المقري يتواضع أمام القارئ فيرجو العفو عن الزلل، ويعتذر، لكونه ترك مصادره بالمغرب فإنه، من جهة أخرى، كان معتزا بعمله فكرر أنه لم يسبق إليه بقوله: (وقد توهمت أني لم أسبق إلى مثله في بابه، إذ لم أقف له على نظير أتعلق بأسبابه).
شرح المقري طريقته في هذه العبارة (ورجوت أن يكون هدية مستملحة مستعذبة، وطرفة مقبولة مستغربة)، وقال إنه قد أورد فيه النظم والنثر، وأخبار الملوك والرؤساء، سواء في ذلك من أحسن أو من أساء، وذلك للعبرة والأذكار. كما جاء فيه بالهزل والمجون للترويح على القارئ، بالإضافة إلى المواعظ والنصائح وحكايات الأولياء والتوسل بالرسول ﷺ (١)، وقد أوقعته هذه الطريقة في عدة مزالق يمجها الذوق اليوم، وهي الاستطرادات الكثيرة والتكرار الممل أحيانا، وذكر القصص التي ليس لها أهمية والأشعار الضعيفة، مع إهماله حادثة سقوط الأندلس الذي كان قريبا منه، كما أنه أثقل عبارته بالسجع الذي أصبح مع طول الكتاب مزعجا، وهو لا يتخلص منه إلا قليلا؛ وكانت مصادر المقري في كل ذلك مروياته الشخصية ومعارفه كشاهد عيان لما وقع بالأندلس في حياته أو ما أخذ من الجيل الذي سبقه من أهل الأندلس المطرودين، بالإضافة إلى مصادر أخرى مكتوبة مستمدة من المسعودي وابن خلدون والغبريني والبكري وابن بشكوال وابن الخطيب وابن بطوطة وابن سعيد وابن حيان وابن خاقان وابن جبير وابن بسام وابن خلكان وابن الأثير، وقد قسم كتابه إلى قسمين رئيسيين الأول في أخبار الأندلس وفيه ثمانية أبواب، والثاني في أخبار ابن الخطيب وفيه أيضا ثمانية أبواب، ورغم الصلة بين القسمين فإنه يمكن في الواقع فصلهما تماما، فالمهتم بتاريخ الأندلس وآدابها ونظمها المختلفة يكتفي بالقسم الأول (وفيه أخبار أيضا عن ابن الخطيب)، والمهتم بحياة ابن الخطيب السياسية والعلمية والأدبية يمكنه الاستغناء عن القسم الأول.
стр. 737
ومهما كان الأمر، فإن عمل المقري في (نفح الطيب) لا يفوته في بابه إلا عمل ابن خلدون في تاريخه، وإن كان ابن خلدون قد وضع المقدمة في نظرية علم الاجتماع والاقتصاد السياسي والعمران فإن المقري قد وضع في (نفح الطيب) مقدمة لا غنى عنها في حياة الأندلس وعلمائها وشعرائها، وقد صدق شكيب أرسلان في وصفه لـ (نفح الطيب) بأنه (حقيبة أنباء، وقمطر حوادث، وخزانة آداب، وكشكول لطائف، وديوان أشعار). وفي قوله إن من لم يقرأ (نفح الطيب) ليس بأديب (١)، وقد أشاد بعمل المقري أصدقاؤه الشاميون المعاصرون له، كما أشاد به المحبي الذي عاش بعده بفترة قليلة والذي اعتبره جاحظ المغرب. ثم أهمل الناس المقري، كما أهملوا ابن خلدون، إلى حين اكتشفهما الأوروبيون في القرن الماضي فنشر وترجم القسم الأول من (نفح الطيب) كما نشرت وترجمت مقدمة ابن خلدون، وعندئذ عاد العرب والمسلمون إلى الرجلين يستفيدون من آثارهما ويدرسون أخبارهما، وإذا كان ابن خلدون قد حظي بترجمات وافية لحياته فإن المقري ما زال لم يظفر بهذه الترجمة إلى الآن (٢).
بقي أن نقول إن المقري، رغم أدبه وشعره وطموحه، كان متدينا عن عقيدة وليس مجاراة لأهل العصر. فقد أخذه الانبهار عند رؤية الكعبة الشريفة، وألف مجموعة من كتبه عند قبر الرسول ﷺ ، وحج حوالي خمس مرات، وزار بيت المقدس حوالي سبع مرات، وكان حافظا للسند مجيدا في تدريس التفسير وصحيح البخاري كما عرفنا، وألف في التوحيد (إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة). وقرظ شرحا في التصوف كتبه محمد بن سعد الكلشني على رسالة للشيخ أرسلان. وترجم في (نفح الطيب) لأبي مدين وأطال في ذلك لأنه شيخ جده، وللتبرك به، كما ذكر الكثير من كراماته
стр. 738
ومناقبه (١)، وعندما كتب عن الفكون قال عنه إنه مائل إلى التصوف (ونعم ما فعل). لذلك يظهر لنا أن ما كتبه عنه معاصره الفكون من نقد في السلوك الديني والاجتماعي لا يتماشى مع الواقع، وأن الفكون قد بالغ في حكمه على صديقه، حقا إن المقري لم يكن متصوفا ولكنه كان من علماء السنة العاملين، كما رأينا.
ولا شك أن النثر الفني قد تقدم على يدي المقري في وقت كادت لا تكتب الأقلام غير شروح الفقه ومنامات التصوف، وكان وراء المقري تراث من أسرته، فجده، محمد المقري، شيخ ابن خلدون، كان من المؤلفين الأدباء البارزين، وهو صاحب كتاب (بلوغ الآراب في لطائف العتاب) الذي ما يزال مخطوطا. وعمه، سعيد المقري رغم عدم شهرته بالتأليف، كان شاعرا وأديبا رقيقا، ومدرسا من الدرجة الأولى كما عرفنا (٢)، وكانت تلمسان على عهده بقايا من تقاليد العهد الزياني التي احتفي بها أحمد المقري في (أزهار الرياض) بذكره أخبار أبي حمو وغيره. كل ذلك كان يمده بتجربة جيدة في الصياغة النثرية والأساليب الأدبية، وفي فاس وجد المغاربة والأندلسيين يذكرون عهود الشباب الأدبي في الفردوس المفقود وأبطاله كابن الخطيب فكانت هذه المدرسة المغربية - الأندلسية هي التي أثرت وأثمرت على أحمد المقري، وهي المدرسة التي بدأ بها (أزهار الرياض) الذي خص به القاضي عياض ثم نقلها معه إلى المشرق، فوجد أن الأساليب هناك قد دخلتها العجمة منذ سقوط بغداد، فإذا به يتألق وسط الكتاب، ويأتي في ذلك بالعجب العجاب. فالمقري إذن يعتبر مجددا ناقلا المدرسة الأندلسيه من المغرب العربي إلى المشرق العربي، وهذه الزاوية من مساهمته ما تزال، حسب علمنا، غير مدروسة أيضا. ولولا خوف الإطالة، ولولا أن بعض كتبه مطبوع ومتداول لأتينا على نصوص من نثر المقري الذي سحر به المشارقة (٣).
стр. 739
أحمد بن عمار
إذا كان المقري قد وجد بعض من ترجم له وعرف به، ولا سيما بين المشارقة، فإن أحمد بن عمار لم يجد هذا الفارس بعد. فقد اكتفى بعض معاصريه وتلاميذه بوصفه بأوصاف التجلة والاحترام، كما فعل الورتلاني وابن حمادوش وأبو راس، وتلميذاه إبراهيم السيالة التونسي وأحمد الغزال المغربي. وكان ابن عمار حريصا على الترجمة لغيره سواء في كتابه المفقود (لواء النصر في فضلاء العصر) الذي قيل إنه ترجم فيه لعلماء قرنين، أو في رحلته (نحلة اللبيب بأخبار الرحلة إلى الحبيب) التي تعتبر في حكم المفقودة أيضا لولا نبذة منها سلمت من الصياع، ولكنه بقدر ما كان حريصا على الترجمة لغيره بقدر ما أهمل نفسه فلم يفعل على الأقل ما فعل زميلاه الورتلاني وابن حمادوش اللذان ساقا حياتهما في رحلتهما بما يلقي أضواء هامة تساعد الدارسين لهما اليوم، فابن عمار إذن ما يزال، رغم مكانته الأدبية والفقهية، مجهولا، ويكفي لتوضيح جهلنا به أننا إلى الآن لا نعرف حتى متى ولد ولا متى وأين توفي، وكل ما نعرفه عنه أنه من أهل القرن الثاني عشر وأوائل الثالث عشر الهجري.
وقد أصبح من الضروري حينئذ أن نبحث عن حياته في مختلف المصادر وأن نلتقط أخباره من هنا وهناك لعلنا نستطيع أن نقدم صورة واضحة نوعا ما عن مساهمته في مدرسة النثر الفني، فأقدم مصدر يحدثنا عن ابن عمار في الجزائر هو صديقه عبد الرزاق بن حمادوش في الجزء الثاني من رحلته. فقد أخبر أن ابن عمار قد قرظ له كتابا بعنوان (الدرر على المختصر) سنة ١١٥٩ (١)، واعتبره ابن حمادوش من العلماء المنصفين الذين لا يحملون
стр. 740
حسدا ولا ضغينة، وقد عاش ابن عمار إلى ما بعد سنة ١٢٠٥ كما نعرف من إجازته في هذا التاريخ لمحمد خليل المرادي الشامي، وبذلك يكون عمره سنة ١١٥٠ حوالي أربعين سنة، وبذلك أيضا يكون ابن عمار قد ولد في الجزائر حوالي سنة ١١١٩.
