أن يتم سنة في فرنسا استدعي للخدمة العسكرية ولكنه أعفي منها لضعف بصره، فالتحق بالشيخ ابن باديس في قسنطينة وتتلمذ عليه.
بقي في قسنطينة بضعة أشهر فقط لأن ابن باديس نصحه بالدراسة في الزيتونة، ولكن حالته المادية حالت دون ذلك، تأثر الربيع بوشامة بابن باديس فسار على هداه في حياته وبعد وفاته، وفي سنة ١٩٤٢ التحق بخراطة لينشر فيها التعليم العربي الحر على الطريقة الباديسية، ولكن خراطة تعرضت إلى ما تعرضت له قالمة وسطيف أثناء حوادث الثامن مايو فاعتقل بوشامة ورمي به في السجن، ووجهت له تهمة التحريض على الجهاد، وصدر الحكم بإعدامه ولكن الحكم لم ينفذ، ولما خرج من السجن في فبراير ١٩٤٦ على إثر العفو العام توجه إلى العاصمة وتعاطى التعليم في مدرسة (الهداية) بحي العناصر، وهناك اتصل بإدارة جمعية العلماء واتفق مع الشيخ الإبراهيمي على العمل في نطاق مدرسة الهداية، ثم تحول إلى مدرسة الثبات بالحراش ابتداء من سنة ١٩٤٨، وبعد عدة سنوات انتدبته الجمعية لتمثيلها في باريس (أغسطس، ١٩٥٢) حيث أصبح معتمدها ورئيس شعبتها، والمعروف أن الإبراهيمي قد زار باريس في طريقه إلى المشرق في يناير من السنة المذكورة.
رجع الشاعر إلى مدرسة الثبات بالجزائر حيث تعرفت عليه، وبقي يديرها ويدرس فيها إلى يناير ١٩٥٩ حين أوقفته السلطات الفرنسية، كان الشاعر يحب مهنته وخدمة اللغة العربية والإسلام في الجزائر وهذا هو شعار الحركة الإصلاحية، وطالما أشاد بوشامة بالعروبة والإسلام في شعره وأحاديثه، وبالإضافة إلى ذلك هناك موضوع الحرية والوطنية وأحداث الثامن مايو وقضايا فلسطين وليبيا ومصر، ولم ينضم بوشامة إلى أي حزب سياسي حسب علمنا وإنما كان قريبا من اتجاه حزب الشعب مثل العديد من معلمي الجمعية.
له ديوان مطبوع الآن بعد أن جمع شعره وقدم له قريبه جمال قنان، ويبدو أن الديوان لا يضم كل شعره، وهو الشعر الذي نظمه قبل وأثناء الثورة، وقد
стр. 4867
قال جامع الديوان إن الشاعر كان ينظم القصائد أثناء الثورة ثم يبعث بها إلى جيش التحرير اعتقادا منه أنها ستظهر بعد الاستقلال، وقبل اعتقاله جمع شعره في كراس وكتب عليه (هذه مجموعة شعرية من نظم الربيع بن الصديق بوشامة، أتقدم بها كأعز أثر وألطف تحية إلى أبناء العروبة والإسلام وحماة الجزائر خاصة)، ورغم ذلك فقد عرفنا أنه لم يكتب في الكراس سوى أربع قصائد (١).
كان الشاعر بوشامة يعرف المناضل عميروش قبل اندلاع الثورة، منذ كانا معا في باريس، وكان عميروش يجمع بين النضال في حزب الشعب والعضوية في نادي جمعية العلماء في عهد بوشامة لاعتقاده أن الجمعية والحزب يتكاملان في رسالتهما الوطنية، وهذه الصلة بين الرجلين هي التي جعلت عميروش، وقد أصبح مسؤولا عسكريا في الثورة، يهيى للشاعر، منذ ١٩٥٧، أوراق الخروج من الجزائر قبل إلقاء القبض عليه، ولكن الاعتقال حصل أثناء وجود الشاعر في مدرسة الثبات ووجهت إليه تهمة تمزيق العلم الفرنسي، وفي ١٤ مايو، ١٩٥٩ وجد مقتولا أمام بلدية بودواو بعد عذاب أليم (٢).
عبد الكريم العقون
المعلومات عن حياة الشاعر عبد الكريم العقون شحيحة، فهو من مواليد برج الغدير (ولاية سطيف) سنة ١٩١٨، تلقى تعليمه الابتدائي على يد الشيخ موسى الأحمدي ثم الشيخ عبد الحميد بن باديس ابتداء من ١٩٣٣، ولعل ابن باديس هو الذي وجهه إلى جامع الزيتونة حيث حصل على شهادة التطويع، ثم عمل في مدارس جمعية العلماء مدة خمس عشرة سنة، وقد التقيته عدة مرات في مركز الجمعية بالقصبة سنة ١٩٥٥ قبل سفري إلى الشرق. كان هادئا دمث
стр. 4868
الأخلاق متأنقا في لباسه، ولكننا لم نجلس للتحدث، كان أبيض البشرة، ويلبس نظارة طبية، ولا أدري متى بدأ العقون نضاله في صفوف جبهة التحرير. قبض عليه العدو في مسجد المرادية حيث كان يلقي درسه يوم ١٥ يناير، ١٩٥٩، وهو تقريبا نفس التاريخ الذي قبض فيه على الشيخ الربيع بوشامة، ولعل العقون كان من سكان حي المرادية، وقد ذهب محمد ناصر إلى أن منظمة الجيش السري الإرهابية هي التي اختطفته واغتالته في نفس السنة، وسواء اغتالته هذه المنظمة أو منظمة اليد الحمراء، فإن الاسعمار كالأخطبوط له أكثر من ذراع يبطش بها، فقد قتلوه بعد التعذيب في الثالث عشر من مايو في الدويرة (من ضواحي العاصمة).
الشاعر عبد الكريم العقون مقل في شعره ويتميز بالعاطفية والوطنية والإصلاح، وهو في شعره أقرب إلى التيار الرومانسي، وأسلوبه تجديدي ويميل إلى الرقة في العبارة والنغم في الألفاط، وهو أقرب جيله إلى التيار الرومانسي الذي كان يمثله الطاهر بوشوشي، وقد نشر معظم شعره على حد علمنا، في جريدة البصائر من السلسلة الثانية، وربما نشر أيضا في صحف أخرى، وله ديوان يبدو أنه ما يزال مخطوطا (١).
عبد الرحمن العقون (بلعقون)
يبدو أنه لا صلة عائلية بين الشاعرين العقونين، أما من حيث الأدب والمهنة والفكر فالقرابة ثابتة، فكلاهما تعاطى التعليم وخدم الثورة، وكلاهما انتمى إلى التيار الوطني غير أن عبد الرحمن قد انتمى إلى حزب الشعب/ حركة الانتصار بينما انتمى زميله إلى الحركة الباديسية الإصلاحية، وإذا كان عبد الكريم قد عرف بالشعر فإن عبد الرحمن عرف بالنثر والشعر معا، وكان نثره أفضل من شعره، ومع ذلك فإن لعبد الرحمن ديوان شعر مطبوع بينما ما يزال
стр. 4869
شعر عبد الكريم مخطوطا، كما أن عبد الكريم لم يخرج من الجزائر أيام الثورة أما عبد الرحمن فقد هرب وخدم الثورة في الوفد الخارجي في سورية والأردن، وقد أطال المكث في البلد الأخير (١٩٥٨ - ١٩٦٤).
ولد عبد الرحمن في وادي الزناتي سنة ١٩٠٨، ودرس الابتدائي في مسقط رأسه على يد شيخه عمار مهري والد المناضل عبد الحميد مهري، واستغرق ذلك، حوالي سبع سنوات (١٩٢٦ - ١٩٣٣)، وانضم إلى حزب الشعب مبكرا، فكان عضوا في لجنة المدارس الحرة التي أنشأها الحزب، واشتغل بالتعليم ولكنه لم يقتصر عليه بل مارس أيضا التجارة والفلاحة من أجل العيش، وقد اعتقل وسجن إبان الثورة، وبعد الإفراج عنه رحل إلى المشرق وعمل في مكاتب جبهة التحرير كما ذكرنا.
له عدة تآليف صدرت بعد الاستقلال، منها: من وراء القضبان وهو كتاب في شكل قصة، وديوان شعر بعنوان (أطوار)، والكفاح السياسي والقومي، وهو نوع من المذكرات في الحياة السياسية والحزبية في الجزائر، ويقع في ثلاثة أجزاء (١).
عندما عزمت على كتابة بحثي عن الشعر الجزائري سنة ١٩٥٧ سمع عبد الرحمن العقون بالمشروع فراسلني بمجموعة من شعره ونبذة من حياته، مثل كل الزملاء الذين راسلتهم، وكان عندئذ في دمشق، ولما صدر بحثي في مجلة الآداب بدا أن العقون قد خاب ظنه ربما لأني لم أكتب عنه كما كان يتوقع، فراسلني بغضب واستعاد مني إنتاجه فأعدته إليه، وقد ندمت على ذلك لأنه لو كان معي ذلك الإنتاج الآن لاستفدت منه في هذا البحث، وعلى كل حال فشعره على ما أذكر شعر سياسي تعليمي هادى العاطفة، وقد قلت إن نثره أفضل من شعره.
أما علاقة العقون بالثورة فهو من الرعيل الأول الذي انضم إليها وكان
стр. 4870
متحمسا لها ومؤمنا بها وقد ساعدته ثقافته العربية على التعليم في الجزائر وعلى القراءة والاتصال بالمشرق في وقت كان المشارقة فيه يدعمون الثورة وأدباءها، ويبدو أن الشاعر قد تأثر بالحياة الثقافية في المشرق كما يظهر ذلك من كتابه الكفاح السياسي.
ويقول من درس شعره دراسة دقيقة إن له فيه مرحلتين: الأولى تتميز بكونها باكورة إنتاجه وله في ذلك عذره في عدم الوضوح والكمال، والمرحلة الثانية تتميز بوضوح الشعر وحرارة العاطفة مع عمق التفكير، ويعتبر شعره من هذه الزاوية سجلا حافلا للكفاح السياسي منذ الحرب العلمية الأولى، وقد بلغ درجة عالية فيه منذ ثورة أول نوفمبر، يضاف إلى ذلك أنه كان يعبر من داخل الحركة الوطنية وليس من خارجها لأنه تحمل مسؤوليات فيها واعتنق مذهب الحرية والوطنية.
أكثر شعر العقون مكتوب بالقصيد العمودي وله بعض الموشحات، وبالإضافة إلى الشعر السياسي الوطني له أشعار في المجاملات مثل المساجلات وبعض المراثي، كما له بعض الشعر الذاتي والغزلي الديني، وشعره قديم في أسلوبه وجديد في أغراضه وتفكيره، كما قال من كتب التصدير لديوانه (أطوار) وهو زميله مولود مهري بن عمار، ولكن هذا الكلام لا يدلنا على متى يبدأ ومتى ينتهي شعر الثورة عنده (١).
