بالوطن وأهله وتحث على الالتفاف حول الثورة وخدمة الأهداف البعيدة التي تعمل الثورة على تحقيقها مثل الاستقلال والحرية وإقامة الدولة الحديثة. وقصيدة إلى المعلم ثم قصيدة إلى التلميذ للشاعر أحمد سحنون اللتان سقناهما منذ حين تدخلان في الأناشيد التربوية التي قيلت قبل الثورة، وقد عرف الطاهر التليلي بنظم لأناشيد تربوية كثيرة ضمها إلى ديوانه الدموع السوداء، ومنها الأبيات التالية: قد رأينا ما رأينا ... لعبة فيها عجب قطة فوق حمار ... قد تولاها الطرب رقصت وهي تموء ... وتصيح وتخب (١) وهناك غير هذين الشاعرين، لأن المفترض أن كل معلم يحسن نظم أناشيد ينشط بها أذهان تلاميذه ويقوي الملكة اللغوية والأدبية عندهم، أو يحسن اختيار أناشيد نظمها شعراء آخرون سواء كانوا من الجزائر أو من المشرق العربي، وأذكر أنني عندما كنت أعلم في مدرسة التهذيب بالعاصمة، كنت أحضر لتلاميذي الصغار أناشيد من بينها: عليك مني السلام يا أرض أجدادي .. ومن الأناشيد الكشفية مجموعة محمد الصالح رمضان (ألحان الفتوة). وهي أناشيد تمجد البطولة والإقدام والتضحية في سبيل الوطن وحب الطبيعة وخدمة المجتمع، وهي تشبه شعر أحمد سحنون الذي سقناه منذ قليل. أما الأناشيد السياسية والوحدوية فقد ظهرت مع الثورة، وهناك أناشيد ثورية لم تدون في وقتها وربما لن تدون أبدا لأنها قيلت في أول الثورة حين لم يكن هناك إلا الذاكرة، وربما يكون (جزائرنا) لمحمد الشبوكي أول نشيد مسجل

стр. 4834

وملحن تم إنشاده في مناسبات عديدة وشاع لحنه بين الثوار، وهو نشيد يرجع إلى سنة ١٩٥٥ أي بعد معركة الجرف الشهيرة التي تعتبر من أوائل المعارك الكبيرة بين الثوار وقوات الاستعمار، وقد سافر نشيد (جزائرنا) عبر الحدود ووصل إلى الحركات الطلابية وتجمعات الجالية الجزائرية وأنصار الثورة عبر العالم، وهو نشيد قوي في معناه ولغته ومحتواه، وقد لحن لحنا حماسيا مؤثرا يرفع معنويات الجنود ويدفع بالشباب إلى الانضمام إلى الثورة والاعتزاز بها، فهو نشيد محارب بألفاظه ولحنه ومعانيه الوطنية ومعلوماته التاريخية التي تجعل الاستعمار في قفص الاتهام. ألحان الفتوة صدرت مجموعة أناشيد ألحان الفتوة لمحمد الصالح رمضان سنة ١٩٥٣، وقد كتب عنها عدد من الكتاب ورحبوا بها لأنها لون من ألوان الأدب من جهة ولأنها نافذة جديدة للتعبير عن الوطنية والموقف السياسي، كتب عنها في جريدة البصائر الشيخ حمزة بوكوشة ومحمد الأكحل شرفاء وأبو القاسم سعد الله، وربما كتب عنه أيضا مولود الطياب في هنا الجزائر، أما كلمتي فقد نشرت بتاريخ ١٢/ ١٣/ ١٩٥٤ بعنوان (اعزفوا ألحان الفتوة)، وقد أعاد الشيخ رمضان طبع ألحانه سنة ١٩٦٤ وقدم لها هذه المرة الشيخ علي مرحوم، وكانت كلمتي عنها متميزة بأسلوب أدبي - شعري، بينما كانت كلمة شرفاء عنها أكثر التصاقا بالواقع فتحدث عن صدق الناظم وجودة أناشيده الكشفية وعن النهضة الجزائرية على يد الإمام ابن باديس، أما كلمة الشيخ بوكوشة فكانت أدق تعبيرا عن ألحان الفتوة وأهميتها الأدبية والتربوية في إطار الحركة الوطنية والإصلاحية، فهي قبل كل شيء قصائد تربوية وطنية في إطار الرياضة والصحة الذهنية والبدنية، وقد كان صاحبها رمضان مرشدا كشفيا عدة سنوات. الشبوكي ونشيد جزائرنا وحياة الشيخ محمد الشبوكي لم تكتب بتفصيل حتى الآن حسب علمنا.

стр. 4835

وتوجد بعض المعلومات عنه في عدة مراجع، منها: حديثه عن نشيد (جزائرنا) في جريدة المجاهد الأسبوعي المنشور في ٣٠ نوفمبر سنة ١٩٧٩، وأناشيد للوطن للأمين بشيشي. ولد الشيخ الشبوكي في الثليجات بلدية الشريعة ولاية تبسة سنة ١٩١٦، حفظ القرآن العظيم صغيرا وواصل تعليمه في جامع الزيتونة إلى أن حصل على شهادة التطويع سنة ١٩٤٢، ومنذئذ دخل ميدان التعليم عند جمعية العلماء، كما تولى إدارة المدرسة التي كان يعلم فيها، وفي سنة ١٩٥٥ انضم إلى للثورة التي كلفته بالتوجيه والإعلام، وقد قبض عليه العدو أوائل السنة الموالية وتنقل على يديه بين عدة معتقلات سجون. وقد تحدث بنفسه عن ظروف نظمه لنشيد (جزائرنا) في المسرح المشار إليه، وبناء عليه فقد كان قريبا من جبل الجرف الذي وقعت فيه المعركة ورأى الكثير من الجيش الفرنسي الذي جاء لسحق الثوار بعدته وعتاده، ولكن النصر كان حليف الثوار على قلتهم وضعف معداتهم، فكان هذا الانتصار دافعا للشاعر لنظم هذا النشيد الوطني الذي يفيض حماسة واعتزازا، وقد روى أن أحد الثوار اتصل به وطلب منه نظم نشيد يتغنون به في الميدان ويعتزون بمعانيه ولحنه، فسهر ليلته على هذا النشيد الخالد الذي شبه فيه معركة الجرف بمعركة بدر الكبرى. أناشيد مفدي زكرياء (ابن تومرت) نشرت جريدة (المقاومة الجزائرية) نشيدا من نوع جديد عنوانه (بنت الجزائر)، وهو في تمجيد دور المرأة واستنهاض همتها وهمة الشباب للتضحية من أجل الجزائر وربطهم بماضيهم العربي والجهادي، فيقول الشاعر الثوري (ابن تومرت) على لسان إحدى المجاهدات: أنا بنت الجزائر ... أنا بنت العرب

стр. 4836

يوم نادى المنادي ... ودعا للكفاح قد هجرت سهادي ... وتركت المزاح وبدأت جهادي ... وغدوت الجناح أنبري ولأعادي ... وأداوي الجراح أنا بنت الجزائر ... أنا بنت العرب (١) وفي نفس الفترة صدر (نشيد بربروس) لمفدي زكرياء أيضا، أي النشيد الذي نظمه في سجن سركاجي، كما يعرف محليا، وقد نشر النشيد في جريدة المجاهد التي حلت محل المقاومة الجزائرية ولكن دون ذكر اسم الشاعر، العدد ٢، سنة ١٩٥٦، ومطلع هذا النشيد: يا ليل خيم، واعصفي يا رياح ... يا أفق دمدم، واقصفي يا رعود يا دم شرشر، واثخني يا جراح ... يا غل صرصر، واحدقي يا قيود ويتألف هذا النشيد من عدة مقاطع، وهو أيضا بدون توقيع، وكل مقطع منه ينتهي بعبارة: أنت يا بربروس (٢). وفي نفس العدد الثاني من (المجاهد) نشيد يبدو أنه لمفدي زكرياء ولكنه نشر بدون توقيع أيضا وعنوانه (أرض الجزائر في إفريقيا قدس)، يقول فيه: سيان عندي مفتوح ومنغلق ... يا سجن بابك أم شدت به الحلق

стр. 4837

وهو نشيد متوسط الطول موحد القافية يخاطب الشاعر فيه السجن الذي طالما هد كيان الوطنيين وكان رمزا للطغيان والتعسف. أما قصيدة (أنا ثائر) لابن تومرت، فقد أضافت لها جريدة المجاهد عنوانا فرعيا هو (من أدب الثورة)، وجاء فيها: ظلموني، واستباحوا الحرما ... صحت وامعتصما لطموني، لم يراعوا الكرما وقد انتهى النشيد بهذا المصراع: أنا ثار في الجزائر أنا ثائر ... إن أمت: تحيا الجزائر (١). ولابن تومرت أناشيد أخرى منها تحية العلم الوطني، ونشيد العمال. ونشيد الطلبة، وغيرها ومجموعها حوالي عشرة أناشيد. كما حظي الطلبة بنشيد خاص من ابن تومرت، وهو نشيد يتألف من أربع قفلات، ويبدو أن الشاعر أعده بمناسبة انعقاد المؤتمر الرابع للطلبة المسلمين الجزائريين في تونس (١٩٦٠)، فقد جاء فيه تمجيد قوي لدور الطلبة في الثورة وفي بناء الجزائر المستقلة: نحن طلاب الجزائر ... نحن للمجد بناة نحن آمال الجزائر ... في الليالي الحالكات كم غرقنا في دماها ... واحترقنا في حماها وعبقنا في سماها ... بعبير المهجات (٢) وعقب نشيد من جبالنا ظهر نشيد (قسما) الذي وضعه مفدي زكرياء سنة

