عندئذ، ومن غزل القوجيلي (١):
والدمع باح بذا الهوى وأبانه ... الحب صعب والرقيب أعانه والحب يستدعي القلوب إلى الهوى ... فتجيبه منقادة ولهانة
والصب يطمع في وصال حبيبه ... بعد التذلل لا يمل إهانة
حتى ليقنعه المرور صبابة ... يستنشق الأطلال كالريحانة
وهناك عدد من الشعراء كانوا يتغزلون ولا يبوحون، وهناك آخرون كانوا يفتتحون قصائدهم في المديح وغيره بأبيات غزلية قوية حتى كأنها هي المقصودة، كما فعل أحمد بن سحنون ومحمد بن الشاهد وغيرهما، ومع ذلك فقد سيطرت روح العصر، فكان الشعراء يتعففون وهم غير عفيفين وإنما يتكلفون ذلك تكلفا، وقد احتار ابن علي بين الغزل والمنصب (وظيفة الفتيا) وشعر أن منصبه لا يليق به الغزل فقال صراحة إنه لولا خطة الفتوى والخطابة
لكان مثل مجنون ليلى في عشقه:
لولا، وحقك، خطة قلدتها ... زهرت بها في الخافقين شموعي ومنابر فيها رقيت إلى العلى ... وقد استدار بها كثيف جموع
لنحوت منحى العامري صبابة ... ولكان من حرق الجوى مشفوعي (٢)
وهذا بالطبع يكشف عن التناقض بين الإحساس الشخصي والمسؤولية،
بين الفرد والمجتمع، وإذا كان ابن علي، وقليل غيره، قد تركوا لنا بعض أشعار الغزل، فإن الآخرين قد كبتوا عواطفهم أولا وأخفوا أشعارهم الغزلية ثانيا. وتظاهروا بالورع حتى يقبلهم المجتمع.
الوصف:
وكثيرا ما كان وصف الحبيبة طريقا إلى وصف الطبيعة والعكس، ومن شعراء وصف الطبيعة بلا منازع أحمد بن عمار، فقد وصف الرياض
стр. 807
والمنتزهات وما فيها من جمال ظاهري يسحر العين ويثلج الصدر.
كما وصف الزهور وغيرها، وفي قصيدة طويلة نسجها على منوال قصيدة ابن زمرك الأندلسي ونظمها، كما قال، ببعض المنتزهات، واعتبرها
من أولياته، وطالعها (١):
أدر الكؤرس مع الأصائل والبكر ... واشرب على نغم البلابل والوتر ولم يكن ابن عمار وحده في هذه النزهة بل كان معه جماعة لم يكشف عنهم، ولعلهم أصدقاؤه من الشعراء والأدباء الذين أشرنا إليهم:
مع فتية متعاقدين على الوفا ... فكأنهم في منظر الدنيا غرر
من كل مشتمل ببرد مروءة ... أو كل ملتحف بثوب من خفر
الروض يهوى منهم أخلاقهم ... والبدر يعشق منهم حسن الصور
ولنلاحظ هذا الإلحاح من ابن عمار على المروءة والخفر والأخلاق،
ولا عجب في ذلك فابن عمار، مع علمه وشعره، كان متعففا.
ونظم ابن عمار في الورد وشقائق النعمان وزهر الليمون، إما بالشعر التقليدي أو بالمواليا الذي قال عنه إنه (طراز شرقي) اخترعه أهل بغداد ثم برع فيه أهل مصر، فقال في زهر الليمون: لله أدواح جلسنا تحتها ... نثرت علينا من أزاهرها درر
وبدا بها الليمون زهر كواكب ... والنار من نارنجها ترمي الشرر (٢)
أما في شقائق النعمان فقد قال البيتين التاليين على طريقة المواليا: هاروت لحظك وسحر لفظك الفتان ... والورد خدك وسيف اليزن بالأجفان
قد كان يحمي الشقائق قبلك النعمان ... وأنت فينا حميت الورد يا سلطان (٣)
ولم يتفنن ابن عمار في وصف مظاهر الطبيعة فقط بل وصف غير ذلك
стр. 808
أيضا، ومن أشهر وصفه ما كتبه عن قصر ابن عبد اللطيف، وقد قال في ذلك أكثر من قصيدة، ومن ذلك ما قاله بطلب من صديقه وشيخه ابن علي (١)، وقد جاء في إحدى قصائد ابن عمار في هذا القصر:
وليلة أنس لذ فيها جنى السمر ... فناهيك من أنس جنيناه بالسهر ويعتبر ابن عمار بدون شك من كبار الأدباء وأبرز الشعراء، وخصوصا في ميدان الوصف، فهو فيه كشيخه ابن علي في الغزل.
ولكن الوصف لا يقتصر، على الطبيعة، فلدينا شعراء قد وصفوا المدن وأجادوا، وصوروا أحوالهم النفسية إزاءها كما فعل أحمد المقري في وصف تلمسان.
ومن أجود قصائد وصف المدن قصيدة ابن أبي راشد في مدينة الجزائر وحدائقها خلال الربيع، ولعل هذا الوصف هو الأول من نوعه في هذه المدينة التي اشتهرت منذ القديم ببياض بنيانها وكثرة البساتين حولها والأبراج ووفرة الزهور على مختلف الأشكال، ورغم أن الشاعر انبهر بالمنظر الخارجي للمدينة والطبيعة المحيطة بها، فإننا نورد شعره لأهميته في الوصف ولأوليته في وصف المدينة وجمال مناظرها في فصل الحب والشباب
والخصب:
سقى المطر الهطال أرضا تشرفت ... بمصر غدت للفضل والفخر جامعه
بمزغنة الفيحاء تظهر من مدى ... ترى كسقيط الثلج بيضاء ناصعه
برج السما أبراجها قد تألقت ... تروقك من أفق الأجنة طالعه
تراها على وجه البسيطة أنجما ... وأغصان أشجار ترنح نافعه
وحيث الريع الغض ثم شبابه ... ترى أرضها تبدي الغضارة يانعه
وحيث بدا كسرى الرياض متوجا ... بثلج نوار فهي صفراء فاقعة تريك احمرار في ابيضاض كأنها ... دماء على أرض من الثلج واقعه دواليبها تسقى الغصون فتنثني ... حمائمها تشدو على القضب ساجعه
стр. 809
فتبصر أغصان الحدائق سجدا ... تميد من الصوت الحنين وراكعه سقى روضها عهد السحائب فانثنت ... أزاهره بالماء تضحك دامعه وما هي إلا جنة قد تارجت ... مباخرها بالطيب والمسك ساطعه (١)
وقبل أن نختم الحديث عن الوصف نشير إلى قصيدة إبراهيم بن عبد الجبار الفجيجي التلمساني التي قالها في الصيد ومنافعه وشروطه وظروفه، وهي المشهورة بـ (روضة السلوان). وقد عرفنا أنه قد شرحها في القرن العاشر أبو القاسم بن محمد الفجيجي وفي القرن الثالث عشر أبو راس الناصر، وكان ناظم القصيدة مغرما بالصيد، وتدل متانتها ولغتها على تمكنه من نظم الشعر، وقد قال ابن عسكر عنها إنها كانت في أيدي الناس جميعا، وأنها قصيدة معجبة (٢).
الحنين والشكوى:
وعاطفة الحنين إلى الوطن عاطفة قديمة في الإنسان ولكن الشعراء جعلوا منها أحيانا عاطفة وطنية في عصر ليس هو عصر القوميات، وقد كان الوطن عند بعض الشعراء القدماء هو مربع القبيلة ومرتع الصبا، ثم صار عند المتأخرين منهم هو البلد الذي فيه قوم الشاعر وتحده حدود سياسية ويرفرف عليه علم ذلك البلد ورمزه، ونحن حين نتحدث عن الحنين إلى الوطن عند الشعراء الجزائريين في العهد العثماني فإننا نتحدث عن هذه العاطفة التي تقف
بين الحنين إلى موطن القبيلة وموطن العلم والقوم. فقد شعر الجزائريون
خارج قطرهم بعاطفة تجذبهم إلى المدينة التي ربوا فيها والشيوخ الذين
درسوا عليهم والطبيعة التي شكلت طباعهم وأذواقهم، ثم وسعوا هذا
المفهوم الضيق فأصبح يشمل، في نوع من الغموض مع ذلك، القطر
الجزائري بأسره. وكان الكتاب والشعراء ينسبون أنفسهم، خارج قطرهم، للجزائر، وبدأت تختفي تدريجيا عبارة التلمساني والقسنطيني والزواوي
стр. 810
والعنابي وغيرها من أسمائهم.
