← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أبي راشد يشير إلى الجزائر القطر بقوله وهو يتحدث عن الباشا: تاهت به أرض الجزائر واغتدت ... زهوا به عن غيرها تختال (١) وهذا محمد المستغانمي قد نظم قصيدة في بكداش جعل عنوانها (الكوكب النائر في مدح أمير الجزائر)، وهو هنا يعني القطر أيضا (٢) أما مدينة الجزائر البكداشية فقد تغنى بها الجامعي، خصوصا في قوله: فدعني من غرناطة وربوعها ... وشنيل فالحسن انتهى للجزائر فما تفضل الحمراء بيضاء غادة ... مقرطة بالبدر ذات غدائر (٣) ولم يكن الجامعي وحده في هذا الميدان، فقد أقبل الشعراء على مدينة الجرائر ووصفوها في شعرهم، ولو طال عهد بكداش لدخلت مدينة الجزائر، كعاصمة لقطر كبير، ميدان الأدب من أوسع أبوابه، ولكن أيام الباشا كانت، كأيام غيره من الحكام، محدودة، إذ لم يبق في الحكم إلا حوالي أربع سنوات (١١١٨ - ١١٢٢). والحادث الثالث (بعد الجهاد ومدح بكداش) الذي أطلق أقلام الشعراء هو فتح وهران الثاني على يد الباي محمد الكبير سنة ١٢٠٥، فقد كان هذا الباي متنورا إلى حد كبير فجمع حوله نخبة من الأدباء والكتاب ينسخون له الكتب ويسجلون أحداثه اليومية ويدرسون وينوهون بأعماله، وقد أغدق عليهم المال والرعاية فنشطت الحركة الأدبية على عهده، ولا سيما الشعر، وجاءه الشعراء من البليدة والجزائر والمغرب يستمنحونه العطايا، وخلافا لعهد بكداش باشا فإن عهد الباي قد طال، وقد سجل لنا أحمد بن سحنون في (الثغر الجماني) نماذج من الشعر الذي قيل في هذا الباي ولعله قد سجل أيضا بعض ذلك في (عقود المحاسن) الذي لم نطلع عليه.

стр. 772

وأول شعرائه هو أحمد بن سحنون نفسه الذي كان أحد كتابه، فقد قال فيه وفي ولده عثمان أكثر من قصيدة، وابن سحنون من الشعراء البارزين في عهده، رغم صغر سنه عندئذ، وقد عرفنا رأيه في الشعر الفصيح والملحون وفي حركة الشعر عموما في الحزائر في بداية هذا الفصل، وكان الباي قد حظي بقصائد ابن سحنون حتى قبل فتح وهران، فله فيه قصيدة عندما تولى الحكم وأخرى في جهاده وسيرته قبل الفتح، ومدحه حين أكرم ضيفه يزيد بن سلطان المغرب آنئذ، في قصيدة طويلة جيدة النسج والموضوع، بدأها بالغزل على العادة: حنانيك ماذا الصد ماذا التجانب ... وقلبي من شوقي لوجهك ذائب وفيها يقول: وإن كان ذنبي في هواك محبتي ... فما أنا من ذنبي مدى الدهر تائب ثم تخلص من الغزل إلى مدح الباي بما يناسب المقام، ويجعله في مقدمة الملوك الكرام. وابن سحنون مولع بالغزل في مطالع قصائده، فقد مدح عثمان بن محمد الكبير (وكان صديقا له) بقصيدة أيضا بدأها بهذا الطالع: ألم المحبة للحشاشة موجع ... والصبر للصب المروع مرجع لولا التصبر والتبصر في الهوى ... لرأيت سلوى في الأسى يتروع وكان ابن سحنون يتتبع آثار الباي ويمدحها بقصائده الجميلة. فقد مدح دار سكنى الباي ووصفها كما سنرى، ووصف الجامع الكبير الذي بناه في معسكر والمدرسة التابعة له، بل إنه مدح ومازح أصهار الباي ورثى قضاته، وبعبارة أخرى كان ابن سحنون هو متنبي الباي محمد الكبير , وإذا درس شعره وقورنت آثاره الأدبية الأحرى كـ (الأزهار الشقيقة) و (عقود المحاسن) ظهر ابن سحنون في طليعة أدباء عصره وأكثرهم تمكنا في القصيدة التقليدية بعد ابن علي وابن الشاهد، ولسوء الحظ أن حياته وآثاره ما تزال مجهولة (١).

стр. 773

ومن شعراء الباي المذكور أيضا أبو راس وأحمد القرومي ومحمد بن الطيب المازري وغيرهم، وإذا نحن قسنا بحجم القصائد فإن أبا راس يأتي عقب ابن سحنون، ولكن شعر أبي راس كان شعرا تاريخيا وفقهيا. ذلك أن غلبة علوم الفقه والتاريخ عليه جعلت شاعريته تستسلم أمام تحدي الحفظ والذاكرة، بالإضافة إلى أن شعر أبي راس في أغلبه مكسور ومختل، وقد قال في فتح وهران على يد الباي المذكور قصيدة سينية طويلة شرحها فيما بعد بطلب من الباي فأصبحت هي والشرح جزءا من تاريخ الحادثة (١)، على أن أبا راس قال إنه اختار لقصيدته قافية السين لأنها محبوبة لدى الأدباء والأمراء، وقد كان الباي هو ولي نعمة أبي راس، ولذلك مدحه في عدة مناسبات وهنأه بالنصر. فنم هنيئا وبك النصر مقترن ... بقصر وهران دار لك محلالا وفي إحدى قصائده فيه حاول أبو راس، رغم ركاكة القصيدة، أن يربط بين فتح وهران وضياع الأندلس، وذكر أن هذا الفتح قد اهتزت له أراضي الإسلام من مصر إلى الحجاز والشام، وأبو راس يعتبر هذه القصيدة مع ذلك، (من بديع ما قلته في فتح وهران) (٢) ومطلعها: خليلي قد طاب الشراب المورد ... لما أن صار الأمير في الثغر يقصد وهو يقصد بالثغر مرسى وهران، وأن الباي لم يعد يقصده الناس في معسكر، التي كانت العاصمة قبل الفتح، ولكنه أصبح مقصد الناس في وهران بعد تحريرها من الإسبان. وله في مدح هذا الباي أكثر من عشر قصائد أخرى، وكلها في نفس المستوى (٣)، ومن ذلك قصيدة له في غزوة الباي

стр. 774

للأغواط، وهي الغزوة التي انتهت بمد نفوذه على جانب كبير من الصحراء الغربية، بما في ذلك مدينة عين ماضي (١)، كما أن أبا راس وصف بعض آثار الباي العمرانية وسجل إعجابه بها ورفعه بسببها إلى مصاف الملوك. وقد وفد على الباي أحمد بن محمد بن علال القرومي (٢) في مدينة معسكر، وسجل رحلته في قصيدة حسنة تدل على أن الشعر لو وجد مناخا طيبا لنما وازدهر: لما التقيت بوافد الحسن البهي ... يزجى المطايا مغربا في عسكر خاطبته أين المسير فإنني ... أبصرت ما أدهى وأدهش منظري وقد خاطب بهذه القصيدة الباي ومدحه على أعماله، ثم تخلص إلى وصف الجامع الذي شيده في معسكر: وترى المدرس قد علا كرسيه ... يلقى على العلماء حب الجوهر تحويه مدرسة غدت آثارها ... تحييه بالعلم الشريف الأشعري تمحى رسوم الجهل من ألواحه ... تحمي شمائله من الزور السرى وإثر غزوة الأغواط مدح القرومي الباي أيضا وهنأه بالنصر بقصيدة تبدأ هكذا: لقد أنجز الآمال وعدا من النصر ... كما أبرز الإقبال ما كان في الصدر وأهدت وفود الفتح عذراء بلدة ... مثقلة الأرداف في الحلل الخضر (٣) أما محمد بن الطيب المازري البليدي فقد قدم في مدح الباي قصيدة تدل على ضعف صاحبها في الشعر وكان رائده، على ما يظهر، نيل عطايا الباي الذي كان كريما معه، ومطلع هذه القصيدة:

стр. 775

أهل هلال العز في طالع السعد ... تكامل بدرا في سما الفضل والمجد (١) وقبل أن ننتقل إلى الشعر السياسي المضاد للترك نود أن نشير إلى قصيدة محمد بن ميمون في الحاج محمد خوجة، وهو ابن عبدي باشا، سنة ١١٤١. ففي هذا التاريخ عاد الحاج محمد خوجة من حملة له ضد ثورة وقعت بالغرب الجزائري، فهنأه ابن ميمون بقصيدة قوية في بابها ووصف الاحتفالات التي أقيمت في العاصمة عند مقدم ممدوحه، ومطلعها: بشرى، كما انبلج الصباح البادي ... بقدوم مولانا ضحى الميلاد في ساعة بركاتها فاضت على ... كل الورى من حاضر أو بادي (٢) وبالإضافة إلى مدح الأفراد من العثمانيين في الجزائر، هناك من الشعراء من مدح (الأتراك) عموما ونوهوا بفصلهم على الإسلام وجهادهم في سبيله، كما مدحوا الوجود العثماني في الجزائر وتوحيد البلاد في عهدهم والقضاء على الفتن الداخلية، ونحو ذلك. حقا إن هذا النوع من المدح قليل نسبيا، ولكنه يدل على أن بعض الشعراء الجزائريين كانوا يتعاطفون مع الوجود العثماني وينظرون إليه نظرة إيجابية. وكان الشاعر ابن محلى من الذين هزتهم الغيرة على بنات المسلمين وهن في يد اليهود بوهران حين رخص النصارى لهم في حكمها، كما يقول أبو راس، فوجه الشاعر خطابه إلى بني عامر الذين كان بعضهم يتعاملون مع الاسبان يستثير نخوتهم وكرامتهم: فمن مبلغ عني قبائل عامر ... ولا سيما من قد ثوى تحت كافر أيا معشر الإسلام أين فحولكم؟ ... أما ابصروا في السبت عبد الحرائر وتحت اليهودي غادة عربية ... يعالجها الخنزير فوق المزابر (٣)

