← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ومن الواضح أن إنتاج الجزائريين في التصوف، بجميع فروعه وفنونه، لو جمع ودرس لجاء في مجلدات، ويظهر أن بعض هذا الإنتاج قد تناول قضايا التصوف العامة، كما عرفها العالم الإسلامي على اتساع أطرافه، وبعضه قد تناول قضايا إقليمية خاصة كأصول بعض الطرق وتصرفات بعض المتصوفة، والتأليف في بعض الأولياء والصلحاء، ولكن الجميع يكشف عما وصل إليه الفكر الجزائري الفلسفي والصوفي خلال العهد العثماني، ونود أن نلاحظ من جهة أخرى أن الإنتاج الذي تناول التصوف من الناحية الفلسفية وعلاقته الخاصة بالتشريع والفقه، وبالعلوم الدنيوية، يعتبر إنتاجا قليلا، ومهما كان الأمر فإن علاقة التصوف والتوحيد علاقة وطيدة ب المنطق أيضا، ولذلك يجب أن نعالج هذه النقطة الآن. المنطق: إذا حكمنا على إنتاج الجزائريين في علم المنطق مما وجدنا لهم منه فإنه إنتاج قليل بل نادر، فباستثناء عمل علماء القرن التاسع (١٥ م)، أمثال ابن القنفذ والسنوسي والمغيلي فإن ما بقي منسوبا إلى علماء العهد العثماني يكاد يعد على أصابع اليد الواحدة، وفي نظرنا أن هذا النقص في علم هام كعلم المنطق، يعود إلى سببين رئيسيين الأول صعوبة هذا العلم، لأنه يتطلب الاطلاع الواسع على كتابات الأولين والأجانب والإضافة عليها ونقدها، ولثاني طغيان علم التصوف على الجزائريين، كما رأينا، وهو علم حدا بأصحابه، ولا سيما الذين بالغوا فيه، إلى الاكتفاء بعلوم الباطن واعتبار علم المنطق من علوم الظاهر التي قد تؤدي إلى الكفر والإلحاد والزندقة. حقا ان بعض المدرسين قد اشتغلوا بالمنطق كسعيد قدورة، كما اشتغل به بعض العلماء أمثال ابن حمادوش، ولكن قيمة علم المنطق ظلت مجهولا أو معدومة إلى جانب قيم العلوم الأخرى، والغريب أن بعض العلماء قد غلب عليهم المنطق وادعوا التفوق فيه، كما أخبر بذلك عبد الكريم الفكون عن

стр. 667

الشيخ علي الغربي بقسنطينة في القرن العاشر (١٦ م)، ومع ذلك فقد كان علي الغربي من المفتين والقضاة وأهل الشورى (١)، وقد سبق القول إن يحيى الشاوي قد اضطر إلى مماشاة شيخه عيسى الثعالبي عدة مراحل حتى يتعلم عليه علم المنطق إلى أن حذقه عليه (٢). ويعتبر عبد الرحمن الأخضري أبرز من ألف في المنطق خلال العهد العثماني، ولم تقتصر شهرة الأخضري على تأليفه هو، نظما وشرحا، ولكن على ما جذب إليه من اهتمام العلماء الآخرين لشرح ودراسة عمله في المنطق، وقد ظلت أعمال الأخضري في هذا الميدان حية ومدروسة إلى هذا القرن، ومن جهة أخرى كان عمل الأخضري في المنطق موضع اهتمام علماء المسلمين في المغرب والمشرق والسودان والهند، كما أنه من الأعمال المطبوعة المتداولة، ومن الواضح أن الأخضري يجيد علم المنطق ولكنه نجح في اختصار قواعده وتوضيحها في متنه المعروف بـ (السلم المرونق)، وفي شرحه الوافي والسهل عليه وهو الشرح الذي أصبح عمدة الأستاذ والتلميذ على حد سواء، وهكذا نجد أنفسنا أمام عمل خالد فرض نفسه على الدراسات المنطقية حوالي أربعة قرون، ومن أواخر من ترجمه ودرسه وقدمه للقراء الأجانب، المستشرق الفرنسي لوسياني في أوائل هذا القرن (٣). نظم الأخضري وشرح (السلم المرونق) وهو ابن إحدى وعشرين سنة فقط، حسب قوله: ولبني إحدى وعشرين سنة ... معذرة مقبولة مستحسنة

стр. 668

وبلغ الرجز وحده مائة وثلاثة وأربعين بيتا، وأوضح فيه أن دراسة المنطق قد تتناقض في الظاهر مع دراسة الدين، ولكنه دافع عن ذلك وأثبت أن لا تعارض ولا تناقض، رغم أن دراسة غير الحذر قد يؤول به الأمر إلى الشك. وقسم الأخضري المعرفة إلى قسمين معروفين: التصور والتصديق، والفكرة البسيطة المدركة بالبداهة والفكرة المعقدة التي لا تدرك إلا بعد استعمال العقل والنظر، وقد نجح في توضيح أسباب الخطأ في التعليل وغير ذلك من القضايا المتصلة بهذا العلم، ولأهمية السلم قارنه لوسياني (بحديقة الجذور الإغريقية) (Jardin des racines Grecques) لكلود لانسلو، كما قارنه حاجي خليفة بعمل إيساغوجي (١). وقد تبارى العلماء في شرح السلم والتعليق عليه، من ذلك شروح إبراهيم الباجوري، ومحمد الأنبابي، ومحمد البناني وسعيد قدورة، والذي يهمنا الآن هو الشرح الأخير، ويعتبر بعضهم أن قدورة تتلمذ على الأخضري، وهو بعيد، لأن المشهور أن الأخضري قد توفي سنة ٩٥٣ عن اثنين وثلابين سنة، بينما توفي قدورة سنة ١٠٦٦. (ونحن لا نعرف تاريخ ميلاده، ولكنه بدون شك كان أواخر القرن العاشر)، فالأخضري كان، كما يغلب على الظن شيخ شيوخ قدورة، كما أنه كان شيخ شيوخ عبد الكريم الفكون (٢). وعلى كل حال فقد عمد قدورة إلى وضع حاشية على السلم بدأها هكذا (الحمد لله الذي علم الإنسان من حقائق التصورات ما لم يكن يعلم، وأطلعه على دقائق التصديقات الموصلة إلى طريقة الرشد)، وكان قدورة، الذي عرفنا أنه كان من علماء الظاهر والباطن، يمهد بذلك لإقناع من قد

стр. 669

يعترض على التأليف في علم المنطق، فقد برر عمله بأن الأخضري في شرحه على السلم قد أغفل بعض الأمور التي يجب التنبيه عليها. وبكل تواضع قال قدورة إن عمله لا يعدو أن يكون (مضافا لشرح المصنف (الأخضري) كالتذييل لما أغفله الناظم في شرحه، مظهرا لمقاصده، ومستخرجا، بعض فوائده)، وسار قدورة في شرحه هذا على النهج الذي سلكه في شروحه الأخرى الفقهية وغيرها في تفسير ألفاظ المتن والاستشهاد لذلك بالقرآن والحديث والأشعار، ثم تفسير الألفاظ بلاغيا ونحويا، وأخيرا تفسير المعاني المقصودة من وضع التأليف كله، وهو ينقل في ذلك عن سابقيه أمثال السنوسي والمغيلي وسعيد العقباني (١) وجاء في رحلة ابن زاكور أن أبا عبد الله بن خليفة له شرح أيضا على سلم الأخضري (٢). وبعد حوالي قرن من وفاة قدورة جاء عبد الرزاق بن حمادوش لا ليشرح السلم ولكن ليعود إلى مختصر السنوسي في المنطق ويشرحه، وقد سمي ابن حمادوش عمله بـ (الدرر على المختصر). وهو يقع، كما أخبر بنفسه، في حوالي تسع وسبعين ورقة، (ثماني كراريس). وقد أشاد به واعتبره من أهم تآليفه، وكان ابن حمادوش قد قرأ، عندما كان في المغرب، مختصر السنوسي في المنطق على الشيخ أحمد بن المبارك وأجازه به، كما أنه قد صححه في الجزائر على العالم المغربي أحمد الورززي عند زيارة هذا للجزائر سنة ١١٥٩، وقد أعطاه الورززي شهادة بذلك تدل على براعة ابن حمادوش في معالجة هذا الموضوع، وشهد لابن حمادوش على ذلك أيضا عدد من علماء الجزائر منهم عبد الرحمن الشارف وأحمد بن عمار، وكان ابن عمار معروفا بعلمه ومروءته، وعند تقريظه لكتاب (الدرر) أعلن ابن عمار أنه كتاب صغير الحجم كثير الفائدة وأجاز قراءته وشجع عليه، وكان تقريظه له شعرا ونثرا:

стр. 670

هنيئا هنيئا أيا مختصر ... بشرح بديع جموع أغر وكان ابن حمادوش قد اعتز بهذه الآراء وسجلها في رحلته بشيء من الإعجاب (١). ومن أواخر من ألف في المنطق في العهد العثماني، أبو راس الناصر، وعبد العزيز الثميني، فقد ذكر أبو راس أن له شرحا على سلم الأخضري سماه (القول المسلم في شرح السلم)، ولعل له غيره في المنطق أيضا. فقد كان عالما بشؤون الدين والدنيا كما عرفنا، وذكر في رحلته (فتح الإله ومنته) تآليفه مبوبة، واطلعنا على ذلك وسجلنا له الكتاب المذكور في المنطق، غير أنه لا يستبعد أن يكون له غيره مما لم نسجله (٢). أما الثميني فقد وضع شرحا على (مرج البحرين) لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني. وقد سمي الثميني شرحه (تعاظم الموجين في شرح مرج البحرين) (٣)، وقد بدأ شرحه بهذه العبارة الهامة كفاتحة (نحمدك يا من نطقت بآيات وجوب وجوده أجناس الكائنات ..) وقد عرفنا أن كلا من أبي راس والثميني لم يكونا من علماء التصوف، وهذا يتماشى مع اهتمامهما بعلم المنطق.

