وقد شرح المؤلف ظروف عمله فيما يلي (هذا، ولما جرى القضاء وحكمت الأقدار، بإقامتي بناحية من بلاد الروم وتوطيني بتلك الديار، فكان تأنيسي واستئناسي من وحشة الهموم والأكدار، بترديد الرحلة لزيارة مقام أبي أيوب فخر الخزرج والأنصار، ﵁ وأرضاه .. وقد كنت جعلته عمدة لنجاح المقاصد والأوطار، وملجأ لدفع المكائد من المتمردة والحسدة والأشرار، استخرت الله في جمع ما وقفت عليه من أخباره وعرائس مناقبه الأبكار، وما بلغني من شمائله وسيرته وما اشتهر به من نسبه في بني النجار، ونويت تسميته بعد ما يسود بياضه مسك الحبوب الخ) (١).
وفي هذا الصدد نذكر أن علي بن محمد البهلولي قد وضع تقييدا في حياة أحمد بن عبد الله الذي ثار في الجهة الغربية من الجزائر والذي كانت له حروب ضد ثائر آخر هناك لعله كان أيضا ثائرا ضد الحكام الأتراك. وقد أرسل البهلولي تقييده إلى صديقه عبد الكريم الفكون. وكان البهلولي، حسب رأي الفكون، يعتقد في أحمد بن عبد الله (أنه الفاطمي على ترهات كثيرة نشأت فيه من المغرب .. ويظنون أنه لم يمت وأنه غيب إلى وقته المعلوم فيخرج ..) ولا نعرف الآن عن هذا التقييد أكثر مما أخبر به عنه الفكون. والمفيد منه في الوقت الحاضر عقائد العلماء في المرابطين وفي الثائرين وانتشار فكرة المهدي المنتظر في هذا العصر (٢).
وقد ترجم محمد العربي بن مصباح في كتابه (توشيح طراز الخياطة)
لشيخه محمد بن علي الشريف، شيخ زاوية شلاطة. وجاء في كتابه بقصائد عديدة، بعضها له ومعظمها لغيره، وكلها في مدح ابن علي الشريف وزاويته.
стр. 877
ابن المفتي وتقييده
من الغريب أن المؤلفين الجزائريين المعاصرين لابن المفتي لم يشيروا إليه ولا إلى كتابه في مؤلفاتهم المعروفة لدينا. فلا ابن حمادوش ولا ابن عمار ولا الورتلاني ولا غيرهم من مؤلفي القرن الثاني عشر (١٨ م) قد ذكر شيئا فيما نعلم، عن هذا الرجل وعمله، رغم أهمية ملاحظاته وأحكامه كما سنرى. وأول من نقل عنه نصوصا كاملة وترجمها إلى الفرنسية هو الباحث الفرنسي ألبير ديفوكس خلال القرن الماضي، أي بعد قرن من وفاة ابن المفتي والظاهر أن الكاتب الإسباني غونزاليز عاد إلى كتاب ابن المفتي بخصوص باشوات وعلماء الجزائر خلال العهد العثماني، رغم أنه لم يذكره من بين مصادره. أما الذي قدم عمله إلى القراء ودرسه بشيء من التفصيل فهو الكاتب الفرنسي ديلفان سنة ١٩٢٢. وقد حصل السيد نور الدين عبد القادر على نسخة من عمل ابن المفتي ونشر منه مقتطفات في كتابه (صفحات من تاريخ مدينة الجزائر) المطبوع سنة ١٩٦٤ (١).
اهتم ديفوكس بالناحية العلمية والدينية من كتاب ابن المفتي فأخذ عنه ما كتبه عن المفتين الحنفيين والمالكيين أثناء العهد العثماني وما قيده بشأن علاقات العلماء والفقهاء بعضهم ببعض من جهة وعلاقاتهم بالسلطة الحاكمة من جهة أخرى. وقد نشر ديفوكس بعض النصوص منه مترجمة إلى الفرنسية في (المجلة الإفريقية) أولا ثم جمع مقالاته ونشرها في كتابه (المؤسسات الدينية في مدينة الجزائر). ولكن ما قام به ديفوكس حول هذا الكتاب ما زال ناقصا لأنه لم يعرف بالمؤلف (ابن المفتي) ولا بكتابه ولم يهتم بالجزء السياسي والاقتصادي منه المتعلق بالباشوات والحياة الاجتماعية. فظلت الصورة التي نعرفها عن ابن المفتي وكتابه غامضة وناقصة. ولسنا متأكدين أن
стр. 878
غونزاليز قد عاد إلى عمل ابن المفتي في رسالته المسماة (مشاهير مسلمي مدينة الجزائر). ثم إنه إذا صح أنه رجع إليه فإنه لم يأخذ منه سوى قائمة جافة من أسماء الباشوات الذين تولوا الحكم في الجزائر وبعض مشاهير العلماء على عهدهم مع ذكر وظائفهم ووفياتهم. ومن جهة أخرى فهو لم يشر أصلا إلى ابن المفتي في مصادره كما ذكرنا، رغم أنه أشار إلى غيره كابن حمادوش.
أما ديلفان الذي نشر عمله في (المجلة الآسيوية) فقد عرف قليلا بابن المفتي وكتابه من خلال ما كتبه ابن المفتي نفسه عن أسرته وحالته وتأليفه. كما أشار ديلفان إلى كيف حصل على نسخة من تأليف ابن المفتي التي لا تضم، حسب رأيه سوى الجزء الخاص بالباشوات، وهي من نسخ أحد النساخ الذين وظفتهم فرنسا في بداية عهدها بحكم الجزائر، وليست هي النسخة التي كتبها ابن المفتي على كل حال. وبذلك كانت نسخة ديلفان خالية من الجزء المتعلق بالعلماء والحياة الدينية. وأما نور الدين عبد القادر فقد عوض ما فقده عمل ديلفان حين حصل على نسخة غير جيدة من كتاب ابن المفتي تضم حياة المفتين والعلماء. وبينما وجدنا ديلفان يشيد بخط وأسلوب النسخة التي حصل عليها، وجدنا نور الدين عبد القادر ينتقد خط وأسلوب النسخة التي اطلع عليها، ومن سوء الحظ أن نور الدين بدل أن يقدم لنا النسخة كما هي حتى نشاركه في التعرف على أسلوب المؤلف، عمد إلى صياغته فاعلا، كما قال، ما فعل الشيخ الدردير مع مختصر الشيخ خليل.
وهكذا يتضح أن كتاب ابن المفتي، رغم أهميته في نظر كل الذين رأوه وأخذوا عنه، لم يقدم كله كعمل موحد ولم يدرس دراسة تاريخية منهجية تبين محاسنه وعيوبه وتضعه في مكانه من بين الأعمال التاريخية التي نحن بصددها. ولم نحصل نحن على نسخة جديدة من هذا العمل، ولكننا سنحاول أن نجمع المعلومات المتفرقة التي قيلت عن ابن المفتي وكتابه وندرسها ونخرج منها بنتيجة.
стр. 879
ولد ابن المفتي (وهو الاسم الذي اختاره لنفسه) في مدينة الجزائر بتاريخ لا نعرفه بالضبط من عائلة كانت متصلة بالحكم اتصالا مباشرا. فهو من الكراغلة المنحدرين من نسل عثماني وجزائري. فإذا عرفنا أنه أنهى كتابه بذكر تولية المفتي المالكي الحاج أحمد الزروق بن محي الدين بن عبد اللطيف سنة ١١٦٦ وأنه لم يكتب كتابه إلا بدافع الكبر والحزن أمكننا أن نتصوره قد ولد أواخر القرن الحادي عشر، وليكن ذلك حوالي سنة ١٠٩٥ (١). ومن جهة أخرى فإن والده، المفتي حسين بن رجب شاوش بن محمد، قد ولد أيضا بالجزائر. وتولى الفتوى سنة ١١٠٢، وعمره ثلاثون سنة، ومعنى هذا أنه قد ولد سنة ١٠٧٢. وبذلك يكون قد أنجب ابنه (المؤلف) وهو في حوالي الثالثة والعشرين من عمره. وقد توفي المفتي حسين بن رجب شاوش في مدينة الجزائر ودفن بها. والعجيب أنه بالرغم من حرص ابن المفتي على ذكر التواريخ فإنه لم يذكر متى ولد وتوفي والده ولا متى ولد هو.
أما جده، رجب بن محمد، فقد ولد في قارة حصار، بالقرب من أزمير في آسيا الصغرى. وجاء إلى الجزائر مع أخيه الأكبر، ضمن الشبان المغامرين الذين كانوا يلتحقون بالجيش العثماني في الجزائر، وكثير من هؤلاء الشبان المغامرين كانوا يصلون إلى مراتب عالية في الدولة إذا كانوا يتمتعون بالذكاء والتعرف على طرق الصعود، ويمكننا أن نشير في هذا الصدد إلى صعود نجم محمد بكداش باشا وصالح باي. ولم يصل رجب بن محمد إلى تولي الولاية ولكنه وصل إلى مرتبة قد تفوقها من بعض النواحي. فقد أصبح قرصانا أو بحارا يعمل على سفينتين تملكهما زهرة باي، أرثا عن أبيها وزوجها. ثم أصبح (شاوش) العسكر، وهي وظيفة سامية، تسمح لصاحبها بالتعرف على أسرار الدولة والتدخل في التولية والعزل والتأثير على الولاة أنفسهم، ثم
стр. 880
أصبح بولكباشيا أو عسكريا متقاعدا. وظل كذلك إلى أن توفي بحصر البول ودفن في باب الواد. وقد أنجب رجب بن محمد، الذي أصبح يدعى بعد الوظيفة رجب شاوش، ابنه حسينا حوالي سنة ١٠٧٢ كما أسلفنا. ولعل زوجه كانت من الجزائريات وبذلك تكون جدة المؤلف جزائرية، ولكن هذا أمر غير واضح. وكان رجب شاوش الذي عرف الدولة وأسرارها قد حرص على أن ينشأ ابنه حسين نشأة علمية وأن يهيئه لتولي وظيفة سامية أرقى معنويا من وظيفته هو، وهي الفتوى الحنفية، وكذلك كان الأمر.