стр. 4838

١٩٥٥ على الأغلب، وهو نشيد نموذجي تمثل مبادى الشاعر فيه الثورة وعظمتها فعبر عن أهدافها بلغة قوية وحماس مزلزل مستوحى من حب الوطن وتجربة الشاعر السياسية وبغضه للاستعمار. ذلك أن مفدي زكرياء كان قد دخل ميدان السياسة ومارسها مبكرا وانتصر لحزب الشعب وزعيمه مصالي الحاج، وله صلات بالقادة السياسيين في المغرب العربي عموما، وقد دخل السجن وتعرض للقمع في سبيل هدفه الوطني، فلا غرابة أن ينفجر حماسه للثورة وأن يتميز تعبيره عنها بالصدق والتلقائية والقوة والفخامة، ومنه هذا المقطع: نحن جند في سبيل الحق ثرنا ... وإلى استقلالنا بالحرب قمنا لم يكن يصغى لنا لما نهضنا ... فاتخذنا رنة البارود وزنا وعزفنا نغمة الرشاش لحنا ... وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر فاشهدوا ... وهو نشيد من عدة مقاطع ينتهي كل مقطع منها بعبارة: فاشهدوا ... وقد جاء في مقدمة النشيد أنه النشيد الرسمي للثورة الجزائرية وأنه من تلحين الفنان المصري محمد فوزي (١)، وبعد الاستقلال صادق الجزائريون على أن يكون (قسما) هو النشيد الرسمي للدولة. وقد بقي ميدان الأناشيد مفتوحا في وجه الشعراء الشباب أيضا، فنظم عدد منهم أناشيد لا تقل حماسة وقوة عن الشعراء المخضرمين، وكان الموضوع دائما هو الثورة أو حدث من أحداثها أو بطل من أبطالها، وتختلف أناشيد الشعراء الشباب قوة وضعفا حسب نضج التجربة الشعرية عتد كل منهم، أما الحماس والصدق فكلهم كانوا مدفوعين برغبة صادقة في التعبير عن الثورة

стр. 4839

والاعتزاز بها وكأنهم اكتشفوا فيها وطنهم، بل هم في الواقع اكتشفوا فيها أنفسهم، ومن هؤلاء عبد السلام حبيب وأبو القاسم خمار ومحمد الصالح باوية وصالح الخرفي وأبو القاسم سعد الله ... الشعر الثوري نقصد بالشعر الثوري كل الشعر الذي يمجد الثورة ويحيي مآثرها ويتحدث عن المجاهدين ومعاركهم ضد العدو، ويصف ما حل بالشعب من تشريد واضطهاد، كما يتحدث أصحابه عن إنجازات الثورة على المستويين الداخلي والخارجي، والواقع أن القصائد الثورية والأناشيد الوطنية قد حلت منذ الثورة، محل الشعر السياسي والإصلاحي والوطني بالمعنى القديم، وقد تحدثنا عن الشعر الثوري في شعرائه أنفسهم، أي في تراجم الشعراء الذين احتضنوا الثورة سواء كانوا من الجيل المخضرم أو من الجيل الجديد. محمد الشبوكي عاش الشبوكي الثورة بكل جوارحه فأوحت إليه بعدد من القصائد التي تفيض فخرا ووطنية، ومنها لبيك يا ثورة الشعب، كما احتفل بميلاد الحكومة المؤقتة بقصيدة أخرى سماها دولة الشعب، وله قصيدة في الشباب والمستقبل، وأناشيد أخرى غير التي ذكرناها (١). وبعد الاستقلال تولى الشيخ الشبوكي رئاسة بلدية الشريعة، كما تولى وظائف أخرى في الدولة، ولم ينشر شعره في ديوان على حد علمنا، ويبدو أنه مقل في الشعر وزاهد في الشهرة، كما أنه ملتزم بالشعر الوطني (٢). للشبوكي شعره رقيق ينحو منحى الرومانسية ويبعث على التأمل في الحياة

стр. 4840

والناس، وهو يهتم بالمعاني والجزالة، ويسجل الحدث وما يستبعه من المكان والظروف والنتائج، كما أنه شعر متفائل بالمستقبل، ولا سيما بالشباب والثورة، وإليك أبياتا من قصيدته في الشباب المحب للحرية وإباء الضيم والثورة على القيود: فهو يبغي الحياة حرا ويأبى ... ذلة العيش تحت عبء القيود ثائر يملأ الوجود كفاحا ... وينير الحياة بالتجديد صادح يملأ الفضاء لحونا ... ويهز الحياة بالتغريد قلبه خافق يؤججه الشعر ... فيهفو إلى جمال الوجود عزمات الشباب فيض من النـ ... ـور وموج من الكفاح الشديد يتحدى الأحداث مهما ادلهمت ... ويلاقي الردى بقلب صمود أما ميلاد الحكومة المؤقتة (١٩٥٨) فقد استقبله بقصيدة جاء فيها: فرح القلب بعد طول اكتئاب ... وحداني في الهوى وعاد شبابي فدعوني لنشوني يا رفاقي ... واعذروني في صبوتي يا صحابي دولة الشعر يا بشائر فجر ... قدسي بدا وراء السحاب فارفعي الراية الحبيبة في القطر ... فإنا لنجمها فى ارتقاب وفي قصيدة (لبيك يا ثورة الشعب) يذكر الشبوكي عددا من الأمكنة التي شهدت أحداث الثورة، فيقول: لبيك يا ثورة الشعب التي زحفت ... تطهر الأرض من رجس المناوينا تلك الدماء الزاكيات سقت ... (عدوان والجرف والزرقا ونقرينا) جادت بها نخبة باعوا نفوسهم ... لله والوطن المحبوب راضينا دوت بنادقهم ني كل ناحية ... فارتاع من هول لقياهم أعادينا (١)

стр. 4841

مفدي زكرياء (ابن تومرت) يعد مفدي زكرياء بحق أبرز الشعراء في عهد الثورة وأقواهم صوتا من الجيل المخضرم، فبعد سكوت طويل ما تزال أسبابه مجهولة ظهر في صحافة الثورة وفي نشيد (قسما) على أمواج الأثير، وفي المحافل الأدبية في المشرق والمغرب العربي، باسم ابن تومرت (وهو لقب محمد بن تومرت مؤسس دولة الموحدين)، والواقع أن عودة ظهور مفدي زكرياء بدأ بقصيدة دار الطلبة (١٩٥٣) ثم بقصيدة الاحتفاء بذكرى نفي أحمد توفيق المدني (١٩٥٥)، ولكن ظهوره على مسرح الثورة بدأ بنشيد (قسما) عشية مؤتمر الصومام حين التقى به بعض قادة الثورة وطلبوا منه وضع نشيد يتغنى به المجاهدون وتردده الإذاعات التابعة لجبهة التحرير ليكون محرضا على خوض المعارك وتحمل المشقة في سبيل الهدف الوطني النبيل وهو تحرير الجزائر (١). ومهما كان الأمر فإن حياة مفدي زكرياء الاجتماعية والحزبية قبل الثورة موجودة في عدة دراسات فلا حاجة إلى تكرارها هنا، وحتى الآن لا نعلم بالضبط متى انضم إلى الثورة ومع من كانت مشاعره في البداية، هل عاش مثل كثير من الحزبيين مرحلة المساءلة أو اندفع إلى الميدان بدون تردد، هل كان مصاليا وتحول، أو كان مركزيا وتحول أيضا، أو كان ثوريا وكفى منذ البداية؟ لم نجد من أجاب على هذه الأسئلة عند الذين تناولوا حياته الأدبية، فهم يبدءون بالقول بأنه اعتنق الثورة ونظم لها نشيد (قسما) وقصد القصائد في أبطالها وأحداثها، وعلى كل حال فقد تبنت المقاومة ثم المجاهد نشر قصائده الثورية. والواقع أن (المقاومة الجزائرية) هي التي سبقت إلى نشر قصائده، ومنها قصيدته الصادرة في ١٥ نوفمبر ١٩٥٦ في رثاء أحمد زبانة الذي أعدمته

стр. 4842

السلطات الفرنسية بالمقصلة، وقد نشرت القصيدة غير موقعة لا باسمه الحقيقي ولا باسمه المستعار، وهي القصيدة التي احتلت صفحة كاملة من الجريدة، ومطلعها: قام يختال كالمسيح وئيدا ... يتهادى نشوان يتلو النشيدا وهي من عيون شعر مفدي زكرياء في الثورة بل من عيون الشعر العربي الثوري التي سارت بها الركبان، وبقدر ما أثارته القصيدة من مشاعر الفخر والعطف والشفقة على زبانة بقدر ما فجرته من مشاعر الغضب والانتقام في نفوس الثوار والشباب، وكنا قد قرأنا هذه القصيدة في القاهرة فاشتعل الطلبة سخطا على الاستعمار، وأصبحت من محفوظاتنا ومن أحاديث مجالسنا. قبض الفرنسيون على زبانة يوم ٨ نوفمبر ١٩٥٤ بعد إصابته بجروح وأودعوه سجن بربروس (سركاجي) بالعاصمة، ثم أصدروا ضده حكما عسكريا بالإعدام يوم ١٨ يونيو ١٩٥٦، وقد أعدم فجر اليوم التالي رغم نداءات مفتي الجزائر والحبر الإسرائيلي وأسقف الجزائر ورئيس الكنيسة الإصلاحية، حسبما جاء في جريدة المقاومة، وكان زبانة يردد، وهو يقاد إلى المقصلة، نشيد (أعصفي يا رياح) الذي كان يردده معه ٣٠٠٠ سجين من المناضلين في نفس السجن، وقد قدمت الجريدة للقصيدة بمقدمة طويلة ختمتها بقولها: (وهاكم قراء (المقاومة) هذا القصيد العظيم الذي اتصلنا به أخيرا من شاعر جزائري تسجيلا لاستشهاد هذا البطل الخالد، ألا في سبيل التحرير يطيب الفداء، وفي تمجيد التضحية والبطولة يحلو النغم ويسمو النشيد). ثم توالت قصائد ابن تومرت في جريدة المجاهد بعد اختفاء جريدة المقاومة، فنشرت له الأولى قصيدة (وتكلم الرشاش ..) وجعلت لها عنوانا فرعيا هو (من وحي ذكرى ٥ جويلية)، وتعني به ذكرى احتلال الجزائر سنة ١٨٣٠، وهي أيضا من القصائد الطوال ومن عيون شعر الثورة، وقد أورد فيها الشاعر إشارات تاريخية كحادثة المروحة، واليهودي المرابي بوشناق، ومسألة