стр. 671

الفصل الثالث علوم اللغة - النثر الفني

стр. 672

نتناول في هذا الفصل ثلاثة أقسام، الأول علوم اللغة من نحو وصرف وفقه لغة، ثم العروض والبلاغة ونحو ذلك، وفي القسم الثاني منه ندرس فنون النثر الأدبي من رسائل ومقامات وخطب وتآليف أدبية، أما القسم الأخير فسنترجم فيه لأحمد المقري وأحمد بن عمار. علوم اللغة ونحوها رغم أن الجزائريين لم يؤلفوا كثيرا في علوم اللغة فإنهم اهتموا بالنحو خصوصا وتركوا لنا إنتاجا طيبا فيه، ومنذ يحيى بن معطي الزواوي تركزت العيون على زواوة باعتبارها مدرسة هامة لعلم النحو (١). ثم جاء أبو جميل زيان بن فائد الزواوي القسنطيني فتقدم بالدراسات النحويه أشواطا عريضة، كما عرفنا (٢). وبالإضافة إلى زواوة اشتهرت زاوية خنقة سيدي ناجي بالنحو حتى أن الورتلاني روى في رحلته أن النحو كان يعتني به هناك الكبير والصغير واشتهروا به (اشتهارا بينا) (٣)، وقد حاول الورتلاني أن يردهم إلى دراسة التوحيد وينصحهم بعدم التركيز على النحو، ولكنهم ناقشوه وحاجوه في ذلك، وعرف علماء الجزائر بحفظ متون النحو وبعض الشروح وإدراك

стр. 673

مسائلها عن ظهر قلب حنى أصبحوا لا يعانون في ذلك رهقا ولا مشقة، فهذا ابن مريم يخبر عن محمد الحاج المناوي (ت ٩٥٥) انه كان يقول (ألفية ابن مالك عندنا كخبر الجلوس) فهي عنده محفوظة معروفة يتحدثون بها في المجالس ويتنادرون، لذلك طلب المناوي من تلاميذه أن يكون اهتمامهم بما هو أرفع من ذلك، لأن المعلومات التي يمنحها لهم في النحو إنما جاءت نتيجة جهود أخرى مضنية ومطالعات مستقصية، فكان يقول لهم (هذا الذي نملي عليكم مطالعة أربعين سنة) (١)، وضرب ابن حمادوش في رحلته مثلا لبعض الطلبة، محاولا إقناعهم بضرورة تعلم الحساب والنحو، بأن أهل تونس وأهل الأندلس كانوا يبدأون أولادهم بتعليم هذين العلمين (ليذوقوا لذة العلم)، فالنحو والحساب عند ابن حمادوش من العلوم التي تفتح شهية التلاميذ لأنها من العلوم العقلية. وقد اشتهر بعض الجزائريين بالدراسات النحوية، ومن هؤلاء يحيى الشاوي وعبد الكريم الفكون ومحمد بن راشد الزواوي وعاشور الفكيرين القسنطيني (٢)، فقد ترك يحيى الشاوي أربعة تآليف على الأقل في النحو، كما سترى، وترك الفكون نحو ذلك، أما ابن راشد والفكيرين فلا نعرف لهما تأليفا فيه ولكنهما اشتهرا بتدريسه، ومن أبرز الأساتذة الواردين على الجزائر من المغرب والذين تركوا بصمات قوية في الاهتمام بعلم النحو. محمد التواتي. فقد حل هذا الشيخ بقسنطينة أوائل القرن الحادي عشر (١٧ م)، وكان قد تخرج من فاس واشتهر بها في النحو حتى كان يلقب بسيبويه زمانه. وجلس في قسنطينة للتدريس فترة طويلة وورد عليه الطلاب من زواوة وعنابة والزيبان ونقاوس ونحوها، ومن أبرز تلاميذه محمد بن راشد الذي جاء من زواوة ليدرس عليه، فقرأ عليه كتاب (المرادي) حتى أتقنه، وبعد التخرج جلس ابن راشد للتدريس أيضا في قسنطينة فكان يدرس لطلابه كتاب

стр. 674

(التوضيح) الذي كان مشهورا في زواوة شهرة واسعة ويعتنون به قراءة وإقراء، كما يقول الفكون، وقد جمع ابن راشد (تقاييد) على الشيخ التواتي من تقريره أثناء الدرس وربما زاد عليها بعض المسائل من ابن بابشاذ وغيره من النحاة، ولكننا لا ندري إن كان ابن راشد قد نسق كل ذلك ووضعه في شكل كتاب. وعاد ابن راشد إلى زواوة وأخذ يدرس هناك النحو على الأجرومية وعلى المكودي (١). وتظهر أهمية التواتي وابن راشد في تخريج أحد كبار النحاة الجزائريين، وهو عبد الكريم الفكون، فقد درس الفكون أيضا على التواتي علم النحو وتأثر به كثيرا، وهو يظهر إعجابه به عند ترجمته لشيخه، وكان التواتي قد خرج من قسنطينة خائفا من الظلمة، واستقر به المقام في باجة بتونس حيث توفي بالطاعون سنة ١٠٣١. ويبدو أن تأثير ابن راشد على الفكون كان قويا أيضا، فقد ذكر الفكون أنه كان حديث العهد وصغير السن عندما بدأ يتعلم النحو على التواتي فرأى إجادة ابن راشد للنحو ومناظرته لتلاميذ التواتي فيه وتفوقه عليهم فانقاد إليه وأصبح من الراغبين في التعمق في هذا العلم، ويحدثنا الفكون عن أن ابن راشد هو الذي شجعه على ذلك وأقرأه وقدمه على التلاميذ الآخرين حين أعطاه في الدرس كتاب (التوضيح) الذي كان يقرئه ليسمعه، وذلك لفصاحة لسانه وحسن صوته. وهناك شخصية أخرى كان لها أثر في تعلق قلب الفكون بعلم النحو، وهو إبراهيم الفلاري التونسي، وإذا كان تأثير ابن راشد والتواتي عن طريق التلمذة والاحترام فإن تأثير الفلاري كان بطريق المنافسة والتعجيز. فقد زار الفلاري قسنطينة ذات مرة، وكان علماؤها يجلونه ويستقبلونه على أنه من كبار النحاة ويعقدون معه المجالس العلمية (مثل نادي يحيى بن محجوبة)، وكان الفكون يتردد على هذا النادي رغم حداثة سنه. وأمام العلماء طرح الفلاري مسألة على الفكون فعجز عنها فحز ذلك في نفسه، وهو ما يزال، كما يقول، في سن الكتاب، وفكر في الأمر بعد عودة الفلاري إلى تونس وتمتعه هناك بصيت كبير في علم

стр. 675

النحو فإن (الحرب كانت سجالا) بينه وبين الفكوبة (١). ألف الفكون عدة كتب في النحو والصرف نعرف بعضها فقط، من ذلك كتابه الكبير (فتح المولى بشواهد ابن يعلى) (٢)، و (شرح على أرجوزة المكودي في التصريف) وقد ذكر العياشي الذي رأى هذا الكتاب واستفاد منه أن الفكون قد أجاد الشرح والبحث وأن شرحه يفضل شرح أبي عبد الله المرابط الدلائي على نفس الأرجوزة، وقد فرغ الفكون من هذا الكتاب سنة ١٠٤٨ أي أثناء نضجه الفكري (ولد سنة ٩٨٨). وأخبر العياشي أن الفكون افتتح شرحه بهذه العبارة (الحمد لله الذي أجرى تصاريف المقادير بواسطة أمثلة الأفعال، وأوضح بيان افتقارها إليه بتغيير حالاتها من حركة وصحة واعتلال) (٣)، وللفكون أيضا (شرح على شواهد الشريف على الأجرومية) (٤). وله أيضا شرح على نظم محمد المجرادي في النحو وهو (فتح الهادي بشرح المجرادي) (٥)، ومن ثمة يظهر أن الفكون لم يكن مجرد مدرس للنحو على الطريقة التقليدية، شأن كثير من علماء الوقت، ولكنه كان، بالإضافة إلى التدريس، مؤلفا ماهرا في علم النحو والصرف، وكلاهما من العلوم العقلية، وهذا يتماشى, مع اتحاهه العقلاني الذي كشف عنه في

стр. 676

كتابيه: (منشور الهداية) و (محدد السان) (١). وكان يحيى الشاوي من المعاصرين للفكون، وربما أخذ عنه، لأن الفكون أكبر منه سنا وكان في الجزائر موضع شهرة واحترام عندما كان الشاوي ما يزال طالبا يبحث عن الشيوخ الذين يشبعون نهمه العلمي، وإذا كنا قد عرفنا جانبا من توجيه الفكون نحو علم النحو فإننا ما زلنا لا نعرف من الذي دفع الشاوي إلى هذا العلم. وقد أخبر عنه العياشي بأنه كان من الأذكياء وأن له معرفة حسنة بالنحو ومشاركة في غيره، وأنه كان مواظبا على التعلم والتعليم. حقا إن مزاجه كان، كما أشرنا، يشبه مزاج المقري المعاصر له أيضا، كلاهما كان يجانب أهل الباطن ويطمح إلى الاتصال بالأمراء وأصحاب الجاه، وكلاهما استعمل علمه سلما للدنيا، فهذا الشاوي قد ألف كتابا في أصول النحو جعله على أسلوب (الاقتراح) للسيوطي وكتبه برسم السلطان العثماني، محمد خان، وقدمه للعلماء العثمانيين فقرظوه، ولم يذكر المحبي الذي أورد هذه القصة اسم الكتاب ولكنه قال عنه إنه تأليف صغير. ومن كتب الشاوي الأخرى في النحو: نظم لامية في إعراب اسم الجلالة جمع فيه أقوال النحاة وشرحها شرحا طيبا، وله شرح على التسهيل لابن مالك، وحاشية كبيرة على شرح المرادي (٢). وممن وضعوا حاشية على شرح الخلاصة للمرادي أيضا سعيد قدورة، الذي عرفنا أنه قد اشتهر، كمدرس، بوضع حواشي وشروح على الكتب التي كان يدرسها لتلاميذه، وقد سمي حاشيته القصيرة (رقم الأيادي على تصنيف المرادي) (٣).