стр. 776

ويشبه هذا الشعر تحتذير محمد بن سليمان عربان وهران من التعامل مع الكفار هناك، سواء كانوا من الإسبان أو اليهود، وانذارهم بأنهم إن فعلوا ذلك سيصبحون (رعية) لهم، ودعوتهم لليقظة ومخافة الله في ذلك: فكيف يا قبائل العربان ... عافاكم الله من الشيطان اتخدموا هارون في وهران ... يهوديا ملعونا في القرآن مع ديك كافر نصراني ... يعبد، يا ويلاه، عودا فإني تبايعونهم على الأثمان ... نسيتم الله لدى الإحسان تيقظوا، فكيف يا برية ... توافقوا تعطونهم رمية!؟ (١) ومن الشعر السياسي - الديني قصيدة الشاعر محمد بن آقوجيل في أنواع الشهداء، وهذه القصيدة تبلغ عشرين بيتا عدد فيها نماذج الشهداء، فكانوا حسب رأيه، عشرين نوعا. إن ترد حصر عداد الشهدا ... فعلى العشرين فاقوا عددا فقتيل كان في معركة ... ضاق طعم الموت من أيدي العدا وهي قصيدة على العموم جيدة (٢). وهناك من الشعراء من مدح أمراء المسلمين في غير الجزائر توددا أو طمعا، وقد عرفنا أن أحمد المقري كان يمدح الوجهاء ولكننا لم نعرف أنه مدح أيضا الأمراء. أما الذي سجل على نفسه أنه مدح الأمراء فهو عبد الرزاق بن حمادوش، فقد قال في رحلته إنه مدح سلطان المغرب عبد الله مرتين الأولى سنة ١١٤٥ والثانية سنة ١١٥٦، وكان ابن حمادوش قد نظم القصيدتين وأراد الدخول على السلطان بهما ولكن الحجاب منعوه أو كانوا غلاظا معه فأمسك بالقصيدتين عنده، فقال عن المرة الأولى (أغناني الله عن

стр. 777

لقياه) وعن الثانية (لما رأيت غلظ حجابه مسكتها عندي) ومطلع الأولى: قطعت بحارا موهلات ودونها قفار لا تأويها الوحوش مع الطير ويبدو من طالعها أنه أراد أن يبرر للسلطان المشاق التي تعرض لها أثناء السفر من الجزائر إلى المغرب لعله يظفر منه بعطية. أما مطلع الثانية، التي قالها في تهنئة السلطان بالقضاء على ثورة أحمد الريفي ضده فهو: أمولاي عبد الله بشرك الهنا ... بكل الذي تبغي من الفتح والنصر وقد أثبت القصيدتين في الرحلة قائلا إن الأدب هو الذي حمله على قولهما وأنه لم يقل غيرهما فيه ولا في غيره،. (فخلدتهما في ديوان الأدب). وقال بهذه المناسبة أنه لم يجعل علمه وسيلة للدنيا، ولكننا نعرف أنه مدح طبيب السلطان عبد الوهاب أدراق (١) الذي كان من الوجهاء. وشعر ابن حمادوش، كما لاحظنا، ضعيف النسج مختل العروض مقصوص الخيال. وإذا كان ابن حمادوش يمدح سلاطين المغرب في أيام عز العثمانيين في الجزائر (دون أن نجد له مدحا في أحد ولاة الجزائر فإن محمد بن مالك الجزائري قد مدح أحمد، باي تونس بعد أن احتل الفرنسيون الجزائر. فقد كان ابن مالك من قضاة الجزائر في العهد العثماني، وكان يشتغل بالسياسة والأدب والدين، ويبدو أنه هاجر إلى تونس وتقدم إلى الباي هناك يستمنحه الصلات، وقد بدأ قصيدته فيه بالغزل والخمر على العادة ثم تخلص إلى مدح الباي ومدح تونس في عهده، مستعملا الجناس مع المذاهب الثلاثة (المالكي والشافعى والحنفي). يا مالكي كن شافعي ... لدي أمير حنفي يبسط قبض اليد في ... صلاته لمعتفي دم أحمد الناس لنا ... وجد بوصل واعطف تونس بالأنس به ... تهش للمسعطف

стр. 778

لا زلت يا شمس العلا ... تحل برج الشرف (١) وقد سبق ابن مالك إلى تونس أحمد بن عمار كما عرفنا، وأشرنا إلى أن ابن عمار قد مدح الباي عندئذ، بالنثر وجعل فيه كتابا، ولكننا لا ندري إن كان ابن عمار قد مدح هذا الباي أيضا بالشعر، والغالب أنه ضمن نثره بعضم الشعر على عادته. ومن أبرز الشعراء الذين وقفوا موقفا مضاد للترك في الجزائر وهجوهم هجاء مرا الشاعر سعيد المنداسي وهو من شعراء القرن الحادي عشر، الذي ثارت فيه تلمسان عدة مرات على قوادها الأتراك، كما عرفنا، وكان المنداسي يعيش في تلمسان لكننا لا نعرف نوع حياته، فقد كان من شعراء المدائح النبوية وكان متمكنا في اللغة والأدب، وكان أيضا على صلة بعلماء المغرب ورجال دولته، ولا شك أن أديبا كالمنداسي لا تناسبه الجزائر في العهد العثماني كل ما فيها بعض العلماء المتنافسين والمتصوفة الدراويش، ولا شيء بعد ذلك يخصب مواهب الشعراء ويبعث الحياة في نفوسهم، وقد كان المغرب مقصد العلماء الجزائريين للدراسة، كما كان ملجأ للهاربين من ظلم وتعسف العثمانيين، ولا ندري ما الذي حمل المنداسي مباشرة على هجاء الأتراك جملة وتفصيلا: فما دب فوق الأرض كالترك مجرم ... ولا ولدت حواء كالترك إنسانا فقد وصفهم بأبشع الأوصاف وأقذعها، واتهمهم بالفحش والشره في حب المال، وارتكاب الجرائم، كما أنه تحدث عما عانت تلمسان منهم، وعرض بالمفتي التلمساني في عهده، أحمد بن زاغو، الذي انقاد في نظر المنداسي، إلى الترك واتهمه بالضلال في الدين وأنه قد هدم دار العلم، وأنه كان يسكر، ولا غرابة بعد ذلك أن يموت المنداسي في سجلماسة هاربا من الأتراك، بسبب قصيدته التي تعتبر من أقذع ما قيل فيهم (٢).

стр. 779

ولم يكن المنداسي وحده في ذم الترك، فقد كان هناك غيره ولكن الحكم العثماني لم يسمح بهذا الشعر أن يظهر طبعا، كما ظهر الشعر المادح لهم، ولكن الكتب والوثائق والذواكر قد حفظت لنا نماذج أخرى من الشعر المعارض للأتراك، ومن ذلك قصيدة سيدي دح السنوسي بن عبد القادر في الشيخ محيي الدين والد الأمير عبد القادر، عندما أخذه الباي حسن (باي وهران) شبه أسير ليمنعه من التوجه إلى الحج، خوفا منه (١)، وكان محيي الدين قد اعتقله العثمانيون، رفقة ولده عبد القادر، وقادوه إلى وهران حيث أبقوه حوالي سنتين، وقد قال أبو حامد المشرفي عن الشاعر دح السنوسي بأنه كان (إمام الشعراء وصدر المصادر)، ولا شك أن الناس قد تناقلوا هذه القصيدة السياسية بأفواههم لأنها جاءت في وقت اشتد فيه النزاع بين سلطة العثمانيين والطرق الصوفية. ولو تتبعنا الشعر السياسي في العهد العثماني لوجدناه، على قلته، غنيا بالتجارب، ولكن طموحات الشعراء فيه ظلت محدودة لأن أصحاب الحل والعقد في الدولة كانوا لا يهتمون بالشعر فكيف يهتمون بأهله؟ الشعر الاجتماعي نعني بالشعر الاجتماعي شعر الإخوانيات الذي يشاطر فيه العلماء بعضهم بعضا في مناسبات معينة، وشعر الرثاء والتقريظ والمدح لغير الأمراء ورجال الدين، وشعر المجون ونحو ذلك، وإذا حكمنا من الإنتاج الذي لدينا

стр. 780

فإننا نجد أن شعر الإخوانيات قد سيطر على البيئة، فالشعراء كانوا يتبادلون المدح والنكت وحتى الهجاء والفخر، والعجيب أن شعر الرثاء قليل جدا رغم العاطفة القوية التي يتميز بها الناس عند فقد الأقارب والأحبة والشيوخ، كما أن شعر المجون قليل، ولكن لا غرابة في ذلك فإن المجتمع على العموم مجتمع منقبض قاس على نفسه، تقل فيه الطرف والنكت والشعر الخفيف، وقد عرفنا أن المرأة كانت في المقام الثاني وكانت مشاركتها قليلة في الظاهر، فلم تدخل ميدان الشعر الاجتماعي لا منتجة ولا موضوعا. المجون والمزاح: ويبدو أن محمد بن أحمد بن راس العين، الذي لا نعرف عنه إلا القليل والذي كان محل تقدير الشعراء والعلماء، ممن اشتهر بشعر المجون، ففي الوقت الذي كان فيه الفقهاء يلعنون شجرة الدخان ويفتون بعدم شربها أو تدخينها، كان ابن رأس العين يسخر من فتاواهم ويخاطب (التباغة) كما يخاطب الخمر المحرمة، وينادي النادل أن يسقيه إياها في غليون ممتاز لأن شربها في الليل في جلسات السمر مع الإخوان ينعش النفس والفؤاد، وهو يقول للنادل إن الفتوى بعدم شربها كلام باطل، وإنها عنده حلال طيب، وأن ضوءها يغني عن الصباح، وإن تعاطيها لا يفسد العقل كما يزعمون، وأن من لم يشربها لا يدرك حقيقتها. اسقنيها تباغة تجلا ... في حلى السبسى شربها في الدجا مع الإخوان ... جالب الأنس اسقنيها ودع كلام السلاح ... فهو عندي محال لا تعطل شرابها يا صاح ... فهي عندي حلال شمعها يغني عن الصباح ... في ظلام الليال شربها ليس يفسد العقلا ... لذوي الحس كل من ذم شربها جهلا ... فهو في بخس (١)

