ولدينا نموذج من إجازته لمحمد خليل المرادي الشامي، وهي رغم قصرها جيدة النسج قوية العبارة ومسجعة في أغلبها، ومما جاء فيها قول ابن عمار بعد التحميد والصلاة على الرسول ﷺ (فقد روينا بتوفيق الله ويمنه، وإعانته وعونه، عدة وافرة، مخدراتها سافرة، من كتب العلوم الشرعية، والفنون المرعية، من منقول ومعقول، وفروع وأصول، ورقائق وآداب، وسائر ما يجذب بتلك الأهداب، عن مشائخ جلة، يروق بهم الدهر وتزدهي بهم الملة، من أهل الغرب والشرق، وجهابذة الجمع والفرق، فمن أهل الحرم المكي، من سطع عبير ذكره سطوع الأرج المسكي، خاتمة المسندين، وأول القداة المرشدين .. هذا وقد أجزت السيد المستجيز المجاز، ورجل الحقيقة لا المجاز، مفتي الشام، والغيث الذي تستمطر بروقه وتشام، السيد محمد خليل المذكور أعلاه، دام فضله وعلاه) (١) الخ.
ونود أن نسوف نموذجا ثانيا من الإجازات الأدبية، ونعني بذلك إجازة عمر المانجلاتي إلى ابن زاكور المغربي، وهي بالطبع أقدم زمنا من إجازة ابن عمار، وكان المانجلاتي من الفقهاء الأدباء، فقد درس علي سعيد قدورة وعلي بن عبد الواحد الأنصاري، وبدأ الإجازة بالسجع ثم استرسل، فكأن السجع، مثل الشعر، يقصده الكتاب للتعبير عن خلجات أنفسهم، فإذا تناولوا الحقائق المجردة عمدوا إلى النثر المرسل. وهذا نمودج من الجزء المسجع من الإجازة (وبعد، فقد اجتمعت بالشاب الأديب، الأريب الحاذق اللبيب، السيد محمد بن قاسم بن زاكور، فرأيت من حرصه واعتنائه واشتغاله بما يعنيه ما أعجبني، وفيه قابلية لما يلقى إليه مع ذهن ثاقب، وفهم صائب، ومشاركة في فنون من العلوم .. فطلب مني أن أجيزه فامتنعت لأني في نفسي لست من أهل هذا الشأن، ولا من فرسان ذلك الميدان، فألح علي المرة بعد المرة لظنه الجميل، أني من هذا القبيل، فأسعفت طلبته حرصا على جبر خاطره، خشية من كسر قلبه، لأن كسر القلوب في كسر القلوب وجبرها في
стр. 702
جبرها، فأجزته أن يروي عني ما رويته عن أشياخي من الفنون التي أسردها بشرطها المعتبر، عند أهل النظر ..)، ثم ذكر المانجلاتي مشائخه والكتب التي قرأها عليهم في أسلوب سهل مرسل (١).
وفي رحلة ابن حمادوش نصوص لعقود زواج مختلفة منها الفقهي التقليدي ومنها الأدبي الاجتماعي، ومنها الذي كتب لبكر والذي كتب لثيب، ومنها القصير ومنها المطول، وجميعها تصلح نموذجا لدراسة الحياة الاجتماعية. ومما أورده ابن حمادوش كصيغة لعقد زواج بكر، العقد الذي كتبه العالم الأديب محمد بن عبد المؤمن، وقد لاحظ ابن حمادوش بأن صيغة هذا العقد قد أصبحت محل تقليد الموثقين عند كتابة عقود الزواج، ومن أبرز من قلد صيغة ابن عبد المؤمن، القاضي محمد بن المسيسني عند كتابة عقد زواج حفيد إبراهيم باشا بالجزائر عندئذ. وهذا جزء مما كتبه محمد بن عبد المؤمن سنة ١٠٨٧ أثناء زواج عبد الرحمن المرتضى، حفيد سعيد قدورة. . (وبعد هذا القول الذي أشرقت أنواره في رقم هذا الرقيم، وسقى أرضها الأريضة من در عنصر البلاغة من نثر البراعة ما أبان عن فضل العلم الموهوب من الحكيم العليم، فنمق أديمها بسطره الأبهج، وعطر أنفاسها بتنميق زهره الأبلج، كأنه الحلة السيراء نشرت في غرة الصباح، فأضاءت لها الأباطح والربا وأغنتها إغناء الصباح عن المصباح، فإن النكاح جالب اليسار، حافظ الحسب والمقدار ..) ويشغل العقد من رحلة ابن حمادوش حوالي خمس صفحات، وكله, على هذا النحو من الأسلوب مع تفصيل الصداق وتدقيق في ذكر الالتزام من الطرفين. وبعد أن أورده ابن حمادوش ذكر أن (عليه عادة بلادنا وبمثله جرى العمل عندنا) (٢).
ورغم ذلك فإنه يبدو أن صيغة هذا العقد متكلفة ومصطنعة، مع طول
стр. 703
الجملة واستعمال السجع الثقيل ورتابة الإضافات، ومن جهة آخرى فإن تقليده من قبل الموثقين الآخرين يدل على العجز أكثر مما يدل على الإعجاب به، فقد طغى الأسلوب الفقهي عندهم، فبدا لهم هذا العقد وكأنه شيء عجب، ولعل شمول هذا العقد لنواحي الالتزام ودقته كانت من بين الأسباب التى جعلته نموذجا عند المقلدين والذي نخلص إليه هو أن التقاريظ
والإجازات والعقود كانت ميدانا خصبا لإظهار تفوق الكتاب والقضاة وبيان مقدرتهم الأدبية بالنثر المسجع والمرسل.
الرسائل:
احتلت الرسائل في كل عصر حيزا كبيرا من اهتمام الأدباء والموظفين والأصدقاء والأحباء، ومن العادة أن تقسم الرسائل إلى رسمية (ديوانية) وإخوانيه، وقبل الخوض في كل نوع نود أن نذكر بأن بعض الجزائريين كانوا مكثرين في كتابه الرسائل وبعضهم كانوا مقلين، وهذا بالطبع يعود إلى مزاج كل أديب ومدى علاقاته الإنسانية والاجتماعية، فعبد الكريم الفكون مثلا كانت له علاقات كثيرة ومراسلات تبعا لذلك، وكذلك كان الأمر مع أحمد المقري وسعيد قدورة وأحمد بن عمار، ومن حسن الحظ أن الوثائق تحفظ لنا نماذج من هذه الرسائل الإخوانية، ويبدو أن بعضهم كان متميزا في عصره بكتابة الرسائل الجيدة كما كان غيره متميزا بنظم الشعر الجيد.
وقد جمع محمد بن محمد القالي بين النثر والشعر، وعبر بكليهما ليصل إلى قلب محمد بكداش باشا ويشكو إليه حاله، ومدح الباشا بأنه من كبار السلاطين كما مدح في شخصه حكم الترك وأشاد بأصلهم ونوه بفضلهم على الدين والقطر الجزائري أيضا، ولعل هذا الموقف هو الذي جعل الباشا يخصص له خراجا من أوقاف سبل الخيرات (١) العثمانية بالجزائر (ليعالج به داء النكبات.) كما قال ابن ميمون، وقد جاء في رسالة القالي لبكداش: (جل
стр. 704
الله تعالى مالك الملك، ومقيم قسطاس العدل بما أراده من إعزاز السادات الترك .. جمع بهم كلمة الدين الحنيف، وآثرهم بهذا الملك الكبير وهذا العز المنيف، وشرفهم بما وهبهم من الرتب العالية، وهم أصل للرفعة والتشريف، وخصهم بمكارم الأخلاق ونزاهة الأقدار، وجعلهم بهذا القطر رحمة للعباد، وأخمد بشوكتهم نار الفتنة والعناد، فسلكت بهم السبل وأمنت بهم البلاد، لطفا منه سبحانه بهذه الأقطار، نسأل الله .. أن يبقى جنابهم السعيد عاليا على كل جناب، وأن يخلد الملك فيهم على مرور الدهور وانقضاء الأعمار ..).
وبعد هذه المقدمة العامة التي تخص الترك وحكمهم انتقل القالي إلى موضوعه الرئيسي وهو مدح الباشا نثرا أيضا والدعاء له ولدولته بالنصر والتمكين، وأخيرا تخلص إلى غرضه وهو طلب الإعانة والعطايا، وهذه عباراته في هذا الصدد (.. وبعد، فإن الله تعالى من على المسلمين بسيدنا ومولانا سلطان الملوك والأكابر، المخصوص بأفضل الشمائل والمأثر، الإمام العادل، السلطان الفاضل، العالم العامل، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، الذي أطلعه الله في سماء الجلالة بدرا، ورفع له في درجات الأمراء قدرا، وأجرى له على ألسنة الخلق ثناء جميلا وذكرا، فأصبح الدين مبتهجا بكريم دولته، وجناب الكفر مهتظما بعظيم صولته، مولانا وسيدنا محمد خوجا الدولاتلي (١)، أبقى الله تعالى أيامه، وأصحب النصر والتمكين ألويته وأعلامه، وهو نصره الله، أجل من استعين به فكان خير معين، وأعطى مفاتيح فتلقاها باليمين، وأفضل من امتثل قوله ﷺ : من فرج على أخيه المؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عليه كربة من كرب
الآخرة، إلى غير ذلك من الأحاديث النبوية والآيات القرآنية، حسبما أحاط به
стр. 705
علم مولانا، نصره الله، من مروي ومنقول. .) (١).
ورغم غلبة السجع، فإن عبارة القالي سهلة واضحة، ويظهر على أسلوبه التأثير السياسي والديني، فإذا نظرنا إلى الألقاب وأوصاف الملك نجد القالي متأثرا بالجو السياسي للعصر، رغم أن الباشا لم يكن سلطانا هكذا وإنما السلطان هو خليفة المسلمين في إسطانبول، ولعل ذلك منه كان بقصد المبالغة لا الجهل، أما التأثر الديني فيظهر من عبارات الأدعية والتضمين التي وردت في نص الرسالة، ومن الغريب أن محمد بكداش الذي حرك مشاعر القالي وأطمعه في ماله وإحسانه، كما حرك وأطمع غيره من الكتاب والشعراء، لم يحكم الجزائر أكثر من ثلاث سنوات لم تكن كلها استقرارا وأمنا، ولا ندري ماذا سيكون عليه حاله عند الكتاب والشعراء لو ظل في الحكم مدة أطول.
ونصل الآن إلى ما أسميناه بالرسائل الرسمية أو الديوانية، والواقع أن سيطرة اللغة التركية على الإدارة في الجزائر قد جعلت الرسائل العربية لا تظهر إلا في النادر، وهي إذ تظهر لا يراعي فيها الإجادة بقدر ما كان يراعي فيها التوصيل والفائدة، وكانت أحيانا تأتي متكلفة ركيكة لأن أصحابها كانوا يحاولون ما ليس من شأنهم بطريقة تذكر المرء بما كان يفعله باللغة العربية بعض المستعربين الفرنسيين أو المتفرنسين الجزائريين أثناء العهد الفرنسي، حقا إن بعض الباشوات قد اتخذوا لهم كتابا عربا يحذقون اللغة، كما فعل يوسف باشا ومحمد بكداش باشا، وحقا أيضا أن بعض البايات قد وظفوا بعض الأدباء والمؤرخين العرب، كما فعل محمد الكبير في معسكر والحاج أحمد في قسنطينة، ولكن الغالب على الإدارة العثمانية في الجزائر اتخاذ التركية في المعاملات والوقائع الرسمية، وبذلك أضرت باللغة العربية إضرارا شديدا وحرمتها من ميدان هي به أولى، ولذلك لا نجد من الرسائل الديوانية العربية إلا القليل.