стр. 677

وقد أخذت الأجرومية وألفية ابن مالك حظا وافرا من عناية الجزائريين، فألف محمد الصباغ القلعي (الدرة الصباغية في شرح الجرومية) (١)، وهو عمل يدل على سعة معلومات صاحبه في علم النحو، رغم أنه كان، كما عرفنا، من المهتمين بعلم التصوف، إذ هو أول من كتب طويلا عن أحمد بن يوسف الملياني في (بستان الأزهار). وقد أشار الصباغ إلى ظروف تأليف (الدرة) وطريقته فقال إنه ألفها (في زمان كثير شره، وقليل نفعه وخيره .. ومع شغل البال، وتراكم الهموم والأهوال)، كما ذكر أنه قرأها على شيخه محمد بن منصور المستغانمي فأجازه بها، أما عن طريقته فقال إنه كان يهدف إلى وضع تقييد على الأجرومية (لنفسي، ولمن هو مبتدي مثلي من أبناء جنسي .. وتكلمت على إعرابها، ولم أر أحمدا أعربها قبلي)، ومن المفيد أنه ذكر اسمه فيها هكذا: محمد بن محمد بن أحمد بن علي الصباغ الهواري. ومن جهة أخرى، نظم خليفة بن حسن القماري الأجرومية في قصيدة (لذيذة يطرب لها الناشئ ويرقص لها المبتدئ لسلاسة نظمها وعذوبة موسيقاها) (٢) وسماها (اللامية في نظم الأجرومية)، وكانت الأجرومية هي ملح الطعام عند مدرسي وطلاب الجزائر. أما ألفية ابن مالك فمن أوائل من ألف فيها في العهد العثماني محمد بن عامر الأخضري البسكري (وهو والد عبد الرحمن الأخضري). فقد أراد أن يوضح في شرحه عليها ما غمض منها، ولكن شرحه قد طال. فهو لم يكن يعلق ليوضح ولكنه كان يشرح شرحا تقليديا لأبواب النحو المعهودة في الألفية، ثم أضاف إلى ذلك طبعا بعض معارفه الخاصة التي تظهر من الإعراب والتنبيهات واللطائف، ويبدو أن الناسخ قد وجد تحريفا في الأصل فأثبته كما هو، وليس لهذا الشرح عنوان وإنما اكتفى الناسخ أو المالك له

стр. 678

بوضع عبارة (تقييد) فقط (١)، كما أن أحمد بن العباس الوهراني قد وضع شرحا على لامية الأفعال في التصريف لابن مالك (٢). وكذلك شرح محمد بن يحيى البجائي لامية الأفعال (٣) وناقش الناظم وجاء بآراء النحاة، كما استعمل الإعراب وذكر الشواهد، واللامية المشار إليها هي التي تبدأ هكذا. الحمد لله لا أبغي به بدلا ... حمدا يبلغ من رضوانه أملا ثم الصلاة على خير الورى وعلى ... ساداتنا آله وصحبه الفضلا وبعد فالفعل من يحكم تصرفه ... يحز من اللغة الأبواب والسبلا ويبدو أن أبا القاسم بن محمد البجائي كان من النحاة التقليديين في القرن الحادي عشر، فقد عاش على الأقل جزءا من حياته في تونس وأخذ بها العلم على علمائها وعلى الوافدين عليها من العثمانيين وغيرهم. ويذكر حسين خوجة صاحب (بشائر أهل الإيمان) أن البجائي قد تولى الخطابة في جامع الخطبة خارج باب الجزيرة بتونس وأنه كان أيضا فقيها ورعا (٤)، والعبارة الأخيرة كانت تطلق على كل العلماء المرضي عنهم في ذلك الوقت، ولو كانوا من النحاة والأطباء، لأن مقياس الإنسان الصالح عندئذ هو الورع والفقه والزهد، ومهما كان الأمر فإن حسين خوجة قد ذكر أن البجائي ألف كتبا، منها شرح شواهد أربعة كتب هي القطر والشذور والمقدمة. وقد اطلعنا نحن على شرحه على شواهد القواعد الصغرى في النحو لابن هشام الأنصاري، وذكر البجائي في تبريره تأليف هذا الكتاب أنه لم ير من شرح هذه الشواهد فأراد هو أن يشرحها (شرحا يرفع عنها حجابها، ويكشف نقابها، ويذلل صعابها، ويزيل عنها إغرابها، متجافيا فيه عن

стр. 679

الإطالة، خشية السآمة والملالة) (١)، ومن الجدير بالذكر أنه بدأ شرحه بتعريف الشعر نقلا عن ابن رشيق، كما رأينا له (شرح شواهد كتاب شذور الذهب) لابن هشام الأنصاري أيضا (٢). وعبارة البجائي في مقدمته لا تختلف كثيرا عن عبارته في الشرح السابق، فقد افتتحه بهذه العبارات (وبعد، فإن كتاب شذور الذهب في معرفة كلام العرب من أنفس ما ألف في علم النحو، غير أن شواهده لم أر من تعرض لشرحها، فأردت أن أجعل عليها شرحا يذلل صعابها .. ناقلا ذلك من شرح العيني على شواهد الكتب الأربعة، ومن وشي الحلل في شرح أبيات الجمل للشيخ الفهري ومن شرح شواهد المغني للشيخ السيوطي، ومن شواهد الشيخ ابن هشام اللخمي، ومن الدماميني الكبير على المغني، ومن غيرها ما تدعو إليه الحاجة)، والنسخة التي اطلعنا عليها ليس لها عنوان وإنما أضاف إليها السيد عمار البطالبي عبارة كتاب شواهد السرور (الشذور؟). وممن اعتنى بالتأليف في النحو أيضا محمد الزجاي، فقد ذكر في ترجمته أن له شرحا على ألفية السيوطي، وعلى التسهيل لابن مالك وعلى لامية الأفعال في التصريف وعلى نونية صاحب الشذور، الخ. والزجاي، مثل سعيد قدورة والأنصاري، كان يعلق على الكتب التي كان يتناولها في درسه فيوضحها لطلابه، وقد يزيد على ذلك شواهد وتبسيطا وأخبارا، ولا نظن هذه التآليف إلا موجهة للطلبة فقط (٣)، أما أبو راس الذي قيل إنه كان يلحن في درسه، رغم علمه الواسع، فقد ألف أيضا في النحو واللغة، وهو

стр. 680

قد اعترف أن أحدا لم يفته في كثرة التآليف سوى السيوطي، ومما ذكره لنفسه من التآليف في باب النحو (الدرة اليتيمة التي لا يبلغ لها قيمة) (١). ولم يؤلف في تراجم النحاة، على ما نعلم، سوى بركات بن باديس وتلميذه أحمد بن قاسم البوني، أما ابن باديس فقد ألف كتابا سماه (التنقيح في التعريف ببعض أحوال رجال طالعة التصريح على التوضيح)، قال عنه (وبعد فهذا تقييد مفيد .. لمعرفة طبقات بعض أئمة النحويين وأخبار الجهابذة المشهورين (يشتمل) على طرف من ألفاظ طالعة التصريح للشيخ أبي البقاء خالد الأزهري)، والظاهر أنه جمع فيه تراجم مختصرة لعلماء النحو الذين يتعرض لهم أثناء تدريسه لهذه المادة في قسنطينة، ومنهمحوالي ثمانية وعشرين ترجمة مثل المازني وابن الحاجب، والسيرفي، وابن مالك، والخليل بن أحمد، وأبو الأسود، وسيبويه، وابن هشام، والكسائي، وابن جني، والأخفش، الخ .. وقد قلنا إنها تراجم مختصرة لأن تأليف ابن باديس لا يعدو ثماني وعشرين ورقة من النسخة التي اطلعنا عليها (٢). أما البوني فقد ألف، كما عرفنا، في علوم مختلفة، ومنها النحو واللغة، ويشهد لذلك كتابه المسمى (فتح المتين في تراجم بعض مشاهير النحاة واللغويين)، ويبدو من عنوانه أنه قد اقتصر فيه على (بعض المشاهير) فهو إذن ليس كتابا شاملا للنحاة واللغويين، ولكن غير مقتصر على زمانمعين، ومن الذين ترجم لهم، ابن خالويه، وقد جاء في كتابه أيضا ببعض الأخبار الأدبية واللغوية التي يسميها بالفوائد، ومن ذلك القصة التي رواها عن ابن العديم صاحب (تاريخ حلب) من أن سيف الدولة قد طلب من

стр. 681

العلماء أن يذكروا له بعض الأسماء الممدودة وجموعها مقصورة .. وأن ابن خالويه قد ذكر من ذلك صحراء وصحارى وعذراء وعذارى، وقد نظم أحمد البوني هذه الأسماء في قوله: صحراء عذراء ولفاء وخبراء ... ممدودة كلها وزيد سبتاء وجمعها جاء مقصورا فكن فطنا ... واحفظ فديتك ما بالحفظ بأساء (١) وقليل هم العلماء الذين ألفوا في علم اللغة المحض، ومن هؤلاء أحمد بن محمد بن علي بن ويغلان البجائي الذي نسب إليه بروكلمان (الروض النظيم (المنظم؟) في معاني حروف المعجم (٢)، ومحمد بن بدوي الجزائري المعسكري. صاحب كتاب (الارتضاء في الفرق بين الضاد والظاء)، فقد لخص فيه كتاب (الاعتضاد في الفرق بين الظاء والضاد) لأبي حيان محمد بن يوسف الأندلسي، وقال ابن بدوي الذي كتب عمله سنة ١١٢٧، (هذا كتاب لخصته من كتاب الاعتضاد .. ورتبته على ما فيه ظاء من حروف المعجم، وعددت في كل حرف ما فيه من المواد، وبدأت بالصحيح ثم المضاعف ثم المعتل بالثلاثي ثم بغيره، وما وضح لي من المقصور انقلاب ألفه عن ياء أو واو، وذكرته بما وضح، وما لا ذكرته مقصورا، على حاله .. وسميته الارتضاء) (٣)، أما أبو راس فقد ذكر أن من تآليفه كتابا سماه (ضياء القابوس على كتاب القاموس) الذي يبدو أنه حذا فيه حذو (الجاسوس على القاموس)، وقد وضع المفتي علي بن عبد القادر بن الأمين رسالة سماها (إتحاف الألباب بفصل الخطاب)، وعبارة الخطاب التي يقصدها هي (أما بعد)، لذلك افتتح تأليفه بقوله: (حمدا لك يا من علم آدم الأسماء)، وهي