стр. 4843

الحبوب، والديون التي كانت من بين أسباب الاحتلال الفرنسي للجزائر، ومطلع القصيدة: أكباد من؟ هذي التي تتفطر ... ودماء من؟ هذي التي تقطر وقلوب من؟ هذي التي أنفاسها ... فوق المذابح للسما تتعطر (١) وفي آخر هذا العام نشرت لابن تومرت قصيدة أخرى بعنوان (أهدافنا في العالمين صريحة)، وتحتها (قصيدة للشاعر الجزائري ابن تومرت) بدايتها: ديغول يعلم ما نريد ويفهم ... ما باله حيران لا يتكلم فقد الصراحة أم أضاع فصاحة ... أم أن تقرير المصير توهم وهي ليست من القصائد الطوال، أما موضوعها فواضح من البيت الثاني (٢). كما أضافت المجاهد عنوانا فرعيا وهو (من أدب الثورة) لقصيدة أخرى (للمثاعر الثائر ابن تومرت) حسب تقرير المجاهد، وبداية هذه القصيدة القوية التي جاءت على غرار قصيدة رثاء أحمد زبانة السابقة: نطق الرصاص فما يباح كلام ... وجرى القصاص فما يتاح ملام وقضى الزمان فلا مرد لحكمه ... وجرى القضاء وتمت الأحكام وسعت فرنسا للقيامة وانطوى ... يوم النشور وجفت الأقلام وهكذا استمر الشاعر على هذا الوزن والقافية بألفاظ محكمة مستمدة من معاني القرآن وأحكام الشريعة وبأسلوب فيه تهديد ووعيد كأن صاحبه جبار مقدم على تنفيذ عقوبة صارمة ضد مجرم يستحق العقاب الأليم، فالقصيدة، كما ترى، من عيون الشعر الثوري المعاصر، ومن وحي الثورة التي كانت تتقدم بخطى ثابتة نحو هدفها رغم العراقيل وجبروت العدو (٣).

стр. 4844

وختم ابن تومرت سنة ١٩٥٩ بقعيدة نحى فيها باللائمة على هيئة الأمم المتحدة لخذلانها القضية الجزائرية حين عرضت عليها أرضاء لفرنسا وخضوعا لأمريكا والغرب، قائلا (لا نرتجي العدل من قوم سماسرة)، ومضيفا: أكذوبة العصر أم سخرية القدر ... هذي التي أسست في صالح البشر أم أن (لوزان) في الأحياء قد بعثت ... بحفل (نويورك) ما أفضى إلى سقر (١) وحين حل عام ١٩٦٠ خاطبه ابن تومرت بقصيدة متسائلة عما يخبئه للجزائر ومستقبلها، وعنوانها: (ماذا تخبؤه يا عام ستينا)؟ (٢). وله قصيدة عبر فيها عن خيبة أمله في السياسة واعتبر السياسيين لصوصا. ودعا فيها إلى الكفاح في ساحة الشرف لأن السياسة قد تتفع مع أناس متحضرين، أما السياسيون الذين تتعامل معهم الثورة فهم في نظره لصوص لا يستحقون إلا الحرب إلى آخر رمق، ولذلك دعا المغترين بالسياسة (ويقصد بها في الغالب المفاوضات مع الفرنسيين) إلى التخلي عن هذا النهج لأنه من أضغاث الأحلام، حتى أنه اختار عنوان القصيدة (ذروا الأحلام) وخاطب فيها قلبه أو عقله قائلا: أضر به معذبه فثارا ... وأرهقه مسخره فطارا رأى طرق السياسة شائكات ... ففضل ساحة الشرف اختصارا ولا تجدي السياسة مع لصوص ... تستر بالدجى تخشى النهارا (٣) وحين فجرت فرنسا القنبلة الذرية في صحراء الجزائر سارع ابن تومرت

стр. 4845

بتسجيل الحدث الخطير كما سارعت المجاهد بنشر القصيدة السباعية الأبيات ذات الأغصان والقفلات، وقد تحدث فيها عن أثر القنبلة على الأطفال، خصوصا أولئك الذين قد يولدون عميانا، وعنوانها يدل على ذلك وهو (ابن القنبلة الذرية): ما دهاه ويل أمه ما دهاه ... ويلتاه من جيله ويلتاه ما له في الحياة يولد أعمى ... لم تر الكون باسما مقلتاه (١) كان الشاعر مفدي زكرياء يتابع أحداث الثورة بتفاصيلها وينفعل معها بكل جوارحه فإذا بالمستوطنين في العاصمة، وهم أنصار (الجزائر فرنسية)، قد تمردوا على حكومتهم ونادوا بسقوط رؤسائهم، فاستغرب كيف يتمرد (العصاة على العتاة) ورأى أن رؤوس العتاة قد طأطأت لهذه العصابة فقال: ما للعصابة في الجزائر مالها ... ما للجبابر ساجدون حيالها ما للعصاة على العتاة تمردت ... فغدت تصب على الرؤوس نكالها (٢) خرج مفدي زكرياء من الجزائر في شهر مارس سنة ١٩٥٩، ومنذ فبراير ١٩٦٠ لم نعد نقرأ له شعرا في المجاهد، يقول بعض الباحثين إن له قصائد في المجلات والجرائد التونسية، مثل الصباح، والفكر، والإلهام، والإذاعة ... ويبدو أنه استمر في هذا النشاط إلى ٢٥ نوفمبر ١٩٦١ (٣). ويمكن القول إنه بعد خروجه من الجزائر ومروره بتونس توجه إلى المشرق العربي، وهناك أصبح معروفا بشاعر الثورة ووجد سمعته قد سبقته إلى المشرق، وقد انفتحت أمامه أبواب الشهرة والظهور على منصات الشعر في المهرجانات الأدبية، فغنى لها قصائد وضرب على أوتارها اسم الجزائر حتى

стр. 4846

ثمل. وفي بيروت نشر ديوانه اللهب المقدس عام ١٩٦١ وهو في تمام النشوة والمجد الأدبي (١). مواضيع أخرى لمفدي زكرياء وفي نفس الوقت تناولت المجاهد موضوع الأدب، وهو الموضوع الذي بقي مهملا منذ سنة ١٩٥٨ تقريبا، ولا غرابة أن تهتم المجاهد بالشعر السياسي الثوري بالدرجة الأولى لأنه يخلد الشهداء ويسجل البطولات ويرفع المعنويات بالتحميس والتحريض على النضال، وقد فتحت صفحاتها لهذا اللون من الشعر سواء قاله جزائريون أو عرب المشرق (٢). وبعد الاستقلال عاش مفدي زكرياء للتجارة وشعر المدح لزعيم تونس بورقيبة وملك المغرب محمد الخامس وابنه الحسن الثاني، فأصبح يلقب بشاعر المغرب العربي، كما نظم ملحمة نضال الشعب الجزائري التي أسماها (إلياذة الجزائر)، ولم يكن مفدي على وفاق مع النظام الجزائري دون سبب واضح، هل هو الإيديولوجية السياسية أو النقمة الشخصية لكون النظام لم يقدر مكانته حق قدرها، وقد توفي بتونس في ١٧ أغسطس ١٩٧٧، ودفن في مسغقط رأسه (بني يسجن). ساهم شعراء الجزائر أيضا في انتصار الشعوب الأخرى على الاستعمار وغنوا لها وشاركوها فرحتها بالحرية والنصر ووعدوها بلحاق الجزائر بركبها، فعند حصول تونس على استقلالها هنأ الشاعر مفدي زكرياء شعب تونس بانتصارها واعتبر استقلالها مقدمة لوحدة المغرب العربي الذي سيتحقق بعد استقلال الجزائر أيضا، والقصيدة قالها بمناسبة الذكرى الرابعة لاستقلال تونس، وجاء فيها:

стр. 4847

في مثل يومك تكرم الأعياد ... وبيوم عيدك يعذب الإنشاد المغرب العربي أنت جناحه ... حرك جناحك يصعد المنطاد ولتشهد الدنيا هنالك وحدة ... جبارة تفتح لها الآباد شعب الجزائر قام يبني صرحها ... بدمائه، والحادثات شداد (١) كما شارك مفدي زكرياء أهل المغرب الأقصى في استقلالهم وهنأ الملك بالنصر، وحين تعرض المغرب للزلزال عزى أهله، وقد وقع الزلزال في أغادير عام ١٩٦٠، وعنوان قصيدته (أغادير الشهيدة)، وقد نوع قوافيها وعزى بها من أسماهم (حماة المغرب): اضطرب يا بحر واخفق يا فضا ... واحتدم يا خطب وانزل يا قضا وارجفي يا أرض أو لا ترجفي ... أنا في المحنة لا أدري البكا ويظهر الشاعر في هذه القصيدة ناظما فقط، لأن عنصر الصدق يعوزها كما أن عاطفتها ضعيفة ولغتها تقليدية ولا ترقى إلى شعره المعروف بالتوتر والشحنات المتفجرة كما في قصائده الثورية ولا حتى في مستوى شعره الذي قاله في الملكين محمد الخاس والحسن الثاني (٢). يقول مفدي زكرياء في مقدمة ديوانه اللهب المقدس إنه لم يكن يهتم بالصنعة والجمالية بل كان يهتم بالتعبئة الثورية وتصوير وجه الجزائر الثائرة كما هي، (أنظر مقدمة الديوان)، وترى أنيسة بركات أن أبرز الممثلين للحياة الاجتماعية بكل مآسيها هم مفدي زكرياء والخرفي وخمار، ولعلها تقصد تصويرهم لحالة التشريد والقمع الذي عاشته الجزائر أيام الثورة. لقد كان مفدي زكرياء في سجن البرواقية سنة ١٩٥٧، وله قصيدة قالها عندئذ في الذكرى الثالثة للثورة مطلعها:

