← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ارتكبه الإسبان ضد المسلمين من فظائع. وبذلك كان القسم الأول من (نفح الطيب) في منتهى الأهمية بالنسبة لدارس تاريخ الأنداس، فهو، كما قلنا، موسوعة ثرية في هذا الباب. ومن ثمة اهتم به العرب والأجانب الذين تهمهم حياة الأندلس. وكان (نفح الطيب) معروفا قبل عصر الطباعة في العالم الإسلامي يتناسخه الناسخون ويتبادله العلماء، ومنذ ظهرت الطباعة طبع الكتاب كما ترجم القسم الذي نتناوله إلى عدة لغات أوروبية، أما ترجمة ابن الخطيب فلا تهمنا هنا، وسنشير إليها في الحديث عن التراجم، والمعروف أن المقري قد ألف (نفح الطيب) في المشرق بإلحاح من أهل الشام الذين كانوا يتطلعون أكثر من غيرهم إلى معرفة أخبار الأندلس التي تربطهم بأهلها روابط عديدة، ولكن عمل المقري هذا لا يخلو من نقد. فقد قيل عنه انه محشو بالاستطرادات وتكرار المعلومات ومثقل بالسجع، مع ضعف في بعض النواحي الإخبارية، ومع ذلك فالكتاب كان وسيظل مرجعا أساسيا في تاريخ الأندلس كما كان تاريخ ابن خلدون مرجعا أساسيا في تاريخ المغرب العربي. وكان المقري في الواقع قد بدأ يؤلف عن الأندلس وأهلها منذ كان في تلمسان وفاس، ففي هذا التاريخ ألف (أزهار الرياض) الذي ملأه أيضا بأخبار الأندلس وأهلها رغم أنه في ترجمة القاضي عياض. لذلك تكررت حوادث الكتابين عند المقري فكان (نفح الطيب) هو النسخة المنقحة الأخيرة في هذا الباب لأنه ألفه بين سنوات ١٠٣٧ و ١٠٣٩، وقد صدق هو حيث قال في نهاية (نفح الطيب) (اعلم أن هذا الكتاب معين لصاحب الشعر، ولمن يعاني الإنشاء والنثر من البيان والسحر، وفيه من المواعظ والاعتبار، ما لم ينكره المنصف عند الاختبار، وكفاه أنه لم ير مثله في فنه فيما علمت، ولا أقوله تزكية له) (١). والملاحظ هنا أن المقري قد ركز على أهمية كتابه الأدبي أكثر من أهميته التاريخية.

стр. 842

ويأتي أبو راس بعد المقري في تناول التاريخ العام. فقد وضع أبو راس كتابا في حياة الأندلس وعلاقة أهلها بالمغرب العربي وما جرى بين المسلمين والإسبان من نزاع منذ العهد الإسلامي في الأندلس إلى فتح وهران الثاني أي إلى عصر المؤلف، وكان دافعه إلى كتابة هذا العمل هو فتح وهران المذكور، فوضع قصيدة (غريبة الشكل. أجرت جواريها بريح البلاغة في بحر البسيط) سماها (الحلل السندسية في شأن وهران والجزيرة الأندلسية) ثم وضع على هذه القصيدة شرحا تبسط فيه وأظهر مواهبه ومحفوظاته التاريخية، وقد كتب هذا الشرح (وهو واحد من ثلاثة شروح، كلها من عمله) في مرسى تطوان وبعث به إلى السلطان سليمان ودعا له باسترداد سبتة وبريرا وثغر ابن عكاشة من أيدي الإسبان أيضا، كما استرد مسلمو الجزائر وهران منهم، وسمى أبو راس هذا الشرح (روضة السلوان المؤلفة بمرسى تيطوان). وهكذا كتب أبو راس، سواء في القصيدة أو في الشرح، عن الأندلس فذكرها بلدا بلدا وتناول علماءها وتاريخها وقبائلها وما جرى فيها من حوادث وخطوب (١)، كما ضمن الشرح حديثا طويلا عن قبائل المغرب الأوسط وأنسابها، وقد ترجم هذا العمل إلى الفرنسية السيد فور بيقي (٢)، ولأبي راس كتب أخرى يمكن أن تدخل في التاريخ العام مثل (الإصابة فيمن غزا المغرب من الصحابة). أما التاريخ المحلي فلدينا منه عدة مؤلفات بعضها صغير الحجم وبعضها كبير. سنذكر هنا ما عثرنا عليه من الجميع لأن غرضنا هو تاريخ الثقافة وليس اختيار الجيد منها، ومن أوائل ذلك هو التاريخ المعروف باسم (كتاب العدواني)، والمؤلف غير معروف باسمه الكامل، فهو عند الناسخين والرواة الشيخ محمد بن محمد بن عمر القسنطيني العدواني السلمي (السالمي)، وقد كتب العدواني، على ما يبدو، كتابا ضخما حشاه بأخبار الحروب التي جرت بين طرود وجيرانهم ولا سيما قبيلة عدوان، والحياة

стр. 843

الاجتماعية والدينية في القرنين التاسع والعاشر، وفي الكتاب قسم كبير مما ليس بتاريخ ولكنه أساطير وخرافات شعبية، وقد تصرفت الأيدي في هذا الكتاب فاختصره المختصرون ورووه بالمشافهة إلى أن ضاع الأصل ولم يبق منه إلا المختصرات والمرويات الشفوية، ومن النسخ المختصرة التي وصلت إلينا نسخة إبراهيم بن محمد التاغزوتي (نسبة إلى تاغزوت، بوادي سوف أيضا)، وأول من اطلع عليه من الأوروبيين، فيما يظهر الباحث الفرنسي بيرو بروجر سنة ١٨٥٠ حين حصل منه على نسخة من أحد شيوخ كوينين، بوادي سوف. ثم ترجم فيرو الفرنسي (كتاب العدواني) إلى الفرنسية من نسخة أخرى حصل عليها من السيد علي باي بن فرحات قائد تقرت وسوف عندئذ، ونشر ذلك سنة ١٨٦٨ في مجلة (روكاي) القسنطينية، وتوجد عدة نسخ مخطوطة من كتاب العدواني بالعربية أيضا (١). وبناء على السيد فيرو الذي درس وترجم (كتاب العدواني) فإنه كتاب يتناول تاريخ سوف وصحراء قسنطينة وغرب تونس وطرابلس، وقد قال عنه إن العدواني كتبه بأسلوب خيالي وبسيط يكاد يكون شعبيا، وهو يؤرخ ويذكر التقاليد الشعبية للسكان والحوادث التي كان شاهد عيان عليها، أو التي جمعها من أفواه الناس، وتدل طريقته وتفاصيله على أنه كان معاصرا لما كان يرويه، وكان موضوعه الرئيسي هو دخول قبيلة طرود إلى إفريقية ووصولها إلى سوف وحروبها مع السكان الآخرين. ويرى السيد علي الشابي أن كتاب العدواني هام أيضا لأنه يؤرخ لحروب الشابية بعد سقوط دولتهم في القيروان

стр. 844

سنة ٩٦٥، وهو يذكر أن العدواني قد غطى أيضا حروب عبد الصمد الشابي وابنه علي، وقد توفي الأول سنة ١٠٢٥ والثاني سنة ١٠٤١ (١). ولكننا نستبعد أن يكون العدواني قد عاش إلى هذا التاريخ، ويمكن مقارنة ما رواه من وقائع بما رواه أيضا ابن خلدون والقيرواني عن نفس الموضوع، وبالإضافة إلى ذلك تحدث العدواني عن دور النساء في الحروب، وعن مكانة الدين لدى أهل القرنين المذكورين، وقد ذكر أن المرابطين كانوا يفرون من القبائل الصحراوية لعنادها، وفي (كتاب العدواني) أيضا وصف لأصول أسماء الأماكن التي تحدث عنها وبعض المعلومات عن دخول الأتراك إلى الجزائر وتونس وتصرفاتهم (٢)، وقد اعتبره فيرو من أهم الوثائق الأهلية النادرة في العهد العثماني، أما الشيخ محمد الطاهر التليلي فقد قال عن (كتاب العدواني) بأنه (أشبه بقصة عامية من قاص بين جماعة أميين بلغة دارجة محلية، لا تتعدى سرد الغرائب والنوادر وحكايات أصحاب البوادي ومجالسهم العامة، فلا يعول على أكثر ما فيه .. إلا مع عاضد من غيره) (٣). وتدخل قصيدة الأكحل (الأخضر) ابن خلوف التاريخية عن واقعة (مازغران) في باب التاريخ المحلي أيضا. وهي قصيدة ضعيفة النسج رديئة وتكاد تشبه النثر المسجوع، وهي في نفس الوقت غامضة المعاني، بالنسبة إلينا اليوم، والمهم أن المرء يقرأ فيها أخبارا هامة عن وهران ومدينة الجزائر وسلطان الترك، وبني ميزاب، وعبد الرحمن الثعالبي، وهي في حوالي ثماني ورقات، تتناول العلاقات الإسلامية الإسبانية في القرن العاشر (٤). والظاهر أن أبا علي إبراهيم المريني (البجائي؟) قد ألف عمله (عنوان

стр. 845

الأخبار فيما مر على بجاية) في القرن العاشر أيضا، وما تزال معلوماتنا عن المؤلف وعن الكتاب غير دقيقة، ولكن ما ذكره عنه السيد فيرو يدل على أنه كتاب هام تناول فيه المريني تاريخ بجاية في العهد الإسلامي والإسباني، واستيلاء العثمانيين عليها في عهد صالح رايس باشا سنة ٩٦٢ ووصف لأحوالها الاجتماعية والسياسية، وكذلك أحوال قسنطينة وما حولها. وقد حصل منه السيد فيرو على نسخة من أحد علماء بني يعلى، ويدل العنوان الذي ذكره للكتاب أنه غير كامل لأن من عادة المسلمين تسجيع العناوين، وهذا غير مسجع، وقد عالج فيه المريني أيضا ما ارتكبه الإسبان من الفظائع ضد المعالم والآثار الإسلامية ببجاية، وقال فيرو ان المعلومات التي في هذا الكتاب تصحح المعلومات التي أوردها عن بجاية أمثال مارمول وليون الإفريقي (حسن الوزان) (١). ومن المؤلفين الذين ما يزالون مجهولين، بركات الشريف الذي كتب عملا هاما في تاريخ الجزائر، ولا سيما تاريخ العثمانيين فيها، ولا ندري الآن حتى عنوانه بالضبط. والغالب أن يكون بركات الشريف قد عاش خلال القرن الحادي عشر لأن ابن أبي دينار مؤلف (المؤنس) قد نقل عنه، بينما انتهى ابن أبي دينار من كتابه سنة ١٠٩٢. وفي كل مرة ينقل منه يقول عنه (رحمة الله عليه) وهي عبارة توحي بأن بركات الشريف قد توفي. ومما نقل عنه ابن أبي دينار غزوة أبي فارس عبد العزيز الحفصي مدينة فاس، وتولى عروج بربروس على الجزائر وهزيمة شارل الخامس أمام الجزائر، ووفاة السلطان الحسن الحفصي، وغير ذلك من الأخبار (٢). ومن هنا يتبين خطأ السيد فيرو عندما قال إن الورقة التي وجد فيها أخبارا عن أحوال الجزائر في القرن الثاني عشر هي من تأليف ضائع لبركات الشريف (٣). والظاهر أن بير بروجر قد تبعه في