أحمد معاش الباتني
من أوائل الشعراء الذين تحدثوا عن الثورة وأرهص لها، بدأ ينشر أوائل الخمسينات في البصائر وكانت قصائده بمثابة مقدمات لشعره الثوري ومشاركته
стр. 4871
الفعلية في الثورة، ومن أبرزها قصيدة (مشبوه) التي نشرها خلال السنة الأولى للثورة، وقد جاء فيها:
قالوا خذوه فإنه مشبوه ... ومضوا لما في البيت فانتبهوه
ما ناله بالكدح قد سلبوه ... وإذا تأبى للردى وهبوه
لن يرحموه فإنه مشبوه (١)
أحمد معاش لم يشترك في الثورة بشعره فقط بل اشترك فيها بحياته وبعائلته (أبوه وإخوته وأقاربه ...) واستشهد عدد من إخوته وكاد هو يقتل أيضا سواء وهو مسلح في الجبل أو هو متسلل من الجزائر إلى تونس، ولكن البغل الذي كانوا يحملون عليه أثقالهم (استشهد) فرثاه أحمد معاش بقصيدة تدل على رقة إحساسه وإنسانيته وعلى انغماسه في الثورة وعلاقته بتراب وحتى حيوانات بلاده.
بعد خروج الشاعر إلى تونس أخذ يعمل في مصالح جبهة التحرير، ثم انتقل منها إلى المشرق أولا لإدارة الفريق الوطني لكرة القدم الذي تكون في تونس لإبلاغ صوت الثورة للبلدان المشقيقة والصديقة، ثانيا للعمل الإعلامي والدبلوماسي الذي انطلق فيه من دمشق والأردن، وأثناء مروره بالقاهرة سنة ١٩٥٨ التقينا لأول مرة وتعارفنا وتبادلنا الآراء، وكنا قبل ذلك قد تعارفنا على صفحات البصائر حيث كتبت عن بعض قصائده التي اعتبرتها ملحمية، وارتبطت بيننا علاقات حميمة ظلت وفية إلى أن توفاه الله عام ٢٠٠٥ رغم اختلاف أماكن عملنا واهتمامات كل منا، ومن بين ما أذكره له هنا (وهو مذكور في يومياتي) أنه أنجدني عندما كان سفيرا للجزائر في طرابلس (١٩٦٩) بقرض احتجته لمواصلة نشر كتابي الحركة الوطنية الجزائرية عند سهيل إدريس في بيروت، ولولا قرض معاش لتعطل الكتاب في الصدور، واتفقنا على تسديد المبلغ
стр. 4872
بالعملة الجزائرية بواسطة صديقه الشاعر عبد الرحمن العقون (١).
عمل أحمد معاش في السلك الدبلوماسي في المشرق (سورية والأردن) أثناء الثورة وبعد الثورة عمل في طرابلس، ثم حدثت جفوة مع وزارة الخارجية فدخل المعارضة الصامتة، وانتقل إلى أوروبا وعمل في الصحافة العربية بالخارج، وعاش حياة ليس عندي تفصيلها ولكنها حياة غاضب على الأوضاع في بلاده، ولم يرجع إلى السلك الدبلوماسي وإنما تقاعد وتفرغ للكتابة شعرا ونثرا فظهرت له بعض الدواوين، منها (التراويح وأغاني الخيام)، وكنت أظن أنه ترك الشعر ولكنه رجع إليه في السنوات الأخيرة من حياته، بل أكثر منه، وكان نجيه في غربته ومؤنسه في وحدته ومنسيه آلامه الجسمية والوطنية، فقد كان يعاني المرض الذي طال به، ويعاني مما أصاب الجزائر من أزمة وتمزق خلال التسعينات، فكان الشعر مرجعه وهو بلسمه يبثه أحزانه، وقد نتج عن ذلك ديوان جديد نشر في آخر أيامه، ولعله لم يطلع عليه، وقد صدر ببعض كلمات مني أبى إلا أن يحليه بها.
كتبت عن شعر أحمد معاش وعن حياته في مناسبات أخرى، وهو يستحق دراسة شاملة، ولا يعنيني هنا شعره في الأزمة الجزائرية (التسعينات) ولا إخوانياته التي قالها بعد الثورة والتي أكثر منها، خصوصا التهاني والمراثي، ولكن الذي يهمني هنا هو شعره في الثورة، ويبدو أنه قليل بالقياس لما قاله قبلها وبعدها، والظاهر أنه صرف همته أثناء الثورة إلى العمل الدبلوماسي، ومن شعره في زمن الثورة قصيدة قالها سنة ١٩٥٦ وقصيدة بني العرب سنة ١٩٥٨ وقصيدة ذكرى الثورة التي قالها وهو في دمشق سنة ١٩٥٩ (٢).
بالإضافة إلى قصيدة (مشبوه) نشر معاش في البصائر أيضا قصيدة (لحن
стр. 4873
الصحراء) التي تغنى فيها بجمال الصحراء وطبيعتها وصفائها، مع التذكير أنه كان عندئذ يعلم في بسكرة التي تعتبر بوابة الصحراء، ومما جاء فيها:
بسط الرمل راحتيه وحيا وحبا ... النخل طيبه القدسيا
واستوى في الفضاء يرفع جيدا ... مستطيلا يضوع مسكا زكيا
فكأن النخيل في البيد بحر ... ذو سوار يخوض بحرا حييا (١)
شعر أحمد معاش الأول أجمل من شعره الأخير لسببين: أنه في البداية كان مفعما بالشباب ويحاول أن يجود الشعر ويرققه ويتخير له الألفاظ المناسبة والصور الجميلة، وكان مهتما بالطبيعة والإنسان، أما شعره الأخير فقد تميز بالارتجال، وقلة المراجعة، والاندفاع بحيث يقرأ عن الحادثة في الصحف أو يسمع عن وفاة مجاهد أو زعيم فيصوغ الخبر قصيدة طويلة أحيانا، ولم يعد يكترث بالأسلوب والصور وإنما أصبح مهتما بتوصيل صوته والتعبير عن رأيه في الحدث نفسه، وقد حاولت في مراسلاتي معه أن أثنيه عن هذه الطريقة، واقترحت عليه ذات مرة التوقف عن قول الشعر برهة، أو مراجعته ونقده الذاتي قبل نشره، ولا أدري ماذا كانت دوافعه في الإسراع بنشر شعره: هل هي المادة (وكان في حاجة إليها) أو هي الشهرة، أو التخلص فقط من الشحنة الثقيلة التي دفعت به إلى نظم القصيدة.
نظم معاش القصيدة العمودية في الأغلب ولكنه نظم أيضا الموشح، والقصائد متعددة القوافي والأجزاء، وحاول الشعر الحر، وكان متدفق المشاعر تواتيه الألفاظ ويسيل به القلم حتى يعتقد قارئه من سرعة ردوده أنه يشعر ولا يفكر، يكتب ولا يتأمل.
أما حياته فقد لخصها محمد ناصر في كونه ولد في باتنة سنة ١٩٢٨. ودرس في مدارس جمعية العلماء في باتنة وقسنطينة، ثم في جامع الزيتونة
стр. 4874
بتونس، ومن شيوخه في باتنة محمد العيد آل خليفة الذي تتلمذ عليه في العلم والشعر، ويضيف محمد ناصر أن شعره فيه نزعة إصلاحية ووطنية، وبالإضافة إلى دواوينه نشر كتابا بعنوان كلمات متقاطعة، وقصص وأشعار للأطفال (١).
صالح خباشة
وهو المعروف بابن بابا صالح، شاعر من الجنوب (بني ميزاب)، له شعر في الثورة، منه: مأساة القصبة، ربما هي معركة الجزائر، وأيام الإضراب الشعبي العام الذي دعت إليه جبهة التحرير وأراد الفرنسيون منعه، وله قصيدة عن إضراب الطلبة عن الدراسة والتحاقهم بالثورة، وأخرى عن التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، ومن ذلك قصيدة عن الثائر الذي قتل المعمر (فروجي)، رئيس بلدية بوفاريك الفرنسي، وله غير ذلك من القصائد.
ولد خباشة في القرارة سنة ١٩٣٣، ودرس الابتدائي والثانوي في هذه البلدة العلمية النائية التي اشتهرت بشيخها إبراهيم بيوض مدير معهد الحياة، ثم توجه الشاعر إلى تونس للدراسة في جامع الزيتونة، وبعد تخرجه التحق بكلية الآداب، جامعة بغداد وتخرج منها سنة ١٩٦١، وكان على صلة بالثورة ورجالها واللاجئين في تونس، وشارك - كما يذهب محمد ناصر - في تثقيف شباب جبهة التحرير في تونس، كما شارك في الإذاعة والصحافة التونسية، ومنذ الاستقلال التحق بالتعليم كشأن معظم جيله من الجزائريين الذين درسوا في المشرق العربي أيام الثورة، ولا ندري كم هي القصائد التي نظمها في الثورة، ولكن ديوانه (الروابي الحمر) يرمز إلى الثورة، وهو يتجه نحو التقليد في شعره ولكنه يمتاز بجزالة الألفاظ وصدق العاطفة، وقد عد الجابري له سبع قصائد نشرها في جرائد تونس بين سنوات ١٩٥٦ و ١٩٦١ (٢).
стр. 4875
ومن شعر خباشة قصيدته (صرخة في الصحراء) التي قالها سنة ١٩٥٧ وجاء فيها:
أفي صحرائنا اتخذوا الديارا ... إليكم، لن تطيب لكم قرارا
سماواتي عليكم ثائرات ... وتحرق بالصواعق من أغارا
وأرضي متكم تتشق غيظا ... فكم جيش لكم فيها توارى
الشعر الرومانسي
وبينما الثورة تسير وشعراؤها يتغنون بها ويتحمسون لها ويدعون إليها كان هناك شعراء فضلوا تناول موضوعات أخرى في شعرهم لا علاقة لها بالثورة ولا بالسياسة، لقد كانوا يتناولون الشعر الديني والشعر السجالي والشعر الوصفي أو المثالي (الرومانسي) وشعر الرثاء، بل والشعر التاريخي في شكل دراسات لقدماء الشعراء أو تاريخ الأدب.
فإذا رجعنا إلى مجلة هنا الجزائر مثلا (وهي من المصادر العربية الباقية التي غطت فترة الثورة بأسلوب آخر) نجد فيها قصائد دينية للأخضر السائحي تناول فيها الهجرة النبوية ودخول الأعوام الهجرية وشهر رمضان، وأحيانا أشعارا وصفية وإخوانية، كما نجد مساجلة غرامية كتبها محمد حقي السائح (وهي من الشعر الملحون الذي أكثرت منه مجلة هنا الجزائر وفي أغراضه المختلفة)، أما أحمد الأكحل فقد كتب مقالة عن الشاعر سيدي محمد بن علي، شاعر العاصمة الجزائرية ومفتيها في القرن الثامن عشر الميلادي، كما كتب الطاهر بوشوشي الذي كان يوقع شعره باسم (ابن جلا) دراسة لشعر أبي القاسم الشابي وتأثيره في جيل الشباب وخصائص شعر ٥ (١).
стр. 4876
نشرت مجلة هنا الجزائر قصائد في أغراض متنوعة ولكن لا علاقة لها بالثورة، منهم شعراء الحركة الرومانسية كالطاهر البوشوشي والأخضر السائحي.