стр. 4848

دعا التاريخ ليلك فاستجابا ... (نوفمبر)، هل وفيت لنا النصابا ويقول خرفي في ديوانه أطلس المعجزات: بايعت من بين الشهور نوفمبرا ... ورفعت منه لصوت شعبي منبرا ومن الشعراء الذين التزموا بالثورة منذ انطلاقتها وأشادوا بالمجاهدين عبد السلام حبيب وصالح باوية وأحمد معاش وبلقاسم خمار وسعد الله الذي قال في استقبال نوفمبر: كان حلما واختمار كان لحنا في السنين أن نرى الأرض تثور وقد نشر سعد الله أيضا نشيد (بربروس) في مجموعته (النصر للجزائر) الصادرة سنة ١٩٥٧ بالقاهرة، وتوقع له نفس مصير الباستيل. ولمعاش قصيدة في معركة (تارشوين) جاء فيها: خلدي المجد واحفظي الشهداء ... واذكري النار والردى والدماء (١) محمد الصالح باوية ولد في بلدة المغير، ولاية الوادي، سنة ١٩٣٠، وبعد حفظ القرآن والدراسة الابتدائية في مسقط رأسه توجه إلى معهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة حيث حصل على الشهادة الأهلية ١٩٥٢، ومنه انتقل للدراسة في جامع الزيتونة بعض الوقت، ثم توجه في بعثة جمعية العلماء إلى الدراسة في الكويت حيث قضى أربع سنوات وتحصل على الثانوية سنة ١٩٥٧ في العلوم، وفي السنة الموالية التحق بكلية العلوم في سورية. وبعد حصوله على الليسانس ذهب

стр. 4849

للدراسة في يوغسلافيا حيث التحق بجامعة بلغراد ودرس الطب وحصل على الدكتوراه ١٩٦٨، وارتبط بسيدة يوغسلافية، وكان باوية ينشط ضمن اتحاد الطلبة وجبهة التحرير طيلة مرحلة الدراسة في الكويت وسورية ويوغلافيا، وفي الجزائر درس الجراحة ودخل عضوا في اتحاد الكتاب، وقد مارس طب العظام في مستشفى الدويرة ثم البليدة وانفصل عن السيدة اليوغسلافية التي أنجب منها بنتين، وتزوج من جزائرية، وقد عاش محنة الجزائر في التسعينات من القرن الماضي فاختطف ولم يعرف مصيره، وله ديوان بعنوان (أغنيات نضالية) قدمه له صديقنا الدكتور محمود الربيعي، ١٩٧١، ومنه قصائد ثورية. في سنة ١٩٥٧ كنت في القاهرة أعد مادة بحثي عن الشعر الجزائري الحديث فاستكتبت عددا من الشعراء ومنهم الشباب الذين عرفت أو سمعت أنهم كتبوا شعرا عن الثورة، وكان باوية من الذين راسلتهم، فأرسل إلي الرد من سورية بتاريخ ٨ أوت ١٩٥٧، وقد تضمنت أسئلتي الموجهة له ولغيره هذه النقاط: متى بدأ قول الشعر، ما منابع شعره، رأيه في الشعر الحديث، موضوعات شعره، إحساسه نحو الجزائر. وفي رده على هذه النقاط أورد باوية سيرته ونماذج من شعره الثوري. ومن هذا الشعر ما هو قومي عربي مثل قصيدته (أتحدى ...) التي قالها في معركة قناة السويس، وقد شجب فيها مواقف بعض القادة العرب مثل نوري السعيد وكميل شمعون، وهي قصيدة طويلة متنوعة القافية، كما أن له قصيدة قومية أخرى وهي عن فلسطين والقضية العربية عامة وهي من الشعر الحر وعنوانها (الصدى - إلى طفلة ...). أما قصيدته (الثائر) فقد ألقاها في سورية في يوم إضراب لنصرة الجزائر. يوم ٢٨ أكتوبر ١٩٥٦، وتقول:

стр. 4850

دمدم الرعد وهزتنا الرياح ... حطموا الأغلال وامضوا للسلاح وفي المراسلة قال لي باوية إنه بدأ نظم الشعر سنة ١٩٥٠ في مسقط رأسه (المغير)، وإنه مقل في قول الشعر حتى أنه لم ينظم سوى اثنتي عشرة قصيدة خلال ست سنوات، نصفها غير صالح للنشر، حسب قوله. لباوية ديوان شعر كما قلنا، وأذكر أنه قصدني مع الأستاذ عبد الرزاق قسوم، لكتابة المقدمة لديوانه (أغنيات نضالية) فاعتذرت له لأسباب، فكان من حسن حظه أن قدمه له الدكتور محمود الربيعي الناقد المصري المعروف، وهو زميل لي وصديق عريق تخرجنا معا من كلية دار العلوم بالقاهرة، وقد تضمن ديوان باوية شعرا عموديا وشعرا حرا، ويبدو أنه توقف عن قرض الشعر كما توقفت، وتفرغ لمهنة الطب والعائلة، وكان باوية دمث الأخلاق متواضعا أديبا بالطبع إنساني المشاعر جميل الدعابة، وكان الدكتور أبو العيد دودو من أصدقائه فإذا اجتمعا فالسمر معهما يتشعب ويحلو. حلل عبد الملك مرتاض قصيدة (ساعة الصفر) لباوية تحليلا لغويا وجماليا ونفسيا، وأبدى إعجابه بالقصيدة لأنها في نظره موفقة كل التوفيق في وصف انفجار الثورة التحريرية حتى كأن صاحبها كان شاهد عيان لما حدث وكان متفاعلا معها ومنفعلا بها رغم أنه كتبها بعد مرور أربع سنوات عليها، لقد خصص لها مرتاض الفصل الثامن كله من الجزء الأول، وهي من الشعر الحر: الصمت والمدى والريح ... تذري رهبة الأجيال في تلك الدقيقه قطرات العرق الباني: نداء وسلال مثقلات بالحقيقه الأسارير أخاديد مطيره ثورة خرساء، أهوال مغيره

стр. 4851

لون عمق يتحدى في جزيره ... وهكذا تستمر القصيدة في التصعيد حتى تصل إلى لحظة الصفر وميلاد الحقيقة (١). عبد السلام حبيب يمكن أن نعد عبد السلام حبيب من شعراء الجزائر في المهجر - سورية. كان في عنف شبابه حين انطلقت الثورة، هاجر جداه لأبيه وأمه مع الأمير عبد القادر إلى بلاد الشام، وولد هو سنة ١٩١٨ لأبيه محمد الحبيب المهر، وأمه زينب بنت البشير بن يخلف، وكلاهما من معسكر، ودرس الثانوية في دمشق واهتم بقضية الجزائر منذ حوادث الثامن مايو ١٩٤٥، ولما انطلقت الثورة اندمج فيها بعاطفة جياشة كما اندفع ينظم فيها الشعر ويتعاطى الخطابة، فأسس جمعية دار الجزائر وأدار بواسطتها المظاهرات الداعمة للثورة والاحتفالات والأسابيع الخاصة بنصرة الجزائر. وبعد الاستقلال عبر الشاعر عن فرحته في أشعار أخرى، وزار بلاد أجداده سنة ١٩٦٦ ضمن وفد من الجزائريين الشاميين ساعة إعادة رفات الأمير عبد القادر من دمشق إلى الجزائر، ثم رجع إلى دمشق حيث توفي، فاتح مايو ١٩٨٠ وترك ابنين أكبرهم اسمه (أوراس). شعر عبد السلام حبيب تميز بالحماس والصدق والوطنية والروح القومية والوجدانية، له ديوان صغير عن الثورة عنوانه (اذكريني يا جزائر)، سجل في شعره وقائع الثورة وتابع احداثها وتشوق إلى بلاده الأصلية التي لم يكن قد رآها

стр. 4852

وإنما سمع عنها من المهاجرين، واعتبر ذلك أضعف الأيمان (١). كنت التقيت بالشاعر عبد السلام حبيب عدة مرات في القاهرة وأنا طالب فيها خلال الخمسينات، وأول لقاء لي به كان في مسكن الأخ رابح التركي، وقد تهادينا الإنتاج، أهداني هو قصيدته (نداء الدم) التي طبعها على حدة، وأهديته مجموعتي (النصر للجزائر) فأشاد بها في مراسلة وصلتني منه من دمشق، كما أشاد بوفد جبهة التحرير بدمشق، والغالب أنه كان يعمل لصالح الثورة بالتنسيق مع الوفد الذي كان على رأسه عبد الحميد مهري، وقد أجابني على الأسئلة التي وجهتها إليه عندما عزمت على الكتابة عن الشعر الجزائري وهي: متى بدأ قرض الشعر؟ وما منابع شعره؟ ورأيه في مسألة التأثر والتأثير؟ ورأيه في الشعر الحر؟ ومواضيع شعره؟ وكانت إجابته هامة لأنه تعرض فيها إلى ثروة أدبية لم تأت في إجابات الشعراء الشباب الآخرين، وصلني كتابه بتاريخ ٢١ مايو، ١٩٥٧، كما وردت علي منه مراسلة أخرى بتاريخ ٤ سبتمبر من نفس العام علق فيها على قصيدتي (ربيع الجزائر) التي نشرتها مجلة (الهدف) اللبنانية، ووعدني بإرسال أشعار لمحمد صالح باوية وأبي القاسم خمار وعبد الرحمن العقون، كما تحدث فيها عن شعره هو. أرسل إلي مجفوعة من الأشعار التي نشرها في الجرائد السورية في موضوعات مختلفة، وهي مصر وفلسطين والجزائر، وكذلك مجموعة من الأناشيد، بعض هذه الأشعار عبارة عن قصائد طوال ومقفاة قيلت في مهرجانات، منها واحدة ألقيت في مهرجان عن الجزائر في جامعة دمشق، لكن القصائد بدون تواريخ، كما لا توجد معها عناوين الجرائد التي نشرت فيها ما عدا واحدة نشرت في جريدة (الرأي).