стр. 846

ذلك (١). ومهما كان الأمر فإن بركات الشريف قد كتب أيضا عن ثورة قسنطينة سنة ٩٧١، وسنة ٩٧٥، وعن ثورة ابن الصخري سنة ١٠٤٧، وأرخ لباشوات الجزائر إلى وقته هو، وقد كان مواليا للعثمانيين حتى اعتبره أحمد الأنبيري (مؤرخ عروج والولاة الأتراك الذين خلفوه على حكم الجزائر) (٢)، وقال بير بروجر انه قد يكون هو الذي ترجم غزوات عروج وخير الدين من التركية إلى العربية. ولكن هذا خطأ أيضا لأننا عرفنا أن الذي أمر بترجمة الغزوات إلى العربية هو الشاعر المفتي ابن علي في القرن الثاني عشر. ومهما كان الأمر فإن تأليف بركات الشريف يعتبر هاما في هذا الميدان لأن ما اطلعنا عليه منه يدل على عنايته بدقائق الأمور واتباعه طريقة السنوات، وتسجيل مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي عرفتها الجزائر. وقد حظيت ثورة ابن الصخري بتأليف في شكل (مذكرات) كتبها الشيخ عيسى الثعالبي الذي كان، كما قلنا، مناصرا للأتراك ضد الثوار. وكان الثعالبي قد بعث بهذه المذكرات إلى أستاذه بعنابة (أو قسنطينة) عندما كان هو في نقاوس. وكان أستاذه هو علي بن محمد ساسي البوني. ومما ذكره في المذكرات معركة كجال الشهيرة التي كانت بين العرب والترك، كما ذكر تجمع الثوار عند أبواب قسنطينة، ووصف خسائر العرب والترك. ومما يؤسف له أن هذه المذكرات في حكم الضائعة الآن (٣). وفي أوائل القرن الحادي عشر بدأ أحمد المقري يكتب تاريخ تلمسان، وهو في المغرب الأقصى، ثم توقف عن ذلك لأسباب لم يفصلها، ولعلها هي الحوادث التي جرت بالمغرب وأجبرته على الهجرة إلى المشرق باسم الحج، كما أشرنا. وقد سمي المقري هذا الكتاب (أنواء نيسان في أنباء تلمسان). وأخبر هو عن ذلك في كتابه (نفح الطيب)، بأنه كتب بعضه عندما كان بالمغرب ثم حالت بينه وبين إتمامه عوائق (حالت بيني وبين ذلك العزم

стр. 847

الأقدار) (١). ولو أتيح لهذا الكتاب أن يتم لجاء هاما في بابه وموسوعة تشبه موسرعته عن الأندلس. ولكن هذا العمل قد ضاع كما ضاع عمله الذي سماه (عرف النشق في أخبار دمشق) الذي يبدو أنه خصصه لتاريخ دمشق وأهلها. ومن الحوادث الهامة التي ألف فيها الجزائريون فتح وهران الأول سنة ١١١٩. فبالإضافة إلى القصائد الكثيرة التي أشرنا إليها في الأدب السياسي وغيره، ألف محمد بن ميمون كتابه (التحفة المرضية في الدولة البكداشية) الذي تحدث فيه، بأسلوب أدبي، عن سيرة محمد بكداش باشا ودولته والفتح والجيش ونحو ذلك مما يتصل بهذا الحادث الكبير. ولا نود أن نطيل في وصف هذا العمل لأننا ذكرناه في باب الأدب أيضا. وتدل عناوين المقامات على نوعية العمل الذي عالجه ابن ميمون: فالمقامة الأولى عنوانها (في نبذة من أخلاقه المرضية، ومما أشار به عليه بعض السادات الصوفية) والمقامة الثانية عنوانها (في كونه سانجاق دار، بلغة المجاهدين الأخيار). والثالثة (في توليته عنى تقسيم خبز العسكر، وكيف نزع الظالم حين طغى وتجبر). والرابعة (على أنه يتصدى ملكا للإيراد والإصدار، فزحلق نفسه إلى تفتردار)، والخامسة (في تغريبه من الجزائر، وعودته إليها بقدرة الحكيم القادر). وهكذا إلى نهاية الست عشرة مقامة. فهو إذن عمل أدبي من ناحية وتاريخي من ناحية أخرى (٢). وقد أوحى النصر في وهران إلى مفتي تلمسان عندئذ، الشيخ محمد بن أحمد الحلفاوي برجز طويل وهام احتوى على ٧٢ بيتا ومقسم إلى خمسة فصول، الأول، في ذكر دولة محمد بكداش، والثاني في وصف تجهيزه الجيش وتاريخ الهجوم وقائد الحملة ونحو ذلك، والثالث في محاصرة القلاع والحصون ووصف ذلك، والرابع في ما آل إليه أمر المسلمين والإسبان، والخامس والأخير في الثناء على الله والصلاة على النبي والرضى عن صحابته

стр. 848

وتسمية الناظم. وكان الحلفاوي هو الذي طلب من عبد الرحمن الجامعي شرح الأرجوزة. وقد انتقد الجامعي شيخه الحلفاوي في أنه لم يضع فصلا عن السلطان العثماني الذي تم الفتح في عهده أيضا (١). ولذلك قام الجامعي بوضع أبيات من عنده في هذا المعنى وشرحها أيضا، وأشاد الجامعي بآل عثمان وفضلهم على الإسلام، كما انتقد الجامعي شيخه (الذي كان قد توفي عند كتابة الشرح) بأنه اعتنى كثيرا بالمحسنات البديعية، مما أدى به إلى ارتكاب محظورات شعرية (٢). ولم يكن الحلفاوي وابن ميمون فقط هما اللذان ألفا في حادث وهران الأول، ولكن ذلك هو ما وصل إلينا. ويشير الجامعي إلى أن أحمد الفيلالي التلمساني قد دون أيضا تاريخا حول هذا الحادث. فهو يقول إنه استفاد من تاريخ الفيلالي عند شرح أرجوزة الحلفاوي، مضيفا بأنه لم يحضر (أي الجامعي) المعارك بنفسه ولكنه سجل ما رواه من أفواه المجاهدين وقال بالخصوص أن الفلالي قد (اعتنى بتدوين هذا الفتح الكريم وجمع من سيرة المجاهدين بين نثير ونظيم). وربما استعان بالشعر الملحون الذي قيل في هذا الحادث، كما نقل عن الشعر الموزون. ونحن نفهم من هذا أن أحمد الفيلالي قد ألف في تاريخ فتح وهران وأنه اعتمد في تأليفه على السماع والمشاهدة وعلى ما جمعه من شعر موزون وملحون في هذه المناسبة (٣). ولكن فرحة الانتصار بهذا الفتح لم تدم طويلا. فقد قتل الباشا بكداش سنة ١١٢٢، وتطورت الأمور في اتجاه آخر، وكان من نتيجتها أن عاد

стр. 849

الإسبان إلى احتلال وهران سنة ١١٤٥. وكان بعض المسلمين يتعاونون مع الإسبان المحتلين. وفي هذا الموضوع الف عبد القادر المشرفي رسالته المسماة (بهجة الناظر في أخبار الداخلين تحت ولاية الإسبانيين بوهران كبني عامر) (١). وكان المشرفي من كبار علماء وقته وهو أستاذ أبي راس وغيره. وقد استعرض المشرفي تاريخ الوجود الإسباني في وهران وعلاقة الجزائريين المجاورين به وذكر أهم الحوادث التي عرفتها وهران تحت الحكم الإسباني، وفي هذه الرسالة أخبار قصيرة عن علماء الوقت أيضا ورجال الدولة. وقد انتهى منها سنة ١١٧٨. وهي باختصار، تشنيع على من كان يتعاون من المسلمين مع المحتلين الإسبان ومع أهل الذمة كاليهود. وهي رسالة قد هيأت النفوس لفتح وهران الثاني. وقبل أن نتحدث عن فتح وهران الثاني وما تركه من مؤلفات تاريخية نذكر أن حملة إسبانيا على الجزائر سنة ١١٨٩ (١٧٧٥) قد دونها بعض الكتاب أيضا في عدة أعمال هامة. من ذلك الرسالة التي كتبها أحمد العنتري القسنطيني عن حملة أوريلي. وكان العنتري شاهد عيان لأنه رافق الجيش الذي جاء على رأسه صالح باي من قسنطينة لمساعدة الجيش الرئيسي في مرسى الجزائر. وقد روى ما شاهد بالتفصيل، وهو كموظف في إدارة إقليم قسنطينة ومن التجار الكبار في مدينة عنابة ووكلاء الباي لدى الأوروبيين فيها، كان يعرف الكثير عن الجيشين وعن الظروف التي أحاطت بالحادث. ولم يحاول أن يذكر خسائر المسلمين في هذه الواقعة. وقد تحدث عن عدد أسطول الإسبان الذي بلغ ٤٨٠ سفينة عند وادي الحراش ووصف معسكرهم ومعسكر المسلمين، كما وصف مواقع كل جيش: فصالح باي كان عند قنطرة الحراش، وخوجة الخيل كان في باب الواد، وخليفة باي الغرب الجزائري كان في عين الربط، والخزناجي عند وادي الخميس (الحميز)، ووصف كذلك حضور الأهالي للجهاد وقد تدفقوا من كل حدب وصوب، ومن كل

стр. 850

الطبقات الاجتماعية أيضا، بمن في ذلك العلماء والطلبة الذين جاء بهم صالح باي من قسنطينة. وكانت مشاركة الطلبة والعلماء تتمثل في الدعاء إلى الله بالنصر والنجدة وقراءة البخاري. وأعطى العنتري أهمية خاصة لدور صالح باي. فهو الذي اقترح تعديل خطة الجيش وطريقة الهجوم حتى حصل النصر. وأضاف بعض الوصف للمعارك التي كانت دواليك، ولم يهمل دور الطبيعة في الموضوع فوجدناه يتحدث عن البرق والرعد وقوة العاصفة التي جعلت الإسبان ينسحبون، وجاء بشيء من الخيال في ذلك أيضا حتى أن بعضهم قد رأى ليلة العاصفة محاربين على خيول بيضاء يحاربون الإسبان، وعندما سأله قال له إنه علي بن أبي طالب (١). ومما يذكر أن العنتري ذكر أن اليهود أيضا قد انتقموا من الإسبان خلال هذه الواقعة. وفي هذه الرسالة أخبار عن الداي محمد باشا. وبناء على العنتري فإن خسائر الإسبان كانت كبيرة. فقد جاء أحد التجار الفرنسيين من تونس إلى الجزائر وأخبر الباشا، بعد أن سمح له بالمقابلة، إن حالة الإسبان عند الانسحاب، حسبما حكوا له، سيئة وأنهم خسروا ٣.٠٠٠ (ثلاثة آلاف) قتيل وأربعة آلاف جريح، ومن موتاهم قائدان كبيران. وذكر له أيضا أن الناجين منهم لا يستطيعون الظهور أمام ملكهم أو أمام الأوروبيين عموما، لأنهم تخلوا عن مواقعهم وأسلحتهم (٢). والملاحظ أن العنتري قد كتب الرسالة بعد ثلاث سنوات من الحملة. وإذا كان أحمد العنتري قد كتب عن حملة أوريلي باعتباره مرافقا لصالح باي، فإن محمد بن عبد الرحمن الجيلالي بن رقية التلمساني قد كتب