стр. 706
ومن هذا القليل ما تبادله يوسف باشا مع محمد ساسي البوني. ففي ذي الحجة من سنة ١٠٥٠ أرسل الباشا رسالة منمقة إلى العالم المرابط محمد ساسي (١) بعنابة حدثه فيها عن عدوله عن حرب الإسبان بوهران والتوجه بدلا من ذلك، إلى قسنطينة وبسكرة لمحاربة المتمردين (ثورة ابن الصخري)، وطلب الباشا من المرابط العمل على جلب طاعة الناس والقيام بدور العلماء في مثل هذه الأحوال باعتباره عالم تلك المدينة والنواحي المجاورة لها، ويبدو من الرسالة أن كاتبها أديب بارع متمكن من صناعة الإنشاء والأسايب البديعية، وهي في ثلاث صفحات، وقد رد محمد ساسي برسالة من عنده طالبا من الباشا العفو على أهالي عنابة ونواحيها، بعد أن تأكد أن الباشا قادم إليها لمعاقبة الثوار والمشايعين لهم، وأخبره بأنه يدعو الله أن يغير من أحوال السوء التي نزلت بالباشا وأبدى له الأسف عما وقع ضده، وناشده الصبر وعدم تصديق ما نقله الناس إليه، كما أخبره أنه لن ينسى وده. ورغم أن رسالة محمد ساسي ليست ديوانية بالمعنى المصطلح عليه فإنها متصلة بهذا المعنى اتصالا مباشرا.
أما الرسالة الثانية الديوانية الصادرة عن الباشا والموجهة إلى محمد ساسي أيضا فهي بتاريخ أوائل صفر سنة ١٠٥١، ردا على رسالة المرابط السابقة، فقد مدح الباشا فيها محمد ساسي بالولاية والصلاح وأخبره أن الرسالة في طلب العفو لأهل عنابة قد وصلته، ونازعه في القول القائل إن العامة لا تعرف المصالح العليا، مذكرا له بأنهم قد استوجبوا النقمة على أنفسهم ما داموا قد ثاروا أو شايعوا الثورة، ولكنه، مع ذلك، سيعفو عنهم استجابة لطلب الشيخ، بشرط أن يقوم هو (محمد ساسي) من جهته بواجبه في تعريف الناس بما يجب عليهم نحو الحاكم ونحو السلطان (٢).
وضمن هذه المجموعة من الرسائل الديوانية توجد رسالة من محمد
стр. 707
بكداش إلى أحمد البوني (١)، حفيد محمد ساسي المذكور، وتاريخ هذه الرسالة هو جمادي الآخرة سنة ١١١٥، ولم يكن بكدارش عندئذ قد تولى الباشوية بل كان ما يزال مسؤولا فقط على خبز العسكر، وقد بدأ رسالته بمدح وإطراء الشيخ والاعتراف له بالعلم والولاية، ثم السؤال عنه وعن أهله وعشيرته، وكان الباشا في الواقع يرد على رسالة وصلته من الشيخ ذكرته، كما قال، بأيام خوال وذكريات عطرات، وفي هذا إشارة إلى أن بكداش كان قد زار الشيخ قبل توليه الحكم، وأخبره أيضا أنه أطلع علماء مدينة الجزائر على تأليفه وتقاييده فتأثروا لذلك (٢). وتكاد هذه الرسالة تكون من الرسائل الإخوانية، رغم أنها صادرة عن جهة رسمية.
ومهما كان الأمر فإن هذه الرسائل جميعا تعتمد النثر المسجوع وتضمن النص آيات قرآنية وأحاديث نبوية وأخبارا تاريخية وأحيانا بعض الأبيات الشعرية إما من نظم الكاتب أو من محفوظاته الخاصة، كما أنها تهتم بالمحسنات البديعية بكثرة، واستعمال التلغيز والتلميح والتورية، وتسير على طول المقدمة أو الديباجة والتفنن فيها بصفة خاصة، والدعاء للمرسل إليه، ونحو ذلك من الأساليب الإنشائية التي لم تكن بدعا في حد ذاتها.
وقد عثرنا على رسالة ديوانية تعود إلى سنة ١٠٦٤ فوجدناها رسالة أدبية قوية، رغم أنها مغرقة في التكلف والصنعة، وكاتب الرسالة هو المحجوب الحضري (٣) على لسان الباشا عثمان (٤) إلى سلطان المغرب
стр. 708
عندئذ، وهو محمد بن الشريف صاحب سجلماسة، وموضوعها هو العتاب الشديد لمحمد بن الشريف على إثارته أهل تلمسان وندرومة والأغواط وغيرهم ضد العثمانيين، وجاء في الرد المغربي التعريض (بالأعلاج) وهم الترك. والذي يهمنا هنا ليس موضوع الرسالة، لأن ذلك في الواقع يهم المؤرخين بالدرجة الأولى، ولكن يهمنا منها الأسلوب الذي كتبت به. انظر إلى هذا التصنع في العبارات وطول الجمل وكثرة الإضافات وتصيد الألفاط الناشزة (سلام عليكم ما رصع الجفان سموت البحور، ولمح الجواهر الحسان على أزهار رياض النحور، ورحمة الله تعالى وببركاته، ما أساغت محضر الجلال ذكاته، فقد كاتبنا كم من مغنى غنيمة الظاعن والمقيم والزائر، رباط الجريد، مدينة الجزائر، صان الله من البر والبحر عرضها، وأقر من زعازع العواصف أرضها، إلماعا لكم، معادن الرياسة، وفرسان الغابة والعيافة والفراسة، فضلا عن سماء صحا من الغيم والقتام جوه، وضحى نشرت عليه الوديقة وشيها ففشا ضوه. . إن شؤون المملكة التي يتوارى عن مكنونهم أمرها).
ثم فصلت الرسالة أحداث مستغانم وتلمسان وندرومة والأغواظ ومازونة، ووصفت بإسهاب (الإيالة العصمانية) وقوتها، وفي آخرها أشارت إلى أن الباشا عصمان قد أرسل إلى المغرب عالمين وقائدين عسكريين لفتح المفاوضات وربط العلاقات، (إننا قد شيعنا نحوكم أربع صحاب، تشرق بمجالستهم الخواطر والرحاب، الفقيه الوجيه سيدي عبد الله بن عبد الغفار النفزي والسيد الحاج الأبر محمد بن عبد الله الحضري المزغناي المغراوي، واثنين من أركان ديواننا وقواعد إيواننا، أتراك سيوط (؟)، وغاية غرضنا منكم جميل الجواب، بما هو أصفى وأصدق جواب) (١).
стр. 709
والذي يقارن بين رسالة الجزائر والرد المغربي عليها يلاحظ أن الرسالة المغربية أجمل أسلوبا وأسلس عبارة، مما يبرهن ربما على أن الكتابة الديوانية في الجزائر عندئذ أضعف منها في المغرب.
ومن الرسائل الديوانية أيضا الرسالة التي بعث بها حسن باي وهران، إلى حسين باشا، فقد أخبره، بأسلوب أدبي رفيع، عما غنمه الرايس علي البوزريعي من غنائم في المحيط الأطلسي حيث استولى على ثلاث سفن للنصارى واحدة محملة بالقهوة والثانية بالقماش والثالثة بالعطور، كما أسر عددا من الملاحين والركاب. ورغم أن الرسالة بدون تاريخ فإن المعروف أن حسين باشا قد تولى سنة ١٢٣٣، فهي إذن من إنشاءات آخر العهد العثماني. وكذلك يقال عن رسائل الحاج أحمد باي قسنطينة إلى حسين باشا أيضا، ومنها تلك الرسالة التي فصل له فيها الهدية الخاصة التي وجهها إليه وهي: قافلة تمر وزيتون (على حسب العادة، والطريقة المعتادة)، وفرسان أحدهما أحمر والثاني أزرق، وبرنوسان جريديان وبرنوسان من حرير السوستي وقندورة مجعبة بالحرير. كما أخبره فيها بالهدية الأخرى (عوائد أرباب دولتك السعيدة)، وهذه الرسالة أدبية إدارية. وفي رسالة أخرى له أخبره بأحوال الرعية في أقليمه وانتصاراته على الثوار في الأوراس، كما استشاره في عدد من القضايا والأشخاص، ويهمنا من هاتين الرسالتين، بالإضافة إلى رسالة الباي حسن، كون الإدارة العثمانية الإقليمية كانت تستعمل اللغة العربية في مراسلاتها مع الحكومة المركزية، وأن بايات الأقاليم كانوا يوظفونالكتاب العرب في دواوينهم (١).
стр. 710
وهناك العديد من الرسائل الإخوانية بعضها قد فقد نصه ولم تبق إلا الإشارات إليه في التراجم ونحوها، والبعض الآخر ما زال موجودا لحسن الحظ. وممن اشتهر بين معاصريه بكثرة المراسلات مع غيره: أحمد المقري وعبد الكريم الفكون وأحمد بن عمار من الأدباء، بالإضافة إلى علماء آخرين تغلب عليهم الفقه أكثر من الأدب، أمثال عيسى الثعالبي وعبد القادر المشرفي وسعيد قدورة وابن العنابي. فقد كان الأدباء يتبادلون الرسائل في أغراض شتى كإعراب مسألة، والإخبار بكتاب ألف، والتعزية في فقيد، والتهنئة بحادث سعيد، والاعتذار، وحل لغز أدبي، والتوصية على قريب أو صديق، ونحو ذلك من الأغراض الاجتماعية، وكانوا في العادة يضمنون رسائلهم النثرية بعض الشعر من البيت إلى الأبيات، ويتنادرون ويظهرون براعة الحفظ، وأحيانا كانوا يجاملون بعضهم البعض فيكتفون بالثناء والإطراء على النقد وإظهار الحق.
وكانت لعبد الكريم الفكون مراسلات مع عدد من علماء عصره، منهم الجزائريون وغير الجزائريين، فقد ذكر هو أنه كان يتراسل مع سيد قدورة وأحمد المقري ومحمد تاج العارفين العثماني وإبراهيم الغرياني التونسي، وغيرهم، وأورد المقري في (نفح الطيب) رسالة بعثها إليه عبد الكريم الفكون من قسنطينة سنة ١٠٣٨، وهي الرسالة التي أخبره فيها الفكون أنه متجه إلى الله هروبا من نفسه الأمارة بالسوء، وقد علق المقري على ذلك بأن الفكون (مائل إلى التصوف، ونعم ما فعل). وفي رسالة الفكون ما يشير إلى تبادل الرسائل بينه وبين المقري قبل ذلك، فقد أضاف الفكون إلى رسالته المسجوعة تسعة أبيات على وزن وقافية الأبيات التي ذيل بها المقري رسالته إلى الفكون، مع الاعتذار بأنه ليس من أهل هذا الفن، كما أخبر الفكون زميله بأنه ينوي وضع شرح على منظومة (إضاءة الدجنة) للمقري في علم الكلام ووعده بأن يحمل الشرح معه عند حجة العام الموالي، وأنه مشتاق لزيارة الحرم، واعتذر له عن قلة أبيات الشعر لوفاة زوجه. أما المقري فقد سمى الفكون (عالم المغرب الأوسط
стр. 711
غير مدافع) (١)، ولكن الفكون قد انتقد المقري في كتابه (منشور الهداية) وأورد نموذجا للمراسلات التى دارت بينهما حول إعراب آية (٢).