الطاهر بوشوشي
كان بوشوشي من الشعراء الرومانسيين البارزين في هذه الفترة، وكان يوقع أغلب قصائده باسم (ابن جلا)، وكان أيضا يكتب النثر ويترجم من الأدب الفرنسي، فهو من الأدباء المزدوجي اللغة المتميزين، ولد في بجاية سنة ١٩١٦، ودرس بها الفرنسية وتابع أيضا دروس اللغة العربية في مدرسة الشبيبة بالعاصمة، فكان فيها من تلاميذ محمد العيد آل خليفة، وقيل إنه درس أيضا في جامعة الجزائر وحصل منها على الليسانس سنة ١٩٣٩، كما جند في الحرب العالمية الثانية، عمل في الإذاعة الفرنسية بالجزائر وترأس تحرير مجلة (هنا الجزائر) المزدوجة اللغة (عربية - فرنسية)، وجمع من حوله كوكبة من الأدباء ذوي الأقلام العربية أمثال نور الدين عبد القادر وأحمد الأكحل والأخضر السائحي والهادي السنوسي وأحمد بن ذياب والمولود الطياب، وقد استمرت المجلة في الصدور إلى سنة ستين، ولا نتوقع أن المجلة المذكورة ستتناول الشعر الثوري، ويكفي أنها ركزت على الشعر الديني والتراثي والرومانسي سواء المنقول أو المبدع، وكان بوشوشي من الذين أبدعوا القصائد الجميلة وترجموا عن شعراء فرنسا أمثال فيكتور هوغو ولامرتين وبودلير.
سافر بوشوشي إلى فرنسا في نهاية الخمسينات واستقر بها ولم يرجع إلى الجزائر إلا ربما أوائل السبعينات، وقد رأيناه في الجامعة حيث كان قليل الظهور وكان يعمل في الترجمة، كما رأيناه في ملتقى الفكر الإسلامي بالعاصمة سنة ١٩٧٢ عندما كان ملازما لمولود قاسم ومفدي زكرياء وعثمان الكعاك أثناء ترجمته إلياذة الجزائر للشاعر الثوري (مفدي زكرياء) ربما بإيعاز وإلحاح من مولود قاسم.
стр. 4877
كنت قد عرفت بوشوشي قبل ذلك التاريخ، أي سنة ١٩٥٥ عندما كنت أعلم في مدرسة التهذيب التابعة لجمعية العلماء في الأبيار، وكان القسم (الفصل) الذي ألتقي فيه بالأطفال عبارة عن مرأب (قراج) ملتصق بمنزل بوشوشي، وربما هو جزء منه والمتبرع به، وكان منزله في أعالي الربوة المطلة على البحر وجبل بوزريعة وباب الواد على يمين الصاعد في شارع (ريشار ماغي) بالعين الباردة، وقد تعارفنا ولكننا لم نتخالط، وشعرت أنه كان لطيف المعشر متواضعا، وكان يعرف أنني أكتب الشعر أيضا، وكان إذاك رئيسا لتحرير مجلة هنا الجزائر، ولكنه لم يفاتحني في موضوع الكتابة، فكنا نتبادل السلام والمصافحة وبعض كلمات المجاملة إذا تصادف ذلك مع استراحة الأطفال، ويقول محمد ناصر إن بوشوشي نشر شعره أيضا في البصائر والشهاب والثقافة، ولكن شعره يظل قليلا بالنسبة لموهبته، ولعله لم ينشره كله، توفي في فرنسا في يونيو ١٩٧٨، عن ٧٧ سنة (١).
نشر الطاهر بوشوشي (ابن جلا) قصيدة تحدث فيها على لسان المذيع:
أنا المذيع ناء لا تراني ... وتسمع ما يفوه به لساني
وهي قصيدة تأملية طويلة استوعبت صفحتين من المجلة (٢).
وقد نشر ابن جلا نفسه قصيدة أخرى حزينة ربما من وحي الواقع الجزائري عنوانها يدل عليها وهي (قدوم المساء) رغم أنها نشرت في فصل الربيع الزاهي، ولبوشوشي قصيدة أخرى بعنوان السماء، وهي من الشعر الحر طويلة ومتعددة الفقرات (٣)، وله أيضا قصيدة صادقة في رثاء شيخه أحمد بن
стр. 4878
زكري عنوانها (إلى رحمة الله) (١).
الشعر والربيع والحزن
وعلى غرار (مساء) بوشوشي تقريبا نشر أحمد الأكحل قصيده ربيعية حزينة أيضا عنوانها (عند الغروب)، فيها فلسفة وتأمل، بينما كتب ابن ذياب عن الشعر التفاؤلي عند إيليا أبي ماضي تحت عنوان (الحب والبهجة والجمال في شعر أبي ماضي) (٢).
وهل يصح أن نقول هنا إن الشعراء الذين بقوا داخل الجزائر كانوا يعيشون في حالة تردد وحزن بينما زملاؤهم الذين تمكنوا من الخروج تحرروا من الخوف وآمنوا بأن طريق الحرية هو الطريق الأمثل؟ من الملفت للنظر أن أحمد بن ذياب الذي جمع بين النثر والشعر أيضا خص مجلة هنا الجزائر بمختارات مما قاله الشعراء في فصل الربيع تحت عنوان (معرض للشعراء في الربيع) (٣).
إن قصيدة (قدوم المساء) لابن جلا قصيدة متحررة، وقد ظهرت إلى جانبها قصيدة (الشاعر المحتضر) للشاعر الفرنسي الرومانسي لامرتين (٤).
وقد سبق القول بأن الطاهر بوشوشي ترجم قصيدة (الجندول) للشاعر المصري علي محمود طه إلى الفرنسية، وهي القصيدة التي غناها محمد عبد الوهاب وأطرب بها الفئة الأدبية، وعلق بوشوشي على حياة وشعر محمود طه، باعتباره شاعرا رومانسيا متميزا (توفي سنة ١٩٥٠)، ورأى بوشوشي أن قصيدة الجندول من أجمل ما نظم علي محمود طه، ونوه بديوانه الملاح التائه وليالي الملاح التائه، وشبه علي محمود طه بالشاعر الفرنسي موسوي Mussuet
стр. 4879
والشاعر الأنجليزي شيللي Shelley (١).
كما تحدث ابن جلا عن بحيرة لامرتين في الأدب العربي، وخصص مقالا طويلا في ترجمة حياة هذا الشاعر الفرنسي الشهير والتعريف بدوره في الحركة الرومانسية، كما تناول (بوشوشي) بالتعريف والترجمة الشعراء إبراهيم ناجي ونقولا فياض وابن زيدون، وغيرهم من أعلام الشعر الذاتي (٢).
ومن هذا الشعر الرومانسي نشير إلى وصف جولة على زورق في بحيرة كومو بإيطاليا لمصطفى بن يلس (وهو مدرس بالجامع الكبير بالعاصمة) يقول فيها من قطعة:
ركبنا على متن البحيرة ساعة ... وأمواج أنس النفس عفوا تدفق (٣).
محمد الأخضر السائحي
ولد في بلدة (العلية) نواحي تقرت سنة ١٩١٨ وفيها درس الابتدائي، ثم انتقل إلى القرارة حيث درس سنتين على الشيخ إبراهيم بيوض مدير معهد الحياة وعالم المنطقة، ثم توجه إلى جامع الزيتونة بتونس سنة ١٩٣٥ وتخرج منها بعد أربع سنوات، وشارك في الصحافة التونسية والحياة الطلابية، ولما رجع إلى الجزائر تعاطى التعليم الحر ربما في مدرسة النجاح بتماسين، وقد عمل في القسم العربي بالإذاعة الفرنسية بالجزائر ابتداء من سنة ١٩٥٢، وظل ينتح فيها إلى الاستقلال، كما علم في الثانوي، وأسهم في تحرير مجلة (هنا الجزائر) التي كانت تصدرها الإذاعة المذكورة، نشر شعرا كثيرا في الوصف والدين والأخلاق، وبدأ النثر في الصحف التونسية، وكان هو وبوشوشي وأحمد الأكحل وعبد الكريم العقون يمثلون تيار الشعر الوجداني في الجزائر، وشعره
стр. 4880
عمودي رفيع، من دواوينه همسات وصرخات، وجمر ورماد.
وربما اشترك، وهو في تونس، في الحياة السياسية أيضا، فقد مدح بورقيبة مبكرا (سنة ١٩٣٨)، وكانت تونس تعيش عهدا من التوتر السياسي فتأثر به، ويبدو أنه لم ينظم شعرا في الثورة، فقد تتبعنا معظم شعره في مجلة (هنا الجزائر) فلم نجد له سوى القصائد التي تتفق مع التيار الذي أشرنا إليه، ومن الطبيعي أن يحدث ذلك لأن المجلة تصدر عن مؤسسة فرنسية رسمية (١).
نشر السائحي قصيدة بعنوان (العمياء)، وهي ربما تعد من الشعر الواقعي الجديد، كما ألقى قصيدة في الحفلة التي أعدتها بلدية الجزائر لتكريم الممثل يوسف وهبي وفرقته بعنوان (تحية الجزائر لضيوفها)، وهي قصيدة جميلة معنى ولفظا تحدث فيها عن العلاقة بين الجزائر ومصر وعن الفن والأدب، كما نشر قصيدة حول العام الميلادي الجديد، وهي قصيدة جميلة تدعو إلى التأمل، ونشر أخرى عن ليلة المعراج (٢).
ولكن الشعر الرومانسي لم يكن حكرا على بوشوشي والسائحي أو شعراء مجلة هنا الجزائر، فقد كانت تغلب على الشاعر عبد الكريم العقون النزعة الرومانسية، وبدأ عدد من الشعراء الشباب مسيرتهم في قطار الرومانسية مثل عبد الرحمن الزناقي ومحمد الأخضر عبد القادر السائحي، وقد تأثر أبو القاسم سعد الله منذ البداية بهذه المدرسة الأدبية ثم ظل تحت سلطانها حتى خلال الثورة، ويشهد ديوانه الزمن الأخضر على ذلك.
стр. 4881
الشعر المحايد
بالإضافة إلى الشعر الرومانسي نشرت هنا الجزائر شعرا آخر ينتمي إلى التيار الإصلاحي أو الإخواني والاجتماعي والديني والوصفي، ومن الشعراء الذين تعاطوا هذه كل هذه الأنوع أو بعضها الهادي السنوسي وابن ذياب والأكحل، ويمكننا وصف هذا النوع من الشعر المنشور في هنا الجزائر بالشعر المحايد أو غير المنحاز، فهو يتناول الدين والرثاء والطبيعة والمخترعات ولكنه ظل بعيدا كل البعد عن السياسة والوطنية والثورة.
وإذا ما نقل كابت عن شاعر أو درسه فإن الأشعار المنقولة تظل بعيدة عن ساحة السياسة، سواء كان التقل من الأدباء العرب أو الفرنسيين، فقد احتفلت (هنا الجزائر) بجبران خليل جبران، وأحمد زكي أبو شادي، وأبي القاسم الشابي، وعلي محمود طه، وإبراهيم ناجي، بل اهتمت بأعمال الشعراء في مؤلفات أخرى مثل ما فعل السائحي مع الشعراء الذين ضمتهم رسالة الغفران للمعري، وحديث ابن ذياب عن رابعة العدوية، وحديث جلول البدوي عن ديوان أحمد الخلوف، وهذا الحياد في المختارات الأدبية حصل في النثر أيضا.
الشعر الشعبي
احتوت (هنا الجزائر) على قطع من الشعر الملحون لابن التريكي، وابن الشاهد، وابن إسماعيل، والدحاوي، ورحاب الطاهر ... في أغراض شتى، ولكن ليس منها الشعر السياسي أو الوطني، كما قلنا.