وتحدث ابن المفتي عن والده، حسين بن رجب شاوش، فقال إنه تولى الفتوى سنة ١١٠٢ عن ثلاثين سنة، كما أشرنا. ووصفه أوصافا جليلة تليق بمقام الوالد وبمقام المفتي أيضا. فقد أخبر عنه أنه أول كرغلي تولى الفتوى الحنفية في الجزائر، بينما كانت من قبل في أيدي علماء الحنفية الموفدين من إسطانبول. وكان معاصر والده في الفتوى المالكية هو أحمد بن سعيد قدورة. وكلاهما، في نظر ابن المفتي، قد ملأ مكانه كما يجب، وقد مدح والده بأنه زان وظيفته فكان خطيبا ماهرا ومفتيا وقورا. وكانت الأسئلة ترد عليه من مختلف الناس، ولا سيما في الخريف عندما تكثر الخصومات بينهم على أراضي الفلاحة. وأهم من ذلك أن الباشوات كانوا يجلونه، بل كانوا يقفون له ويقبلون يده احتراما. وكان يفضل المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، حتى أن شؤونه الخاصة كانت مهملة. ونحن قد نفهم من ذلك أن المفتي حسين بن رجب كان مهملا لولده - المؤلف - أيضا ما دام يقضي أوقاته في خدمة الآخرين. ودام حسين بن رجب شاوش على تلك الحال ثماني سنوات أو اثني عشر سنة (١)، إلى أن تولى الباشوية عطشى
стр. 881
مصطفى (١) فعزل والد ابن المفتي وعين بدله محمد النيار. ومن المفهوم أن ابن المفتي كان قاسيا جدا على محمد النيار. فقد اتهمه بأنه أهان وظيفة الفتوى وأنه كان هو الذي يقف للباشا وينحني لتقبيل يده مرارا وأنه هو الذي سن هذه السنة السيئة التي بقيت منذئذ، كما اتهمه بالجهل ورقة الدين.
في هذا الجو نشأ ابن المفتي، وتعلم العلم المعروف في عصره، كما تعلم السياسة والمؤامرات التي كان يديرها الجنود والعلماء للوصول إلى الحكم والجاه. ولا شك أن من أساتذته في ذلك والده نفسه. فهو بحكم وظيفة الفتوى كان عليه أن يكون مدرسا في الجامع الجديد كما عرفنا. وقد ذكر ابن المفتي بعض تلاميذ والده الذين تولوا الفتوى أيضا، ومنهم محمد بن الماستجي الذي تولاها وعمره أقل من ثلاثين سنة. وهناك عدد من الشيوخ الذين تلقى ابن المفتي عليهم العلم أيضا، بالإضافة إلى والده. وقد ذكر هو منهم ثلاثة كانوا جميعا من أبرز العلماء في وقتهم، وتولوا جميعا وظائف عالية، وهم: محمد بن نيكرو وعمار المستغانمي، وكلاهما تولى الفتوى، ومصطفى العنابي الذي تولى القضاء. وتربى ابن المفتى مع جيل من العلماء أيضا. فحين ذكر المفتى الحاج أحمد الزروق بن عبد اللطيف، وهو آخر من ذكره في كتابه، كما أشرنا، قال عنه إنه كان شريكه في مجلس درس عمار المستغانمي ومحمد بن نيكرو. ويفهم من سياق ابن المفتي أن والده لم يهيئه لتولي الفتوى بعده. كما يفهم أيضا أنه لم يتول وظائف عالية شأن زملائه وأساتذته. ولكن هذه قضية ما تزال غامضة.
ومهما كان الأمر فإن ابن المفتي كان على ثقافة عملية. فبالإضافة إلى مكانته داخل المجتمع والسياسة كان شديد الملاحظة لما يجري حوله. فقد أخبر أنه حضر جلسة الديوان عندما كان والده متقلدا للفتوى وشاهد كيف يقوم الباشا إجلالا لوالده ويقبل يده. وذكر أنه ذهب إلى آسيا الصغرى
стр. 882
وغيرها حين قال إنه زار سنة ١١٢٨ قارة حصار، مسقط رأس جده، كما أخبر عن نفسه أنه زار قبر حسين ميزو مورتو في جزيرة شيو (١). ولا ندري أين حملته رجلاه أيضا، فلعله قد زار إسطانبول وسورية (التي قال إن الجزائر تقارن بها في الثروة) كما قد يكون حج وزار مصر وغيرها. ولكنه لا يذكر هو نفسه سوى مسقط رأس جده وقبر الباشا ميزو مورتو في شيو.
إن هذه الخلفية عن حياة وأسرة ابن المفتي تعطى فكرة عن عمله أيضا. فهو كرجل من رجال الدولة والعلم جدير بأن يكون نافذ الملاحظة وثيق المصدر. وقد اعتمد في تأليفه على مصادر عديدة منها المكتوب ومنها الشفوي ومنها التجربة الشخصية. فأسرته كانت عريقة في خدمة الدولة، كما لاحظنا، ولا شك أنه كان يملك الوثائق الرسمية النادرة التي كانت لجده ووالده. وكان له شيوخ بارزون وأصدقاء في مقام عال في المجتمع والحكم. ومن مصادره جدته لأمه التي كانت تخبره ببعض حوادث القرن السابق له (القرن الحادي عشر)، بالإضافة إلى ما عاشه هو من أحداث وما شاهده من أمور وسجله من ملاحظات. ونفهم من مقدمة كتابه أنه عاش حتى كبرت سنه ونضجت تجربته. كما نفهم منها أنه قد فقد أسرته وأطفاله وبقي وحيدا يعاني الوحدة والحزن والكبر. وهذا أقسى ما يصيب الإنسان في آخر عمره.
فقد ذكر أن الوحدة والحزن والكبر وفقد الأولاد هي التي دفعته إلى تقييد ما قيد. ولم يكن دافعه الشهرة أو التشهير بأحد، بل ولم يكن التأليف العلمي من هوايته، وإنما أراد التسلي والتأسي، والاشتغال بشيء ينسيه، مؤقتا على الأقل، بعض حزنه وشعوره بالوحدة، فكان هذا الشيء هو العمل الذي نحن بصدده والذي تناوله الكتاب المذكورون بطريقة مبعثرة كما لاحظنا. والغريب أيضا أن ابن المفتي الذي أخفى اسمه، تواضعا أو لسبب آخر لا نعلمه، لم يجعل عنوانا لما قام به أيضا. ولعل أقرب إلى الصواب
стр. 883
تسمية عمله (تقييدات)، لأنها في الواقع كذلك. فهو لم يقم بتأليف تقليدي فيه المقدمة والأبواب والفصول والخاتمة. كما أنه لم يكتب جريدة أو مذكرات، كما فعل ابن حمادوش، وإنما سجل ما ظهر له وما تذكره من أمور تتعلق بالحكام والعلماء والمجتمع والعلاقات الخارجية والحياة الاقتصادية والثقافية وهو في مركز هام مثل مدينة الجزائر عاصمة أكبر دولة عندئذ في المغرب العربي.
ومما نشر حتى الآن عن ابن المفتي نفهم أن تقييداته قد قسمت إلى ثلاثة أقسام: مقدمة، وقسم العلماء والمجتمع، وقسم الباشوات والحياة السياسية والاقتصادية. وفي خطبة الكتاب أو المقدمة تحدث عن دوافع التأليف وحالته النفسية والعائلية وصلته هو بالكتابة. وقال على سبيل التواضع انه غير مؤهل لمثل هذا العمل وإنه ليس أفضل من يكتبه. ومع ذلك أقدم عليه لأنه لم يجد ما يفعله غير الكتابة. كما أنه ذكر الأشياء التي أوردناها عن والده وجده وزيارة مسقط رأس جده وغير ذلك من الأمور المتصلة بالعائلة. ولا ندري أي القسمين ورد الأول: قسم العلماء أو قسم الباشوات (١). ذلك أن ديفوكس ونور الدين عبد القادر اللذين استفادا من القسم الأول لم يوضحا هذه النقطة. ويبدو أن كلا منهما قد اطلع على قسم العلماء مستقلا تماما عن بقية الكتاب. ونحن نرجح، رغم أن الدليل يعوزنا، أن ابن المفتي قد انتقل، بعد الخطبة، إلى الحديث عن قسم العلماء لأن ذلك متصل بحياة والده الذي كان منهم، ثم جاء بقسم الباشوات باعتباره قسما ثالثا في الكتاب. ولا ندري أيضا ما إذا كان للكتاب خاتمة.
وما دام الكتاب لم يعثر عليه كله بين دفتين فمن الصعب وصف حجمه وأسلوب صاحبه وطريقة بدايته ونهايته، فقد أخبر ديلفان أن النسخة التي عثر عليها معروضة للبيع ضمن أوراق ديفوكس، تحتوي على تسع ورقات
стр. 884
وعنوانها (تاريخ الباشوات الذين حكموا جزائر الغرب) (١)، ويفهم من هذا أن هذه النسخة تضم قسما فقط من تقييدات ابن المفتي، ولم يخبر ديفوكس، الذي كان أول المستفيدين من التقييدات، عن حجم الكتاب، كما أن نور الدين عبد القادر لم يصف حجم النسخة التي قال إنه قد عثر عليها عند أحد الأصدقاء، ونتصور أن كل التقييدات (بما فيها الخطبة وقسم العلماء وقسم الباشوات) لا تتجاوز خمسين ورقة (٢).
أما الخط فالظاهر أنه لا أحد من الباحثين المذكورين قد عثر على نسخة ابن المفتي الأصلية. فنسخة ديفوكس لا نعرف عن خطها شيئا لأنه لم يصفها. ونسخة ديلفان قال عنها ان خطها شرقي جميل كتبها أحد النساخين الذين دخلوا في خدمة الفرنسيين بعد الاحتلال، وقد أخبر نور الدين عبد القادر أن نسخته رديئة الخط لا تكاد تقرأ وأن فيها بعض البياض، وأنها مليئة بالأخطاء الفاحشة. أما الأسلوب فنور الدين يرى أن تعبير النسخة التي حصل عليها (في غاية البساطة والسذاجة، يستعمل كثيرا من عبارات اللغة الدارجة)، وكان المؤلف يستعمل أيضا بعض العبارات التركية، بينما ذكر ديلفان أن نسخته حسنة الأسلوب واضحة، فهل يمكن لابن المفتي، الذي تتلمذ على شيوخ جلة ذكرنا بعضهم، أن يكتب بأسلوب (في غاية البساطة
стр. 885
والسذاجة) كما يقول نور الدين؟ ويبدو ذلك بعيدا الآن، اللهم إلا إذا قلنا ان ابن المفتي لم يكن من صنف المثقفين أصلا.