стр. 781

ومن الواضح أن ابن رأس العين متأثر بالمدرسة الأندلسية في نظم الموشحات، وأنه يعد مقدمة لابن علي في شعر المجون، كما سنرى، غير أننا نعرف أن ابن علي كان مفتيا أيضا، أما ابن رأس العين فلم يكن كذلك. فهو أحق بالمجون من صاحبه، ولكن اختلاف العصر (ابن رأس العين في القرن الحادي عشر وابن علي في الثاني عشر) يجعل المقارنة بينهما هامة في هذا الباب، وسنترجم لابن علي بعد حين. ويدخل في شعر اللهو الاجتماعي التلغيز أو استخدام الألغاز عن طريق الشعر، تخفيفا من عبء الحياة، واختبارا للذكاء وتنشيطا للذهن، ونعرف أن سعيد قدورة قد تبادل الألغاز مع أحمد المقري في لغز (هاج الصنبر). ويحدثنا الفكون أن المقري قد عجز عن الجواب في الأول ولكنه وجد حله في المرة الثانية، وأنه قد نظم الإجابة شعرا (١). وألف بركات بن باديس عملا في الألغاز سماه (نزع الجلباب في جمع بعض ما خفي في الظاهر عن الجواب) كما سماه في مكان آخر (بالمسائل السبعينية) لأنه جمع فيه كما قال سبعين مسألة في الألغاز نثرا وشعرا. وقال في أوله (وبعد فهذه سبعون مسألة كانت حاضرة على البال، وضعتها هنا

стр. 782

تقييدا خوف النسيان والإهمال، مفيدا لأهل العرفان والكمال)، وقد اطلعت على نسخة من هذا العمل فوجدت فيه الألغاز التي ذكرها الفكون والتي ذكرها أيضا ابن حمادوش والتي كانت متداولة، فيما يبدو، بين علماء وأدباء الوقت (١). كما يحدثنا عبد الرزاق بن حمادوش، في الرحلة أن لأحمد البوني كتابا في الألغاز، وأن عددا من الأدباء قد حاولوا الإجابة وفشلوا، حتى اضطروا إلى الكتابة إلى ابنه أحمد الزروق بعنابة يطلبون منه توضيح الجواب بمقتضى ما قصد إليه والده (٢)، وقد اشترك في حل هذا اللغز بالشعر أيضا يحيى الشاوي وسحنون بن عثمان الونشريسي، ومن جهة أخرى يذكر ابن ميمون في (التحفة المرضية) أنه كانت لإبراهيم القنيلي الطرابلسي (قوة الألغاز والأحاجي .. وكان كثيرا ما يخاطب بها صاحبه الأول (محمد بكداش باشا) أمير المؤمنين بالدار السلطانية، وقعت بينهما في هذا الفن طرف تستلمح فتستملح، وأعاجيب تستلحظ فتستحفظ) (٣)، ونفهم من هذا أن بكداش باشا كان يلاغز أيضا. وقد حدثنا أحمد بن سحنون أيضا عن أنه كان يمازح الأمير عثمان ابن الباي محمد الكبير قبل توليه الحكم، ومن ذلك أنه قال فيه قصيدة (أثناء مزاح أدبي، ومنزع عربي)، وهي: عسى الليث عثمان يعذرنه ... ويجري على خطة الكرم وقد استعمل ابن سحنون نفس العبارة السابقة مع صهر الباي أيضا، وهو محمد بن إبراهيم، الذي كان صديقا له، فقال فيه مرة عند غيابه عنه من قصيدة طويلة.

стр. 783

حديث شوقي لكم في شرحه طول ... يا جيرة رحلوا والجسم معلول وقال يمازحه: فلولا جمالك يا زينب ... لما انجاب من أفقنا غيهب ولعل مما يدخل في هذا الباب، مدح حسين خوجة الشريف باشا لأحمد البوني. فقد نسبت قصيدة إلى البوني في الباشا أجابه عليها الباشا بقصيدة أيضا، ونعتقد أن الباشا لم يكن شاعرا وإنما كتبها أحد الشعراء على لسانه. ثبت الجمال لبونة بجليلها ... وترنحت أرجاؤها بالسؤدد ابني تميم جدتم بتميمكم ... فتمامكم في ذا التميم الأمجد (١) و (بقاسم) فازت بحظ وافر ... سعدت به رغما لأنف الملحد و (بأحمد) الجد الإمام تجددت ... صفحات مجد سيد عن سيد ملك السيادة واقتفى آثار من ... لهم العلا أهل المقام الأسعد (٢) وتنسب إلى محمد القوجيلي عدة قصائد في المزاح ونحوه. من ذلك الشعر الذي تبادله مع الأديب التونسي محمد بن عثمان ضاي، وذلك الذي تبادله أيضا مع الشريف السوسي حول السماع (الموسيقى)، والقصيدة التي قالها ممتعضا من دخول غير الفصحاء على الفصحاء (٣). المدح والفخر: وإذا كان الشعر الاجتماعي في جملته محدود الأغراض في العهد العثماني للظروف التي شرحناها، فإن العلاقات الشخصية ظلت تلعب دورا هاما في تحريك القرائح والتعبير عن ذللث بشعر جيد أحيانا، وقد كثرت الأشعار بين إخوان العلماء والأدباء معبرين بها عن حالات النفس من شكوى

стр. 784

وطموح وفخر، وعن التلطف والإطراء والتنويه. ولعلماء وأدباء الجزائر علاقات كثيرة مع بعضهم ومع علماء وأدباء المشرق والمغرب، وسوف لا نأتي على تفاصيل كل العلاقات وملابساتها، وحسبنا هنا الإشارة إلى عدد من الحالات التي تكشف عما كنا نقول. فهذا العياشي المغربي يمدح شيخه عيسى الثعالبي بقصيدة طيبة اللفظ والمعنى مطلعها: إذا غالبتك النائبات فغالب ... بفخر فحول العلم عيسى الثعالبي فيرد عليه الثعالبي بقصيدة من بحرها وقافيتها ولكن أقل منها حجما، جاء فيها: حبا بابنة الفخر العلى والمناقب ... فريدة فرد في امتطاء المناصب أتت تتهادى في مروط ملاحة ... تجررها تيها على كل كاعب وتأنف إذ كانت يتيمة دهرها ... جمالا بديعا عن إجابة خاطب وبعد هذه المقدمة الغزلية التي لا علاقة لها بالعياشي ولا بالثعالبي المحدث والعالم الشهير قال: فيا روح آداب وشخص فضائل ... وناظر أحداق الذكاء لطالب جزيت بما أسديت أفضل منحة ... وبلغت من رغباك أسنى المطالب (١) وكان يمكن للثعالبي أن يكون من أبرز الشعراء لو كرس حياته للشعر، فنفسه هنا يدل على ملكة قوية في بحور الخليل. وكان لقاء العياشي بشيخه الثعالبي في مصر ثم في الحجاز، أما لقاء عبد السلام القادري المغربي ومحمد بن أحمد القسنطيني المعروف بالكمال، فقد كان بالمغرب، وقد تبادل الرجلان المدح والثناء والإشادة بالعلم وأهله، فقد قرأ القادري على شيخه القسنطيني وأعجب به، فأرسل إليه قصيدة ينوه بفضله جاء فيها:

стр. 785

إلى العالم النحرير والحجة التي ... روى فضلها عز السراة الجماهر ألست الذي إن عز في العلم مشكل ... تلقاه فهم منك في زي باتر فأجابه شيخه الكماد بقصيدة على وزنها وقافيتها مدح فيها تلميذه بالفضل وأصالة النسب والحسب وتشوق فيها إلى الديار المقدسة: خليلي عج بالركب عن أم عامر ... وعرج على كثبان نجد وحاجر (١) وقد ورد على الجزائر عدد من علماء المغرب وشعرائه وتبادلوا مع علماء وشعراء الجزائر الإجازات والشعر والرسائل، ومن هؤلاء نذكر الجامعي وابن زاكور وأحمد الورززي وأحمد الغزال وغيرهم، وكنا قد أشرنا إلى بعض آراء ونشاط الجامعي وابن زاكور، ولنشر الآن إلى زيارة الورززي والغزال. كان الورززي، على ما يظهر من أخباره، يزور الجزائر من وقت لآخر، ونحن نعرف من ذلك زيارتين على الأقل الأولى سنة ١١٥٩ والثانية ١١٦٢، وقد سجل ابن حمادوش الزيارة الأولى في رحلته وذكر نشاط الورززي والتفاف علماء الجزائر من حوله، ولكنه لم يذكر شعرا قاله فيه أحد عندئذ، أما الزيارة الثانية فقد سجلها أحمد بن عمار وأورد أن شيخه ابن علي قد قال قصيدة بارعة في الورززي بمناسبة هذه الزيارة (عند وفوده علينا بمحروسة الجزائر سنة ١١٦٢)، وقصيدة ابن علي تشير إلى أن الورززي كان يتردد على الجزائر، فقد بدأها هكذا: خليلي عاد الأنس والعود أحمد ... فقد زارنا شيخ المشائخ (أحمد) رأينا محياه السعيد ويا له ... محيا بدت أنواره تتوقد فأشهد أن الشمس قد طلمت لنا ... من المغرب الأقصى ولا أتردد وقد فتحت أبواب توبتنا بها ... وذا عكس ما قد كان للشمس يعهد فما لك قد أصبحت (مالك) علمه ... وفي خلدي أنت الإمام المجدد