عاصر الشعر الشعبي الثورة وتغنى بها مثل ما تغنى بها الشعر الفصيح. وبقدر ما كان الشعر الفصيح قد احتضن الثورة باعتبارها حدثا وطنيا ضخما له مدلوله التاريخي والمستقبلي وله مغزاه في تثبيت الهوية واسترجاع الاستقلال بقدر ما كان الشعر الشعبي قد نظر إلى الثورة على أنها حدث كبير للتحرر من ربقة الاستعمار البغيض ومن قمع القوانين الاستثنائية الجائرة (الانديجينا)
стр. 4882
والانتقام من عهد الإهانة والمذلة وسلب الأرض والاعتداء على العرض، وإذا كانت نصوص الشعر الفصيح مدونة في أغلبها فإن نصوص الشعر الشعبي لم تدون في أغلبها، ولذلك حفظ الفصيح وضاع الشعبي لأنه اعتمد على الرواية الشفوية والذاكرة، وهذه تذهب مع أصحابها ولا تحفظ في أوراقها.
ومن حسن الحظ أن بعض الباحثين قد اعتنوا بالشعر الشعبي واستخرجوه من ذاكرات أصحابه أو من رواته ودونوه ودرسوه فأصبح مرجعا للباحثين في تراث الثورة الأدبي، والشعر الشعبي قد دون بلهجة صاحبه وقومه، والجزائر وطن واسع الأرجاء مترامي الأطراف، وقد تعددت لهجاته بتنوع سكانه وتعدد جهاته، ورغم أن اللهجة العامية العربية أقرب إلى أن تكون هي اللهجة المشتركة التي يفهمها الجميع فإن لهجة الشعر الشعبي في كل منطقة تبقى ذات خصوصية لا يفهمها ويتعمق معناها إلا أهل تلك المنطقة أو البلدة، فنحن عند تدويننا للشعر الشعبي يجب أن نقول إنه منطوق بلهجة أهل كذا، ويجب أيضا أن نأتي بباحث أو حتى عارف من أهل هذه المنطقة ليحل بعض غوامضه ويكشف عن أسرار معانيه وتراكيبه.
وهكذا فعل بعض الباحثين كالعربي دحو الذي جمع ودرس الشعر الشعبي في منطقة الأوراس، وهي منطقة شاسعة غزيرة الإنتاج، خصص العربي دحو الجزء الأول من مدونته لدراسة الشعر وخصائصه اللغوية والفنية، والثاني للنصوص مع إخضاعها لمقاييس الفهم والتذوق، وقد لاحظ الباحث أن هذا الشعر قد اعتنى بالأسماء العربية والفرنسية الشائعة زمن الثورة مثل الجهاد والشبان وأوليدات (أبناء) العرب والشهداء والجنود والحزب الوطني (الوطنيون)، ومن الأسماء الفرنسية التي راجت في الشعر الشعبي: فرنسا وديغول والقومية (مصطلح يعني الجنود الجزائريين الاحتياطيين في الجيش الفرنسي) ... كما مجل الشعر الشعبي حماس الشاعر والجماهير للثورة ووصف المعارك وتحركات جيش التحرير وهزائم العدو، واهتم بالأعلام والأماكن والعتاد الحربي المستعمل عند الطرفين، وسير المعارك، والسجون ومعاناة
стр. 4883
المساجين واللاجئين والمحتشدات والمسؤولين، والبريد، ومساهمة الأشقاء من المغاربة والمشارقة والأصدقاء في دعم الثورة (١).
وفي هذا النطاق نشير إلى عمل الأستاذين جلول بن يلس وأمقران الحفناوي، وهو المقاومة الجزائرية في الشعر الملحون (الشعبي)، هذا الكتاب يتناول - كما يدل اسمه - شعر المقاومة والثورة، أي تدوين ما حفظته الذاكرة الشعبية من أشعار في الانتفاضات الوطنية التي حدثت عبر فترة الاحتلال، وهي فترة طويلة ولا يمكن الإحاطة بها لتعدد الانتفاضات من جهة والاعتماد على الذاكرة وحدها من جهة أخرى، ولا شك أن كثيرا من الشعر الشعبي قد ضاع مع أصحابه لأنه لم يدون أصلا.
أما ما يتعلق بثورة أول نوفمبر فإن الكتاب يتناولها بداية من صفحة ١١٩. ولا شك أن الشاعر الشعبي قد فاضت قريحته وانطلقت عاطفته منذ فابتح نوفمبر ولكن التدوين هو الذي خانه، ومهما كان الأمر فإن المؤلفين المذكورين قد دونا قصائد تتعلق بمعارك محددة أو بثورة التحرير، وهي:
- معركة النسنيسة للشاعر المدني رحمون.
- ثورة التحرير للشاعر بوزيان (؟).
- ثورة التحرير للشاعر الحاج أحمد ولد البشير.
- ثورة التحرير للشاعر بلعباس محمد (ابن القائد).
- ثورة التحرير للشاعر عبد القادر المعسكري (العوفي).
- سجل معارك عديدة وقعت إبان ثورة التحرير للشاعر محمد بلماحي.
- ثورة التحرير للشاعر قزول الميلود.
- ثورة التحرير للشاعر عبد القادر بن شهرة.
стр. 4884
تلك هي النماذج التي دونها المؤلفان، فحفظاها من الضياع، ولا شك أن ثورة التحرير قد أنطقت شعراء شعبيين كثيرين، معروفين ومجهولين، ولكن التدوين خانهم كما قلنا، ولم يمجدوا من يجمع آثارهم ويحفظها، ونحن نتوقع أن بعض مراكز البحث والمتلقيات والندوات التاريخية قد سجلت لبعض هؤلاء الشعراء إنتاجهم (١).
لم يكن الشعر الشعبي كله شعر جد وحرب بل كان هناك شعر شعبي إخواني أو غزلي أيضا، فقد نشرت مجلة هنا الجزائر مساجلة غرامية بالشعر الملحون بعثها الشاعر محمد حقي السائح من تماسين، وهي مساجلة دارت بين فتى وفتاة جرت في فزان (ليبيا) حسب النص، وللمساجلة مقدمة نثرية (٢).
وتضمنت المجلة نفسها قصيدة عنوانها (قمر الليل) لابن كريو، وقصيدة (مخدع مغنية) التي لم يذكر معها اسم قائلها في الفهرس، وقد نشرت هذه المجلة أشعارا تراثية لشعراء الملحون من أمثال ابن التريكي وابن الشاهد وابن اسماعيل، وغير التراثية كأشعار الدحاوي ورحاب الطاهر، ويكاد كل عدد من المجلة يتضمن بعض هذا الشعر، وفي باب الدراسات عن الشعر الملحون كتب بالسائح بوعلام دراسة في حلقتين عنوانها: الشعر الجزائري الملحون: اتجاهاته وضروبه (٣).
الشعر الإخواني والاجتماعي والإصلاحي
نقصد بالشعر الإخواني ما يدور بين شاعرين أو أكثر أو بين شاعر وكاتب من مناجاة أو مساجلات أو تظرف ونحو ذلك، وفي الفترة التي نعالجها وجدنا شعرا غير كثير دار بين الأخضر السائحي وزميل له في هنا الجزائر، ونعتقد أن
стр. 4885
هذا اللون لا يخلو منه زمان ولا مكان، رغم أن الثورة قد شغلت الشعراء عنه، كما قلنا، ويدخل في الشعر الإخواني التقاريظ أو تصدير الكتب الجديدة من قبل بعض الشعراء.
بمناسبة حفل التكريم الذي أقامه بعض الأدباء للشيخ أحمد توفيق المدني في شهر يونيو ١٩٥٥ ألقى عدد من الشعراء قصائد بالمناسبة شارك فيها الشعراء: مفدي زكرياء الذي ألقى (قصيدة عصماء) حسب تعبير حمزة بوكوشة الذي نشر وصفا للحفل، وعبد الكريم العقون الذي ألقى (قصيدة بليغة)، بينما شارك أبو القاسم سعد الله الذي كان متغيبا عن الحفل، بقصبدة (بديعة ... أخذت بمجامع القلوب)، (ألقاها نيابة عنه عبد السلام مرجان)، ثم ألقى الشيخ أحمد سحنون (قطعة شعرية رائعة) (١).
وفي حصة (نادي القريض) التي كان ينشطها الأخضر السائحي في الإذاعة الجزائرية خصص حصة عن محمد العيد وشارك فيها الشاعر أحمد الأكحل بقصيدة يبدو أنه أهداها إلى شيخه محمد العيد، فقام السائحي بإرسال قصيدة الأكحل إلى محمد العيد بعين مليلة فأجابه عنها بقصيدة على وزنها وقافيتها، قال الأكحل:
ذكرى ملاك الشعر حم العيد ... ملكت شعوري مثل ذكرى العيد
وهي من أربعة عشر بيتا، فأجابه محمد العيد:
يا شعر أنت رسالتي وبريدي ... أبلغ لأحمد أبلغ التمجيد
وهي من خمسة عشر بيتا (٢).
هذا النوع من الشعر كان سائدا بين الحربين واستمر إلى أوائل الثورة. وكان فرسانه هم أحمد سحنون ومحمد العيد والربيع بوشامة ... وكانت
стр. 4886
مواضيعه تتناول بالخصوص افتتاح المدارس وتشييد المساجد، والدعوة إلى نبذ البدع والرجوع إلى الدين الصحيح وسيرة السلف الصالح، وإحياء التراث والتاريخ الوطني.
بمناسبة العام الجديد (١٩٦٠) نظم أحمد بن ذياب قصيدة في المحبة والتسامح بين أصحاب الأديان الثلاثة في الجزائر وتمنى فيها أن يعود التآخي بين المسلمين والنصارى واليهود، حيث يقول:
فجميع الخلق لله ... وإن ضلوا، عبيد
حنفاء الدين كانوا ... أو نصارى أو يهود
واجمع الشمل على الود ... وبارك في المزيد
في ظلال من إخاء ... شامل الأنس وطيد
في اتحاد ووئام ... صادق العون أكيد (١)
ويمكن القول إن الشعراء الذين التفوا حول مجلة هنا الجزائر قد انتحلوا هذا اللون من الشعر، وهو ما أسميناه بالشعر المحايد.
شعراء آخرون
الحفناوي هالي
كان هالي ناثرا وشاعرا، ولكنه مقل في النثر والشعر، ومقالاته قصيرة وشعره عمودي خفيف أو متعدد القوافي، لم ينظم شعرا في الثورة على ما نعرف ولكنه نظم الشعر في الإصلاح والوطنية، وكان يميل إلى الشعر الرمزي الاجتماعي، عمل زمن الثورة كاتبا عاما للجنة التعليم العليا لجمعية العلماء، وهي اللجنة المسؤولة على البرمجة وتوظيف المعلمين وتحديد الامتحانات والشهادات وما إلى ذلك، وكان يرأس اللجنة الشيخ العربي التبسي، تخرج هالي من الزيتونة حوالي ١٩٣٤ وعمل في التجارة والتعليم، قبل أن ينضم إلى
стр. 4887
جمعية العلماء، فعلم بمعهد ابن باديس، وفي زمن الثورة علم في مدرسة التهذيب بالأبيار (العاصمة) إلى أن قبض عليه وبقي في السجن إلى عشية الاستقلال، كان قبل سجنه يحرر في (البصائر) ركنا بعنوان (ندوتي) يكتب فيه مقالات اجتماعية وأدبية قصيرة وأحيانا مرصعة بالشعر أحيانا.