وعلى كل حال فقد تولى ابن عمار وظيفة الفتوى على المذهب المالكي سنة ١١٨٠، ولم يدم ذلك إلا بعض الشهور، ثم تولى مرة أخرى سنة ١١٨٠ أيضا وظل في الوظيفة إلى سنة ١١٨٤ (١)، وفي (نحلة اللبيب) ذكر ابن عمار أنه تبادل الشعر ونحوه مع شيخه محمد بن محمد المعروف بابن علي سنة ١١٦٣، ومن جهة أخرى نجده قد أدى فريضة الحج سنة ١١٦٦، وقد أكد ذلك أيضا زميله الحسين الورتلاني الذي حج معه وقرآ معا في القاهرة، فقد قال عنه الورتلاني (الفاضل بالاتفاق والعلامة على الإطلاق) وقال إنه قد أخذ معه العلم على الشيخ خليل المغربي في مسجد الحسين بالقاهرة (٢)، وهناك تواريخ أخرى تساعدنا على تنقلات ابن عمار، فعبد الحي الكتاني يذكر أن ابن عمار كان سنة ١١٧٢ مجاورا بمكة، فهل بقي ابن عمار من سنة ١١٦٦ إلى ذلك التاريخ مجاورا أو أنه رجع إلى الجزائر ثم حج من جديد؟ هذه نقطة غامضة، ذلك أننا نعرف من مصادر أخرى أن أحمد الغزال المغربي قد جاء إلى الجزائر سنة ١١٨٢ في شأن صلح بين الجزائر والمغرب وحضر درسا لابن عمار في الجامع الكبير، وهو يومئذ متولي الفتوى المالكية، وأعجب بعلمه فمدحه بقصيدته التي منها: هلموا إلى مأوى المفاخر والعلا ... هلموا إلى الأسمى ابن عمار أحمد ويبدو أن ابن عمار لم يطب به المقام في بلاده بعد أن رجع إليها من المجاورة، لأسباب لا نعرفها أيضا، فقد جاء في كتاب لتلميذه إبراهيم
стр. 741
السيالة (١) أن شيخه ابن عمار قد جاء إلى تونس من الجزائر سنة ١١٩٥ (بقصد الاستيطان بها)، وأن ابن عمار كان عندئذ كبير السن، ومع ذلك نجده يناظر علماء تونس، كما سنرى، ويؤلف عملين في تونس الأول رسالة في التفسير والأدب، والثاني تاريخ في سيرة وآثار باي تونس عندئذ، علي باشا بن حسن، ولا ندري ما الأسباب التي جعلت ابن عمار يغادر أيضا تونس رغم مجيئه لها (بقصد الاستيطان)، ولعل منافسة العلماء له وموت الباي، ووفاة صديقه حمودة بن عبد العزيز سنة ١٢٠٢، قد حمله على الهجرة من جديد إلى المشرق ومجاورة الحرم، ذلك أننا نجده سنة ١٢٠٥ يجيز محمد خليل المرادي الشامي من مكان لم نتأكد منه بعد، ولعله مكة المكرمة أو الشام، ومن ذلك التاريخ تنقطع عنا أخباره، وقد أكد تلميذه أبو راس في (فتح الإله) أن ابن عمار قد توفي بالحرمين الشريفين. ولكننا إلى الآن لا نعرف بالضبط تاريخ ذلك.
والغالب على الظن أن أسرة ابن عمار عريقة في الجزائر، فنحن نعلم أن عالما باسم أحمد زروق بن عمار كان متوليا الفتيا سنة ١٠٢٨، كما يحدثنا الفكون في (منشور الهداية) أن أحد علماء مدينة الجزائر باسم أحمد بن سيدي عمار بن داود قد ورد عليهم في قسنطينة حوالي نفس العهد (٢)، فهل كان هذا أحد أجداد أحمد بن عمار الذي نتحدث عنه؟ ليس هناك ما يعزز أو
стр. 742
يبعد ذلك، وكان والد ابن عمار أيضا من أهل العلم في مدينة الجزائر ولكننا لا ندري ماذا كان يعمل (١)، وقد أشار الشاعر المغربي أحمد الغزال إلى ذلك في قوله يمدح أحمد بن عمار بأنه اقتدى بوالده في العلم والدين: بوالده دينا وعلما قد اقتدى ... لقد جل نجل كان بالأب يقتدي ومن جهة أخرى كان خاله، محمد بن سيدي الهادي أحد العلماء البارزين في مدينة الجزائر في القرن الثاني عشر، وقد ذكره ابن حمادوش في رحلته، ولكن إذا صحت هذه الصلة فإن ابن عمار يكون من العائلات التليدة في مدينة الجزائر، التي كانت تتمتع بصيت واحترام والتي كانت غالبا من أصل أندلسي ومرتبطة، كما عرفنا، بالوظائف الدينية (٢)، وليس هناك ما يوضح اتباع ابن عمار الطريقة الأندلسية في الكتابة إلا هذه الصلة الوطيدة بالأندلس، ذلك أننا لا نجد ابن عمار يتوجه إلى المغرب للدراسة في فاس، على نحو ما فعل الكثيرون من علماء الجزائر، ويغلب على الظن أن ثقافته الأولى، قبل حجه سنة ١١٦٦، كانت جزائرية محضة، ولكنه لا يذكر من شيوخه في الرحلة سوى ابن علي الذي يشير إليه بعبارة (شيخنا)، ونحن نجده في شهادته على كتاب ابن حمادوش المذكور متميزا بأسلوبه المعهود، وكان ذلك سنة ١١٥٩ كما لاحظنا، وقد ذكر هناك أنه كان يتردد على مجلس أحمد الورززي المغربي الذي زارهم في الجزائر واقرأ في الجاح الكبير (٣).
стр. 743
عاش ابن عمار إذن فترة حياته الأولى في مدينة الجزائر دارسا وموظفا في الدولة، وكان من معاصريه هناك الأديب محمد بن ميمون، وعبد الرزاق بن حمادوش، والمفتي الشاعر محمد بن محمد المعروف بابن علي، ومحمد بن نيكرو، والمفتي عبد الرحمن المرتضي، والمفتي أحمد الزروق بن عبد اللطيف، (ابن عم صاحب القصر الذي وصفه ابن عمار)، والمفتي محمد بن جعدون، والمفتي علي عبد القادر بن الأمين، والمفتي محمد بن الشاهد، والقاضي محمد بن مالك، أما في الأقاليم الأخرى فمن أشهر العلماء الذين عاصرهم ابن عمار أبو راس الناصر الذي جاء من مدينة معسكر إلى الجزائر واجتمع بعدد من هؤلاء العلماء وناقشهم وأكرموه، وهو الذي تتلمذ على ابن عمار وأشاد به كما سنرى، ومنهم عبد القادر الراشدي الذي اشتهر بالتأليف والإفتاء والتدريس في قسنطينة، والمفتي أحمد العباسي وعلي الونيسي بقسنطينة أيضا. والحسين الورتلاني صاحب الرحلة، أما من الولاة فقد عاصر ابن عمار، أيام نضجه، علي باشا بوصبع (١١٦٨ - ١١٧٩)، ومحمد عثمان باشا (١١٧٩ - ١٢٠٥)، الذي ظل في الحكم أطول مدة عرفها الولاة العثمانيون في الجزائر والذي توفي، خلافا لأغلب التقاليد، على فراشه، وقد تولى ابن عمار وظيفة الإفتاء أثناء عهده.
فهل حدث لابن عمار أثناء أو بعد توليه الفتوى ما جعله يزهد في الإقامة في الجزائر التي عاش في أكنافها صبيا وشابا وكهلا؟ لا ندري الجواب الآن، ومن المؤكد أن ابن عمار كان محسودا لعلمه وقلمه واستقلاله، فنحن نعلم من عدة إشارات في الرحلة وفي جوابه على مسألة الوقف التي عرضت له مدى استقلاله الفكري ومدى غمزاته لمعاصريه على جمودهم العقلي وضعف عارضتهم وتخليهم عن الاجتهاد والنظر (١). كما نعلم أن بعض
стр. 744
العلماء المغاربة الواردين على الجزائر، مثل أحمد الورززي وأحمد الغزال، قد أشادوا به، ولا سيما الأخير. وهذا بدون شك يسبب حسدا بين العلماء، وقد رفع أبو راس من قيمة ابن عمار كثيرا فوصفه بأنه شيخنا (الذي ارتدى بالنزاهة يافعا وكهلا، وكان للتلقيب بشيخ الإسلام أهلا). ومدحه أيضا بتخريج (الأساتيذ من التلاميذ والفقهاء النحارير والعلماء الجماهير). كما مدحه بالنبوغ في علوم الفقه والحديث والسند والأصول والبيان، بالإضافة إلى الزهد والنزاهة، وقد درس عليه أبو راس بعض العلوم، من بينها فقه الإمام أبي حنيفة (١). والجديد في رواية أبي راس عن شيخه ابن عمار أن هذا قد عزفت نفسه عن الإقامة بالجزائر بعد أن تولى فيها بعض الوقت الخطابة والإمامة والفتوى، لذلك رحل إلى الحرمين الشريفين، ورغم أن أبا راس لا يذكر تاريخ ذلك، فالذي لا شك فيه أنه كان يتحدث عن رحلة ابن عمار الثانية للحرمين. أما رحلته الأولى، سنة ١١٦٦، فقد كانت قبل توليه تلك الوظائف.
ومهما كان الأمر فابن عمار قد رحل إلى المشرق مرتين على الأقل.
الأولى سنة ١١٦٦ والتي جاور أثناءها بالحرمين حوالي اثني عشر سنة كما تذكر بعض المصادر، وبذلك يكون قد رجع إلى الجزائر بعد سنة ١١٧٦، فنحن نجده كما عرفنا متوليا خطة الفتوى في الجزائر سنة ١١٦٠، وخلال هذه المجاورة أو الرحلة الطويلة كتب ابن عمار رحلته التي سنتحدث عنها، أما رحلته الثانيه فهي التي يتحدث عنها أبو راس ويشير إليها إبراهيم السيالة، وهي على أية حال كانت بعد توليه وظيفة الفتوى وعزله أو انعزاله عنها، فمتى كانت هذه الرحلة الثانية؟ بناء على كل الاحتمالات فإننا نرجح أن تكون بعد ١١٩٥، فالسيالة يذكر أن شيخه ابن عمار قد جاءهم إلى تونس في هذا التاريخ بقصد الاستيطان بها، والظاهر أن ابن عمار بعد إقامة قصيرة ودخوله في مناقشات ومناظرات مع علماء تونس وتغيير الظروف السياسية (٢) قد تابع
стр. 745
رحلته من تونس إلى المشرق حيث وجدناه سنة ١٢٠٥ في الحجاز على أكثر الاحتمالات، والغالب أنه لم يعد إلى الجزائر بل ظل مجاورا إلى وفاته، والغريب أن جميع المصادر، وهي قليلة، لا تتحدث عن شؤون ابن عمار العائلية، فنحن نجهل كل شيء تقريبا عنه في هذا الميدان.