ومن أوائل من نظم الشعر في هذا المعنى أحمد المقري الذي عرفنا في ترجمته سبب شوقه إلى وطنه ووصفه له بأوصاف التقدير والروعة. وشاع ذلك عند أحمد بن عمار وابن حمادوش وغيرهما. والأخير، رغم أنه لم يكن شاعرا فحلا فقد عبر عن هذه العاطفة حين كان في المغرب الأقصى في مناسبتين الأولى حين حل عيد الأضحى وهو بتطوان واجتمع الناس للأفراح وتبادل التهاني ولكنه ظل وحيدا غريبا سلعته كاسدة والطبيعة غاضبة، فقال عندئذ قصيدة طويلة تشوق فيها لأهله ووطنه ووصف حاله:
لقد كنت قبل اليوم أصبر صابر ... وها أنا في هذا الزمان ذليل أما المناسبة الثانية فقد كانت بتطوان أيضا حين تحطمت السفينة التي كانت ستقله إلى الجزائر، وطال به السأم والانتظار، وكاد ينقطع رجاؤه في العودة إلى الوطن والأهل، وقد جاء في هذه القصيدة الرجزية قوله يخاطب أهله:
لحمي قوتي ودماغي شربي ... وفكرتي فيكم ورغبي ربي (١) وهذا الشعور بالغربة في الخارج والحنين إلى الوطن والالتفات إليه قد شاع عند الجزائريين، لأنهم كما قلنا، قصدوا في البداية طلب العلم والهجرة لأسباب سياسية ودينية، فإذا بهم يشعرون أن الحبل يتقطع بهم وأن الديار تبعد والأحباب يختفون، بل إن بعضهم كان يحس أنه لم يجد ما كان يصبو إليه من التقدير والاحترام، وقد عبر أحمد المقري عن ذلك في الأبيات التي أوردناها له والتي يقول فيها:
تركت رسوم عزي في بلادي ... وصرت بمصر منسى الرسوم
وفي هذا المعنى قال محمد بن أحمد الكماد لما كان في تطوان وشعر بالغربة والنزول من المقام اللائق به:
لهف نفسي على كسوف ... شمس العلوم وذلة الغرباء
стр. 811
لهف نفسي على زمان عبوس ... قمطرير ذي قسمة ضيزاء (١)
وحين أحس محمد بن مالك بغربة في تونس وبإهانة بعض الذين لم
يعرفوا قدره عبر عن ذلك وافتخر بنفسه، ولكن أنى له ذلك وهو لاجئ وغريب، والقصيدة جيدة رغم الأخطاء النسخية التي فيها: إن يذهب المال من در ومن ذهب ... لم يذهب الفخر من علم ومن أدب أما شعوره بالغربة فقد عبر عنه بقوله:
لم يحترم أسد في غير غابته ... لولا التعصب لا أخشى من الغلب (٢) والشكوى من الزمان وأهله شائعة في الشعر الجزائري، ولا نكاد نجد قصيدة لشاعر دون أن يضمنها شيئا من هذا المعنى، مهما كان الغرض الذي يتناوله. ومصادر الشكوى تختلف ولكنها جميعا تلتقي في التأثير على الشاعر وتأزمه. فقد تجعله ييأس وينزوي أو يلجأ إلى المدح وطلب المعونة والنوال، وقد تجعله غاضبا مفاخرا بنفسه رغم سوء حاله. وعلى كل حال فإن الشاكي أحيانا يلجأ إلى الله ويحذر من الركون إلى الناس فيتخذ شعره طابع الموعظة والاعتبار. ومن أبرز القصائد في هذا المعنى الأخير قصيدة سعيد المنداسي في تقلبات الزمان، وهي قصيدة طويلة عميقة ومتينة، تقع في أكثر من أربعين بيتا، وقد نالت حظا وافرا من عناية الأدباء كأختها (العقيقة)، ومطلعها:
سروج العلى للحرب تشتد بالحزم ... وسيف الوغى يبلى شباه لدى السلم
فلا يتأنى المرء في بسطة الرضى ... فإن الزمان الصعب يرصد بالحلم
وفي الحديث عن مكر الناس وخداعهم وعن العصر وأهله يقول
المنداسي بالخصوص:
فهذا زمان المكر من لك بالرضى ... وفي كل قلب ما كناه من السم
стр. 812
كأن قوافي الشعر مني جنادل ... وكف الزمان منجنيق بها يرمى (١)
وهي من أحكم الشعر وأقواه في وقتها، ولعل هذه النغمة توضح لماذا غادر المنداسي الجزائر ساخطأ واستقر بالمغرب، رغم أننا لا ندري هل قال هذه القصيدة قبل أو بعد هجرته، وبالإضافة إلى ذلك فإن (ديوان ابن علي) يحتوي على بعض الشعر في الشكوى والاستغاثة. ومن ذلك قطع لجده ووالده في الشكوى، وشعر آخر لمحمد سعيد الشباح التلمساني في الاستغاثة، ونحو ذلك (٢).
ومن الشعراء الذين اشتكوا أيضا من الزمان وأهله بمرارة، المفتي الحنفي ابن علي، وهو يستحق منا وقفة مطولة هنا لأنه كان من أقوى شعراءوقته.
ابن علي
مصادر ابن علي قليلة جدا. فالذي يريد أن يدرس حياته لا يكاد يجد ما يساعده في هذا الباب سوى مصدرين الأول ما كتبه عنه معاصره وزميله وتلميذه أحمد بن عمار في (نحلة اللبيب بأخبار الرحلة إلى الحبيب). ونحن نعرف أن ما كتبه عنه هنا هو ملخص ما كتبه عنه مطولا في كتابه (لواء النصر في فضلاء العصر) الذي يعتبر الآن مفقودا. وقد نوه ابن عمار بابن علي كثيرا
стр. 813
واعتبره إماما في الشعر وافتخر بأنه بدأ به تراجم من ترجم لهم في (لواء النصر). والثاني (ديوان ابن علي)، وهو عبارة عن مجموعة من الأشعار المختلفة والنقول المنسوبة له والمتعلقة بأسرته وحياته الخاصة، بالإضافة إلى بعض الأشعار المنسوبة إلى شعراء جزائريين متقدمين عنه أو معامرين له، ولذلك يسمى هذا المصدر أحيانا (أشعار جزائرية) وأحيانا (أشعار مختلفة).
وهناك أيضا مصادر أخرى تتحدث عن ابن علي، بأهمية أقل. من ذلك تقييد أو تاريخ ابن المفتي الذي تحدث فيه عن علماء عصره وعن الباشوات، وقد ختم ابن المفتي تاريخه حوالي سنة ١١٥٧ وقال في قائمة أسماء المفتين
الحنفيين التي أوردها أن ابن علي هو المتولي الآن وأن له في الفتوى أكثر من
ست سنوات (١)، وفي رحلة ابن حمادوش حديث قصير عن ابن علي أيضا، وقد سبقت الإشارة إليه (٢). ومن مصادره أيضا رحلة عبد الرحمن الجامعي المغربي المسماة (نظم الدرر المديحية) التي تعتبر في حكم المفقودة، وقد نوه الجامعي، الذي تبادل الشعر مع ابن علي وأعجب به وبفضل ابن علي على الشعر واعتبره مجدد طريقة ابن الخطيب (٣). كما أن الجامعي قد تبادل
الشعر مع ابن علي ونوه به في شرحه على رجز الحلفاوي.
وفي ضوء هذه المصادر نستطيع أن نترجم لابن علي. فهو محمد بن
محمد المهدي بن رمضان بن يوسف العلج، وهو مشهور بابن علي، ويبدو أن أجداده قد نزحوا إلى الجزائر مع العثمانيين الأوائل، فنحن نجد في الوثائق أن جده محمد المهدي قد تولى الإفتاء الحنفي سنة ١٠٤٥ وأنه كان معاصرا لمفتي المالكية سعيد قدورة، كما نجده يتعاطى الشعر أيضا. ففي (ديوان ابن علي) مختارات شعرية لجده المذكور، قالها في مناسبات عديدة.
стр. 814
من ذلك أنه بعث إلى علماء القسطنطينية يشكو لهم شيئا ألم به، وأنه قال قصيدة يمدح فيها السادة العلوية، وأنه مدح الشيخ علي بن عبد الواحد الأنصاري (توفي سنة ١٠٥٧) بقصيدة، وتدل القصائد التي اطلعنا عليها لمحمد المهدي، جد ابن علي، أن له باعا قويا في الشعر، رغم الصفة الملحقة باسمه، وهي (العلج) التي توحي بأنه كان من أصل غير عربي، وكان جد ابن علي صديقا للقاضي محمد القوجيلي، وهو أيضا شاعر ماهر كما عرفنا، فقد روى ابن علي في ديوانه أن جده حكى له أنه كان ذات يوم مع الشيخ القوجيلي فمر بهما سعيد قدورة فانحرف عنه القوجيلي وسلم على جده (١)، كما أن والد ابن علي كان ينظم الشعر أيضا.
ويهمنا مما ذكرنا أعلاه عدة أمور تهم ابن علي نفسه. إن أسرة ابن علي كانت على صلة بالفتوى والوظائف الرسمية منذ عهد مبكر للحكم العثماني، وقد كان ابن علي يشير إلى ذلك في شعره. وأن الشعر عريق في أسرته أيضا. ذلك أن شعر جده ووالده شعر مقبول، ومن جهة أخرى نجد أن ابن علي قد تولى الفتوى وطال عهده فيها، وهي ظاهرة قليلا ما تتكرر في العهد العثماني للتقلبات التي حدثت فيه، ولولا بعض الإشارات السريعة في ديوانه لما عرفنا شيئا عن والده.
تولى ابن علي وظيفة الفتوى سنة ١١٥٠ خلفا لحسين بن محتمد العنابي الذي توفي في هذه السنة، وقد استمر في الوظيفة إلى حوالي سنة ١١٦٩ بدليلين: الأول أن ابن عمار قد تحدث عنه بعد سنة ١١٦٦ (وهي السنة التي حج فيها ابن عمار) وسماه (شيخنا وأستاذنا شيخ الإسلام)، وكانت عبارة
стр. 815
(شيخ الإسلام) هي لقب المفتي الحنفي في الجزائر كما كانت في إسطانبول، والدليل الثاني أن المفتي الجديد، حسين بن مصطفي، قد تولى في هذه السنة
(١١٦٩) دون أن نجد في قائمة المفتين من توسط بينه وبين ابن علي (١)، فهل
عزل ابن علي عندئذ أو توفي؟ ذلك ما لا نعلمه الآن، فإذا نظرنا إلى تاريخ ولاية جده الفتوى (سنة ١٠٤٥) وسنة ١١٦٩ أمكننا أن نقدر أن تاريخ ميلاد
ابن علي كان حوالي ١٠٩٠، غير أننا لا نجد في الوثائق ما يساعدنا على تحديد سنة الميلاد أو الوفاة، وهناك حادثتان تساعدان على تحديد أوليات ابن علي، فهو من الذين مدحوا محمد بكداش باشا وهنأوه بفتح وهران الذي وقع سنة ١١١٩، ولو لم يكن ابن علي متقدما في السن وفي صناعة الشعر لما قال قصيدته الرائعة في هذه المناسبة التي لعلها أفضل القصائد التي قيلت في
الفتح وظروفه:
وإني وإن أحجمت أول مرة ... على خوض هذا البحر والغير عائم
فما هي إلا هيبة الملك قلما ... على مثلها في الناس يقدم قادم
وعهدي قوافي الشعر عني أذودها ... زمانا وفكري موجه متلاطم ولولاك ما كان التفات لفكرة ... ولا سام نظم الشعر كالدر سائم (٢)
أما الحادثة الثانية فهي خصومة ابن علي مع محمد بن نيكرو مفتي المالكية سنة ١١٥٠، وهي الخصومة التي أدت إلى وفاة ابن نيكرو سنة ١١٥٢ (٣).
استمد ابن علي حينئذ من أسرته تقاليد الشعر وتقاليد الفتوى، وكان المفتي الحنفي صاحب مكانة هامة في الدولة مما جعله أحيانا هدفا لسهام السياسة، كما رأينا، فالمنصب لم يكن مجرد وظيفة دينية بل كان وظيفة سياسية كبيرة، وكان المفتي الحنفي يدخل على الباشا ويحضر جلسات
стр. 816
الديوان وله الكلمة العليا في المجلس الشرعي الأعلى، ولكن أهم من ذلك في نظرنا أن المفتي كان أيضا خطيب الجامع الجديد (الحنفي) ومدرسه الكبير، وكان ابن علي يشعر بثقل هذه المسؤولية عليه حين نازعته نفسه على قول العزل واتباع خيال الشعر، فقال يخاطب الحبيب:
لولا، وحقك، خطة قلدتها ... زهرت بها في الخافقين شموعي ومنابر فيها رقيت إلى العلى ... وقد استدار بها كثيف جموع
لنحوت منحى العامري صبابة ... ولكان من حرق الجوى مشفوعي (١)
فابن علي يعرف أن سمعته كانت قائمة على الفتوى والمنبر حيث يقف خطيبا كل جمعة تحوطه الجماهير وهو يعظ ويرشد أو حلقة الدرس حيث يلتف حوله الطلبة والعلماء، ولولا هذه القيود الثلاثة لغدا في الشعر والحب كمجنون ليلى، ولكن ابن علي يعرف أيضا أن شموعه قد توقدت وسمعته قد ارتفعت بسبب هذه الوظائف وليس بقول الشعر.