стр. 4853

وأما قصيدته الهامة (نداء الدم)، فهي التي أهداها إلى أرواح الشهداء الأبرار .. إلى (ابطالنا .. الرابضين على قمم أوراس ومعاقل قسنطينة ومشارف وهران وعلى كل بقعة من أرضنا العربية الطاهرة: الجزائر)، وقد أهدى إلي بقلمه هذه القصيدة قائلا بأسلوب أهل الشام: (أخي أبا القاسم، ولدت بعيدا عنها، عن الجزائر الحبيبة، ولم تكتحل عيناي بمرآها، ولكني باسمها أهزج وأشدو، وباسمها عربية حرة مستقلة أقدم لك نداء دمي)، (١) وأضاف عن القصيدة نفسها بأنها ألقيت على مدرج الجامعة السورية في حفل افتتاح أسبوع الجزائر في ٢٥ آب/ أوت ١٩٥٦ وبدايتها: إلى ساح الكرامة يا جزائر ... مضوا فمناضل في إثر ثائر (٢) وهناك مراسلة أخرى منه بتاريخ ٤ سبتمبر، ١٩٥٧ وصف فيها حضور الجزائر في معرض دمشق، وقد جاء فيها: (تحية طيبة .. وبعد، فإني اكتب إليك وقلبي مفعم بالغبطة والفخر .. فلقد نجح الجناح الجزائري في معرض دمشق نجاحا منقطع النظير .. ليتك كنت بينيا لترى ألوف الزوار من عرب وأجانب من مختلف البلدان يتزاحمون على مدخل الجناح للدخول .. (٣). أبو القاسم خمار عندما راسلت أبا القاسم خمار ليرسل إلي نبذة من حياته وبعض شعره لأستعين بها على دراستي عن الشعر الجزائري الحديث، كاتبني من شمال سوريا وهو في طريقه - كما قال - للتدريس، وقال إن قصائده طويلة ومملة وليس له القدرة الآن على كتابتها من جديد وأن بعضها مهمل في الأوراق. كان عمر خمار اثني عشر عاما عندما نطق بالشعر (ولد سنة ١٩٣١ في

стр. 4854

بسكرة) على حد تعبيره، دون معرفة ما إذا كان ما نطق به شعرا، كان قد مل الدراسة في المساجد (دخل الجامع وعمره ست سنوات) وأراد الدخول إلى المدرسة بدل المسجد، التقى بأحد أبناء المدارس وكان ينشد نشيدا وطنيا فسأله فعرف منه أنه تلميذ في مدرسة لجمعية العلماء، وأخبره عن حياة المدرسة وما فيها من علم وجلوس على الكراسي والكتابة على الدفاتر، فتاقت نفسه إلى الدخول إلى المدرسة أيضا ليكون كصاحبه، وكان سكان بسكرة - حسب قول خمار - لا يتجاوزون الأربعين ألف نسمة، فاتح أباه في دخول المدرسة ولكن والده، وكان شيخا يحفظ القرآن الكريم ومبادى الدين، لم يأذن له في دخول المدرسة عندئذ، وكان عليه أن ينتظر ثلاث سنوات. بدأ خمار بنظم القصائد النبوية على غرار البردة والهمزية للإمام البوصيري، وبعد نيله الشهادة الابتدائية في بسكرة في مدرسة تابعة لجمعية العلماء توجه إلى معهد ابن باديس، وكان طلاب المعهد يتدربون على النشاط الأدبي بالانتماء إلى لجان محددة حسب ميول كل طالب، فدخل خمار اللجنة الخطابية، فكان ينظم القصيدة ويلقيها أمام الطلاب، فاجتمع له من ذلك حوالي عشرين قصيدة، وهذه القصائد بقيت كلها في قسنطينة، كما قال، وبعد أربع سنوات في المعهد توجه إلى جامع الزيتونة بتونس ودرس فيه سنة واحدا، وفي تونس نظم الشعر في الغزل والرثاء، ومن ذلك رثاؤه للزعيم العمالي التونسي فرحات حشاد ... سافر خمار إلى سورية ضمن البعثة الثانية لجمعية العلماء، ودخل دار المعلمين الابتدائية بحلب، وتخرج منها بعد ثلاث سنوات، ثم دخل كلية التربية بالجامعة السورية وحصل على الإجازة في الفلسفة وعلم النفس، وعلم لدى الحكومة السورية في المدارس الابتدائية. عاصر خمار عدة ثورات وانقلابات في المغرب والمشرق، ففي تونس عاش الثورة على الاستعمار الفرسي، وفي سورية حضر الانقلاب ضد أديب

стр. 4855

الشيشكلي، وفي مراكش عاش الثورة من أجل الاستقلال واسترجاع العرش، ثم كانت ثورة الجزائر، شعر خمار صورة لهذه الأحداث وليس شعرا ممحصا كما يريده هو، حسب قوله، فهو يعبر به عن حالة العرب القومية بسرعة دون تنضيج، وهو لا يقول الشعر إلا في المناسبات العنيفة، ولذلك قال إنه إذا لم يكتب يصاب بالصداع، وقد ذكر نماذج من شعره في تونس وسوريا (١). كما أرسل إلي الشاعر خمار مجموعة من قصائده الحرة والمقيدة، منها قصيدة (نداء الاتحاد) التي نشرتها له جريدة المنار والتي كان قد أرسلها إليها من تونس، ٤ أبريل، ١٩٥٣ ولعلها من أوائل قصائده المنشورة، ومنها قصيدة (الجريمة)، وهي عن اغتيال فرحات حشاد الزعيم التونسي المشار إليه، وأخريات من تونس أيضا نظمها في حدود ١٩٥٣، وهناك قصيدة (أصداء من الثالوث العربي) طالعها: صاح مهلا لقد تهلهل زادي ... ولقد أنهك المسير جوادي افتخر فيها بأنه من المغرب العربي وبأمجاد المنطقة وطبيعتها، وهي قصيدة طويلة تقع في عدة صفحات، وقد ربط فيها بين أحداث المغرب العربي والمشرق، وتاريخها أول يناير، ١٩٥٧، ومنها قصيدة (الانفجار) وهي من مطولاته وتقع في ثلاث صفحات من الشعر الحر، وقد بدأها بهذه الفاتحة الحائرة: أين ربي .. قد صبرنا .. يا فرنسا .. إن شعبي لا يهاب ... لا يخاف الموت، لا يخشى العذاب سوف يبقى كالسعير، ثائرا كالنمهرير وغدا يجني الأمل، زهرة النصر الكبير ... ومن قصائده العمودية الوطنية التي أرسلها إلي قصيدة (حق ودماء):

стр. 4856

بالحق يا جبهة التحرير نعتصم ... وبالجنود التي غصت بها القمم سيري إلى النصر واجتاحي عواقبه ... فقد رنا لك كالعشاق يبتسم كما أرسل إلي بعض القطع المكتوبة بقلم مغاير، وتاريخها جميعا هو جوان / يونيو، ١٩٥٧ (١). عمل خمار خلال دراسته في سورية في مصالح الثورة، كما كان نشيطا في الحركة الطلابية. وبعد الاستقلال رجع إلى الجزائر وعمل في وزارة الشبيبة، كما عمل في مجلة (ألوان) التي كانت تصدرها وزارة الثقافة، وترأس اتحاد الكتاب الجزائريين، وشارك في عدة مؤتمرات أدبية وثقافية، وطنية وعربية، وقد نشر عدة دواوين منها ربيعي الجريح، وألوان من الجزائر، وظلال وأصداء، وأوراق، والحرف الضوء، وله غير هذه الأعمال، وهو ينظم الشعر العمودي والشعر الحر، ويتميز شعره بالطابع الرومانسي، وهو متمكن من اللغة والقدرة على تصريف إبداعاته الشعرية الأصيلة (٢). وقد كتب خمار رسالة ذات فائدة خاصة إلى صاحب كتاب الثورة في الأدب الجزائري صالح مؤيد سنة ١٩٦٣، كما مكنه من بعض قصائده في الثورة، منها من وحي الذكرى وهي عن جميلة بوحيرد وأخواتها، والموتورة، ونهاية الصنم، وقد تطور شعره مع الأيام، وفيه نظرات عميقة في الناس والحياة، ولا غرابة في ذلك فقد ذكرنا أن خمار قد درس الفلسفة وعلم النفس. محمد العيد آل خليفة ترجمنا لحياة محمد العيد في كتابنا عنه (انظر سابقا) ثم كتبنا عما وصلنا من أخباره وأشعاره أثناء الثورة، فقد اختفت أخباره عن الساحة الأدبية منذ

стр. 4857

١٩٥٥ لأنه أصبح تحت الإقامة الجبرية في بسكرة بعد أن ألقي عليه القبض وسيق إلى حيث يعدم، لولا تدخل من جهة ما زلنا نجهلها، وربما هي الزاوية التجانية (١)، ومع ذلك وجدنا له قصيدة في تهنئة السودان باستقلاله منشورة في البصائر سنة ١٩٥٦، فهل كان ينظم الشعر رغم الإقامة الجبرية؟ ويبدو أن محمد العيد لم يكتب شعرا كثيرا أثناء إقامته الجبرية، وعلى كل حال فهو لم ينشر شعرا أثناء هذه الإقامة التي نجهل حتى الآن متى بدأت، ولم يهرب قصائده الثورية إلى الخارج، كما فعل مثلا مفدي زكرياء، وهناك من يقول إنه قد نظم (ملحمة الثورة) أثناء اعتقاله ولكنه لم ينشرها إلا بعد الاستقلال، وهي الملحمة التي نشرتها مجلة (المعرفة) في سنواتها الأولى على حلقات. نشرت جريدة البصائر في العاشر من يونيو (جوان) ١٩٥٥، خبرا مفاده أن (أمير شعراء الجزائر التقي الورع الشيخ محمد العيد) قد قبض عليه في عين مليلة، ومع هذا الخبر صورة تذكارية للشاعر وهو يلقي إحدى قصائده وخلفه صورة لابن باديس، ولكن الصورة نشرت بعيدة عن الخبر. وحسب البصائر فإن هناك تهمة ملفقة وجهت إلى الشاعر (سداها النذالة ولحمتها الخسة)، وزج به في السجن رهن التحقيق، و (قد ضجت البلاد الجزائرية كلها من هذا الحادث المؤلم .. وقام مكتب جمعية العلماء فورا بواجبه حيال هذا العدوان الصارخ .. واحتج .. وطالب بالإفراج على الشاعر الإسلامي العظيم ...) وأشارت إلى أن عددا من النواب والشيوخ (لعلها تقصد شيخ النواب) والشخصيات الإسلامية وبعض العقلاء من رجال الإدارة العليا طالبوا بغاية الإلحاح بسراح الشاعر. تعرضنا إلى حياة محمد العيد في أكثر من مكان من كتبنا، فمن أراد أن يرجع إليها فليفعل، أما هنا فيهمنا شعره روما طرأ على حياته خلال الثورة. هنأ