ومن رسائل الفكون أيضا ما راسل به محمد تاج العارفين العثماني حوالي سنة ١٠٣٧، وتذهب رسالة الفكون إلى أن الدنيا قد كثر فيها الأشرار وكسدت فيها أسواق العلم والعلماء. وهي نغمة تذكرنا بنغمة كتابه (منشور الهداية) الذي كان عندئذ يجمع مادته، فالرسالة إذن من الأدب الوعظي، وهي طويلة تقع في ثلاث صفحات، وفيها الكثير من قدرة الفكون الأدبية واللغوية والدينية، ورغم أنها بدون تاريخ فإنها تكون قد كتبت حوالي سنة ١٠٣٧، كما ذكرنا، لأن تاج العارفين قد كاتبه في هذه السنة، ويبدو أن الرجلين لم يلتقيا وجها لوجه، ذلك أن الفكون يشير في (منشور الهداية) إلى أن تاج العارفين قد جاء إلى الجزائر سنة ١٠٣٧، رفقة العالم إبراهيم الغرياني القيرواني للصلح بين حكومة تونس وحكومة الجزائر بعد الحرب التي دارت بين الطرفين، فراسله العالمان التونسيان من قصر جابر، وقد أورد الفكون نص رسالة تاج العارفين، وهي منمقة متكلفة، ورسالة الغرياني وهي أيضا نثرية - شعرية، ومن حسن الحظ أننا عثرنا على رسالة الفكون إلى تاج العارفين (٣).
ورغم تميز عيسى الثعالبي بالحديث والفقه فقد كان يجيد النثر الأدبي والشعر. فقد كاتبه العياشي المغربي ذات مرة بقصيدة جعل لها مقدمة نثرية، فرد عليه الثعالبي بنفس الأسلوب، وجاء في نثره ما يلي: (الحمد لله، يقول كاتب الأحرف المسمى نفسه آخرا أن صاحبنا الأديب البليغ الناظم الناثر ريحانة الآداب وواسطة الأحساب سيدي ... العياشي، وصل الله إكرامه، وبلغه من محمود المقاصد مرامه، خاطب العبد الفقير بقصيدة متمكنة
стр. 712
الأعجاز والصدور، مسبوقة بأسجاع متناسقة ولا تناسق القلائد في النحور على الصدور، فجرى قلم فكري الفاتر وذهني القاصر، شاكرا لفضله بهذه الأبيات المتأخرة عن مباراة الصاحب الأرضي، البائنة عن صوب معاقد البلاغة إن لم تنظر بعين المسامحة والإغضا) (١). ولا شك أن التكلف ظاهر في هذه السطور وروح الدين فيها أوضح من روح الأدب، ولكنها مع ذلك قطعة تعطي فكرة تداخل الأدب والدين في النثر.
وفي رحلة ابن حمادوش نص رسالة تعزية عزاه بها المفتي محمد بن حسين عند وفاة أحد أبنائه، وقد اعتذر المفتي عن عدم حضور الجنازة شخصيا، وضمن رسالته آيات قرآنية وأحاديث نبوية في الحث على الصبر والتحمل عند الفجائع، والرسالة مسجعة ولكنها غير ثقيلة ثقل بعض القطع النثرية عندئذ، ومما جاء فيها قول المفتي (فقد بلغنا ما أحار الأذهان وأشجاها، وأطار النور من الأجفان وأبلاها، وأضرم لواعج الأشواق، وأذكى زواعج الاحتراق، بالذي صدع أعشار القلوب، وأفاض على صحن الخد الدموع من الغروب .. حتى أدركتني محنتك وموت ولدك فأخذتني الصدمة، وهيجت لي المحنة، فلقد رمانا الدهر بسهام صروفه فأصمانا، وتعهدنا خطبه فهذ عروشا وأركانا، فاصبر له صبر الأجواد، إنما صبر الكريم على الرزيه أجمل ..) (٢)، فجملة ابن حسين خفيفة وأسلوبه في الجملة جيد، وكان في رسالته يقارن بين محنته (التي لم يذكرها) ومحنة ابن حمادوش في وفاة ولده.
وقد اطلعنا على رسالة قاضي معسكر، محمد بن شهيدة، إلى ابن سحنون مؤلف (الأزهار الشقيقة) فوجدناها رسالة أدبية جيدة، ولكننا للأسف لم نأخذ منها نصا، كما اطلعنا على مخاطبة أحمد بن هطال لنفس المؤلف (٣)، وإذا كنا متأكدين من أن رسالة ابن شهيدة تدخل في باب النثر
стр. 713
الفني بدون منازعة، فإننا غير متأكدين من رسائل عبد القادر المشرفي التي وجهها إلى الحبيب الفيلالي، فلا ندري هل هي رسائل أدبية أو تاريخية أو فقهية (١)، ولا بد من الإشارة إلى رسالة أحمد بن عمار التي وجهها إلى أستاذه وصديقه المفتي ابن علي (٢) وقد تبادل محمد بن رأس العين ومحمد سعيد الشباح الرسائل الإخوانية الأدبية، كما اشتهر محمد بن عبد المؤمن بتجويد الرسائل.
ولعل فيما ذكرناه من النماذج للرسائل الديوانية والإخوانية كفاية في توضيح الصورة التي نحن بصددها. فالأدب الجزائري غني بهذا النوع من التعبير، ونعتقد أن ما ذكرناه من الرسائل ومصادرها، سيكون حافزا للدارسين الآخرين على المضي في طريق البحث والاستزادة.
الوصف:
وهناك لون آخر من النثر الأدبي، ونعني به الوصف، وصف مظاهر الطبيعة أو وصف القصور والمدارس ونحو ذلك من المنشآت البشرية، أما وصف المرأة فالغالب أنه كان بطريق الشعر لا النثر، ويدخل في الوصف أيضا وصف الكتب والخيل وغيرها من الحيوانات، ووصف القوافل والمدن، ويمكننا أن نضيف إلى هذا اللون الوصف المعنوي كوصف المشاعر الإنسانية عند الحج، ووصف أثر نكبة من النكبات على الإنسان، أو الحديث عن معركة طغى فيها الحس الديني، إلى غير ذلك، فالمقصود بالوصف هنا الوصف الحسي والمعنوي، ولكن القليل فقط من الكتاب الجزائريين لجأوا إلى الوصف بالنثر للتعبير عما كان يختلج في أنفسهم من المشاعر.
وأبرز من عالج هذا الموضوع أحمد بن عمار، فقد وصف مشاعره
стр. 714
الذاتية عند اعتزامه أداء الحج سنة ١١٦٦ فأجاد الوصف بأسلوبه المحكم المعهود، ومن ذلك قوله في هذا الصدد: (لما دعتني الأشواق، النافقة الأسواق، إلى مشاهدة الآثار، والأخذ من الراحة بالثأر، وأن أهجر الأهل والوطن، وأضرب في عراض البيد بعطن، وأن أخلع السالين الساكنين الكرى، وأمتطى ظهر السهر والسرى، لبيت داعيها، وأعطيت كريمة النفس ساعيها، علما مني أن ليس يظفر بالمراد، من لم يتابع الإصدار للإيراد .. ولما انبرى هذا العزم وانبرم، والتظى لاعج الشوق وانضرم. شرعت إذ ذاك في المقصود، وأعددت طلسم ذلك الكنز المرصود، وأخذت في أسباب السفر. وكثيرا ما كان يصدر عني في هذه الحالة من المقطعات الشعرية، والموشحات السحرية، والمراسلات الشحرية، والتقريضات (كذا) الزهرية، ما تثيره الأشواق الغالبة .. فأحببت أن أدخل ذلك كله في خبر الرحلة. ولما شرعت في التقييد والجمع)، لما يجتليه البصر ويتشنفه السمع، عزمت على تسمية ما أسطره بنحلة اللبيب بأخبار الرحلة إلى الحبيب) (١).
ومن الممكن مقارنة وصف حالة ابن عمار النفسية بوصف الورتلاني لحالته أيضا عند نفس المناسبة، فقد أديا الحج في سنة واحدة، وهذه بعض عبارات الورتلاني في ذلك: (وبعد، فإني لما تعلق قلبي بتلك الرسوم والآثار، والرباع والقفار والديار، والمعاطن والمياه والبساتين والأرياف والقرى والمزارع والأمصار، والعلماء الفضلاء والنجباء والأدباء من كل مكان من الفقهاء والمحدثين والمفسرين الأخيار، والأشياخ العارفين والأخوان المحبين المحبوبين من المجاذيب المقربين والأبرار، من المشرق إلى المغرب سيما أهل الصحو والمحو إذ ليس لهم من غير الله قرار، أنشأت رحلة عظيمة يستعظمها البادي، ويستحسنها الشادي، فإنها تزهو بمحاسنها عن كثير من كتب الأخبار، مبينا فيها بعض الأحكام الغريبة، والحكايات
стр. 715
المستحسنة والغرائب العجيبة وبعض الأحكام الشرعية) (١). ومن الملاحظ أن ابن عمار قد استخدم السجع عند الحديث عن النفس والمشاعر الشخصية وفي الحديث عن الأدب والعواطف، ولكنه عمد إلى النثر المرسل عند الحديث عن القضايا الدينية وعن التفسير ونحو ذلك، وكان الورتلاني أيضا يسجع ويتكلف تنميق عبارته في مقدمة أعماله ويسترسل فني غير ذلك، ولكن شتان بين أسلوب الرجلين فى هذا الباب.