وبعد الاستقلال التحق بوزارة الأوقاف فكان مديرا للنشاط الديني والعلمي، وفي طريقه إلى المسيلة لافتتاح أحد المساجد قتل في حادث سيارة، وقد كتب أحدهم في جريدة الشعب كلمة عنه بمناسبة ذكرى وفاته (توفي في يناير ١٩٦٥) دعا فيها إلى جمع تراث الشيخ هالي والتعريف به وإظهار مكانته في العلم والأدب والثقافة، ولكن أحدا لم يستجب حتى الآن سوى صديقه محمد الصالح رمضان الذي نوه به في عدة مناسبات (١).
أبو بكر بن رحمون
من مواليد ليانة (ولاية بسكرة) سنة ١٩٢١، حفظ القرآن في مسقط رأسه ودرس على ابن باديس سنة ١٩٣٦، وعمل في جريدة الوفاق مع ابن عمه، السعيد الزاهري في وهران سنة ١٩٤٠، ولكنه لم يطل الإقامة أكثر من سنة، وتعاطى التعليم في عدة أماكن منها عين زعطوط بالأوراس، ومدرسة الشبيبة بالعاصمة، واعتنق مبادى الإصلاح، وبعد الاستقلال مال إلى التصوف ورجع إلى بسكرة، ويقال إنه عاش مرحلة صعبة بحيث أصبح يبيت على الأرصفة، وله ديوان شعر نشر - كما قيل - بدون تقديم ولا تعريف بالشاعر، وكان شعره قد نشر في البصائر وفي بعض جرائد تونس ومصر، وتوفي بمستشفى الحكيم سعدان في بسكرة سنة ١٩٨٤، ويبدو أن شعره وجداني قوي وجميل، ولم نطلع
стр. 4888
على كل شعره، ولم نعرف ما إذا نظم في الثورة أم لا (١).
أحمد سحنون
شاعر وواعظ وكاتب، شعره ديني وإصلاحي ووطني، وجدته الثورة في كهولته، فكان يكتب النثر أكثر من الشعر، وله ديوان يحتوي على نماذج من القصائد الجميلة، وقد علمنا أنه ألقى قصيدة في حفل تكريم صديقه أحمد توفيق المدني، يونيو ١٩٥٥، ولكنها تعتبر قصيدة إخوانية تعبر عن الوفاء والتقدير لا السياسة، دخل سحنون السجن مثله مثل العديد من أعضاء جمعية العلماء، وكان قبل ذلك يعمل في جريدة البصائر ضمن هيئة تحريرها، وكان يراجع فيها مادة الشعر ويحرر باب الوعظ والإرشاد، وقد جمعتني به بعض المناسبات خلال السنة التي قضيتها في العاصمة (١٩٥٤ - ١٩٥٥)، إحداها حين زرتهم في مقر جريدة البصائر في باب الوادي وصحح لي بيتا في قصيدة (أطياف) التي نشرتها لي الجريدة، كما التقيت به عدة مرات بعد الاستقلال أثناء قيادته لرابطة الدعوة الإسلامية.
ولد أحمد سحنون في ليشانة (ولاية بسكرة) سنة ١٩٠٧، ودرس على والده وعلى الشيخ محمد خير الدين، وقد اتصل بابن باديس ولكن يبدو أنه لم يتتلمذ عليه، ولا نعرف أنه درس في جامع الزيتونة، فثقافته ثقافة رجل عصامي، حل بالعاصمة سنة ١٩٣٦ وأصبح مديرا لمدرسة التهذيب في حي بولوغين (سانت أوجين سابقا)، ونشر شعره في صحف الجمعية، اعتقل أيام الثورة وعانى من القمع ثلاث سنوات (من ٥٦ إلى ٥٩)، وكتب الشعر في السجن، وقد مثل (حصاد السجن) جزءا هاما من ديوانه الذي صدر سنة ١٩٧٧، وفي سنة ١٩٨١، صدر له (دراسات وتوجيهات إسلامية)، وبعد الاستقلال رجع إلى الكتابة والحديث في الوعظ والإرشاد، وتور الإمامة بالجامع الكبير، وكان
стр. 4889
خطيبا ولكنه غير حماسي، فهو بطبعه هادى يميل إلى المخاطبة بالحكمة والموعظة الحسنة، ونظرا لمواقفه من النظام السياسي فقد واجه امتحانات عسيرة منها محاولة اغتياله، وكان مرجعا وله مقام معلوم في الحركة الإسلامية التي عاشتها الجزائر خلال الثمانينات والتسعينات (١).
جلول البدوي
ولد في البليدة سنة ١٩٠٦ وتلقى فيها تعليمه وكذلك في العاصمة، ثم علم في مدرسة الشبيبة الإسلامية بالعاصمة أثناء إدارة الشاعر محمد العيد لها، أي من ١٩٣١ إلى ١٩٤٢، ورجع إلى البليدة وعلم بها أيضا وأدار المدرسة إلى ١٩٥٦ حين انتقل إلى المغرب حيث نشر شعره في جرائده مثل الرأي العام والعلم، وكان قبل ذلك قد نشر في جرائد جمعية العلماء كالبصائر، وكذلك في غير جرائد الجمعية كالثبات والمرصاد، ولا ندري إن كان بعض هذا الشعر (في المغرب) في الثورة، وبعد الاستقلال رجع وتعاطى التعليم في بعض الثانويات بالعاصمة إلى أن تقاعد سنة ١٩٧١، له ديوان أعلن عنه ولكنه لم ينشره حسب علمنا، وهو (وابل وطل) (٢).
محمد الأمين العمودي
من أبرز عناصر المثقفين والسياسيين في القرن العشرين بالجزائر، ولكن حظه كان عاثرا فلم يبلغ مراده في الحياة ولا في الآداب، وقد اشتكى ذلك في مراسلته لمؤلف (شعراء الجزائر) محمد الهادي السنوسي، ولد في مدينة الوادي سنة ١٨٩٠، ودخل التعليم الرسمي، وواصله في مدرسة قسنطينة المزدوجة وتخرج في التوثيق والترجمة، وقد استفادت منه جمعية العلماء عند تأسيسها
стр. 4890
فكان من أعضائها، اختارته كاتبا عاما لها، وأنشأ جريدة (الدفاع) بالفرنسية للدفاع عن الجمعية ومبادئها والمدافعة عن المصالح الأهلية (الوطنية)، وعمل وكيلا شرعيا في بسكرة، أدبه فكه خفيف وعليه سمة من الحزن والتشاؤم، وهو ينتمي إلى الجيل المتقدم في السن وفي الإنتاج الشعري، وما كان لنا أن نورده هنا لولا أنه كان من شهداء الثورة، فقد اغتالته اليد الحمراء (منظمة إرهابية فرنسية) في أكتوبر ١٩٥٧ ويقال إن جثته وجدت عند قضبان السكة الحديدية قرب مدينة البويرة، ودفن في مقرة بولوغين بالعاصمة قريبا من مقر سكناه، ولا نظن أنه قال شعرا في الثورة، ويبدو أن اغتياله كان عملا إرهابيا هدفه تصفية المثقفين الوطنيين وليس لدوره في الثورة تحديدا لأنه كان عند اختطافه قد بلغ السابعة والستين (١).
محمد الهادي السنوسي
أحد المثقفين المبكرين في القرن العشرين الذين خدموا الثقافة العربية الإسلامية بنشره لمجموعة (شعراء الجزائر) في جزئين، خلال العشرينات، وبأناشيده الوطنية وشعره الإصلاحي ويبدو أنه لم يبق على نفس الحماس والاتجاه بعد تقدم السن وتبدل ألوان الحياة، فقد خفت صوته الشعري منذ الثلاثينات، ولازم التعليم بين ١٩٤٥ - ١٩٦٢، وأثناء الثورة وجدناه محاضرا ومتحدثا في إذاعة الجزائر الفرنسية، ومساهما في مجلة هنا الجزائر.
والسنوسي من مواليد ليانة التي قدمت للجزائر عددا من الأدباء والشعراء، ولد سنة ١٩٠٢ وعاش إلى سنة ١٩٧٤، درس على والده في مسقط رأسه ثم على الشيخ عبد الحميد بن باديس، ثم عمل في الصحافة الإصلاحية من المنتقد إلى الشهاب، وكان صوت الشباب المجلجل المفعم بالأمل والوطنية، وسافر إلى فرنسا للوعظ باسم جمعية العلماء، وبعد الاستقلال رجع إلى ميدان التعليم إلى أن تقاعد سنة ١٩٧١، وكان شعره الذي رأيناه في مجلة هنا الجزائر لا علاقة
стр. 4891
له بالثورة، وربما له شعر فيها لم نطلع عليه (١).
محمد الأخضر عبد القادر السائحي
يعد محمد الأخضر عبد القادر السائحي من أغزر الشعراء المعاصرين للثورة إنتاجا، ومن الذين ارتبط ظهررهم الأدبي بانطلاقة الثورة، عاش في تونس خلال الخمسينات، ولذلك كان على صلة بتطور الأحداث، وقد درس وعمل في عدة مصالح تونسية كالصحافة والإذاعة، وشارك في الحفلات والندوات، كما عمل في صوت الجزائر أثناء الثورة، وانعكس كل ذلك على نشاطه وإنتاجه الشعري، وأصدر ربما أكثر من غيره دواوين، وراوح بين الشعر العمودي والطليق، ولكن يبدو أنه كان لا ينضج شعره ولا يعود إليه بالنقد والمراجعة، ولذلك كان للنقاد رأي خاص في شعره.
ولد في العالية (العلية) قرب تقرت سنة ١٩٣٣ ودرس بها وفي باتنة، ثم قصد جامع الزيتونة سنة ١٩٤٩ حيث نال شهادة التحصيل ١٩٥٦، وهي السنة التي استقلت فيها تونس ودخلت فيها الثورة الجزائرية مرحلة جديدة وانطلقت خلالها موهبته الشعرية، ومن الدواوين التي أصدرها أثناء الثورة: ألحان من قلبي، والكهوف المضيئة، وواحة الهوى، ويقول بعض النقاد إن شعره (متفاوت الجودة)، كان في تونس نشيطا في اتحاد الطلبة، وفي العمل الإذاعي والأدبي مثل تقديم التمثيليات والقصص، وقد نشر إنتاجه في الصحف التونسية، وبعد الاستقلال درس في جامعة الجزائر، وعمل في وزارة الشباب وفي اتحاد الكتاب ووزارة الإعلام والثقافة، ونشط الحياة الثقافية على مستويات مختلفة، خصص جانبا كبيرا من شعره لفلسطين أيضا (٢).
стр. 4892
الفصل العاشر
كتب وكتابات
نحاول في هذا الفصل تصنيف ودراسة المؤلفات والأعمال الفكرية والأدبية والإعلامية التي تركها الجزائريون أثناء فترة الثورة سواء كانت عن الثورة وتفاعلاتها مباشرة أو كانت خارجها، ونلاحظ في البداية أن الإنتاج الفكري على العموم كان أقل بكثير من حجم الثورة كما ونوعا.