تعتبر ثقافة ابن علي وابن عمار الأدبية ثقافة تثير الدهشة في وقت كان فيه الأدب، والشعر خصوصا، بضاعة غير رائجة. فقد جمعا بين أدب المغرب والأندلس وأدب المشرق، طريفه وتليده، وكان بطلهما هو لسان الدين بن الخطيب، كما كان هو بطل أحمد المقري أيضا، ولكن تأثير ابن
سهل والفتح بن خاقان وابن زمرك والبحتري وأبي تمام والمتنبي عليهما لم
يكن قليلا أيضا، ورغم طول القطعة التالية فإننا نوردها لما فيها من حكم على ثقافة ابن علي، فقد مدحه فيها ابن عمار وقارنه في أغراضه الشعرية بعدد من الشعراء الذين عرف كل واحد منهم بالإجابة فيما قال، ولكن ابن علي، بناء على ابن عمار، قد فاق هؤلاء الشعراء:
وإذا تكلم فوق منبر وعظه ... جلى لنا البصري في أزمانه
فإذا يشبب فهو عروة رقة ... يهدي رقيق النسج من غيلانه
وإذا يصوغ
المدح فهو زهيره ... مهما انبرى للقول في ابن سنانه
стр. 817
وإذا اغتدى يصف المباني والذرى ... خر ابن حمديس على أذقانه
أو جال في وصف الرياض أو الربى ... أعرى أبا إسحاق من إحسانه
أخملت ذكر ابن الحسين وفقت من ... في عصره يعزى إلى حمدانه
ولقد تركت البحتري مقيدا ... بسلاسل قد صاغ من عقيانه
كما قارنه ابن عمار في قول الحكمة بسقراط وهرمس (١)، ونلمس من هذه الأبيات أغراض شعر ابن علي كما كانت معروفة عند عالم معاصر له وصديق وتلميذ، وهو ابن عمار، وهي: التشبيب، والوصف، والمدح.
ورغم ما في حديث ابن عمار عن شيخه من عبارات الولاء والمدح فإننا نصل منها إلى صورة عامة عن شخص ابن علي، فهو موصوف بالحفظ الغزير، ورواية الحديث النبوي، والمهارة في التفسير وتأويل الآيات، بالإضافة إلى جودة الشعر والنثر، والفصاحة في الخطابة، وكان ابن علي، مع ذلك، يقوم الليل ويتهجد ويقرأ القرآن ويجمع المهابة إلى الدعابة، والبسط إلى الورع، والأدب إلى النسك، وهذه ميزات جليلة قلما تجتمع في واحد، وكان ابن علي، بحكم شاعريته، يجتمع بالأدباء ويرتاح إليهم، وقد عرفنا أنه كان يزور بيت ابن ميمون، وهو أديب وشاعر مثله. وكانت له مجالس أنس وعلم ومطارحات مع أحمد بن عمار، يخرجان فيها للتنزه في الرياض ويتزاوران في الديار، وكلاهما عبر في شعره عن هذه الصداقة الأدبية الجميلة، وكان إعجاب كل منهما بشعر الآخر يدفع بهما إلى المزيد والإجادة، وكان ذلك وسيلتهما الوحيدة في شحذ القرائح وتحريك القوافي، لأن الشعر، كما قلنا، كان بدون مشجعات سياسية ولا اجتماعية.
أعجب ابن علي باللغة العربية إعجابا كبيرا فأجابها شعرا ونثرا، وقد شكا من كون البعض لا يعرف مكانتها ولا مكانة الشعر فيها على الخصوص، ونحن نعرف رأيه في ذلك من حادثة رواها هو في ديوانه، فقد أتى فيه بأبيات نظمها المفتي الحنفي العثماني، أسعد أفندي، في المقام النبوي، ثم علق ابن
стр. 818
علي على ذلك بقوله: (وها أنا أذكرها هنا تبركا، وليعلم الواقب عليها أن الممدوح (يقصد أسعد أفندي) كان ممن يحاول الصناعة الشعرية ويتحيز إلى الفئة الأدبية، فانظر هذه الهمة حيث تكلف هذا العجمي معرفة اللسان العربي، مقدما على ما أحجم عنه أكابر العلماء وهو نظم الشعر الذي هو أجمل ما التحفته الهمة، وعرفته هذه الأمة، فإنه مطلق اللسان من عقال، ومنطق الإنسان بصواب المقال) (١). وكأن ابن علي يدعو الناس إلى العناية باللغة العربية ويدعو المثقفين خصوصا إلى الاهتمام بالشعر متخذا من هذه القصة حجة له، ونعرف من مصدر آخر أن ابن علي هو الذي أمر، وهو المفتي المطاع، بترجمة (غزوات عروج وخير الدين) من التركية إلى العربية (٢) لأنه لم يكن يحذق اللسان التركي.
نظم ابن علي كثيرا من الشعر في الأغراض التي ذكرناها وغيرها،
وقد قال ابن عمار عنه ان (أيدي الناس ممتلئة من شعره)، وأخبر أن ابن علي قد ناوله ديوانه مخطوطا فنقل منه بعض قصائد الغزل في (نحلة اللبيب) واقتصر على ذلك، لأن (الديوان غزير المادة) في الأغراض
الأخرى (٣)، ويفهم من كلام ابن عمار أن ديوان ابن علي كله من شعره،
ولكن يبدو أن الموضوع في حاجة إلى توضيح، فالديوان، على ما يبدو،
جمع بين شعر ابن علي وشعر غيره، وكان ابن علي قد اختار من شعر غيره، سيما شعر القرن السابق له (الحادي عشر) في ديوانه. فذكر قصائد لجده
ووالده ومحمد القوجيلي وأحمد المانجلاني، وابن رأس العين ومحمد بن
ميمون وغيرهم، وأضاف إلى ذلك بعض شعره الخاص، وقد أوضح ابن علي في مقدمة ديوانه سبب جمعه لهذه الأشعار فقال: (دعاني لجمع هذا الديوان،
стр. 819
ما منيت به من أبناء الزمان، من شماتة ان ألمت مصيبة، وسهام من نكايتهم مصيبة، فجنحت إلى صرف تلك البلابل، بما يفوق عن احتساء البلابل .. وهو ما صيغ من ألسن بعض أهل العصر، وربما أضفت إلى ذلك ما سمحت به القريحة الجامدة، فجاء نزهة من نزه الأفكار، ومجتلى خرائد وأبكار) (١). فواضح من هذا أنه جمع في ديوانه شعره ومختارات من شعر غيره.
ولكن هذا الديوان اليوم معقود بالطريقة التي وضعه عليها صاحبه، ذلك أن الموجود الآن منه عبارة عن نماذج بعضها بصيغة المتكلم، مما يدل على أنه ابن علي، وبعضها بصيغة الغائب مما يدل على أن أحدهم هو الذي يورد النماذج ويتصرف في اختيارها، وكأن الموجود من الديوان اليوم هو مختار المختار. وهناك مشكلة أخرى تثار حول هذا المختار، وهي من اختاره؟ هل اختاره أحمد بن عمار، وبذلك يكون الديوان جزءا من كتابه (لواء النصر) المفقود أيضا؟ ويؤكد هذا أن ابن علي قد ناول ابن عمار ديوانه كما أسلفنا فأخذ منه الغراميات في (النحلة) وسكت عن الباقي، مضيفا أنه ترجم لابن علي مطولا في (لواء النصر)، أو هل اختاره عبد الرحمن الجامعي الذي عرف ابن علي أيضا وصادقه وتبادل معه الشعر والمدح؟ وبذلك يكون الموجود من الديوان جزءا من رحلة الجامعي المفقودة والمسماة (الدرر المديحية) (٢) ونحن نرجح أن يكون جزءا من (لواء النصر) لابن عمار، لأن هذا هو الذي عاصر طويلا ابن علي ولازمه إلى أن تقدم العمر بكليهما، ولأن في الديوان
تعاليق وأخبارا لابن عمار أيضا، أما الجامعي فلم يطل الإقامة في الجزائر فهو
قد خرج قبل سنة ١١٣٦، والمعروف أنه قد توفي سنة ١١٤١، بينما عاش
ابن علي بعده حوالي ثلاثين سنة.
ومهما كان الأمر، فإن الديوان يضم عددا من قصائد ابن علي في الغزل وغيره، كما يضم عددا من القصائد التي اختارها لغيره، ولكي يخرج المرء
стр. 820
بصورة واضحة عن محتوى هذا الديوان عليه أيضا أن يعود إلى (نحلة اللبيب)
لابن عمار ليقارن بين ما أورده له فيها وما هو موجود في الديوان أو الباقي منه، وما زلنا لم نفعل ذلك حتى الآن (١)، وفي المصدرين عدد من قصائد وأبيات الغزل التي قالها ابن علي في مناسبات مختلفة.