أما الوصف الحسي فقد وجدنا لابن عمار أيضا قطعة جميلة يصف فيها قصرا، هو قصر ابن عبد اللطيف بالعاصمة، الذي ما يزال قائما إلى اليوم، وقال ابن عمار إن الوزير الكاتب أحمد بن عبد اللطيف قد استدعاه إلى صنع ما صنعه كسرى أنو شروان، فقضى فيه سهرة ممتعة قلما يجود بها الدهر، مع زملاء آخرين من أعيان البلاد، وقد جمع ابن عمار، كعادته أيضا، في هذا الوصف بين النثر والشعر، ومدح فيه آل عبد اللطيف بالعلم والثروة والجاه والوزارة، ومما جاء في وصف القصر نثرا قوله: (فاحتللنا قصرا وما أدراك من قصر، تقابل الوصف أوصافه بالحبس والقصر، وتعبث محاسنه بالزهراء والزاهرة، وتشرف شرفاته على النجوم الزاهرة، وتزهو بدائعه على الزاهي والدمشق، وتلهو مقصوراته بقصور العراق ودمشق ..) ثم وصف انفساح عرصاته ووفرة الأرائك والمنصات والزرابي والدسوت والفرش والأكواب والفاكهة، وقال إنهم ظلوا في القصر حتى الصباح، يغازلون القدود والبدور الملاح، وكان السرور يغمرهم بحمياه وقد أرخى عليهم الليل سدوله وأداروا الكؤوس ومقطر الورود. وكان الحاضرون لهذه الحفلة (لمة من الأعيان، تهابهم القلوب وتجلهم الأعيان) فيهم رجال الأدب والعلم وفيهم أهل الراية والحرب، وقال إنهم قطعوا هناك ليلة أنس قصيرة ولكنها كانت في الفخر ليلة طويلة، وأضاف ابن عمار إلى هذا الوصف، الذي يبلغ صفحة على الآلة الكاتبة، قصيدة طويلة من جيد ما نظم، ومطلعها:
стр. 716
وليلة أنس لذ فيها جنى السمر ... فناهيك من أنس جنيناه بالسهر (١)
وفي هذا الوصف جال ابن عمار في فنون الأدب والبلاغة وتحمل كل ما يستطيع ليبدو وصفه قطعة نثرية نادرة المثال، فحلاه بالمحسنات البديعية ونمقه بالسجع، وإذا كان في غير هذا الوصف ينسج على منوال ابن الخطيب والفتح بن خاقان، فإنه في هذا الوصف حاول التفوق عليهما، وقد سمى هو نفسه قصائد ابن الخطيب الميمية والسينية والنونية إلى السلطان أبي حمو (العقائل الثلاث) وقال عن شعر ابن الخطيب (شعره كله، ما بعده مطمع لطامع)، ووعد في رحلته أنه سيلم عن ابن الخطيب (بشيء من أخباره، ونتف من أشعاره، وشذرات من نثره المزري بالروض وأزهاره) (٢)، وانتقد ابن عمار التنسي الذي قال إن ابن الخطيب قد قلد في سينيته أبا تمام.
وقد قيلت أشعار مختلفة في وصف الآثار والأبنية في الجزائر العثمانية سنعرض إليها، ولكن النثر لم يسجل ذلك إلا قليلا. فهناك منشآت الباي محمد الكبير، ومنشآت صالح باي، وقصر الباي الحاج أحمد، ومدارس العاصمة، بل حتى الأضرحة والزوايا والقناطر، وكان بعض هذه المنشآت يثير الشاعرية أكثر مما يثير قدرة الكتاب على الوصف الأدبي، فقد قيل عن قصر أحمد باي أنه كان أهم وأحدث بناية في قسنطينة، تحيط به الحدائق الغناء والحمامات والباحات، ويضم ثمانية أجنحة يقود بعضها إلى بعض في تناسق محكم، وكان يثير الدهشة والإعجاب برشاقة وقوة ونصاعة هندسته المحلية، وقد ضمت حدائقه ألوان الأشجار المثمرة، وترقرقت فيه المياه، واختلط فيه خرير الماء من الفوارات بزئير الأسود في الأقفاص، حتى أن بعض الكتاب تخيل عندما دخله أنه كان في أحد قصور خلفاء
стр. 717
بغداد (١)، ومع ذلك فلا نعرف أن أديبا قد وصفه نثرا وإنما وجدنا في وصفه أبياتا قليلة من الشعر سنذكرها في مكانها.
ومن المؤكد أن أدباء الجزائر قد تناولوا وصف الرياض والدنان والقصور والحيوانات بالنثر أيضا، وإذا كان جهدهم في هذا الباب قليلا، وإذا كنا لم نطلع على الكثير منه، فليس معنى هذا أنهم لم يحفلوا به، ولا نخال أدباء مثل ابن رأس العين وابن علي وابن ميمون وابن سحنون وابن عمار والمقري لا يسجلون انطباعاتهم في مظاهر الطبيعة والمجالس الإخوانية والمشاعر الإنسانية عند الحل والترحال، ولكن علينا أن نجد في البحث عن آثارهم لا أن نحكم بعدم وجودها ونخلد بعد ذلك إلى الراحة.
الخطابة:
تعتبر الخطابة من أبرز فنون النثر في الأدب العربي، وكانت ميادينها وأغراضها متعددة، تشمل الدين والسياسة والاجتماع والعسكرية ونحو ذلك، وقد ألفت في ذلك الكتب مع وصف دقيق للخطيب وشروطه وفن الخطابة وشروطها أيضا، وقد عرف الجزائريون هذا النوع الأدبي عندما كان ساستهم يتحدثون لغة المواطنين ويحذقونها، وعندما كان علماؤهم متمكنين من قواعد اللغة متمرسين على استعمالها منذ نعومة الأظفار، فإذا ارتجلوا بها القول أجادوا مع رباطة جأش وفصاحة لسان وقوة كلمة.
ولكن مع مجيء العثمانيين انحصرت الخطابة في ميدان واحد تقريبا وهو الجامع، ذلك أن الساسة كانوا، كما عرفنا، غرباء عن البلاد وأهلها وعن اللغة التي يفهمها ويتحدث بها الناس، فلا نجد باشا من الباشوات نهض يخطب في الناس لا خطبة جمعة ولا خطبة استثارة للجهاد ونحوه (٢)، ولا
стр. 718
نجد بايا من البايات قد خطب في رعيته يستحثهم على عمل أو يثير حماسهم لفكرة. كان الباشوات والبايات يتوارون عن الناس فلا يحدثونهم ولا يخرجون إليهم، فقد يبقى الحاكم ما يبقى فلا يعرف الناس وجهه ولا شكله ولا يسمعون له صوتا ولا يخرج إلا غازيا أو إلى قبره، بعد أن يكون خصومه قد تخلصوا منه سريا بالخنق ونحوه، حتى التولية والعزل لا يعرف المواطنون عنها شيئا ولا شأن لهم بهما، فتولى الباشا أو الباي أو عزلهما كان يتم في الخفاء وبلغة لا يفهمها الشعب ولا يعرفون أن الأمر قد انتهى بحل من الحلول إلا براية ترفع وأخرى تخفض، فالكلمة السياسية إذن لم تكن معروفة في الجزائر العثمانية، فما بالك بالخطبة في هذا الميدان.
أما صلة الوصل بين الحاكم والشعب فاثنان: الجندي الجاهل بسلاحه المرعب وقسوته المتناهية وشرهه الذي لا يعرف الحدود، والمرابط الذي كان يقوم غالبا بدور المسكن للخواطر والجالب للرعية نحو الحاكم بأساليبه الصوفية والدينيا المتعارف عليها. وبالإضافة إلى ذلك كان هناك بعض شيوخ القرى وقواد النواحي، ولكن حظ هؤلاء كان في أغلب الأحيان هو الجمع بين قسوة الجندي وحكمة المرابط. حقا إن المصادر تحدثنا أن بعض البايات قد استخدموا الطلبة في المناسبات الحربية وجعلوا على الطلبة بعض القضاة والعلماء وكونوا بذلك فرقا محاربة ضد العدو، بينما كان دور القضاة والعلماء هو الإشراف والقيادة والتوجيه المعنوي والإثارة، فهل كان هؤلاء العلماء القواد يخطبون على جنودهم الطلبة في الميدان ليحرضوهم على القتال؟ ذلك ما لا تحدثنا عنه المصادر الموجودة، ولكن أغلب الظن أنهم كانوا يفعلون ذلك (١).
стр. 719
فإذا أبعدنا عن الخطابة الميادين السياسية والعسكرية فإنه لم يبق أمامها إلا الميادين الدينية والاجتماعية، ولا شك أن هذه الميادين ظلت مفتوحة أمام الخطباء في العهد العثماني، فالمناسبات الدينية والاجتماعية كثيرة، وعلى رأسها صلاة الجمعة والعيدين. بقي علينا إذن أن نعرف الخطيب، والخطيب من حيث المبدأ هو أحد العلماء المعروفين بالعلم واللسان، ولكن هذا الشرط لم يكن دائما متوفرا، فهناك خطباء كان يغلب عليهم العي حتى كانوا ينيبون غيرهم للقيام بمهمتهم، وهناك من كان الناس يشكون من عدم إبانته وعدم أهليته لهذه المهمة الجليلة (١)، وبالإضافة إلى العي وعدم الأهلية كان هناك الجهل الذي تحدثنا عنه في مناسبات أخرى، فقد كانت الخطابة عبارة عن وظيفة يتولاها أحدهم لكي يكسب من ورائها مالا وعيشا وسمعة، لذلك كان القليل فقط من العلماء هم الذين شرفوا هذه المهمة السامية ووفوها حقها.
ومع ذلك فإن الخطابة كانت تعتبر وظيفة من أعظم الوظائف في الدولة، ذلك أن صاحبها كان يجمع إليها الإمامة، وقد يكون من المفتين أيضا، وتحدثنا المصادر، ولا سيما تلك التي تناولت حياة العلماء، مثل (تقييد) ابن المفتي و (منشور الهداية) للفكون، عن جملة الخطباء الذين زانوا الخطبة وقاموا بها أفضل قيام كما تحدثنا عن نماذج أخرى شانت الخطبة وحطت من قيمتها. ومهما كان الأمر فإن معالجة هذه النقطة بالذات عند النقاد والكتاب عندئذ تبرهن على أهمية الخطابة في وقتهم، فهم إذا رضوا عن أحد العلماء مدحوه بجودة الخطبة والبراعة فيها وذلاقة اللسان وحسن السمت، وإذا سخطوا عليه عابوا عليه النقص في ذلك. فهذا مصطفى بن عبد الله البوني قد اشتهر بحذق الخطابة وإتقانها حتى زعم من حضره أنه لم ير أفضل منه في ذلك من الجزائر إلى مكة، وهذه عبارة محمد بن ميمون فيه (يبتدع الخطب جارية الفقر .. صدرت له في هذا النوع عجائب أفردته في صنعة الخطابة، وله في الخطب الساعد المشتد، والإلقاء الذي تميل إليه
стр. 720
الهوادي وتمتد، والسكينة التي تحدق إليها الأبصار فلا ترتد، ولم أر منذ عقلت بسني، وعلقت خطباته بذهني، أحق منه في طريقة الوعظ والخطابة والإمامة، ولا رأيت من شيوخنا من يتقدم أمامه، لا جرم أنه استحوذ عليها، صناعة استوفى شرطها واستكمل أسبابها ... وكذلك هو في وعظه آية من آيات فاطره ... زعم من رآه أنه لم يسمع من حضرة الجزائر إلى أم القرى أخطب منه ولا من يدانيه إلا واحد من الأفاضل، لم يكن له بمماثل، وإنما كان قريبا من أسلوبه ..) (١).
ولا شك أن الجزائر قد عرفت عددا من هؤلاء الخطباء أمثال سيد قدورة وسعيد المقري وأحمد المقري وعبد الكريم الفكون وأحمد بن عمار، ولكن خطبهم غير مدونة، فنحن لا نعرف من الخطب المدونة سوى مصدرين حتى الآن، الأول خطبة أو مجموعة خطب منسوبة لأحمد المقري (٢)، والثاني مجموعة خطب لعبد الكريم الفكون. فقد ذكر الفكون نفسه أنه هو الذي كتب أول خطبة جمعة للشيخ أحمد بن باديس ثم أضاف (وهي مذكورة مع جملة الخطب التي ألفت في غير هذا) (٣)، ولكننا لم نطلع على نصوص هذه الخطب لنعرف قيمتها الأدبية واللغوية وأسلوبها، ويفهم من كلام منشئها أنها خطب وعظية بلاغية إذ قال عن الخطبة المذكورة (ضمنتها التوبة وقبولها وإنعام المولى بها عن العباد، فجاءت حسنة بليغة في معناها).