وكأني بالكتاب - على اختلاف مشاربهم ولغتهم - كانوا يعيشون الثورة عملا وهما أكثر مما كانوا يعيشون الفكر والقلم، ولا شك أن انعدام المطابع أو قلتها والشعور بالخوف وعدم الاستقرار ساهم في شح الإنتاج الفكري، وربما كان الضعف المادي عاملا مساعدا على هذا الفراغ، لقد كدنا نجد أن الذين كتبوا عن الثورة الجزائرية كانوا من الأجانب، وهذه ظاهرة غريبة، فلو أحصينا الكتب والمقالات التي كتبها الأجانب لتفوقت على تلك التي ألفها جزائريون، على أن هناك بعض الجزائريين الذين كانت حظوظهم أفضل من زملائهم في ميدان المساهمة والشهرة، فهم ليسوا سواء في ميدان الإنتاج، فمفدي زكريا وصالح خرفي في ميدان الشعر مثلا كانا أكثر شهرة وإنتاجا من محمد العيد وصالح باوية، وكانت شهرة مالك بن نبي في المشرق أوسع من شهرة الشيخ الإبراهيمي رغم أن كليهما كان يكتب النثر ولكن الأول يكتب بالفرنسية والثاني بالعربية.
стр. 4893
أما الإنتاج باللغة الفرنسية وفي فرنسا بالذات، فقد وفرته مجموعة من الكتاب اخترقوا حاجز الاستعمار وخرجوا بأدبهم - ولاسيما الرواية والشعر والقصة - إلى العالم من حولهم، فكانت مؤلفات مالك حداد، وكاتب ياسين، ومولود معمري، ومولود فرعون ومحمد ديب وآسيا جبار قد لفتت الأنظار إلى ظاهرة تسمى الأدب الجزائري بلغة المستعمر.
ولكن هذه الكوكبة من الأدباء سطعت ثم انطفأت بسرعة أو كادت، فقد أبدعت خلال الخمسينات ثم توارت بالحجاب وكادت تترك ساحة الإنتاج بدون فارس، لماذا؟ لقد أشرقوا فجأة وأفلوا فجأة أيضا، مع بعض الاستثناء، ربما لأن استمرار الثورة، ولا سيما بعد ١٩٥٩، خيب آمالهم في استجابة السلطات الاستعمارية لمطلبهم وهو إيجاد حل مناسب يرضي الطرفين: الجزائري والفرنسي، فقد كان أغلبهم يؤمن بأن على البلدين ألا يفترقا، وإلا ستحل الكارثة، وقد زاد ظهور التطرف من جانب منظمة الجيش السري وتقاتل الإخوة في فرنسا (الجمهويون والمصاليون) وإصرار الجبهة على رفض المفاوضات إلا على أساس الاستقلال الكامل، زاد كل ذلك من مخاوف الكتاب باللغة الفرنسية من شبح المستقبل، كما أن بعضهم، مثل مالك حداد، قد دخل جبهة التحرير ميدانيا وأصبح متحدثا باسمها في مؤتمرات الكتاب الدولية، بينما بقي آخرون يرضعون من ثدي غيض حليبه وجفت عروقه، فالتزموا الصمت أو عاتبوا التطرف والتعصب اللذين سيحرمانهم من مستقبل سعيد للجميع، حسب رؤيتهم.
وقد حاولنا أن نستعمل نفس التصنيف الذي استعملناه في كتاب التاريخ الثقافي السابق، غير أن ضعف الإنتاج قد حرمنا من كمال الصورة، لذلك اضطررنا إلى وضع عدة تخصصات تحت عنوان واحد، وهناك مواد وتخصصات ليس لها وجود أصلا تقريبا في هذه الفترة، كالكتب الدينية والعقائد وكتب اللغة، ونحن نريد أن ندرس ما تركه الجزائريون وليس ما تركه غيرهم، وكان
стр. 4894
من الممكن أن نفرد المسرحيات والتمثيليات والمجموعات الفنية كاللوحات والرسوم والصور تحت عناوين معينة في هذا الفصل، ولكننا فضلنا عدم اللجوء إلى ذلك بعد أن أثبتنا هذه الأعمال في أماكنها في الفصول الأخرى، كما ننبه إلى أننا لم نكرر هنا الكتب التي ذكرناها - بالعربية والفرنسية - مع أصحابها في الفصول الأخرى، ونرجو أن نكون قد وفقنا فيما لجأنا إليه.
الدراسات التاريخية
لم يكتب الكثير في التاريخ خلال الفترة التي ندرسها، وقد اختلطت كتابته بالدعاية السياسية عند البعض، مثل كتابات مسعود مجاهد وأحمد توفيق المدني، فكان هذان وأمثالهما يكتبان ردودا وانفعالات مع الأحداث أكثر مما كانا يكتبان التاريخ، وكان الجمهور العربي على العموم يريد أن يقرأ ويعرف عن ثورة الجزائر المزيد وعن علاقة الجزائر بفرنسا وبالعالم العربي والإسلامي، ولعل أقرب الأعمال للتاريخ في هذا الوقت هو كتاب تاريخ الجزائر العام للشيخ عبد الرحمن الجيلالي، ولكن يلاحظ أن الجزء الأول من هذا الكتاب ظهر قبل الثورة، ولم يصل جزؤه الثالي إلى الفترة الاستعمارية أصلا، والكتاب الذي تناول الفترة الاستعمارية وظهرت فيه روح الثورة هو كتاب الأمير عبد القادر ليحيى بوعزيز، وهو أيضا كتاب ظهرت عليه مسحة الدعاية والخطابية، وأما كتاب (الجزائر الثائرة) للشيخ الفضيل الورتلاني وكتاب (ليل الاستعمار) لفرحات عباس فقد كانا عبارة عن وثائق إدانة للاستعمار وليسا كتابين في التاريخ عموما، ومثلهما في ذلك محاضرات الشيخ الإبراهيمي على طلبة معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة، فقد كان أيضا قد تناول مواضيع تاريخية ولكن بروح ثورية وأدبية.
كتابات ابن نبي عن التاريخ
ولا يبعد موقف مالك بن نبي من التاريخ عن موقف الإبراهيمي، فهما
стр. 4895
متقاربان، ولكن ابن نبي أعطى التاريخ معنى أعمق وأوسع، فهو يقول: (كل شعب يجب أن يصنع تاريخه برسائله الخاصة، وبأيديه ذاتها،) والتاريخ في أي مستوى من الحضارة يتم إنجازه إنما يمثل النشاط المشترك للأشياء والأشخاص والأفكار المتاحة في ذلك الحين بالذات، أي في نفس الأوان الذي يواكب عملية إنجازه ... من هنا يجب أن نحلل التاريخ إلى أجزائه الذرية: فالنشاط الفردي يمثل ضمن بعض الشروط المعينة (ذرة) من التاريخ، ويمكننا أن نمثله ضمن أكثر أشكاله بساطة، في صورة نشاط الصانع اليدوي المنكب على عمله والمقص في يمناه، أو في صورة نشاط الجندي المسلح ببندقيته في ميدان القتال، فهذان الآدميان يصنعان التاريخ إذا تحقق لهما توفر الشروط العادية (الإنسان وأدواته) (وكيف يكون ذلك؟ ... ولماذا يكون؟ ...) وإلا يكون العمل عبثا أو مستحيلا (١).
حقيقة إن ابن نبي تحدث عن صنع التاريخ وليس كتابته أو منهجه، ولكنه في النهاية جعل الأشياء والأفراد كلهم يشتركون في صنع (ذرات) التاريخ في نفس الوقت، وفي لحظة ما من نبض الزمن، وبذلك يكون التاريخ هو حقيقة أمة بأسرها، كيف تحس به، كيف تتمثله، كيف تلده؟ ذلك هو سر التاريخ لكل أمة، ولن تنوب عنها في إعطائه الحياة أية أمة أخرى.
كتابات الأشرف عن التاريخ
خلال الثورة كتب مصطفى الأشرف فصولا عن الحركة الوطنية وتطور المجتمع الجزائري ونشرها في مجلات فرنسية منها (الأزمنة الحديثة) و (الحضور الإفريقي)، وهذه البحوث لم تطبع عندئذ في كتاب، وهي في علم الاجتماع أكثر منها في علم التاريخ، وقد كتب الأشرف بحوثه بروح وطنية، وكان يبحث، في ركام التاريخ الاستعماري على عناصر الهوية في المجتمع الجزائري في القرن التاسع عشر، فوجدها في عدة معالم ومقومات منها حركة العرائض التي تقدم
стр. 4896
بها أعيان المدن، وفي المشاعر التي عبرت عنها الصحافة والكتابات الفردية والمذكرات، وأبرزها جميعا هي روح المقاومة التي لم تخمد ولم تعترف بالهزيمة، ولم يكن الأشرف مهتما عندئذ بالثورات لأنها كانت تنبع من الريف وهو يبحث عن دور المدينة، ومهما كان الأمر فلا مناص من أن نعد كتابات الأشرف في باب الدراسات الإنسانية والتاريخية، وهي كتابات لم تجمع وتطبع بالفرنسية إلا بعد الاستقلال، وربما ترجم ونشر بعضها في مجلات تونسية أثناء الثورة، وإليك الآن عناوين البحوث كما ظهرت في الترجمة العربية للكتاب الذي سماه مؤلفه، الجزائر: الأمة والمجتمع.
تاريخ الجزائر
كنا ونحن طلاب في القاهرة نسمع باسم ونشاط مسعود مجاهد في مجال الكتابة ضد الاستعمار، وقد أصدر عدة كتب يغلب على الظن أنها كانت تنطلق من العاصمة الأردنية عمان، كان مكثرا من الكتابة، وكان يضيف إلى اسمه لقب (القاضي)، ولا ندري كيف استقبل الجمهور العربي المتعطش لأخبار الجزائر كتبه عن الاستعمار الفرنسي لأن العلاقات بين مصر (حيث كنت) والأردن (حيث كان) لم تكن على ما يرام، ولم يكن القاضي مجاهد - حسب علمي - يتولى أية مهمة لجبهة التحرير رغم الحاجة إلى أمثاله ممن خدموا في الإدارة الفرنسية في منصب عال، وقد كان هو قاضيا في الخروب قرب مدينة قسنطينة، وكان الحديث بين الطلاب حول دوره في المشرق لا يستطيع أحد أن يمنعه، فالإنسان أثناء الثورة متهم إلى أن يثبت العكس، خلافا للقانون الذي يقول بعكس ذلك.
والواقع أن قصة مسعود مجاهد في هذه الفترة تبدأ من البداية، من سنة ١٩٥٥ حين وجدناه قد أعد مشروعا لإنشاء جريدة سماها (الجزائر العربية)، واقترح أن تكون ليبيا كبلد تتوسط بين المشرق والمغرب هي مقرها، لكي تصل إلى القراء هنا وهناك بسهولة، وفي هذا الصدد، ورغم وجود الوسائط المعروفة في فترة الثورة، فإنه كتب مباشرة إلى الرئيس عبد الناصر رسالة يطلب فيها
стр. 4897
المساندة لتحقيق مشروعه، وإذا كنا قد رأينا نسخة من رسالته فإننا لم نطلع على رد السلطات المصرية عليها، وقد امتلأت رسالته بالوعود والحماس ومدح الزعيم المصري والأمة العربية والضرب على وتر المرحلة (١).