ألف ابن عمار عددا من الكتب التي لم تكن تتماشى مع ما كان يفعله علماء وقته من عدم الخروج عن الحواشي والشروح، ونحن نذكر ما اطلعنا عليه منها أو ما وجدناه منسوبا إليه:
١) لواء النصر في فضلاء العصر (في التراجم) وقد ألفه على ما يظهر في الجزائر، وسنتحدث عنه في التراجم وفي الشعر.
٢) نحلة اللبيب بأخبار الرحلة إلى الحبيب، رحلة أتمها على ما يظهر في الحجاز أثناء مجاورته الأولى.
٣) حاشية على الخفاجي في شرح الشفاء للقاصي عياض، ذكرها له تلميذه أبو راس الناصر في (فتح الإله) وقال عنها إنها (عاطرة الأنسام).
٤) رسالة في تفسير قوله تعالى: ﴿إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك﴾ حلاها بأدبه المعهود وذكرها له تلميذاه السيالة وأبو راس.
٥) تاريخ الباي علي باشا بن حسن (تونس)، ذكره له أيضا تلميذه السيالة (١).
٦) رسالة في الطريقة الخلوتية نسبها له الكتاني وقال عنها إنها: (عمل نادر) (٢).
стр. 746
٧) رسالة في مسألة وقف، مطبوعة ضمن أجوبة وفتارى صديقه إسماعيل التميمي (١).
٨) رسائل وإجازات وتقاريظ وقطع في الوصف ونحوه، ذكرناها له في بابها من هذا الكتاب (٢).
٩) ديوان شعر في المدائح النبوية والوصف وغير ذلك أشار إليه بنفسه في الرحلة.
١٠) ثبته المسمى (مقاليد الأسانيد).
١١) شرح على البخاري، ذكره له محمد بن أبي شنب في مقاله الذي تقدم به لمؤتمر المستشرقين الرابع عشر (الجزائر، ١٩٠٥).
ويهمنا هنا أن نعرض لرحلته ولطريقته الأدبية وتأثره بغيره، أما أعماله الأخرى فبعضها قد عرضنا له (٣) وبعضها سنعرض إليه في التراجم والتاريخ والشعر، يقول أبو راس في وصف أستاذه، ابن عمار، إنه (صاحب الرحلة الجمة الفوائد، حلوة الموائد، عذبة الموارد، الجليلة القدر، المستودع لما يفوت الحصر) (٤). ورغم غموض عبارات أبي راس فإنها لا تدع مجالا للشك في أن ابن عمار قد كتب رحلته وانتهى منها أثناء حياته وأنها قد أصبحت معروفة عند الأدباء وأصحاب الأخبار، وأنه (ابن عمار) قد أصبح مشهورا بها حتى أصبح يدعى (صاحب الرحلة). ومع ذلك فإن هذه الرحلة، ونحن هنا نتحدث عن (نحلة اللبيب)، مفقودة الآن إلا جزءا يسيرا منها، سماه ناشره (نبذة) من المقدمة التى وضعها ابن عمار لها, فما ظروف تأليف هذ ٥ الرحلة؟ وما محتواها وطريقته فيها؟ كان ابن عمار كثير الشوق إلى البقاع
стр. 747
المقدسة وكثيرا ما نظم الشعر والموشحات في ذلك، وحين حانت الفرصة للحج اغتنمها، وبدأ تأليفه بمقدمة (تناول فيها ما جادت به قريحته قبل التوجه للحج)، و (غرض مقصود) تناول فيه (ما يحدثه السفر إلى الإياب وحط الرحال)، وبمعنى آخر أن هذا هو أساس الرحلة، ثم (خاتمة) خصصها للحديث عما (نشأ عن ذلك بعد السكون وانضم إليه) (١).
ولكن الموجود من الرحلة حتى الآن هو نبذة من المقدمة فقط، ومع ذلك فقد بلغت صفحاتها عند طبعها ٢٥٤ صفحة، وهذه النبذة ليست كاملة أيضا لأن ناسخها الذي يبدو أنه أحد تلاميذ ابن عمار، كان يترك بياضات في الوسط كما أنها غير منتهية نهاية منطقية، فالحديث في نهايتها مبتور، ومعنى ذلك أن ما لدينا من الرحلة لا يشكل حتى مقدمتها، وكان ابن عمار عند وعده فيما كتب، فقد بدأ بذكر دواعي تأليف الرحلة وتسميتها، وبيان ضرورة الحج شرعا مع استشهاد بالقرآن والأحاديث والأشعار، والتعبير عن شوقه إلى ساكن الحجاز وتأزمه الروحي، ولكنه استطرد كثيرا في ذلك بإيراد الأشعار له ولغيره، ثم بالغ في الاستطراد فذكر عادة أهل مدينة الجزائر في المولد النبوي وموقف الفقهاء من ذلك واحتفال ملوك بني زيان في تلمسان وملوك بني الأحمر بالأندلس في المولد أيضا، وأطال في ترجمة أحمد المانجلاتي، والشاعر ابن علي والشريف التلمساني وذكر الموشحات الطويلة له ولهم ولغيرهم في المولد أيضا، ثم جاء بأشعار من مختلف شعراء المشرق والمغرب في الأزهار والخمر روفي أغراض أخرى، وهو لا يسوق كل ذلك مرتبا كما ذكرناه، بل كان يذكر الشيء ثم يقطعه ويعود إليه، وهكذا. وهذه الطريقة، وإن كانت شائعة بل مطلوبة في عصر ابن عمار، فهي عندنا الآن ممقوتة لأنها تشتت الذهن وتوزع الجهد وتضيع الوقت، أما في وقته فقد كانت من علامات المهارة في التأليف، والهدف منها التخفيف على القارئ والترويح عنه، أو (استجلابا للأنس واستجلاء للهموم) كما يقول ابن عمار نفسه.
стр. 748
وبالإضافة إلى الاستطراد والتكرار أكثر ابن عمار من عبارات شائعة في تأليف عصره مثل فائدة وتتمة ولطيف وكان إذا ذكر قصة أو قصيدة أو خبرا يعلق بما يعن له على ذلك من محفوظاته، وقد يكمل الناقص ويصحح الخطأ، ولم يهتم بالمغاربه فقط بل أورد الشعر والأخبار لهم وللمشارقة أيضا من متقدمين ومتأخرين. فقد أورد للتنسي والمقري والتمبكتي وابن الخطيب ومحمدن يوسف الثغري القيسي وابن زمرك وابن خلدون وابن علي والمانجلاتي وابن خاقان، بالإضافة إلى أبي تمام والبحتري وابن الرومي والمتنبي وبشار بن برد وأبي نواس، وقد أحصى له بعض الباجثين الشخصيات التي جاءت في النبذة المطبوعة من الرحلة فوجدها على هذا النحو: ١٨ شخصية روى عنها، ٣٠ شاعرا استشهد بشعره، وحوالي عشرة من الناثرين، وحوالي ١١ امرأة استشهد لها، وحوالي ١٤ أميرا وحاكما، وخمسة من الفلاسفة والحكماء غير المسلمين (١).
فإذا حكمنا من المنشور من الرحلة ومن بعض رسائله وتقاريظه فإن ابن عمار كان معجبا بابن الخطيب والفتح بن خاقان. ولا سيما الأخير. وقد قيل إن طريقة تراجمه في (لواء النصر) تشبه طريقة ابن خاقان في (قلائد العقيان) و (مطمح الأنفس) (٢). وكان ابن عمار يهتم بالجملة ومقاطعها واللجوء إلى السجع في أغلب الأحيان وتنميق العبارة، ولكن لقوة بيانه لا يظهر أنه كان يتكلف ذلك، فقد شاعت طريقته بين معاصريه حتى وصفه أبو راس بأنه (سلس اللسان والعبارة، مليح التصريح والإشارة) (٣)، وكان ابن عمار لا يسجع في تناوله القضايا الدينية وتوضيح المواقف وعند الاستشهاد ونحو ذلك. وكان السجع عنده جزءا من الشعر يلجأ إليه عند وصف أحوال النفس والحديث عن الأدب والعاطفة، كما أن السجع عنده كان مدخلا للتأليف وميدانا للرسائل والتقاريظ ونحو ذلك، وقد بدأ عبارته في (النحلة) هكذا
стр. 749
(وبعد فيقول العبد الفقير، المضطر لرحمة رب المولى القدير، مثقل الظهر بالأوزار، الراجي عفوه سبحانه أحمد بن عمار، ألحفه الله رضاه، وأتحفه القرب من مرتضاه، لما دعتني الأشواق، النافقة الأسواق، إلى مشاهدة الآثار، والأخذ من الراحة بالثأر، وأن أهجر الأهل والوطن، وأضرب في عراض البيد بعطن ..) (١).
وكان ابن عمار يكتب للخاصة لا للعامة، بل لخاصة الخاصة، فأسلوبه راق، ومعانيه بعيدة. فقد جاء في وصف رسالته في التفسير قوله يخاطب الباي علي باشا التونسي (نظمت في سلك دولة هذا الملك السعيد ... عقد لبة وتاج مفرق، مما فتح الفتاح العليم، من هذه الرسالة الغريبة المبني، الوثيقة المعنى، البعيدة المرمى، القريبة المجنى .. فلينظرها المولى، بعين القبول والرضى، وليعرضها على الخواص من أدباء دولته الميمونة وعلمائها وفقهائها وزعمائها، وأما العوام فكالهوام، وليس هم المقصودون بهذه الرسالة، بل بهذا الكتاب كله ..) (٢)، فقد أوضح ابن عمار في هذه العبارات القصيرة أسلوبه الفني ومراميه، وجمهوره من القراء والمطالعين، كما أوضح محتوى كتابه في الباي والرسالة التي ضمها.