стр. 786

فجد لي بما أرجوه منك فإنني ... رأيتك كنزا للذخائر يقصد (١) أما أحمد الغزال فقد مدح شيخه أحمد بن عمار، وكان الغزال قد جاء في سفارة إلى الجزائر موفدا من قبل السلطان عبد الله للتوسط بين الجزائر وإسبانيا، وذلك سنة ١١٨٢، وكان الغزال أيضا شاعرا ودبلوماسيا لأن سلطان المغرب كان قد أرسله أيضا في سفارة إلى إسبانيا، والغزال هو صاحب الرحلة المعروفة (نتيجة الاجتهاد في المهادنة والجهاد) (٢)، وقد اتصل الغزال بعلماء الجزائر، وعلى رأسهم أحمد بن عمار الذي كان عندئذ ذائع الصيت موفور القدر. وقيل إن الغزال حضر عليه درسا في الحديث بالجامع الكبير فارتجل قصيدة في شيخه: روينا الأحاديث الألى ورثوا العلا ... قديما ففازوا بالثناء المؤبد هلموا إلى مأوى المفاخر والعلا ... هلموا إلى الأسمى ابن عمار أحمد بوالده دينا وعلما قد اقتدى ... لقد جد نجل كان بالأب يقتدي وقد جاء فيها على الخصوص: فما سمعت أذني ولا العين أبصرت ... شبيها له غربا وشرقا بمعهد (٣) ومن هذا نعرف مكانة ابن عمار من رجل طوف كثيرا وخبر العلماء شرقا وغربا، كما نعرف منها الإشارة إلى أن ابن عمار قد اقتدى بوالده في العلم والدين. وعندما اطلع محمد بن الشاهد على قصيدة الغزال في ابن عمار كتب

стр. 787

أيضا قصيدة قوية في مدح الغزال والإشادة بابن عمار الذي هو أستاذ ابن الشاهد أيضا: عسى أن يلم الشمل بعد تبدد ... عشية هذا اليوم أو ضحوة الغد وقد جاء فيها: أغزال هذا العصر من رق غزله ... له العذر إن لم يكفه غير عسجد كمدحك مولانا وقطب بلادنا ... وبدر علاها بين نسر وفرقد فلست وقد أبصرته وسمعته ... وخاطبته فى مدحه بمقلد ولابن الشاهد أيضا قصيدة طويلة خاطب بها أحد علماء فاس، وقد جاء فيها: رفعت بدمع العين حكم عواذلي ... ومطلقه في الخد غيره الدم دم طاهر سود العيون سفكته ... إزالته عن ميتة الخد تحرم (١) كما أن له أشعارا ومدائح دينية. وابن الشاهد من كبار شعراء الجزائر في العهد العثماني، وكان كأستاذه ابن عمار يجمع بين الشعر والعلم (الفقه)، فقد تولى أيضا الفتوى والتدريس بجامع حسين ميزمورطو باشا سنة ١١٩٦، وكان يسمى (أديب العصر وريحان المصر) وله قصائد رائعة ما زالت موجودة منها تلك التي رثى بها مدينة الجزائر بعد سقوطها في يد الفرنسيين والتي سنتحدث عنها في الأجزاء اللاحقة (٢).

стр. 788

وقبل أن ننتقل إلى نقطة أخرى نود أن نشير إلى أن لابن حمادوش عدة قصائد في علماء المغرب قالها حين زيارته الثانية لهم، وكانت موضوعاتها هي طلب الإجازة، لذلك فهي في مدحهم على كل حال، ومن هؤلاء محمد البناني وعبد الوهاب أدراق وأحمد بن المبارك، والملاحظ أنه لم يطلب إجازة من أدراق وإنما طلب الدخول عليه وحضور مجلسه العلمي، ولكن شعر ابن حمادوش الإخواني ضعيف. وقد جاء في قصيدته في عبد الوهالب أدراق: أيا سيدي عبد الوهاب تحية ... وبشرى لكم أهدى وأندى من الطل أتيتك يا ملجا البرية كلها ... تنولني علما فنبرأ من الجهل وخلقت أمي والعيال وصبية ... كأنها أفراخ الحمام لدى الوصل (١) ورغم ضعف شعر ابن حمادوش فقد افتخر بنفسه على الشاعر المفتي ابن علي، وسبب ذلك أن ابن حمادوش كان ذات مرة في دار صديقه وشيخه محمد بن ميمون فدخل عليهما المفتي ابن علي فلم يقم له ابن حمادوش احتراما فغضب وخرج. هذه هي رواية ابن حمادوش على كل حال، وقد كتب ابن حمادوش قصيدة طويلة هجا فيها ابن علي وافتخر بنفسه وشرفه العلوي الهاشمي. وأقام هجاءه لابن علي على كونه غير عربي وكونه يحب الدنيا وأنه متكبر متصلف، ومما جاء في هذه القصيدة الغريبة والضعيفة أيضا قول ابن حمادوش: خرجت ذليلا لا أعود لمثلها ... وهل يجمع السيفان، ويحك، في غمد فإني من اللائي فوق الثرى ترى ... وأنفسنا في العرش تابعة المجد فلا يدرك المجد المؤثل غيرنا ... وإن أدرك الدنيا وحازها في الأيدي (٢)

стр. 789

وهيهات أن يصل شعر ابن حمادوش إلى شعر ابن علي! ولكنها الطبيعة الإنسانية القائمة على الحسد والمنافسة بين المتعاصرين، والمعروف أن ابن ميمون كان صديق الاثنين، فنحن نجده أيضا يقول شعرا جيدا في ابن علي سنعرض له. وكانت أيضا بين ابن عمار وابن علي علاقات ودية ومبادلات شعرية راقية سنعرض لها. وفي (نفح الطيب) (١) لأحمد المقري نماذج من الشعر الإخواني الذي تبادله مع علماء ووجهاء الشام، من ذلك ما كتبه عبد الرحمن العمالي يمدح المقري من قصيدة طويلة كنا أشرنا إليها: شمس هدى أطلعها المغرب ... وطار عنقاء بها مغرب فأشرقت في الشام أنوارها ... وليتها في الدهر لا تغرب وكان المقري يجيبه ويجيب أحمد بن الشاهين أيضا على مطارحاتهم، وشعر المقري رقيق في أغلبه، ولا سيما في ميدان الإخوانيات والوجدانيات، ولا غرابة في ذلك فهو من خريجي المدرسة الأندلسية في بلاد المغرب. أما محمد العربي بن مصباح فقد جمع ديوانا في مدح شيخه محمد بن علي الشريف اليلولي، شيخ زاوية شلاطة. وقد ضمنه ثلاثين قصيده لعلماء الوقت وتلامنة الشيخ وكلها في مدحه. وأضاف إليها ابن مصباح ثلاثا من عنده. وفي هذا المجموع قصيدة محمد بن الحفاف، مفتي المالكية في وقته بمدينة الجزائر. وسمي ابن مصباح عمله (توشيح طراز الخياطة). ويذكر أن شيخه قد سلمه القصائد التي قيلت في مدحه (وعددها ٣٦ قصيدة) وطلب إليه أن يصححها ويشرحها ويعلق عليها، فقام بذلك طاعة للشيخ وخدمة للشعر (٢).

стр. 790

وقد أكثر محمد القوجيلي من مدح أستاذه علي بن عبد الواحد الأنصاري فقال فيه عدة قصائد، كما مدح مفتي إسطانبول أسعد أفندي حين دخل عليه مستأذنا، وكان القوجيلي قد توجه إلى إسطانبول في مهمة من الجزائر. كما أن أحمد المانجلاتي قد أرسل قصيدة قوية إلى المفتي أسعد أفندي معرفا له فيها بقيمة سعيد قدورة حين أرسله وجق الجزائر إلى إسطانبول غاضبين عليه، وهي أيضا قصيدة مدح في كلا الرجلين (١)، وقد جاء فيها: سرب القطا سر بالسلام وأسعد ... وانهض إلى قمر السعادة أسعد مفتي البسيطة شمسها وهلالها ... وإمامها وهمامها والمهتدي إلى أن يقول فيها يخاطب المفتي أسعد أفندي: قدام بابكم فقيه جزائر ... بانت فضائله لمن لم يحسد أستاذنا علامة الغرب الذي ... بعلومه يحكى سراج المسجد قد كلفوه ركوب بحر غيرة ... من علمه بإشارة من حسد بحر يعرض أهله لمكاره ... إن التخلص منه يوم المولد (٢) ويمكن أن نضيف إلى شعر المدح ذلك الشعر الذي قيل في تقريظ الكتب ونحوها، ومن ذلك تقريظ ابن عمار لكتاب (الدرر على المختصر) لابن حمادوش وتقريظه لكتاب حمودة بن عبد العزيز التونسي الذي أجاب به على أسئلة علماء قسنطينة. ففي هذه المناسبة قال ابن عمار قصيدة جيدة على عادته، جاء فيها: شمس تجلت فما أسنى تجليها ... لاحت على غرة الدنيا تحليها أبدت مطالعها أسنى طوالعها ... من أين للشمس تجلى في مجاليها

стр. 791

قوي بها عضد التوحيد منشئها ... فالسعد يكتبها والفخر يجليها (١) الرثاء: وإذا كانت الحياة رابطة قوية بين الشعراء، فإن الموت أيضا كان يقوي تلك الرابطة، بل يكشف عن أصالتها أو زيفها، فكما تبادل الشعراء الإخوانيات أثناء الحياة جادوا بالشعر عند وقوع مصاب بأحد العلماء أو الشيوخ، وشعر الرثاء، على خلاف شعر المدح، قليل، ومما يذكر أننا لا نكاد نجد قصيدة فيما يمكن أن نسميه بالرثاء السياسي , ذلك أن جميع المراثي، على قلتها، لا تخرج عن بكاء بعض الشيوخ ورجال الدين، فكأن نهاية الحاكم كانت تعتبر بشرى للأمة وليس نكبة قد حلت بها، وما دامت حياة معظم الولاة كانت تنتهي بمأساة (بما في ذلك حياة بكداش باشا الذي مدحه الشعراء) فإن رثاءه قد يجلب النقمة على الشاعر. ثم إن نفاق الحياة قد جعل الحاكم مهابا أثناء حكمه عندما تكون يده مبسوطة للعطاء ولكن الموت ينهي كل ذلك، فما فائدة الشاعر المنافق أثناء الحياة من رثاء واهبه بعد وفاته؟ وعلى كل حال فإن الرثاء السياسي يكاد يكون معدوما في الوثائق التي عندنا، وحتى الأبيات التي وجدت على ضريح صالح باي لم يكتب الشاعر اسمه تحتها فظلت غفلا، ولعل ذلك كان خوفا من الانتقام لأن صالح باي، رغم ما قيل عن شعبيته، قد مات مقتولا مغضوبا عليه من باشا الجزائر، ومع ذلك فنحن نسجل هذه الأبيات: ضريح لاح (في) أوج السعادة ... كما عقد الجواهر (في) النضادة (٢) باي الزمان أخو المعالي ... به قد راح (صالحه) رشاده أمير عاش في الدنيا سعيدا ... وعند الموت قد حاز الشهادة فكم منن له في الله جلت ... وكم أجرى لطاعته جواده