стр. 682

مكتوبة سنة ١١٨٦ وبخط المؤلف (١)، وهناك من العلماء من اكتفى بنظم مسائل النحو والصرف. البيان والمعاني (البلاغة) والعروض وكما كانت أعمال عبد الرحمن الأخضري في المنطق والحساب محل درس وتعليق من بعده، كان نظمه وشرحه في البلاغة أيضا، فقد نظم الأخضري (الجوهر المكنون) في علمي البيان والمعاني ثم شرحه بنفسه شرحا كبيرا فاق فيه (تلخيص المفتاح) لجلال الدين القزويني، ولكن الأخضري توفي قبل أن يبيض الشرح ويصقله، فكان ذلك حافزا لعدد من العلماء على استكمال النقص، ومن هؤلاء أحمد بن المبارك العطار القسنطيني في عمله المسمى (نزهة العيون)، وكذلك عبد الكريم الفكون. ويفهم من كلام الفكون أن الأخضري، قد توفي قبل استخراج شرحه وأن ما قام به هو (الفكون) محاولة استخراج الشرح من مبيضته التي قال عنها (وفيها محو وضرب وبياضات وأسطار بطررها مشار إليها وغير مشار إليها، جردت ما أمكنني نقله منها وأترك لكل بياض قدره لعل الله يمن علينا بإكماله لمن يشاء من عباده) (٢)، ومن جهة أخرى تولى شرح (الجوهر المكنون) والتعليق عليه عدد من المشارقة أمثال أحمد الدمنهوري الذي نشر شرحه في القاهرة سنة ١٨٩٢ (٣). ومن الذين سرحوا (الجوهر المكنون) للأخضري أيضا، محمد بن محمد بن علي بن موسى الثغري الجزائري الذي سمى شرحه (موضح السر المكنون على الجوهر المكنون)، وقد أخبر الثغري أنه كان مقتنعا بأن منظومة

стр. 683

الأخضري من أجمل ما كتب في علم البيان وأنه قرأ شرح الأخصري عليها، ولكنه كان متحمسا للقيام بعمل يوضح الغامض منها ويظهر جمال البلاغة وقوة البيان فيها، لذلك افتتح الثغري شرحه بقوله: (الحمد لله البديع الذي يشرح صدور البلغاء بجواهر المعاني وإيضاح التبيان. أما بعد، فلما رأيت منظومة الشيخ سيدي عبد الرحمن الأخضري الموسومة (بالجوهر المكنون) من أجل ما صنف في علم البيان، محتوية على جل قواعد (التلخيص) وعيون مسائله بلفظ موجز وتهذيب واتقان، قد شرحها ناظمها شرحا مفيدا وأعرب عما في ضميره وأبان، لكن بقي في بعض الأماكن بياض في الشرح (١) وذلك في جميع النسخ الواصلة إلينا فصار من نظر فيه لم يشتف منه جنان، ثم شرحها الشيخ الغزي وأجاد لكنه لم يطلع على شرح المصنف، والمنظومة الواصلة إليه وجدها مصحفة ومحرفة تحريفا أخرج كثيرا من أبياتها عن الأوزان، فتتبعها بالإصلاح ولم ينبه على ذلك .. وقد عثرت على نسخة صحيحة كادت أن تكون بخط المؤلف أو منقولة منه سالمة من التحريف والألحان (٢)، فقرأتها على الأشياخ فوجدتها موافقة لما في شرح المصنف بالتتبع عيان، أردت، بعون الله وقوته، تقييد دررها .. بشرح يكشف الغطاء عن جواهرها المصونة. واعتمادي في النسخ على الشرحين المذكورين وسعد الدين التفتزاني وبعض كتب البيان، وانتحلت غالب ألفاظهم وفصوص وجواهر عباراتهم الصافية الحسان، ولم أسلك طريق الإطناب الممل ولا الإيجاز المخل، وإنما اقتصرت على الإفادة والبيان، وسميته الخ) (٣).

стр. 684

وقد سار الثغري في شرحه على ما وعد فأظهر فنون البلاغة وعالج موضوعاتها بتفصيل وتبسيط، حتى جاء الشرح في حجم ضخم، بالإضافة إلى أنه عرف فيه بالأخضري تعريفا وافيا، ومما يلاحظ أنه لم يبوب الشرح وإنما اتبع تبويب الناظم نفسه معتمدا في ذلك وحدة البيت والباب والفصل، ويبدو أن شرح الثغري كان كثير التداول بين العلماء، ويتبين ذلك من كثرة النسخ منه. أما خارج أعمال الأخضري فالجهود قليلة، فقد قام عبد الله بن أبي القاسم الثعلبي بشرح قصيدة الحلي شرحا بلاغيا سماه (أنوار التجلي على ما تضمنته قصيدة الحلى) (١)، واهتم محمد بن محمود بن العنابي أيضا بعلم البلاغة فألف (التحقيقات الإعجازية بشرح نظم العلاقات المجازية) (٢). وعد أبو راس من مؤلفاته في البيان (ذيل الأماني)، ولا شك أن له ولأحمد البوني محاولات أخرى في هذا الباب، فقد عرفنا أن لهما مؤلفات كثيرة وأنهما خاضا في جميع العلوم، وبالإضافة إلى ذلك نذكر بأن كثيرا من الشروح الأدبية التي سنعرض إليها كانت تعالج موضوع البلاغة بشكل واضح مثل شرح (العقيقة) الذي وضعه أحمد بن سحنون الراشدي وسماه (الأزهار الشقيقة المتضوعة بعرف العقيقة). وقد اشتهر بن عبد القادر المعروف بابن الأمين بتأليفين على الأقل في هذا العلم أحدهما رسالة في (أما بعد)، والثاني حاشية على مختصر

стр. 685

السعد، وكان ابن الأمين درس في بلاده وفي المشرق وخصوصا مصر، وتتلمذ على الشيخ محمد الجوهري، ومحمد الأمير والشيخ البليدي والشيخ العدوي وأحمد دردير وغيرهم، وقد ألف رسالته الأولى وهو في مصر سنة ١١٨٦، وبعد أن عاد إلى بلاده تولى التدريس بجامع حسين ميزمورطو فترة طويلة كما تولى الفتوى على المذهب المالكي مدة طويلة أيضا دامت إلى وفاته سنة ١٢٣٦ (١). ويظهر من رسالته (أما بعد) أنه صاحب أسلوب جدلي واضح، فقد أكثر فيها من النقود عن أئمة البلاغة والنحو والتفسير، ولم يستعمل فيها السجع وإنما جاء بعبارة دقيقة محبوكة تؤدي المعنى بالقليل من الألفاظ، وقد قسمها إلى مقدمة ومقصدين وخاتمة وتذييل، وجعل المقدمة في مقصدين كما جعل كل مقصد فصولا، فابن الأمين رغم نقوله الكثيرة يبدو في رسالته عقليا، غير أنه في حاشيته على السعد قد اتبع مقولة الغزالي (ليس في الإمكان أبدع مما كان) حتى أن تلميذه حمدان بن عثمان خوجة قد ناقشه في هذا الرأي ولكنه تهيب من تفنيد قوله لأنه شيخه (٢)، وعلى كل حال فنحن لم نطلع على حاشيته إلا من خلال نقل حمدان خوجة منها. فلعل ابن الأمين قد وفق فيها أيضا كما وفق في رسالته (أما بعد) التي اطلعنا عليها. ولكن يظهر من النماذج التي سقناها أن العناية بالبلاغة، كعلم قائم بذاته، ضعيفة عند الجزائريين، وأن اعتمادهم في التدريس كان على عمل الأخضري وعلى تلخيص المفتاح وغيرهما.

стр. 686

ونفس الشيء يقال عن عناية الجزائريين بعلم العروض، فرغم جودة الأشعار التي سنعرض لها عندهم، فإن التأليف في قواعد العروض قليل جدا، ومن هذا القليل شرح سعيد قدورة على (الرامزة الشافية في علمي العروض والقافية) للخزرجي المعروف بأبي الجيش المغربي، والذي سماه (شرح المنظومة الخزرجية) (١)، وينسب إلى بركات بن باديس شرح على متن الخزرجية أيضا. ولا شك أن هناك محاولات أخرى لم نطلع عليها في هذا الميدان. ومهما كان الأمر فإن هذا النوع من التأليف لا يخرج عن كونه أدوات مدرسيه. فنون النثر نعني بالنثر هنا النثر الفني أو الأدبي، وهو يشمل المقامات والرسائل الرسمية (الديوانية) والإخوانية، والوصف، والتقاريظ، والتعازي، وعقود الزواج، التي تفنن فيها أصحابها، والإجازات المنمقة، والشروح الأدبية، والقصص، والخطب. وقد كان الأدب الجزائري في العهد العثماني غنيا ببعض هذه الفنون كالرسائل والتقاريظ، ولكنه كان فقيرا فى بعضها كالخطب والقصص. وقبل أن ندخل في تفاصيل هذه الفنون ودراستها، نذكر بما قلناه في الجزء الأول من أن معرقلات نمو اللغة وانتشار الأدب كانت أقوى من المشجعات، فالولاة كانوا لا يفقهون العربية ولا يتذوقون أدبها، ولا نتوقع ممن هذه حالته تشجيع الأدباء والشعراء وتذوق إنتاجهم وتقديره، حقا إننا وجدنا بعض الباشوات، مثل محمد بكداش، يجمع حوله نخبة من المثقفين باعتباره، كما قيل، (قد جمع النظم والنثر والخطابة والشعر) ولكن حكمه لم يزد على ثلاث سنوات (٢)، وشجع الباي محمد الكبير، كما عرفنا، حركة

стр. 687

النسخ والتأليف والتعليم بالعربية فازدهرت هذه الحركة في عهده وظهرت أسماء من الأدباء والعلماء كانوا مدينين له بالمساعدة المادية ولكن الحركة اختفت باختفائه، ونفس الشيء يقال عن مشاريع صالح باي في التعليم التي لم تتواصل بعده، فهذه النماذج كانت تعتمد على جهود فردية ونادرة، كما رأينا، وليست قائمة على سياسة مستمرة ومرسومة، وقد دام حكم محمد باشا خمسا وعشرين سنة دون أن نعرف أنه قدم شاعرا أو أجاز كاتبا على تأليف أو شجع حركة التعليم، ونفس الشيء يقال عن حسين باشا الذي بقي في الحكم اثني عشر سنة، وهكذا كان كل حاكم، من الداي إلى الباي، يستغل حكمه للربح المادي الشخصي وخدمة حاشيته وجنوده الذين كانوا جميعا غرباء عن الشعب لسانا وذوقا. وبالإضافة إلى ضعف مستوى الثقافة، وإلى منافسة اللغة التركية (بل واللغات الأوروبية الأخرى التي كان بعض الباشوات يتكلمونها لأنها لسانهم الأم) للغة العربية في الدواوين وفي المجالس الرسمية وفي التجارة فإن هناك بعض اللهجات المحلية التي كانت أيضا تزاحم اللغة العربية، فبعض مناطق الأوراس وجرجرة وميزاب كانت تتكلم اللهجات المحلية ولم يكن هذا مقصورا على الطبقة العامة، بل كان موجودا عند العلماء أيضا، فالورتلاني يحدثنا أن هناك من كانوا يمدحون الرسول ﷺ ويتناولون التصوف باللهجة المحلية، وقد تمنى هو أن يكون كلامهم بالعربية حتى تدرك حلاوته وطلاوته وقوة إبداع أصحابه، وضرب لذلك مثلا بعلي بن درار وسعيد الفاني (١). يضاف إلى ذلك أن الفئة المثقفة، كما عرفنا، قد انحصر نشاطها في بعض الوظائف الرسمية التي لا علاقة لها بالأدب وتذوقه وتشجيعه، فالقضاة