ومن ذلك قوله:
ومهفهف حلو الشمائل قادني ... نحو الصبابة قده المياس ومنه أيضا من قصيدة أخرى طويلة:
أقصى، فدمعي من جفوني مهرق ... وقسا فرق لي العدو الأزرق
وعندما كتب له ابن ميمون قصيدته المشار إليها في المرأة التي أحبها
ابن علي ولم ينلها، قال ابن علي مجيبا: أسهم رماني من لحاظك صائب ... فجاءت إلى قلبي تحث المصائب كما أجابه بقصيدة أخرى في الغرض نفسه:
يمينا لقد عزت علي المطالب ... ولي أبدا من سحر عينيك طالب وفي مناسبة أخرى تغزل ابن علي على هذا النحو: شقائي بعينيه ألذ مدامة ... فيا طيبها لو لم تؤد إلى الحتف
فيا راحتي ما أنت في طي راحتي ... ويا مهجتي عما تدرينه كفي
وغزل ابن علي كثير ومتنوع كما قلنا، وكان يصف في المرأة الأشياء الظاهرة، وشاعريته قوية في هذا الباب، وتدل على تمكنه من الشعر، وقد صدق ابن عمار حين قال فيه: (هذا الإمام هو خاتمة الشعراء العظام بهذا الصقع، ليس لغليل الأدب بعده نقع) (٢)، وهو جيد في وصف حالة العاشق، خصوصا عند اليأس والشكوى من الرقيب وهجر الحبيب، ولم يكتف بصب غزله في القصيدة التقليدية فقط بل صبه أيضا في موشحات رقيقة، وسبق أن
стр. 821
قلنا إنه تغزل في المذكر أيضا، ومن وصف أحواله النفسية قوله: ولي كبد تناهى الوجد فيها ... وكانت قبل ذلك لا ترام
زهى ورد الجمال لها فحلت ... بساحته وطاب لها المقام
ومن قصائده الغزلية الجميلة قوله:
قسما بصبح جبينك الوهاج ... ما أنت إلا راحتي وعلاجي
وفي أحواله الاجتماعية والدينية وصراعه مع نفسه يقول:
يلومونني في العشق والكأس والغنا ... وقالوا سفيه الرأي غير مصيب
وهل لذة الدنيا سوى صوت مطرب ... ونشوة خمر أو عناق حبيب
ولكنه في النهاية تاب كما تاب معظم الشعراء ودعا الله أن يغفر له هذا الانجراف نحو اللذات:
إلهي أطعت النفس والغي والصبا ... وقد حجبتني عن رضاك ذنوب
فإن كان ذنبي أزعج القلب خوفه ... قحسن رجائي فيك كيف يخيب (١)
وبالإضافة إلى الغزل الذي برع فيه ابن علي، فقد أجاد أيضا في الوصف والمدح والشكوى والرثاء والإخوانيات، ومن أجود قصائده في الرثاء ما قاله في زوجته حين توفيت عنه:
رأيت بها عصر الشباب معاصري ... وخيلت أني كنت من ساكني عدن
فما راعني إلا النوى صاح صيحة ... فزعزع من عرشي وضعضع من ركني
وقال لمن كانت حياتي وراحتي ... وريحانتي: قومي إلى منزل الدفن
فحالت يد الأقدار بيني وبينها ... فأصبحت مسلوب الحجا ذاهل الذهن (٢) وقد افتخر ابن علي ينفسه وعرف أن المثل القائل بأن (مطربة الحي لا تطرب) يصدق عليه، فقد كثر حساده وناقدوه الذين طعنوا في فضله ودعوه (سفيه الرأي) كما قال في شعره، ولكنه مع ذلك انتصب لهم ودافع عن نفسه
стр. 822
بأنه كالنجم لن ينالوه بسوء، وهاجمهم بأنهم أجلاف لا يفقهون وأنهم
مغترون موتورون:
وإذا نسوا فضلي فكم من فاضل ... قبلي سقوه السم في كيسانه
نصبوا حبائل مكرهم وتعرضوا ... بسهامهم للنجم في كيوانه
من كل أرعن أهوج الأخلاق قد ... أربى على فرعون مع هامانه
أو لم ير المغتر أن العز لا ... يبقى ملابسه على فتيانه
أجلاف هذا العصر حقا لو رأوا ... حسان ما جنحوا إلى إحسانه
إن أنكروا فضلي لخبث طباعهم ... فالدر ليس يعز في أوطانه (١)
لا ندري إن كان ابن علي قد خرج من الجزائر لأغراض دينية كالحج أو
علمية أو سياسية إذ أن المصادر صامتة عن ذلك، فإذا ثبت أنه برع في الشعر على هذا النحو دون أن يدرس اللغة والأدب في غير الجزائر فذلك يزيد من إعجابنا به، وقد كانت له صلات بعلماء المغرب نذكر منهم الجامعي والورززي، وكان لابن علي شعر في كليهما، أما الأول فقد تبادل معه الشعر والنثر وكتب عنه في شرحه لرجز الحلفاوي وفي رحلته المفقودة، وأما الثاني فنعرف ما قاله فيه ابن علي حيث طلب منه الإجازة، ولكننا لا نعرف ما قال الورززي
في ان علي. وفي الديوان إشارة إلى أن ابن علي قد أجاب عن قطعة مدحه
بها أحد علماء فاس بقوله:
يمينا لقد أظهرت سحر بيان ... بلفظ بديع رائع ومعان
ويبدو مما قرأناه أن ابن علي يتفوق في شعره الذاتي على شعره الاجتماعي كالمدح. فشعره الغزلي والوصفي وفي أحوال النفس أقوى بكثير من الشعر الذي قاله مثلا في الورززي والجامعي. غير أن قصيدته الميمية في فتح وهران تظل بلا نظير، وقد أعجب الجامعي بابن علي، وسماه (أديب العلماء، وعالم الأدباء، محيي طريقة لسان الدين ابن الخطيب، الإمام الخطيب ابن الإمام الخطيب). وفي الجامعي قال ابن علي قصيدة على منوال
стр. 823
قصيدة ابن زمرك، ولكن الجامعي انتقد ابن علي في بعض التعابير التي وردت
فيها، فانبرى له ابن عمار يوضح خطأه وينتصر لأستاذه ويصوبه (١)، وكما أشاد ابن عمار بشيخه ابن علي أشاد هذا بابن عمار كثيرا. فهو القائل فيه:
ما كل من صاغ القريض يجيده ... معنى ويصرفه على أوزانه
إلا ابن عمار فحسبك من فتى ... زان النشيد وعد في أعيانه وكان ابن علي يرتاح لابن عمار ويجالسه كما أشرنا، وكان ابن عمار وفيا له ويعرف قيمته، وكان يزوره إذا مرض ويمازحه وينشده الشعر ويسليه، من ذلك زيارته لابن علي عندما مرض بالكبد وعجز عن تذوق الطعام. وبالجملة فأصدقاء ابن علي قليلون إذا حكمنا من المصادر، ولكن يبدو أن الذين عرفوه على حقيقته قد اعترفوا له بالفضل والتقدم في الأدب، والشعر
على الخصوص، ومن هؤلاء محمد بن ميمون وأحمد بن عمار من الجزائريين والجامعي والورززي من المغاربة، ورغم أن ابن المفتي كان كثير
النقد لعلماء عصره فإنه عندما ذكر ابن علي، وهو معاصر له، لم يقل عنه ما
يشينة، ولكن يفهم من تعبيره أنه كان ينتصر لابن نيكرو ضد ابن علي. أما ابن
حمادوش فقد عرفنا أنه كان ضده، حتى قال عنه (المفتي الحنفي في الوقت، ابن علي المستحق المقت).
والواقع أن حياة وشعر ابن علي ما تزال في حاجة إلى دراسة عميقة بعد الاطلاع على مصادر إضافية، فحياته تكاد تكون مجهولة رغم غناها وتعدد جوانبها العائلية والاجتماعية والدينية والسياسية، وشعره ما يزال ضائعا ومتفرقا رغم أهميته الأدبية، وحسبنا هنا أننا سلطنا عليه بعض الأضواء بما يتسع له هذا الكتاب.
الشعر الشعبي
الهدف من الحديث قليلا عن الشعر الشعبي أو الملحون هنا هو تحديد علاقته بالثقافة وتحديد علاقة الثقافة به، وليس الغرض دراسة هذا الشعر في
стр. 824
حد ذاته، لأن ذلك يهم غيرنا أكثر، ذلك أن الثقافة التي نتناولها في هذا الكتاب تعني نتائج الفكر والذوق والشعور بعد الصقل بالدراسة والتعب، وطلب العلم بجميع أنواعه وتحصيل الملكة عن طريق الممارسة والنصب، ولا يحتاج الشعر الشعبي إلى كل ذلك أو شيء منه، بل أن ضعف الثقافة بالمفهوم الأول هو الذي ساعد الشعر الشعبي على الانتشار والذيوع، وبذلك يكون رواج الشعر الشعبي دلالة على ضعف الثقافة الأدبية في البلاد، فهو، من الناحية الجدلية المحضة، ضد الثقافة ودليل على انحطاطها.
وهذه الظاهرة، ظاهرة شيوع الشعر الشعبي بدل الشعر الفصيح وضعف الثقافة الأدبية، قديمة ولا تخص العهد العثماني وحده. فقد لاحظ ابن خلدون ذلك وعزا عدم عناية المغاربة بأنسابهم إلى شيوع الشعر الشعبي الذي لا يحفظ كما يحفظ الشعر الفصيح، ولكن الضعف استمر وازداد، وقد تفاقم أيام العثمانيين. فإبعاد اللغة العربية عن الإدارة وجهل الحكام، بما في ذلك الجزائريون التابعون للعثمانيين، بها، وعدم وجود جامعة أو مركز إسلامي عتيق في البلاد، وكون خريجي التعليم القرآني لا يجدون وظائف إلا في مجالات محدودة، كل هذه عوامل ساعدت على إضعاف الثقافة الأدبية وتشجيع الشعر الشعبي والأدب الشعبي بدلا منها.
وعندما ألف مؤلفون أدباء ومؤرخون أمثال الجامعي وأبي راس وابن سحنون وجدوا أنفسهم أمام سيل من الأدب الشعبي لا يمكن التخلص منه، كما وجدوا الأدب في حالة ضعف وتقهقر، ولم يسع الجامعي إلا أن يورد، بعد أن اعتذر وذكر الأسباب، نماذج من الشعر الشعبي في شرحه لرجز الحلفاوي، بعضه منسوب وبعضه غير منسوب. كما لم يسع ابن سحنون، وهو الأديب الناقد الشاعر، إلا أن يذكر أن ممدوحه قد مدح بالكثير من الشعر الشعبي، مبينا أن (ذلك أمر خارج عن مقصد الأديب، لا يخصب روض البلاغة الجديب) كما عزا أكثر الشعر الملحون إلى غلبة العجمة على الألسن وذهاب سر الحكمة منها (فصار الناس إنما يتغنون بالملحون، وبه
стр. 825
يهجون ويمدحون (١)، وقد وقف أبو راس موقفا شبيها بذلك، إلا أنه كان أقل حماسة للشعر الفني من زميله، لأنه هو نفسه كان ضعيف الشعر، فأبو راس هو القائل، نقلا عن الجامعي (وما في الملحون من بأس، فإنه في هذا العصر لسان الكثير من الناس) (٢).
وهكذا طغى الأدب الشعبي على الأدب الفني في العهد العثماني،
وكان الذين يمثلون الأدب الأخير قلة وسط كثرة، وعندما حل الفرنسيون بالجزائر نشروا من الشعر الشعبي نماذج متعددة وترجموها في مجلاتهم، لأنها في نظرهم تساعد على فهم ظروف العهد العثماني ولغة السكان وعلاقة هؤلاء بالحكام العثمانيين. حقا ان الشعر الشعبي قد سجل كثيرا من الحوادث السياسية والعسكرية كما كان سجلا للنبض الاجتماعي والاقتصادي في البلاد، وبذلك يمكن القول من الناحية التاريخية أنه كان أشمل وأقرب إلى الحقيقة من الشعر الفني، فبينما كان الشعر الفني شعر بلاط أو شعر نفس مهزومة أو شعر مدائح نبوية ونحوها، كان الشعر الشعبي يدون ما يجري في جميع المستويات تقريبا، ويصف ردود الفعل بآلة تسجيل أمينة، غير أن قارئه وإن وجد فيه الفعل ورد الفعل فإنه لن يجد فيه المتعة الروحية ولا الجمال الفني الذي يجده في الشعر الفصيح، ولا سيما إذا بعد العهد. ذلك أن لكل فترة مفاهيمها اللغوية وتعابيرها في الأدب الشعبي، وليس الحال كذلك بالنسبة للفصيح.