стр. 792

وجاهد في سبيل الله فوزا ... فأفنى الفنش (١) واستوفى جهاده مدارس قد بنى لله فضلا ... وكم للخير بلغه مراده بشهر محرم قد مات أرخ ... أمير حاز مفتاح السعادة (٢) ولا شك أن الرثاء يكون أصدق إذا قيل في الشيوخ والأصدقاء والأقارب، ولكننا لا نجد من هذا إلا القليل كما ذكرنا، ومن ذلك رثاء مصطفى الرماصي القلعي لشيخه عمرو التراري بن أحمد المشرفي، وهي قصيدة جيدة وطويلة (١٥٠ بيتا)، ويقال إن الرماصي قد نسج فيها على منوال أبي حيان في رثاء شيخه أيضا في وزنها وقافيتها وعدد أبياتها، وتبدأ قصيدة الرماصي هكذا (٣): خليلي عوجا بي على طلل عفا ... معالمه قد غيرت ومعاهده وأسفت عليه السافيات بعيدنا ... دقاق الحصا فانحط منها أجالده (٤) وأثناء حصار وهران الثاني (١٢٠٥) أصيب قاصي معسكر، الطاهر بن حوا، برصاصة فأردته قتيلا، وكان ابن حوا قد عينه الباي عندئذ ليقود الطلبة، رفقة زميله محمد بن جلال (الجلالي)، لمجاهدة العدو، وقد كان لمقتله أكثر كبير في نفس الشاعر المجيد أحمد بن سحنون فرثاه بقصيدة قوية مطلعها: عز نفسك عن صروف الزمان ... كل شيء على البسيطة فان (٥) وقد سجل عبد الكريم الفكون بعض الأبيات التي رثى بها الشيخ علي

стр. 793

آبهلول (ويسميه أحيانا البهلولي) وقدم لها بقوله إن البهلولي كان (فطنا لقنا صاحب شعر كثير وفصاحة وفهم وله إنشادات شعر كثير) (١)، وكان الفكون صديقا له كما كان صديقا لأخيه عبد الرحمن البهلولي، لذلك كان صادق العاطفة في رثائه. أما سعيد قدورة فقد رثى شيخه محمد بن علي آبهلول المجاجي بقصيدة طويلة ذكر فيها أن شيخه قد توفي شهيدا بعد أن طعنه رجل من بني نائل، الذين قال عنهم إنهم قوم خوارج، وأشاد فيها بنسبه وشرفه وعلمه، وأنه كان بالخصوص عالما بالنحو والتوحيد والفقه والمنطق، ومطلع هذه القصيدة: مصاب جسيم كاد يصمى مقاتلي ... ورزء عظيم قاطع للمفاصل وقد شكا قدورة من الدهر الذي أذل العلماء بحكم الجهال وتطاولهم عليهم، وبكى شيخه آبهلول على لسان الأرامل واليتامى والضعفاء، والأسرى المسلمين الذين كان الشيخ المجاجي يساعد على افتدائهم، كما بكى فيه العلم والتقى، وذكر أن الطلبة كانوا يشدون الرحال للقراءة عليه في زاويته: لمنزله كانت تشد رحالنا ... فمن راكمب يسعى إليها وراجل وأخيرا وجه قدورة خطابه إلى قاتل الشيخ وتوعده بسوء المغبة، وقال عنه إنه (خارجي) لا يدين بسنة عموم المسلمين. أحقا قتلت الألمعي محمدا ... على قول حق لا على قول باطل (٢) قتلت امرءا من شأنه العلم والتقى ... فيا خير مقتول ويا شر قاتل فإنك من أشرار قوم خوارج ... بني نائل لا فزت يوما بنائل (٣)

стр. 794

وقد حظي عبد الرحمن الثعالبي بعدد من المراثي ليس في عصره فقط ولكن حتى في عصور متأخرة (١)، ومن ذلك قصيدة القاضي محمد بن مالك فيه، وهي قصيدة جيدة وطويلة لولا أن النسخة التي اطلعنا عليها منها قد أساء إليها النساخ أيما إساءة، وقد بدأها ابن مالك بالغزل جريا على العادة، رغم أنه قاض، وغزله فيها رقيق على كل حال، ثم تخلص من ذلك إلى مدح الثعالبي وأخلاقه، وكون مدينة الجزائر قد أصبحت به مأوى الأولياء وموطن السعادة، كما عدد مؤلفات الثعالبي وأسانيده وقدرته على رواية الحديث، ووصف ضريحه ومقامه في نفوس الناس، وبعد ذلك انطلق ابن مالك في مدح الرسول ﷺ وتعداد معجزاته مستنجدا به ومستنصرا، ونظرا للأخطاء الفادحة التي في القصيدة نكتفي هنا بمطلعها، راجين أن يعثر الباحثون على نسخة أوفى وأصح مما اطلعنا عليه: أيا جيرة حلرا بخير مقام ... لكم قد صبا قلبي وطاب مقامي ثم خلص إلى القول: وما صبوتي فيمن رأوه حقيقة ... ولكنني أصبو لحب إمام أبو زيد القطب الأجل الثعالبي ... إمام الورى طرا بكل مقام (٢) وقبل أن نترك الحديث عن المراثي نشير إلى مرثية محمد القوجيلي في المفتي أحمد الزروق بن عمار بن داود (٣)، وقصيدة عبد الرزاق بن حمادوش

стр. 795

في رثاء شيخه أحمد بن المبارك المغربي (١)، ومن جهة أخرى رثى الورتلاني بعض رجال التصوف، مثل أحمد زروق البرنوسي، وذلك في قصيدته الطويلة: ألا أيها القطب الهمام تعلقت ... مجامع قلبي بالسعيد المنور وقد أخبر أنه نظم هذه القصيدة (لتزول عنا حجب الغفلة، وكدرات النفس وغطاء البشريات، ولعلي أرقى إلى مراتب التجليات، وأشرب من عين اليقين، وأتحلى بحلية المعارف) (٢). كما أن محمد بن سليمان صاحب (كعبة الطائفين) ذكر نماذج مختلفة من أشعاره في شيوخه مثل محمد العبدلي وموسى بن علي اللالتي وبلقاسم بن صابر، ومن ذلك قصيدته: أقول وقول الحق في النفس أوقع ... وفي القول ما يصغي إليه ويتبع أدافع عن عرض الكرام تكرما ... لعل كريما في النوائب ينفع (٣) وصف المنشآت العمرانية: ورغم قلة المنشآت العمرانية والمدنية في العهد العثماني فإن الشعراء قد مجدوا المؤسسات التي أقامها بعص الولاة، ويدل ذلك على أن الشعر كان مستعدا للتنويه بالعاملين لنشر العلم والعمران، ولكن الولاة العثمانيين كانوا بعيدين عن ذلك، فقد عرفنا أن همهم الرئيسي كان المحافظة على السلطة بأي ثمن والاستثراء بكل الطرق والمحافظة على بقاء عنصرهم بكل السبل، وليس عليهم بعد ذلك تعلم السكان أو جهلوا، اغتنوا أو افتقروا، سعدوا أو نكبوا، وقد حظيت المنشآت التي أقامها محمد الكبير وصالح باي خصوصا بتنويه الشعراء، فالمدارس والمساجد ونحوها اعتبرها الشعراء دليلا

стр. 796

على اهتمام الولاة بالشعب والصالح العام، ولكن بينما نجد محمد الكبير يجمع حوله الأدباء والشعراء للتنويه بأعماله ومواقفه كان صالح باي يعمل بدون أن يدنى منه هذه الفئة، لذلك وجدنا أسماء الشعراء الذين أشادوا بمشاريع الأول، أما الشعراء الذين أشادوا بمشاريع صالح باي فما تزال غفلا، ولا نعرف أن شاعرا معينا قد رافق أو جالس صالح باي بخلاف محمد الكبير. أشاد الشعراء إذن بما بناه محمد الكبير من الجامع الكبير بمعسكر إلى المدرسة المحمدية الملحقة به، إلى المحكمة، بل أشادوا بداره الخاصة ووصفوها وصفا حيا، ففي الجامع يقول شاعر الباي وكاتبه ابن سحنون: انظر رعاك إله الخلق واعتبر ... لمسجد رائق قد لاح للبشر وفي نفس الجامع والمدرسة يقول أحمد القرومي من قصيدة طويلة جيدة. وترى المدرس قد علا كرسيه ... يلقى على العلماء حب الجوهر تحويه مدرسة غدت آثارها ... تحييه بالعلم الشريف الأشعري تمحى رسوم الجهل من ألواحه ... تحمي شمائله من الزور السرى وقد صدق مؤلف (الثغر الجماني) حين قال عن هذه القصيدة بأنها غراء تؤنس في الليلة القمراء) (١)، وكان أبو راس وغيره قد أشادوا أيضا بمنشآت هذا الباي، من ذلك وصف أبي راس للمحكمة: فلله مبناها الجميل فإنه ... يفوق على حكم السعود يمانيا تمد لها الجوزاء كف مصافح ... ويدنو لها بدر السماء مناجيا هي القبلة الغراء عز نظيرها ... ترى الحسن فيها مكتسيا وعاريا ولا عجب إن فاقت الشهب في العلا ... وقد جاوزت فيها المدار المضاهيا بها معمر حاز البهاء وقد غدا ... بها القصر قد فاق المبانى مباهيا (٢)