стр. 688

والمفتون والمدرسون وكتاب الإنشاء كانوا راضين بالمستوى الذي كانوا عليه، ولم يكونوا يطمحون إلى مستوى أفضل منه لعدم الحاجة إليه، بل ان الباشوات والولاة عموما كانوا يفضلون المستوى الثقافي الأدنى على المستوى الأعلى، لأنهم هم أنفسهم لم يكونوا مثقفين، وكان يرضيهم من الموظف أن يكون في مستواهم أو أقل منهم، أما الجزائريون الطموحون إلى المزيد من العلم والأدب وذوو المواهب الدفينة الذين كانوا راغبين عن الوظائف. الجامدة والتبعية الذليلة فقد اختاروا طريق الهجرة إلى حيث يجدون الرعاية والاعتراف بإنتاجهم وفضلهم، وكان هذا مصير أديبين كبيرين سنترجم لهما في هذا الفصل، وهما أحمد المقري وأحمد بن عمار، كما كان مصير الشاعر سعيد المنداسي. وقد أدى موقف الولاة ومنافسة اللهجات واللغات وشيوع الجهل وضعف المستوى الثقافي وجمود الوظيفة وهجرة أصحاب المواهب إلى شيوع اللحن على ألسنة الكتاب والمدرسين، حتى من الذين لم نتوقعه منهم، لكثرة تآليفهم ووفرة علمهم، أمثال أبي راس الناصر، وقد تحدث هو عن هذه الظاهرة في الإنتاج كما تحدث عنها أحمد بن سحنون الراشدي والورتلاني، وشاع الخطأ، وخصوصا في الشعر، حيث كثر ما يسمى بالشعر الملحون والشعر الفصيح المكسور، وكان اللجوء أحيانا إلى الشعر الملحون أو الشعبي يبرره التلغيز الذي يقصده الشاعر ليغطي هجومه على الأوضاع السياسية والأخلاقية، وكان بعض الشعراء يتبسطون لكي يسهل على العامة فهم مرادهم، وقد احتج أبو راس في شرح (العقيقة) بأن محمد الهواري (١) كان يلحن في كتاباته، وأن المنداسي قد كتب بالملحون ولم يكن عاجزا عن الإعراب وإنما نظم العقيقة بالشعر الملحون (لتسهل للعوام كما تسهل للخواص) (٢).

стр. 689

الشروح الأدبية: وهناك ظاهرة أخرى تلفت النظر في الأدب الجزائري وهي أن الأدباء بدل أن يخترعوا القصص والروايات أو يؤلفوا في الظواهر الثقافية والنقد عمدوا إلى شرح الأعمال الجاهزة، ونحن هنا لا نقصد شرح الأعمال الصوفية والتاريخية والفقهية، ولكننا نقصد شرح الأعمال الأدبية. والشرح الأدبي قد يكون على قصيدة نظمها الشارح نفسه وقد يكون على قصيدة أو عمل آخر لغيره، وقد حفل الإنتاج الجزائري بالنوعين. من ذلك قصيدة سعيد المنداسي المسماة بـ (العقيقة) التي تداول على شرحها كل من أبي راس الناصر وأحمد بن سحنون الراشدي، وشرح لامية العجم لمحمد بن أحمد بن قاسم البوني، وشروح المواعظ والحكم والحلل الحريرية لأبي راس أيضا، ولعل شرح الشواهد النحوية يدخل أيضا في هذا الباب كما فعل عبد الكريم الفكون في شرح شواهد ابن يعلى، ولكننا لن نأتي على كل هذه الشروح هنا وحسبنا التنبيه على أن أصحابها كانوا يهدفون من ورائها إلى خدمة الأدب واللغة والبلاغة مظهرين براعتهم القلمية والخيالية ومحفوظاتهم وذوقهم الفني. عرف أحمد بن سحنون الراشدي أنه من الأدباء البارزين أوائل القرن الثالث عشر الهجري (١٩ م) ويظهر ذلك من تآليفه ومن تقاريظ أدباء العصر له، أما التقاريظ فسنذكرها بعد قليل، وأما التآليف فنعرف منها عددا يشهد له بالحذق والمهارة ويجعله في صدر أدباء وقته، من ذلك شرحه الضخم الذي وضعه على (عقيقة) المنداسي والذي سماه (الأزهار الشقيقة المتضوعة بعرف العقيقة)، وقد بذل في هذا الشرح جهدا لا يعرفه إلا من وقف عليه واطلع على ضخامة العمل. والعقيقة قصيدة في مدح الرسول ﷺ وصحابته، كتبها سعيد المنداسي بالعامية الفصحى أو الفصحى العامية، وهي ليست قصيدة سهلة، لا في لغتها ولا في معانيها لأنها احتوت على تراكيب غريبة وعلى تواريخ وحوادث تحتاج إلى توضيح واطلاع واسع، وقد سلك فيها الشاعر مسالك بلاغية معقدة ومسالك لغوية أكثر تعقيدا، وكان المنداسي ينظم بالفصيح والملحون وله

стр. 690

أشعار كثيرة، وكان مقصده من كتابة العقيقة بالعامية تقريب معانيها من العامة مع الاحتفاظ بمستوى لغوي وأدبي وتاريخي لا يدركه إلا الخاصة. وقد كتب القصيدة سنة ١٠٨٨ وبدأها بالحديث عن الخمر والغزل على الطريقة التقليدية واستعمل فيها رموزا كثيرة، ومطلعها: (كيف ينسى قلبي عرب العقيق والبان ..). وقد تحدث ابن سحنون عن دافع شرحه للقصيدة فقال ان ابن خلدون قد نعى على أهل المغرب العربي إهمالهم رواية أشعارهم فضاعت أنسابهم، فكان رائد ابن سحنون أن يخالف العادة ويكفر عن هذا الإهمال بكتابة شرح على العقيقة يحفظها ويحل ألغازها ويقرب معانيها. بدأ ابن سحنون عمله سنة ١٢٠٠ وبعد حوالي سنة انتهى من التبييض وبدأ في التخريج إلى أن وصل في ذلك نصف العمل، وهنا كلفه الباي محمد الكبير باختصار (كتاب الأغاني) فتوقف عن شرح (العقيقة)، واستجاب لأمر سيده، وكان ذلك سببا في إهمال رقاع الشرح الكبير الذي حاول ابن سحنون أن يظهر فيه موهبته اللغوية والأدبية والتاريخية. وبالإضافة إلى أمر الباي، أجبره الطاعون الذي حل ببلاده عندئذ على الجلاء عنها إلى أن ينقشع الوباء، فخرج من معسكر تاركا أوراقه وراءه، معزيا نفسه بقصيدة جيدة، قالها في الطاعون وآثاره. وفي سنة ١٢٠٢ انتهى الطاعون فعاد ابن سحنون إلى تسويد شرحه، ولكنه اضطر إلى اختصاره، ذلك أن (أحزانا) ألمت به جعلت نفسه تعزف عن التبسيط والإجادة، كما أن بعض العلماء قد لاموه على طول الكتاب ورجوه اختصاره وتجريده من الحشو والاستطراد، ومن هؤلاء محمد بن شهيدة، قاضي معسكر، وأحمد بن هطال كاتب الباي. وهكذا انتهى ابن سحنون من عمله سنة ١٢٠٢، مطولا مليئا بالاستطرادات الأدبية واللغوية في القسم الأول، ومختصرا مجردا من الزوائد في القسم الثاني. ولولا أن المنداسي من الشعراء العلماء لما أقدم ابن سحنون على شرحه الكبير، فالقصيدة في نظره موجهة بالدرجة الأولى إلى العلماء لأن العامي لا يفهمها، وقد أورد للمنداسي أيضا عدة قصائد من الشعر الفصيح

стр. 691

المتين، وكأن ابن سحنون أراد أن يكون في مستوى الشاعر في العلم والأدب، فملأ شرحه بالأخبار الأدبية والتاريخية، سيما تاريخ الإسلام الأول الذي تعالجه القصيدة، ولم يقسم الشرح إلى فصول وإنما شكل كل بيت من العقيقة قسما أو فصلا مستقلا، فهو يذكر البيت ثم يشرحه لغويا وأدبيا ويأتي إليه بالشواهد والأخبار، وهذا هو سبب الاستطراد والطول، ويدلنا مطلع الشرح على ذوق ابن سحنون ومراميه، فقد بدأه هكذا (الحمد لله الذي وشح مطالع المعاني ببدائع البيان ..) وهو طالع يبتعد عن طوالع الشروح الفقهية ونحوها، فـ (الأزهار الشقيقة) إذن يعتبر كتاب أدب ونقد وبلاغة في بابه لتخصص صاحبه في ذلك، وتؤكد التقاريظ التي وردت عليه هذا الاتجاه، ولاشك أن هذا هو ما يجعل شرح ابن سحنون للعقيقة يفوق شرح أبي راس لها (١)، ورغم أن ابن سحنون قد تمنى أن لا يكون عمله من (الدفاتر المهملة) فإننا إلى الآن لم نقرأ أن هناك من تناول هذا المخطوط الهام بالتعريف أو التحقيق. أما شرح أبي راس (للعقيقة) فقد سماه (الدرة الأنيقة)، ومن عادة أبي راس أن يشرح العمل الواحد عدة مرات ويطلق على كل شرح عنوانا جديدا، وهذا ما حدث هنا. فقد قال إن له على العقيقة سبعة شروح، وكل شرح منها له عنوان خامس (٢)، وقد اطلعنا على أحد هذه الشروح فوجدناه يذكر في البداية فضل الشعر وخصوصا الشعر الديني، وعرف أبو راس الشعر وأشاد به وقال إنه لفضله استعمل في المدائح النبوية، وذكر أن دافعه للتأليف كون المنداسي مدح بالعقيقة الرسول ﷺ ، ورغم أن العقيقة من (الشعر الملحون) فإنها قد (احتوت على غرائب وعجائب من اللغة والبلاغة واللحون)؛ وأضاف أبو راس مبررا اللجوء إلى الشعر غير الفصيح قوله: (وليس في الشعر الملحون من بأس). وقد ذكرنا أنه هو نفسه كان يلحن في اللغة رغم علمه