خاض الشعر الشعبي إذن عددا من الأغراض: هجومات الأجانب على الجزائر والانتصار عليهم، حالة السكان الاقتصادية والمعاشية، والأزمات الاقتصادية والنكبات الطبيعية، أحوال التصوف والمتصوفين، رثاء رجال الدين ورجال السياسة، ونحو ذلك من الأغراض. كما أن الشعر الشعبي قد
стр. 826
وقف أحيانا مع العثمانيين وأحيانا ضدهم، وأكثر ما بقي من الشعر الملحون هو الذي يمجد انتصارات العثمانيين، ومن الجدير بالذكر أن الشعر الملحون قد دخله التحريف، فمن الصعب القول بأن ما بقي منه هو بالضبط ما قاله أصحابه، ثم إن كتابته نفسها تختلف عن إنشاده، فهو شعر قيل لينشد وتتناقله الأفواه لا لكي يسجل على الورق ويدون. ثم إن اختلاف اللهجات يجعل من الصعب فهم قصيدة شعبية قيلت مثلا في وهران من أهل قسنطينة والعكس، ومن ثمة كان الشعر الفصيح أسير وأخلد. ومن جهة أخرى فإن الاهتمام بالشعر الشعبي لا يخدم فكرة الوطنية ولا القومية. فهو في عصرنا يخدم فى الواقع الجهوية والقبلية والإقليمية. ولذلك استغله الاستعمار استغلالا بشعا ضد الفكرة الوطنية في الجزائر وضد الفكرة القومية في الوطن العربي.
فإذا عرفنا هذه المقدمات أمكننا أن نذكر نماذج كنا قد أشرنا إليها من قبل في مناسبات أخرى، ولعل من أقدم القصائد الشعبية الموالية للعثمانيين والتي سجل صاحبها، وهو الأكحل بن خلوف (المشهور الأخضر) المعركة التي دارت بمرسى مستغانم بين المسلمين والإسبان، وهي المعروفة (بوقعة مزغران) والجدير بالذكر أن ابن خلوف، الذي اشتهر أيضا بقصائده الدينية، قد ربط بين جهاد المسلمين في الجزائر وجهادهم في غرناطة، ثم فصل القول
بما جرى بين جيش المسلمين بقيادة حسن باشا وجيش الإسبان بقيادة الكونت دالكادوت، وكان الشاعر متحمسا لأن المسلمين قد انتصروا في هذه المعركة انتصارا باهرا. وقد بدأها بقوله:
يا سايلني عن طراد الروم ... قصة مزغران معلومة (١) وفي أوائل القرن الثاني عشر الهجري أبى أحد الشعراء، وهو محمد بن
стр. 827
درمش الشرشالي، إلا أن يخرج من نطاق الجزائر وينتصر للعثمانيين في البلقان، فقد أشاد باستيلاء جيش السلطان أحمد الثالث (١١١٥ - ١١٤٣) على مورية سنة ١١٢٧. عالج الشرشالي في قصيدته الشعبية عدة موضوعات مثل فرمان السلطان إلى عسكر الجزائر يطلب منهم إرسال قوات عسكرية، وكون الجزائر استجابت وأرسلت ثلاث سفن محملة بالعساكر (ومنهم الشاعر نفسه)، ووصف الطريق والمعركة التي دارت بين العثمانيين وخصومهم، كما وصف الانتصار الإسلامي، وقد مجد فيها العلاقات الإسلامية وشكر الله ورسوله على توفيقه، وفاتحتها:
صلوا كلكم يا معشر الإخوان ... على المصطفى الهادي رفيع الشان
سبحان الإله المالك الدائم ... الفرد الجليل العادل الحاكم
ثم جاء فيها:
من بعد الرضى عن جملة الأعوان ... اصغوا وافهموا يا معشر الإخوان
فنحكي لكم قصة لها برهان ... صارت ذا الزمان في مدة السلطان (١)
وللشرشالي قصائد أخرى في غير ذلك الغرض.
ومن القصائد التي سجل أصحابها جهاد الجزائر قصيدة لشاعر مجهول تحدث فيها عن هجوم الدانمارك على الجزائر سنة ١١٨٤، وقد وصف فيها الشاعر ضرب مدينة الجزائر بالقنابل من قبل الدانماركيين، وبناء على الشاعر، فإن ذلك كان ليلة المولد النبوي حين أوقد المسلمون الشموع ليحتفلوا به، فظن الدانماركيون أن الجزائريين قد قاموا بهجوم ضدهم، فظلوا يطلقون القنابل على المدينة طول الليل حتى نفدت ذخيرتهم. وبالطبع نجد الشاعر متفائلا لأن النصر في هذه المعركة للجزائريين بفضل بركات الأولياء والصالحين المدفونين في المدينة، وقد نوه الشاعر أيضا برجال الدولة العثمانية، وتبدأ القصيدة هكذا:
стр. 828
باسم الله نبدي على وفا ... ذا القصة تعيانا قصة ذا البونبة المتلفة ... كيف جابوها أعدانا (١) ورغم أن قصيدة بلقاسم الرحموني الحداد قد صورت أحوال قسنطينة عموما فإنها لم تكن سياسية كلها، كما أنها لم تكن كلها ضد العثمانيين، بل كانت ضد الدخلاء على مدينة قسنطينة مهما كانوا. فقد صور في قصيدته الحياة الاجتماعية من فساد أخلاق ودين، والحياة السياسية من ظلم وطغيان، والحياة الاقتصادية من نقص في أحوال المعيشة والغلاء، وكان الشاعر في هذه القصيدة يتكلم على لسان أهل الطرق الصوفية، وهو أيضا ضد التجار الذين وردوا على قسنطينة من داخل البلاد ونافسوا أهلها، وتبدأ هذه القصيدة: عام مكبرة هاي سيدي ... بالكساد وغلات النعما (٢) ولعل الشاعر نفسه كان يتغنى بهذه القصيدة وغيرها في مقاهي قسنطينة ومجالسها، وقد أشرنا إلى أن بلقاسم الحداد كان شاعرا في غير هذا الموضوع أيضا.
أما الشعراء الذين وقفوا ضد العثمانيين مستعملين الشعر الملحون وسيلة وسلاحا فهم، أيضا كثيرون، وحسبنا أن نذكر هنا ابن السويكت، الشاعر الذي سجل انتصار أهل سويد بالغرب الجزائري على العثمانيين في حروب طويلة قاسية، وهذه الحروب تعرف جماعيا باسم (ثورة المحال) التي كانت تتقد تارة وتخبو تارة أخرى حوالي قرنين، وللشاعر في ذلك عدة قصائد، منها تلك التي يقول فيها:
الترك جاروا واسويد عقابهم طافحين ... والترك شاربين الهبال في سطلة (٣)
стр. 829
وهناك الشاعر بوعلام بن الطيب السجراري الذي تحدث عن ثورة درقاوة ضد العثمانيين، ولما كنا قد أشرنا إلى هذه الثورة في السابق فإننا نكتفي هنا بالإشارة إلى القصيدة فقط، ذلك أن الشاعر كان متحمسا ضد الأتراك وكان يطعن فيهم وفي سياستهم وأخلاقهم، وقد صور كل ذلك خير تصوير وأنفذه، وخصوصا انهزام الأتراك على يد الدرقاويين بقيادة عبد القادر بن الشريف:
كي قصة الأجواد مع أتراك النوبة ... يوم أن فزعهم ابن الشريف أو جاو (١) ولا شك أن الشعراء الشعبيين كانوا بالمرصاد لالتقاط الأحداث السياسية والاقتصادية وغيرها كما أشرنا، فقد قالوا في فتح وهران الأول والثاني، وقالوا في المجاعات والطواعين والزلازل التي حلت بالبلاد، ومدحوا بعض الحكام وهجوا آخرين منهم، وانتصروا لبعض الثورات وكانوا ضد أخرى، وليس من غرضنا هنا تتع ذلك أو إحصاؤه.
وكما اهتم الشعر الشعبي بالحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية،
اهتم أيضا بالدين ورجاله، فقد عرفنا أن شاعرا كبيرا في الفصيح، وهو سعيد المنداسي، عالج المدائح النبوية وغيرها من النواحي الدينية في قصيدة ملحونة تعرف بـ (العقيقة) وهي التي شرحها أبو راس وابن سحنون، وكانت موضع حديث الناس مثقفين وغير مثقفين (٢). وكتب أحد الصالحين، وهو موسى اللالتي قصيدته المشهورة (حزب العارفين) بالملحون أيضا، تعرض فيها ليس فقط لرجال التصرف وأهل الصلاح، ولكن أيضا إلى رجال السياسة
стр. 830
أو من سماهم برجال الشر والطلاح، وقد شرح هذه القصيدة العامية تلميذه الشيخ محمد بن سليمان، ومن حسن الحظ أننا اطلعنا ودرسنا هذه القصيدة وشرحها (١)، وقد اشتهر في تلمسان خلال القرن الثاني عشر ثلاثة شعراء شعبيين وهم: محمد بن مسائب، وابن التريكي والزناقي، ونظموا جميعا بالخصوص في المسائل الدينية، كما نظم كل منهم رحلة حجازية (٢)، ونعتقد أن للشعر الملحون مجالات أخرى لم نشر إليها كالغزل. أما الرثاء فالمعروف أن أحد الشعرء قد نظم قصيدة (قالوا العرب قالوا) في رثاء صالح باي الذي كان محبوبا عند معظم أهل قسنطينة لأن مأساة وفاته قد أثارت عواطفهم نحوه.
ورغم أن الشعر الشعبي ليس من أهداف هذه الدراسة لخروجه عن الثقافة الأدبية كما لاحظنا، فإن دراسته تكشف عن كثير من الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد في العهد العثماني. فالقصيدة الشعبية من هذه الزاوية وثيقة هامة تدرس من خلالها الحياة كما صورها الشاعر وتؤخذ منها المعلومات والمواقف ثم تترك. والشعر الشعبي مهم من حيث تسجيله لمشاعر الناس ضد أو مع العثمانيين، ومواقف الجهاد ضد العدو الخارجي، وتطور الحياة الدينية، فالعودة إلى الشعر الشعبي ضرورة من ضرورات البحث، ولكنه لا يدرس كنموذج أدبي أو فني نستشف من خلاله رقي الثقافة وسمو الذوق والمشاعر وجمال التعبير والتصوير، أو نستدل به على تقدم الشعب.