وكانوا يتفنون في هذه الخطب فلا يكتفون بالكلام المسجع أو المرسل، بل كانوا يضيفون إلى ذلك بعض القيود ومحاولة التأثير بها على السامعين، فقد قيل إن سعيد المقري كتب خطبة عارض فيها خطبة القاضي عياض التي ضمنها التورية بأسماء سور القرآن الكريم، وتبدأ خطبة المقري،
стр. 721
التي يبدو أنها خطبة جمعة أيضا، هكذا (الحمد لله الذي افتتح بفاتحة الكتاب سورة البقرة ليصطفي من آل عمران رجالا ونساء وفضلهم تفضيلا) (١) وهي خطبة مسجعة ويظهر عليها التكلف في أغلبها، وقد كان سعيد المقري خطيبا وإماما في تلمسان مدة طويلة، كما عرفنا (٢).
القصص والمقامات:
لم يشع في الأدب الجزائري ما يسمى بالأدب القصصي إلا قليلا، وتذكر المصادر أن الأدب الشعبي كان غنيا بالحكايات والقصص التاريخية البطولية أو الملحمية، ولكنها كانت شفوية، ولا يوجد من المكتوب منها إلا القليل النادر، وكانت تستوحي موضوعاتها من التاريخ الإسلامي والعربي وألف ليلة وليلة، وعنتر بن شداد وسيرة بني هلال، وحتى من تاريخ الجزائر في العهد العثماني. ومن هذا الأخير قصة غرام عروج بربروس مع زافرة زوج سليم التومي، فقد وجد بعض الباحثين نسخة خطية من هذه القصة عند أحد المرابطين، وهو أحمد بن حرام (لعله هارون)، ولكننالا ندري ما إذا كانت لغة هذه القصة فصيحة أو عامية (٣)، وكانت رواية القصة الشعبية على النحو الذي أشرنا إليه نوعا من الترفيه الاجتماعي، وكان أداؤها يجمع بين المسرحية أو التمثيلية والحكاية، وكان المؤدون لها، سواء اعتبرناهم ممثلين أو رواة، يؤدونها في الساحات العامة أو في المقاهي أو في خيام خاصة، وهم في ذلك يصعدون على منصة أو يتصدرون الحلقات والجماعات ويحكون للسامعين بأسلوبهم المؤثر المليء بالمبالغات ما جرى لأبطالهم من
стр. 722
مغامرات وأهوال وانتصارات، وبعد الانتهاء من أداء هذا الدور تجمع التبرعات المالية (١).
ومما يؤسف له أن المصادر المحلية قليلا ما تعرضت أو سجلت هذه الظاهرة الفنية الاجتماعية، فكأن هذه المصادر كانت مترفعة عن تسجيل مثل هذه الآثار الشعبية، فهي لا تسجل إلا أعمال الولاة وأهل الدين والعلماء والأغنياء ونحو ذلك، ولكن الشعراء الشعبيين قد تركوا في أزجالهم وقصائدهم الملحونة تسجيلا لهذه الظاهرة، وسنعرف بعض ذلك منهم في فصل الشعر، وحسبنا أن نذكر في هذا الفصل أن الموضوعات التي كانت تطرقها القصة الشعبية كانت تعرض أصبحابها إلى غضب السلطة أحيانا، لأن أصحابها كانوا يتحدثون أيضا عن الحرية والوطنية القبلية ومناصرة فريق دون فريق في الخصومات والثورات، بالإضافة إلى الموضوعات المشار إليها والمستمدة من تاريخ العرب والمسلمين، ومع ذلك فإن هؤلاء القصاصين كانوا محبوبين لدرجة أن بعض الضباط العثمانيين كانوا يستدعونهم إلى الأكشاك أو المجالس ونحوها لقص أخبارهم.
فإذا عدنا إلى المصادر النثرية التي تسجل القصص والحكايات الشعبية فإننا لا نكاد نجد من ذلك شيئا (٢)، وأقرب صيغة وجدناها من ذلك هي المقامة. وقد أسهم الجزائريون في هذا الميدان، ولعل أشهر من أسهم فيه منهم قبل العثمانيين هو محمد بن محرز الوهراني صاحب المقامات أو المنامات (٣)، ولكن موضوعات الوهراني كانت مشرقية، لأنه عاش معظم
стр. 723
حياته الفنية في المشرق. ويقرب من ذلك الإنتاج المسمى بالمجالس وبالمرائي الصوفية، على غرار ما فعل محمد الزواوي الفراوسني في (تحفة الناظر) (١)، ويمكننا أن نغامر هنا فننسب ما يحكي عن كرامات الأولياء والصلحاء وما في ذلك من خيال ومغامرات وانتصارات إلى عنصر الحكاية الشعبية النثرية، فإذا صح ذلك فإن الأدب الجزائري إذن سيجد مادة خصبة في الحكايات المعزوة إلى الصالحين والزهاد عن مغامراتهم الروحية (٢).
وأظهر كاتب استعمل المقامة هو محمد بن ميمون (٣) في ترجمته لحياة الباشا محمد بكداش، والغريب أن ابن ميمون قد سمى كتابه في ذلك (التحفة المرضية في الدولة البكداشية في بلاد الجزائر المحمية)، ولم يسمه مثلا المقامات المرضية أو نحو ذلك من التسميات حتى تتسق مع المحتوى، وقد جمع ابن ميمون ذلك في ست عشرة مقامة، وجعل كل مقامة عبارة عن فصل من سيرة الباشا وأعماله، فمثلا المقامة الأولى في نبذة من أخلاقه، والثانية في تعيينه سنجق دار، والثالثة في توليه تقسيم خبز العسكر، والرابعة في توليه الحكم، الخ. ولعل هذه التسمية هي التي جعلت بعض النساخ يكتبون على التحفة عبارة (مقامات ابن ميمون) (٤)، ورغم أن ابن ميمون أديب ماهر يذهب مذهب الفتح بن خاقان حتى أنه عندما حمد الله في المقدمة شكره أيضا على
стр. 724
أن جعل (الأدب ريحانة للشم، وقلد البلغاء قلائد العقيان في النثر والنظم)، فإن عمله أقرب إلى التاريخ منه إلى الأدب، ولذلك فضلنا أن ندرس كتابه في فصل التاريخ، أما النواحي الأدبية من الكتاب فهي شكله وأسلوبه. فقد جعله ابن ميمون على شكل المقامات، والمقامة من أنواع الأدب، كما أن أسلوبه مسجع رقيق، أما عنصر الحكاية والخيال الضروري للمقامة الفنية فيكاد يكون منعدما عند ابن ميمون، لقد حاول أن يجعل كل مقامة عبارة عن وحدة قصصية تخص موضوعا معينا، ولكنه كان مجبرا، وهو يتناول شخصيات تاريخية وأحداثا واقعية، أن يكتب التاريخ لا الأدب وأن يسجل الوقائع لا الخيالات: أليس هو القائل عن كتابه (ولم آل جهدا في تنقيحه، وتأليفه من صادق الخبر وصحيحه، على ما تجده من ألفاظ لغوية، وأنواع بديعية، وأخبار مستلمحة، وكتابات مستملحة)؟ (١)، فاعتماده صادق الخبر ومعاودته تأليفه بالتنقيح هو عين منهج التاريخ.
وأقرب مثل إلى المقامة التقليدية مقامة أحمد البوني المسماة (إعلام الأحبار بغرائب الوقائع والأخبار)، وكان البوني قد كتبها سنة ١١٠٦، وموضوعها هو علاقة العلماء بالسلطة والاستنجاد بصديقه مصطفى العنابي، والشكوى من وشايات أهل العصر، وهي بدون شك تقرب في أسلوبها وطريقتها من أسلوب وطريقة المقامة المعروفة، وفيها كثير من الخيال والإغراب والتهويل، ولكنها مع ذلك تقص أمرا واقعا وتذكر أشخاصا حقيقيين، وتقع المقامة في أربع صفحات، وهي تبدأ هكذا (الحمد لله الذي جعل المصائب وسائل لمغفرة الذنوب، والنوائب فضائل لذوي الأقدار والخطوب، وسلط على الأشراف، أرباب الزور والفجور والإسراف .. وبعد، أيها العلماء الفضلا، النبلاء الكملا، فرغوا أذهانكم، وألقوا آذانكم، وتأملوا ما يلقى إليكم من الخبر الغريب، وما يرسله الله تعالى على كل عاقل أريب، فقد ارتفعت الأشرار، واتضعت أربات المعارف
стр. 725
والأسرار، وانقلبت الأعيان، وفشا في الناس الزور والبهتان، وأهملت أحكام الشريعة، وتصدى لها كل ذي نفس للشر سريعة، بينما نحن في عيش ظله وريف، وفي أهنى لذة بقراءة العلم الشريف .. إذ سعى في تشتيت أحوالنا وقلوبنا، وهتك أستارنا وعيوبنا، من لا يخاف الله ولا يتقيه، فرمى كل صالح وفقيه بما هو لاقيه، واعتد في ذلك بقوم يظنون أنهم أفاضل، وهم والله أوباش أراذل .. وما كفاه بث ذلك في كل ميدان لأنه يسر الشيطان، حتى أوصله لمسامع السلطان، فلم نشعر إلا ومكاتب واردة علينا من جانب الأمير بعزل صديقنا الشهير، من خطة الفتوى، مع أنه ذو علم وتقوى، تحيرنا من ذلكط أشد التحير، وتغيرنا بسببه أعظم التغير ثم نادى منادي السرور، وقال ابشروا برفع السوء عنكم ودفع الشرور .. فقلنا يا هذا أصدقنا الخ) (١)، ورغم
أن البوني كان من العلماء الفقهاء فإن مقامته قد ظهر عليها الطابع الأدبي القوي والعبارة المتينة، ولكنها تظل تفتقر إلى عنصر الرمز والخيال البعيد.
أما مقامات عبد الرزاق بن حمادوش الجزائري فقد جمعت كل ذلك، وهي ثلاث كتبها على ما يظهر وهو في المغرب. الأولى سماها (المقامة الهركلية) وقد وصف فيها بيته التعسة بأحد فنادق مكناس، المسمى فندق الرحبة، وما سمعه من الجلبة والضجيج أثناء الليل الدامس وتشاجر القوم رجالا ونساء، وأثناء ذلك سمع امرأة تطالب جاره بدفع كيت وكيت على ما فعله معها من نكاح، ثم هدأت أعصاب ابن حمادوش ولكنه قرر عدم العودة إلى هذا الفندق الغريب، ونام. وختم المقامة بسبعة أبيات شعرا في نفس المعنى، وتناول في مقامته الثانية حالته عند خروجه من تطوان وتوجهه إلى
стр. 726
مكناس، وقد وصف فيها متاعبه وهدفه من زيارة المغرب بمرافقة اثنين من التجار، والطريق الصعبة التي مروا بها والأخطار التي تعرضوا لها ممن يسميهم العربان، وغرائب ما شاهد أثناء الطريق، أما المقامة الثالثة فقد سماها (المقامة الحالية)، وهي رمزية وصف فيها حالته مع الناس والدنيا والرحلة، وخسارته التجارية ودنو أجله كما قال نتيجة كل ذلك، وكان ابن حمادوش في هذه المقامة يتحدث عن شخص رمزي متعلقا به حبا (ولعله يقصد زوجه)، ومع ذلك سبب له التعب والنكد، وختمها كالأولى بالشعر والدعاء (١).