стр. 851

عن نفس الموضوع بأمر من الباي محمد بن عثمان. وعنوان رسالة ابن رقية هو (الزهرة النيرة فيما جرى في الجزائر حين أغارت عليها جنود الكفرة). وقد كتبها بعد الحادثة بوقت، أي سنة ١١٩٤. ويبدو أن رسالة ابن رقية أكثر أهمية من رسالة العنتري، لأنه ضمنها عدة وقائع هامة وأخبارا أخرى عن باشوات الجزائر ونشاطهم أيضا. وهي تنتهي بالواقعة التاسعة. ولعل ابن رقية قد بدأ رسالته سنة الحملة وهي ١١٨٩، وانتهى منها سنة ١١٩٤ كما ذكرنا. وقد نشرت هذه الرسالة بالعربية، كما ترجمت إلى الفرنسية (١). وتتمة لهذه النقطة نلاحظ أن مصطفى بن حسن خوجة الذي كان إماما بجامع خضر باشا بمدينة الجزائر وضع رسالة بالتركية في ثلاث عشرة ورقة حول علاقات الجزائر بإسبانيا، ولا سيما حملة أوريلي. وقد وضع لرسالته مقدمة بالعربية جاء فيها (... أما بعد فإني أردت أن أألف تاريخا أبين (فيه) مصالحة الجزائر مع إسبانيول بعد ما استولى على الجزائر ثلاث مرات، واحدة منها في البر واثنين منها في البحر وهزمهم الله بأنواع التهزيمات). وقد سمى مصطفى خوجة عمله (رسالة مضحكات وعجائبات) (٢). وهو نفسه مؤلف كتاب (التبر المسبوك في جهاد غزاة الجزائر والملوك) بالتركية أيضا. وكان مصطفى خوجة قد جاء إلى الجزائر سنة ١١٦٨ وعين إماما في جامع خضر باشا. وبعد ثماني عشرة سنة عين (علام دار) أو حامل الراية ثم (خوجة التذاكر) أو كاتب التذكرات. وقد شارك في الحرب الجزائرية الإسبانية بنفسه وقال إنه رمى عدة قنابل بالمدفع. وسبق أن تحدثنا عن كتابة (التبر المسبوك)، الذي هو أيضا في الحرب المذكورة، في الجزء الأول (٣).

стр. 852

ولكن فتح وهران الثاني والأخير هو الذي حظي بعدة مؤلفات. ومعظم هذه المؤلفات كتبها أنصار الباي محمد الكبير الذي تم على عهده وعلى يديه هذا الفتح. فالمؤلفات إذن كانت تاريخا للحادث الكبير ولكنها أيضا كانت تاريخا لسيرة الباي وأعماله ومكانته بين الناس. وسنرى أن بعض هذه المؤلفات تتناول نشاط الباي في نواحي أخرى أيضا غير وهران. وقد كان للباي محمد الكبير إحساس كبير بالتاريخ لم يكن لغيره. فقد شجع الأدباء والكتاب على مدحه وقربهم إليه لكي يخلدوا اسمه في أشعارهم ومؤلفاتهم. كما شجع بعضهم على كتابة تاريخ ما يقوم به من أعمال وتدوين الأحداث التي كان يشترك فيها أو لها علاقة بمجده. من ذلك عمل ابن رقية المشار إليه. ومنه أيضا أنه كلف، أثناء محاصرة الإسبان بوهران، كاتبه الخاص محمد المصطفى بن عبد الله المعروف بابن زرفة أن يقيد الحوادث المتعلقة بالجهاد وما يصل إلى الطلبة المشاركين في الحصار من أطعمة وغيرها (١). وهو الذي أشار أيضا على أبي راس بشرح قصيدته السينية في الفتح، وعلى كاتبه الآخر ابن سحنون بوضع تأليف في الموضوع نفسه، وهكذا. وبعد أن أكمل ابن زرفة عمله المذكور سماه (الرحلة القمرية في السيرة المحمدية) (٢). والواقع أن الكتاب ليس رحلة، كما يوحي عنوانه، وإنما هو في سيرة الباي محمد الكبير وجهاده. فقد بدأ في تقييده كما ذكرنا أثناء الحصار ثم توقف عن ذلك لأسباب لا نعرفها ولكنه ظل يجمع الأخبار والرسائل وغيرها، وكان له سبيل للوصول إلى الوثائق الرسمية أيضا باعتباره

стр. 853

أحد الكتاب في إدارة الباي. ولا شك أنه أضاف إلى مصادره الشفوية والمكتوبة تجربته هو الخاصة. ولم يقسمه إلى فصول أو أبواب لأنه في الواقع كان يسجل الحوادث في شكل يوميات أو مذكرات، وإنما اختار لعمله ترتيبا آخر وهو الحوادث مرتبة أيضا على الشهور. فقد ابتدأ من الحصار خلال شهر صفر سنة ١٢٠٥، وانتهى بالاستيلاء على وهران من قبل المسلمين في ٢٧ فبراير ١٧٩٢. وقد اختار لكتابته أسلوب السجع، كما أنه استعمل النثر العادي. وجاء في الكتاب أيضا باستطرادات وحشو مما أثقل النص. ولكن ابن زرفة كان على اطلاع واسع ويتمتع بحافظة قوية، فكتابه إذن ليس مجرد سرد لحياة الباي وحركة الفتح. فقد بدأ العمل بغزوات الرسول ﷺ ليظهر تطابق ما قام به الباي مع سيرة الرسول، وأورد الأحاديث النبوية الدالة على الجهاد ونصرة الإسلام، وجاء ببعض الرسائل التي بعث بها الباي وأوامره، بالإضافة إلى بيان أسباب الحملة على وهران، ومدح الباي بما يناسب مقامه عنده، وأخذ عن ابن خلدون معظم الأخبار المتعلقة بمدينة وهران، ومن هذه المقدمة العامة التي تدل على حفظه واطلاعه انتقل إلى موضوعه الرئيسي مبتدئا بشهر صفر سنة ١٢٠٥، وهو يمثل بداية الحملة، والملاحظ أن ابن زرفة، الذي كان يرافق جيش الطلبة وليس الجيش العام، قد ركز في كتابه على دور الطلبة ومشاكلهم ومطالبهم وحتى نزاعاتهم، وكان ذلك على حساب الحوادث العسكرية التي دارت بين الجيش الإسلامي والجيش الإسباني، وقد ختم كتابه بقصيدة في الفتح ومدح الباي. ويعتبر أحمد بن سحنون من أبرز من خلد فتح وهران الثاني ومناقب الباي محمد الكبير. فأثناء الفتح نظم ابن سحنون أرجوزة أشاد فيها بالباي وبالفتح على يديه، بدأها بقوله: حمدا لمن أزر نصر الدين ... ودان ناصريه أسنى الدين وفتح الأظار بالجهاد ... حتى غدت لينة المهاد

стр. 854

وكان يقوم بشرح القصيدة أثناء عمليات الفتح أيضا إلى أن انتهى منها بانتهاء الجهاد واسترداد وهران، فهو يقول عن نفسه انه تبين أن القصيدة في حاجة إلى شرح يبين ألفاظها ويحل غوامضها، وأن (لسان النظم محصور، وأن مؤداه لا بد فيه من قصور، والنثر أشد منه بيانا، إذ به يصير الخبر عيانا، وبتذليل النظم به تزداد عبارته تبينا، فعزمت على أن أشرح تلك القصيدة الخ.) (١). وقد سمى ابن سحنون شرحه الأدبي - التاريخي (الثغر الجماني في ابتسام الثغر الوهراني)، والعنوان على هذا النحو يوحي بأن المقصود هو الفتح وأن سيرة الباي تأتي عرضا، ولكن أحد المعاصرين لابن سحنون اقترح عليه تسميته (الدر والعسجد في مناقب الباي محمد). والتسمية الثانية أدل إذا عرفنا أن ابن سحنون قد خص هذا الباي بمعظم الكتاب وأنه قد مجده وتناول جوانب حياته المختلفة. غير أن اختيار ابن سحنون نفسه للعنوان الأول يدل على أنه كان يولي اهتماما أكبر من سيرة الباي، ولم يقسم الكتاب إلى فصول أيضا وإنما سار فيه على وحدة البيت من الأرجوزة، فهو يشرح كل بيت بما يناسب من البديع ثم يحل الألفاظ ويشرح المعاني، وقد استطرد في الكتاب فذكر الولاة الذين لم يوفقوا في الفتح قبل الباي محمد الكبير، واستفظع ما ارتكبه الإسبان ضد المسلمين ومقدساتهم، وجاء بالأحاديث الدالة على فضل الجهاد، كما ذكر أخبار الشعراء الذين مدحوا الباي وعلاقاته العامة، ولا غرابة في ذلك فقد قال عن عمله (قصدت بذلك تخليد مآثره، (يعني الباي محمد) وتدوين بعض محامده ومفاخره). وابن سحنون يستعمل السجع أحيانا في شرحه ولكنه سجع خفيف لا يثقل المعنى ولا يفسده، وكانت له صلة بالجهاد في المنطقة منذ أجداده، فقد أخبر أن عمه قد حضر فتح وهران الأول. وكان ابن سحنون يؤمن بقيمة التدوين التاريخي، فقد نقل عن ابن

стр. 855

خلدون عتابه لأهل المغرب على أنهم قد أهملوا رواية أخبارهم وأنسابهم، وهو يقول إن (آفة الحفظ عدم التقييد) ونقل عن الفرس أنهم كانوا يكتبون سير ملوكهم ويتدارسونها، وهذا رأي هام إذا لاحظنا أن تدوين التاريخ في الجزائر العثمانية كان قليلا جدا، والغريب أن ابن سحنون كان ما يزال صغير السن عند كتابة القصيدة والشرح الذي أتمه سنة ١٢٠٧، وقد عرفنا أن مكانته الأدبية قد نالت تقدير علماء مدينة الجزائر الذين لاحظوا في تقريظهم لكتابه (الأزهار الشقيقة) أنه كان ما يزال غض العود، والواقع أن في (الثغر الجماني) أخبارا هامة ليس فقط عن فتح وهران والباي وحاشيته ومناصريه ولكن عن حياة الشاعر الأديب نفسه وعن المؤلفات الأخرى التي تتعلق بالغرب الجزائري وأخبار العلماء والمتصوفة في المنطقة، بالإضافة إلى أخبار أخرى لا تتعلق بالجزائر كحديثه عن الثورة الفرنسية ومقتل لويس السادس عشر (١). وقد قام أبو راس بعمل شبيه بما قام به ابن سحنون. فقد كتب أيضا قصيدة في فتح وهران ثم شرحها بطلب من الباي نفسه، وسمي القصيدة (نفيسة الجمان في فتح ثغر وهران)، أما شرحه لها فقد سماه (عجائب الأسفار ولطائف الأخبار)، فالشرح إذن أعم من القصيدة. وتفاصيل ذلك أن أبا راس كان عائدا من الحج سنة ١٢٠٥ فسمع وهو بجزيرة جربة عن الجهاد في وهران فأسرع بالعودة عبر تونس وقسنطينة لكي يشارك فيه، وعند وصوله كتب قصيدة سينية، لأن الأمراء والأدباء يحبون قافية السين على حد قوله، أشاد فيها بالباي وبالجهاد والنصر وقدمها لولي نعمته، الباي محمد الكبير،