وقد أخبر ابن المفتي في البداية بأن علم التاريخ عبادة ومنة جزيلة، وأن معرفة أخبار العلماء منقبة جليلة. ومن رأيه أن الجزائريين لم يهتموا بعلم التاريخ وأخبار العلماء، وأن ما كتبه الكتاب في ذلك غير مدروس ولا معروف. وهذه حقيقة، لأن أبا راس والورتلاني وغيرهما قد ذهبوا نفس المذهب، وعلى هذا الأساس أراد ابن المفتي أن يملأ هذا الفراغ، فكتب عن الحياة السياسية في قسم الباشوات، وتحدث عن مدينة الجزائر وسكانها ونظامها السياسي ووسائل عيش السكان، والكوارث الطبيعية التي أصابتها وعلاقة سكانها بالأتراك والإسبان، ونظام الأمناء والمؤسسات الدينية، وأما الباشوات فقد ذكر منهم ٥٤ باشا من إسحاق سنة ٩٢١ هـ إلى إبراهيم خوجة سنة ١١٥٨ (١)، ولم يذكر الباشا إلا مرة واحدة رغم أن بعضهم قد حكم عدة مرات، ووصف ما وقع في عهد كل واحد من ثورات داخلية وحروب خارجية وقضية الكراغلة التي أفاض فيها (وهو منهم)، وما قام به كل منهم من أعمال خيرية واجتماعية، وعلاقة الباشوات بالسلطان، وتقاليد التولية والعزل والصراع الذي يصحب ذلك، وذكر أن السكان كانوا ضحية شره الولاة وأن هؤلاء كانوا أحيانا يفرضون ضرائب على العلماء والأعيان، ومدح حكم الحاج علي آغا الذي قال عنه ان الناس فيه قد اقتنوا كل ثمين وبنوا المنازل الفخمة وركبوا الخيول والبغال الفارهة وأنشأوا الحدائق الجميلة وتوفر عندهم الذهب والفضة وعم الرخاء، وكان رخاء الجزائر مضرب المثل حتى أصبحت تقارن بسورية، كما وصف ما أصاب الجزائر من أزمات اقتصادية نتيجة هجوم الأجانب والزلازل والطاعون.
أما في قسم العلماء والأعيان فقد أفاض في الحديث عنهم وعن
стр. 886
أخلاقهم ووظائفهم، وقد ذكر أصل وظيفة الفتوى عموما، وفتوى الحنفية خصوصا، وذكر قائمة المفتين المالكية والحنفية، وفصل القول في بعضهم مثل عائلة قدورة (سعيد، ومحمد، وأحمد، وصهرهم عبد الرحمن المرتضى الخ)، وأوضح ما بين هؤلاء العلماء من تحاسد وصراع على الوظيفة، وما هناك من مؤامرات يسندها إلى بعض أساتذته وكبار المتصلين بهم، ولكنه كان ينصف المظلوم في أحكامه ويظهر الحقيقة الخفية، وهو الذي ذكر الخلاف الشديد الذي وقع بين محمد بن ميمون وابن علي ومحمد بن سيدي هدى ضد ابن نيكرو، وكيف تجادل المفتي الحنفي والمفتي المالكي في عهده حتى انتهى الأمر إلى تدخل الباشا وعزل المفتي الثاني، ووصف من كان في مستوى المسؤولية المسندة إليه ومن كان دونها، وكان كثير النقد شديد الملاحظة، معتمدا على مصادر قلما يحصل عليها غيره، بل كان يتدخل أحيانا في الحياة الخاصة للعلماء ليقدم صورة واضحة عنهم، فقد ذكر أن أستاذه محمد بن نيكرو كان يعاني من زوجه التي لم تكن أم أولاده ومن ابنه الأكبر، كما ذكر أن أستاذه عمار المستغانمي كان خطيبا عييا وأنه كان يعاني من زوجه التي كانت تكثر من الضيفان حتى افتقر ولم يعد يملك سوى القميص الذي يلبسه وكثرت عليه الديون.
كل الذين اطلعوا على تقييدات ابن المفتي حكموا بأن صاحبها قد قام بعمل هام لم يسبق إليه. فهو أولا كان رجلا واعيا مسؤولا عما يقول، وكان، كما يقول ديلفان، مستقل الفكر لا يقبل أي معلومات بدون مناقشة، وكان يرد الحكايات والخرافات غير المقبولة، بل كان يحاول أن يرد الإنسان المتهم ظلما إلى مكانه الحقيقي، وأخبر ديفوكس أن ابن المفتي كان في عمله مخلصا وجادا وأنه جمع معلومات هامة عن العصر وأهله لا تتوفر في غير كتابه، وأنها معلومات لا يمكن أن تكون مختلقة، ولذلك اعتمد عليه في وصف المفتين رغم أنه عادة لا يثق فيما كتبه الجزائريون، أما نور الدين فقد أعجب بالفوائد الجمة التي يجنيها قارئ كتابه لتفاصيلها عن حياة العلماء والأعيان خصوصا.
والواقع أن ابن المفتي، الذي لا نعرف حتى الآن اسمه الحقيقي، قد
стр. 887
كتب عملا جديرا بالتقدير، وهو لم يكن يكتب كتابا بالمعنى التقليدي للكلمة ولكنه كان يقيد ملاحظات وآراء وتأملات، فإذا بها تصبح بالنسبة إلينا اليوم مصدرا قويا عن عصره وأهله، ولكن قيمة عمله تظل مرهونة بقيمة عمل الآخرين. ذلك أن الكتابة عن النواحي التي عالجها تكاد تكون مفقودة، والذين كتبوا، أمثال ابن ميمون وابن سحنون، كانوا مادحين لا ملاحظين، ولعل أقرب إلى عمل ابن المفتي في القيمة هي مذكرات ابن حمادوش أو رحلته، فقد وجدنا هناك تشابها كبيرا بين الرجلين والطريقتين، فكلاهما كان خارج مراكز القوة في الدولة، وكلاهما كان شديد الملاحظة، وكلاهما تحدث عن الباشوات والعلماء، حقا إن قائمة ابن حمادوش في ذلك قليلة التعاليق، خلافا لابن المفتي، كما أن ملاحظات هذا على العلماء أعمق وأكثر دقة وتنظيما، ولكن رحلة ابن حمادوش تحتوي أيضا، كما بينا في دراستنا عنه (١)، على أمور هامة، تزيد في الواقع من قيمة عمل ابن المفتي، فعسى أن يعثر الباحثون على كتابه كاملا وفي نسخته الأصلية (٢).
أبو راس الناصر
لا يمكن أن نكتب فصلا عن التاريخ والتراجم في الجزائر خلال العهد العثماني دون الترجمة لأبي راس الناصر، فقد كان على رأس المؤرخين إنتاجا وإدراكا لأبعاد الدراسة التاريخية، وكنا قد نشرنا عنه، سنة ١٩٧٤، بحثا قارنا فيه حياته وأعماله بحياة وأعمال عبد الرحمن الجبرتي المصري المعاصر له، ثم اننا قد أشرنا إليه في عدة مناسبات من كتابنا هذا، ولذلك
стр. 888
ستكون ترجمتنا له هنا ملخصة ومختصرة لأنه يمكن الرجوع إلى دراستنا المطولة المذكورة عنه (١).
ولد أبو راس سنة ١١٦٥ وتوفي سنة ١٢٣٨، ومعنى ذلك أنه قد عاصر أحداثا هامة في حياة بلاده وفي حياة العالم الإسلامي قاطبة، ومن ذلك حملة أوريلي وحملة اللورد اكسموث الأوروبيين على الجزائر، وفتح وهران الثاني، وثورة درقاوة ضد العثمانيين، أما بالنسبة للعالم الإسلامي فلنذكر ظهور الدعوة الوهابية والحملة الفرنسية على مصر وصعود محمد علي، وبداية الإصلاح في الدولة العثمانية، وقد أثرت هذه الأحداث وغيرها على مزاجه وأحكامه.
واسمه الكامل هو محمد بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن أحمد بن الناصر الجليلي (٢)، وبعض المؤلفين يقول (الناصري) بالنسبة رغم أن سلسلة نسبه التي كان حريصا عليها تذكره (الناصر) فقط بدون نسبة، وقد ولد في بيئة فقيرة جدا، نواحي جبل كرسوط (بالغرب الجزائري)، ورغم أن الحظ قد ابتسم له عدة مرات على يد بعض البايات، فإنه قد ظل حليف الفقر طول سنواته التسعين، ورحل به والده إلى نواحي متيجة قرب مدينة الجزائر، حيث عرف عن كثب الحكم العثماني، وهناك فقد والدته، زولة وهو صغير، وهو يقول عنها إنها كانت كرابعة العدوية علما وورعا. ثم انتقل به والده إلى نواحي مجاجة حيث كان الوالد يعلم القرآن للصبيان وحيث تزوج أيضا فرأى محمد أبو راس الصغير امرأة أخرى في البيت غير والدته، ولعله قد نفر من
стр. 889
ذلك وتعلم من والده القسوة، ولكن هذا الوالد سرعان ما توفي أيضا فأصاب أبا راس اليتم والفقر.
ولا ندري لماذا توجه عبد القادر، الأخ الأكبر لأبي راس، إلى المغرب، ولكن الظاهر أنه كان يبحث عن عمل، ومهما كان الأمر فقد كفل عبد القادر أخاه أبا راس وأخذه معه إلى المغرب، وهناك حفظ القرآن وشب، وعاد إلى معسكر بالفقر أيضا وبشيء من العلم، فوجد عالما قد طبقت شهرته آفاق الناحية، وهو عبد القادر المشرفي، الذي اشتهر بالإضافة إلى العلم التقليدي، بالأخبار والتاريخ. فتتلمذ عليه أبو راس وتأثر به كثيرا، ولازمه مدة، وكان أبو راس هو الذي يغسل ثياب الشيخ ويكويها كما يقول عن نفسه، ثم أحس أبو راس بشيء من الاستقلال العلمي فخرج إلى الريف وتزوج وبدأ ينشر علمه الذي حصل عليه، كما تولى القضاء، وقد دام على هذه الحال سنتين فقط، ثم عاد إلى معسكر لأنه أحس بمعلوماته تضعف في الريف، فاستقر بمعسكر ستا وثلاثين سنة. ففيها بلغت شهرته أقصاها وفيها انتصب للتدريس والفتوى وعرف بالحفظ والصوت الجهوري، وكان مجلسه العلمي كبيرا حتى بلغ، كما قيل، سبعمائة وثمانين مستمعا أحيانا. وكان شيخه عبد القادر المشرفي هو الذي رشحه ليكون خليفة له في التدريس.
وبالإضافة إلى المشرفي الذي كان له المربي والموجه والمشجع على شق حياته، درس أبو راس على مشائخ آخرين كثيرين ذكرهم في ثبته ورحلته، تتلمذ على بعضهم وهو في معسكر والمغرب ومدينة الجزائر وقسنطينة وتونس، وعلى آخرين حين توجه إلى الحج مرتين، في مصر والحرمين، ولا نريد هنا أن نثقل على القارئ بذكرهم، وحسبنا أن نحيل إلى دراستنا عنه المشار إليها وإلى رحلته المسماة (فتح الإله)، ولنذكر هنا من مشائخه أحمد بن عمار مفتي مدينة الجزائر الذي تأثر به، ومحمد مرتضى الزبيدي الذي خصه بكتاب سماه (السيف المنتضى فيما رويته بأسانيد الشيخ مرتضى)، وقد أخرج أبو راس عددا كبيرا من التلاميذ من أبرزهم أبو حامد المشرفي صاحب التآليف العديدة في التاريخ والأدب والرحلات.