стр. 797

وفي دار الباي بضواحي معسكر يقول ابن سحنون من قصيدة: أهذه هالة للبدر أم دار ... ضاءت عليها من الأكوان أنوار وألبستها يمين الصائغين حلى ... كأنها في سماء الحسن أقمار أما منشآت صالح باي في قسنطينة فلم تحظ بهذه العناية من الشعراء، ويعود ذلك في نظرنا إلى أن صالح باي لم يقرب إليه الشعراء ثم أن نهايته لم تشجعهم، إن كانوا، على نشر ما قالوا فيه وفي أعماله، وعلى كل حال فإن أحد الشعراء المجهولين قد كتب قطعة نقشت على اللوحة التي وضعت عند مدخل المدرسة المعروفة بالمدرسة الكتانية، أو مدرسة سيدي الكتاني، التي أمر صالح باي ببنائها سنة ١١٨٩، وفي القصيدة مدح الباي أيضا: طاب الزمان بمن يوالي نفعه ... للمسلمين وزاد في علياه ملك يؤم الصالحات بعدله ... فاختار آخرته (١) على دنياه أحيى دروس العلم بعد اندراسها (٢) ... وبنى لها دارا زكى مبناها يعني مدرسة لاحت أشعة نورها ... لم لا وهي الدر في معناه (٣) جادلت بها نفس المعظم صالح ... ذاك المجاهد يبتغي مولاه فالله يرزقه السعادة دائما ... وينيله يوم القيامة (٤) مناه قد بين التاريخ في قول لنا ... فخر المجاهد بالهنا مبناه (٥) ومن الواضح أن هذا الشعر (تسجيلي) وليس عاطفيا وأن صاحبه قاله لينقش على جدار لا لكي يتذوقه الناس ويحفظوه، ومع ذلك ذكرناه لنبرهن على أن الشعراء كانوا بالمرصاد لكل ما فيه الخير وصلاح البلاد. ومن هذا الشعر (التسجيلي) الذي يكاد يخلو من العاطفة الأبيات التي

стр. 798

نقشت على القصر الذي بناه الحاج أحمد آخر بايات قسنطينة، وهو قصر عظيم قل نظيره في وقته، وصفه الأجانب ونوهوا بفن عمارته وذوق بانيه. وقد وصفه الشاعر بقوله: لمالكه السعادة والعلامة ... وطول العمر ما سجعت حمامه وعز لا يخالطه هوان ... وأفراح إلى يوم القيامة (١) وهذا الوصف لا يدل على فضله ولا يعطى الصورة الحقيقية عنه. بل إن الزمن لم يمهل الحاج أحمد ليتمتع بقصره. فقد حاربه الفرنسيون وتغلبوا عليه وأخرجوه منه مهانا مدحورا. وشبيه بهذا ما وجد منقوشا أيضا على لوحة مرمرية على مدخل جامع سوق الغزل بقسنطينة (٢)، فقد بنى عباس بن جلول، أحد كتاب حكومة الباي حسين بوكمية، هذا الجامع سنة ١١٤٣، ويقال إن الباي، قد غار من هذا العمل فاشترط على كاتبه أن يكون الجامع مشتركا بينهما. ومهما كان الأمر فإن الأبيات تسجيلية أيضا، ولعلها من صنع بعض الفقهاء: غرف المحامد أم قصور تعبد ... أم جنة الرضوان للمتهجد أم جامع جمع المحاسن فانثنت ... في جيد منشيه أعز مقلد بيت يقام بها عماد الدين في ... ظل امتثال للاله الأوحد كالشمس إلا أن تلك إلى الأفول ... وهذه في البر ذات تخلد وسعت بما وسعت يدا حسين ضا ... حكمة بما للراكعين السجد يرجو بها من يسبل الستر المنال ... على العصاة إذا أتوه في غد يا خير من يرجى لكل مؤمل ... نوله ني الدارين أسعد مقصد ولئن تسل تاريخه فأتى به ... بأي الزمان حسين بن محمد (٣)

стр. 799

وقد أسهم الشاعر ابن علي في ذلك بوصف مخزن للحبوب بناه محمد باشا عند باب عزون، فقال أربعة أبيات منها هذان: لئن كانت الأهرام من مصر أودعت ... خزائنها درا نفيسا وياقوتا فذا الهرم الأعلى أجل لأنه ... جميع البرايا منه يلتمس القوتا (١) ومن سوء حظ الشعراء أن العصر كان عصر ركود عمراني وإلا لانطلقوا يصفون ويمدحون، فكان ذلك سببا في اقتصار الشعر الاجتماعي على الإخوانيات، ولبرودة الشعر التسجيلي ذكرناه في الشعر الاجتماعي وليس في شعر الوصف. وإذا كان الشعر مرآة العصر فإن الشعر الاجتماعي منه يدل على أن الجزائر في العهد العثماني لم تعرف من المؤسسات العمرانية والثقافيةالرسمية إلا قليلا. الألغاز: كان التلغيز نوعا من الرياضة الأدبية يتعاطاه الفقهاء والشعراء على السواء. ففي وقت انعدمت فيه أو كادت وسائل الترفيه والتسلية كان اللجوء إلى التلغيز بالشعر إحدى هذه الوسائل، وكان الملغز يعبر عن حادثته بالبيت أو الأبيات ولكنه لا يلجأ إلى القصيدة الطويلة، وليس من الضروري أن ينظم الملغزون ألغازا جديدة، فقد كان بعضهم يعود إلى كتب الأدب العربي ويأخذ منها نموذجا أو أكثر ويرسل به إلى زملائه فيعملون فيه الرأي والذكاء محاولين الإجابة التي قلما تكون صائبة، كما أن بعضهم كان يلغز تقية أو تلميحا أو نحو ذلك من الأغراض. وليس من غرضنا هنا تتبع هذا النوع من الشعر لأنه في الواقع يعتمد على النقل من جهة ولأنه من جهة أخرى قائم على التكلف والتمحل. غير أننا نذكر، ونحن بصدد الحديث عن وثائق الأدب الجزائري، بعض المؤلفات التي عالجت هذا النوع من الشعر. من ذلك تأليف بركات بن باديس الذي أشرنا إليه والذي سماه (نزع الجلباب) والذي جمع فيه بين الشعر والنثر،

стр. 800

وكذلك تأليف الألغاز الذي ألفه أحمد بن قاسم البوني والذي لا نعرف له عنوانا، كما أن عبد الرزاق بن حمادوش قد ذكر نماذج من الألغاز في رحلته بعضها لجزائريين وبعضها لغيرهم. وبالإضافة إلى من ذكرنا كان سعيد قدورة وعبد الكريم الفكون وأحمد المقري ومحمد بن ميمون وسحنون بن عثمان ويحيى الشاوي قد جربوا التلغيز، ولا شك أن هناك مؤلفات أخرى جمعت بعض هذه الألغاز، مثل ديوان ابن علي، كما أن معظم العلماء والأدباء كانوا يتلاغزون. من ذلك هذا اللغز: ألا أيها الغادي على ظهر أجرد ... يشق الفيافي فدفدا بعد فدفد تحمل رعاك الله مني تحية ... تحيي بها أهل المجالس في غد وقل لهم ما سبعة خلقوا معا ... وما سبعة في ثوب خز مورد حواجبهم سبعون في وجه واحد ... وأعينهم تسعون في خلق هدهد أبوهم له حرفان من اسم جعفر ... وحرفان من اسمي علي وأحمد فقد أجاب عنه يحيى الشاوي بقوله: هم سبعة من بيضة خلقوا معا ... ومثلهم في ثوب خز مورد حواجبهم سبعون في كل واحد ... وأعينهم تسعون صورة هدهد أبوهم رجيم مارد متمرد ... وقد جمعت من لفظ لغز مقيد وقد نظم بركات بن باديس لغزا بعث به من قسنطينة إلى علماء الجزائر يسألهم فكه، بدأه بقوله: أيا سائرا نحو الجزائر في غد ... ومن لجلاليب السلامة مرتدى وهو طويل، وقد حاول الإجابة عليه سحنون بن عثمان الونشريسي (١). وهناك لغز في الميراث تبادله محمد الطبني ومحمد القوجيلي وكانت

стр. 801

إجابة القوجيلي فيه طويلة بدأها بقوله: طربت لما بدا لي ... نظم عقود اللآل فرائد الحسن فيها ... دارت بجيد غزال (١) ومن الألغاز التي شاعت بين علماء الجزائر (٢) لغز (هاج الصنبر) الذي امتحن به سعيد قدورة زميله أحمد المقري عندما حل (المقري) بمدينة الجزائر قادما إليها من فاس، وقد عيب على المقري أنه لم يفهم الجواب من المرة الأولى (والألغاز إنما هي لاختبار الذكاء وسرعة الإجابة) ولذلك أعاد عليه قدورة السؤال: أبدرا بدا من غربنا بجزائر ... وبحرا عبابا من نفيس جواهر أحاجيك يا فخر الزمان بلفظة ... أتت في مقام الرفع دون محاذر فأبدل بالخفض المغير وصفه ... ولا سبب يبدو لرؤية ناظر فليس مضافا أو بحرف يجره ... ولا اتبع المخفوض أو بمجاور وليس بمحكي فيقبل جره ... فرد فأنت اليوم زين المحاضر فكان جواب المقري الأول: أتاني نظام من فقيه الجزائر ... فحييته إذ كان أكرم زائر أشار به، فيما أظن، للفظة ... عراها من الاتباع حكم مغاير وذلك مثل (الحمد لله) دائما ... فكسرك دال الحمد ليس بضائر وما كان تأخيري جوابكم قلى ... وقد يترك المطلوب عند الضرائر وعذرا فإن الشجو شتت فكرتي ... ولله أشكو ما تكن ضمائري (٣) وقد راجعه قدورة بالأبيات الآتية لعدم إدراكه كنه الجواب: رأيت جواب الحبر خير مؤازر ... وعيبة أسراري ومرآة ناظري