стр. 856

ويبدو أن الباي قد لاحظ أن القصيدة مكسورة الوزن ركيكة العبارة وأن أبا راس يجيد النثر أكثر مما يجيد الشعر فأشار عليه بوضع شرح للقصيدة يحل ألفاظها ويقرب معانيها، فقام أبو راس بذلك وانتهى من عمله سنة ١٢٠٦ أي خلال سنة واحدة تقريبا. قسم أبو راس شرحه على القصيدة إلى جزئين، تناول في الأول قيمة التاريخ وتدوينه ومدونيه من المسلمين والفرس والروم وبني إسرائيل والبربر، وذكر الدافع إلى تأليف الشرح وكيف نظم القصيدة وتسمية الشرح بـ (عجائب الأسفار ولطائف الأخبار)، وتعرض في الجزء الأول أيضا إلى إنشاء وهران والدول التي تداولت عليها وما دهاها من (الأمور العظام الطوام، والنوائب العظام ومدة الكفر وأهل الإسلام) (١)، والواقع أن أبا راس قد أظهر في هذا الجزء قدرته على الحفظ والسرد، فقد تكلم عن حدود المغرب القديمة وعن البحر الأبيض، ومصر وبرقة وفزان، وعلاقة بني إسرائيل بالروم، وأنساب الأولين، ثم انتقل إلى بايات الغرب الجزائري, وكفاحهم ضد الإسبان، وهو يشيد بالعثمانيين، وخصوصا خير الدين وخلفه، وينقل عن كتب القدماء مثل ابن خلكان والتنسي، ويتحدث عن قبائل المغرب وسكان الأندلس، ونحو ذلك من الأخبار العامة، ولكنها متصلة بما كان يكتب عنه. أما الجزء الثاني من (عجائب الأسفار)، فهو يكاد يكون خاصا بفتح وهران وسيرة الباي، ولكنه مع ذلك لم يسلم من الأخبار العامة والاستطراد، فقد قال عن هذا الجزء انه يشتمل (على الفتح العظيم والفخر الجسيم، ومدح من .. فتحها (يعني وهران) الباي سيدي محمد بن عثمان). غير أنه تناول فيه أيضا أخبار بلاد السودان وعادات الطوارق والصحراء والتجارة بين المنطقتين، وتحدث عن ملوك الثعالبة، وتاريخ تلمسان، وكان قد أورد في هذا الجزء أيضا بعض أخباره الخاصة في الحج، ولذلك يعتبر هذا الجزء هاما في دراسة حياة أبي راس نفسه.

стр. 857

وأسلوب أبي راس على العموم بسيط ويكاد يشبه العامي أحيانا، فهو يأتي بالنقود الكثيرة عن غيره، وأحيانا يسجع، ولكن شتان بين سجعه وسجع ابن سحنون، وإذا كان هذا يعتمد على ذوقه فإن أبا راس كان يعتمد على حفظه. فكتابه هام من جهة أنه يؤرخ للقبائل التي سكنت المنطقة، ويذكر أنسابها ويسند أخباره فلا يذكرها جزافا، بالإضافة إلى تناوله تاريخ علاقات المسلمين بغيرهم في حوض البحر الأبيض، ولا سيما الأندلس، وأبو راس يقف موققا مؤيدا ملتزما مع الباي ومع العثمانيين عامة، وكان في ذلك وفيا للنعمة، لأنه عاش في أكنافهم، ولولا رعايتهم له لوجد نفسه مهاجرا أو ضائعا كما هاجر وضاع غيره من علماء بلاده، ومع ذلك لم يسلم من العناء في أخريات أيامه (١). ولدينا على الأقل ثلاثة تآليف أخرى تناولت هذه الفترة وأشادت بالباي محمد الكبير، وهي (رحلة الباي محمد الكبير) لأحمد بن هطال، أحد كتاب الباي المذكور، و (أنيس الغريب والمسافر في طرائف الحكايات والنوادر) (٢) لمسلم بن عبد القادر، و (الاكتفاء في حكم جوائز الأمراء والخلفاء) لمحمد المصطفى بن زرفة، أما الأول فقد تناول فيه ابن هطال غزوة الباي محمد الكبير للأغواط وعين ماضي وشلالة وغيرها من بلدات النواحي الغربية وتغلبه هناك على أتباع الطريقة التجانية الناشئة، وكان الباي يريد من غزوته إظهار عضلاته وقوته وتوسع إدارته وأوامره، وقد نجح في ذلك. ولم يكن (أنيس الغريب والمسافر) لمسلم بن عبد القادر إلا رسالة في الحوادث التي مرت بها الناحية الغربية منذ حوالي سنة ١١٩٢ إلى حوالي سنة

стр. 858

١٢٤٧، والظاهر أنه ألفه بعد دخول الفرنسيين، ولذلك ألقي فيه مسؤولية التدهور والهزيمة التي حلت بالجزائر على الأتراك، وعلى كل حال فإنه لا يبلغ فيه مبلغ أعمال ابن زرفة ولا ابن سحنون ولا أبي راس، وكان مسلم بن عبد القادر من كتاب الباي حسن، وكان شاهد عيان على ما حدث في الغرب الجزائري في الفترة المذكورة، كما كان صاحب نشاط أدبي ملحوظ في الناحية، متأثرا في الظاهر بسيرة الباي محمد الكبير فقد جمع حوله نخبة من أدباء وكتاب الناحية وجعلهم، بحكم مقامه السياسي، يخدمونه وينوهون به ويشرحون إنتاجه ويتقربون إليه، ومن هؤلاء أبو راس ومحمود بن الطاهر بن حوا، والظاهر أن مسلم بن عبد القادر قد خطط لكتابة تاريخ هام للدولة الإسلامية، إذ قسم عمله إلى أبواب وخاتمة، وبدأه ببعثة الرسول ﷺ ، ووصلت أبوابه اثني عشر بابا، أما الخاتمة فقد خصصها لتاريخ بايات الغرب الجزائري منذ حوالي سنة ١١٩٢. غير أن الباحثين لم يعثروا حتى الآن إلا على الخاتمة التي انتهى منها صاحبها سنة ١٢٣٠، وقد سار في تأليفه على الطريقة التقليدية الموسوعية فذكر فيه الحكم والأمثال والمناقب والقصص إلى جانب التاريخ (١)، وإذا حكمنا من الخاتمة المطبوعة فإنه كان لا يمل من الاستطراد إذ يذكر فيها، بالإضافة إلى حكم البايات، (فوائد) عامة كقدوم الجراد، والمجاعة ونزول الثلج والثورات ونحو ذلك. وأما (الاكتفاء) لابن زرفة فهو عمل هام ولكنه لا يدخل في باب التاريخ كثيرا، لأن موضوعه الأساسي تاريخ القضاء الإسلامي ومواقف الحكام والعلماء من الشعوب والقبائل المغلوبة وأراضيها وممتلكاتها، وقد كان الباي محمد الكبير في أوليات حكمه عندما أشار سنة ١١٩٩ على ابن زرفة بجمع هذا التأليف، وكان الباي، الذي كان يخطط لمشاريعه الكبيرة

стр. 859

وخصوصا غزو وهران وغزو الصحراء، في حاجة إلى وثائق تاريخية وشرعية تسانده عندما يواجه المتعاملين مع الإسبان أو المتمردين عن دفع الضرائب، وتعود أهمية هذا الكتاب أيضا إلى أنه يؤرخ للباي وعائلته قبل فتح وهران وشهرة الباي، كما أنه مهم لاحتوائه على أخبار تتعلق بحياة مؤلفه التي ما تزال مجهولة، فقد دخل خدمة محمد الكردي (محمد الكبير فيما بعد) منذ كان خليفة للباي الحاج خليل، ورافقه في حملته على تلمسان عندما ثار فيها الدرقاويون، وأصبح هو القاضي بعد تولي محمد الكردي وظيفة الباي، وقد أشاد بتاريخ الباي وحملاته الداخلية وحصاره لوهران وتجديده لمستغانم ومعسكر، ورافقه أيضا عندما ذهب إلى مدينة الجزائر لرد غارة إسبانية عليها سنة ١٧٨٣، أما كتابه (الاكتفاء) فهو في الحقيقة رد على العلماء الذين تحركوا، بعد نجاح الباي، للحد من نشاطه وتدخلاته، فكان ابن زرفة هو لسان الباي لإسكاتهم بنقول وآراء جاء بها من كتب الأقدمين تساند ما كان الباي قد اتخذه أو يزمع عليه ضد الثائرين والمتمردين وغيرهم من المخالفين لسلطته، ولذلك تعرضنا إلى محتواه في فصل العلوم الشرعية (١). وهناك عملان آخران جديران بالذكر هنا، رغم أنهما لا يتعلقان بفتح وهران ولا بسيرة أحد البايات وهما (تقييد ابن المفتي) و (القول البسيط في أخبار تمنطيط). فقد كتب ابن المفتي عمله الصغير والهام لا في شكل تراجم لعلماء وباشوات مدينة الجزائر ولكن في شكل ملاحظات ونقد لأوضاع العلماء وعلاقتهم بالولاة وحياتهم الخاصة والعامة ووظائفهم، كما أبدى ملاحظات هامة عن الباشوات والحياة السياسية والاقتصادية قلما توجد في غير كتابه، وسنفصل القول عن (تقييد ابن المفتي) في ترجمتنا له بعد قليل. أما (القول البسيط) فمؤلفه هو الطيب بن الحاج عبد الرحيم التمنطيطي المعروف بابن بابا حيدة، وهو خاص بتاريخ توات (تمنطيط)، وقد قسم المؤلف عمله إلى مقدمة وفصول، فجعل الفصل الأول في أول من نزل توات

стр. 860

وبنى بها القصور، والفصل الثاني في اندراس أولاد يحيى وقدوم الشريف بن الزبير، والفصل الثالث في ذكر أولاد علي بن موسى، والفصل الرابع في ذكر علماء توات، والفصل الأخير هو الرئيسي والطويل في التأليف، وهو ينتهي بخاتمة عما يطلب من أهل البيت، ونحن لا نعرف عن مؤلف (القول البسيط) إلا أنه من أهل القرن الثاني عشر (١)، وكان التواتيون قد اهتموا بتاريخ بلادهم فكتبوا في مناقب أهلها وتواريخها وتجارتها وحياتها العلمية (٢). ونود أن نختم الحديث عن التواريخ العامة والمحلية بكلمة عن التأليف في الأنساب، ويبدو أنه منذ ابن خلدون لم يهتم الكتاب الجزائريون بالأنساب اهتماما كافيا، ويذكر أبو حامد المشرفي أن محمد بن أحمد المغراوي له كتاب سماه (تمييز الأنساب) (٣)، ولكننا لم نطلع على هذا الكتاب ولم يفصل المشرفي الحديث عنه وإنما نقل عنه نسب محمد بن علي أبهلول المجاجي الذي توفي سنة ١٠٠٨. وقد أخذ المشرفي أيضا عن كتابين آخرين في الأنساب، ولكنه لم يذكر مؤلفيهما. الأول هو (سمط اللآل في معرفة الآل) (٤)، والثاني هو (كمال البغية)، وقد نقل عنهما أيضا أخبار محمد بن علي آبهلول المجاجي، وألف في نفس الموضوع عبد القادر الراشدي القسنطيني، فقد نسب إليه عمل عن أصول القبائل والعائلات الكبيرة في قسنطينة ونواحيها، ولكننا لا نعرف الآن العنوان بالعربية، ومما تحدث عنه الراشدي أصل عائلة الفكون التي أرجعها إلى (فكونة) بالأوراس وليس إلى بني تميم كما تدعى عائلة الفكون (٥).