стр. 890
كانت ثقافة أبي راس ثقافة عامة غير مركزة وثقافة محلية، وكانت تقوم على المجهود الشخصي أكثر من أي وسيلة أخرى، يعززها ذكاء حاد وذاكرة قوية وطموح بعيد المدى، وكان أبو راس معتدا بنفسه فخورا بما أنجز من تآليف وما جلب إليه من جمهور في الدرس وما يحفظه من الأسانيد والأخبار. فهو لا يراجع الدروس، ولا يبالي بقواعد النحو، وقد فاق جميع المؤلفين كثرة ما عدا السيوطي، وقد قيل في وصفه بأنه كان متوسط القامة، نحيف الجسم، أبيض البشرة، خفيف اللحية، صغير العينين، طويل الأنف نحيفه، كبير الرأس، ولعل كنيته (أبو راس) قد لصقت به لذلك.
تنقل أبو راس كثيرا بالنسبة لمعظم علماء عصره، ولعله كان يتردد على مدينة الجزائر التي سكن قربها وهو صغير، فقد وصف لنا علماءها في رحلته وتتلمذه على بعضهم، كأحمد بن عمار في تاريخ لم يحدده، ومهما كان الأمر فقد زارها بالتأكيد سنة ١٢١٤ لأنه سجل ذلك في رحلته، كما وجدنا نفس التاريخ على تقريظ ابن الأمين له عندئذ، والغالب أنه قد زار مدينة الجزائر أيضا وقسنطينة أثناء حجته الأولى، سنة ١٢٠٤ والثانية سنة ١٢٢٦، وكذلك زار تونس ومصر والحرمين وسورية وغزة والقدس، كما زار المغرب طالبا للعلم في تاريخ لا نعرفه ثم زاره سنة ١٢١٦، وخصوصا مدينة فاس وتطوان، وتناقش مع العلماء وحضر مجلس السلطان هناك، وقد ألف في تطوان بعض كتبه وأهداه إلى السلطان سليمان، ولعله قد رجع إلى المغرب أيضا بعد ثورة الطريقة الدرقاوية المشار إليها، وسواء كان في المغرب أو في تونس أو المشرق فإن أبا راس كان يجادل العلماء ويناقشهم ويدعوه الحكام ويناقشونه، وقد سجل ذلك في رحلته، فهو كما قلنا كان معتدا بنفسه، وكان على صلة وطيدة ببايات الغرب الجزائري ولا سيما محمد الكبير الذي خصه أبو راس بالقصائد والتأليف. وبنى له بعضهم قبة سماها (قبة المذاهب الأربعة) لأن أبا راس كان يفتي بها، كما أن بعضهم قد بنى له مكتبة وقدم له كرسيا يجلس عليه عند الدرس لكثرة المزدحمين عليه، بالإضافة إلى النقود والحاجات الأخرى الضرورية لمعاشه، ولذلك نجد أبا راس يشيد في كتبه
стр. 891
بولاة آل عثمان وبدورهم الإسلامي، فهو حينئذ من المؤرخين الموالين للدولة العثمانية وولاتها في الجزائر.
كتب أبو راس أكثر من غيره من الكتاب الجزائريين، ورغم أنه ألف تقريبا في كل فرع من العلوم المعروفة في وقته فإن أغلب كتبه في التاريخ والأنساب والأخبار، وقد ذكر هو نفسه في رحلته ثلاثة وستين كتابا بين صغير وكبير وقسمها إلى ثلاثة عشر قسما مبتدئا بالقرآن ومنتهيا بالشعر، ونسب إليه بعضهم ١٣٧ كتابا (١)، ومن كتبه التي لم يذكرها في رحلته عشرون كتابا معظمها في التاريخ والأنساب أيضا، وكثير من هذه الكتب قد ضاع، وتمكنا من الاطلاع على عدد منها ما يزال مخطوطا مثل رحلته (فتح الإله ومنته في التحدث بفضل ربي ونعمته) التي رأينا منها نسختين في المغرب، و (الشقائق النعمانية في شرح الروضة السلوانية) في مصر، و (عجائب الأسفار) في الجزائر وباريس، و (الدرة الأنيقة)، و (إسماع الأصم) و (الحلل السندسية) وغيرها، ومن الغريب أن بعض مؤلفات أبي راس قد ترجمت ونشرت بالفرنسية بينما لم تنشر إلى الآن كتبه بالعربية (٢)، ومن الكتب المنسوبة لأبي راس والتي لم نطلع عليها كتاب في أخبار ملوك الترك والروم، وآخر في ملوك فرنسا، وآخر في أنساب الجن الخ.
وفي دراستنا المذكورة عنه حللنا كتابيه (عجائب الأسفار ولطائف الأخبار) و (الحلل السندسية)، وقد بينا أيضا هناك طريقة المؤلف في الكتابة
стр. 892
ورأيه في التاريخ والمؤرخين، ومواقفه من العصر وأهله، فلا نريد أن نعود إلى ذلك هنا، وحسبنا الإشارة في آخر هذه الترجمة القصيرة له أن نذكر أن أبا راس انتقد علماء الوهابية الذين لقيهم بمكة سنة ١٢٢٦، ومن جهة أخرى كان يحن لعودة الأندلس إلى أحضان الأمة الإسلامية، واعتبر فتح وهران بداية لتحقيق تلك الغاية، ولعل ذلك الفتح هو الذي حمله على أن ينظر إلى آل عثمان على أنهم ما يزالون يواصلون رسالتهم التي جاؤوا إلى شمال إفريقية من أجلها أوائل القرن العاشر (١٦ م)، ولا ندري ما إذا كان أبو راس قد غير رأيه فيهم بعد ثورة الطريقة الدرقاوية وبعد ما شاهد الولاة العثمانيين ينقلبون على العلماء أمثاله، ثم إن حديثه عن نابليون وعن الفرنسيين وعن الإنكليز والهولانديين يدل على أنه كان يعيش بعض أحداث العصر، ولا سيما ما تركته الثورة الفرنسية من آثار على أوروبا والعالم الإسلامي حتى إلى ذلك الحين (١)، وهكذا يتضح أن مساهمة أبي راس في تاريخ الجزائر والتاريخ العام مساهمة عظيمة وأن آثاره جديرة بالدرس والنشر وأن شخصيته تحتاج إلى إظهار واعتبار يليقان به (٢).
الرحلات
أسهم الجزائريون مساهمة واضحة في كتابة الرحلات ولا سيما خلال القرن الثاني عشر (١٨ م)، وكانت بعض رحلاتهم نتيجة للحج، وبذلك تكون رحلات حجازية، وبعضها نتيجة لطلب العلم وبذلك تكون رحلات علمية، ولكن الجزائريين، بالقياس إلى كتاب الرحلات المغاربة، كانوا قليلي
стр. 893
الإنتاج. ولعل ذلك راجع إلى أن عددا من العلماء الذين توزعوا في العالم الإسلامي لم يعودوا إلى الجزائر ليكتبوا ملاحظاتهم إلى مواطنيهم، فلو رجع عيسى الثعالبي ويحيى الشاوي وأحمد المقري وأحمد بن عمار وأضرابهم لكتبوا رحلاتهم، ولكنهم لم يفعلوا، ومن جهة أخرى نود أن نلاحظ أن بعض هذه الرحلات كان مختصرا وبعضها مطولا، كما أن بعضها قد كتب شعرا فصيحا أو ملحونا وبعضها قد كتب نثرا مسجوعا أو مرسلا، على أن بعض الرحلات لا نعرف إلا أسماءها وبعضها لم يصل إلينا منها إلا القليل، غير أن بعضها وصل إلينا كاملا.
ومن الملاحظ أن كتب الجغرافية المحضة لا تكاد توجد عندنا، باستثناء رحلة ابن الدين وبعض إشارات الورتلاني وابن حمادوش، ويبدو أن الجزائريين لم يحفلوا كثيرا بالرحلات حتى خلال العهد السابق للعثمانيين، ومن أقدم الرحلات التي تنسب إلى ذلك العهد (رحلة التوجيبي) التلمساني التي قال عنها عبد الحي الكتاني إنها في عدة مجلدات وأنه قد اطلع عليها بتونس واعتبر الكتاني مؤلفها (مفخرة تلمسان) (١)، كما أن أحمد المقري قد ساق في (أزهار الرياض) رحلة لجده محمد المقري التلمساني أستاذ ابن خلدون (٢)، وتنسب إلى أحمد القسنطيني المعروف بابن القنفذ رحلة تعتبر في حكم الضائعة، ولعلها موجودة في تونس (٣).
أما الرحلات خلال العهد العثماني فمن الممكن تقسيمها إلى علمية وحجازية، ولنبدأ بالعلمية، والمقصود بها تلك الرحلات التي قام بها
стр. 894
أصحابها بغرض طلب العلم والزيارة والاطلاع على البلدان عموما والأخذ عن علمائها وممارسة التجارة فيها أحيانا، ومن أقدم من فعل ذلك عاشور بن موسى القسنطيني المعروف بالفكيرين (بضم الفاء وفتح الكاف - وهو لقب والده)، فقد نشأ في قسنطينة وأخذ العلم عن والده وغيره، ولاحظ عنه عبد الكريم الفكون أنه كان ذكيا، وتوفي والده سنة ١٠٥٤، فشد الرحال لطلب العلم في عدة بلدان وطالت غيبته عن بلاده نحو العشرين سنة، وهي مدة طويلة بالطبع، سمحت له بالاطلاع والملاحظة وحذق لهجات ومعرفة قبائل وشعوب وبلدان، ومن هذه البلدان التي قصدها تلمسان التي لقي فيها سنة ١٠٥٥ محمد بن سليمان مؤلف (كعبة الطائفين)، وكذلك زار المغرب الأقصى، ثم (جال في ملك الله إلى أن توغل في أرض السودان ولقى بها أجلة من علماء)، وعندما رجع إلى بلاده (أخبر بغرائب ما شاهد وعجائب ما رأى وما أخذ عن أولئك العلماء وأرباب الأسرار، وحصل منهم فن القراءات وجانبا عظيما من (فن) الأدب)، وبعد أن مكث بقسنطينة فترة لا نعرفها بالضبط ارتحل عنها من جديد (لظلمة أصابته منها) فذهب إلى تونس واستقر بها مدة وانتصب للتدريس بالزيتونة، وقد كان يحكي لتلاميذه غرائب ما رأى (من غريب البلاد وأهلها ويذكر عجائب المسموعات من زي أهلها لباسا وحكما وفوتا ويصف أنواع القوت)، وكان عاشور بن موسى (يكثر الحكايات واستحضار قطع الشعر). ومن تونس توجه بأهله إلى الحجاز لأداء فريضة الحج فأدركه الموت بعد سنة ١٠٧٤ (١).