стр. 692

وسعة إطلاعه وحفظه، وتدل قصائده أيضا على أنه كان لا يتقيد بالوزن، رغم أنه كان يكتب بالفصحى، وزعم أبو راس أن البعض ممن تأثر كثيرا بالعقيقة سأله أن يضع عليها شرحا (يفصح عن تلك المقاصد واللغات، ويذلل ما فيها من الأبيات، وأن يكون باختصار، لداعية الضرورة إلى الاقتصار، وتنشيطا للاطلاع، وانتهازا لفرصة الانتفاع)، وهنا يظهر الفرق بين عمل ابن سحنون وأبي راس، فالأول أطال حتى طلبه معاصروه الاختصار، والثاني قد استجاب منذ البداية لمن طلبه الاختصار، ويبدو أن شرح ابن سحنون سابق على شرح أبي راس رغم أننا لا ندري بالضبط متى انتهى أبو راس من شرحه أو على الأقل من شرحه الأول. اتبع أبو راس أيضا نفس طريقة زميله ابن سحنون في اتخاذ البيت من القصيدة هو الوحدة، فهو يورد البيت ثم يشرحه من جميع الوجوه، وكأن أبا راس كان ينافس زميله حفظا وطريقة، ولكن شتان بينهما، فإذا كان أبو راس يمتاز بالحفظ فإن ابن سحنون قد امتاز بذوق أدبي أرهف وأرق من زميله، فهذا أديب بالسليقة، وذلك أديب فقيه، وقد أجاد كل منهما فيما خلق له، فقد أورد أبو راس أيضا شواهد الشعر والقرآن والحديث أثناء الشرح، وضمنه، كما يقول، (مباحث شريفة، ونكات لطيفة، وتحقيقات غريبة، وتدقيقات عجيبة، ودلائل أنيقة، ومسائل دقيقة ..) فكلا الشرحين إذن مصدر من مصادر تاريخ النقد الأدبي في الجزائر (١). ولأبي راس عدة شروح أدبية أخرى نذكر منها شرحه على مقامات الحريري الذي سماه (الحلل الحريرية في شرح المقامات الحريرية)، وقد ذكر في (فتح الإله) أن له شرحين من ذلك وهما الكبير والأكبر (٢) ومهد لشرحه

стр. 693

بمقدمة هامة عن حالة الأدب في عصره، وعن دافعه إلى شرح المقامات، كما ذكر من سبقوه إلى شرحها. والواقع أن عمله الذي اطلعنا عليه عبارة عن خزانة أدب أظهر فيه براعته في المحفوظات وذكر العجائب والغرائب واللطائف والنوادر والأشعار والحكايات من تاريخ الأدب العربي، ولا سيما القديم والوسيط منه، وقلما تعرض أبو راس لأهل عصره فيه، وهذه بعض عباراته (الحمد لله الذي أعلى مقامات أهل الفصاحة، وأضاء بهم كل فناء للكلام العربي وساحة، حتى سما على غيره وامتاز، بلطائف الآداب واللغا وأفرغوا معانيها في قالب الإيجاز، وشيدوا مبانيها بدلائل الإعجاز، نظما ونثرا باهر الصدور والأعجاز، وأتحفوها بطرف الكناية والمجاز (١)). كما نذكر لأبي راس شرح قصيدة الصيد المسماة (روضة السلوان)، فقد وجدناه أيضا محشوا أدبا وظرفا وأخبارا، وقد سمي شرحه هذا (الشقائق النعمانية في شرح الروضة السلوانية) (٢)، وبدأه بهذه الفاتحة (الحمد لله الذي أحل لهذه الأمة ما صادوا ..) وترجم فيه للشاعر الفجيجي وذكر شيوخه، ثم قال: (هذا، وإني عزمت أن أجعل عليها (أي القصيدة) شرحا .. مع ما أنا فيه من أهوال فاغرة، وأرضنا من شروحها شاغرة، وسميته بالشقائق النعمانية، الخ) وكان أبو راس يسير في هذا الشرح على نفس النمط الذي سار عليه في شروحه الأخرى فيذكر اللطائف والغرائب والفوائد والتنبيهات، واعتذر في آخر الكتاب على أنه قد يكون فاتته معاني بعض الكلمات لغموضها وغرابتها (٣).

стр. 694

ومع ادعاء أبي راس بأن (أرضنا من شروحها شاغرة) فإن غيره قد سبقه إلى شرحها بقرنين على الأقل، ففي سنة ٩٨٦ ألف أبو القاسم بن محمد بن عبد الجبار الفجيجي التلمساني شرحه الجيد على القصيدة السلوانية، وسماه (الفريد في تقييد الشريد، وتوصيد الوبيد) (١)، وهو أحق بأن يدعى أنه لم يسبق إلى شرحها، فقد قال: (ولم يسبقني إليها أحد بشرح أنصبه أمامي، واتخذه إمامي، ووددت أن ذلك كائن فيسعني الامتناع، أو يسبقني إليها سابق يكون لي فيه أسوة الانتفاع، مع أنها جديرة بالاهتبال، عديمة المثال، لأنها تضمنت من اللغة وفقه الصيد ومحاسن النزهة ورفع الهمة والنباهة ما لا يسع الحازم رفضه، حتى يستكمل غرضه، فشرعت في وضع تعليق عليها يوضح إن شاء الله غريبها ويدني أبيها، مشيرا إلى ما لا بد من المعنى اللائق لكل بيت دون استيفاء ما يستحق لفظها، إذ لو تتبعت استقصاء المعاني والحكايات لأربى على المجلدات) (٢)، ولا نعتقد أن الجزائر كانت خالية من هذا الشرح، والغالب أن أبا راس، الذي كان ولوعا بشرح الآثار الأدبية، لم يشأ أن يفوته شرح قصيدة أخذت شهرة واسعة بين الأدباء والولاة، مثل قصيدة الصيد التي نظمها الشاعر إبراهيم الفجيجي. ولأبي راس أيضا شرح أدبي لغوي هذا موضعه، فقد ألف مسلم بن

стр. 695

عبد القادر كتابا صغيرا في الحكم والمواعظ والآداب والأمثال، رتبه على حروف المعجم وجعله فصولا، عدد منازل القمر، ويبدو أنه كانت لمسلم بن عبد القادر دالة على أبي راس، ذلك أنه هو نفسه الذي طلب منه شرح عمله، فقام مدفوعا بدوافع خارجية لا ذاتية، ولذلك جاء شرحه مختصرا ولا يدل على براعته المعهودة ولا على غزارة حفظه، وقد جاء في ديباجة الشرح أن العلماء قد سبق لهم أن ألفوا في الحكم والمواعظ إلى أن خلت الديار بعدهم، (حتى رمى الدهر العقيم بواحد، من صميم آل حمير وكهلان الأماجد، وممن انقادت إليهم أزمة ذوي الأقدار والمقادر، السيد مسلم بن عبد القادر، فإنه من أجل أدباء هذا الزمان، وأحرزهم لقصب السبق في هذا الميدان، فإنه أتى من درر النظم والنثر، ما يقصر عنه أهل العصر) (١). وسار أبو راس في شرحه على (ما يقتضيه المقام من المواعظ المبكية والمفاكهات، أو ما يدل على أسلوب البلغاء في بعض المطارحات). وسمى شرحه (إسماع الأصم وشفاء السقم في الأمثال والحكم)، وقد أورد فيه الشعر والأمثال والمأثور من القصص والحكم، وهو يذكر حروف المعجم واحدا بعد الآخر مبتدئا بالألف: أدبك ثوبك، ووجهك عرضك، الأدب سلاح زمان الكفاح، ثم حرف الباء: برك بذر، فانبت زرعك، البذر بر، إذا كان المطر، وهكذا. ولا شك أن لهذا التأليف أهمية خاصة في دراسة الأمثال والحكم الشعبية السائدة عندئذ، رغم أن عبارته فصيحة، وقد شكا أبو راس، كعادته، في آخر كتابه من العصر وأهله ومن أحواله المادية والصحية (٢). ويدخل في هذا الباب أيضا تأليف محمود بن الطاهر بن حوا الذي سماه (نظم الجواهر في سلك أهل البصائر) الذي شرح به أحد أعمال مسلم بن

стр. 696

عبد القادر أيضا، وكان لمسلم هذا أتباع ومريدون من الأدباء يشملهم برعايته، ومنهم محمود بن حوا المذكور (١). وآخر هذه الشروح الأدبية التي ندرسها هو (نبذ - أو نبز؟ - العجم على لامية العجم) لمحمد بن أحمد بن قاسم البوني، وهو الشرح الذي اختصر به شرحا آخر قام به جلال بن خضر الحنفي على نفس اللامية. وأشار البوني إلى أن بعضهم قد طلب منه القيام بهذه المهمة فسأل عن شرح في بلاده على اللامية فلم يجده لأن (ربوع هذا العلم قد درست عليه الدارسات، وذرت رسومه الذاريات)، وهكذا تعين عليه أن يقوم بالشرح، وقد ترجم للحسين بن علي الطغرائي صاحب لامية العجم، باختصار وقارن لاميته بلامية العرب للشنفري، وأشاد بلامية الطغرائي ذاكرا أن صاحبها قد حاز قصب السبق في فنون الأدب والبديع وأن القصيدة نفسها قد (لمع برق نوئها وأزاح غياهب الظلم، كيف (لا) ومعانيها قد عنت معانيها) وأراد هو من هذا الشرح تزيين فرائد عقدها، وأن يضيء. . قلائد جيدها) وقد سار فيه على طريقة شبيهة بزملائه الآخرين، فهو يعرض للغة والمعنى والإعراب ومغزى الأبيات ومبناها، كل ذلك، كما قال، (بألفاظ رقيقة وعبارات أنيقة) وافتتح عمله، بعد ذلك، بطالع اللامية: أصالة الرأي صانتني عن الخطل ... وحلية الفضل زانتني لدى العطل (٢)