стр. 861

ولكن الذي اهتم بالأنساب، بعد ابن خلدون، هو أبو راس، فقد ألف فيها عدة أعمال وانتقد عدم العناية بها، ومن تأليفه في النسب (مروج الذهب في نبذة النسب ومن إلى الشرف انتمى وذهب) (١)، تكلم فيه عن أنساب الأدارسة بالمغرب وغيرهم، ولعل هذه العناية لأبي راس بالنسب والكتابة فيه هي التي جلبت عليه نقمة بعض السكان، في نواحي معسكر لأنه قد جرد بعضهم من الشرف بعد أن حلل أصولهم، وكان أبو راس شديد الولع بالأنساب يكثر من ذكر القبائل ومواطنها وفروعها وأصولها. وقد نسب إليه بعضهم كتابا عن أرهاط الجن أيضا سماه (تحفة الإخوان في أرهاط وقبائل الجان)، وقد نعى عدم العناية بالنسب بقوله: (إن امتياز النسب اندرس في هذا الزمان، فلا يكاد يتفق فيه اثنان حتى يقع اختلافا كثيرا (كذا) في الأمة الواحدة لاختلاط الأنساب وتباين الدعاوى) (٢). والواقع أن أبا راس كان وفيا لفكرته، فهو لا يكاد يكتب كتابا إلا ويظهر فيه محفوظه عن الأنساب العربية والعجمية، كما يقول. تراجم عامة نعني بالتراجم العامة التآليف التي اشتملت على أكثر من ترجمة سواء كانت تتناول تراجم مدينة معينة أو ناحية أو عصر، في مقابل ذلك سنخصص حيزا في هذا الفصل للتراجم الخاصة، وهي التي كتبها أصحابها هادفين إلى ترجمة شخص بعينه كترجمة المقري لابن الخطيب، ويوجد في الوثائق التي اطلعنا عليها عدد من التراجم العامة بعضها قصير لا يغطي سوى بضع صفحات، وبعضها كبير، حتى أنه تجاوز الثلاثمائة صفحة، كما أن بعضها أراد به أصحابه الترجمة لعلماء وصلحاء ناحية معينة في فترة خاصة، وبعضها أرادوا له أن يغطي علماء وصلحاء مدينة ما، ومن الضروري أن نذكر بأن

стр. 862

هدفنا ليس الإحصاء ولكن ذكر ما عثرنا عليه من نماذج، ومن جهة أخرى فإن بعض هذه الأعمال مكتوب أصلا نثرا والبعض الآخر مكتوب في شكل رجز. ونبدأ بتأليف عبد الله بن محمد المغوفل الذي سماه (الفلك الكواكبي وسلم الراقي إلى المراتب)، وهو رجز في تراجم صلحاء وأولياء منطقة الشلف، مبتدئا بالقرن السادس ومنتهيا بالقرن التاسع، وطريقته أنه يذكر الولي بالاسم الذي اشتهر به وإن لم يكن كذلك سماه بما اشتهر به من صفة أو نسب حتى يأتي من يعرفه باسمه. وقد قال إن الغرض من ترجمة هؤلاء هو التبرك بمن مضى، والحث على الانتفاع بهم وتنبيه الغافل عنهم لكي يرقى بسببهم إلى الصلاح، ومن هؤلاء علماء سكنوا (البطحاء)، مثل أبي عمران موسى الشاذلي، وأبي أيوب، وابن أبي العافية، والسعدي، وأحمدوش، وممن ترجم لهم المغوفل شيوخ شيوخه أيضا، وبالإضافة إلى صلحاء البطحاء ذكر نفرا ممن سكنوا غرب وشرق وجنوب القلعة (الراشدية) ودافعوا عن البلاد، وحرسوها ضد ظلم الحكام، ولكن (انعكس الأمر بسوء الحال) فذل العزيز، وفقر الغني، فإلى أين المصير؟ فلعل الفرج سيكون ... واليسر بعد العسر يستبين وقد كنا ذكرنا أن المغوفل عاش في بداية العهد العثماني، ورجزه قصير وبسيط، ومن سوء حظه أن أحدا لم يعمد إلى شرحه وتوضيح التراجم التي لمح إليها أو اختصرها، وبذلك ظل محتوى الرجز غامضا، فكثير من الأسماء التي وردت فيه غير معروفة إلا للناظم (١). وشبيه بذلك أرجوزة محمد بن حوا (سبيكة العقيان فيمن حل بمستغانم وأحوازها من الأعيان)، فهي أيضا ظلت بدون شرح وفيها غموض كثير،

стр. 863

وهي، كما يدل عنوانها، تتحدث عن علماء وصلحاء المنطقة المذكورة في مختلف العصور، ولكنها بالنسبة إلى (الفلك الكواكبي) متأخرة، ذلك أن ابن حوا قد عاش إلى أواخر القرن الثاني عشر الهجري (١٨ م)، وبذلك تضمنت سبيكته تراجم لم يتضمنها فلك المغوفل (١). ورغم قدرة أحمد بن قاسم البوني على الكتابة نثرا ققد عمد إلى نظم رجز طويل في علماء وصلحاء مدينة عنابة سماه (الدرة المصونة في علماء وصلحاء بونة)، والواقع أن هذا الرجز الذي بلغ ألف بيت يعرف بالألفية الصغرى، أما الألفية الكبرى التي قيل إنها بلغت ثلاثة آلاف بيت فلم نطلع عليها، وهي في نفس الموضوع، ومن المتوقع أن يترجم البوني في الألفية الصغرى لصلحاء وعلماء عنابة، وهم كثيرون، في مختلف العصور، ولا سيما عصره هو، وشيوخه. وقد قسم (الدرة المصونة) إلى أبواب وفصول، فترجم في الباب الرابع لشيوخه وجعل فيه فصولا لذكر شيوخه المغاربة وشيوخه في باجة وعنابة وتونس وتستور والقيروان، وغيرها من مدن تونس. والمعروف أن البوني قد رحل إلى المشرق أيضا وأخذ عن مشائخه كما أخذوا عنه، ومن المدن التي زارها وأقام بها مدينة رشيد المصرية، وقد عد البوني شيوخه في مناسبات أخرى مثل إجازته لابنه التي نقلنا عنها، ومثل رحلته الحجازية التي قيل إنه ذكر فيها حوالي عشرين شيخا، ولم يشرح البوني ولا غيره أرجوزته الهامة فظلت أيضا غامضة على العلماء فما بالك بالقارئ العادي (٢). وللبوني تأليف في التراجم العامة خرج فيه عن نطاق الجزائر تماما

стр. 864

حيث ترجم للنحاة وعلماء اللغة العربية عموما، وقد سماه (فتح المتين بتراجم بعض مشاهير النحاة واللغويين). وقد سبق الحديث عنه وعن كتاب أستاذه ابن باديس (التنقيح في التعريف ببعض أقوال رجال طالعة التصريح على التوضيح) وذلك في فصل اللغة والنثر. وهناك من ألف مختصرا في التراجم نثرا يشبه المتن الذي يحتاج إلى تعليق وتوضيح، كما فعل عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد التجاني في عمله الذي سماه (عقد الجمان النفيس في ذكر الأعيان من أشراف أغريس) (١). من العنوان يتضح أن هذا العمل يتناول الأولياء والصلحاء والعلماء والأشراف، في ناحية أغريس بالذات، وقد شعر مؤلفه أن عمله يحتاج إلى تبسيط وبيان فأشار على تلميذه محمد الجوزي الراشدي بشرحه فرحب بالفكرة وشرحه شرحا طويلا تجاوز الألف ورقة، وسماه (فتح الرحمن في شرح عقد الجمان)، وأخبر محمد الجوزي أنه قد وشح شرحه (بأحاديث رائقة، وقصص لائقة، وأخبار فائقة، وختمته بتكميل ذكرت فيه الخلفاء الأبرار، والملوك والثوار، في كل النواحي والأقطار). وهو أيضا قد ألفه في غريس التي شكا من حالها في عهده. ولعل تلك الاستطرادات هي التي ضخمت الكتاب فضاعت الفائدة من المتن والشرح معا (٢)، ولعل قصر المتن وطول الشرح هو الذي حمل أبا راس على وضع شرح آخر (لعقد الجمان النفيس)، سماه (إيضاح الغميس وأنوار البرجيس بشرح عقد الجمان النفيس) (٣)، وقد سار فيه أبو راس سيره في شروحه الأخرى التي جعلها على (العقيقة) وعلى

стр. 865

(مقامات الحريري) وعلى (إسماع الأصم) ونحوها، ومهما كان الأمر فإن (عقد الجمان النفيس) محسوب من تراجم المتصوفين. ويعتبر كتاب (البستان) لابن مريم المديوني من أهم المعاجم في تراجم الرجال، فقد كتبه في بداية القرن الحادي عشر ورتبه على حروف المعجم مبتدئا بمن اسمه أحمد. والمفروض أن الكتاب خاص بالتراجم التلمسانية ولكن قارئه يجد فيه تراجم لمصريين وشاميين وقيراونيين وفاسيين وأندلسيين أصلا، وكان ابن مريم وفيا لعنوان كتابه (١)، فقد حشاه بأخبار العلماء العاملين أصحاب التدريس والمؤلفات والوظائف، وبأخبار الصلحاء والأولياء من دراويش وخرافيين. ولم تكن هذه التراجم مقصورة على قرن بعينه، فنحن نجد ابن مريم يترجم لمن كان في القرن السادس ومن كان في القرن الحادي عشر. وكان المؤلف نفسه يعتقد في ولاية الأولياء وكراماتهم، لذلك حشا كتابه بأخبار هذه الكرامات والخوارق. ونلاحظ أنه كلما اقترب من عصره اختصر الترجمة وزادت أخبار الدراويش. وأسلوبه بسيط سهل، وهو يستعمل أحيانا عبارات عامية مثل حملوا منه (شوامي) وهو يعني أحمالا، ومثل (رد الناس إليه بالهم) وهو يعني انتبهوا إليه أو حذروا منه. ثم أن التراجم غير متوازنة فبعضها لا يزيد عن السطر والسطرين وبعضها وصل إلى العشرين صفحة، وحين لم يجد ابن مريم شخصا تلمسانيا اسمه خليل ترجم للشيخ خليل بن إسحاق المصري. وحين لم يجد شخصا اسمه يوسف ترجم لرجلين اسمهما يوسف من غير تلمسان (تبركا بهما)، ويكشف ما ذكرناه إذن على أن خطة ابن مريم ليست منسجمة، فقد كان مدفوعا بالروح الدينية أكثر من الروح العلمية. ومع ذلك يظل (البستان) وثيقة تاريخية هامة، فقد اعتمد فيه ابن مريم