стр. 4858

محمد العيد المغرب بعودة السلطان ظافرا وبالوعد بالاستقلال، ونشر قصيدته الجميلة في البصائر سنة ١٩٥٥، وهي التي مطلعها: أطل البدر وضاح الجبين ... فعم الأفق بالنور المبين وعاد إلى مطالعه مشعا ... كأن لم ينأ عتها منذ حين فقل لقوافل الأحزاب سيري ... على إشعاعه وبه استعيني وقل للمغرب الأقصى هنيئا ... لقد شرفت بالعلق الثمين بدا استقلالك الموعود فاحمل ... وظائفه وخذها باليمين كما عرفنا أنه نشر قصيدة نجهل موضوعها في يناير ١٩٥٥ أي بعد شهرين فقط من انطلاق الثورة دون أن نعرف موضوعها (١). وأثناء إقامته الجبرية في بسكرة نظم قصيدتين غير منشورتين إلا في ديوانه بعد الاستقلال، وفيهما قليل من السياسة وكثير من المناجاة الحزينة والشكوى من حاله، مع الأمل الذي لا يفارقه في حصول بلاده على حريتها، الأولى مناجاة الطائر أبي بشير والثانية مناجاة جبل أبي منقوش، وقد نظم هذه في سنة ١٩٥٩، أما الأولى التي لا نعرف لها تاريخا فقد توقع فيها قرب إطلاق سراحه وتحرير الشعب رغم الضحايا والشهداء: جزمت بقرب إطلاق الأسير ... غداة سمعت صوت (أبي بشير) أناجيه بآمالي وحالي ... وأستفتيه عن شعبي الكسير كما ناجى الأمير أبو فراس ... حمامته بشعر مستثير فقال لقد أتيتك من بعيد ... فاصغ إلي وأرو عن خبير كما أصغى سليمان قديما ... إلى أنباء هدهده الصغير سيحمد شعبك العقبى قريبا ... ويحرز نصره بيد القدير ويشهد بعث دولته فيرض ... ويحظى بالهلالي المنير

стр. 4859

فليس لأمة بالحق ثارت ... مصير غير تقرير المصير والقصيدة بدون تاريخ ولكن يبدو أنها نظمت في الأيام الأخيرة للثورة، وهي منشورة في الديوان. ومهما كان الأمر فإنه أثناء الإقامة الجبرية سمع الشاعر صوت طائر يدعى (أبا البشير) فناجاه الشاعر وطارحه أحواله على غرار ما فعل أبو فراس الحمداني مع حمامته، وتوقع الشاعر قرب إطلاق سراحه تفاؤلا بصوت هذا الطائر الذي يتفاءل به المتفائلون كما تفاءل بقرب انتصار الثورة وتحرير الشعب الجزائري كله، رغم الضحايا والشهداء، وقد قارن الشاعر أبا البشير بالهدهد وتخيل نفسه سليمان، ورغم ما فيها من مقارنات وإشارات تاريخية وتفاؤل ورقة في التعبير فإنها دون شعر محمد العيد الإصلاحي، فما بالك بالشعر الثوري، فقد اكتفى فيها بالرموز والكنايات واللغة البسيطة (١). ولكن هل نشر محمد العيد بعض القصائد السياسية وهو في الإقامة الجبرية؟ يبدو ذلك، فإذا كان قد دخل الإقامة الجبرية في سنة ١٩٥٥ فإن قصيدته في تهنئة السودان بالاستقلال تكون قد نظمت وهو في بسكرة سنة ١٩٥٦، ولم يفته التبشير فيها بحرية الجزائر واستقلالها، ومما جاء فيها بالخصوص: فوز سرت بحديثه الركبان ... فالشرق مغتبط به جذلان ما أسعد السودان باستقلاله ... فاليوم يرفع رأسه السودان من مبلغ السودان عنا أننا ... شيع له بشعورنا خلان نتبادل القبلات باستقلاله ... فرحا وإن طافت بها الأحزان متسائلين عن الجزائر هل دنا ... تحريرها أم حظها الحرمان

стр. 4860

ومتى تقرر كالشعوب مصيرها ... فقد اقتضى تقريره الإبان ومتى تفوز بنعمة استقلالها ... فقد استقلت دونها الأوطان (١) صالح الخرفي أبو عبد الله صالح أو صالح الخرفي كما هو اسمه، بدأ في الظهور كشاعر في تونس عام ١٩٥٦ حسبما يدل تاريخ الشعر عنده، وقد قرأت أنه نشر عدة قصائد في الجرائد والمجلات التونسية كالصباح والندوة واللغات ابتداء من أبريل سنة ١٩٥٦، ومن المؤكد أنه نشر في جريدة المقاومة الجزائرية في ٦ ديسمبر ١٩٥٧ قطعة من تسعة أبيات حيا فيها هذه الجريدة بقوله: برزت تحمل اليراع سلاحا ... ومضى طرسها المقاوم ساحا وسطورا يزفها الحق والعدل ... سيوفا على العدا ورماحا إنها للبلاد واجهة الطرس ... عن السيف لا يقل كفاحا ولتر حب بها العروبة فهي ... المنبر الحر بالحقيقة لاحا هذ ٥ صفحة (المقاومة) الحرة ... تلقى إليك حقا صراحا ولد صالح الخرفي في القرارة بالجنوب الجزائري سنة ١٩٣٢، وتابع دراسته الابتدائية والثانوية بمعهد الحياة في مسقط رأسه، ثم قصد جامع الزيتونة بتونس وكذلك الخلدونية، ١٩٥٣، وفي ١٩٥٧ طلب العلم في المشرق والتحق بقسم اللغة العربية بجامعة القاهرة حيث حصل على ليسانس الآداب، ١٩٦١. ويبدو أنه رجع إلى تونس وقام بمحاضرات في التعبئة للشباب والجنود، وعاد بعد الاستقلال إلى الجزائر ولكنه واصل دراسة الماجستير ثم الدكتوراه بالقاهرة، وفي الجزائر عمل في مصالح وزارة التربية، ثم في جامعة الجزائر أستاذا ورئيسا لقسم اللغة العربية وآدابها. تلاقينا أول مرة في نادي الطلبة الجزائريين في القاهرة، ثم تكررت لقاءاتنا

стр. 4861

في النادي وفي بعض المؤتمرات الأدبية، وكان الخرفي يساهم باسم الجزائر في المهرجانات والمؤتمرات، وكان يحسن إلقاء شعره العمودي وكان يتمتع بصوت رنان ومؤثر وبشجاعة أدبية فائقة، وكان موضوعه غالبا هو الثورة الجزائرية التي كانت تثير الجماهير العربية في مصر وسوريا والكويت وغيرها بحيث كان الخرفي مع مفدي زكرياء سفيري الشعر الجزائري في المشرق أيام الثورة. نشر صالح الخرفي عدة دواوين تحتوي على قصائد كثيرة في الثورة. وكان الخرفي يختار المناسبات الساخنة التي مرت بها الثورة مثل تفجير القنبلة الذرية في الصحراء الجزائرية وإعلان تقرير المصير، فيحيلها إلى مشاعر متأججة تثير حماس السامعين، وشعر الخرفي شعر إلقاء وتدفق صوتي وموسيقي غليظة وليس شعر تأمل وصور جمالية، أما لغته فتتشكل من قوالب محفوظة ومرصوفة عليها مسحة البداوة والصحراء والخشونة، وهي تفتقد إلى الرقة والنعومة واللحن المهموس، وكان مع ذلك يحب بل يسعى إلى أن يتغنى شعره بحناجر المغنين والمغنيات ويلحنه الملحنون من أجل الشهرة، وقد نجح في ذلك دون زملائه شعراء الثورة، فكانت بعض قصائده كأنها أناشيد وطنية حماسة وإثارة، فهو من هذه الناحية قد ساهم في نشر الشعر الفصيح على ألسنة الشباب والجمهور عامة بعد أن تعودوا على سماع الشعر الملحون ذي الطابع الأندلسي والشعبي غير المتطور وغير المفهوم أيضا. من قصائد الخرفي الثورية التي راجت نذكر هذه النماذج: نداء الضمير. وأدعوك يا أملي، الأولى من تلحين رياض السنباطي والثانية من تلحين بليغ حمدي، وكلاهما من غناء وردة، الأولى أثناء الثورة والثانية بعد الثورة، ومن دواوينه: أنت ليلاي، وأطلس المعجزات، ومن شعره الثوري قصيدة (يا فرنسا) التي جاء فيها، وقد جاء فيها عن الثورة: سنوات وجباه الطغاة للنار تعنو ... ثورة ودمار على الذي منه يدنو كم أطاحت بقائد ووزير ... وتداعى بها إلى الأرض ركن