стр. 831
الفصل الخامس
التاريخ - التراجم - الرحلات
стр. 832
ندرس في هذا الفصل مفهوم التاريخ عند الجزائريين وإنتاجهم فيه وفي
التراجم والسيرة والتواريخ المحلية والرحلات ونحو ذلك كالجفرافية، ومما يلفت النظر ندرة الكتب التاريخية في القرنين العاشر (١٦ م) والحادي عشر (١٧ م)، بينما حفل القرن الثاني عشر (١٨ م) بعدد من التآليف فيه، كما أننا لا نكاد نجد رحلة حجازية خارج القرن الثاني عشر، أما التراجم فقد عمت جميع العهد العثماني ولكنها كانت في القرن العاشر قليلة أيضا، ومن جهة أخرى لا نكاد نجد كتابا في الجغرافية من تأليف الجزائريين اللهم إلا ما جاء عرضا في كتب التاريخ والرحلات من وصف المسالك وتخطيط البلدان وتنسيب القبائل، ونحو ذلك.
مفهوم التاريخ
ويبدو أن سيطرة التصوف والروح الدينية السلبية قد أضعفت العناية بعلم التاريخ والسير وأخبار الأولين، ومن ثمة أضعفت دافع التأليف فيها. ذلك أن كثيرا من الجزائريين الذين كتبوا في التاريخ، رغم ذلك، قد لاحظوا الضعف وعدم الاهتمام بعلم التاريخ. فقد قال ابن المفتي بأن (تلك الأخبار رسمها بالجزائر مندرس، وما كتبه ذوو الرحلة في شأنها وشأن العلم فيها غير مقتبس) (١)، وهو يشير بذلك إلى أن التأليف والعناية بالتاريخ والأخبار لم تكن تحظى بالاهتمام، كما أن ما كان منها مكتوبا منذ القديم لم يقلده المقلدون أو يرجع إليه الراغبون، ورغم تصوف الورتلاني فقد لاحظ أن الجزائريين كانوا يحسبون التاريخ أمرا مضحكا لا يدرسه أهل الجد والدين،
стр. 833
بل هو عند البعض ضد الدين والأخلاق. لذلك حكم الورتلاني بأن علم التاريخ (منعدم) عند أهل الجزائر، وهذه هي عبارته (علم التاريخ منعدم فيه وساقط عندهم فيحسبونه كالاستهزاء، أو اشتغالا بما لا يعني، أو من المضحكات المنهي عنها. فترى المتوجه منهم إلى الله يرى الكلام فيه مسقطا من عين الله تعالى .. ليس (هو عندهم) من علم يذكر، إذ لا طائل فيه أصلا بل بنفس ذكره عندهم ينكر) (١).
ولعل الذي أضر بالتاريخ عند الجزائريين المتدينين كونه منسوبا عندهم إلى الأخبار والسير العامة ومتصلا بالأدب والمجون، والغريب أن آراء ابن خلدون في التاريخ كانت معروفة عند بعضهم، وأن كتب التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية كانت متوفرة، كما لاحظنا من دراستنا عن المكتبات. فكيف يسقط التاريخ عندهم إلى هذه المنزلة من الإهمال؟. ليس هناك من تفسير إلا سيطرة التصوف من جهة والخوف من الحكام من جهة أخرى. أما علاقة التاريخ بالتصوف فقد أشار إليها الورتلاني، وأما الخوف من الحكام فالمعروف أن التاريخ عندئذ كان تاريخا لكبار السياسيين، وأنه كان لا يدرس للثقافة والمتعة والعبرة والتقليد. وسنعرف أن معظم الذين كتبوا في التاريخ أثناء العهد العثماني كانوا مؤيدين بل كانوا يكتبون على لسان الأمراء والولاة، ولم يكن لأهل الصلاح فائدة من دراسة علم لا يعرض إلا لحياة الملوك
والأمراء وكبار المسؤولين.
ومع ذلك فإن تعريف التاريخ عند المؤرخين الجزائريين ظل غامضا،
فهم يخلطونه بالدين تارة والسيرة تارة أخرى، وبالعلم أحيانا وبقيمة الإنسان وسمعته الاجتماعية أحيانا أخرى. فقد قال ابن المفتي في تعريف التاريخ ما يلي: (وبعد، فإن علم التاريخ عبادة ومنة جزيلة، ومعرفة أخبار العلماء منقبة جليلة) (٢)، وكان هذا تمهيدا من ابن المفتي لدراسة أخبار العلماء وأخبار الباشوات الذين ألف رسالته فيهم، بينما عرف أبو راس علم التاريخ والأخبار
стр. 834
بأنه (تحفة المجالس، المفتي عن الأنيس والمجالس) (١) وكان أبو راس يريد بذلك قصص الأولين وسير الأنبياء وأخبار الحكام، ذلك أن هذا المفهوم (القصصي) للتاريخ هو الذي كان شائعا حتى أن من عرف بالحفظ وطلاقة اللسان وسرعة البديهة يقال له عالم بالأخبار والسير، مثل ما أشيع عن محمد بن عبد المؤمن ومحمد بن عبد الكريم الجزائري، وقد بين أبو راس أهمية علم التاريخ فقال لقد اعتنى به الأدباء الأفاضل وجهابذة كل طبقة وملة (من صلحاء السلف، وحذاق الخلف، في كل عصر .. فألفوا وأفادوا وصنفوا وأجادوا)، ثم ذكر أهم أسماء المؤرخين المسلمين إلى أن وصل إلى السيوطي وأحمد المقري، كما ذكر عددا من المؤرخين قبل الإسلام (٢).
أما الورتلاني فقد دافع عن التاريخ وبين فضله ومنزلته بين العلوم، وقد قال إن علم السير لم يكن سوى جزء من التاريخ، فكيف يدرس الجزائريون حياة الرسول ﷺ وقصص الأنبياء ولا يدرسون التاريخ الذي امتلأت به كتب السيرة بل القرآن نفسه؟ ألم يقل الله تعالى ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾؟ ألم يرو في الحديث الشريف أن التفكير في الماضي ساعة أفضل من عبادة سنوات عديدة؟ ثم إن (مرتبة العلماء تزيد أو تنقص بقدر معرفتهم للتاريخ) لأنه علم يزيد الإنسان في الفضائل ويبعد عنه القبائح، انه علم تعلو به همة الإنسان، لأنه يدفع إلى المعالي من الأمور، أليس أكثر القرآن من علم التاريخ؟ ومن الممكن أن يعتبر ذام التاريخ مرتدا لأن ذمه يقود إلى ذم القرآن نفسه وهو الذي يحتوي على أخبار الماضين وأحوال الجبابرة المنقرضين، وأولياء الله الصالحين، لذلك نصح الورتلاني القارئ بأن لا يهمل علم التاريخ وأن يصحح علمه به، بشرط الاعتماد على الكتب الصحيحة والنقول السليمة (٣).
ومما يلفت النظر أن المؤرخين الجزائريين بالمفهوم السابق قد قصروا
стр. 835
أعمالهم على التواريخ المحلية والتراجم والرحلات، ولم يكتب واحد منهم تاريخا عاما للجزائر كلها غطى فيه أخبارها داخل حدودها من القديم إلى الحديث أو حتى في القرن الذي يعيشه. فالمؤرخ كان يعيش حدودا ضيقة فرضتها عليه السياسة والثقافة والجغرافية. فالعثمانيون لم يطوروا فكرة التواصل بين المؤرخ وبيئته فظلت البيئة عنده هي حدود القرية أو الناحية أو الحادث إذا كان مثلا يكتب عن فتح وهران من خلال حياة الوالي المسؤول عن ذلك. كما أن المؤرخ أو المترجم ظل حبيس الزاوية أو المدرسة التي تخرج منها فلا يترجم أو يكتب إلا في نطاق محصور، تمليه عليه ثقافته. وكانت الجغرافية عاملا هاما في الموضوع، فالقطر الجزائري في عصر المواصلات البدائية كان يبدو وكأنه قارة بذاتها، واسع الأطراف من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، ونحن نجد (الحس الوطني) قد ظهر إلى حد كبير عند الورتلاني الذي طاف معظم القطر وسجل انطباعاته للأجيال اللاحقة، ولعل نفس الظاهرة نجدها عند أبي راس. وهكذا افتقر التاريخ الجزائري إلى عمل تناول فيه أصحابه، بنظرة شاملة، تاريخ القطر وحياة أهله حتى على أساس النظرة القديمة للتاريخ من كونه تاريخ أمراء وملوك.
وكما افتقر المؤرخون الجزائريون إلى النظرة الشمولية للتاريخ الوطني افتقروا إلى النظرة الشمولية أيضا في التاريخ للإسلام، ذلك أنه باستثناء الأعمال الجزئية التي تناولت السيرة النبوية، لا نجد مؤرخا جزائريا قد أرخ للإسلام أو العرب بالمعنى العام (١)، وأقرب من توسع في هذا المعنى هو أحمد المقري في موسوعته (نفح الطيب) وأبو راس في (الحلل السندسية)
وبعض أعماله الأخرى، غير أن تاريخ الرجلين ظل مركزا على الأندلس،
стр. 836
والغريب أن علماء الجزائر قد اشتهروا بالحفظ، وكان علم التاريخ بالمفهوم القديم يقوم على الحافظة القوية للمؤرخ، ونحن نجد عالما كأبي راس يسرد قائمة المؤرخين المسلمين ولكنه، رغم كثرة تأليفه، لم يخصص مجلدا لتاريخ العرب أو المسلمين، وحين أراد ابن حمادوش الاستفادة من كتب
التاريخ الإسلامي رجع إلى ابن الكردبوس وابن العبري والعليمي، وغيرهم ولم نعرف أنه ألف هو في التاريخ العام.
وهناك نقطة أخرى بهذا الصدد نود أن نشير إليها وهي اعتماد معظم الذين تناولوا قضايا تاريخية أو تراجم، على شرح القصيدة أو الرجز. فأساس التأليف التاريخي إذن هو الأدب، إذا حكمنا من الوزن والقافية. وبذلك يصبح التاريخ عند هؤلاء هو تفسير ما عجز أو ضاق عنه الأدب. فالمؤرخ كان يقوم بعمل يعتمد على الحافظة أكثر من الذكاء والموهبة، ولا يعني هذا أن القصائد أو الأراجيز التي تناولت موضوعات تاريخية كانت قمة في الأدب، ولكن يعني فقط أن العمل الأول للمؤرخ قد وضعت خطوطه أو تصميماته من خلال العمل الأدبي. وكثير من شراح القصائد والأراجيز التاريخية، والتراجم، سواء منها التي تتناول حوادث كفتح وهران أو سيرة بعض الناس، كانت قد وضعت أساسا في شكل قصيدة أو رجز.