стр. 866

على مؤلفات كثيرة، ومن ذلك (بغية الرواد) و (النجم الثاقب) و (رحلة) القلصادي، و (نيل الابتهاج) و (المواهب القدسية) للملالي، بالإضافة إلى عدد من المجاميع والكنانيش والمشافهة (ومن كتب عديدة). ثم إنه قد (أحس) بجو العصر من خلال تجربته هو الخاصة الطويلة في التعليم وممارسة التصوف، ومن خلال تجربة والده الذي كان يمتهن أيضا تعليم الصبيان. فكان ابن مريم معاصرا يكثر من التحولات السياسية والاجتماعية والدينية التي ساعدت على ظهور من ترجم لهم، وقد ألف ابن مريم غير (البستان) أيضا، فعد له تلميذه البطيوي في (مطلب الفوز والفلاح) نحو ثلاثة عشر كتابا، كلها في التصوف والفقه، ولا شك أن (البستان) هو أهم أعماله وما زال مرجعا ريسيا لتراجم الجزائريين، وخصوصا التلمسانيين، في العهد العثماني والذي قبله (١). ورغم أن تراجم عبد الكريم الفكون لم تنشر بعد فإنها على درجة كبيرة من الأهمية، ربما تفوق أهمية تراجم ابن مريم. والغريب أنه لا يفصل الكتابين سوى بضع سنوات فقط. فقد ألف ابن مريم كتابه سنة ١٠١١ وألف الفكون كتابه حوالي سنة ١٠٦٤. وكان الأول في تلمسان والثاني في قسنطينة. وكلاهما تعرض لرجال العلم ورجال الصلاح. ولكن بينما كان ابن مريم محبذا للتصوف، واصفا لأحوال العلماء والمتصوفين على ما كانت عليه، كان الفكون ناقدا للعلماء المنحرفين والصلحاء والأدعياء، ناقما عليهم ما كانوا عليه من شعوذة وحب للدنيا والمتاجرة بعقول العوام. وهكذا يصبح كتاب الفكون مكملا للبستان في وضع كثير من الأمور في نصابها. سمى عبد الكريم الفكون كتابه (منشور الهداية في كشف حال من ادعى

стр. 867

العلم والولاية). وترجم فيه لأكثر من سبعين شخصا من العلماء الصالحين والمتصوفة الحقيقيين إلى العلماء الجهال والأولياء الدراويش. وغطى فيه تراجم القرن العاشر وبداية الحادي عشر فقط، أي إلى وقته هو، مبتدئا بجده وعمر الوزان ومحمد التواتي، وخاتما بمعاصريه أمثال أحمد المقري ومحمد ساسي البوني. وقد قسم الكتاب إلى فصول، ولم يتبع فيه التظام الأبجدي. فكأنه كان يدرس ظواهر وموضوعات ولا يكتب تراجم جافة وسيرا جامدة فيها الولادة والوفاة، وبعض الأعمال والمؤلفات. رتب الفكون كتابه على مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة. ففي المقدمة بين دافع التأليف، وهو تكاثر أدعياء العلم وأدعياء التصوف. وجعل الفصل الأول (فيمن لقيناه من العلماء والصلحاء المقتدى بهم، ومن قبل زمنهم، ممن نقلت إلينا أحوالهم وصفاتهم تواترا، أردنا التنبيه عليهم، وذكر ما كانوا عليه وزمانهم وتواريخ وفاتهم). وخص الفصل الثاني بـ (المتشبهين بالعلماء، وهم الذين قصدنا بهذا التقييد إيضاح أحوالهم). وجعل الفصل الثالث (في المبتدعة الدجاجلة الكذابين على طريق الصوفية المرضية). أما الخاتمة فقد خص بها (إخوان العصر وما هم عليه) (١). وطريقة الفكون في هذه التراجم أنه يبرز معالم الشخص الذي يترجم له تحسيتا أو تقبيحا. فهو يذكر الشخص وأصله وبلده وتعلمه وشيوخه ومواقفه وعلاقاته. ويروي بعد ذلك أخبارا عنه وحكايات جرت له مع معاصريه ومع الحكام، حسب عنوان الفصل الذي جاءت فيه الترجمة. فإن تحدث عن أهل الصلاح جاء بأخبارهم وكراماتهم وإنصافهم للحق ومواقفهم المتشددة من أجل الدين والحقيقة. وإن كان يصف أهل الدنيا والجاه من العلماء الجهال جاء بأخبار صلاتهم بالأمراء والحكام والمناصب وقبولهم الرشوة والتهاون في الدين والأخلاق. وإن كان يتحدث عن أهل الولاية الكاذبة ذكر أخبار دجلهم وخرافاتهم وابتداعهم ونفاقهم وأكلهم أموال الناس بالباطل وحتى

стр. 868

أحوالهم العقلية والنفسية كالجنون والتوتر العصبي ونحو ذلك. وهو في كل ذلك يقارن الصالح بالطالح فيقول انظر كيف تصرف فلان، أما أهل الفساد اليوم فيفعلون كذا وكذا، أو هذا في زمانهم فما بالك بزماننا. ولعل أبرز ما في (منشور الهداية) حديث مؤلفه عن العلاقات العامة في عصره. فنحن نجد فيه ما نجده في غيره عن صلات العائلات القسنطينية وروابط العلماء، وعلاقات هؤلاء وأولئك بالحاكمين العثمانيين. كما نجد فيه وصفا لبعض الثورات ضد الحكام. بالإضافة إلى وصف هام للأحوال الاجتماعية والاقتصادية في الريف والمدينة. ولذلك قلنا إنه ليس كتاب تراجم جافة وإنما هو وثيقة حية تصف العصر وأهله. والذين قالوا عن الكتاب بأنه في (أحوال فقراء العصر) مثل العياشي، لم يقرأوه ولم يرضوا عن مؤلفه الذي كان في نظرهم ضد تيارهم وطريقتهم. ولذلك قال العياشي عن مؤلفه إنه عدل عن علوم أهل الرسوم في آخر عمره وأصبح من المتزمتين المنزوين عن الناس (١). ومهما كان موقف الفكون في نهاية حياته فإن كتابه (منشور الهداية) قد أصبح بالنسبة إلينا نحن جيل هذا القرن مرآة نرى منها جانبا من حياة أجدادنا في عصر ساد فيه الغموض والغوضى (٢). ومن سوء حظ الباحثين أن تراجم أحمد بن عمار قد ضاعت ولم يبق منها سوى نتف مذكورة في (نحلة اللبيب). ذلك أن كتاب ابن عمار الذي سماه (لواء النصر في فضلاء العصر) لم يعثر له على أثر حتى الآن، مثله في ذلك مثل رحلة المؤلف الحجازية. وكان ابن عمار قد ترجم في كتابه الضائع (لفضلاء) عهده والقرن السابق له، ولم يترجم لصلحاء الوقت كما فعل ابن مريم وأمثاله، مما يوحي أن مختاراته كانت على رجال العلم والأدب

стр. 869

والقضاء والشعر، وليس عن أهل التصوف والولاية. فنحن نجد في الأمثلة التي ساقها في (نحلة اللبيب) أنه تحدث عن ابن علي وأحمد المانجلاتي. وكلاهما شاعر وأديب وعالم بالفقه واللغة. ويبدو أن ابن عمار لم يقتصر في تراجمه على أهل الجزائر فحسب، رغم أننا لا نملك الدليل على ذلك الآن. وكان يطيل في التراجم ويذكر النصوص الطويلة من الأشعار والموشحات والأخبار الأدبية والشخصية. فترجمته حينئذ لم تكن باردة. ويمكننا أن نغامر فنقول إنه قد يكون ترجم في كتابه الضائع للقوجيلي وقدورة والأنصاري وعيسى الثعالبي وابن ميمون وابن عبد المؤمن والجامعي وابن زاكور والمنور التلمساني والفكون وأضرابهم من العلماء والأدباء والقضاة والمفتين، ولو استطعنا العثور على (لواء النصر) لكان نصرا للأدب الجزائري في العهد العثماني لمكانة ابن عمار الأدبية وحذقه وذوقه فيما يختار من التراجم والنصوص (١). تراجم خاصة قصدنا بالتراجم الخاصة، كما قلنا سابقا، المؤلفات التي وضعت لتترجم لشخص بعينه. فتدرس عصره وعلمه ونشاطه وعلاقاته وأثره. ولدينا عدد من هذه الأعمال. من ذلك ترجمة أحمد العبادي التلمساني لمحمد بن يوسف السنوسي. والواقع أن هناك عباديين كلاهم يدعى أحمد، أحدهما توفي في الأربعينات من القرن العاشر والآخر توفي بعد ٩٨٦. والأول هو الوالد والثاني هو الولد. وكلاهما عالم مشار إليه. ولكن الإشكال هو: أيهما كتب سيرة السنوسي (٢)؟ والغالب على الظن أن الذي فعل ذلك هو الوالد لأنه

стр. 870

يشير في المقدمة إلى أنه قد عرف السنوسي وهو يافع وحضر آخر درس له وأنه تتلمذ حقيقة على محمد بن عمر الملالي (١)، تلميذ السنوسي. فإذا صح ما رشحناه فإن أحمد العبادي (الوالد) قد عاش في تلمسان الزيانية ورحل إلى فاس الوطاسية وأنه تولى التدريس في جامع القرويين باقتراح من السلطان. وكانت له علاقة وطيدة بالسلاطين الوطاسيين مما أورثه عداوة فقهاء فاس، وكان عليه أن يواجه صعوبات جمة. وقد توفي، كما قلنا، في تلمسان في أوائل العقد الرابع من القرن العاشر. ولم يذكر ابن عسكر الذي ترجم له باختصار؛ بينما ترجم لولده مطولا نسبيا، أنه كتب شيئا عن السنوسي. ولكن أحد الباحثين وجد رسالة للعبادي كتبها عن السنوسي بطلب من بعض علماء فاس سنة ٩٢٦. ورغم أننا لم نطلع على نص هذه الرسالة العربي، فالذي لا شك فيه أن العبادي كان يعرف عن السنوسي الكثير بحكم معرفته الشخصية له وبحكم تتلمذه على الملالي، وأخيرا بحكم عيشه في تلمسان التي كانت تحفظ للسنوسي ذكريات كثيرة يعرفها الخاص والعام. وعلى الباحثين أن يجدوا في العثور على النص العربي لرسالة العبادي عن السنوسي (٢). وقد اختص محمد الصباغ القلعي بترجمة شيخ والده، أحمد بن يوسف الملياني. وكان الصباغ، كما أشرنا، قد عرف الملياني معرفة جيدة ولكن الذي عرفه أكثر ولازمه وتأثر به هو والده. فالصباغ إذن قد تأثر بالملياني مباشرة وعن طريق والده أيضا. وقد كتب عمله (بستان الأزهار) موسوعة عن حياة الملياني فيها الغث والسمين، الحقيقي والأسطوري، المقبول والمرفوض علميا .. فجاء كتابه وكأنه نوع من الذكريات والحكايات المتفرقة عن الملياني. وهو على كل حال مصدر أساسي عن هذا الشيخ الذي كثرت حوله الأساطير والأقاويل. وقد بدأ الصباغ كتابه على هذا النحو (.. وبعد