ويظهر إعجاب ابن عمار بابن الخطيب من عدة وجوه، فقد أكثر من النقل عنه في الرحلة، ولا سيما قصائد ابن الخطيب الثلاث الميمية والسينية والنونية التي قالها في السلطان أبي حمو، وقال عن شعر ابن الخطيب (شعره كله .. ما بعده مطمع لطالع)، ووعد بأنه سيلم (بشيء من أخباره، ونتف من أشعاره، وشذرات من نثره المزري بالروض وأزهاره)، وقد رد ابن عمار على
التنسي الذي قال إن ابن الخطيب قد قلد أبا تمام في سينيته وأنه اختلس منها الكثير من ألفاظها ومعانيها، فقال ابن عمار مدافعا (والحق أن ابن الخطيب غني بما رزقه الله من قوة العارضة عن الاختلاس من ألفاظ أبي تمام ومعانيه،
стр. 750
وإن كان أبو تمام، رئيس هذه الصناعة، والألفاظ إنما هي للعرب والمعاني مركوزة في أذهان العقلاء، فليس أحد أولى بها من الآخر) (١)، ولنلاحظ أنه في مثل هذه الردود لا يلجأ إلى السجع، ولعل ابن عمار كان يطمح إلى أن يكون كابن الخطيب في النثر والشعر، كما طمح أحمد المقري قبله لذلك، وإذا كانت صناعة الأدب قد واتت ابن الخطيب في عصره وكان لذلك مبررات كثيرة تساعده، فإن ظهور ابن عمار في القرن الثاني عشر وفي مدينة الجزائر، التي لا يستعمل ولاتها اللغة العربية أصلا، فما بالك بفهم أساليبها وبيانها، هو أمر في حد ذاته يثير الغرابة والإعجاب معا (٢).
والواقع أننا مهما أفضنا في الحديث عن دور ابن عمار الأدبي فلن نوفيه حقه في هذا المجال المحدود، ومن عوائقنا في ذلك عدم اطلاعنا على معظم آثاره التي ما تزال على ما يبدو موزعة بين الجزائر وتونس والقاهرة والحرمين، ورغم مكانته الأدبية وفكره المستقل فإن ابن عمار كان، إذا حكمنا من آراء معاصريه فيه، مثالا للاستقامة والتواضع والأخلاق الكريمة، وقد ترك تلاميذ في كل مكان حل به (٣). وكان ابن عمار موسوعيا أيضا ولكن الأدب ظل ميزته الأصيلة رغم براعته وتقدمه في غيره، ولعله من المفيد أن نكرر ما سبق أن قلناه في موضع آخر من أن هجرة ابن عمار والمقري والثعالبي والشاوي وابن حمادوش وأضرابهم قد أفرغت الجزائر من قواعدها العلمية وركائزها الأدبية، وهذا درس قاس جدير بنا أن نتعلمه
اليوم.
стр. 751
الفصل الرابع
الشعر
стр. 752
نتناول في هذا الفصل حالة الشعر في العهد العثماني وأغراضه، وقد وجدنا، بعد دراسة مستفيضة، أن الشعر كان نسبيا مزدهرا وأن أغراضه قد تعددت حسب بواعثه، وهي الدين والسياسة والاجتماعيات والذات، وسنحاول هنا أن نتعرف أيضا على الشعر المسمى بالملحون أو العامي والظروف التي أدت إلى استعماله وانتشاره حتى قال بعضهم أنه أصبح لسان كثير من الناس، كما سنترجم للمفتي الشاعر ابن علي الذي كان أبرز شعراء عصره.
مدخل
وقبل كل شيء نذكر أن دواوين الشعراء الجزائريين ما تزال في طي الكتمان، ولا نعرف أن واحدا منها، مما يعود إلى العهد العثماني، قد جمع وحقق، وما نشر عن المنداسي في هذا الصدد لا ينقض هذا الرأي، فدواوين المنداسي وابن علي وابن عمار والمقري والمانجلاتي وابن سحنون وابن الشاهد وأضرابهم لم تنشر أو تعرف بعد. وكل ما نعرفه عن هذا الشاعر أو ذاك هو بعض الأبيات أو القصائد المثبتة عرضا في أحد المصادر التاريخية أو الفقهية أو المتفرقة في الوثائق العامة، ولعل هذه الظاهرة، ظاهرة الإهمال للشعر وأهله، تؤكد ما ذهب إليه ابن خلدون من أن أهل المغرب العربي قد أضاعوا رواية أشعارهم وأخبارهم فأضاعوا أنسابهم وأحسابهم، ومن العجيب أن هذا الرأي كان حافزا لعدد من الشعراء والكتاب على تدوين الشعر، وسمن هؤلاء أحمد بن سحنون في (الأزهار الشقيقة)، وأبو راس الناصر في (الدرة
стр. 753
الأنيقة)، كما رواه عبد الرحمن الجامعي المغربي في شرحه على رجز المفتي محمد الحلفاوي التلمساني في فتح وهران، ويبدو أن الجيل الحاضر أكثر تقصيرا في رواية الشعر وتدوينه من جيل العهد العثماني.
فهذا ابن حمادوش يتحدث عن نفسه بأن له ديوانا بناه على الغزل والنسيب والمراثي ومدح الرسول ﷺ ، ونحن نعرف من دراستنا له أن شعره يضم أيضا أغراضا أخرى كالفخر والحنين إلى الوطن والأهل والوصف ومدح الأمراء وغير ذلك (١)، ورغم أن (نفح الطيب) و (أزهار الرياض) قد ضما كمية من أشعار المقري، فإن له أيضا كناشا يحمل اسمه (محشو أدبا أندلسيا وغيره) (٢) وله أيضا مجموعة أشعار في الكناشة الناصرية (عبد الله بن أبي بكر بن علي الناصري التمغروطي) (٣). ولسعيد المنداسي مجموعة قصائد في أغراض مختلفة ما تزال مخطوطة (٤)، وينسب إلى سليمان بن علي التلمساني ديوان ما زلنا لا نعرف محتواه، ولكنه ما يزال مخطوطا في إيران (٥). وقد ذكر ابن زاكور المغربي أن لمحمد بن عبد المؤمن الجزائري ديوان شعر ورسائل (٦)، وتضم دواوين ابن علي وابن عمار والمانجلاتي وابن سحنون
стр. 754
أشعارا كثيرة في أغراض شتى أهمها المدح والوصف والغزل والمدائح النبوية، وفي كتاب (منشور الهداية) لعبد الكريم الفكون و (البستان) لابن مريم أخبار عن شعراء في تلمسان وقسنطينة عرفوا بجودة الشعر وكثرته، ولكننا لا نعرف إلى الآن أين هو.
كانت بواعث الشعر، والجيد منه على الخصوص، قليلة، ومن أهمها بالطبع الباعث الديني. فالشعراء كانوا يسجلون مشاعرهم في المواسم الدينية المعروفة كالحج والمولد النبوي بنظم الموشحات والقصائد، ولم يكن ولاة الجزائر يثقفون الشعر حتى يشجعوا عليه في الوقت الذي كان فيه الشعر العربي عموما شعر مدح أو شعر بلاطات، فإذا استثنينا حاكمين أو ثلاثة فإننا نلاحظ أن الشعراء لم يجدوا أي تشجيع معنوي أو مادي لقول الشعر. حقا إن النزاع بين الجزائر وإسبانيا كان باعثا لعدد من الشعراء على الدعوة للجهاد وتمجيد النصر، وهو باعث سياسي - ديني لا غبار عليه. وهناك أيضا مجال الطبيعة وعزة المدن، والحنين إلى الأهل والوطن، والمرأة، بالإضافة إلى البواعث الاجتماعية كرثاء عزيز أو تبادل التهاني والتقاريظ بالشعر، والتماجن، ونحو ذلك من الأغراض، يضاف إلى ذلك عدد من الأغراض التقليدية كتخميس قصيدة مشهورة والتلغيز واتخاذ الرجز وسيلة للنظم في التاريخ والفقه والتصوف وغيرها مما يخرج عن نطاق هذا الفصل (١).
وليس معنى هذا أن المجتمع، ولا سيما مجتمع المدن، كان منغلقا تماما على نفسه. لقد كانت أهم المدن مسرحا لتيارات عديدة أوروبية وإسلامية، شرقية واندلسية، وقد عرفنا أن الخمر كانت رائجة وأن بيوت
стр. 755
الخنا كانت موجودة وأن الفساد الاجتماعي - الأخلاقي كان منتشرا، وبالإضافة إلى ذلك شاعت القهوة والدخان، وكلاهما كان محل مناقشة بين الفقهاء وكثر في ذلك القيل والقال، وانتصر بعض الشعراء، كما سنرى، لشرب الدخان الذي يسميه (السبسي)، بل كانت تجارة الدخان تجارة رابحة. وكان وجود الأسيرات المسيحيات قد أدخل عنصرا جديدا على الحياة الاجتماعية، وكان بعض الضباط والجنود، وبعض رجال الدين أيضا، يتزوجون في أكثر من بلد، وبالغ بعض الضباط فأخفوا زواجا وأعلنوا آخر (١)، بل إن ابن حمادوش يحدثنا أن أحد الباشوات كان مع أهله على سفاح سري إلى أن نصحه العلماء المقربون منه بإفشاء زواجه، ولم يمنع عدم خروج المرأة الحرة واختلاطها بالرجال الشعراء من تناول المرأة في شعرهم، فقد استعمل بعضهم الرموز واستعمل البعض التصريح، ومع ذلك فإن بعض الشعراء قد لجأوا إلى التغزل بالمذكر، وهكذا نجد أن بواعث الشعر الاجتماعية كثيرة ومتنوعة، وأن المجتمع كان متصلا وفيه ما في المجتمعات الأخرى المشابهة من عبث ومجون وتحلل.
على أن من القضايا التي شغلت بعض الكتاب هي علاقة الشعر الفصيح بالملحون وعلاقة الشعر عموما بالحياة والدين، وقد شكا أحمد بن سحنون من غلبة العجمة على ألسنة الناس ولجوء الشعراء إلى الملحون بدل الموزون أو الفصيح، ثم شكا بمرارة من تخلف الشعر وندرة الجيد منه، وقد اتخذ الناس الشعر الملحون أيضا أداة للمدح والهجاء والدين والغزل والمقاصد الأخرى التي اعتاد أن يطرقها الشعر الفصيح. ولنستمع إلى ابن سحنون وهو يتحدث عن هذه القضية في نطاق حديثه عن الباي محمد الكبير ومدح الشعراء له (اعلم يا أخي أن الألسنة غلبت عليها العجمة، وارتفع منها سر الحكمة، فصار الناس إنما يتغنون بالملحون، وبه يهجون ويمدحون، ولهم في ذلك فنون رقيقة، ومعاني رشيقة، وقد مدحوه (الباي محمد الكبير) بما لا
стр. 756
يملك حصره، وذلك أمر خارج عن مقصد الأديب، لا يخصب روض البلاغة الجديب، وعلى قلة المعرب في هذا العصر، فقد قيل فيه منه ما لا يأتي عليه الحصر، غير أن منه الفقهي الذي لا يثبت إما لتكسر مبانيه، أو لاختلال معانيه، ومنه ما بلغ الغاية، وصار في لطافته ورقته آية، وهو أيضا كثير، غير أني لم أقف على أكثر جمانه النثير، وإنما أثبت هنا ما وقفت عليه من الجيد الأثير) (١)، ومن الواضح أن ابن سحنون يفضل الشعر الفصيح الجيد على الملحون لعلاقة الأول بالبلاغة والأدب، ولكن ما حيلته والعصر عصر عجمة وشعر عامي وشعر فقهي لا علاقة له بالذوق والخيال والفن (٢).