وهذا نموذج من المقامة الهركلية (الحمد لله، حدى بي حادي الرحلة، إلى أن دخلت في بعض أسفاري هركلة، ودخلت بها في خان، كأنه من أبيات النيران، أو كنائس الرهبان، بل لا شك أنه من أبيات العصيان .. فاختصصت منه بحجرة، فكأنها نقرة فى حجرة. فغلقت بابى، لأحفظ صبابي، وآمن حجابي .. حتى مد الليل جناحه، وأوقد السماء مصباحه، وهدأت الأصوات، وصرنا كالأموات. فلم يوقظني إلا جلبة الأصوات، وتداعى القينات، والتدافع بمنع وهات .. وإذا بجاري بيت، يحاسب (صاحبه) قينة على كيت وكيت، وهي تقول له فعلت كذا وكذا فعله، وتدفع أجر فعله .. فقلت بعدا لهذا الجار، ولا شك أنه بئس القرار، ولبئس الخان، كأنه حان، ثم رجعت إلى هجعتي، وتجاوزت عن وجعتي).
ومن الواضح أن مقامات ابن حمادوش، من الوجهة الفنية المحضة، تعتبر أكمل وأفضل، إذ لا ينقصها عنصر الحكاية ولا الخيال ولا طرافة الموضوع ولا الرمز، ثم إنها تجمع النثر إلى الشعر، والذي يعيبها في نظرنا أن ابن حمادوش من الرياضيين والأطباء، وليس من الأدباء، ولكن يكفيه في هذا الميدان أنه كتب ذلك في الوقت الذي لم يتناول فيه الأدباء المعروفون،
стр. 727
كابن ميمون وابن سار وابن سحنون وابن علي، هذا اللون الأدبي الطريف، وهو المقامة.
...
ونود الآن أن نترجم لأديبين كبيرين تميزا بغزارة الإنتاج والتأثير على المعاصرين، وهنا أحمد المقري من أدباء القرن الحادي عشر (١٧ م) وأحمد بن عمار من أدباء القرن الثاني عشر (١٨ م).
أحمد المقري
لو حاولنا أن نترجم للمقري ترجمة تقليدية لضاق عنه مجال هذا الكتاب، لأن إنتاجه غزير وحياته خصبة وتأثيره كبير، ثم ان هناك دراسات تناول أصحابها حياته وإنتاجه، ولا نريد أن نكرر هنا ما قاله مترجموه عنه هناك، وحسبنا إذن أن نلفت النظر إلى بعض النقط قبل الحديث عن المقري نفسه.
الأولى أننا سنركز في هذه الكلمة عنه على علاقته بالجزائر خلافا للمترجمين الآخرين الذين ركزوا على حياته في المغرب والمشرق، فجعلوه وكأنه لا صلة له بالجزائر وأهلها.
ثانيها أن المصادر التي سنعتمدها عنه هي ما رواه عن نفسه وما رواه عنه معاصروه، سيما عبد الكريم الفكون وعلي بن الواحد الأنصاري، ذلك أن معظم المترجمين، بمن في ذلك محققو كتب المقري، قد اعتمدوا على (خلاصة الأثر) للمحبي، رغم ما فيها من الإعجاب بالمقري والمبالغات.
وثالثها أننا لم نكرر هنا ما قلتاه عنه في فصول سابقة أو لاحقة من هذا الكتاب كدوره في الإنتاج الديني ونحوه.
ولد أحمد المقرى ونشأ وتثقف في تلمسان، وقد ظل وفيا لهذا التكوين الأصلي حتى وهو يتمتع بالجاه والحظوة في القاهرة ودمشق، فبدأ في تأليف كتاب لم يتمه عن تاريخ تلمسان وأهلها سماه (أنواء نيسان في أنباء تلمسان)،
стр. 728
وكان يذكر محاسن تلمسان وجمالها وهو في المغرب والمشرق، وكان يقارنها بفاس ودمشق. وعندما كان في المغرب موفور الكرامة لم يصبر على زيارتها والبقاء فيها عدة سنوات (١٠١٠ إلى ١٠١٣). ولا غرابة في ذلك فهو بالإضافة إلى أصوله العائلية حيث أجداده ووالده، وجمال تلمسان الطبيعي، كان هناك عمه سعيد المقري الذي تحدثنا عن مكانته العلمية، وهو الذي أسهم في تكوين ابن أخيه تكوينا أدبيا موسوعيا بعد أن قرأ عليه سنوات طويلة، ونعتقد أن الفتن التي كانت دواليك بين سكان تلمسان والعثمانين هي السبب في هجرة المقري نهائيا من تلمسان إلى فاس (١).
ورغم وجود كتاب له مثل (روض الآس العاطر الأنفاس في ذكر من لقيته من علماء مراكش وفاس) فإن حياة المقري في المغرب ما زالت مجهولة. حقا ان هناك أشعارا وكناشات تنسب إلى المقري في المغرب وتلقي على حياته هناك بعض الضوء، ولكن هذه المصادر لا تجيب على كثير من الأسئلة المتعلقة بحياته ونشاطه في المغرب (٢)، ويبدو أن طموح المقري كان بلا حدود، ولا يشبهه بين الشعراء والأدباء إلا طموح المتنبي، ألم يقل المقري عن نفسه بعد هجرته إلى المشرق:
ولي عزم كحد السيف ماض ... ولكن الليالي من خصومي
وقد كان معجبا بالمغرب، متوليا فيه الوظائف السامية، كالإمامة
стр. 729
والخطابة والفتوى، وهي وظائف العلماء البارزين في عهده في الجزائر أيضا. وكان بعض سلاطين المغرب يقدمون علماء الجزائر، وخصوصا تلمسان، لأسباب سياسة تتعلق بسياستهم من الدولة العثمانية عموما، والجزائر بصفة خاصة، وإذا كان بعض علماء الجزائر قد سجلوا انطباعهم نحو العثمانيين، معهم أو ضدهم، فإن أحمد المقري لم يسجل، حسب علمنا، انطباعه سواء عندما كان في الجزائر أو عندما كان في المغرب أو حتى بعد أن هاجر إلى المشرق، ولعل من أسباب ذلك أن عالما من أبرز علماء أسرته، وهو عمه سعيد المقري، كان متوليا لوظيفة الخطابة والإمامة والفتوى في تلمسان تحت العثمانيين قرابة أربعين سنة.
ولكن المغرب، رغم طول مكثه فيه، لم يكن في حالة استقرار سياسي، فالنزاعات كثيرة والعلماء كانوا في مقدمة وقود الفتنة إذا وقعت لأن مكانتهم، وخصوصا إذا كانوا في منصب الإفتاء، تجعلهم هدفا لطلب التأييد والنصرة، ولا شك أن المقري لم يكن يغيب عنه ما وقع لبلديه، عبد الواحد الونشريسي في المغرب أيضا، عندما رفض خلع بيعة السلطان، ومقتله على يد أنصار المطالب بالعرش، لذلك عندما أحس المقري بأن الأمور تسير على غير ما يروم ادعى التوجه إلى الحج سنة ١٠٢٧، وبذلك يكون قد قضى في المغرب حوالي ربع قرن، وهي فترة هامة من حياته، ومع ذلك فما تزال غير مدروسة. ويسجل صديقه ومعاصره عبد الكريم الفكون سبب هجرة المقري من المغرب بهذه العبارات. بعد فساد البلاد بتبدل دولها بين أولاد أسيرها، حتى تداعت للخراب ارتحل المقري (يقال إنه عن خوف من الأمير الذي تولى اذ ذاك لكونه (المقري)، فيما يقال، له خلطة بالأمراء والانتماء إلى بعض دون بعض) (١)، ,وقد أشار المقري نفسه إلى هذه الظروف دون أن يفصح عنها بقوله لما قضى الله (برحلتي من بلادي ونقلتي عن محل طارفي وتلادي بقطر المغرب الأقصى) ويشير إلى سماسرة الفتن والأهوال الذين
стр. 730
جعلوا الأمن في المغرب عزيز المنال (١)، والغريب أنه أطال في وصف قصور المغرب وطبيعته واعتبره بلاده ولكنه قلما ذكر أهله.
ومهما كانت أسباب رحلته من المغرب، فإنه يبدو أن المقري كان ينوي العودة إليه لأنه ترك فيه أهله وابنته ومكتبته، ولعله قد حاول المكث في الجزائر، قريبا من المغرب، حتى تنجلي الأمور السياسية، فقد وجدناه يستقر بمدينة الجزائر سنة ١٠٢٧، بعد أن مر بمسقط رأسه تلمسان، واتصل في الجزائر بالعلماء وشرع في التدريس وخصوصا التفسير، وتبادل مع كبير علماء الجزائر عندئذ، وهو سعيد قدورة، الألغاز والنكت والمعلومات، وقد روى الفكون ذلك في شيء من التعريض بالمقري قائلا إنه نزل دار الجزائر على فقهائها وعلمائها، وتصدى للتدريس بها، وقرأ بها التفسير على ما قيل، وسأله عالم الجزائر وخطيبها أبو عثمان سعيد بن إبراهيم كدورة (كذا يكتبه الفكون) لغزا بعنوان (هاج الصنبر) فلم يصب المقري الجواب في الأول وأصابه في المرة الثانية، ثم سافر إلى المشرق (٢). فهل وجد المقري مدينة الجزائر غريبة عنه فواصل سيره إلى المشرق؟ ذلك ما لا تكشف عنه الوثائق حتى الآن، وقد يكون سفره من المغرب بالبر خوفا من القراصنة، كما قال، ولكن تلمسان بالنسبة إليه هي بلد الآباء والأجداد، وهو الذي تمثل في شأنها بهذين البيتين:
بلد الجدار ما أمر نواها ... كلف الفؤاد بحبها وهواها
يا عاذلي في حبها كن عاذري ... يكفيك منها ماؤها وهواها (٣)
стр. 731
ولعل المقري لا يقصد بذلك الحنين تلمسان وحدها، إذ أنه طالما ردد حنينه أيضا إلى مراتع صباه بالمغرب الأقصى، رغم أن حياته في فاس جعلته، كما قال، لا يفكر فيها إلا في (هم أو هول) (١). والذي يطالع مقدمته لـ (نفح الطيب) يدرك أن الرجل كان كثير الشوق إلى وطنه رغم ما وجده في المشرق، ولا سيما في الشام، من حفاوة وتكريم. وكان المقري كثير التمثل بالأشعار وبعبارة (الحنين إلى الوطن مجال لكل حر ومضمار) و (حب الوطن من الإيمان). وبذلك يكون المقري من أوائل المثقفين الجزائريين الذين كرروا موضوع الحنين إلى الوطن بهذه القوة.