стр. 697

ولا شك أن هناك عددا آخر من الشروح الأدبية التي تتناول قصائد أو مقامات أو نحوها من الأعمال ذات الطابع اللغوي والبلاغي (١)، ولم نقصد بذكر النماذج السابقة سوى إعطاء فكرة عن الميادين التي كان النثر الفني يستعمل فيها، فالأدباء كانوا يظهرون براعتهم في عدة ميادين، ومنها الشروح الأدبية التي كانت تعطيهم فرصة لاستعراض محفوظاتهم وذوقهم الأدبي والنقدي ومدى اطلاعهم على تاريخ الأدب والحضارة بوجه عام، وكان هؤلاء الأدباء لا يقصدون إلى السجع إلا في المقدمات أو الديباجة للعمل الذي يدرسون، فالعبارة عادة مرسلة مع طول الجملة وتعثرها أحيانا بالاعتراضات والاستطراد، كما أن الشروح الأدبية تعكس ثقافة العصر، فأصحابها كانوا غالبا ما ينمقون أسلوبهم بالمأثور من العبادات الدينية والحكمية. ومهما كان الأمر فإن هذه الشروح في نظرنا تمثل شكلا من أشكال النثر الأدبي الذي شاع في العهد العثماني. التقاريظ والإجازات والعقود: ومن أشكال النثر الأدبي أيضا التقاريظ وبعض الإجازات والعقود والتعازي ونحو ذلك مما كان النثر فيه وسيلة للتعبير دون الشعر. وفي التقاريظ تسيطر الروح الإخوانية على الأسلوب، وتبرز ثقافة الكاتب الأدبية واللغوية، ولدينا جملة من هذه التقاريظ التي كان يتناولها العلماء والأدباء على السواء، وكانت في موضوعات فقهية كما كانت في موضوعات أدبية أو غيرها، فالمهم هنا هو الأسلوب الذي كتب به التقريظ وليس الموضوع المقرظ. أما الإجازات فقد عرفنا أنها تتناول السند وسرد أسماء الشيوخ ومواد

стр. 698

الدراسة، ولكن صيغة بعض الإجازات رغم موضوعها وثبوتها على شكل واحد تقريبا، كانت أقرب إلى الأسلوب الأدبي، لأن أصحابها كانوا من الأدباء المهرة فيضفون عليها طابعهم وذوقهم، وبذلك تصبح الإجازة أيضا قطعة أدبية من حيث الأسلوب على الأقل. ولدينا شواهد على ذلك أيضا. وبالإضافة إلى ذلك كان الكتاب يفتنون في كتابة العقود، لا سيما عقود الزواج، ويظهرون براعتهم اللغوية والأسلوبية حتى أصبح العقد النموذجي يقلد في المناسبات المشابهة، وكان بعض القضاة أدباء بطبعهم يحذقون اللغة ويتذوقون الأسلوب الأدبي، فكانوا يمزجون ثقافتهم الفقهية والقانونية بثقافتهم الأدبية واللغوية، وبذلك أعطونا نماذج من العقود التي غلب عليها الطابع لأدبي. وفي أغلب الأحيان كان المقرظ يمزج في تقريظه بين النثر والشعر، ويحفل العهد العثمانى بعدد من هذه التقاريظ، ونود أن نذكر منها تقريظ أحمد بن عمار لكتاب (الدرر على المختصر) الذي وضعه ابن حمادوش في المنطق (١)، وكان ابن عمار، كما سنعرف، من أقطاب الصنعة الأدبي نثرا وشعرا، وكان غالبا ما يسجع ويكثر من المحسنات البديعية. ومما جاء في تقريظه للكتاب المذكور نثرا قوله: (ناهيك به مؤلفا جموعا، مبذولا خيره لا ممنوعا، قد أحكم فيه الرصف والالتئام، واستخدم لطائف المعاني في بديع الكلام، حتى أفض عن (المختصر) الختام، وكشف عن وجوه خرائده اللثام، ووضع كنوز فرائده على طرف الثمام، فأصبح به إذ ذاك في أعلا الذرى، وطلع في سماء المعالي والمكارم بدرا، هذا ولا عيب فيه غير أنه كتاب صغر جرما، وغزر علما، قد أودع فيه من لطائف المعاني العجيبة الرائقة، والألفاظ البديعة الفائقة، ما هز به أعطاف الآداب، واستمال قلوب أولي الألباب). وقد ختم ابن عمار تقريظه بستة أبيات من الشعر على هذا النحو:

стр. 699

هنيئا هنيئا أيا مختصر ... بشرح بديع جموع أغر وقد احتوت رحلة ابن حمادوش على تقاريظ أخرى له من علماء الجزائر، ولكنها لم تبلغ في المستوى الأدبي نثر ابن عمار. وأورد أحمد بن سحنون شارح (العقيقة) ثلاثة تقاريظ أيضا من علماء وأدباء بلاده تعتبر من النماذج الأدبية الجيدة، نعرف اثنين منهم ولكننا نجهل المقرظ الثالث، وأولهم المفتي محمد بن الشاهد، الذي كان من الأدباءالبارزين في وقته ومن الشعراء أيضا، وقد وضع التقريظ في شكل رسالة إلى ابن سحنون بعد أن اطلع على تأليفه (الأزهار الشقيقة). فأشاد ابن الشاهد بالعمل وبنبوغ صاحبه رغم نضارة عوده، وقد سماه في التقريظ (الشاب الضريف (كذا)، الناضر روض أدبه الوريف، أبو العباس أحمد بن محمد بن علي الشريف). ومن هذا التقريظ وغيره نعرف أن ابن سحنون كان سنة ١٢٠٢، وهي سنة التأليف والتقريظ أيضا، ما يزال في مقتبل العمر، وكان تقريظ المفتى ابن الشاهد فى صفحتين وبأسلوب أدبي جيد، ونفس الشيء يقال عن تقريظ المختار بن عمر الصنهاجي الملقب انكروف، الذي لا نعرف عنه الآن غير هذا، فهو لم يستعمل الشعر أيضا في تقريظه الذي كتبه سنة ١٢٠٢ من صفحتين، كما أنه وصف ابن سحنون بالشاب اليافع وأنه قام بعمل ضخم فيه أدب ونقد وبلاغة وتاريخ. أما التقريظ الثالث الذي قلنا إنه لمجهول فيغلب على الظن أنه لأحمد بن عمار لأن أسلوبه كأسلوبه، ومع ذلك لا نستطيع الآن الجزم بذلك، ويتفق هذا التقريظ مع الأولين في التاريخ والحجم والإشادة بالعقيقة وناظمها وبالمؤلف الذي تكلف شرحها رغم صغر سنه، ولكن هذا المقرظ اختلف عن زميليه في كونه جمع بين النثر والشعر، وبذلك تكون هذه القطع الثلاث نماذج من النثر الأدبي في أوائل القرن الثالث عشر (١). ومن التقاريظ الجيدة أيضا ما كتبه أحمد بن عمار سنة ١١٩٦ كتقريظ

стр. 700

لرسالة في التوحيد، ألفها صديقه الوزير التونسي الحاج حمودة بن عبد العزيز صاحب (الكتاب الباشي)، وتذكر المصادر أن التقريظ يقع في صفحتين ونصف من الحجم الكبير وأنه بخط صاحبه وختمه، وقد أجاد فيه ابن عمار، كعادته، في اتخاذ الصنعة البيانية والبديعية، وذكر فيه أن حمودة بن عبد العزيز قد أصاب المحز في أجوبته على الأسئلة التي كان قد وجهها له بعض علماء قسنطينة، وأشاد به لأنه من أهل السنة، ومما جاء فيها قول ابن عمار: (وقد أطلعني .. على الرسالة المحبرة، المنقحة المحررة، التي لهذا التاريخ أملاها، وأولاها من باهر التحقيق والتدقيق ما أولاها، وضمنها أجوبة على أسئلة كلامية وردت .. على الحضرة، ذات البهجة والنصرة، فنظرتها بعين المنة والإنصاف، مجانبا للتعصب والتعسف شيمة سليمي الصدر كاملي الأوصاف، ايه أيها الساري ولا رفيق، إلا التوفيق، ويا أيها الشاري خذ أحرار النفوس فكل لذلك الطبع الرقيق رقيق، هكذا هكذا، وفي عين الشاني القذى، أطلع شموس معارفك وعوارفك في أفلاك البداعة والاتقان، وزين سماء رئاستك وسياستك من فضائلك وفواضلك بأبهي النجوم الزاهرة والزبرقان، جادل عن الملة الحنيفية بلسانها، وجالد بسيف السنة ودافع بإحسانها ..) (١)، وعلى هذا الأسلوب الجميل الرائق سار ابن عمار في تقريظه لصديقه، شعرا ونثرا، وكان ذلك أيام إقامته بتونس التي كان قد ورد عليها سنة ١١٩٥، كما سيأتي في ترجمته. وما دام الطابع الأدبي هو الغالب على ابن عمار فإن إجازته أيضا قد اصطبغت بهذا الطابع. وقد منح لغيره عدة إجازات مثل إبراهيم السيالة التونسي، وعبد الستار بن عبد الوهاب المكي الهندي، وله ثبت كما عرفنا،

стр. 701

ولدينا نموذج من إجازته لمحمد خليل المرادي الشامي، وهي رغم قصرها جيدة النسج قوية العبارة ومسجعة في أغلبها، ومما جاء فيها قول ابن عمار بعد التحميد والصلاة على الرسول ﷺ (فقد روينا بتوفيق الله ويمنه، وإعانته وعونه، عدة وافرة، مخدراتها سافرة، من كتب العلوم الشرعية، والفنون المرعية، من منقول ومعقول، وفروع وأصول، ورقائق وآداب، وسائر ما يجذب بتلك الأهداب، عن مشائخ جلة، يروق بهم الدهر وتزدهي بهم الملة، من أهل الغرب والشرق، وجهابذة الجمع والفرق، فمن أهل الحرم المكي، من سطع عبير ذكره سطوع الأرج المسكي، خاتمة المسندين، وأول القداة المرشدين .. هذا وقد أجزت السيد المستجيز المجاز، ورجل الحقيقة لا المجاز، مفتي الشام، والغيث الذي تستمطر بروقه وتشام، السيد محمد خليل المذكور أعلاه، دام فضله وعلاه) (١) الخ. ونود أن نسوف نموذجا ثانيا من الإجازات الأدبية، ونعني بذلك إجازة عمر المانجلاتي إلى ابن زاكور المغربي، وهي بالطبع أقدم زمنا من إجازة ابن عمار، وكان المانجلاتي من الفقهاء الأدباء، فقد درس علي سعيد قدورة وعلي بن عبد الواحد الأنصاري، وبدأ الإجازة بالسجع ثم استرسل، فكأن السجع، مثل الشعر، يقصده الكتاب للتعبير عن خلجات أنفسهم، فإذا تناولوا الحقائق المجردة عمدوا إلى النثر المرسل. وهذا نمودج من الجزء المسجع من الإجازة (وبعد، فقد اجتمعت بالشاب الأديب، الأريب الحاذق اللبيب، السيد محمد بن قاسم بن زاكور، فرأيت من حرصه واعتنائه واشتغاله بما يعنيه ما أعجبني، وفيه قابلية لما يلقى إليه مع ذهن ثاقب، وفهم صائب، ومشاركة في فنون من العلوم .. فطلب مني أن أجيزه فامتنعت لأني في نفسي لست من أهل هذا الشأن، ولا من فرسان ذلك الميدان، فألح علي المرة بعد المرة لظنه الجميل، أني من هذا القبيل، فأسعفت طلبته حرصا على جبر خاطره، خشية من كسر قلبه، لأن كسر القلوب في كسر القلوب وجبرها في