وقد اضطر عبد الرحمن الجامعي المغربي في شرحه على رجز الحلفاوي في فتح وهران إلى الاستشهاد بالشعر الملحون، وبرر ذلك بأن المعنى أحيانا يتوقف عليه وأن الشعراء قد قالوا شعرا كثيرا ملحونا في هذه المناسبة، ثم إنه (ما في ذلك من بأس، فإنه في هذا القطر (الجزائر) أساس الكثير من الناس) (٣) لذلك جاء في شرحه بقصيدة طويلة ملحونة (عروبية) دون أن ينسبها إلى شاعر بعينه. وقد اتبعه أبو راس في ذلك فقال بأنه لا بأس من إيراد الشعر الملحون لأنه قد أصبح لسان الكثير من الناس (٤). كما كرر ما رواه الجامعي عن ابن خلدون في لوم أهل بلاد المغرب على إهمالهم رواية أشعارهم وأخبارهم، وقد عرف أبو راس الشعر بأنه (ميزان الأدب .. وزينة الألباب، ومورد الحكمة، وفصل الخطاب، وسبيل
стр. 757
مسلوك، وله موقع عند الخلفاء والملوك، ومدحه في السنة شهير، وبه محيت ذنوب كعب بن زهير). كما نسب أبو راس إلى النبي ﷺ قوله: (الشعر ديوان العرب)، وهو لذلك قد كتبت فيه الدواوين، وشرحه أكابر العلماء ونوهوا به.
وإذا كان هذا تبريرا من أبي راس لتناوله الشعر بالشرح، ولا سيما شرح قصيدة ملحونة مثل (العقيقة)، فإن قضية الشعر والدين كانت أوسع من ذلك. ففي عصر ساد فيه التصوف لا نستغرب أن يقف المتصوفة ومن يتصل بهم ضد الشعر المعروف في أغراضه التقليدية، ما عدا الشعر الديني. حقا ان أبا راس قد مدح الشعر عموما، ثم قال إن فضل الشعر يزيد عندما يكون في مدح الرسول ﷺ ، كما فعل المنداسي. والمعروف أن المنداسي قد نظم في أغراض أخرى غير دينية. ولكن هذا ليس هو رأي عالم متصوف مثل الورتلاني. فقد حكم الورتلاني بمنع الأشعار (التي فيها ذكر الخدود والقدود وتسمية المحبوبة من النساء المرغوب فيها الفساد) أما شعر الوعظ والذكر ومدح الرسول ﷺ فقد حكم بندبه (١). بل إن الورتلاني قد جوز كسر الأوزان الشعرية واعتبر أن الإصرار على استقامتها هو مذهب المتأخرين. ولا شك أن هذا الرأي يتماشى مع قدرته هو الشعرية، فإن قصائده كانت في أغلبها مكسورة ومختلة، وقال عن قصيدة للولي الصالح سيدي الهادي إنها (وإن خصها بعض الأوزان الشعرية فإن مذهب المتقدمين لا يشترطون ذلك (أي إقامة الوزن) وإنما هو مذهب المتأخرين، على أنه إن استقامت حالة الإنسان، وكانت همته عالية متعلقة بالله تعالى لا يضره مخالفة القوانين الأدبية ولا غلبة العجمة ولا قلة العلم) (٢) فالمهم عند الورتلاني إذن هو التصوف وليس الفن، هو الصلاح والاستقامة الخلقية وليس الشعر واستقامة أوزانه. وما دام هذا رأي عالم فقيه وصوفي كالورتلاني، فإننا لا نستغرب أن نجد كثيرا من الأشعار المنسوبة إلى علماء مشاهير مختلة الأوزان أيضا ومرتبكة،
стр. 758
وعلى رأس هؤلاء ابن حمادوش وأبو راس.
الشعر الديني
كان الدين، بأوسع معانيه، من أهم الأغراض التي طرقها الشعراء، ولا سيما مدح الرسول ﷺ والتشوق إلى زيارة قبره وإحياء مولده. ويشمل ذلك أيضا الشعر الصوفي، والتوجه إلى الله وقت الشدة، ومدح ورثاء الأولياء والصالحين ونحو ذلك.
ولا شك أن الشعر الديني، وخصوصا المدائح النبوية، من أقدم الأغراض الشعرية، وتحتفظ الوثائق بقصيدة نادرة في مدح المدينة المنورة (طيبة) قالها الشاعر الصوفي أبو محمد عبد الله بن عمر البسكري (١)، وهي القصيدة التي أكثر الكتاب من تداولها والنسج على منوالها لجودتها وصدقها، فذكرها ابن عمار في (الرحلة) وابن سحنون في (الأزهار الشقيقة)، ومنها هذه الأبيات:
دار الحبيب أحق أن تهواها ... وتحن من طرب إلى ذكراها
وعلى الجفون متى هممت بزورة ... يا ابن الكرام عليك أن تغشاها
فلأنت أنت إذا حللت بطيبة ... وظللت ترتع في ظلال رباها
معنى الجمال متى الخواطر والتي ... سلبت عقول العاشقين حلاها
لا تحسب المسك الذكي كتربها ... هيهات! أين المسك من رياها
طابت فإن تبغ التطيب يا فتى ... فأدم على الساعات لثم ثراها
وقد أورد أحمد المقري في (نفح الطيب) نماذج من المديح النبوي قالها الشاعر محمد بن محمد العطار الجزائري (نسبة إلى مدينة الجزائر) (٢)،
стр. 759
من ذلك قصيدة له في عشرين بيتا في المدينة المنورة أيضا، مطلعها:
أهدت لنا طيب الروائح يثرب ... فهبو بها عند التنسم يطرب
فالتشوق إلى البقاع المقدسة ووصفها والحنين إليها ومدح الرسول ﷺ أغراض قديمة عند الجزائريين.
وقد أكثر بعضهم من النظم في هذا الغرض حتى أنهم خصوه بديوان كامل. ومن هؤلاء عبد الكريم الفكون. فقد سبق أن أشرنا إلى أنه نظم ديوانا في مدح الرسول وفي حياته عموما. ولا غرابة في ذلك فالفكون كان أميرا لركب الحج الجزائري مدة طويلة، وقد وصفه العياشي بأنه كان يذهب كل سنة حتى بعد أن تقدمت به السن، ووصف العياشي هذا الديوان وقال إن
الفكون قد رتبه على حروف المعجم وكتب عليه مما يمدح به عند الغمة، وساعة الغياهب المدلهمة. وقد التزم الفكون فيه طريقة صعبة فجعل مبدأ كل سطر حرفا من حروف: (اللهم اشفني بجاه محمد، آمين). وجملة ذلك خمسة وعشرون حرفا، ففي كل قصيدة مثلها أبياتا. ففي قافية الهمزة خمسة وعشرون بيتا، وكذلك في قافية الباء، وهكذا إلى آخر حروف المعجم، ويمكننا أن نتصور بعد ذلك كم في هذا الديوان من أبيات، وكان الفكون قد نظم هذا الديوان بعد أن أصيب بمرض غريب ألزمه الفراش سنة وشل نصفه الأيسر ولم يكن يرجو برءا منه فشفاه الله، وكان ذلك سنة ١٠٣١ (١). وللفكون قصائد أخرى في التوسل وغيره سبق أن أشرنا إليها في غير هذا المكان (٢).
وكل من ابن حمادوش وابن عمار قد تحدث عن عادة أهل مدينة
стр. 760
الجزائر في المولد النبوي وليلة القدر وعند ختم صحيح البخاري، ونعرف مما ذكراه أن البلاد كانت تحتفل بهذه المناسبة احتفالا كبيرا، يتلى فيها البخاري طوال الليل وتضاء الشموع الضخمة ويطوف القراء وغيرهم الشوارع وهم حاملون المصابيح، وتعد النسوة أطعمة خاصة، وتعزف الموسيقى ويكثر إنشاد الشعر الديني والموشحات. وإذا كان ابن حمادوش قد ركز في وصفه على المظاهر الاجتماعية والدينية عند الاحتفال ليلة ختم صحيح البخاري، فإن ابن عمار قد أعطانا صورة حية عما كان يفعله الشعراء بالخصوص أثناء الاحتفال بالمولد النبوي. فهو يقول إنه كلما دخل شهر ربيع الأول شرع أدباء وشعراء الجزائر في نظم القصائد والموشحات النبوية، ثم يلحنونها (بالألحان المعجبة، ويقرأونها بالأصوات المطربة) ويصدحون بها في المحافل الكبيرة والمجامع التي يحضرها الفضلاء والعلماء والرؤساء، في المزارات والزوايا والمكاتب. وكان الناس يلبسون لذلك أيضا أجمل ثيابهم ويتطيبون تقديرا للمولد الشريف.
وكان ابن عمار من بين ثلاثة شعراء اشتهروا بنظم الموشحات والقصائد المديحية في هذه المناسبة، ففي سنة ١١٦٦ أنشأ هو موشحا عند حلول شهر ربيع الأول وتاقت نفسه للحج، قائلا في فاتحته:
يا نسيما بات من زهر الربا ... يقتفي الركبان
احملن مني سلاما طيبا ... لأهيل البان
وأضاف ابن عمار بأن له من هذا القبيل وغيره من القصائد المديحية كثيرا ضمنه (بطن ديوان ..) (١) فلابن عمار إذن ديوان في المدائح النبوية بعضه موشحات وبعضه قصائد قريض، كما يقول، وهو يعني بالقريض الشعر الموزون المقفي أو غير الموشحات.