стр. 802

ولكنه عن صرف قصدي نازح ... لقولي في نظمي (ولا بمجاور) ولا فرق بين (؟) تابع ومجاور ... بنص الدماميني صدور الأكابر وحصرهم التحريك في عد ستة ... يدل على الإرداف ياذا المآثر فأجابه المقري من جديد: حبا بسلوك من نفيس جواهر ... إمام بدا من نظمه كل باهر يؤمل تجديد الجواب لأنه ... تقدم قول ليس فيه بظاهر فقلنا أردت (الصنبر)، إذ هي لفظة ... أتت بعد حين هاج في شعر ماهر ومن يتوهم فليقف مع نقله ... فيبدل بخفض الطرف رفع المظاهر (١) الشعر الذاتي يعتبر الشعر الذاتي من أصدق ألوان الشعر، لأن الشاعر فيه يستمد وحيه من عالمه الخاص، فلا مغريات ولا مناسبات ولا مطالب تلح عليه لقرض الشعر، وقد جرت العادة أن نعد من الشعر الذاتي شعر الوصف والغزل والتأمل والشكوى والحنين إلى الأوطان والكشف عن أحوال النفس عند الانقباض أو الانبساط، ولكن الشعر الذاتي ليس كله أو ليس بالضرورة صادقا دائما، فهناك من الشعراء من كان يتكلف الوصف أو الغزل فيأتي شعره باهتا باردا لا حياة فيه، ومنهم أيضا من لا تطاوعه اللغة والخيال فيقصر عن التأثر في نفوس الآخرين، وقد حفل الشعر في العهد العثماني بعدد من القصائد الذاتية التي قيلت في الأغراض التي ذكرنا، فجاء بعضها جيدا وبعضها وسطا، ومن أبرز الشعراء الذاتيين محمد بن محمد المعروف بابن علي الذي سنتحدث عنه بعد قليل وأحمد بن عمار وسعيد المنداسي وأحمد المقري، وكان بعضهم يعالج هذه الموضوعات بالقصيدة التقليدية وبعضهم بطريق الموشح، ومن أشهر من استعمل الموشح ونجح فيه ابن رأس العين

стр. 803

أما ابن علي، فرغم براعته في الشعر، فقد غلبت عليه القصيدة. الشعر والمرأة: ولعل غياب المرأة في المجتمع الجزائري هو الذي جعل شعر الغزل قليلا نسبيا، فالشعراء كانوا لا يتحدثون عن المرأة بعينها حين يتغزلون وإنما يصفون المرأة من الوجهة المجردة، فكانت صورهم الشعرية إما مأخوذة من الماضي، وإما غير منطبقة على الواقع، وإما خيالية قل من يحس بها، وقد عزا بعض الكتاب الأوروبيين ما وجده من خشونة في الطبائع والألفاظ لدى الجزائريين إلى كون المرأة لا تتحرك وسط المجتمع، فقال ما معناه إن فراغ مجتمعهم من نشاط المرأة هو السبب في انعدام الذوق والمشاعر الرقيقة عندهم، لذلك فهم (وهو هنا يعني الشعراء) يتركون أنفسهم يسبحون في الخيال المجنح ولا يتكلمون إلا بلغة العبودية الخشنة بدل لغة الحرية الرقيقة، وهذا ما جعل الشعر عند الجزائريين في نظر هذا الكاتب يفتقر إلى الفكرة القوية والعاطفة الشريفة (١). ومهما كان في هذا القول من صدق أو من تجن فإن الذي لا شك فيه هو أن شعر الغزل عند الجزائريين يفتقر إلى حرارة الصدق وقوة العاطفة، كما يفتقر إلى الواقعية، إذا صح التعبير، ولعل غياب المرأة وتحركها داخل المجتمع هو الذي جعل بعض الشعراء يعمدون أيضا إلى الغزل بالمذكر، كما فعل ابن علي رغم مقامه عي العلم والمجتمع. يضاف إلى ذلك أن وسائل اللهو البريء التي تحرك المشاعر وتوحي للشعراء بالقول كانت قليلة أو غير معلنة, فالمسارح والنوادي تكاد تكون معدومة، والصحف غير موجودة أصلا، والشباب كان يقضي أوقاته في صمت وعزلة قاتلة، فالمجتمع كان مجتمع الكبار وليس فيه للشباب مكان وكانت دور الخنا متوقرة ولكن بشكل سري ورسمي، وما يقال عن شدة عقوبة الزنا إنما يصح بالنسبة للمتزوجين. أما الشباب فالحبل له كان متروكا

стр. 804

على الغارب. حقا إن المجتمع كان يعالج ذلك بالزواج المبكر، فالعقود تتحدث عن الزواج بين الثامنة عشر للفتيان والرابعة عشر للفتيات. ولصغر السن أحيانا كانت العقود لا تسجل وتعلن إلا بعد مضي سنوات على الزواج (١). ومع ذلك فقد كان الفساد شائعا على المستوى الرسمي والشعبي كما أشرنا سابقا. وكان تعدد الزوجات شائعا أيضا، بالإضافة إلى ما ملكت اليد من الوصيفات البيضاوات من الأسرى المسيحيين، والزنجيات من إفريقية، ويبدو أنه ليس صحيحا كل الصحة ما يقال عن تعفف الناس، سيما في المدن، فالعلماء قد سجلوا لنا، وهم في حالة منافسة واتهام، إن بعضهم كان يشرب الخمر ويأخذ الرشوة. كما إن بعض الشعراء قد سجلوا عواطفهم في العشق والغزل. فلم يبق من وسائل اللهو والتسلية للشباب ونحوه إلا ميادين محدودة (٢). فهناك المقاهي المعتمة التي تتصاعد منها سحب دخان النرجيلة والتباغة، وهناك التجمع حول مداح أو منشد يروي قصص ألف ليلة وليلة وأساطير عنتر وأبطال الإسلام، وكان هناك، بالإضافة إلى ذلك، شعراء شعبيون ينددون بالمظالم ويصفون فقر الناس وصبرهم ويعدون المحرومين بيوم الفرج القريب، ولم يكن يصحب هذا المنظر ضجيح ولا صراخ. فالعيون جاحظة والآذان تسمع والفكر شارد، وحين ينتهي المنشد أو الراوي تجمع له الأموال ثم يفترق الحفل الساهر في جنح الليل، ولولا المواسم الدينية وزيارات الدنوش الموسمية لاختنقت المدينة بالحزن والصمت والكبت. هذا إذن حظ الناس عموما. أما الشعراء والأدباء فقد كان أمامهم بعض المتنفس. فكثيرا ما كانوا

стр. 805

يجتمعون في دار أحدهم، كدار ابن ميمون التي تحدث عنها ابن حمادوش، ودار ابن عبد اللطيف التي وصفها ابن عمار، أو نادي الشرب الذي ذكره الفكون. وقد يخرجون إلى الطبيعة فيقضون ساعات في المنتزهات يتغنون بالورود وأنواع الزهور، يصفون مساقط المياه وأصوات الطيور، ويتبادلون النكت والشعر والأخبار، وهم في ذلك يشكلون أحزابا وشيعا لأن كل جماعة تتنافس مع الأخرى ليس في الشعر فقط ولكن في الوظيفة أيضا، وقد يكون موضوع حديث الأدباء والشعراء في هذه الملتقيات رحلاتهم إلى خارج القطر للحج أو للعلم وما شاهدوه أو سيشاهدونه من ذلك. وقد يرحبون بزائر لهم من بلاد المشرق أو المغرب فيعقدون له الجلسات ويتنادمون معه ويتشاعرون من إنتاجهم أو من حفظهم، وبهذه الطرق فقط كان الشعراء والأدباء يتنفسون ويلقون عن عاتقهم عبء الحياة الثقيل ولو بعض الوقت. ولدينا أمثلة كثيرة على هذه المنازع التي كان ينزع إليه الشعراء تخفيفا عن أنفسهم وترويحا لها من عناء الحياة. فقد أحب المفتي الشاعر ابن علي امرأة ولكنه لم يظفر بها فحزن لذلك وقال شعرا سنورده في ترجمته، وعندما علم صديقه ابن ميمون كتب إليه قصيدة في هذا المعنى جاء فيها: أمن فتك ذات القلب للقلب حاجب ... وأسهمها الألحاظ والقوس حاجب (١) وكان ابن علي، كما أخبر ابن عمار، قد خطب هذه المرأة فأبته فظل على حبها إلى أن مات. ويدل شعر ابن علي الذي أجاب به ابن ميمون على مرارة دفينة وألم حاد، وكثيرا ما كان يخرج إلى المنتزهات رفقة ابن عمار وغيره، ولهما في ذلك أشعار جيدة. وقد كان القاضي محمد القوجيلي من أبرز شعراء القرن الحادي عشر، عالج أغراص الشعر المختلفة، ومن بينها الغزل، وكان القوجيلي بالإضافة إلى ذلك من العلماء المنافسين للمفتي سعيد قدورة، حتى أنه كان لا يسلم عليه إذا التقى به في جماعة، رغم اعتراف الجمع تقريبا بمكانة قدورة