стр. 4862

وفي نفس الوقت أشرف الخرفي في الجزائر على مجلة الثقافة التي تصدرها وزارة الثقافة، وقل إنتاجه الشعري منذ تولى المسؤوليات الإدارية وأصبح رب أسرة، وألف عدة كتب في مجاله الأكاديمي وهو الشعر الجزائري الحديث، وفي أيام عطائه رشح ليكون مديرا للثقافة في المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة فانقطع عن الجامعة والتعليم وتفرغ لعمله الجديد الذي خدم به الأمة العربية كافة، وقد أدركه الموت وهو متقاعد ويواصل التأليف والبحث الحر، توفي في تونس ونقل جثمانه إلى مسقط رأسه. عبد الرحمن الزناقي أشدت في يومياتي وأنا في القاهرة بعبد الرحمن الزناقي الذي اعتقدت أنه سيكون شاعرا وجدانيا رقيقا على مستوى وطني وعربي، ولكن بعد رحلتي الدراسية لم أسمع ماذا حدث له ولا ما إذا واصل الشعر ولم ينشره أو أنه توقف نهائيا عن الشعر بعد رجوعه إلى الجزائر، وأثناء كتابتي هذه السطور بلغني أن له أكثر من ديوان مطبوع، وأنه يعيش في البليدة متقاعدا بعد أن اشتغل بالتعليم سنوات طويلة. لم أكن قد عرفت الزناقي أو قرأت له قبل أن يراسلني من سوريا سنة ١٩٥٧، ولذلك لم استكتبه حين عزمت على كتابة بحثي عن الشعر الجزائري المشار إليه، ولكنه فاجأني بالكتابة من حلب في ١٣ سبتمبر، ١٩٥٧ قائلا إنه رأى إنتاجي في (البصائر)، كما طالع قصائدي وردي على نقد أحد النقاد في مجلة الآداب، وإنه لم يحصل على نسخة من ديواني الصغير (النصر للجزائر) الذي قرأ مقدمته بقلم الأستاذ أحمد توفيق المدني في جريدة سورية (لم يذكرها وربما هي كفاح المغرب العربي)، ومن خلال المقدمة تعرف على بعض المقطوعات من شعري. فكيف عرف الزناقي مشروعي ومن أخبره به؟ قال في مراسلته المذكورة إنه في نفس اليوم التقى بالشاعر أبي القاسم خمار (الذي كان أيضا في سوريا)

стр. 4863

فطلب منه أن يرسل إلي بعض شعره وصورته ونبذة من حياته، ولاحظ الزناقي في رسالته أن الجزائريين منطوون على أنفسهم ولذلك فأنا قد فعلت خيرا في نظره، حين عزمت على الكتابة عن أدبهم، ثم ذكر نبذة من حياته هو، فقال إنه من مواليد تلمسان عام ١٩٣٤ وإنه دخل مدرسة دار الحديث ودرس فيها على عبد الوهاب بن منصور، وبعدها توجه إلى معهد ابن بادس بقسنطينة حيث بقي أربع سنوات حصل بعدها على الشهادة الأهلية من الزيتونة بتونس، ثم وفد إلى المشرق العربي، دون أن يقول كيف حصل ذلك، ودرس بدار المعلمين الابتدائية بحلب (١). أما عن الشعر فقد قال الزناقي إنه لم يجربه إلا منذ ثلاث سنوات، وإنه قد تأثر بعدد من الشعراء الرومانسيين والاجتماعيين أمثال الشابي، وعلي محمود طه، وحافظ إبراهيم ... وإن له عدة قصائد منها ما هو في صميم الثورة وما هو حول القضية العربية، ومن قصائده في الثورة تلك التي أسماها (منبع الثورة) والتي جاء فيها: من نسيم الصبح من نبع الضياء ... من عيون الفجر من دمع السماء من ظلام الليل من زوبعة ... تلفح الأيام من صوت البكاء من سكون الكوخ من مقبرة ... فوق أرض الله ملأى بالشقاء نبعت ثورتنا جارفة ... تربة الظلم وأوحال الشتاء ولدت يوم ولدنا وأتت ... أرضنا تلبسها ثوب الإباء وللزناقي حسب ما جاء في مراسلته، قصيدة في مدينة بور سعيد بعد العدوان عليها سنة ١٩٥٦ شارك بها في مهرجان عقد بحلب ونوه فيها بدور جمال عبد الناصر وأشاد بالأمة العربية، وله قصيدة في الخمرة الصوفية على شكل موشح.

стр. 4864

وأثناء مظاهرات جرت في سورية لدعم نضال الجزائر ألقى الزناقي قصيدة مجد فيها الثورة وقال: في كل يوم ثررة للثار ... في أرضنا كالرعد كالإعصار في كل يوم ثورة وقادة ... ترمي الطغاة بأسهم من نار وقد تحدث فيها عن بطولة الثوار وأبدى إعجابه بالثورة وبمعقلها الأول، الأوراس، وتناول فيها أحداث المغرب العربي ومساندة المشرق للثورة: أوراس قد أرغى وأزبد ثائرا شدوا على القيثار للثوار ومن شعره الهادى قصيدة في الحنين إلى الذكريات، وهي قصيدة ناعمة ترجع بالذاكرة إلى الماضي بكل ما فيه (١). الربيع بوشامة عرفت الربيع بوشامة أثناء الثورة عندما بدأت التعليم في مدرسة الثبات في الحراش، إحدى ضواحي عاصمة الجزائر، وكان عندئذ هو مدير المدرسة التابعة لجمعية العلماء، كان ذلك في نهاية شهر نوفمبر ١٩٥٤، عرفت فيه الحزم والإخلاص، وقد حدثني عن رحلته إلى باريس لتنشيط حركة جمعية العلماء وسط العمال الجزائريين في غربتهم حتى يظلوا مرتبطين بوطنهم ولغتهم وإسلامهم، كما كان يحدثني عن أستاذه ابن باديس وعن شخصيات الجيل السابق له من المعلمين والمصلحين وما جرى له معهم ومع الإدارة المدرسية والسلطات الفرنسية، وكيف تحمل الصعوبات والمضايقات التي كانت تضعها هذه السلطات في طريقهم، ومع ذلك كانوا مصرين على النجاح وبلوغ الهدف، وكان ينتقد بعض قادة جمعية العلماة في الجزائر نفسها وسلوك بعض معلميها، وكنت عندئذ معلما مبتدئا وصغير السن نسبيا وقليل التجربة، فلم أكن أشاركه

стр. 4865

في أحكامه وإنما كنت أستمع إليه باهتمام. أما عن شعره فقد عرفته على صفحات البصائر قبل سنوات من لقائي بالشاعر، فقد كان الربيع بوشامة ينظم الشعر في مواضيع وطنية وعربية وأخرى تتعلق بالطبيعة والعلاقات الإنسانية، شعره نظم وقلما يحلق به في أجواء المعاني والصور البيانية أو يبحث فيه عن جمال التعبير وفن القول، ولا شك أنه كان يتذوق الشعر بما حفظ من دواوينه وقرأ لفطاحله، ويبدو أنه كان يميل إلى المدرسة الرومانسية الاجتماعية ولكن بيئة الجزائر الثقافية الخالية عندئذ من النقد الأدبي جعلت توجيه وتقويم الشعراء أمرا غير وارد، وكنت أتبادل معه الرأي في الشعر العمودي الذي يلازمه والشعر الحر الذي بدأت أحاوله وأميل إليه. ولد الربيع بوشامة في ديسمبر عام ١٩١٦ في قنزات في بني يعلى ولاية سطيف، ومنذ العام السابع من عمره دخل المدرسة القرآنية (الكتاب) والمدرسة الفرنسية، فحفظ القرآن الكريم واحتفل به والده كما جرت عادة أهل المنطقة تيمنا بأن يكون شيخ فقه وعلم، أما في المدرسة الفرنسية فقد أكمل دراسته إلى السنة الأخيرة من المرحلة الابتدائية، ثم تفرغ لدراسة العلوم العربية والإسلامية فدرسها على شيوخ بني يعلى الذين منهم الشيخ سعيد صالحي أحد أعضاء جمعية العلماء البارزين، في هذه الأثناء درس بوشامة النحو والقراءات والتجويد والفقه والتوحيد .. وخلال الثلاثينات من القرن العشرين وصل إلى بني يعلى إشعاع الحركة الإصلاحية من رافد آخر وهو الفضيل الورثلاني كما وصلتهم مجلة الشهاب وتأثير حركة ابن باديس، وقد بدأ الربيع بوشامة نشاطه بمساعدة شيخه صالحي على التدريس في جامع البلدة، ثم انضم إلى جمعية العلماء واعتنق مبدأها الإصلاحي، وفي سنة ١٩٣٨ أوفدته الجمعية إلى باريس رفقة سعيد صالحي لبث أفكارها في أوساط العمال الجزائريين بعد التحاق الورتلاني بالقاهرة، وقبل