ورغم أن ابن عمار قد لاحظ أن الشعر القريض الذي يتناول المدائح النبوية قليل في عصره، فإنه قد ذكر أن أحمد المانجلاتي قد برع فيه وفي
стр. 761
الموشحات أيضا. فقد اعتبره ابن عمار ثالث اثنين هما: البوصيري وابن الفارض في القصائد النبوية. وقد أشاد به واعتبره (مجلى هذه الحلبة، ومقدم الجماعة وناثل الجعبة، وإمام الصناعة ركاب صعابها ومذللها، ومسيل شعابها ومسهلها، عاشق الجناب المحمدي ومادحه بلا معارض، ومثلث طريقتي البصري وابن الفارض)، ثم أثبت له في الرحلة بعض مولدياته التي قال عنها إنها تطرب وتروق، مثل موشح المانجلاتي (نلت المرام):
بالله حادي القطار ... قف لي بتلك الدار ... واقر السلام
سلم على عرب نجد ... واذكر صبابة وجدي ... كيف يلام
من بادرته الدموع ... شوقا لتلك الربوع ... مع المقام
وبعد أن أورد له ابن عمار قصيدة أخرى في المديح النبوي، وهي:
الركب نحو الحبيب قد سارا ... يود شوقا إليه لو طارا
قال عن المانجلاتي إنه من عشاق الشمائل المحمدية وإن له (ديوانا) في المدائح النبوية (تزري بالأزهار الندية) (١)، وني ترجمتنا لابن علي بعد حين سنعرف أنه كان من الشعراء البارزين وأن له أيضا قصائد في المدح النبوي وموشحات أشاد بها ابن عمار في رحلته المذكورة.
ومن شعراء المديح النبوي أيضا الأكحل بن خلوف وأبو عبد الله محمد المغوفل. وكلاهما قد اشتهر في هذا الباب، ولا سيما الأول، حتى أصبحت قصائدو تغنى وتروى على مختلف العصور. وكلاهما أيضا من رجال التصوف. وقد أشاد أبو راس بالأول فقال إنه قد اشتهر بمدح النبي ﷺ شهرة ابن عروس بتونس. أما عن المغوفل فقد قال إنه: (أحد أعجوبات الدهر في
стр. 762
عمله وورعمه وكراماته. يشهد لعلمه قصيدة مدح بها رسول الله ﷺ ، فيها سبعون بيتا وليس فيها حرف يستحق النقط، بل كلها عواطل من النقط، وكفي به حجة) (١)، وقد ذكرنا من قبل أرجوزة محمد المغوفل في صلحاء الشلف.
وما دمنا بصدد الحديث عن النواحي الغربية من الجزائر فلنذكر أن أحد شعراء مدينة مستغانم قد نظم قصيدة هائية في المديح النبوي تعرف أحيانا (بهائية المستغانمي) (٢)، والقصيدة طويلة تبدأ بالغزل وتنتهي بمدح الرسول ﷺ ، وفي الأبيات الغزلية وحدها عشرون بيتا، وهي مقسمة إلى عناوين مثل باب التغزل وحسن التنزل، وباب رجوع وانصراف وإقرار واعتراف، وباب التعداد وحسن الإمداد، الخ. وهي أيضا في وصف الرسول وأخلاقه وأيامه وصحابته والاستعانة به، وقد انتهى الشاعر فيها بنظم الأيام السبعة والشهور الهجرية، وهي تبدأ هكذا:
هام الجوى بهوى ليلى فحياها ... قلب تعاطى من الأشواق أعلاها
ناداه سر هواها من كوى شغف ... وعند طور نداها اللب لباها
ويختمها الشاعر بهذه الأبيات التي فيها ذكر مستغانم والدعاء لها بالحفظ والرعاية:
قصيدة الها بها والوصل مردفة ... لسيد الخلق فكر العبد أهداها
لطيفة النسج من لطف الإله بدت ... بمستغانم مذ حلت بعقواها
فالله يرزقها أمنا ويحفظها حفظا ... ويكلؤها دأبا ويرعاها
ومن جهة أخرى ذكر ابن مريم عددا من الشعراء الذين اشتهروا بالمديح النبوي، ومنهم عبد الرحمن بن موسى المتوفي سنة ١٥١١.
والواقع أن معظم الشعراء والأدباء المعروفين قد نظموا في المدائح
стр. 763
النبوية، والفرق بين شاعر وآخر هو في الجودة وصدق العبارة، فابن سحنون الذي تفرغ لخدمة الباي محمد الكبير لم ينس المدينة المنورة فأورد قصيدة طويلة في ذلك في شرحه على العقيقة (١)، وحين افتخر ابن حمادوش بأنه لم يجعل شعره في مدح الأمراء أشار إلى أنه قد جعل شعره في أغراض أخرى منها مدح الرسول ﷺ ، ولكنه لم يذكر في رحلته التي بين أيدينا نموذجا
لشعره في ذلك، والغالب أن شعره النبوي لا يرقى إلى أشعار بعض معاصريه، لأن النماذج التي ساقها في أغراض أخرى ضعيفة ومكسورة، ومن أبرز شعراء المديح النبوي أحمد المقري الذي حج أكثر من خمس مرات، وألف بعض كتبه، كما أشرنا، في المدينة المنورة، بالإضافة إلى تمتعه بموهبة شعرية نادرة، وقد اطلعنا له على مجموعة من القصائد في هذا المعنى (المدائم النبوية) ما تزال مخطوطة (٢).
ولا شك أن التوسل إلى الله برسوله ﷺ يدخل في هذا الباب، وقد شاع هذا عند المتصوفة عموما، وعند بعض الفقهاء، وحتى عند الشعراء، وللفكون في هذا الجانب عدة قصائد منها (سلاح الذليل في دفع الباغي المستطيل) و (شافية الأمراض لمن التجأ إلى الله بلا اعتراض)، وقد ذكرنا ذلك في ترجمته. وللمفتي محمد بن الشاهد قصيدة في هذا المعنى:
بأسمائك الحسنى فتحت توسلي ... ومنك رجوت العفو أسمى مطالبي (٣)
كما أورد محمد بن سليمان في كتابه (كعبة الطائفين) شعرا لنفسه في
стр. 764
هذا المعنى (١)، ونعتقد أن الوثائق ما زالت تحفظ الكثير من هذا الشعر الذي يخاطب العبد فيه ربه مباشرة أو من خلال رسله وأنبيائه وأوليائه في حالة الشدة والكرب، طالبا منه كشف الهموم ودفع الظلم.
ولعله مما يدخل في هذا المعنى نظرة بعض رجال الدين إلى الإنسان كونه ريشة في مهب الريح ليس لها خيار فيما تختار، وقد شغلت قضية الإنسان، مجبرا أو مخيرا، حيزا كبيرا من مناقشات الفلاسفة والمتكلمين منذ أمد سحيق، ولكن الشعراء لم يبقوا بمعزل عن هذه المناقشات، وممن نظم شعرا في كون الإنسان مجبرا على فعل ما يفعله أحمد البوني الذي تنسب إليه بعض الأبيات في هذا المعنى:
كل الأمور لمبديها وخالقها ... فما على العبد تخيير وتدبير
فالله يعلم ما للعبد مصلحة ... فيه وقد يصحب التعسير تيسير (٢)
ومن تاريخ الشعر الديني والتصوف في الجزائر إظهار عبد الرحمن الأخضري لنبوة خالد بن سنان العبسي بقصيدة طويلة وهامة في ميدانها، فبفضل هذه القصيدة وتبني الأخضري لفكرة نبوة النبي خالد، واعتقاده أنه دفين البلدة المعروفة اليوم بـ (سيدي خالد)، أصبح الضريح مزار الناس من كل فج، وتذكر المصادر أن الأخضري قد أظهر نبوة خالد بن سنان (بطريقي
الكشف أي السر والتربيع، وانتشر خبر الظهور والإظهار، وعم وطم كل أهل الوبر والمدر ذوي الأمصار، ومن ذلك الوقت صار نبي الله خالد بن سنان يزار ويتبرك به) (٣)، وقصيدة الأخضري هذه متينة العبارة، ومنها:
سر يا خليلي إلى رسم شغفت به ... طوبى لزائر ذاك الرسم والطلل
جلت شواهده عزت دوائره ... ما خاب زائره في الصبح والأصل
وفي نبوءته وشواهدها يقول الأخضري صراحة:
стр. 765
إن النبوة قد لاحت شواهدها ... كيف المحالة والأنوار لم تزل
في خالد بن سنان البدر ... سيدنا أخصه بسلام رائق حفل
لله ما حاز من عز ومن ... شرف نال الرسالة يا ناهيك بالرسل
أنواره سطعت فوق الربى وبدت ... على الفيافى وفوق السهل والجبل
وقد أكد الأخضري أن النبي خالد قد سكن الغرب (يعني الجزائر) وأن قومه قد ضيعوه وأن أهل الجزائر أيضا لم يحتفظوا به وأنهم قوم يحتقرون العظماء، لذلك دعا إلى تعظيمه والتبرك به وزيارته والاستغاثة به عند الشدائد (١)، وقد انتشرت القصيدة وأثرت في الناس. كما أن أحد تلاميذ الأخضري، وهو عبد العزيز بن مسلم، قد قام بتخميسها. ومما جاء في تخميس البيت الثاني قوله:
كم من غشوم ظلوم ظل قاهره ... وكم ضعيف عفيف ظل ناصره هذا الرفيع المنيع الجار حاضره ... جلت مشاهده عزت دوائره
ما خاب زائره في الصبح والأصل (٢)
وقد انتشر أيضا الشعر الصوفي. ومن ذلك قصيدة (حزب العارفين) الملحونة التي نظمها موسى بن علي اللالتي، وهي التي شرحها، كما عرفنا، محمد بن سليمان في كتابه (كعبة الطائفين)، وقصيدة حزب العارفين تتحدث
عن أهل الصلاح من الأولياء والصالحين وعن أهل الطلاح من الأشرار
الفاسدين، ويتأسف صاحبها على العهود الغابرة حين كانت الكلمة للأولياء ورجال الخير. كما اشتهر بشعر التصوف محمد ساسي البوبي. فقد أخبر عبد الكريم الفكون في (منشور الهداية) أن لمحمد ساسي شعرا
стр. 766
كثيرا فيه عبارات الدنان والحان وغيرها مما كان يستعمله أهل التصوف، كابن الفارض، ويقصدون به السكر بالخمرة الإلهية، وكان محمد ساسي ينشد الأشعار والأزجال في الحضرة الصوفية والمواكب الدينية (١).