هذه هي المعلومات التي استقيناها من هنا وهناك عن عاشور
стр. 895
القسنطيني، فهو أديب جم المعارف، وهو ذكي شديد الفطنة والحفظ، وهو رحالة دامت رحلته عشرين سنة، وهو مدرس بارع له تلاميذ ومعجبون، ومنهم تلميذه محمد الحجيج الأندلسي المتوفي سنة ١١٠٨، ومحمد بن سليمان مؤلف (كعبلا الطائفين) والعياشي صاحب الرحلة، ومحمد قويسم، وعبد العزيز الفراتي. وكان كريما يطعم من عنده حتى اشتهر ذلك عنه كما كان يرفض العطايا التي كانت ترد عليه، ووصفه من يعرفه بأنه كان حسن الحديث والمجالسة والخلق، ذلق اللسان، لا يتكلم إلا إذا أتى بشاهد من القرآن والحديث والشعر، واشتهر خاصة بعلم النحو والصرف، وأخبر عنه محمد بن سليمان أنه كان أيضا عالما بالفلك، ومع ذلك هاجر من بلاده مرتين: مرة حين قصد الرحلة لطلب العلم وغاب مدة طويلة، ومرة حين أصابته أذاية، فاختار تونس ثم الحجاز، ورغم هذه القدرة على الدرس والتأليف فإننا لا نعرف أن عاشور قد ترك رحلة مكتوبة، فهل كتب رحلته أو اكتفى بقصها شفويا على تلاميذه وغيرهم؟ ذلك ما لا نعلمه أيضا، فإذا كان قد كتبها فهي لم تصل إلينا، وإذا كان لم يكتبها فالغالب أنها قد أمليت على بعض التلاميذ الذين كانوا يعجبون بأخباره وغرائبه، ومهما كان الأمر فإن رحلة عاشور رحلة (مسموعة) وغير مقروءة حتى الآن، فهل يتمكن الباحثون من معرفة آثاره في مستقبل الأيام (١)؟.
ولكن الرحلة غير الحجازية المكتوبة هي رحلة عبد الرزاق بن حمادوش الذي عاش في القرن الثاني عشر، فهي رحلة قام بها المؤلف لطلب العلم والتجارة من مدينة الجزائر إلى تطوان ومكناس وفاس، ثم عاد إلى الجزائر من تطوان، وقد وصف ابن حمادوش الحياة العلمية وجوانب من الحياة السياسية والاقتصادية في المغرب الذي زاره مرتين على الأقل، مرة
стр. 896
سنة ١١٤٥ وأخرى سنة ١١٥٦، وسجل ملاحظاته وإجازاته وأحكامه في مذكراته أو رحلته التي تعرف أيضاب بـ (لسان المقال) (١)، ويجب التنبيه إلى أنه ليس كل الكتاب، الذي يحمل عبارة الجزء الثاني، خاصا بالمغرب، إذ فيه أخبار أيضا عن تونس والجزائر وغيرهما، ولكن جانب الرحلة منه يتعلق بالمغرب، ولعله قد سجل في الجزء الثاني أمورا أخرى عن المغرب لم نطلع عليها، ولا شك أن رحلة ابن حمادوش المغربية تعتبر مصدرا هاما عن المغرب في ذلك العهد لأهمية النصوص التي أوردها فيها ومشاهداته عيانا ما حدث من ثورات وتقاليد اجتماعية ونشاط العلماء ونحو ذلك.
ولم يكن ابن حمادوش هو وحده الذي رحل إلى المغرب الأقصى وسجل ملاحظاته عنه وأخباره، فقد كان العلماء الجزائريون كثيرا ما يذهبون إلى هناك للدرس والإقامة والتجارة ونحو ذلك من الأغراض، ولكن القليل منهم فقط هو الذي كتب عن ذلك في رحلة لمواطنيه وللتاريخ، ومن هؤلاء القلة محمد الزجاي الذي ذكرناه في هذا الكتاب عدة مرات، وكان معاصرا للباي محمد الكبير، ومن أبرز علماء تلمسان. فقد قيل عنه إنه صاحب (الرحلة الفاسية) (٢) التي لم نطلع عليها، كما أننا لم نعرف أن أحدا تحدث عنها أو وصفها، ويقال إن لعبد القادر المشرفي، أستاذ أبي راس، (رحلة) مخطوطة بزاوية الهامل بالجزائر، ولكننا لم نطلع عليها ولم نعرف عنها أكثر من ذلك (٣)، فقد تكون أيضا رحلة فاسية أو مغربية وقد تكون حجازية مشرقية.
стр. 897
ولعل آخر هذه الرحلات غير الحجازية هي رحلة الحاج ابن الدين الأغواطي إلى الصحراء، والواقع أن عمل ابن الدين هذا ما زال غامضا، ذلك أن معلوماته هامة، ولكننا ما زلنا في حاجة إلى معلومات إضافية عنه. فقد جمع بين الأخبار عن الصحراء وقراها وواحاتها وعاداتها وبين الحديث عن جزء من الجزيرة العربية وجربة وقابس وشنقيط ونحوها، ثم إنه ليس من الواضح أنه قد زار الأماكن التي وصفها، ولعله سمع عنها فقط باعتباره من سكان الأغواط إحدى مدن الصحراء التي تحدث عنها. حقا إنه قد حج، وهذا يؤهله للحديث عن الجزيرة العربية ولا سيما الحجاز وبعض أخبار تونس التي قد يكون مر بها، ولكن يكاد يكون من المؤكد أنه لم يزر الدرعية السعودية عندئذ، كما أنه من غير المؤكد أنه زار أيضا شنقيط وغدامس وغيرهما من المناطق النائية التي تحدث عنها.
فإذا أخذنا في الاعتبار هذه الملاحظات وجدنا أن رحلة ابن الدين الأغواطي على غاية من الأهمية. فهي مكتوبة سنة ١٢٤٢ رغم أن بعضهم قد ذكر أن هناك خطأ في هذا التاريخ، وأنه قد كتبها بطلب من قنصل أمريكا عندئذ بالجزائر، السيد وليام هودسون، وهي تقع في كراسة تحتوي على أربع عشرة صفحة، وكان القنصل قد طلب منه المزيد والتفصيل ولكن ابن الدين اكتفى بذلك القدر، ونحن نتصور أن ابن الدين قد كتب أكثر من ذلك لنفسه ولكنه لخص للقنصل ما رآه كافيا، وقد ترجم القنصل هذه الصفحات إلى الإنكليزية ونشرها (١). كما ترجمها السيد دافيزاك إلى الفرنسية عن النص الإنكليزي ونشرها أيضا مع تعاليق وتصحيحات هامة (٢)، وأهم المناطق التي ذكرها ابن الدين في رحلته: الأغواط، وتاقدامت، وعين ماضي، وجبل
стр. 898
عمور، ومتليلي، ووادي ميزاب، والقليعة (المنيعة) وورقلة، وتقرت، وتوات، وتميمون، وعين صالح، وشنقيط، وغدامس، والدرعية، وقابس، وجزيرة جربة، وقد استفاد الأوروبيون والأمريكيون، أثناء اهتمامهم بالصحراء ومحاولة اكتشافها، من هذه المعلومات التي كتبها الحاج ابن الدين عن قراها وعادات أهلها ومسالكها، وإذا كان ما نشر من هذه الرحلة حتى الآن مهما، فإن أهم منه هو العثور على الرحلة كاملة، إذا كان ابن الدين قد تابع الكتابة عن مغامراته واطلاعاته في المشرق والصحراء (١).
أما الرحلات الحجازية فهي أكثر وفرة نسبيا (٢)، وسنقسمها إلى قسمين شعرية ونثرية، وقبل الحديث عن القسمين نقول إن توجه الجزائريين إلى الحجاز كان عادة نتيجة توق روحي نحو الحرمين وزيارة البقاع التي وطئتها أقدام الرسول صلوات الله عليه وسلم وصحابته، فالحجاز في نظرهم ليس مجرد بقعة جغرافية تزار للسياحة والعلم ونحو ذلك، ولكنها كانت قطعة أرض طاهرة تضم تاريخ الوحي والدعوة والأمة الإسلامية، ولذلك فهم يسجلون عواطفهم المتأججة لرؤية الحجاز وأهله والتبرك بترابه وهوائه، والذي يقرأ مقدمة رحلة ابن عمار يدرك هذه الحقيقة. كما أن الرحلات الشعرية تشترك في ذلك إن لم تفق الرحلات النثرية في وصف الأحاسيس الدينية والروحية، ألم يقل عبد الله بن عمر البسكري في مطلع قصيدته:
دار الحبيب أحق أن تهواها ... وتحن من طرب إلى ذكراها
стр. 899
وعندما حل محمد بن عبد الكريم المغيلي بالحرم اهتزت نفسه ونطق بقصيد مؤثر افتتحه بقوله:
بشراك يا قلب هذا سيد الأمم ... وهذه حضرة المختار في الحرم
أما في العهد العثماني فقد كانت الموشحات والقصائد تسبق الزيارة الواقعية. ولكن روح الشعر عندهم قد حلت محلها براعة النثر، كما فعل ابن عمار والورتلاني.
والملاحظ أن الرحلات الشعرية معظمها من الغرب الجزائري. وكان بعضها مكتوبا بشعر فصيح وبعضها بشعر ملحون. ومما كتب بالفصيح قصيدة محمد بن محمد بن منصور العامري التلمساني التي فرغ منها سنة ١١٥٢ وهي قصيدة همزية متوسطة الجودة وصف فيها مراحل رحلته من تازة، حيث كان يقيم، إلى الحرمين الشريفين ثم منهما إلى الشام. والقصيدة تبدأ هكذا:
أزمع السير إن دهت أدواء ... لشفيع الأنام فهو الدواء (١)
كما نظم عبد الرحمن بن محمد بن الخروب المجاجي رحلته من مجاجة إلى مكة المكرمة في قصيدة مطولة فصيحة سنة ١٠٦٣ (٢). وهي تبدأ على النحو التالي:
نشق الفيافي فدفدا بعد فدفد ... جبالا وأوعارا وأرضا وطية
وقد أخبر المجاجي فيها أنه التقى بالشيخ علي الأجهوري بمصر، وزار في الإسكندرية قبر أبي العباس أحمد المرسي وقبر ابن الحاجب. ومن الذين حجوا معه أبو الحسن بن ناجي، صاحب الخنقة، الذي كانت له قرابة مع أمير ركب الحجاج الجزائريين. وأخبر أن ابن ناجي قد فارقهم عند بلدة ليانة ووصف مكانته في قومه ومكانة أمير الركب وأملاكه في الزيبان وعلاقته
стр. 900
بالسلطة (١). وفي القصيدة أخبار أخرى عن الجزائر وتونس ومصر وطرابلس.