стр. 871

فإني لما رأيت أهل قلعتنا وسائر مجاشر (مداشر؟) هوارة وبني راشد وغيرهم محبين في الشيخ الولي الصالح القطب الغوث .. سيدي أحمد بن يوسف الراشدي .. أردت أن أقيد لهم مجموعا في ذكر شيء من مناقبه، ممزوجا بأحاديث المصطفى ﷺ وحكايات الصوفية وما وقع من كرامات وخوارق العادات للأولياء مثل ما وقع للشيخ زروق وشيء من كلامه، وذكر تلامذته الأخيار). وقد رجع في هذه المعلومات إلى مصادر مكتوبة وشفوية كما رجع إلى كتب الصوفية القديمة. وفي الكتاب أخبار هامة عن أحوال العصر والمجتمع أيضا (١). ويعتبر أحمد المقري من أبرز الذين أجادوا الترجمة الخاصة. فقد برع في رسم خطة الترجمة بحيث يتتبع أخبار المترجم حتى قبل ولادته، ويتجسس عن أوليته وأسرته ونشأته وصباه وكهولته، ويذكر شيوخه ومؤلفاته، ويعتني بإنتاج المترجم وأخباره في الحياة العامة وخدماته للسلطان إن كان قد فعل ذلك، ثم وفاته، وآراء الناس فيه. وقد قيل انه قد تأثر في ذلك بمنهج لسان الدين بن الخطيب في (الإحاطة) لأن هناك تشابها في عناصر الترجمة والأسلوب والإنشاء. غير أن ابن الخطيب كان أقل استطرادا من المقري (٢). وقد ترجم المقري لعالمين بارزين كلاهما يستحق ما بذله فيهما من جهد، وهما: القاضي عياض ولسان الدين بن الخطيب وكلاهما أصبح، بفضل المقري، معروفا للباحثين مدروسا من جميع الجوانب تقريبا، فلا يكاد المتأخرون يجدون ما يضيفون إلى ما قاله فيهما. ومن الطبيعي أن يبدأ المقري بترجمة القاضي عياض الذي كان حجة في المذهب المالكي بالمغرب العربي، فقد رغب منه أهل تلمسان أن يعرفهم بالقاضي عياض فأجابهم إلى

стр. 872

ذلك، وهو في المغرب الأقصى. واشتغل على هذا الكتاب المتعدد الأجزاء بين ١٠١٣ و ١٠٢٧، وهو تاريخ رحيله إلى المشرق الذي لم يعد منه. ومن الحديث عن القاضي عياض استطرد المقري فتحدث عن الأندلس، وأخبار لسان الدين بن الخطيب وأحوال المسلمين في نهاية حكم الأندلس، كما ترجم أثناء الكتاب لعدد من الشخصيات الهامة مثل ابن الأزرق والقلصادي. فرغم أن الكتاب عن القاضي عياضى فإنه في الواقع موسوعة أدبية وتاريخية للأندلس والمغرب تضم نصوصا كثيرة لا توجد في غيره. وما دام المقري قد ألف الأزهار وهو في أول عهده بالتأليف وفي وضع سياسي خطير حيث قال وكانت (الأرض تميد اضطرابا واختلالا)، فإن كتابه قد ضعف من وجهين: ضعف المنهجية والاستطراد. فقد سماه (أزهار الرياض، في أخبار عياض، وما يناسبها مما يحصل به ارتياح وارتياض). ولا شك أن تعبير الشطر الثاني من العنوان قد جعل المؤلف يجلب لكتابه كل ما يعتقد أنه يأتي فعلا بالراحة والارتياض على حساب وحدة الموضوع وتسلسل الأحداث. وهو لذلك قسمه إلى رياض وليس إلى فصول أو أبواب. وكان المقري يدرك ذلك لأنه لاحظ أنه لم يسبق إلى مثل طريقته وأنه لم يقلد ما عرف في التراجم. وهكذا جاء الكتاب في ثماني رياض على النحو التالي: روضة الورد في أولية هذا العالم الفرد، وروضة الأقحوان في ذكر حاله في النشأة والعنفوان، وروضة البهار في ذكر جملة من شيوخه الذين فضلهم أظهر من شمس النهار، وروضة المنثور في بعض ما له من منظوم ومنثور، وروضة النسرين في تصانيفه العديمة النظير والقرين، وروضة الآس في وفاته وما قابله به الدهر الذي ليس لجرحه من آس، وروضة الشقيق في جمل من فوائده ولمع من فرائده المنظومة نظم الدر والعقيق، وروضة النيلوفر في ثناء الناس عليه وذكر بعض مناقبه التي هي أعطر من المسك الأذفر (١). فكأن المقري أراد أن يأتي بجديد في طريقة تأليفه

стр. 873

ويتوسع في الأدبيات بطريقة لم يسبقه إليها غيره (١). وقد عدل المقري عن هذه الطريقة قليلا في ترجمته الطويلة أيضا للسان الدين بن الخطيب في كتابه (نفح الطيب). فقد خصص له القسم الثاني من هذا الكتاب وتتبع حياته كما فعل مع القاضي عياض، ولكنه كان أكثر منهجية هنا رغم كثرة الاستطرادات التي ظلت تميز أسلوب المقري وطريقته. وقد عرفنا أنه ألف (نفح الطيب) بطلب من أهل دمشق. وقسم المقري ترجمة ابن الخطيب إلى ثمانية أبواب (ولم يسمها رياض) فتحدث في الأول عن أولية وأسلاف ابن الخطيب، وفي الثاني عن نشأته وترقيته ووزارته وما لقي من ذلك من أيام عز وأيام هوان، وقصوره وأمواله وتقلبات الزمان ضده، وفي الثالث عن مشائخه وثقافته وما يتصل بذلك. وفي الرابع عن مخاطبات الملوك والأكابر الموجهة إليه وثناء أهل العصر عليه. وفي الخامس في جملة من نثره وشعره وأزجاله وموشحاته. وفي السادس عن تلاميذه، وأخيرا عن أولاده ووصيته لهم (وما يتبع ذلك من المناسبات القوية والأمداح النبوية) (٢). وفي كلا الترجمتين يسير المقري في الواقع على طريقة أهل العصر. فقد عرفنا أن الاستطراد كان يعتبر من فضائل التأليف، وأن الالتزام بمنهج محدود يسبب في نظر الكتاب الملل للقاري فلا يتابع القراءة وتضيع الفائدة. فكان لا بد أيضا من حكايات ولطائف وأخبار إضافية تروح عن النفس في القراءة. وبقدر ما يحذق المؤلف طريقة جلب لطائفه وأخباره بقدر ما يكثر قراؤه ويبرهن على محفوظه وذوقه. وإذا كنا نحن اليوم نستثقل هذه الطريقة فإنها كانت لمعاصري المقري محببة ومطلوبة. ولذلك تكاثرت، كما لاحظنا، الاستطرادات عنده وتضخمت نقوله في كلا العملين، بل إن في (نفح الطيب) كثيرا من التكرار لما في (أزهار الرياض). ولكن دور المقري

стр. 874

في الترجمتين عظيم. ولذلك ما يزال كتاباه مصدرين رئيسيين للباحثين في تاريخ الأندلس والمغرب العربي. وهناك بعض المؤلفات التي خص بها أصحابها حياة رجال التصوف. فلدينا كتابان تناول كل منهما حياة الشيخ محمد بن أبي زيان مؤسس الطريقة الزيانية الشاذلية كما عرفنا، فقد كتب أحدهم كتابا بعنوان (فتح المنان في سيرة الشيخ سيدي الحاج محمد بن أبي زيان) تحدث فيه عن حياة الشيخ وأعماله وفضائله والأشعار التي قيلت فيه ونحو ذلك. ولا نعرف الآن من هو المؤلف ولا متى ألفه ولا طريقته في التأليف. أما الكتاب الثاني المتعلق بحياة وزاوية أبي زيان فهو من تأليف مصطفى بن الحاج البشير، وعنوانه (طهارة الأنفاس والأرواح الجسمانية في الطريقة الزيانية الشاذلية). وهذا الكتاب في حجم وسط. غير أننا لا نعرف أيضا عصر المؤلف. فحسبنا هنا الإشارة إلى هذين العملين في باب التراجم، إلى أن نعثر على معلومات إضافية عنهما (١). ورغم أن كتاب (كعبة الطائفين) لمحمد بن سليمان لبس ترجمة شخصية واضحة فإننا نشير إليه هنا لأنه عبارة عن أخبار الشيخ موسى بن علي اللالتي، ناظم قصيدة (حزب العارفين) التي كانت منطلق (كعبة الطائفين). فكما ترجم الملالي لشيخه السنوسي بطريقته، ومحمد الصباغ القلعي لشيخه الملياني، كذلك ترجم محمد بن سليمان لشيخه اللالتي بطريقته، أي في ثنايا شرحه على القصيدة، ومع ذلك فالشرح، كما عرفنا، من الأعمال الهامة في باب التصوف ولذلك ذكرناه هناك (٢). ويمكننا أن نعد (تاريخ علي باي) الذي كتبه أحمد بن عمار في تونس

стр. 875

من جملة التراجم الخاصة. فقد أخبر إبراهيم السيالة، تلميذ أحمد بن عمار، أن شيخه قد وضع رسالة هامة أجاب بها بعض علماء تونس الذين سألوه رأيه في إحدى الآيات، وأنه قد ضمن هذه الرسالة (في تاريخ ألفه) عن الباي. أما ابن عمار نفسه فقد قال عن هذه النقطة (ونظمت في سلك دولة هذا الملك السعيد .. عقد لبة وتاج مفرق، مما فتح الفتاح العليم .. من هذه الرسالة الغريبة المبنى، الوثيقة المعنى، البعيدة المرنى، القريبة المجنى .. فلينظرها المولى، بعين القبول والرضى، وليعرضها على الخواص من أدباء دولته الميمونة وعلمائها وفقهائها وزعمائها .. وأما العوام فكالهوام، وليس المقصودون بهذه الرسالة، بل بهذا الكتاب كله ..) (١)، ويتضح من عبارة ابن عمار أن هناك الرسالة التي أجاب بها العلماء، وهناك الكتاب الذي وضعه في سيرة الباي ودولته. ولا شك أن الذي يهمنا هنا هو الكتاب وليس الرسالة. والغريب أن السيالة لم يذكر عنوان كتاب ابن عمار في الباي، وإنما قال عنه (في تاريخ ألفه). وهو لا شك من كتب ابن عمار الضائعة. ولذلك نكتفي الآن بما قلناه عنه. وقد عالج محمد بن أحمد الشريف الجزائري موضوع السيرة أيضا فترجم للصحابي أبي أيوب الأنصاري دفين القسطنطينية، وسمى تأليفه فيه (مسك الحبوب في بعض ما نقل من أخبار أبي أيوب). ورغم أن الترجمة تتناول شخصية إسلامية عظيمة ومجاهدة من أجل انتشار الدين الإسلامي فإن المؤلف قد جعل عمله وكأنه سيرة لأحد المتصوفين الدراويش. ولكن عمله مع ذلك يظل مساهمة هامة في باب التاريخ والسيرة. وكان المؤلف قد أجبر، على ما يظهر على الخروج من الجزائر واستيطان أزمير، فكان يتردد على قبر أبي أيوب الأنصاري بالقسطنطينية ويتسلى، كما يقول، بزيارة ضريحه وكتابة الأخبار عنه ابتداء من حياة هذا الصحابي الأولى إلى وفاته سنة ٥٠ (أو ٥٢) للهجرة غازيا.