والغالب أن تكون قصيدة محمد بن محمد الموفق المشهور بابن حوا المسماة (الريحانة المروحة على القلوب المقترحة) من هذا النوع أيضا. فقد كان هو من أهل الخير والصلاح، وتشهد أرجوزته (سبيكة العقيان) على أنه كان مهتما بحياة الأولياء والصلحاء كما فعل ابن مريم
والمغوفل والمازوني (٢) ومن جهة أخرى روى ابن مريم أن محمد بن عبد الجبار المسعودي الفجيجي الذي بلغ درجة القطابة في التصوف والذي كانت له زاوية بوطنه (حدوش)، كان أيضا (شاعرا ماهرا في الشعر) وكانت له منظومات في مدح الرسول ﷺ حتى (كتب عنه مجلد كبير في مدح النبي (٣))، وقد كان محمد الفجيجي صديقا حميما لأحمد بن يوسف الملياني المتصوف.
ولا شك أن الشعر الديني بجميع أغراضه كثير في العهد الذي ندرسه،
ولم نأت منه هنا إلا على نماذج للتعرف على غرضه، وقوة أو ضعف الوسيلة التي قدم بها. ومن نافلة القول ان هذا الشعر كان مرآة لثقافة أصحابه. بقي أن نشير إلى أن المراثي الأخرى العامة قد تناولناها في الشعر الاجتماعي وليس في الشعر الديني.
الشعر السياسي
لم يرتبط الشعر بالسياسة في الجزائر خلال العهد العثماني إلا في
стр. 767
مناسبات محدودة نستطيع حصرها في الجهاد ضد الأجانب، وخصوصا الإسبان، ومدح بعض الأمراء طمعا في مالهم، والموقف من الأتراك مدحا وذما. وقد عرفنا أن الأمراء لم يكونوا يتذوقون الشعر فلم يشجعوا على قوله، كما أن بقاءهم في الحكم كان مرهونا بظروف طارئة فهم لا يبقون فيه إلا فترات قصيرة تكون عادة مليئة بالصراعات وغالبا ما تنتهي نهاية دموية، والشعر السياسي يعيش عادة في ظروف هادئة يدوم فيها حكم الأمير فترة معقولة يعرف الناس خلالها أخلاقه ومواقفه ليمدحوه عليها أو يذموه. كما أن الشعر السياسي يحتاج إلى تذوق الأمراء له وتشجيعهم عليه، وهذه الظروف كانت كلها تقريبا مفقودة في الجزائر خلال العهد المدروس.
وكان عبد الكريم الفكون قد انتقد علماء وقته في تقربهم إلى الولاة وتنافسهم على رضاهم وخدمتهم، ومن الواضح أن هؤلاء العلماء كانوا يتنافسون عن طريق الدس والفتنة والوشاية وليس عن طريق الكلمة المكتوبة نثرا أو شعرا، ولو وجد هؤلاء العلماء مجالا للتنافس بالشعر لاتخذوه وسيلة للرقي والشهرة بدل المؤامرة والدس، ومن سوء الحظ أن هذه الظاهرة، ظاهرة الصراع المكتوم أو الصامت بين المثقفين، ما تزال موجودة في الجزائر، لأن العهد الفرنسي أيضا لم يفتح شهية الشعراء للتنافس بالقصيد. ونستثنى من هذا الحكم شعراء محمد بكداش باشا وشعراء الباي محمد
الكبير، الذين وجدوا في ممدوحيهم إرادة خيرة في إكرامهم والإنعام
عليهم، وقد قيل عن أحمد المقري أنه قد اتخذ شعره سلما للدنيا وأنه مدح به الأمراء والحكام، ورغم أننا لم نجد له كثيرا من هذا النوع، فإنه في الواقع لم يمدح بشعره أمراء بلاده الجهلة بلغته وإنما مدح به بعض وجهاء مصر والشام، ولعله قد مدح به أيضا بعض أمراء المغرب الأقصى، ورغم أن الشعر السياسي في أغلبه غير صادق، فقد كنا نود أن تتفتح أمام الشعراء مجالات في بلادهم حتى نتعرف من خلاله على كثير من تطوراتها
ومواقف رجالها، ذلك أن الشعر السياسي اليوم يدرس من وجهتين رئيسيتين
فنية وتاريخية.
стр. 768
ولنبدأ بشعر الجهاد. فقد شكلت ذكريات سقوط الأندلس وأثر ذلك على المسلمين هناك وتهديد الإسبان باحتلال المغرب العربي، العمود الفقري للعاطفة الدينية - السياسية التي نسميها الجهاد، ورغم أن الجهاد عموما يقصد به هنا مجابهة غير المسلمين وردهم على أعقابهم، فإنه قد انحصر تدريجيا في رد غارات الإسبان خصوصا وطردهم من الجيوب التي نزلوا بها على السواحل، ولاسيما وهران ومرساها، وإذا كان العثمانيون قد ساعدوا الأهالي في طرد الإسبان من المدن الساحلية (مدينة الجزائر، بجاية، شرشال، جيجل، عنابة، مستغانم الخ.) فإنهم قد توقفوا عن طردهم من وهران ونواحيها، لذلك ظل الوجود الإسباني هناك كأنه رمز لاستمرار الجهاد والدعوة إليه من قبل رجال الدين والشعراء، ويمكن القول بأن معظم الشعر السياسي، بما في ذلك مدح بكداش باشا والباي محمد الكبير، قد تمحور حول هذه النقطة، بل أصبح عند بعض الشعراء هو ميزان الولاء أو الثورة ضد
العثمانيين.
وقد قيل الكثير من الشعر في التحريض على الجهاد وفي التهنئة بالنصر، فمن الذين مدحوا حسن بن خير الدين باشا على فتح حصن مرسى
وهران الأعلى وهروب الإسبان إلى الجزء الأسفل منه، الشاعر
عبد الرحمن بن موسى في قصيدته التي مطلعها (١): هنيئا لك باشا الجزائر والغرب ... بفتح أساس الكفر مرسى قرى الكلب وله غيرها في نفس المناسبة. وهو من أوائل الشعراء المؤيدين للعثمانيين لجهادهم ضد الأسبان، ولذلك وصفه بأنه باشا الجزائر وإقليم وهران أو الغرب، ولكن حسن باشا لم يستطع أن يطرد الإسبان نهائيا، وظل وجودهم يثير مشاعر الشعراء كلما حانت المناسبة، ولو جمعنا من الشعر ما
ذكره الجامعي وابن ميمون وابن سحنون وغيرهم في فتح وهران وطرد
стр. 769
الإسبان منها لجاء ذلك في ديوان كبير (١).
وفي أوائل القرن الحادي عشر اتجهت الهمة من جديد إلى الضغط على
الإسبان وظهرت علامات الاستعداد لحربهم، وكان ذلك على عهد حسين خوجة الشريف باشا الذي تولى سنة ١١١٧، وقد أظهر هذا الباشا استعدادا للجهاد حين أرسل الأخبية لوهران، لذلك انطلق الشعراء يستحثونه ويصفون سوء أحوال المسلمين تحت حكم الإسبان، ولا سيما النساء، استثارة للعواطف الدينية والنفسية: ومن هؤلاء الشاعر البارع محمد بن محمد بن علي المعروف بابن آقوجيل، فله في ذلك قصيدة مؤثرة (٢) هنأ فيها أولا الباشا بتوليته على الجزائر ثم التفت إلى الغرض المقصود في قوله:
جهز جيوشا كالأسود وسرحن ... تلك الجواري في عباب بحور
أضرم على الكفار نار الحرب لا ... تقلع ولا تمهلهم بفتور
وبقربنا وهران ضرس مؤلم ... سهل اقتلاع في اعتناء يسير
كم قد أذت من مسلمين وكم سبت ... منهم بقهر أسيرة وأسير
وهي قصيدة طويلة ومؤثرة، بلغت نحو سبعين بيتا، وفيها أيضا نصائح للباشا ووصف لأحوال العلماء السيئة.
ولكن مدة حسين خوجة الشريف باشا لم تطل (٣)، فقد عزل وتولى مكانه محمد بكداش باشا سنة ١١١٨، وتمكن هذا من فتح وهران سنة ١١١٩، فانطلقت ألسنة الشعراء من عقالها مدوية، ذلك أن الشعر الذي قيل
стр. 770
في هذا الباشا لم يقل مثله في أي حاكم في الجزائر خلال العهد العثماني، إذا حكمنا على الأقل من المصادر التي اطلعنا عليها، ويبدو أن سبب هذا السيل من الشعر فيه قد جاء نتيجة انتصاره على الإسبان وكونه على ما قيل من أصل عربي. فأما دوره في الجهاد فواضح، وأما كونه عربيا فيظهر أن ذلك كان محض ادعاء. كما أشرنا سابقا. ولعل من أسباب رضى الشعراء عنه إدراكه لنفسياتهم وقضاء حوائجهم وتقديم العلماء إليه، ويبدو أن ذلك قد جاءه من تجربته في الإدارة إذ أنه قد تولى عدة وظائف قبل توليه الباشوية، ومن بينها وظيفة خوجة (أو كاتب). ولعل من حسن حظ بكداش باشا أنه وجد ابن ميمون يدون له الشعر الذي قيل فيه وفي جهاده، إذ لولا ابن ميمون لربما ضاع هذا الشعر كما ضاع غيره، ولكان هذا الباشا مجرد اسم جامد في قائمة الولاة العثمانيين بالجزائر.