ويكفي أن نشير هنا إلى رجز المفتي محمد الحلفاوي في فتح وهران
الأول وقصيدة أبي راس في فتح وهران الثاني، ورجز التجاني المسمى
بـ (عقد الجمان النفيس)، وبعض هذه الأراجيز والقصائد قد شرحها أصحابها أنفسهم كما فعل ابن سحنون. وأبو راس، وبعضها شرحها غير أصحابها كما فعل الجامعي مع أرجوزة الحلفاوي، ومحمد المزيلي مع منظومة عقد الجمان، ولكن بعض القصائد والأراجيز ظلت دون شرح أصلا كـ (الدرة المصونة) للبوني، و (سبيكة العقيان) لابن حوا، وهذا لا يعني أن جميع الأعمال التاريخية كان أساسها الرجز أو القصيدة، فهناك أعمال أخرى كتبها أصحابها مباشرة نثرا تاريخيا، أو مجموعة من التراجم، مثل (القول البسيط) لابن بابا حيدة، و (البستان) لابن مريم، وقد شذ محمد بن ميمون فجعل
стр. 837
تاريخه قائما على عدد من المقامات كما أسلفنا.
والتواريخ التي تحدثنا عنها، بجميع أقسامها وأنواعها، ليست كلها متوفرة كما أنها ليست جميعا أعمالا كبيرة. ذلك أن بعضها قد ضلع مثل العديد من تآليف أبي راس وأجزاء من رحلة ابن حمادوش ومعظم مؤلفات أحمد بن عمار، غير أن الجزء الباقي من هذه الأعمال يعطينا فكرة عن نشاط الجزائريين في مجال التاريخ. ثم إن بعض هذه الأعمال صغيرة الحجم لا يتعدى عدة ورقات، وبعضها ضخم حجمها حتى عد بالأجزاء، والظاهر أن معظم الكتاب الذين تناولوا حوادث تاريخية أو تناولوا التراجم لم يكونوا واعين أنهم يكتبون (تاريخا) أو (تراجم) بالمعنى الذي نستعمله اليوم للعبارتين، فالذين ترجموا لعدد من الرجال كانوا في الغالب يقصدون وجه الأدب. كما فعل ابن عمار في (لواء النصر) أو يتبركون بالمترجمين كما فعل ابن مريم، أو يقصدون إلى نقد أوضاعهم ويحاربون الفساد الاجتماعي والديني كما فعل عبد الكريم الفكون في (منشور الهداية). ففكرة التاريخ كانت بعيدة من أذهان الأغلبية منهم، كما أن فكرة الترجمة الحقيقية التي تعطيك حياة ونشاط وأفكار ومواقف المترجم له بعيدا عن المدح والتبرك أو النقد والتجريح كانت أيضا بعيدة من أذهان معظم المترجمين، ومع ذلك فإننا سنتناول الجميع، مما عثرنا عليه، على أنه تراث تاريخي تجب العناية به وليس على أنه يلبي المقاييس التاريخية التي نقيس بها اليوم.
في السيرة النبوية
ألف الجزائريون في السيرة النبوية عدة أعمال ونظموا فيها الأشعار والأراجيز، ومن الممكن أن نعد كل ما قيل من شعر في المدائح النبوية جزءا من تاريخ سيرة الرسول ﷺ (١)، كما أننا نعتبر ما كتب أو نظم في الرحلات
стр. 838
الحجازية على أنه من صميم السيرة، فمجال السيرة إذن واسع. فإذا ذهبنا مع الورتلاني على أن علم السير هو (سير الأنبياء وشمائلهم ووقائعهم وبعوثهم وسراياهم وصحبهم وخصائصهم وقصصهم) أمكننا أن ندرك أن كثيرا مما ألفه أحمد المقري وأبو راس وأحمد البوني وأمثالهم يدخل في قسم السيرة النبوية.
ومن أقدم الأعمال التي نشير إليها في العهد العثماني شرح أحمد بن محمد البجائي التلمساني على (الشقراطسية)، وهي القصيدة التي نظمها
محمد بن علي بن شباط التوزري في السيرة، ونحن نعرف أن التوزري قد
وضع هو نفسه شرحا على قصيدته سماه (صلة السمط وسمة الربط) ضمنه أدبا وتاريخا أيضا (١)، ويبدو أن شرح التلمساني عمل مهم، فقد وصفه ابن عسكر بأنه (شرح عجيب) (٢)، وكان محمد المغوفل قد اشتهر بقرض الشعر الذي تناول فيه حياة الرسول ﷺ ، وقد اعتبره أبو راس (أحد أعجوبات الدهر في علمه وورعه وكراماته، يشهد لعلمه قصيدة مدح بها رسول الله ﷺ ، فيها سبعون بيتا، وليس فيها حرف يستحق النقط، بل كلها عواطل من النقط، وكفى به حجة) (٣)، ورغم شهرة هذه القصيدة وأهميتها وشيوع الشروح في ذلك العصر فإننا لا نعرف أن أحدا قد تناولها بالشرح، وقد أشرنا من قبل إلى موقف العثمانيين من الشيخ المغوفل (٤)، كما أشرنا إلى أشعاره في المدائح النبوية في فصل الشعر. والظاهر أن لغة المغوفل إما ضعيفة أصلا وإما أضر بها نساخ أشعاره.
وحتى لا نكرر هنا ما تناولناه في شعر المدائح النبوية نكتفي بالإشارة
إلى بعض الأعمال التي تدخل من جهة في شعر المدح ومن جهة أخرى في
السيرة النبوية، ونعنى بذلك ديوان عبد الكريم الفكون الذي خصصه
стр. 839
لمدح الرسول ﷺ ، وهو ديوان كبير، والمعروف أن الفكون كان أمير ركب الحج الجزائري مدة طويلة وكان مؤلفا وشاعرا ومدرسا، فصلته بالحجاز وبالحرمين صلة وطيدة.
وكان أحمد المقري قد ألف، كما أشرنا، في السيرة النبوية عدة تآليف، وكان أيضا يكثر من الحج حتى بلغت حجاته حوالي سبع مرات، وألف كتبه في السيرة وهو في الحرمين، وخصوصا عند قبر الرسول ﷺ ، ومن أهم أعماله في ذلك (فتح المتعال) في نعال الرسول، و (أزهار الكمامة) في عمامته، و (الدر الثمين) في أسمائه، وله أيضا كتاب سماه (الأنوار وكنز الأسرار فى نسب آل النبي المختار)، ولا شك أن له غير ذلك فى السيرة أيضا.
ويأتي بعد المقري في كثرة التأليف في السيرة النبوية أحمد بن قاسم البوني، ولا غرابة في ذلك فقد جمع البوني بين الصلاح والدين والعلم، وقد حج أيضا، وله رحلة حجازية سنعرض لها، وكان كثير التأليف حتى عدت كتبه أكثر من مائة، كما ذكرنا في ترجمته، ويلاحظ أن بعض تآليف البوني في السيرة كان نظما وبعضها كان نثرا، ومن ذلك (نظم الخصائص النبوية)، ومن نثره (تنوير السريرة بذكر أعظم سيرة) (١)، ولأحمد البوني تآليف أخرى في الحديث وغيره مما يتصل بحياة الرسول ﷺ .
أما أبو راس فقد عرفت عنه العناية بالتاريخ والنسب والسيرة (٢) ومن جهة أخرى ألف محمد بن علي الشلاطي المعروف بابن علي الشريف كتابا في السيرة سماه (سيرة المصطفى وسيرة الخلفاء ومن بعدهم من الملوك والعرفاء)، ويعتبر جزء كبير من الرحلات الحجازية في تاريخ السيرة النبوية أيضا، وسنعرض إلى ذلك في قسم الرحلات من هذا الفصل.
وهكذا نجد تاريخ السيرة النبوية قد اختلط عند الكثير من الجزائريين
стр. 840
بشعر المديح النبوي وبالحديث وفروعه وبرحلات الحج. على أن كثيرين ممن تعلقوا بشمائل الرسول ﷺ كانوا من شعراء الملحون وكانوا في نظمهم يسبقون العاطفة على التاريخ ويخاطبون المشاعر لا العقول، كما سنرى في الرحلات.
تواريخ عامة وتواريخ محلية
نعني بالتاريخ العام ما لا يتناول الجزائر بل يتناول الظواهر التاريخية التي حدثت في منطقة واسعة أو فترة طويلة، أما التاريخ المحلي فنعني به ما تناول ناحية خاصة من نواحي القطر الجزائري أو حادثة معينة جرت فيه، وقد قلنا في بداية هذا الفصل بأن الجزائريين لم يكتبوا في التاريخ العام إلا قليلا بينما نجد لهم عدة أعمال في التاريخ المحلي.
ومن أبرز من كتب في التاريخ العام أحمد المقري صاحب (نفح الطيب)، فقد قسم هذا الكتاب الموسوعي قسمين رئيسيين الأول في تاريخ الأندلس الإسلامية، والثاني في حياة ابن الخطيب، ويهمنا هنا القسم الأول، فقد جعله المقري في ثمانية أبواب، وصف في أوله جزيرة الأندلس من طبيعة ومناخ وعمران ونبات ومآثر، وفي الباب الثاني تحدث عن فتح الأندلس على يد موسى بن نصير وطارق بن زياد وما تلا ذلك من تطورات، وتناول في الباب الثالث ازدهار الحضارة الإسلامية في الأندلس وجهاد أهله وما جرى هناك من حروب، وخص الباب الرابع بأخبار مدينة قرطبة لمكانة الخلافة فيها ووصف جامعها الكبير وحدائقها ومنشآتها، وعرف في الباب الخامس بالذين رحلوا من الأندلس إلى المشرق وتوسع في ذلك إلى عصره هو، وكان الباب السادس في الذين هاجروا من المشرق إلى الأندلس وطاب لهم فيها المقام، وجعل الباب السابع في الحديث عن أهل الأندلس وما أعطاهم الله من مواهب وعلوم وصفات تميزوا بها عن غيرهم، أما الباب الثامن فقد خصصه
لتغلب الإسبان على المسلمين هناك وما جرى بين الطرفين من حروب وما
стр. 841
ارتكبه الإسبان ضد المسلمين من فظائع.