стр. 806

عندئذ، ومن غزل القوجيلي (١): والدمع باح بذا الهوى وأبانه ... الحب صعب والرقيب أعانه والحب يستدعي القلوب إلى الهوى ... فتجيبه منقادة ولهانة والصب يطمع في وصال حبيبه ... بعد التذلل لا يمل إهانة حتى ليقنعه المرور صبابة ... يستنشق الأطلال كالريحانة وهناك عدد من الشعراء كانوا يتغزلون ولا يبوحون، وهناك آخرون كانوا يفتتحون قصائدهم في المديح وغيره بأبيات غزلية قوية حتى كأنها هي المقصودة، كما فعل أحمد بن سحنون ومحمد بن الشاهد وغيرهما، ومع ذلك فقد سيطرت روح العصر، فكان الشعراء يتعففون وهم غير عفيفين وإنما يتكلفون ذلك تكلفا، وقد احتار ابن علي بين الغزل والمنصب (وظيفة الفتيا) وشعر أن منصبه لا يليق به الغزل فقال صراحة إنه لولا خطة الفتوى والخطابة لكان مثل مجنون ليلى في عشقه: لولا، وحقك، خطة قلدتها ... زهرت بها في الخافقين شموعي ومنابر فيها رقيت إلى العلى ... وقد استدار بها كثيف جموع لنحوت منحى العامري صبابة ... ولكان من حرق الجوى مشفوعي (٢) وهذا بالطبع يكشف عن التناقض بين الإحساس الشخصي والمسؤولية، بين الفرد والمجتمع، وإذا كان ابن علي، وقليل غيره، قد تركوا لنا بعض أشعار الغزل، فإن الآخرين قد كبتوا عواطفهم أولا وأخفوا أشعارهم الغزلية ثانيا. وتظاهروا بالورع حتى يقبلهم المجتمع. الوصف: وكثيرا ما كان وصف الحبيبة طريقا إلى وصف الطبيعة والعكس، ومن شعراء وصف الطبيعة بلا منازع أحمد بن عمار، فقد وصف الرياض

стр. 807

والمنتزهات وما فيها من جمال ظاهري يسحر العين ويثلج الصدر. كما وصف الزهور وغيرها، وفي قصيدة طويلة نسجها على منوال قصيدة ابن زمرك الأندلسي ونظمها، كما قال، ببعض المنتزهات، واعتبرها من أولياته، وطالعها (١): أدر الكؤرس مع الأصائل والبكر ... واشرب على نغم البلابل والوتر ولم يكن ابن عمار وحده في هذه النزهة بل كان معه جماعة لم يكشف عنهم، ولعلهم أصدقاؤه من الشعراء والأدباء الذين أشرنا إليهم: مع فتية متعاقدين على الوفا ... فكأنهم في منظر الدنيا غرر من كل مشتمل ببرد مروءة ... أو كل ملتحف بثوب من خفر الروض يهوى منهم أخلاقهم ... والبدر يعشق منهم حسن الصور ولنلاحظ هذا الإلحاح من ابن عمار على المروءة والخفر والأخلاق، ولا عجب في ذلك فابن عمار، مع علمه وشعره، كان متعففا. ونظم ابن عمار في الورد وشقائق النعمان وزهر الليمون، إما بالشعر التقليدي أو بالمواليا الذي قال عنه إنه (طراز شرقي) اخترعه أهل بغداد ثم برع فيه أهل مصر، فقال في زهر الليمون: لله أدواح جلسنا تحتها ... نثرت علينا من أزاهرها درر وبدا بها الليمون زهر كواكب ... والنار من نارنجها ترمي الشرر (٢) أما في شقائق النعمان فقد قال البيتين التاليين على طريقة المواليا: هاروت لحظك وسحر لفظك الفتان ... والورد خدك وسيف اليزن بالأجفان قد كان يحمي الشقائق قبلك النعمان ... وأنت فينا حميت الورد يا سلطان (٣) ولم يتفنن ابن عمار في وصف مظاهر الطبيعة فقط بل وصف غير ذلك

стр. 808

أيضا، ومن أشهر وصفه ما كتبه عن قصر ابن عبد اللطيف، وقد قال في ذلك أكثر من قصيدة، ومن ذلك ما قاله بطلب من صديقه وشيخه ابن علي (١)، وقد جاء في إحدى قصائد ابن عمار في هذا القصر: وليلة أنس لذ فيها جنى السمر ... فناهيك من أنس جنيناه بالسهر ويعتبر ابن عمار بدون شك من كبار الأدباء وأبرز الشعراء، وخصوصا في ميدان الوصف، فهو فيه كشيخه ابن علي في الغزل. ولكن الوصف لا يقتصر، على الطبيعة، فلدينا شعراء قد وصفوا المدن وأجادوا، وصوروا أحوالهم النفسية إزاءها كما فعل أحمد المقري في وصف تلمسان. ومن أجود قصائد وصف المدن قصيدة ابن أبي راشد في مدينة الجزائر وحدائقها خلال الربيع، ولعل هذا الوصف هو الأول من نوعه في هذه المدينة التي اشتهرت منذ القديم ببياض بنيانها وكثرة البساتين حولها والأبراج ووفرة الزهور على مختلف الأشكال، ورغم أن الشاعر انبهر بالمنظر الخارجي للمدينة والطبيعة المحيطة بها، فإننا نورد شعره لأهميته في الوصف ولأوليته في وصف المدينة وجمال مناظرها في فصل الحب والشباب والخصب: سقى المطر الهطال أرضا تشرفت ... بمصر غدت للفضل والفخر جامعه بمزغنة الفيحاء تظهر من مدى ... ترى كسقيط الثلج بيضاء ناصعه برج السما أبراجها قد تألقت ... تروقك من أفق الأجنة طالعه تراها على وجه البسيطة أنجما ... وأغصان أشجار ترنح نافعه وحيث الريع الغض ثم شبابه ... ترى أرضها تبدي الغضارة يانعه وحيث بدا كسرى الرياض متوجا ... بثلج نوار فهي صفراء فاقعة تريك احمرار في ابيضاض كأنها ... دماء على أرض من الثلج واقعه دواليبها تسقى الغصون فتنثني ... حمائمها تشدو على القضب ساجعه

стр. 809

فتبصر أغصان الحدائق سجدا ... تميد من الصوت الحنين وراكعه سقى روضها عهد السحائب فانثنت ... أزاهره بالماء تضحك دامعه وما هي إلا جنة قد تارجت ... مباخرها بالطيب والمسك ساطعه (١) وقبل أن نختم الحديث عن الوصف نشير إلى قصيدة إبراهيم بن عبد الجبار الفجيجي التلمساني التي قالها في الصيد ومنافعه وشروطه وظروفه، وهي المشهورة بـ (روضة السلوان). وقد عرفنا أنه قد شرحها في القرن العاشر أبو القاسم بن محمد الفجيجي وفي القرن الثالث عشر أبو راس الناصر، وكان ناظم القصيدة مغرما بالصيد، وتدل متانتها ولغتها على تمكنه من نظم الشعر، وقد قال ابن عسكر عنها إنها كانت في أيدي الناس جميعا، وأنها قصيدة معجبة (٢). الحنين والشكوى: وعاطفة الحنين إلى الوطن عاطفة قديمة في الإنسان ولكن الشعراء جعلوا منها أحيانا عاطفة وطنية في عصر ليس هو عصر القوميات، وقد كان الوطن عند بعض الشعراء القدماء هو مربع القبيلة ومرتع الصبا، ثم صار عند المتأخرين منهم هو البلد الذي فيه قوم الشاعر وتحده حدود سياسية ويرفرف عليه علم ذلك البلد ورمزه، ونحن حين نتحدث عن الحنين إلى الوطن عند الشعراء الجزائريين في العهد العثماني فإننا نتحدث عن هذه العاطفة التي تقف بين الحنين إلى موطن القبيلة وموطن العلم والقوم. فقد شعر الجزائريون خارج قطرهم بعاطفة تجذبهم إلى المدينة التي ربوا فيها والشيوخ الذين درسوا عليهم والطبيعة التي شكلت طباعهم وأذواقهم، ثم وسعوا هذا المفهوم الضيق فأصبح يشمل، في نوع من الغموض مع ذلك، القطر الجزائري بأسره. وكان الكتاب والشعراء ينسبون أنفسهم، خارج قطرهم، للجزائر، وبدأت تختفي تدريجيا عبارة التلمساني والقسنطيني والزواوي

стр. 810

والعنابي وغيرها من أسمائهم. ومن أوائل من نظم الشعر في هذا المعنى أحمد المقري الذي عرفنا في ترجمته سبب شوقه إلى وطنه ووصفه له بأوصاف التقدير والروعة. وشاع ذلك عند أحمد بن عمار وابن حمادوش وغيرهما. والأخير، رغم أنه لم يكن شاعرا فحلا فقد عبر عن هذه العاطفة حين كان في المغرب الأقصى في مناسبتين الأولى حين حل عيد الأضحى وهو بتطوان واجتمع الناس للأفراح وتبادل التهاني ولكنه ظل وحيدا غريبا سلعته كاسدة والطبيعة غاضبة، فقال عندئذ قصيدة طويلة تشوق فيها لأهله ووطنه ووصف حاله: لقد كنت قبل اليوم أصبر صابر ... وها أنا في هذا الزمان ذليل أما المناسبة الثانية فقد كانت بتطوان أيضا حين تحطمت السفينة التي كانت ستقله إلى الجزائر، وطال به السأم والانتظار، وكاد ينقطع رجاؤه في العودة إلى الوطن والأهل، وقد جاء في هذه القصيدة الرجزية قوله يخاطب أهله: لحمي قوتي ودماغي شربي ... وفكرتي فيكم ورغبي ربي (١) وهذا الشعور بالغربة في الخارج والحنين إلى الوطن والالتفات إليه قد شاع عند الجزائريين، لأنهم كما قلنا، قصدوا في البداية طلب العلم والهجرة لأسباب سياسية ودينية، فإذا بهم يشعرون أن الحبل يتقطع بهم وأن الديار تبعد والأحباب يختفون، بل إن بعضهم كان يحس أنه لم يجد ما كان يصبو إليه من التقدير والاحترام، وقد عبر أحمد المقري عن ذلك في الأبيات التي أوردناها له والتي يقول فيها: تركت رسوم عزي في بلادي ... وصرت بمصر منسى الرسوم وفي هذا المعنى قال محمد بن أحمد الكماد لما كان في تطوان وشعر بالغربة والنزول من المقام اللائق به: لهف نفسي على كسوف ... شمس العلوم وذلة الغرباء
следующие страницы →