أما كتبه في التاريخ فقد ظهرت بعد هذا المشروع الذي يبدو أنه لم ينجح فيه، ونبادر إلى القول إننا رأينا بعض كتبه ونحن طلاب ستوات الخمسينات في طبعتها الأولى، ثم رأينا بعضها حديثا في مكتبة الجامعة الأردنية، ولكننا لم نر منها في الجزائر سوى الطبعة الثانية، أي طبعات ما بعد الاسقلال، وهذا قد يكون طبيعيا، لأن كتبه لم تدخل الجزائر أثناء الثورة لحدة لهجتها ضد الاستعمار، ولكتبه عناوين متقاربة ومحتويات مكررة وأسلوب بعيد عن روح التاريخ، كما أشرنا.
فهذا كتاب: الجزائر عبر الأجيال، ظهر في طبعته الثانية سنة ١٩٦٣ بالجزائر، وهو يحمل على غلافه عبارة مسعود مجاهد، القاضي المتقاعد، وقد ركز فيه على فكرة النقابات ودورها مثل الاتحاد الفرنسي للعمال المسيحيين، والاتحاد العام للعمال الكادحين ... ويقول إن اندماج العمال الجزائريين في النقابة الأخيرة قد أفاد الثورة وإن هذا (الكفاح جزء لا يتجزأ من تاريخ الجزائر) (ص ٧٤)، وبعد الإهداء جاء تقديم الكتاب من قبل السيد أسعد بيوض التميمي مدير دار الأيتام الإسلامية الصناعية في القدس الشريف، وقد قال فيه إن مجاهد قد ساهم في كتابة تاريخ الجزائر وإنه مسجل في نقابة المحامين الأردنيين، وإن كتابه (الجزائر عبر الأجيال) قد أوضح تاريخ الجزائر (من أيام الأمير عبد القادر إلى يومنا هذا) وهو كتاب مرجع للمؤرخ وحريق للظالم.
أما منهج السيد مجاهد في هذا الكتاب وغيره من كتبه فلم يعتمد على الفصول والأبواب، وقد بدأه من الفتخ الإسلامي إلى ما بعد الاستقلال (ونحن هنا نتكلم عن الطبعة الثانية)، وألم فيه بخصائص الشعب الجزائري، ومن
стр. 4898
عناوين هذه الفقرة: مجتمع من الناس يتكون (كذا؟)، ومجتمع له لغة واحدة، ومجتمع له وطن واحد، ومجتمع له وحدة اقتصادية، ومجتمع له عادات وتقاليد واحدة وثقافة واحدة (ص ٢٠)، وهو يؤكد أن الشعب الجزائري استكمل العناصر المذكورة بعد الفتح العربي، وهي العناصر التي تأكدت بعد (الفتح التركي)، ثم تحدث مجاهد عن مسيرة الجزائر عبر العصور، ولكن الكتاب ركز على مرحلة الاستعمار والثورة، وسار فيه صاحبه على عناوين مختلفة غير متناسقة مثل مساندة الغرب لفرنسا، دور الغرب في حرب الجزائر، موقف الدول الأوروبية، معارك الأمير، هجرة الجزائريين للمشرق، ثروة الجزائر عبث بها الاستعمار ... وختم هذه العناوين بعبارة الجزائر عربية، ويحتوي الكتاب على ٧٣٥ صفحة، وهو مكتوب بأسلوب دعائي، كما قلنا، وله مراجع لكن بعضها لا معنى لذكره مثل: إبراهيم الجزائري (؟)، والزعيم زغلول (؟) وإبراهيم بن سهل ... وليس للمراجع تاريخ ولا مكان للنشر.
إن كتابا من هذا النوع وإن كان يتحدث عن الجزائر فإنه لا يفيد القارى الذي يريد أن يعرف الحقيقة عن الثورة وتاريخ المقاومة، وهو كتاب للإعلان عن صاحبه أكثر من الإعلان عن موضوعه، وربما لذلك قلما يعود إليه الباحثون في مراجع الكتابة التاريخية عن الجزائر.
ولمجاهد مسعود كتاب آخر عنوانه (الجزائر الحرة) أهداه في أربع صفحات إلى أرواح الشهداء، والشهداء هنا هم شهداء الجزائر وشهداء القدس مما يجعلنا نرى أنه قد يكون كتب الإهداء بعد هزيمة ١٩٦٧، وبعد كلمة للمؤلف جاء تقديم أسعد بيوض التميمي من جديد، وهو تقديم طويل بلغ بضع صفحات، وهناك مقدمة أخرى يبدو أنها كتبت في عهد الثورة إذ يذكر فيها مرور ست سنوات عليها، والكتاب في ٤٦٤ صفحة، وقد اتبع فيه نفس المنهج الذي اتبعه في الكتاب السابق، أما عناوينه فمنها: الجزائر في العهد الجاهلي، الجزائر في العهد الإسلامي، الجزائر قبل الاحتلال، حرب العقيدة، الأمير عبد القادر، صمود اللغة العربية، ثورة الجزائر ... وللكتاب مراجع ليست دقيقة أيضا.
стр. 4899
فعندما جاء ذكر مصطفى الأشرف مثلا قال أمامه: عدة كتب عن الجزائر (كذا)، ومحمد بن تومرت: الجزائر (كذا)، ومادة الكتاب متداخلة مع مواد الكتاب السابق، وهو مكتوب بأسلوب دعائي مكشوف، وليس فيه هوامش ولا تعاليق، ويبدو أنه أضاف أشياء إلى هذه الطبعة لأنه تحدث عن الجزائر بعد الاستقلال أيضا، (ص ٣٨٧)، وقد صدرت طبعته الثانية بمناسبة الذكرى العشرين للاستقلال.
ولمسعود مجاهد كتاب بعنوان (تاريخ الجزائر) ولعله هو (الجزائر الحرة) سابق الذكر، وقد جاء ذكر الكتاب كاملا في رسالة شكر بعث بها إليه السيد محمود بوعياد مدير المكتبة الوطنية بعد تلقيه إهداء المؤلف له مجموعة من كتبه، ومنها: الجزائر عبر الأجيال، وتاريخ الجزائر الحرة (كذا)، وانهيار خطط الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وأضواء على الاستعمار الفرنسي للجزائر (١).
ويبدو أن نفس الكتاب قد تكرر عنوانه، إذ نجد (تاريخ الجزائر) يحمل أيضا تقديم أسعد بيوض التميمي مثل الكتابين السابقين، وهو يشبههما في العناوين الداخلية وفي المنهج، مع إضافة عناوين مثل: تفاعل العرب مع الأمازيغ، ودور الأساطيل الإسلامية في البحر الأبيض المتوسط، ومقاومة الشعب الجزائري للأتراك ... وتخبط الغزو الفرنسي، وعهد الأمير إلى التسليم ... ونلاحظ أنه أخذ معلومات غزيرة من كتاب (تحفة الزائر) لمحمد بن الأمير، ومن كتاب (المرآة) لحمدان خوجة، وعن أحمد توفيق المدني، وقد قال مجاهد عن خوجة ما يلي: (وترك وثيقة من أغرب وأثرى وثائق التاريخ الجزائري الحديث ... كتابا ضخما أسماه مرآة الأحوال نقله إلى الفرنسية أحد الكتاب اللبنانيين وطبع في مجلد ضخم سنة ١٨٧٣ بمدينة باريس .. (وهذا كله
стр. 4900
خلط في المعلومات سواء من الناقل أو من المنقول عنه، فالكتاب اسمه (كتاب المرآة)، وليس (مرآة الجزائر) الذي هو لعلي رضا بن حمدان خوجة، وليس هو مرآة الأحوال ... والمترجم للمرآة هو حسونة دغيز الليبي الطرابلسي وليس اللبناني ... وأن سنة طبع النسخة الفرنسية لكتاب المرآة هي ١٨٣٣ وليس ١٨٧٣ ...
ترى ما مصير القاضي مسعود مجاهد؟ لا شك أن له تجربة عميقة ووثائق دامغة في القضاء الشرعي في الجزائر في العهد الفرنسي، وكم كنا نتمنى لو أنه ترك التاريخ لأهله وكتب كتابا مرجعا عن القضاء، ولاسيما القضاء الإسلامي الذي كان ضحية الاستعمار، فهل ترك مجاهد في وثائقه مخطوطا في شؤون القضاء والقضاة في الجزائر؟
الجزائر الثائرة
يعتبر صاحب هذا الكتاب الشيخ الفضيل الورتلاني، من زعماء العالم الإسلامي وربما كان يعد نفسه لخلافة ابن باديس، الذي تتلمذ عليه وأخذ منه العلم وروح القيادة، ولكن عوامل غير متوقعة صدمت إرادته وطموحه وجعلته مثل الأفغاني، ينجو بجلده في كل مرة حوصر فيها إلى أن دخل القفص في بيروت ثم تركيا كما دخل الأفغاني القفص في اسطانبول، كلاهما كان حيا ولكنه مشلول الحركة وحتى اللسان، وهذا أعظم ما يصيب الزعيم.
بدأ الورتلاني نشاطه في الجزائر معلما وداعية، وحلال مشاكل، على صغر سنه، ثم أرسل به أستاذه إلى فرنسا ليسابق حزب الشعب للفوز بالجالية الجزائرية في المهجر باسم جمعية العلماء وليدخل هذه الجالية في حظيرة العروبة والإسلام حتى لا تضيع في عش الإهمال والغزو الفكري المصبوب عليها من جميع الاتجاهات، وفي دورة ما تزال غامضة ترك الورتلاني فرنسا والتحق بالقاهرة، ويبدو أن هذه النقلة كانت بتوجيه من حركة الإخوان المسلمين الباحثين عن القيادات الشابة والفعالة في العالم الإسلامي، رغم أن
стр. 4901
البعض يقول إن سبب انتقاله يرجع إلى بوادر الحرب العالمية بين فرنسا وألمانيا، في القاهرة التحق الورتلاني بالأزهر الذي وفر له الغطاء كما فعل مع العديد من قيادات العالم الإسلامي سابقا، فأصبح الورتلاني ينشط في حركة الإخوان، ووجد في الشرق مجاله في الخطابة والأضواء، كما وجد الميدان المغاربي فارغا فملأه.
لم يكن هناك أي زعيم سياسي بعد من المغرب العربي في مصر، فلا الخطابي، ولا الفاسي، ولا بورقيبة، ولا الثعالبي، ولا المكي ولا الإبراهيمي
كان في القاهرة عندما حل بها الورثلاني، كان الشيخ الثعالبي يملأ الساحة المشرقية خلال الثلاثينات ولكنه رجع من مصر إلى تونس سنة ١٩٣٧، أي سنة واحدة قبل حلول الورتلاني بمصر، ولم يكن الشيخ أطفيش الرجل المناسب للقيادة عندئذ، ولا حتى الشيخ محمد الخضر حسين الذي جمع بين الأصول الجزائرية والأرومة التونسية، والذي كان رجلا متفرغا للعلم أكثر من السياسة، فكان مجال القيادة في الشؤون المغاربية مفتوحا أمام الورتلاني وحده تقريبا، فأسس هو والشيخ الحسين جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا (١٩٤٢) وهي التي مهدت لميلاد مكتب المغرب العربي بزعامة الخطابي سنة ١٩٤٧، كما مهدت أيضا لالتحاق قيادات المغرب العربي بالقاهرة.