وتشهد المصادر الأخرى على ذلك، حتى مصادر خصومه أو نقاده، فهذا عبد الكريم الفكون الذي انتقده في أخلاقه وسلوكه الاجتماعي، أقر، وكان قد عرفه وخبره وسافر معه، بأن للمقري (محبة في المغاربة) وله معهم مباسطة، ويقول الفكون صراحة بأن المقري كان (مشغوف بوطنه وأهله). وأنه كان كثير الحج مع الركب المغربي ليتحدث مع أهله ويتسلى ويسمع أخباره، كما كان يتراسل مع عدد من علمائه وأدبائه (٢)، ورغم أن الفكون يعلل حنينه بكونه ترك ابنته وأهله وراءه حتى أنه كان يبكي ويحزن كلما ذكرهم، فإن المقصود هو حنين المقري إلى المغرب العربي، ولا سيما الجزائر التي مدحها كما سبق، بخلاف فاس.
ويبدو أن طموحه والخوف من العودة إلى المغرب هما اللذان كانا وراء بقائه في المشرق، فقد سافر من الجزائر إلى تونس بالبر أيضا، ولعله قد مر في طريقه بقسنطينة والتقى بعلمائها كما كان يفعل معظم الحجاج. ونال في تونس من حسن الاستقبال ما شهد له مرافقة عالم تونس عندئذ، محمد تاج
стр. 732
العارفين العثماني له، فقد ركب مع المقري السفينة ونزلا مصر، ومنها سافر المقري بحرا أيضا إلى جدة، فأدى العمرة سنة ١٠٢٠ ثم فريضة الحج في السنة الموالية، ويقول عن نفسه أنه كان ينوي الإقامة عند البيت العتيق الذي أخذته عنده رعشة وانبهار، ولكنه عاد إلى مصر سنة ١٠٢٩ لظروف لم يكشف عنها، وتزوج بها، ولعل أحواله المادية هي التي أخبرته على أن يبدأ في مصر السلوك الذي انتقده معاصره الفكون. ومهما كان الأمر فإنه ابتداء من هذه السنة تصبح حياة المقري واضحة أكثر ومسجلة ومدروسة أيضا إلى حد كبير، فقد ظل يتنقل بين مصر والحجاز، ثم أضاف إلى ذلك بيت المقدس ودمشق. فحج حوالي خمس مرات وسافر إلى القدس عدة مرات وذهب إلى الشام على الأقل مرتين، ولكنه لم يعد إلى البلاد التي أحبها كثيرا أو إلى تلك التي أقام بها ربع قرن يعلم ويتعلم، وإذا كانت هذه نكبته هو النفسية فهي بدون شك نكبة وطنه أيضا، لأنه لو عاد إليه بعلمه الغزير وأدبه الجم لأسهم في نهضته وتكوين جيل من الأدباء والعلماء، ولكن القدر شاء أن يقيم المقري اثني عشرة سنة أخرى من حياته بعيدا عن أهله ووطنه، ذلك أن أجله قد وافاه سنة ١٠٤١ وهو في مصر يستعد للعودة إلى دمشق.
في الشرق عاش المقري حياة حافلة بالنشاط العقلي، فقد ألف معظم كتبه هناك، ولا سيما موسوعته (نفح الطيب)، وألف عددا من كتبه الدينية في المدينة المنورة، مثل (فتح المتعال) و (أزهار الكمامة) (١). واتصل بالوجهاء والعلماء، ولعله اتصل أيضا ببعض الأمراء، ومدح هؤلاء بالشعر، وأظهر حفظه الواسع وموهبته الأدبية فوجد تقديرا كبيرا، ولا سيما من علماء الشام، أمثال المفتي عبد الرحمن العمادي والوجيه أحمد بن الشاهين، وطارت شهرته كمدرس في الأزهر والجامع الأموي فهرع إليه علماء كل بلد وأعيانها على نحو وصفه المحبي وصفا شيقا (٢)، فلا داعي لتكراره هنا، وقد زوجه السادة الوفائية بمصر من ابنتهم على نحو لا يفعلونه مع كل الناس، ولكن
стр. 733
مكانته في مصر لم تصل إلى المكانة التي تمتع بها في الشام، وكان حاله في مصر وموقفه منها يذكر المرء بحال وموقف المتنبي أيضا منها، فبينما مدح الشام بكل جميل عاتب مصر بأبيات مرة وتأسف فيها على حاله:
تركت رسوم عزى في بلادي ... وصرت بمصر منسى الرسوم
ونفسي عفتها بالذل فيها ... وقلت لها عن العلياء صومي
ولا شك أن هذا كان أثتاء نزوة من نزواته وثور من ثوراته النفسية، وإلا فنحن نعلم من سيرته أنه أكرم في مصر أيضا وتولى فيها الوظائف وألف الكتب، غير أن طموحه كان أبعد من وسائله، وقد أصابته بعض النكبات في مصر أيضا، فقد توفت والدته وابنته من السيدة الوفائية، بالإضافة إلى غربته عن ابنته وأهله في المغرب (١)، فلا غرابة إذن أن تنقبض نفسه وتثور.
ابتسم الحظ للمقري، وهو في أخريات أيامه، فتعزى عن غربته ونكباته، فقد اعترف له العلماء، وخصوصا علماء الشام.، بما هو أهل له من الحفظ والأدب والظرف، لذلك أكثر من ذكرهم في (نفح الطيب) قائلا عنهم (نوهوا بقدري الخامل)، ونذكر من (هؤلاء أحمد بن الشاهين وعبد الرحمن العمالي ومحمد بن يوسف الكريمي ومحمد بن علي القاري ويحيى المحاسني، فقد تبادل معهم الإجازات والتقاريظ والمدائح والطرف والهدايا والأشعار، وفي هذا الجو عاش المقري حياة اجتماعية وعلمية شبيهة بحياته في المغرب العربي، في تلمسان أو في فاس، وكان إلحاح علماء الشام عليه في تعريفهم بلسان الدين بن الخطيب وبتاريخ الأندلس وأخبارها هو الذي دفعه إلى كتابة موسوعته الأندلسية (نفح الطيب). وقد نشط عقله وشاعريته في هذا الجو المنعش للآمال والطموح فأنتج أبحاثا ضافية وأشعارا غزيرة لو جمعت لجاءت في ديوان ضخم، وكيف لا تتنعش آماله وطموحه وقد قال فيه العمادي، مفتي الشام عندئذ:
شمس هدى أطلعها المغرب ... وطار عنقاء بها مغرب
стр. 734
فأشرقت في الشام أنوارها ... وليتها في الدهر لا تغرب (١)
ألف المقري معظم كتبه، التي بلغت ثمانية وعشرين تأليفا، عندما كان في المشرق، وباستثناء (أزهار الرياض) و (روض الآس) فإننا لا نعرف أنه قد ألف في المغرب أو في تلمسان، ولعله قد بدأ (أنواء نيسان) في المغرب أيضا. وقد ألف معظم كتبه الدينية في الحجاز، بينما اشتغل بالأدب والتاريخ وهو في القاهرة ودمشق. ولا نعرف أنه ألف شيئا عندما كان في القدس التي أكثر من الترداد عليها. وقد نشر البعض من كتبه حتى الآن ولكن معظمها ما يزال مخطوطا أو مجهولا، ومن أهم كتبه المطبوعة على الإطلاق موسوعته (نفح الطيب) الذي ألفه بوحي وبإلحاح من أعيان الشام وعلمائه، كما عرفنا، ويبدو أن المقري كان قد شرع في مشروعه منذ كان في المغرب، ذلك أن موضوع (نفح الطيب) الرئيسي، وهو لسان الدين بن الخطيب والأندلس، قد طرقه أيضا في (أزهار الرياض)، حتى أن كثيرا من لوحاته في الكتاب الأخير قد أعاد إنتاجها في (النفح)، وكان اقتراح أحمد بن الشاهين الأولي عليه هو التوسع في حياة ابن الخطيب بإفراده بكتاب، ومعنى ذلك التوسع فيما كان قد بداه في (أزهار الرياض)، وقد اختار المقري عنوان كتابه الجديد ليتلاءم مع ابن الخطيب فجعله (عرف الطيب في أخبار الوزير ابن الخطيب)، ولكن الحديث عن ابن الخطيب قد جره إلى الحديث, عن الأندلس، إما منطقيا وإما باقتراح من زملائه العلماء، وهكذا ولدت التسمية الجديدة للكتاب، وهي (نفح الطيب الخ)، وبناء على الأخبار، التي ساقها المقري بنفسه، فإنه ذهب إلى الشام سنة ١٠٣٧، وفي نفس السنة عاد إلى مصر وشرع في الكتابة (٢)، وفي خلال سنة وبعض السنة انتهى من نفح الطيب في القاهرة أيضا، حيث
стр. 735
جاء في خاتمة الكتاب أنه انتهى منه سنة ١٠٣٨ بالقاهرة وزاد عليه في السنة الموالية بعض الإضافات.
ونحن هنا أمام بعض التساؤل: لماذا لم يؤلف المقري كتابه في الشام التي أحبها وأحب أهلها وأحبوه، والكتاب أساسا كأنه موجه إليهم وبوحي منهم؟ لعل المقري قد ترك كتبه ورقاعه في القاهرة التي قضى فيها فترة طويلة والتي فيها أيضا عائلته الجديدة، ولعل كرم أهل الشام وحياتهم الاجتماعية النشطة لا تسمح له بالعكوف على كتابة مثل هذا العمل الضخم، فاختار لذلك القاهرة التي يخلو فيها لنفسه. ومن جهة أخرى يكاد يكون مستحيلا في نظرنا أن يؤلف المقري موسوعته في ظرف سنة أو نحوها، سواء كان ذلك بالتحرير الشخصي أو بطريق الإملاء. ومن الممكن أن يكون قد سود الكتاب ثم اشتغل عليه بقية حياته أي إلى سنة ١٠٤١، ومن الممكن أيضا أن تكون له رقاع ونصوص حول نفس الموضوع أعدها من قبل في القاهرة فنسقها وأضافها إلى (نفح الطيب) والدليل على ذلك ما أشرنا إليه من التكرار الموجود في (الأزهار) و (النفح).
أعجب المقري بلسان الدين بن الخطيب فنسج على منواله، ولعل إعجابه به لم يقتصر على الأسلوب الأدبي فنحن نعتقد أن المقري كان يحاول تقليد ابن الخطيب في حياته السياسية أيضا لو ساعفته الأيام، ولكن هذه قضية أخرى يهتم بها الدارسون لحياة الرجلين. أما نحن هنا فحسبنا التنبيه إلى أن المقري قد اتبع طريقة ابن الخطيب في تحرير العبارة وانتقاء الألفاظ والسجع الجميل وتوشيح النثر بالشعر، وحتى في اختيار غدد من الموضوعات، وقد هدف المقري إلى أن يكون كتابه مرجعا للشعراء والأدباء وطلاب الموعظة فقال في خاتمته (اعلم أن هذا الكتاب معين لصاحب الشعر، ولمن يعاني الإنشاء والنثر من البيان والسحر، وفيه من المواعظ والاعتبار، ما لم ينكره المنصف عند الاختبار، وكفاه أنه لم ير مثله في فنه فيما علمت، ولا أقولها تزكية له) (١)، ورغم أن
стр. 736
المقري يتواضع أمام القارئ فيرجو العفو عن الزلل، ويعتذر، لكونه ترك مصادره بالمغرب فإنه، من جهة أخرى، كان معتزا بعمله فكرر أنه لم يسبق إليه بقوله: (وقد توهمت أني لم أسبق إلى مثله في بابه، إذ لم أقف له على نظير أتعلق بأسبابه).