وليس من هدفنا إحصاء ما مدح به الشعراء، محمد بكداش باشا، فقد تكفل بذلك ابن ميمون في كتابه (التحفة المرضية) وحسبنا أن نحيل على هذا الكتاب، غير أننا نود أن نذكر أن الشعر الذي قيل فيه يختلف جودة ورداءة، وأن المدح قد تناول سيرته وأصله ومواقفه وجهاده وكرمه وشجاعته، وهناك من جاء ناصحا، ومن جاءه متنبئا له بفتح وهران على يده، ومن الشعراء الذين أكثروا من مدحه والتقرب منه أحمد بن قاسم البوني، بالإضافة إلى عالمين آخرين من أسرة البوني (مصطفي بن عبد الله، ومحمد بن أحمد)،
ومنهم يحيى بن أحمد بن أبي راشد، وابن علي، ومحمد بن أحمد الحلفاوي، مفتي تلمسان، الذي خص فتح وهران برجز طويل (١)، ولنذكر من شعراء بكداش أيضا عبد الرحمن الجامعي المغربي، وإبراهيم القنيلي الطرابلسي، ومما يلفت النظر في هذه المناسبة هو أولا كثرة الشعراء الذين لا نجدهم قد تجمعوا في فترة من فترات التاريخ العثماني كما تجمعوا في هذه الفترة القصيرة، وثانيا تغني الشعراء بالجزائر مدينة وقطرا، فهذا الشاعر ابن
стр. 771
أبي راشد يشير إلى الجزائر القطر بقوله وهو يتحدث عن الباشا:
تاهت به أرض الجزائر واغتدت ... زهوا به عن غيرها تختال (١)
وهذا محمد المستغانمي قد نظم قصيدة في بكداش جعل عنوانها (الكوكب النائر في مدح أمير الجزائر)، وهو هنا يعني القطر أيضا (٢) أما مدينة الجزائر البكداشية فقد تغنى بها الجامعي، خصوصا في قوله:
فدعني من غرناطة وربوعها ... وشنيل فالحسن انتهى للجزائر
فما تفضل الحمراء بيضاء غادة ... مقرطة بالبدر ذات غدائر (٣)
ولم يكن الجامعي وحده في هذا الميدان، فقد أقبل الشعراء على مدينة الجرائر ووصفوها في شعرهم، ولو طال عهد بكداش لدخلت مدينة الجزائر، كعاصمة لقطر كبير، ميدان الأدب من أوسع أبوابه، ولكن أيام الباشا كانت، كأيام غيره من الحكام، محدودة، إذ لم يبق في الحكم إلا حوالي أربع سنوات (١١١٨ - ١١٢٢).
والحادث الثالث (بعد الجهاد ومدح بكداش) الذي أطلق أقلام الشعراء هو فتح وهران الثاني على يد الباي محمد الكبير سنة ١٢٠٥، فقد كان هذا الباي متنورا إلى حد كبير فجمع حوله نخبة من الأدباء والكتاب ينسخون له الكتب ويسجلون أحداثه اليومية ويدرسون وينوهون بأعماله، وقد أغدق عليهم المال والرعاية فنشطت الحركة الأدبية على عهده، ولا سيما الشعر، وجاءه الشعراء من البليدة والجزائر والمغرب يستمنحونه العطايا، وخلافا لعهد بكداش باشا فإن عهد الباي قد طال، وقد سجل لنا أحمد بن سحنون في (الثغر الجماني) نماذج من الشعر الذي قيل في هذا الباي ولعله قد سجل أيضا بعض ذلك في (عقود المحاسن) الذي لم نطلع عليه.
стр. 772
وأول شعرائه هو أحمد بن سحنون نفسه الذي كان أحد كتابه، فقد قال فيه وفي ولده عثمان أكثر من قصيدة، وابن سحنون من الشعراء البارزين في عهده، رغم صغر سنه عندئذ، وقد عرفنا رأيه في الشعر الفصيح والملحون وفي حركة الشعر عموما في الحزائر في بداية هذا الفصل، وكان الباي قد حظي بقصائد ابن سحنون حتى قبل فتح وهران، فله فيه قصيدة عندما تولى
الحكم وأخرى في جهاده وسيرته قبل الفتح، ومدحه حين أكرم ضيفه يزيد بن
سلطان المغرب آنئذ، في قصيدة طويلة جيدة النسج والموضوع، بدأها بالغزل على العادة:
حنانيك ماذا الصد ماذا التجانب ... وقلبي من شوقي لوجهك ذائب
وفيها يقول:
وإن كان ذنبي في هواك محبتي ... فما أنا من ذنبي مدى الدهر تائب
ثم تخلص من الغزل إلى مدح الباي بما يناسب المقام، ويجعله في مقدمة الملوك الكرام. وابن سحنون مولع بالغزل في مطالع قصائده، فقد مدح عثمان بن محمد الكبير (وكان صديقا له) بقصيدة أيضا بدأها بهذا الطالع: ألم المحبة للحشاشة موجع ... والصبر للصب المروع مرجع
لولا التصبر والتبصر في الهوى ... لرأيت سلوى في الأسى يتروع
وكان ابن سحنون يتتبع آثار الباي ويمدحها بقصائده الجميلة. فقد مدح
دار سكنى الباي ووصفها كما سنرى، ووصف الجامع الكبير الذي بناه في معسكر والمدرسة التابعة له، بل إنه مدح ومازح أصهار الباي ورثى قضاته، وبعبارة أخرى كان ابن سحنون هو متنبي الباي محمد الكبير , وإذا درس شعره وقورنت آثاره الأدبية الأحرى كـ (الأزهار الشقيقة) و (عقود المحاسن) ظهر ابن سحنون في طليعة أدباء عصره وأكثرهم تمكنا في القصيدة التقليدية بعد ابن علي وابن الشاهد، ولسوء الحظ أن حياته وآثاره ما تزال مجهولة (١).
стр. 773
ومن شعراء الباي المذكور أيضا أبو راس وأحمد القرومي ومحمد بن الطيب المازري وغيرهم، وإذا نحن قسنا بحجم القصائد فإن أبا راس يأتي عقب ابن سحنون، ولكن شعر أبي راس كان شعرا تاريخيا وفقهيا. ذلك أن غلبة علوم الفقه والتاريخ عليه جعلت شاعريته تستسلم أمام تحدي الحفظ والذاكرة، بالإضافة إلى أن شعر أبي راس في أغلبه مكسور ومختل، وقد قال في فتح وهران على يد الباي المذكور قصيدة سينية طويلة شرحها فيما بعد بطلب من الباي فأصبحت هي والشرح جزءا من تاريخ الحادثة (١)، على أن أبا راس قال إنه اختار لقصيدته قافية السين لأنها محبوبة لدى الأدباء والأمراء، وقد كان الباي هو ولي نعمة أبي راس، ولذلك مدحه في عدة مناسبات وهنأه بالنصر.
فنم هنيئا وبك النصر مقترن ... بقصر وهران دار لك محلالا
وفي إحدى قصائده فيه حاول أبو راس، رغم ركاكة القصيدة، أن يربط بين فتح وهران وضياع الأندلس، وذكر أن هذا الفتح قد اهتزت له أراضي الإسلام من مصر إلى الحجاز والشام، وأبو راس يعتبر هذه القصيدة مع ذلك، (من بديع ما قلته في فتح وهران) (٢) ومطلعها:
خليلي قد طاب الشراب المورد ... لما أن صار الأمير في الثغر يقصد
وهو يقصد بالثغر مرسى وهران، وأن الباي لم يعد يقصده الناس في معسكر، التي كانت العاصمة قبل الفتح، ولكنه أصبح مقصد الناس في وهران بعد تحريرها من الإسبان. وله في مدح هذا الباي أكثر من عشر قصائد أخرى، وكلها في نفس المستوى (٣)، ومن ذلك قصيدة له في غزوة الباي
стр. 774
للأغواط، وهي الغزوة التي انتهت بمد نفوذه على جانب كبير من الصحراء الغربية، بما في ذلك مدينة عين ماضي (١)، كما أن أبا راس وصف بعض آثار الباي العمرانية وسجل إعجابه بها ورفعه بسببها إلى مصاف الملوك.
وقد وفد على الباي أحمد بن محمد بن علال القرومي (٢) في مدينة معسكر، وسجل رحلته في قصيدة حسنة تدل على أن الشعر لو وجد مناخا طيبا لنما وازدهر:
لما التقيت بوافد الحسن البهي ... يزجى المطايا مغربا في عسكر خاطبته أين المسير فإنني ... أبصرت ما أدهى وأدهش منظري وقد خاطب بهذه القصيدة الباي ومدحه على أعماله، ثم تخلص إلى وصف الجامع الذي شيده في معسكر: وترى المدرس قد علا كرسيه ... يلقى على العلماء حب الجوهر
تحويه مدرسة غدت آثارها ... تحييه بالعلم الشريف الأشعري
تمحى رسوم الجهل من ألواحه ... تحمي شمائله من الزور السرى
وإثر غزوة الأغواط مدح القرومي الباي أيضا وهنأه بالنصر بقصيدة تبدأ
هكذا:
لقد أنجز الآمال وعدا من النصر ... كما أبرز الإقبال ما كان في الصدر
وأهدت وفود الفتح عذراء بلدة ... مثقلة الأرداف في الحلل الخضر (٣)
أما محمد بن الطيب المازري البليدي فقد قدم في مدح الباي قصيدة تدل على ضعف صاحبها في الشعر وكان رائده، على ما يظهر، نيل عطايا الباي الذي كان كريما معه، ومطلع هذه القصيدة:
стр. 775
أهل هلال العز في طالع السعد ... تكامل بدرا في سما الفضل والمجد (١) وقبل أن ننتقل إلى الشعر السياسي المضاد للترك نود أن نشير إلى
قصيدة محمد بن ميمون في الحاج محمد خوجة، وهو ابن عبدي باشا، سنة
١١٤١. ففي هذا التاريخ عاد الحاج محمد خوجة من حملة له ضد ثورة وقعت بالغرب الجزائري، فهنأه ابن ميمون بقصيدة قوية في بابها ووصف الاحتفالات التي أقيمت في العاصمة عند مقدم ممدوحه، ومطلعها:
بشرى، كما انبلج الصباح البادي ... بقدوم مولانا ضحى الميلاد
في ساعة بركاتها فاضت على ... كل الورى من حاضر أو بادي (٢)
وبالإضافة إلى مدح الأفراد من العثمانيين في الجزائر، هناك من الشعراء من مدح (الأتراك) عموما ونوهوا بفصلهم على الإسلام وجهادهم في سبيله، كما مدحوا الوجود العثماني في الجزائر وتوحيد البلاد في عهدهم والقضاء على الفتن الداخلية، ونحو ذلك. حقا إن هذا النوع من المدح قليل نسبيا، ولكنه يدل على أن بعض الشعراء الجزائريين كانوا يتعاطفون مع الوجود العثماني وينظرون إليه نظرة إيجابية.
وكان الشاعر ابن محلى من الذين هزتهم الغيرة على بنات المسلمين وهن في يد اليهود بوهران حين رخص النصارى لهم في حكمها، كما يقول أبو راس، فوجه الشاعر خطابه إلى بني عامر الذين كان بعضهم يتعاملون مع الاسبان يستثير نخوتهم وكرامتهم:
فمن مبلغ عني قبائل عامر ... ولا سيما من قد ثوى تحت كافر
أيا معشر الإسلام أين فحولكم؟ ... أما ابصروا في السبت عبد الحرائر
وتحت اليهودي غادة عربية ... يعالجها الخنزير فوق المزابر (٣)