لم يكتف الورتلاتي بهذا النشاط الذي شمل التعامل مع الجامعة العربية الجديدة (١٩٤٥)، ونشاط جمعية الشبان المسلمين وحركة الإخوان وإنما صعد سلم الزعامة كخطيب شجاع ومتحدث مؤثر وسياسي داهية، فأرسله الإخوان في مهمة حساسة وخطرة إلى اليمن وغيره، ونتج عن ذلك الشروع في إصلاح الأحوال باليمن ثم حدوث الثورة على الإمام يحيى حميد الدين، وهي الأحداث التي مهدت للثورة اليمنية سنة (١٩٦٢)، وعندما التحق الشيخ الإبراهيمي بالمشرق سنة ١٩٥٢ نسق مع الورتلاتي ما يتعلق بالبعثات الطلابية والعلاقة مع حركة الإخوان، والنهضة الإسلامية، وهي أمور ما زلنا إلى الآن نعرف ظواهرها ولا نعرف بواطنها.
стр. 4902
ولكن كتاب (الجزائر الثائرة) إذا قرئ بتأن يجيب على أسئلة عديدة تلح على الباحثين، فهو كتاب يضم وثائق هامة من الناحية التاريخية تبدأ من ميلاد جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا إلى ظهور الكتاب نفسه سنة ١٩٥٦، مرورا بأحداث الثورة المصرية والجزائرية، وكان اسم الفضيل الورتلاني يظهر إلى جانب اسم الشيخ الإبراهيمي في الوثائق الصادرة عن مكتب جمعية العلماء والمتعلقة بتبني الثورة ودعمها شعبيا، ودعوة العالم العربي الإسلامي إلى مساندتها، كما كان اسمه يظهر في المراسلات كالبرقيات والرسائل التي تصدر عن مكتب الجمعية بالقاهرة، وإذا كان الشيخ الإبراهيمي قد جاء إلى مصر عندئذ على كبر وعلى مرض فإن الورتلاني وجد في الإبراهيمي مفتاحا يدير به سياسة الجمعية في المشرق مع الحكومات والمنظمات والشخصيات، ومن الطبيعي أن تثير هذه الشخصية النافذة والمؤثرة حساسية زملائه الذين التحقوا بالقاهرة هاربين من الجزائر بعد حادث بريد وهران واكتشاف المنظمة الخاصة، مثل محمد خيضر وأحمد بن بيلا وحسين آيت أحمد، وأن تتقاطع أحيانا مع نشاط الشاذلي المكي، وأحمد بيوض، وبوجملين هناك، فمن الذي يمثل الجزائر. ومن له الصوت العالي والسمعة الرفيعة، ومن القادر على التأثير في جماهير الشرق وأعيان الشرق، ولولا الثورة المصرية وضباطها الأحرار وإعلان جمال عبد الناصر في (فلسفة الثورة) عن دوائره الثلاث لما استطاع زعيم آخر أن يبز الورتلاني أو يزعزع مكانته كمتحدث باسم الجزائر وجمعية العلماء في المشرق، بل كزعيم من زعماء حركة الإخوان المسلمين.
إن كتاب (الجزائر الثائرة) مجموعة من الوثائق والتصريحات والبيانات والمراسلات غير المنظمة، فهو يشمل مقالات كتبها صاحبه في الصحف، خصوصا: بيروت، المساء، والمنار ... كما يشمل البيانات التي أصدرها مع الإبراهيمي في الثورة وحول الثورة، أو أصدرها وحده، وللكتاب تصدير من عشر صفحات مكتوبة في بيروت في رجب ١٣٧٥ /فبراير ١٩٥٦ وعنوانه (التعاون مقدس والتعارف أقدس) وهو يعني تعارف العرب جميعا، قال
стр. 4903
الورتلاني في التصدير إن جماعة عباد الرحمن (وهي من الإخوان المسلمين التي سهرت على طبع الكتاب) طلبوا منه جمع المقالات التي كتبها في الأيام القريبة ونشرها في الصحف السورية واللبنانية ... فأذن لهم بجمعها ونشرها في كتاب، وقال إنها (بضاعة مطبوخة على عجل) كما طلبوا منه كتابة التصدير لها، وبعد التصدير يأتي مقال عن دوره في انقلاب اليمن ثم مقال: الجزائر تجاهد منذ خمسة قرون ... (١).
وقد قدم للكتاب محمد عمر الداعوق، رائد جماعة عباد الرحمن، وكتب فاتحته رفيق سنو، واشتمل الكتاب على مقابلات تتعلق بالجزائر والمغرب العربي، وهو في بيروت، كما نشر عدة مقابلات ومقالات في جريدتي: الجريدة وبيروت، ويقول في إحدى هذه المقالات إنه (لا وجود للبربر في المغرب العربي لأن البرر تعربوا) وهو رأي يكاد يكون هو رأي الإبراهيمي وابن باديس. ومن مقالاته المنشورة في الكتاب (محنة اللغة العربية في الجزائر)، والورتلاني يحدثنا عن الدين والفرق (جمع فرقة) في المغرب العربي، ومحاربة فرنسا الإسلام علنا في الجزائر، ونريد أسابيع التسلح للجزائر، وبرقيات إلى زعماء المغرب والمشرق العربيين، ودور جمعية العلماء، ونص خطاب الشيخ العربي التبسي في مركز جمعية العلماء يوم ٧ يناير ١٩٥٦، وكتب مفتوحة إلى .. ويقع ما صدر من وثائق عن مكتب جمعية العلماء بالقاهرة من صفحة ١٦٩ إلى صفحة ٢١١ ثم بيان جمعية العلماء عن الجزائر في المؤتمر السنوي يوم ٧ يناير ١٩٥٦، بتوقيع الكاتب العام أحمد توفيق المدني ونائب الرئيس العربي التبسي، وهو البيان التاريخي الذي أعلنت فيه الجمعية دعمها الصريح لجبهة التحرير الوطني.
فكتاب (الجزائر الثائرة) ليس كتابا في التاريخ أو عن التاريخ (رغم ما فيه من إشارات تاريخية) ولكنه كتاب يحتوي على مادة أساسية للمؤرخ، وهي الوثائق، ولا غنى عنه عند كتابة تاريخ الجزائر المعاضر والثورة بالخصوص
стр. 4904
وتاريخ المغرب العربي في المشرق، وعندما كثر التساؤل في الجزائر عن الشيخ الورتلاني ودوره بعد نفيه من مصر على إثر الهمس بالارتباط بالإخوان الذين أصبحوا في نفور مع جمال عبد الناصر، أجابت جريدة البصائر إجابة مقتضبة وغامضة، قالت: إنه في بيروت يدعو للجزائر وقضايا المغرب (العربي) وإنه في صحة جيدة، وهو مستقر هناك، وينشر في أغلب صحف سوريا ولبنان، ويراسل رجال السياسة والحكم (١).
وعندما زار الشيخ العباس بن الشيخ الحسين رئيس جمعية العلماء الشيخ الإبراهيمي في القاهرة ليطلعه على جلية الأمور في الجزائر ويأخذ رأيه في الموقف الذي على الجمعية أن تتخذه من الثورة وما يتصل بها، عرج الشيخ العباس على بيروت والتقى الورتلاني للمشاورة أيضا، ويبدو أن الورتلاني عندئذ (١٩٥٦) كان يعاني من الغربة والنفي والمرض، لأنه قد توفي في تركيا خلال السنة الموالية، وكان ممنوعا من دخول مصر (٢).
تاريخ الجزائر العام
ألف هذا الكتاب الشيخ عبد الرحمن الجيلاني، ولعله هو الكتاب الوحيد الذي اهتم بالتاريخ وسار على منهج تاريخي وانطلق من دافع تاريخي، الشيخ الجيلالي ابن مدرسة الشبيبة الإسلامية، وابن التقاليد الجزائرية العريقة في القصبة وما حولها، سيما تقاليد شيوخ المدرسة الثعالبية من أمثال عبد الحليم بن سماية ومحمد بن شنب، وشيوخ القراءات في الجامع الكبير بالعاصمة، وقد علم وربى أثناء إدارة الشاعر محمد العيد لمدرسة الشبيبة، وظل بعده، وكان كل ما حوله في العين الزرقاء (فونتين بلو) يعبق بالتاريخ عند أبواب مدينة الجزائر القديمة (باب عزون، باب الواد، الباب الجديد ... قصر الجنينة، قصر مصطفى باشا، وحصون المرسى ... وعندما قرر كتابة تاريخ للجزائر كلها كان
стр. 4905
مستوعبا لكل هذه الأماكن وأمثالها في القطر الجزائري كله، فهو لم يكتب تاريخ مدينة ولكنه كتب تاريخ قطر في ضوء التاريخ العربي الإسلامي.
وللشيخ الجيلالي ثقافة عربية وفرنسية وإسلامية عميقة، وله (تفقه) في الدين والدنيا، عمل بالإضافة إلى التعليم في التأليف ومحطة الإذاعة والتلفزيون الفرنسية في الجزائر، وفي مجلة (هنا الجزائر) كما نشر في مجلة الشهاب، وكان يتابع الحركة الإصلاحية ولكنه لم يندمج فيها حسبما نعلم، وله من التآليف غير الكتاب الذي نتناوله ما هو مطبوع مثل (ذكرى الدكتور ابن شنب)، ومسرحية (المولد) النبوي الشريف التي مثلت عدت مرات في وقتها (الخمسينات) في الجزائر وفي غيرها، أما الكتب المخطوطة فمنها (تاريخ الموسيقى العربية) وهو كتاب يبدو هاما في بابه خصوصا وأن المؤلف قد وصفه بأنه (دراسة تاريخية مفصلة في جميع أطوارها وتطوراتها)، ثم مخطوط في (الاستشراق الغربي والثقافة الإسلامية)، ويظهر من عنوانه أنه كتاب ذو قيمة جليلة خصوصا وأن الجيلالي قد عرف نماذج من المستشرقين الفرنسيين في الجزائر، هذه هي المؤلفات المذكورة له عند ظهور الجزء الثاني من تاريخ الجزائر العام (سنة ١٩٥٥)، وقد نشر الشيخ الجيلالي كتبا أخرى ومع ذلك لم ينشر الكتب المعلن عنها، كما أنه توسع في تاريخه بعد ذلك حتى شمل مختلف العصور بما في ذلك فترة الاحتلال الفرنسي، فأصبح الكتاب الآن في عدة أجزاء بدل جزئين.
جاء في الاستهلال أن القطر الجزائري هو (واسطة عقد المغرب العربي منذ العصر الحجري والقديم فيما قبل التاريخ، ثم منذ وجد التاريخ وانتظمه في سلكه ورصفه في ديوانه إلى قرب نهاية القرون الوسطى، أي منتهى دولة الموحدين)، إذن فقد غطى في الجزء الأول العصور السابقة لعصر الموحدين وتوقف عند نهاية هذا العصر، أما الجزء الثاني فقد وصل فيه إلى العصر العثماني ولكنه توقف في وسطه فلا هو انتهى عنده ولا هو انتهى منه، لماذا؟ هل حجم الكتاب هو السبب؟ هل لأنه إذا انتهى منه سيتعرض إلى الحملة الفرنسية