ولنذكر من الشعر الملحون قصيدة محمد بن مسائب التلمساني في القرن الثاني عشر. فقد نظم قصيدة قص فيها رحلته من تلمسان إلى مكة المكرمة عبر مدن وقرى الجزائر من غربها إلى شرقها مارا بالطريق التقليدي الذي كان يسلكه حجاج الغرب (مليانه فالبليدة فمدينة الجزائر فمجانة فقصر الطير فقسنطينة فالكاف، ثم تونس) وقد قام ابن مسائب برحلة برية مر فيها بعد المدن المذكورة بطرابلس ثم مصر، بينما كان الذين يأخذون طريق البحر يركبون من تونس وينزلون في الإسكندرية (٢). وتبدأ رحلة ابن مسائب الشعرية بهذا الطالع:
يا الورشان أقصد طيبه ... وسلم على الساكن فيها
وكان لابن مسائب رفيقان في هذا الفن هما: ابن التريكي والزناقي، فكلاهما رحل مثله من تلمسان إلى مكة، وكلاهما كتب مثله رحلته شعرا ملحونا (٣). ومن الممكن أن نعد (عقيقة) المنداسي من هذا اللون. فهي أيضا قصيدة ملحونة وفي مدح الرسول ﷺ كما عرفنا، ولكنها لا تسجل رحلة وإنما تصف الأشواق الشخصية والأماكن الأثرية في الحجاز بتفصيل وبراعة (٤).
стр. 901
ولكن الرحلات المصطلح عليها عادة هي الرحلات النثرية لا الشعرية:
ذلك أن الأولى هي التي يسجل فيها أصحابها انطباعاتهم عما شاهدوه وسمعوه ليس فقط في الحجاز ولكن في مختلف المدن والأقطار التي مروا بها من الجزائر إلى بغداد، مرورا بتونس وطرابلس ومصر والجزيرة العربية وسورية والقدس وهلم جرا. ولا ندري أن أحدا من الجزائريين قد سجل انطباعاته في كل هذه الأماكن، غير أن أقرب الرحلات في ذلك هي رحلة الورتلاني ورحلة أبي راس. وقد قلنا إن معظم هذه الرحلات من إنتاج القرن الثاني عشر (١٨ م). ذلك أننا لا نعلم أن أحد العلماء قد سجل رحلة حجازية نثرية خلال القرن العاشر أو الحادي عشر. وهذا مثلا عبد الكريم الفكون الذي ظل طول حياته تقريبا يقود ركب الحج من قسنطينة إلى الحرمين لا نعرف أنه كتب رحلة رغم أنه كتب في النحو والصرف والتراجم والشعر الديني وغيره.
وأول رحلة حجازية مذكورة في المصادر هي رحلة البوني المسماة (الروضة الشهية في الرحلة الحجازية). ومؤلفها هو أحمد بن قاسم بن محمد ساسي البوني الذي تحدثنا عنه في هذا الكتاب عدة مرات. فقد عاش البوني في المشرق، لا سيما مصر والحرمين، كما عاش طويلا في تونس. وقرأ على عدد من الأساتذة هنا وهناك وأجاز وأجيز. وقد ذكر الجبرتي أن البوني قد ورد مدينة رشيد وأجاز بها الشيخ حسن بن سلامة الطيبي المالكي المتوفى سنة ١١٧٦ (١). وذكر أحمد الزروق، نجل البوني، الذي أصبح بعد والده من العلماء البارزين في عنابة، أن والده قد تحدث عن شيوخه في رحلته الحجازية، وعددهم يزيد عن العشرين شيخا. وقد نصح أحمد الزروق القارئ بقراءة هذه الرحلة بقوله (فعليك به (أي التأليف) فإن فيه طرفا وظرفا) (٢). ولكن رحلة البوني تعتبر اليوم ضائعة، فلا ندري بالضبط ما كتب
стр. 902
فيها. هل هي مثل رحلة أبي راس يعدد فيها تنقلاته وشيوخه والمسائل العلمية التي عرضت له، أو هل هي مثل رحلة الورتلاني يسجل فيها مسالكه ومنازله ودراساته وأخباره والمرافقين له والحوادث التي جرت له ومشاهداته ونحو ذلك. غير أن قول ولده بأن فيها طرفا وظرفا يدل على أن الرحلة لم تكن كلها عن المسائل العلمية والشيوخ.
ورغم أننا تحدثنا عن رحلة ابن حمادوش في المغرب فإننا نود أن نشير هنا إلى ما يمكن أن يكون قد كتب عن الحجاز وغيره أيضا. حقا إن ما وصل إلينا من رحلته هو قطعة من الجزء الثاني، وهو كما أشرنا يضم أخباره في المغرب والجزائر، ولكن ابن حمادوش كان قد حج سنة ١١٢٥، أي قبل ذهابه إلى المغرب، ثم توجه إلى المشرق من جديد سنة ١١٦١ حيث وجدناه في هذا التاريخ في مدينة رشيد أيضا، ولعله قد تجول في مصر وعاود الحج وتنقل في أرض الله، كما أننا لا ندري. هل رجع إلى الجزائر أو ظل في المشرق. ثم إنه كتب الجزء الأول من رحلته وهو ضائع، ولعله واصل كتابة الرحلة في الجزء الثالث أيضا لأن التاريخ الذي كتب فيه الجزء الثانى هو ١١٥٦ - ١١٦١. ويغلب على الظن أن لابن حمادوش أيضا رحلة حجازية أو مشرقية سجلها إما في الجزء الأول من (لسان المقال في النبا عن الحسب والنسب والآل) أو في الجزء الثالث. فقد عاش عمرا طويلا بعد الجزء الذي كتبه، بلغ عند البعض ثلاثين سنة (١).
أما رحلة ابن عمار المسماة (نحلة اللبيب في أخبار الرحلة إلى الحبيب) فأمرها يختلف. فابن عمار قد حج لأول مرة سنة ١١٦٦ وقد جاور بالحرمين حوالي اثني عشر سنة. وتنقل بين الجزائر والمشرق عدة مرات. فقد وجدناه بتونس سنة ١١٩٥ التي جاءها بقصد الإقامة، كما ذكرنا. ووجدناه سنة ١٢٠٥ يجيز محمد خليل المرادي في مكان لا نعرفه ولعله مكة
стр. 903
المكرمة. كما تحدث زميله حسين الورتلاني صاحب الرحلة أنه كان رفيقه في مصر سنة ١١٦٦. هذا ما نعرفه عنه من تواريخ، ولكن ما لا نعرفه أكثر من ذلك.
قسم ابن عمار رحلته إلى ثلاثة أقسام: مقدمة وغرض مقصود (وهو الرحلة) وخاتمة. وفي المقدمة، التي هي القسم الوحيد الموجود، والمطبوع أيضا، من هذه الرحلة، وصف ابن عمار أشواقه إلى الحرمين وإلى الرسول ﷺ ، وتحدث بالمناسبة عن شعر الموشحات المولدية والمدائح النبوية وعادات أهل الجزائر أثناء الاحتفال بالمولد النبوي. وقد تناول ابن عمار في القسم الثاني، أي الغرض المقصود، (ما يحدثه السفر إلى الإياب وحط الرحال). ومعنى هذا أنه تحدث في هذا القسم عن رحلته من الجزائر عبر تونس وطرابلس ومصر إلى الحجاز والعودة، كما فعل زميله ورفيقه الورتلاني. ولكن هذا القسم الهام مفقود الآن. كما أن الخاتمة التي جعلها فيما (نشأ عن ذلك (يعني السفر) بعد السكون وانضم إليه) ضائعة بدورها. ومن المرجح أن ابن عمار قد أكمل الرحلة لسببين: الأول أن تلميذه أبا راس وصفه بما يدل على أنه أكملها وأصبح معروفا بها وذلك في قوله عند الحديث عنه (مؤلف الرحلة) (١). فلو لم يكن ابن عمار قد أكملها لما قال أبو راس تلك العبارة عنه. والثاني أن ابن عمار قد عاش حوالي أربعين سنة بعد حجته سنة ١١٦٦. فلا يمكن نظريا أن لا يكمل رحلته خلال هذه المدة كلها (٢). ولعل بقية رحلته توجد في الحرمين أو القاهرة أو تونس، لأنه عاش في هذه الديار وأطال الإقامة بها.
وكان أبو راس من الذين أكثروا الترحال في بلاده وخارجها. فقد حج
стр. 904
مرتين كما أسلفنا. وكان اهتمامه بالتاريخ والأنساب وحافظته القوية يساعدانه على التقاط ما قد يفوت الآخرين عن الأماكن التي زارها. تجول أبو راس في المغرب الأقصى عدة مرات، وأثناء حجتيه تجول في تونس ومصر والحرمين وسورية والقدس وغيرها. بالإضافة إلى تنقلاته في وطنه الجزائر وكان في كل ذلك يجادل ويسجل الحوادث ويروي العلوم ويطلع. وهذه هي بعض التواريخ الهامة في حياته قد تساعدنا على فهم رحلته، فقد توجه إلى المغرب للدراسة وهو يافع أثناء تاريخ لا نعرفه بالضبط، وقد يكون بين ١١٧٥ و ١١٨٠، وكان في مدينة الجزائر عدة مرات منها مرة سنة ١٢١٤. وكان حجه الأول سنة ١٢٠٤ وحجه الثاني سنة ١٢٢٦. وكلاهما على ما يظهر كان بحرا. وكان في رحلته يحاول أن يقتدي بابن رشيد وابن مرزوق الخطيب والعياشي والدرعي. ولكن شتان ما كتب وما كتبوا. فقد كتب (فتح الإله ومنته في التحدث بفضل ربي ونعمته) وخصص فيه فصلا عن رحلاته في المغرب والمشرق. فإذا به لا يتحدث إلا عن شيوخه الذين درس عنهم والقضايا العلمية التي عرضت له هنا وهناك وبعض الأخبار عن العلماء وعن حركة محمد بن عبد الوهاب، ونحو ذلك. ولذلك قال أحد الباحثين إن رحلة أبي راس غير مهمة (١). ولعل أبا راس، الذي اشتهر بتكرار الشروح على نفس العمل، قد تحدث عن رحلته المقصودة في كتابه المفقود (عدتي ونحلتي في تعداد رحلتي).
الورتلاني ورحلته
أسهم الورتلاني بعمل كبير في التاريخ، وهو لذلك يستحق منا وقفة قصيرة نختم بها هذا الفصل. ونود أن نشير إلى أن دراستنا عن (الرحلات الحجازية الجزائرية) قد تضمنت نبذة عن حياته وتحليلا لما كتبه بالخصوص
стр. 905
عن الجزيرة العربية ومصادره في ذلك.
ولد الحسين بن محمد السعيد في بني ورثلان، ومن ثمة نسبته الورثلاني، سنة ١١٢٥ وتوفي بنفس المكان سنة ١١٩٣. ويذهب الورثلاني إلى أنه من أسرة عربية شريفة. وكان جده قد جاء من ميلة وصاهر أسرة محمد أمقران حاكم منطقة قنزات وأصبح شيخ علم معترفا له وأسس نفوذ الأسرة الروحي في المنطقة حتى أنه بعد أن توفي أقيمت له قبة باعتباره من كبار المرابطين، وهكذا اجتمع في أصول الورثلاني الدين والدنيا: الدين عن طريق جده ووالده اللذين كانا أيضا من المرابطين، والدنيا عن طريق أخواله أولاد أمقران الذين كانوا حكاما ورجال سيف. وقد تزوج الورثلاني نفسه من إحدى بنات هذه الأسر الكبيرة، وهي أسرة المسعود بن عبد الرحمن من بني عيدل. كما كانت أسرته على صلة بعائلات قسنطينة.