стр. 876

وقد شرح المؤلف ظروف عمله فيما يلي (هذا، ولما جرى القضاء وحكمت الأقدار، بإقامتي بناحية من بلاد الروم وتوطيني بتلك الديار، فكان تأنيسي واستئناسي من وحشة الهموم والأكدار، بترديد الرحلة لزيارة مقام أبي أيوب فخر الخزرج والأنصار، ﵁ وأرضاه .. وقد كنت جعلته عمدة لنجاح المقاصد والأوطار، وملجأ لدفع المكائد من المتمردة والحسدة والأشرار، استخرت الله في جمع ما وقفت عليه من أخباره وعرائس مناقبه الأبكار، وما بلغني من شمائله وسيرته وما اشتهر به من نسبه في بني النجار، ونويت تسميته بعد ما يسود بياضه مسك الحبوب الخ) (١). وفي هذا الصدد نذكر أن علي بن محمد البهلولي قد وضع تقييدا في حياة أحمد بن عبد الله الذي ثار في الجهة الغربية من الجزائر والذي كانت له حروب ضد ثائر آخر هناك لعله كان أيضا ثائرا ضد الحكام الأتراك. وقد أرسل البهلولي تقييده إلى صديقه عبد الكريم الفكون. وكان البهلولي، حسب رأي الفكون، يعتقد في أحمد بن عبد الله (أنه الفاطمي على ترهات كثيرة نشأت فيه من المغرب .. ويظنون أنه لم يمت وأنه غيب إلى وقته المعلوم فيخرج ..) ولا نعرف الآن عن هذا التقييد أكثر مما أخبر به عنه الفكون. والمفيد منه في الوقت الحاضر عقائد العلماء في المرابطين وفي الثائرين وانتشار فكرة المهدي المنتظر في هذا العصر (٢). وقد ترجم محمد العربي بن مصباح في كتابه (توشيح طراز الخياطة) لشيخه محمد بن علي الشريف، شيخ زاوية شلاطة. وجاء في كتابه بقصائد عديدة، بعضها له ومعظمها لغيره، وكلها في مدح ابن علي الشريف وزاويته.

стр. 877

ابن المفتي وتقييده من الغريب أن المؤلفين الجزائريين المعاصرين لابن المفتي لم يشيروا إليه ولا إلى كتابه في مؤلفاتهم المعروفة لدينا. فلا ابن حمادوش ولا ابن عمار ولا الورتلاني ولا غيرهم من مؤلفي القرن الثاني عشر (١٨ م) قد ذكر شيئا فيما نعلم، عن هذا الرجل وعمله، رغم أهمية ملاحظاته وأحكامه كما سنرى. وأول من نقل عنه نصوصا كاملة وترجمها إلى الفرنسية هو الباحث الفرنسي ألبير ديفوكس خلال القرن الماضي، أي بعد قرن من وفاة ابن المفتي والظاهر أن الكاتب الإسباني غونزاليز عاد إلى كتاب ابن المفتي بخصوص باشوات وعلماء الجزائر خلال العهد العثماني، رغم أنه لم يذكره من بين مصادره. أما الذي قدم عمله إلى القراء ودرسه بشيء من التفصيل فهو الكاتب الفرنسي ديلفان سنة ١٩٢٢. وقد حصل السيد نور الدين عبد القادر على نسخة من عمل ابن المفتي ونشر منه مقتطفات في كتابه (صفحات من تاريخ مدينة الجزائر) المطبوع سنة ١٩٦٤ (١). اهتم ديفوكس بالناحية العلمية والدينية من كتاب ابن المفتي فأخذ عنه ما كتبه عن المفتين الحنفيين والمالكيين أثناء العهد العثماني وما قيده بشأن علاقات العلماء والفقهاء بعضهم ببعض من جهة وعلاقاتهم بالسلطة الحاكمة من جهة أخرى. وقد نشر ديفوكس بعض النصوص منه مترجمة إلى الفرنسية في (المجلة الإفريقية) أولا ثم جمع مقالاته ونشرها في كتابه (المؤسسات الدينية في مدينة الجزائر). ولكن ما قام به ديفوكس حول هذا الكتاب ما زال ناقصا لأنه لم يعرف بالمؤلف (ابن المفتي) ولا بكتابه ولم يهتم بالجزء السياسي والاقتصادي منه المتعلق بالباشوات والحياة الاجتماعية. فظلت الصورة التي نعرفها عن ابن المفتي وكتابه غامضة وناقصة. ولسنا متأكدين أن

стр. 878

غونزاليز قد عاد إلى عمل ابن المفتي في رسالته المسماة (مشاهير مسلمي مدينة الجزائر). ثم إنه إذا صح أنه رجع إليه فإنه لم يأخذ منه سوى قائمة جافة من أسماء الباشوات الذين تولوا الحكم في الجزائر وبعض مشاهير العلماء على عهدهم مع ذكر وظائفهم ووفياتهم. ومن جهة أخرى فهو لم يشر أصلا إلى ابن المفتي في مصادره كما ذكرنا، رغم أنه أشار إلى غيره كابن حمادوش. أما ديلفان الذي نشر عمله في (المجلة الآسيوية) فقد عرف قليلا بابن المفتي وكتابه من خلال ما كتبه ابن المفتي نفسه عن أسرته وحالته وتأليفه. كما أشار ديلفان إلى كيف حصل على نسخة من تأليف ابن المفتي التي لا تضم، حسب رأيه سوى الجزء الخاص بالباشوات، وهي من نسخ أحد النساخ الذين وظفتهم فرنسا في بداية عهدها بحكم الجزائر، وليست هي النسخة التي كتبها ابن المفتي على كل حال. وبذلك كانت نسخة ديلفان خالية من الجزء المتعلق بالعلماء والحياة الدينية. وأما نور الدين عبد القادر فقد عوض ما فقده عمل ديلفان حين حصل على نسخة غير جيدة من كتاب ابن المفتي تضم حياة المفتين والعلماء. وبينما وجدنا ديلفان يشيد بخط وأسلوب النسخة التي حصل عليها، وجدنا نور الدين عبد القادر ينتقد خط وأسلوب النسخة التي اطلع عليها، ومن سوء الحظ أن نور الدين بدل أن يقدم لنا النسخة كما هي حتى نشاركه في التعرف على أسلوب المؤلف، عمد إلى صياغته فاعلا، كما قال، ما فعل الشيخ الدردير مع مختصر الشيخ خليل. وهكذا يتضح أن كتاب ابن المفتي، رغم أهميته في نظر كل الذين رأوه وأخذوا عنه، لم يقدم كله كعمل موحد ولم يدرس دراسة تاريخية منهجية تبين محاسنه وعيوبه وتضعه في مكانه من بين الأعمال التاريخية التي نحن بصددها. ولم نحصل نحن على نسخة جديدة من هذا العمل، ولكننا سنحاول أن نجمع المعلومات المتفرقة التي قيلت عن ابن المفتي وكتابه وندرسها ونخرج منها بنتيجة.

стр. 879

ولد ابن المفتي (وهو الاسم الذي اختاره لنفسه) في مدينة الجزائر بتاريخ لا نعرفه بالضبط من عائلة كانت متصلة بالحكم اتصالا مباشرا. فهو من الكراغلة المنحدرين من نسل عثماني وجزائري. فإذا عرفنا أنه أنهى كتابه بذكر تولية المفتي المالكي الحاج أحمد الزروق بن محي الدين بن عبد اللطيف سنة ١١٦٦ وأنه لم يكتب كتابه إلا بدافع الكبر والحزن أمكننا أن نتصوره قد ولد أواخر القرن الحادي عشر، وليكن ذلك حوالي سنة ١٠٩٥ (١). ومن جهة أخرى فإن والده، المفتي حسين بن رجب شاوش بن محمد، قد ولد أيضا بالجزائر. وتولى الفتوى سنة ١١٠٢، وعمره ثلاثون سنة، ومعنى هذا أنه قد ولد سنة ١٠٧٢. وبذلك يكون قد أنجب ابنه (المؤلف) وهو في حوالي الثالثة والعشرين من عمره. وقد توفي المفتي حسين بن رجب شاوش في مدينة الجزائر ودفن بها. والعجيب أنه بالرغم من حرص ابن المفتي على ذكر التواريخ فإنه لم يذكر متى ولد وتوفي والده ولا متى ولد هو. أما جده، رجب بن محمد، فقد ولد في قارة حصار، بالقرب من أزمير في آسيا الصغرى. وجاء إلى الجزائر مع أخيه الأكبر، ضمن الشبان المغامرين الذين كانوا يلتحقون بالجيش العثماني في الجزائر، وكثير من هؤلاء الشبان المغامرين كانوا يصلون إلى مراتب عالية في الدولة إذا كانوا يتمتعون بالذكاء والتعرف على طرق الصعود، ويمكننا أن نشير في هذا الصدد إلى صعود نجم محمد بكداش باشا وصالح باي. ولم يصل رجب بن محمد إلى تولي الولاية ولكنه وصل إلى مرتبة قد تفوقها من بعض النواحي. فقد أصبح قرصانا أو بحارا يعمل على سفينتين تملكهما زهرة باي، أرثا عن أبيها وزوجها. ثم أصبح (شاوش) العسكر، وهي وظيفة سامية، تسمح لصاحبها بالتعرف على أسرار الدولة والتدخل في التولية والعزل والتأثير على الولاة أنفسهم، ثم

стр. 880

أصبح بولكباشيا أو عسكريا متقاعدا. وظل كذلك إلى أن توفي بحصر البول ودفن في باب الواد. وقد أنجب رجب بن محمد، الذي أصبح يدعى بعد الوظيفة رجب شاوش، ابنه حسينا حوالي سنة ١٠٧٢ كما أسلفنا. ولعل زوجه كانت من الجزائريات وبذلك تكون جدة المؤلف جزائرية، ولكن هذا أمر غير واضح. وكان رجب شاوش الذي عرف الدولة وأسرارها قد حرص على أن ينشأ ابنه حسين نشأة علمية وأن يهيئه لتولي وظيفة سامية أرقى معنويا من وظيفته هو، وهي الفتوى الحنفية، وكذلك كان الأمر. وتحدث ابن المفتي عن والده، حسين بن رجب شاوش، فقال إنه تولى الفتوى سنة ١١٠٢ عن ثلاثين سنة، كما أشرنا. ووصفه أوصافا جليلة تليق بمقام الوالد وبمقام المفتي أيضا. فقد أخبر عنه أنه أول كرغلي تولى الفتوى الحنفية في الجزائر، بينما كانت من قبل في أيدي علماء الحنفية الموفدين من إسطانبول. وكان معاصر والده في الفتوى المالكية هو أحمد بن سعيد قدورة. وكلاهما، في نظر ابن المفتي، قد ملأ مكانه كما يجب، وقد مدح والده بأنه زان وظيفته فكان خطيبا ماهرا ومفتيا وقورا. وكانت الأسئلة ترد عليه من مختلف الناس، ولا سيما في الخريف عندما تكثر الخصومات بينهم على أراضي الفلاحة. وأهم من ذلك أن الباشوات كانوا يجلونه، بل كانوا يقفون له ويقبلون يده احتراما. وكان يفضل المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، حتى أن شؤونه الخاصة كانت مهملة. ونحن قد نفهم من ذلك أن المفتي حسين بن رجب كان مهملا لولده - المؤلف - أيضا ما دام يقضي أوقاته في خدمة الآخرين. ودام حسين بن رجب شاوش على تلك الحال ثماني سنوات أو اثني عشر سنة (١)، إلى أن تولى الباشوية عطشى
следующие страницы →