стр. 4866

أن يتم سنة في فرنسا استدعي للخدمة العسكرية ولكنه أعفي منها لضعف بصره، فالتحق بالشيخ ابن باديس في قسنطينة وتتلمذ عليه. بقي في قسنطينة بضعة أشهر فقط لأن ابن باديس نصحه بالدراسة في الزيتونة، ولكن حالته المادية حالت دون ذلك، تأثر الربيع بوشامة بابن باديس فسار على هداه في حياته وبعد وفاته، وفي سنة ١٩٤٢ التحق بخراطة لينشر فيها التعليم العربي الحر على الطريقة الباديسية، ولكن خراطة تعرضت إلى ما تعرضت له قالمة وسطيف أثناء حوادث الثامن مايو فاعتقل بوشامة ورمي به في السجن، ووجهت له تهمة التحريض على الجهاد، وصدر الحكم بإعدامه ولكن الحكم لم ينفذ، ولما خرج من السجن في فبراير ١٩٤٦ على إثر العفو العام توجه إلى العاصمة وتعاطى التعليم في مدرسة (الهداية) بحي العناصر، وهناك اتصل بإدارة جمعية العلماء واتفق مع الشيخ الإبراهيمي على العمل في نطاق مدرسة الهداية، ثم تحول إلى مدرسة الثبات بالحراش ابتداء من سنة ١٩٤٨، وبعد عدة سنوات انتدبته الجمعية لتمثيلها في باريس (أغسطس، ١٩٥٢) حيث أصبح معتمدها ورئيس شعبتها، والمعروف أن الإبراهيمي قد زار باريس في طريقه إلى المشرق في يناير من السنة المذكورة. رجع الشاعر إلى مدرسة الثبات بالجزائر حيث تعرفت عليه، وبقي يديرها ويدرس فيها إلى يناير ١٩٥٩ حين أوقفته السلطات الفرنسية، كان الشاعر يحب مهنته وخدمة اللغة العربية والإسلام في الجزائر وهذا هو شعار الحركة الإصلاحية، وطالما أشاد بوشامة بالعروبة والإسلام في شعره وأحاديثه، وبالإضافة إلى ذلك هناك موضوع الحرية والوطنية وأحداث الثامن مايو وقضايا فلسطين وليبيا ومصر، ولم ينضم بوشامة إلى أي حزب سياسي حسب علمنا وإنما كان قريبا من اتجاه حزب الشعب مثل العديد من معلمي الجمعية. له ديوان مطبوع الآن بعد أن جمع شعره وقدم له قريبه جمال قنان، ويبدو أن الديوان لا يضم كل شعره، وهو الشعر الذي نظمه قبل وأثناء الثورة، وقد

стр. 4867

قال جامع الديوان إن الشاعر كان ينظم القصائد أثناء الثورة ثم يبعث بها إلى جيش التحرير اعتقادا منه أنها ستظهر بعد الاستقلال، وقبل اعتقاله جمع شعره في كراس وكتب عليه (هذه مجموعة شعرية من نظم الربيع بن الصديق بوشامة، أتقدم بها كأعز أثر وألطف تحية إلى أبناء العروبة والإسلام وحماة الجزائر خاصة)، ورغم ذلك فقد عرفنا أنه لم يكتب في الكراس سوى أربع قصائد (١). كان الشاعر بوشامة يعرف المناضل عميروش قبل اندلاع الثورة، منذ كانا معا في باريس، وكان عميروش يجمع بين النضال في حزب الشعب والعضوية في نادي جمعية العلماء في عهد بوشامة لاعتقاده أن الجمعية والحزب يتكاملان في رسالتهما الوطنية، وهذه الصلة بين الرجلين هي التي جعلت عميروش، وقد أصبح مسؤولا عسكريا في الثورة، يهيى للشاعر، منذ ١٩٥٧، أوراق الخروج من الجزائر قبل إلقاء القبض عليه، ولكن الاعتقال حصل أثناء وجود الشاعر في مدرسة الثبات ووجهت إليه تهمة تمزيق العلم الفرنسي، وفي ١٤ مايو، ١٩٥٩ وجد مقتولا أمام بلدية بودواو بعد عذاب أليم (٢). عبد الكريم العقون المعلومات عن حياة الشاعر عبد الكريم العقون شحيحة، فهو من مواليد برج الغدير (ولاية سطيف) سنة ١٩١٨، تلقى تعليمه الابتدائي على يد الشيخ موسى الأحمدي ثم الشيخ عبد الحميد بن باديس ابتداء من ١٩٣٣، ولعل ابن باديس هو الذي وجهه إلى جامع الزيتونة حيث حصل على شهادة التطويع، ثم عمل في مدارس جمعية العلماء مدة خمس عشرة سنة، وقد التقيته عدة مرات في مركز الجمعية بالقصبة سنة ١٩٥٥ قبل سفري إلى الشرق. كان هادئا دمث

стр. 4868

الأخلاق متأنقا في لباسه، ولكننا لم نجلس للتحدث، كان أبيض البشرة، ويلبس نظارة طبية، ولا أدري متى بدأ العقون نضاله في صفوف جبهة التحرير. قبض عليه العدو في مسجد المرادية حيث كان يلقي درسه يوم ١٥ يناير، ١٩٥٩، وهو تقريبا نفس التاريخ الذي قبض فيه على الشيخ الربيع بوشامة، ولعل العقون كان من سكان حي المرادية، وقد ذهب محمد ناصر إلى أن منظمة الجيش السري الإرهابية هي التي اختطفته واغتالته في نفس السنة، وسواء اغتالته هذه المنظمة أو منظمة اليد الحمراء، فإن الاسعمار كالأخطبوط له أكثر من ذراع يبطش بها، فقد قتلوه بعد التعذيب في الثالث عشر من مايو في الدويرة (من ضواحي العاصمة). الشاعر عبد الكريم العقون مقل في شعره ويتميز بالعاطفية والوطنية والإصلاح، وهو في شعره أقرب إلى التيار الرومانسي، وأسلوبه تجديدي ويميل إلى الرقة في العبارة والنغم في الألفاط، وهو أقرب جيله إلى التيار الرومانسي الذي كان يمثله الطاهر بوشوشي، وقد نشر معظم شعره على حد علمنا، في جريدة البصائر من السلسلة الثانية، وربما نشر أيضا في صحف أخرى، وله ديوان يبدو أنه ما يزال مخطوطا (١). عبد الرحمن العقون (بلعقون) يبدو أنه لا صلة عائلية بين الشاعرين العقونين، أما من حيث الأدب والمهنة والفكر فالقرابة ثابتة، فكلاهما تعاطى التعليم وخدم الثورة، وكلاهما انتمى إلى التيار الوطني غير أن عبد الرحمن قد انتمى إلى حزب الشعب/ حركة الانتصار بينما انتمى زميله إلى الحركة الباديسية الإصلاحية، وإذا كان عبد الكريم قد عرف بالشعر فإن عبد الرحمن عرف بالنثر والشعر معا، وكان نثره أفضل من شعره، ومع ذلك فإن لعبد الرحمن ديوان شعر مطبوع بينما ما يزال

стр. 4869

شعر عبد الكريم مخطوطا، كما أن عبد الكريم لم يخرج من الجزائر أيام الثورة أما عبد الرحمن فقد هرب وخدم الثورة في الوفد الخارجي في سورية والأردن، وقد أطال المكث في البلد الأخير (١٩٥٨ - ١٩٦٤). ولد عبد الرحمن في وادي الزناتي سنة ١٩٠٨، ودرس الابتدائي في مسقط رأسه على يد شيخه عمار مهري والد المناضل عبد الحميد مهري، واستغرق ذلك، حوالي سبع سنوات (١٩٢٦ - ١٩٣٣)، وانضم إلى حزب الشعب مبكرا، فكان عضوا في لجنة المدارس الحرة التي أنشأها الحزب، واشتغل بالتعليم ولكنه لم يقتصر عليه بل مارس أيضا التجارة والفلاحة من أجل العيش، وقد اعتقل وسجن إبان الثورة، وبعد الإفراج عنه رحل إلى المشرق وعمل في مكاتب جبهة التحرير كما ذكرنا. له عدة تآليف صدرت بعد الاستقلال، منها: من وراء القضبان وهو كتاب في شكل قصة، وديوان شعر بعنوان (أطوار)، والكفاح السياسي والقومي، وهو نوع من المذكرات في الحياة السياسية والحزبية في الجزائر، ويقع في ثلاثة أجزاء (١). عندما عزمت على كتابة بحثي عن الشعر الجزائري سنة ١٩٥٧ سمع عبد الرحمن العقون بالمشروع فراسلني بمجموعة من شعره ونبذة من حياته، مثل كل الزملاء الذين راسلتهم، وكان عندئذ في دمشق، ولما صدر بحثي في مجلة الآداب بدا أن العقون قد خاب ظنه ربما لأني لم أكتب عنه كما كان يتوقع، فراسلني بغضب واستعاد مني إنتاجه فأعدته إليه، وقد ندمت على ذلك لأنه لو كان معي ذلك الإنتاج الآن لاستفدت منه في هذا البحث، وعلى كل حال فشعره على ما أذكر شعر سياسي تعليمي هادى العاطفة، وقد قلت إن نثره أفضل من شعره. أما علاقة العقون بالثورة فهو من الرعيل الأول الذي انضم إليها وكان

стр. 4870

متحمسا لها ومؤمنا بها وقد ساعدته ثقافته العربية على التعليم في الجزائر وعلى القراءة والاتصال بالمشرق في وقت كان المشارقة فيه يدعمون الثورة وأدباءها، ويبدو أن الشاعر قد تأثر بالحياة الثقافية في المشرق كما يظهر ذلك من كتابه الكفاح السياسي. ويقول من درس شعره دراسة دقيقة إن له فيه مرحلتين: الأولى تتميز بكونها باكورة إنتاجه وله في ذلك عذره في عدم الوضوح والكمال، والمرحلة الثانية تتميز بوضوح الشعر وحرارة العاطفة مع عمق التفكير، ويعتبر شعره من هذه الزاوية سجلا حافلا للكفاح السياسي منذ الحرب العلمية الأولى، وقد بلغ درجة عالية فيه منذ ثورة أول نوفمبر، يضاف إلى ذلك أنه كان يعبر من داخل الحركة الوطنية وليس من خارجها لأنه تحمل مسؤوليات فيها واعتنق مذهب الحرية والوطنية. أكثر شعر العقون مكتوب بالقصيد العمودي وله بعض الموشحات، وبالإضافة إلى الشعر السياسي الوطني له أشعار في المجاملات مثل المساجلات وبعض المراثي، كما له بعض الشعر الذاتي والغزلي الديني، وشعره قديم في أسلوبه وجديد في أغراضه وتفكيره، كما قال من كتب التصدير لديوانه (أطوار) وهو زميله مولود مهري بن عمار، ولكن هذا الكلام لا يدلنا على متى يبدأ ومتى ينتهي شعر الثورة عنده (١). أحمد معاش الباتني من أوائل الشعراء الذين تحدثوا عن الثورة وأرهص لها، بدأ ينشر أوائل الخمسينات في البصائر وكانت قصائده بمثابة مقدمات لشعره الثوري ومشاركته
следующие страницы →