ومع ذلك فإن الورثلاني نشأ نشأة فقيرة أساسها التقشف الصوفي. وفي المدرسة القرآنية، التي كان يديرها والده، حفظ الورثلاني القرآن الكريم وهو في سن مبكرة. وبعد أن شب ذهب يبحث عن العلم في مختلف الزوايا، فتعلم الفقه والنحو ثم أضاف إلى ذلك علمي التصوف والتوحيد، ولا شك أنه نال حظا من اللغة والأدب والعروض والتاريخ. وهكذا أصبح الورثلاني، كجده ووالده، من علماء المنطقة البارزين، ومن الذين يدين لهم الناس بالطاعة الروحية والاحترام. وقد أصبح بعد ذلك من المدرسين وشيخ زاوية الأسرة. وكان يذهب للتدريس في بجاية وغيرها. وتخرج على يديه عدد كبير من التلاميذ الذين تولوا بدورهم وظائف دينية سامية. وغلبت على الورتلاني الروح الصوفية أكثر من الروح الفقهية، ومع ذلك فقد كان يجمع بين علوم الظاهر والباطن. وكان يسير في مذهبه الصوفي على مبادئ الطريقة الشاذلية. وكان لا يهتم باللباس ولكنه كان يبدي اهتماما بأحوال الدنيا. كما كان يكره أهل الحضر والحكام العثمانيين. وأصبح كمرابط يتدخل بين الناس لإصلاح ذات البين ويعلم مبادئ الدين التي حرفها البعض عن مواضعها. وقد ذكر أنه أثناء رحلته الأخيرة أخذ معه زوجتيه: عيوشة التي كانت من
стр. 906
عائلة المسعود بن عبد الرحمن، وعائشة. وقد قال عن عيوشة التي توفيت له في تونس أثناء عودته من الحج، إنها كانت تحفظ ربع القرآن وتحفظ أيضا الوظيفة الزروقية وجزءا من رسالة ابن أبي زيد القيرواني. وكان له أبناء أحدهم، هو محمد كان متزوجا من فاطمة، أخت عيوشة المذكورة. وقد ذهب معه إلى الحج وروى كيف كان خائفا عليه من اللصوص في الجزيرة العربية.
ألف الورثلاني عدة كتب معظمها في الفقه والتصوف والتوحيد وقد أشرنا إليها في مكانها من هذا الكتاب. وأكبر عمل ألفه في التاريخ والأخبار هو الرحلة التي نحن بصددها. وكان له شعور قوي بالتاريخ، خلافا لبعض علماء عصره. فعزم على أن يكتب عملا ضخما يضاهي به أو يفوق عمل الدرعي والعياشي وغيرهما من كتاب الرحلة المغاربة. وقد سمى رحلته تسمية تلفت نظرنا ونحن بصدد دراسة التاريخ، وهي (نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار). وانتقد في المقدمة، كما مر في بداية هذا الفصل، عدم اهتمام أهل بلاده بالتاريخ وسخريتهم من دراسته ودارسيه، بينما علم السيرة النبوية جزء منه. واعتبر هو علم التاريخ من العلوم التي تزيد في فضل الإنسان وتبعده عن القبائح. فكان هذا رأيا غريبا من الورثلاني الذي كان مهتما بالتصوف وعلوم الباطن أيضا.
حج الورثلاني مرتين (أو ثلاث مرات) الأولى سنة ١١٥٣ والثانية سنة ١١٦٦ والثالثة سنة و ١١٧. وفي إحدى هذه الحجات اضطر إلى الرجوع من تونس. وكان قد سافر بالبر لأنه وصف طريقه بالتفصيل. وقد مر الورثلاني في طريقه، بعد أن ودع وداعا حارا عائليا وشعبيا، بقصر الطير حيث آلاف الحجاج من جميع الطبقات والجهات. وقصد سيدي خالد وأولاد جلال وبسكرة، ومنها إلى سيدي عقبة فزريبة الوادي فزريبة حامد، ثم توزر وقابس. وبعد ذلك تابع سيره على الساحل الليبي متوقفا بطرابلس وبرقة. وقد وصف الورثلاني هذه الأماكن بالتفصيل، كما وصف مصر وأهلها وعلماءها وعاداتها. ومن مصر توجه إلى الجزيرة العربية وتحدث عن ساحل
стр. 907
البحر الأحمر وعن القرى والمدن التي تحاذيه وعادات القبائل هناك مع ركب الحجيج المغربي والمصري. كما تحدث، كلما اقترب من مكة، عن العيون والآبار والحياة السياسية والزراعية في المناطق التي مروا بها. وبالإضافة إلى ذلك تحدث عن مكة أيام موسم الحج وعن المدينة وحياتها، وعن العلماء الذين لقيهم. وكان يرغب في الإقامة بالمدينة غير أن أهله لم يتركوه يفعل فاضطر إلى العودة معهم. وقد تحدث هناك عن فقدان الأمن في الطريق ووفرة الماء وقلته ومقابلته لأمير مكة ولأمير فزان، وعن عادات المصريين مع المغاربة.
اعتمد الورثلاني في هذه الرحلة على مصادر كثيرة، فعن الجزائر اعتمد بالطبع على مشاهداته الخاصة، وعلى ما رواه له العلماء الذين لقيهم فيها. وقد طاف فيها كثيرا من غربها إلى شرقها. وكان يهتم خاصة بالزوايا والمرابطين وحياة العامة مع السلطة العثمانية. ومن الكتب التي اعتمد عليها أيضا (عنوان الدراية) للغبريني، و (النبذة المحتاجة في ذكر ملوك صنهاجة) و (الوغليسية) بشرح عبد الكريم الزواوي. أما عن أخبار طريق الحج وتونس ومصر وطرابلس والجزيرة العربية فقد اعتمد على (رحلة) الدرعي بالخصوص، ثم العياشي وعلى (حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة) و (الأدلة السنية) لابن الشماع وكذلك اعتمد على مؤلفات المقريزي والبكري، والعبدري، والسمهودي وابن فرحون، والشطيبي. كما أنه رجع إلى مصادر أخرى لم يذكرها. وقد أكثر الورثلاني من النقل على الدرعى الذي كان أحيانا ينقل عنه الصفحات كاملة، ويسميه (شيخ شيوخنا).
وقد بين الورثلاني في المقدمة أنه كان ينوي كتابة رحلة عظيمة تكون مفخرة له ولبلاده، ولكنه سرعان ما ظهر عليه الفتور، وأكثر من النقل والاستطراد، وتداخلت معلوماته. (وبعد فإني لما تعلق قلبي بتلك الرسوم والآثار، والرباع والقفار والديار، والمعاطن والمياه والبساتين والأرياف والقرى والمزارع والأمصار، والعلماء والفضلاء والنجباء والأدباء من كل مكان من الفقهاء والمحدثين والمفسرين الأخيار، والأشياخ العارفين والأخوان والمحبين المحبوبين من المجاذيب المقربين والأبرار، من المشرق
стр. 908
إلى المغرب سيما أهل الصحو والمحو إذ ليس لهم مع غير الله قرار - أنشأت رحلة عظيمة يستعظمها البادي ويستحسنها الشادي، فإنها تزهو بمحاسنها عن كثير من كتب الأخبار، مبينا فيها بعض الأحكام الغريبة والحكايات المستحسنة والغرائب العجيبة وبعض الأحكام الشرعية، مع ما فيها من التصوف مما فتح به علي أو منقولا من الكتب المعتبرة) (١) ولا ندري إن كان الورثلاني قد ألف هذه الرحلة دفعة واحدة أو على مرات. فهو يذكر أن دفترا قد ضاع منه في ليبيا أثناء عودته وكان يحتوي على ملاحظات حول أماكن الماء ببرقة. كما أخبر كذلك أنه كان يغتنم فرصة استراحة القافلة ويكتب ملاحظاته. ولعل الورثلاني كان يأخذ أثناء الحج ملاحظات في شكل مذكرات وتقاييد حتى لا تفلت منه المعلومات، وعندما عاد إلى وطنه أخذ في كتابة الرحلة أو في إملائها. ويبدو أنه كان يمليها على تلاميذه وأنه لم يراجع ما أملاه، لذلك كثر التكرار والأخطاء وتداخل المناسبات (٢). ولعل الكبر قد حال دون المراجعة، رغم أن الإملاء قد تم سنة ١١٨٢.
وكان الورثلاني عند كلمته، ولا سيما بالنسبة لأخبار المتصوفة. فقد خصص قسما كبيرا من رحلته لأخبارهم في الجزائر وغيرها. وتحدث أيضا عن الخرافات والغيبيات والكرامة المنسوبة إليهم. وتحدث عن شروط الساعة، وكتب بعض مذكراته عند قبر بعضهم تبركا به، وعزم على صيام الدهر، وقال عن الحمى التي أصابته في المدينة إنها هدية من الرسول إليه، وأقر بنبوة خالد بن سنان العبسي، وتوجه بقلبه وروحه لزيارة قبر عبد الرحمن الأخضري، وقبر عقبة بن نافع، وغيرهم من الأولياء والصالحين. وناقش
стр. 909
قضية شرب القهوة وتناول الدخان وسماع الموسيقى، واستنكر خروج المرأة متبرجة، وقطع الميراث عنها في بعض الجهات، وغير ذلك من العادات القبيحة في نظره والتي سماها عمل الجاهلية. كما استنكر طريقة الحكم العثماني وقلة العلم في عهده وشيوع الرشوة والاستيلاء على الأوقاف وانتشار الظلم. وقال عن أهل الجزائر أثناء الحج إن (أهل وطننا فيهم الغلظة والجفاء وسوء الأدب وعدم إذعانهم للحكم)، وفي مكان آخر قال عنهم أيضا (وأما الركب الجزائري فلا حكم عندهم أصلا، ولا يتوقفون عند الأمر والنهي). وقارن بين الجزائر وتونس وطرابلس فوجد أن الحياة الاقتصادية في البلدين الأوليين أغنى وأخصب، بينما كانت ليبيا تعيش على ما يرد إليها من الخارج وليس فيها من المناطق الخصبة سوى جزء ضئيل. وهذه الملاحظات نفسها أبداها بالنسبة لمصر والحجاز إذ أكثر من الحديث هناك عن فساد الأمن وقلة المياه وحالة الزراعة ونحو ذلك.