стр. 702

جبرها، فأجزته أن يروي عني ما رويته عن أشياخي من الفنون التي أسردها بشرطها المعتبر، عند أهل النظر ..)، ثم ذكر المانجلاتي مشائخه والكتب التي قرأها عليهم في أسلوب سهل مرسل (١). وفي رحلة ابن حمادوش نصوص لعقود زواج مختلفة منها الفقهي التقليدي ومنها الأدبي الاجتماعي، ومنها الذي كتب لبكر والذي كتب لثيب، ومنها القصير ومنها المطول، وجميعها تصلح نموذجا لدراسة الحياة الاجتماعية. ومما أورده ابن حمادوش كصيغة لعقد زواج بكر، العقد الذي كتبه العالم الأديب محمد بن عبد المؤمن، وقد لاحظ ابن حمادوش بأن صيغة هذا العقد قد أصبحت محل تقليد الموثقين عند كتابة عقود الزواج، ومن أبرز من قلد صيغة ابن عبد المؤمن، القاضي محمد بن المسيسني عند كتابة عقد زواج حفيد إبراهيم باشا بالجزائر عندئذ. وهذا جزء مما كتبه محمد بن عبد المؤمن سنة ١٠٨٧ أثناء زواج عبد الرحمن المرتضى، حفيد سعيد قدورة. . (وبعد هذا القول الذي أشرقت أنواره في رقم هذا الرقيم، وسقى أرضها الأريضة من در عنصر البلاغة من نثر البراعة ما أبان عن فضل العلم الموهوب من الحكيم العليم، فنمق أديمها بسطره الأبهج، وعطر أنفاسها بتنميق زهره الأبلج، كأنه الحلة السيراء نشرت في غرة الصباح، فأضاءت لها الأباطح والربا وأغنتها إغناء الصباح عن المصباح، فإن النكاح جالب اليسار، حافظ الحسب والمقدار ..) ويشغل العقد من رحلة ابن حمادوش حوالي خمس صفحات، وكله, على هذا النحو من الأسلوب مع تفصيل الصداق وتدقيق في ذكر الالتزام من الطرفين. وبعد أن أورده ابن حمادوش ذكر أن (عليه عادة بلادنا وبمثله جرى العمل عندنا) (٢). ورغم ذلك فإنه يبدو أن صيغة هذا العقد متكلفة ومصطنعة، مع طول

стр. 703

الجملة واستعمال السجع الثقيل ورتابة الإضافات، ومن جهة آخرى فإن تقليده من قبل الموثقين الآخرين يدل على العجز أكثر مما يدل على الإعجاب به، فقد طغى الأسلوب الفقهي عندهم، فبدا لهم هذا العقد وكأنه شيء عجب، ولعل شمول هذا العقد لنواحي الالتزام ودقته كانت من بين الأسباب التى جعلته نموذجا عند المقلدين والذي نخلص إليه هو أن التقاريظ والإجازات والعقود كانت ميدانا خصبا لإظهار تفوق الكتاب والقضاة وبيان مقدرتهم الأدبية بالنثر المسجع والمرسل. الرسائل: احتلت الرسائل في كل عصر حيزا كبيرا من اهتمام الأدباء والموظفين والأصدقاء والأحباء، ومن العادة أن تقسم الرسائل إلى رسمية (ديوانية) وإخوانيه، وقبل الخوض في كل نوع نود أن نذكر بأن بعض الجزائريين كانوا مكثرين في كتابه الرسائل وبعضهم كانوا مقلين، وهذا بالطبع يعود إلى مزاج كل أديب ومدى علاقاته الإنسانية والاجتماعية، فعبد الكريم الفكون مثلا كانت له علاقات كثيرة ومراسلات تبعا لذلك، وكذلك كان الأمر مع أحمد المقري وسعيد قدورة وأحمد بن عمار، ومن حسن الحظ أن الوثائق تحفظ لنا نماذج من هذه الرسائل الإخوانية، ويبدو أن بعضهم كان متميزا في عصره بكتابة الرسائل الجيدة كما كان غيره متميزا بنظم الشعر الجيد. وقد جمع محمد بن محمد القالي بين النثر والشعر، وعبر بكليهما ليصل إلى قلب محمد بكداش باشا ويشكو إليه حاله، ومدح الباشا بأنه من كبار السلاطين كما مدح في شخصه حكم الترك وأشاد بأصلهم ونوه بفضلهم على الدين والقطر الجزائري أيضا، ولعل هذا الموقف هو الذي جعل الباشا يخصص له خراجا من أوقاف سبل الخيرات (١) العثمانية بالجزائر (ليعالج به داء النكبات.) كما قال ابن ميمون، وقد جاء في رسالة القالي لبكداش: (جل

стр. 704

الله تعالى مالك الملك، ومقيم قسطاس العدل بما أراده من إعزاز السادات الترك .. جمع بهم كلمة الدين الحنيف، وآثرهم بهذا الملك الكبير وهذا العز المنيف، وشرفهم بما وهبهم من الرتب العالية، وهم أصل للرفعة والتشريف، وخصهم بمكارم الأخلاق ونزاهة الأقدار، وجعلهم بهذا القطر رحمة للعباد، وأخمد بشوكتهم نار الفتنة والعناد، فسلكت بهم السبل وأمنت بهم البلاد، لطفا منه سبحانه بهذه الأقطار، نسأل الله .. أن يبقى جنابهم السعيد عاليا على كل جناب، وأن يخلد الملك فيهم على مرور الدهور وانقضاء الأعمار ..). وبعد هذه المقدمة العامة التي تخص الترك وحكمهم انتقل القالي إلى موضوعه الرئيسي وهو مدح الباشا نثرا أيضا والدعاء له ولدولته بالنصر والتمكين، وأخيرا تخلص إلى غرضه وهو طلب الإعانة والعطايا، وهذه عباراته في هذا الصدد (.. وبعد، فإن الله تعالى من على المسلمين بسيدنا ومولانا سلطان الملوك والأكابر، المخصوص بأفضل الشمائل والمأثر، الإمام العادل، السلطان الفاضل، العالم العامل، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، الذي أطلعه الله في سماء الجلالة بدرا، ورفع له في درجات الأمراء قدرا، وأجرى له على ألسنة الخلق ثناء جميلا وذكرا، فأصبح الدين مبتهجا بكريم دولته، وجناب الكفر مهتظما بعظيم صولته، مولانا وسيدنا محمد خوجا الدولاتلي (١)، أبقى الله تعالى أيامه، وأصحب النصر والتمكين ألويته وأعلامه، وهو نصره الله، أجل من استعين به فكان خير معين، وأعطى مفاتيح فتلقاها باليمين، وأفضل من امتثل قوله ﷺ : من فرج على أخيه المؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عليه كربة من كرب الآخرة، إلى غير ذلك من الأحاديث النبوية والآيات القرآنية، حسبما أحاط به

стр. 705

علم مولانا، نصره الله، من مروي ومنقول. .) (١). ورغم غلبة السجع، فإن عبارة القالي سهلة واضحة، ويظهر على أسلوبه التأثير السياسي والديني، فإذا نظرنا إلى الألقاب وأوصاف الملك نجد القالي متأثرا بالجو السياسي للعصر، رغم أن الباشا لم يكن سلطانا هكذا وإنما السلطان هو خليفة المسلمين في إسطانبول، ولعل ذلك منه كان بقصد المبالغة لا الجهل، أما التأثر الديني فيظهر من عبارات الأدعية والتضمين التي وردت في نص الرسالة، ومن الغريب أن محمد بكداش الذي حرك مشاعر القالي وأطمعه في ماله وإحسانه، كما حرك وأطمع غيره من الكتاب والشعراء، لم يحكم الجزائر أكثر من ثلاث سنوات لم تكن كلها استقرارا وأمنا، ولا ندري ماذا سيكون عليه حاله عند الكتاب والشعراء لو ظل في الحكم مدة أطول. ونصل الآن إلى ما أسميناه بالرسائل الرسمية أو الديوانية، والواقع أن سيطرة اللغة التركية على الإدارة في الجزائر قد جعلت الرسائل العربية لا تظهر إلا في النادر، وهي إذ تظهر لا يراعي فيها الإجادة بقدر ما كان يراعي فيها التوصيل والفائدة، وكانت أحيانا تأتي متكلفة ركيكة لأن أصحابها كانوا يحاولون ما ليس من شأنهم بطريقة تذكر المرء بما كان يفعله باللغة العربية بعض المستعربين الفرنسيين أو المتفرنسين الجزائريين أثناء العهد الفرنسي، حقا إن بعض الباشوات قد اتخذوا لهم كتابا عربا يحذقون اللغة، كما فعل يوسف باشا ومحمد بكداش باشا، وحقا أيضا أن بعض البايات قد وظفوا بعض الأدباء والمؤرخين العرب، كما فعل محمد الكبير في معسكر والحاج أحمد في قسنطينة، ولكن الغالب على الإدارة العثمانية في الجزائر اتخاذ التركية في المعاملات والوقائع الرسمية، وبذلك أضرت باللغة العربية إضرارا شديدا وحرمتها من ميدان هي به أولى، ولذلك لا نجد من الرسائل الديوانية العربية إلا القليل.
следующие страницы →