وبذلك كان القسم الأول من (نفح الطيب) في منتهى الأهمية بالنسبة لدارس تاريخ الأنداس، فهو، كما قلنا، موسوعة ثرية في هذا الباب. ومن ثمة اهتم به العرب والأجانب الذين تهمهم حياة الأندلس. وكان (نفح الطيب) معروفا قبل عصر الطباعة في العالم الإسلامي يتناسخه الناسخون ويتبادله العلماء، ومنذ ظهرت الطباعة طبع الكتاب كما ترجم القسم الذي نتناوله إلى عدة لغات أوروبية، أما ترجمة ابن الخطيب فلا تهمنا هنا، وسنشير إليها في الحديث عن التراجم، والمعروف أن المقري قد ألف (نفح الطيب) في المشرق بإلحاح من أهل الشام الذين كانوا يتطلعون أكثر من غيرهم إلى معرفة أخبار الأندلس التي تربطهم بأهلها روابط عديدة، ولكن عمل المقري هذا لا يخلو من نقد. فقد قيل عنه انه محشو بالاستطرادات وتكرار المعلومات ومثقل بالسجع، مع ضعف في بعض النواحي الإخبارية، ومع ذلك فالكتاب كان وسيظل مرجعا أساسيا في تاريخ الأندلس كما كان تاريخ ابن خلدون مرجعا أساسيا في تاريخ المغرب العربي.
وكان المقري في الواقع قد بدأ يؤلف عن الأندلس وأهلها منذ كان في تلمسان وفاس، ففي هذا التاريخ ألف (أزهار الرياض) الذي ملأه أيضا بأخبار الأندلس وأهلها رغم أنه في ترجمة القاضي عياض. لذلك تكررت حوادث الكتابين عند المقري فكان (نفح الطيب) هو النسخة المنقحة الأخيرة في هذا الباب لأنه ألفه بين سنوات ١٠٣٧ و ١٠٣٩، وقد صدق هو حيث قال في نهاية (نفح الطيب) (اعلم أن هذا الكتاب معين لصاحب الشعر، ولمن يعاني الإنشاء والنثر من البيان والسحر، وفيه من المواعظ والاعتبار، ما لم ينكره المنصف عند الاختبار، وكفاه أنه لم ير مثله في فنه فيما علمت، ولا أقوله تزكية له) (١).
والملاحظ هنا أن المقري قد ركز على أهمية كتابه الأدبي أكثر من أهميته التاريخية.
стр. 842
ويأتي أبو راس بعد المقري في تناول التاريخ العام. فقد وضع أبو راس
كتابا في حياة الأندلس وعلاقة أهلها بالمغرب العربي وما جرى بين المسلمين والإسبان من نزاع منذ العهد الإسلامي في الأندلس إلى فتح وهران الثاني أي إلى عصر المؤلف، وكان دافعه إلى كتابة هذا العمل هو فتح وهران المذكور، فوضع قصيدة (غريبة الشكل. أجرت جواريها بريح البلاغة في بحر البسيط) سماها (الحلل السندسية في شأن وهران والجزيرة الأندلسية) ثم وضع على هذه القصيدة شرحا تبسط فيه وأظهر مواهبه ومحفوظاته التاريخية، وقد كتب هذا الشرح (وهو واحد من ثلاثة شروح، كلها من عمله) في مرسى تطوان وبعث به إلى السلطان سليمان ودعا له باسترداد سبتة وبريرا وثغر ابن عكاشة من أيدي الإسبان أيضا، كما استرد مسلمو الجزائر وهران منهم، وسمى أبو راس هذا الشرح (روضة السلوان المؤلفة بمرسى تيطوان). وهكذا كتب أبو راس، سواء في القصيدة أو في الشرح، عن الأندلس فذكرها بلدا بلدا وتناول علماءها وتاريخها وقبائلها وما جرى فيها من حوادث وخطوب (١)، كما ضمن الشرح حديثا طويلا عن قبائل المغرب الأوسط وأنسابها، وقد ترجم هذا العمل إلى الفرنسية السيد فور بيقي (٢)، ولأبي راس كتب أخرى يمكن أن تدخل في التاريخ العام مثل (الإصابة فيمن غزا المغرب من الصحابة).
أما التاريخ المحلي فلدينا منه عدة مؤلفات بعضها صغير الحجم وبعضها كبير. سنذكر هنا ما عثرنا عليه من الجميع لأن غرضنا هو تاريخ الثقافة وليس اختيار الجيد منها، ومن أوائل ذلك هو التاريخ المعروف باسم (كتاب العدواني)، والمؤلف غير معروف باسمه الكامل، فهو عند الناسخين والرواة الشيخ محمد بن محمد بن عمر القسنطيني العدواني السلمي (السالمي)، وقد كتب العدواني، على ما يبدو، كتابا ضخما حشاه بأخبار الحروب التي جرت بين طرود وجيرانهم ولا سيما قبيلة عدوان، والحياة
стр. 843
الاجتماعية والدينية في القرنين التاسع والعاشر، وفي الكتاب قسم كبير مما ليس بتاريخ ولكنه أساطير وخرافات شعبية، وقد تصرفت الأيدي في هذا الكتاب فاختصره المختصرون ورووه بالمشافهة إلى أن ضاع الأصل ولم يبق منه إلا المختصرات والمرويات الشفوية، ومن النسخ المختصرة التي وصلت إلينا نسخة إبراهيم بن محمد التاغزوتي (نسبة إلى تاغزوت، بوادي سوف
أيضا)، وأول من اطلع عليه من الأوروبيين، فيما يظهر الباحث الفرنسي بيرو
بروجر سنة ١٨٥٠ حين حصل منه على نسخة من أحد شيوخ كوينين، بوادي سوف. ثم ترجم فيرو الفرنسي (كتاب العدواني) إلى الفرنسية من نسخة أخرى حصل عليها من السيد علي باي بن فرحات قائد تقرت وسوف عندئذ، ونشر ذلك سنة ١٨٦٨ في مجلة (روكاي) القسنطينية، وتوجد عدة نسخ مخطوطة من كتاب العدواني بالعربية أيضا (١).
وبناء على السيد فيرو الذي درس وترجم (كتاب العدواني) فإنه كتاب
يتناول تاريخ سوف وصحراء قسنطينة وغرب تونس وطرابلس، وقد قال عنه إن العدواني كتبه بأسلوب خيالي وبسيط يكاد يكون شعبيا، وهو يؤرخ ويذكر التقاليد الشعبية للسكان والحوادث التي كان شاهد عيان عليها، أو التي جمعها من أفواه الناس، وتدل طريقته وتفاصيله على أنه كان معاصرا لما كان
يرويه، وكان موضوعه الرئيسي هو دخول قبيلة طرود إلى إفريقية ووصولها إلى سوف وحروبها مع السكان الآخرين. ويرى السيد علي الشابي أن كتاب
العدواني هام أيضا لأنه يؤرخ لحروب الشابية بعد سقوط دولتهم في القيروان
стр. 844
سنة ٩٦٥، وهو يذكر أن العدواني قد غطى أيضا حروب عبد الصمد الشابي وابنه علي، وقد توفي الأول سنة ١٠٢٥ والثاني سنة ١٠٤١ (١).
ولكننا نستبعد أن يكون العدواني قد عاش إلى هذا التاريخ، ويمكن مقارنة ما رواه من وقائع بما رواه أيضا ابن خلدون والقيرواني عن نفس الموضوع، وبالإضافة إلى ذلك تحدث العدواني عن دور النساء في الحروب، وعن مكانة الدين لدى أهل القرنين المذكورين، وقد ذكر أن المرابطين كانوا يفرون من القبائل الصحراوية لعنادها، وفي (كتاب العدواني) أيضا وصف لأصول أسماء الأماكن التي تحدث عنها وبعض المعلومات عن دخول الأتراك إلى الجزائر وتونس وتصرفاتهم (٢)، وقد اعتبره فيرو من أهم الوثائق الأهلية النادرة في العهد العثماني، أما الشيخ محمد الطاهر التليلي فقد قال عن (كتاب العدواني) بأنه (أشبه بقصة عامية من قاص بين جماعة أميين بلغة دارجة محلية، لا تتعدى سرد الغرائب والنوادر وحكايات أصحاب البوادي ومجالسهم العامة، فلا يعول على أكثر ما فيه .. إلا مع عاضد من غيره) (٣).
وتدخل قصيدة الأكحل (الأخضر) ابن خلوف التاريخية عن واقعة (مازغران) في باب التاريخ المحلي أيضا. وهي قصيدة ضعيفة النسج رديئة وتكاد تشبه النثر المسجوع، وهي في نفس الوقت غامضة المعاني، بالنسبة إلينا اليوم، والمهم أن المرء يقرأ فيها أخبارا هامة عن وهران ومدينة الجزائر
وسلطان الترك، وبني ميزاب، وعبد الرحمن الثعالبي، وهي في حوالي ثماني
ورقات، تتناول العلاقات الإسلامية الإسبانية في القرن العاشر (٤).
والظاهر أن أبا علي إبراهيم المريني (البجائي؟) قد ألف عمله (عنوان
стр. 845
الأخبار فيما مر على بجاية) في القرن العاشر أيضا، وما تزال معلوماتنا عن المؤلف وعن الكتاب غير دقيقة، ولكن ما ذكره عنه السيد فيرو يدل على أنه كتاب هام تناول فيه المريني تاريخ بجاية في العهد الإسلامي والإسباني، واستيلاء العثمانيين عليها في عهد صالح رايس باشا سنة ٩٦٢ ووصف لأحوالها الاجتماعية والسياسية، وكذلك أحوال قسنطينة وما حولها. وقد حصل منه السيد فيرو على نسخة من أحد علماء بني يعلى، ويدل العنوان الذي ذكره للكتاب أنه غير كامل لأن من عادة المسلمين تسجيع العناوين، وهذا غير مسجع، وقد عالج فيه المريني أيضا ما ارتكبه الإسبان من الفظائع ضد المعالم والآثار الإسلامية ببجاية، وقال فيرو ان المعلومات التي في هذا الكتاب تصحح المعلومات التي أوردها عن بجاية أمثال مارمول وليون الإفريقي (حسن الوزان) (١).
ومن المؤلفين الذين ما يزالون مجهولين، بركات الشريف الذي كتب عملا هاما في تاريخ الجزائر، ولا سيما تاريخ العثمانيين فيها، ولا ندري الآن حتى عنوانه بالضبط. والغالب أن يكون بركات الشريف قد عاش خلال القرن الحادي عشر لأن ابن أبي دينار مؤلف (المؤنس) قد نقل عنه، بينما انتهى ابن أبي دينار من كتابه سنة ١٠٩٢. وفي كل مرة ينقل منه يقول عنه (رحمة الله عليه) وهي عبارة توحي بأن بركات الشريف قد
توفي. ومما نقل عنه ابن أبي دينار غزوة أبي فارس عبد العزيز الحفصي مدينة فاس، وتولى عروج بربروس على الجزائر وهزيمة شارل الخامس
أمام الجزائر، ووفاة السلطان الحسن الحفصي، وغير ذلك من الأخبار (٢). ومن هنا يتبين خطأ السيد فيرو عندما قال إن الورقة التي
وجد فيها أخبارا عن أحوال الجزائر في القرن الثاني عشر هي من تأليف
ضائع لبركات الشريف (٣). والظاهر أن بير بروجر قد تبعه في