وهكذا يتضح أن رحلة الورثلاني، رغم كل ما فيها، تعتبر موسوعة أخبار عن جزء كبير من العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر (١٨ م). فهي من المراجع التي لا غنى عنها في هذا المجال. وكان تكرار حجه وإتقانه للعربية ومعرفته بعادات الشرق والغرب قد جعلت الورثلاني حكما منصفا على العصر وأهله في كثير من المناسبات، وقد يكون من المفيد للتاريخ أن نعثر على كناشاته التي كان يسجل فيها ملاحظاته أو على النسخة الأصلية المملاة من الرحلة. فرجل كالورثلاني تضم أوراقه هاتيك الملاحظات والانطباعات والأحكام جدير بالدراسة والبحث بطريقة أكثر عمقا وشمولا مما درس به حتى الآن (١).
стр. 910
الفصل السادس
العلوم - الفنون
стр. 911
مقدمة
إذا كان الحكم على ازدهار الحياة الثقافية في عصر من العصور يقوم على تقدم العلوم والفنون فيه، فإن العهد العثماني في الجزائر يعتبر فقيرا في هذه الناحية. فقد عرفنا عناية العلماء بالعلوم الشرعية والأدب والتواريخ المحلية والتصوف، ولكن عنايتهم بتدوين الطب والحساب والفلك والرسم والعمارة والموسيقى قليلة. ذلك أن ما كان متداولا من هذه العلوم والفنون لم يكن يخرج عن تقليد السابقين ولم يكن ممارسوه يتمتعون بالاستقلال العقلي وروح الابتكار. ولعل هذا هو ما جعل الرحالة الأجانب الذين عاشوا في الجزائر خلال العهد المذكور يحكمون، عن حق، حكما قاسيا على علماء الجزائر ويتهمونهم حتى بممارسة السحر والشعوذة والتخلي عن تراث أجدادهم وأفكارهم الإبداعية التي شاعت في العصر العباسي في المشرق وفي العصر الأموي بالأندلس. فقد اختفت أو كادت الكتابة في علوم الملاحة والكيمياء والجراحة والموسيقى خلال هذا العهد، وحل محل الحساب معلومات سطحية عن التعديل وقسمة التركات، ومحل الطب والجراحة ممارسة الخرافات والسحر والتمائم، وأصبحت الكيمياء، كما قال بعض الناقدين، عبارة عن محلول ماء الورد. وظلت الموسيقى حية ولكنها كانت تعزف بدون قواعد ولا تدوين للنوطة. فإذا ظهر عالم مهتم ببعض هذه العلوم والفنون نظر إليه على أنه شاذ وغير منسجم مع روح العصر والمجتمع. وهكذا كتب ابن حمادوش نفسه ذات مرة بعد أن اطلع في الطب على أحد الكتب المترجمة إلى العربية (وهو كتاب عجيب التأليف حسن الصنيع، لولا
стр. 912
أنه محشو كفرا تزل فيه الأقدام، فيجب التحذير منه ..) (١).
وقد لاحظ العلماء أنفسهم ظاهرة ضعف العناية بالحساب والفرائض، فقد ذكر عبد الكريم الفكون، وهو يتحدث عن ابن نعمون وولديه، أن (معهم معرفة مبادئ الفرائض قسمة، وبعض مسائل وصايا الصحيح، ومناسخات دون ما عدى ذلك من أبوابها ومشكلاتها لانقراض العلم في كل الأقطار فيما أعلمه، اللهم إلا ما شذ) (٢). ولا يشير الفكون بعبارة (كل الأقطار) إلى الجزائر وحسب، ولكن إلى ما يعرفه من البلاد الإسلامية. حقا إننا نجد أحد العلماء يبرع في الحساب فيلفت النظر إلى نفسه لحاجة الناس إلى هذا العلم في التجارة وفي الوصايا والتركات ونحو ذلك. فعبد الكريم الفكون نفسه يشير إلى براعة أبي الحسن الغربي في الحساب والتعديل (٣). كما أن ابن مريم قد ذكر أن محمد عاشور السلكسيني كان ماهرا في الحساب والفرائض (٤). ولكن معظم ما كان يدرسه العلماء عندئذ في هذا العلم هو تلخيص ابن البنا المراكشي ومؤلفات القلصادي. فإذا زاد أحدهم شيئا عن ذلك فمن باب المهارة الشخصية وليس من باب الدرس والتحصيل.
لذلك لاحظ الأجانب أيضا ضعف علم الحساب والفلك وما إليهما في العهد العثماني. فقد أخبر الدكتور شو، الذي عاش فترة طويلة في الجزائر، أن العلماء هناك كانوا لا يعرفون إلا قليلا من الحساب، وأن الآلات الحاسبية، مثل الأسطرلاب، كان ينظر إليها نظرة فضولية لا عملية. كما لاحظ أن الجبر والحساب العددي لم يكونا معروفين لشخص واحد من بين عشرين ألف نسمة. فالتجار كانوا، كما لاحظ، يحسبون بالأصابع. ومع ذلك فالمفروض أن العلماء وأمثالهم يدعون معرفة أسرار الحروف والأعداد
стр. 913
وأنهم باستعمال هذه الأسرار يصلون إلى تحقيق أغراضهم كطرد الأرواح الشريرة وإيقاع الهزيمة بالعدو وجلب الحظ ونحو ذلك (١).
ونفس الشيء يقال عن علم الفلك. ذلك أن رصيد المعرفة في هذا الباب عند العلماء هو تأليف محمد بن أحمد الحباك وابن أبي الرجال القيرواني، وشرح السنوسي على الأول وشرح ابن القنفذ على الثاني. كما أن أرجوزة محمد بن علي المعروف بابن أبي مقرع كانت متداولة، ولكن التقدم في هذا الميدان كان متوقفا. فقد كادت تنحصر الأعمال الفلكية في تقويم الصلوات وحركة الليل والنهار وتعديل بعض الكواكب، ورغم دقة مزاول الشمس وحركة الظل فإن علم الملاحة لم يكن متطورا، وهو العلم الذي كنا نتوقع البراعة فيه لشهرة الجزائر في العهد العثماني بالنشاط البحري، فبالإضافة إلى البحر الأبيض خرج الأسطول الجزائري إلى المحيط الأطلسي وبحر الشمال وسواحل إيسلاندا، ومع ذلك فإن البحارة كانوا، حسبما لاحظ أحد الأجانب، يقتصرون على الخريطة البسيطة وعلى تمييز النقط الثماني الرئيسية من البوصلة (٢). كما أنهم قد تعلموا خط العرض بملاحظة الشمس عند منتصف النهار، وقاموا بترجمة الجداول الخاصة بهذا الموضوع إلى اللغة العربية، وإذا أعوزتهم المعرفة بعلم الملاحة وهم في المحيط أجبروا خبيرا من سفينة أوروبية على توجيههم إلى أن يعودوا إلى البحر الأبيض (٣).
وقد أصبح علم الكيمياء عملا يهرب منه العلماء بعد أن كان محببا في عصر الازدهار العلمي. فقد حكى الورتلاني أنه لم يكن يستعمله كما أنه لم يكن يستعمل أسرار الحروف والأوفاق، وهو هنا ينفي ذلك لأن غيره كان يلجأ إليها طلبا لفائدتها العاجلة أو الآجلة، أي أنهم كانوا يمارسون بها نوعا من السحر وليس نوعا من العلم. وقد تعجب الورتلاني حين وجد نقيب كسوة الكعبة في مصر يتعاطى علم الكيمياء كما أن النقيب قد تعجب من أن
стр. 914
الورتلاني لا يستعمل العلم المذكور (١)، فلا غرابة إذن أن يحكم شو بأن علم الكيمياء لم يعد في الجزائر سوى صناعة ماء الورد بعد أن كان محببا عند العلماء المسلمين الاوائل (٢).
الحساب والفلك
فإذا عدنا إلى دراسة الإنتاج العلمي وجدنا منه كمية ضئيلة خلال العهد العثماني بالقياس مثلا إلى الإنتاج العلمي الذي عرفه القرن التاسع (١٥ م)، ولولا بعض الأعمال التي كتبها عبد الرحمن الأخضري وسحنون بن عثمان الونشريسي وابن حمادوش لخلا هذا العهد أو كاد من التأليف في العلوم الحسابية والفلكية ونحوها، ومع ذلك فإن هؤلاء كانوا يستمدون موادهم من تراث الحباك والسنوسي وابن القنفذ والقلصادي. فقد ظلت قصيدة علي بن أبي الرجال القيرواني في الفلك وشرح أحمد بن القنفذ عليها مصدرا هاما للمهتمين بهذا العلم (٣). كما أن عمل الحباك (نيل المطلوب في العمل بربع الجيوب) كان يرجع إليه علماء الفلك خلال العهد المدروس (٤)، ونفس الشيء يقال عن شرح محمد بن يوسف السنوسي (بغية الطلاب في علم الإسطرلاب) لأستاذه الحباك (٥)، وكأن العقول في العهد العثماني قد تحجرت فلم تعد تنتج وإنما تستوحي من هذه الأعمال السابقة ما تحتاج إليه من غذاء، وبالإضافة إلى ذلك كان عمل ابن البنا في الحساب وشرح الحباك وشرح ابن القنفذ وكذلك شرح عبد الواحد الونشريسي عليه هي المادة التي يعود إليها
стр. 915
طلاب الحساب وعلماؤه (١)، ولكن مهما أجاد ابن البنا وشراحه فإن جمود العقول عند هؤلاء العلماء وعدم الاستفادة من تقدم العلوم الحسابية عند الأوروبيين مثلا يعتبر ظاهرة غريبة في حد ذاته. وقد مهر في الحساب، بعد ابن البنا، علي القلصادي، ولكن آثاره في الحساب طمست، كما طمست مقدمة ابن خلدون في العلوم الاجتماعية، فلم يستفد علماء العهد العثماني من عبقرية هذا ولا نبوغ ذاك (٢).
عاش علماء الفلك والحساب في العهد العثماني إذن على تراث القرن التاسع. ومن أبرز من ألف في علم الحساب والفرائض في العهد العثماني عبد الرحمن الأخضري. فقد نظم خمسمائة بيت في هذا المعنى سماها (الدرة البيضاء) وقسمها إلى ثلاثة أقسام الأول خاص بالحساب، والثاني خاص بقواعد الفرائض، والثالث خاص بالقسمة العملية للتركات، وقد وضع الأحضري نفسه شرحا على الدرة البيضاء ولكنه لم يكمله، ويبدو أنه قد شرح القسم الثاني منه على الأقل. ذلك أن المخطوطة كانت قد ضاعت منه وهو في أثناء عمله ثم عثر عليها فأكمل، كما أخبر بنفسه، شرح القسم الثاني. وقد أكمل عبد اللطيف المسبح القسنطيني هذا الشرح كما أخبرت بذلك عدة مصادر (٣)، وكان عبد اللطيف المسبح من علماء الحساب والفرائض أيضا حتى اشتهر بذلك في وقته (توفي حوالي ٩٨٠)، وحين طبعت (الدرة البيضاء) وشرحها في القاهرة سنة ١٨٩١ نص على أن القسم الثاني والقسم الثالث (ما عدا الفصول الثلاثة الأخيرة) قد شرحهما الأخضري بنفسه، وأن