شرح المقري طريقته في هذه العبارة (ورجوت أن يكون هدية مستملحة مستعذبة، وطرفة مقبولة مستغربة)، وقال إنه قد أورد فيه النظم والنثر، وأخبار الملوك والرؤساء، سواء في ذلك من أحسن أو من أساء، وذلك للعبرة والأذكار. كما جاء فيه بالهزل والمجون للترويح على القارئ، بالإضافة إلى المواعظ والنصائح وحكايات الأولياء والتوسل بالرسول ﷺ (١)، وقد أوقعته هذه الطريقة في عدة مزالق يمجها الذوق اليوم، وهي الاستطرادات الكثيرة والتكرار الممل أحيانا، وذكر القصص التي ليس لها أهمية والأشعار الضعيفة، مع إهماله حادثة سقوط الأندلس الذي كان قريبا منه، كما أنه أثقل عبارته بالسجع الذي أصبح مع طول الكتاب مزعجا، وهو لا يتخلص منه إلا قليلا؛ وكانت مصادر المقري في كل ذلك مروياته الشخصية ومعارفه كشاهد عيان لما وقع بالأندلس في حياته أو ما أخذ من الجيل الذي سبقه من أهل الأندلس المطرودين، بالإضافة إلى مصادر أخرى مكتوبة مستمدة من المسعودي وابن خلدون والغبريني والبكري وابن بشكوال وابن الخطيب وابن بطوطة وابن سعيد وابن حيان وابن خاقان وابن جبير وابن بسام وابن خلكان وابن الأثير، وقد قسم كتابه إلى قسمين رئيسيين الأول في أخبار الأندلس وفيه ثمانية أبواب، والثاني في أخبار ابن الخطيب وفيه أيضا ثمانية أبواب، ورغم الصلة بين القسمين فإنه يمكن في الواقع فصلهما تماما، فالمهتم بتاريخ الأندلس وآدابها ونظمها المختلفة يكتفي بالقسم الأول (وفيه أخبار أيضا عن ابن الخطيب)، والمهتم بحياة ابن الخطيب السياسية والعلمية والأدبية يمكنه الاستغناء عن القسم الأول.
стр. 737
ومهما كان الأمر، فإن عمل المقري في (نفح الطيب) لا يفوته في بابه إلا عمل ابن خلدون في تاريخه، وإن كان ابن خلدون قد وضع المقدمة في نظرية علم الاجتماع والاقتصاد السياسي والعمران فإن المقري قد وضع في (نفح الطيب) مقدمة لا غنى عنها في حياة الأندلس وعلمائها وشعرائها، وقد صدق شكيب أرسلان في وصفه لـ (نفح الطيب) بأنه (حقيبة أنباء، وقمطر حوادث، وخزانة آداب، وكشكول لطائف، وديوان أشعار). وفي قوله إن من لم يقرأ (نفح الطيب) ليس بأديب (١)، وقد أشاد بعمل المقري أصدقاؤه الشاميون المعاصرون له، كما أشاد به المحبي الذي عاش بعده بفترة قليلة والذي اعتبره جاحظ المغرب. ثم أهمل الناس المقري، كما أهملوا ابن خلدون، إلى حين اكتشفهما الأوروبيون في القرن الماضي فنشر وترجم القسم الأول من (نفح الطيب) كما نشرت وترجمت مقدمة ابن خلدون، وعندئذ عاد العرب والمسلمون إلى الرجلين يستفيدون من آثارهما ويدرسون أخبارهما، وإذا كان ابن خلدون قد حظي بترجمات وافية لحياته فإن المقري ما زال لم يظفر بهذه الترجمة إلى الآن (٢).
بقي أن نقول إن المقري، رغم أدبه وشعره وطموحه، كان متدينا عن عقيدة وليس مجاراة لأهل العصر. فقد أخذه الانبهار عند رؤية الكعبة الشريفة، وألف مجموعة من كتبه عند قبر الرسول ﷺ ، وحج حوالي خمس مرات، وزار بيت المقدس حوالي سبع مرات، وكان حافظا للسند مجيدا في تدريس التفسير وصحيح البخاري كما عرفنا، وألف في التوحيد (إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة). وقرظ شرحا في التصوف كتبه محمد بن سعد الكلشني على رسالة للشيخ أرسلان. وترجم في (نفح الطيب) لأبي مدين وأطال في ذلك لأنه شيخ جده، وللتبرك به، كما ذكر الكثير من كراماته
стр. 738
ومناقبه (١)، وعندما كتب عن الفكون قال عنه إنه مائل إلى التصوف (ونعم ما فعل). لذلك يظهر لنا أن ما كتبه عنه معاصره الفكون من نقد في السلوك الديني والاجتماعي لا يتماشى مع الواقع، وأن الفكون قد بالغ في حكمه على صديقه، حقا إن المقري لم يكن متصوفا ولكنه كان من علماء السنة العاملين، كما رأينا.
ولا شك أن النثر الفني قد تقدم على يدي المقري في وقت كادت لا تكتب الأقلام غير شروح الفقه ومنامات التصوف، وكان وراء المقري تراث من أسرته، فجده، محمد المقري، شيخ ابن خلدون، كان من المؤلفين الأدباء البارزين، وهو صاحب كتاب (بلوغ الآراب في لطائف العتاب) الذي ما يزال مخطوطا. وعمه، سعيد المقري رغم عدم شهرته بالتأليف، كان شاعرا وأديبا رقيقا، ومدرسا من الدرجة الأولى كما عرفنا (٢)، وكانت تلمسان على عهده بقايا من تقاليد العهد الزياني التي احتفي بها أحمد المقري في (أزهار الرياض) بذكره أخبار أبي حمو وغيره. كل ذلك كان يمده بتجربة جيدة في الصياغة النثرية والأساليب الأدبية، وفي فاس وجد المغاربة والأندلسيين يذكرون عهود الشباب الأدبي في الفردوس المفقود وأبطاله كابن الخطيب فكانت هذه المدرسة المغربية - الأندلسية هي التي أثرت وأثمرت على أحمد المقري، وهي المدرسة التي بدأ بها (أزهار الرياض) الذي خص به القاضي عياض ثم نقلها معه إلى المشرق، فوجد أن الأساليب هناك قد دخلتها العجمة منذ سقوط بغداد، فإذا به يتألق وسط الكتاب، ويأتي في ذلك بالعجب العجاب. فالمقري إذن يعتبر مجددا ناقلا المدرسة الأندلسيه من المغرب العربي إلى المشرق العربي، وهذه الزاوية من مساهمته ما تزال، حسب علمنا، غير مدروسة أيضا. ولولا خوف الإطالة، ولولا أن بعض كتبه مطبوع ومتداول لأتينا على نصوص من نثر المقري الذي سحر به المشارقة (٣).
стр. 739
أحمد بن عمار
إذا كان المقري قد وجد بعض من ترجم له وعرف به، ولا سيما بين المشارقة، فإن أحمد بن عمار لم يجد هذا الفارس بعد. فقد اكتفى بعض معاصريه وتلاميذه بوصفه بأوصاف التجلة والاحترام، كما فعل الورتلاني وابن حمادوش وأبو راس، وتلميذاه إبراهيم السيالة التونسي وأحمد الغزال المغربي. وكان ابن عمار حريصا على الترجمة لغيره سواء في كتابه المفقود (لواء النصر في فضلاء العصر) الذي قيل إنه ترجم فيه لعلماء قرنين، أو في رحلته (نحلة اللبيب بأخبار الرحلة إلى الحبيب) التي تعتبر في حكم المفقودة أيضا لولا نبذة منها سلمت من الصياع، ولكنه بقدر ما كان حريصا على الترجمة لغيره بقدر ما أهمل نفسه فلم يفعل على الأقل ما فعل زميلاه الورتلاني وابن حمادوش اللذان ساقا حياتهما في رحلتهما بما يلقي أضواء هامة تساعد الدارسين لهما اليوم، فابن عمار إذن ما يزال، رغم مكانته الأدبية والفقهية، مجهولا، ويكفي لتوضيح جهلنا به أننا إلى الآن لا نعرف حتى متى ولد ولا متى وأين توفي، وكل ما نعرفه عنه أنه من أهل القرن الثاني عشر وأوائل الثالث عشر الهجري.
وقد أصبح من الضروري حينئذ أن نبحث عن حياته في مختلف المصادر وأن نلتقط أخباره من هنا وهناك لعلنا نستطيع أن نقدم صورة واضحة نوعا ما عن مساهمته في مدرسة النثر الفني، فأقدم مصدر يحدثنا عن ابن عمار في الجزائر هو صديقه عبد الرزاق بن حمادوش في الجزء الثاني من رحلته. فقد أخبر أن ابن عمار قد قرظ له كتابا بعنوان (الدرر على المختصر) سنة ١١٥٩ (١)، واعتبره ابن حمادوش من العلماء المنصفين الذين لا يحملون
стр. 740
حسدا ولا ضغينة، وقد عاش ابن عمار إلى ما بعد سنة ١٢٠٥ كما نعرف من إجازته في هذا التاريخ لمحمد خليل المرادي الشامي، وبذلك يكون عمره سنة ١١٥٠ حوالي أربعين سنة، وبذلك أيضا يكون ابن عمار قد ولد في الجزائر حوالي سنة ١١١٩.
وعلى كل حال فقد تولى ابن عمار وظيفة الفتوى على المذهب المالكي سنة ١١٨٠، ولم يدم ذلك إلا بعض الشهور، ثم تولى مرة أخرى سنة ١١٨٠ أيضا وظل في الوظيفة إلى سنة ١١٨٤ (١)، وفي (نحلة اللبيب) ذكر ابن عمار أنه تبادل الشعر ونحوه مع شيخه محمد بن محمد المعروف بابن علي سنة ١١٦٣، ومن جهة أخرى نجده قد أدى فريضة الحج سنة ١١٦٦، وقد أكد ذلك أيضا زميله الحسين الورتلاني الذي حج معه وقرآ معا في القاهرة، فقد قال عنه الورتلاني (الفاضل بالاتفاق والعلامة على الإطلاق) وقال إنه قد أخذ معه العلم على الشيخ خليل المغربي في مسجد الحسين بالقاهرة (٢)، وهناك تواريخ أخرى تساعدنا على تنقلات ابن عمار، فعبد الحي الكتاني يذكر أن ابن عمار كان سنة ١١٧٢ مجاورا بمكة، فهل بقي ابن عمار من سنة ١١٦٦ إلى ذلك التاريخ مجاورا أو أنه رجع إلى الجزائر ثم حج من جديد؟ هذه نقطة غامضة، ذلك أننا نعرف من مصادر أخرى أن أحمد الغزال المغربي قد جاء إلى الجزائر سنة ١١٨٢ في شأن صلح بين الجزائر والمغرب وحضر درسا لابن عمار في الجامع الكبير، وهو يومئذ متولي الفتوى المالكية، وأعجب بعلمه فمدحه بقصيدته التي منها: هلموا إلى مأوى المفاخر والعلا ... هلموا إلى الأسمى ابن عمار أحمد ويبدو أن ابن عمار لم يطب به المقام في بلاده بعد أن رجع إليها من المجاورة، لأسباب لا نعرفها أيضا، فقد جاء في كتاب لتلميذه إبراهيم