مقدمة
إذا كان الحكم على ازدهار الحياة الثقافية في عصر من العصور يقوم على تقدم العلوم والفنون فيه، فإن العهد العثماني في الجزائر يعتبر فقيرا في هذه الناحية. فقد عرفنا عناية العلماء بالعلوم الشرعية والأدب والتواريخ المحلية والتصوف، ولكن عنايتهم بتدوين الطب والحساب والفلك والرسم والعمارة والموسيقى قليلة. ذلك أن ما كان متداولا من هذه العلوم والفنون لم يكن يخرج عن تقليد السابقين ولم يكن ممارسوه يتمتعون بالاستقلال العقلي وروح الابتكار. ولعل هذا هو ما جعل الرحالة الأجانب الذين عاشوا في الجزائر خلال العهد المذكور يحكمون، عن حق، حكما قاسيا على علماء الجزائر ويتهمونهم حتى بممارسة السحر والشعوذة والتخلي عن تراث أجدادهم وأفكارهم الإبداعية التي شاعت في العصر العباسي في المشرق وفي العصر الأموي بالأندلس. فقد اختفت أو كادت الكتابة في علوم الملاحة والكيمياء والجراحة والموسيقى خلال هذا العهد، وحل محل الحساب معلومات سطحية عن التعديل وقسمة التركات، ومحل الطب والجراحة ممارسة الخرافات والسحر والتمائم، وأصبحت الكيمياء، كما قال بعض الناقدين، عبارة عن محلول ماء الورد. وظلت الموسيقى حية ولكنها كانت تعزف بدون قواعد ولا تدوين للنوطة. فإذا ظهر عالم مهتم ببعض هذه العلوم والفنون نظر إليه على أنه شاذ وغير منسجم مع روح العصر والمجتمع. وهكذا كتب ابن حمادوش نفسه ذات مرة بعد أن اطلع في الطب على أحد الكتب المترجمة إلى العربية (وهو كتاب عجيب التأليف حسن الصنيع، لولا
стр. 912
أنه محشو كفرا تزل فيه الأقدام، فيجب التحذير منه ..) (١).
وقد لاحظ العلماء أنفسهم ظاهرة ضعف العناية بالحساب والفرائض، فقد ذكر عبد الكريم الفكون، وهو يتحدث عن ابن نعمون وولديه، أن (معهم معرفة مبادئ الفرائض قسمة، وبعض مسائل وصايا الصحيح، ومناسخات دون ما عدى ذلك من أبوابها ومشكلاتها لانقراض العلم في كل الأقطار فيما أعلمه، اللهم إلا ما شذ) (٢). ولا يشير الفكون بعبارة (كل الأقطار) إلى الجزائر وحسب، ولكن إلى ما يعرفه من البلاد الإسلامية. حقا إننا نجد أحد العلماء يبرع في الحساب فيلفت النظر إلى نفسه لحاجة الناس إلى هذا العلم في التجارة وفي الوصايا والتركات ونحو ذلك. فعبد الكريم الفكون نفسه يشير إلى براعة أبي الحسن الغربي في الحساب والتعديل (٣). كما أن ابن مريم قد ذكر أن محمد عاشور السلكسيني كان ماهرا في الحساب والفرائض (٤). ولكن معظم ما كان يدرسه العلماء عندئذ في هذا العلم هو تلخيص ابن البنا المراكشي ومؤلفات القلصادي. فإذا زاد أحدهم شيئا عن ذلك فمن باب المهارة الشخصية وليس من باب الدرس والتحصيل.
لذلك لاحظ الأجانب أيضا ضعف علم الحساب والفلك وما إليهما في العهد العثماني. فقد أخبر الدكتور شو، الذي عاش فترة طويلة في الجزائر، أن العلماء هناك كانوا لا يعرفون إلا قليلا من الحساب، وأن الآلات الحاسبية، مثل الأسطرلاب، كان ينظر إليها نظرة فضولية لا عملية. كما لاحظ أن الجبر والحساب العددي لم يكونا معروفين لشخص واحد من بين عشرين ألف نسمة. فالتجار كانوا، كما لاحظ، يحسبون بالأصابع. ومع ذلك فالمفروض أن العلماء وأمثالهم يدعون معرفة أسرار الحروف والأعداد
стр. 913
وأنهم باستعمال هذه الأسرار يصلون إلى تحقيق أغراضهم كطرد الأرواح الشريرة وإيقاع الهزيمة بالعدو وجلب الحظ ونحو ذلك (١).
ونفس الشيء يقال عن علم الفلك. ذلك أن رصيد المعرفة في هذا الباب عند العلماء هو تأليف محمد بن أحمد الحباك وابن أبي الرجال القيرواني، وشرح السنوسي على الأول وشرح ابن القنفذ على الثاني. كما أن أرجوزة محمد بن علي المعروف بابن أبي مقرع كانت متداولة، ولكن التقدم في هذا الميدان كان متوقفا. فقد كادت تنحصر الأعمال الفلكية في تقويم الصلوات وحركة الليل والنهار وتعديل بعض الكواكب، ورغم دقة مزاول الشمس وحركة الظل فإن علم الملاحة لم يكن متطورا، وهو العلم الذي كنا نتوقع البراعة فيه لشهرة الجزائر في العهد العثماني بالنشاط البحري، فبالإضافة إلى البحر الأبيض خرج الأسطول الجزائري إلى المحيط الأطلسي وبحر الشمال وسواحل إيسلاندا، ومع ذلك فإن البحارة كانوا، حسبما لاحظ أحد الأجانب، يقتصرون على الخريطة البسيطة وعلى تمييز النقط الثماني الرئيسية من البوصلة (٢). كما أنهم قد تعلموا خط العرض بملاحظة الشمس عند منتصف النهار، وقاموا بترجمة الجداول الخاصة بهذا الموضوع إلى اللغة العربية، وإذا أعوزتهم المعرفة بعلم الملاحة وهم في المحيط أجبروا خبيرا من سفينة أوروبية على توجيههم إلى أن يعودوا إلى البحر الأبيض (٣).
وقد أصبح علم الكيمياء عملا يهرب منه العلماء بعد أن كان محببا في عصر الازدهار العلمي. فقد حكى الورتلاني أنه لم يكن يستعمله كما أنه لم يكن يستعمل أسرار الحروف والأوفاق، وهو هنا ينفي ذلك لأن غيره كان يلجأ إليها طلبا لفائدتها العاجلة أو الآجلة، أي أنهم كانوا يمارسون بها نوعا من السحر وليس نوعا من العلم. وقد تعجب الورتلاني حين وجد نقيب كسوة الكعبة في مصر يتعاطى علم الكيمياء كما أن النقيب قد تعجب من أن
стр. 914
الورتلاني لا يستعمل العلم المذكور (١)، فلا غرابة إذن أن يحكم شو بأن علم الكيمياء لم يعد في الجزائر سوى صناعة ماء الورد بعد أن كان محببا عند العلماء المسلمين الاوائل (٢).
الحساب والفلك
فإذا عدنا إلى دراسة الإنتاج العلمي وجدنا منه كمية ضئيلة خلال العهد العثماني بالقياس مثلا إلى الإنتاج العلمي الذي عرفه القرن التاسع (١٥ م)، ولولا بعض الأعمال التي كتبها عبد الرحمن الأخضري وسحنون بن عثمان الونشريسي وابن حمادوش لخلا هذا العهد أو كاد من التأليف في العلوم الحسابية والفلكية ونحوها، ومع ذلك فإن هؤلاء كانوا يستمدون موادهم من تراث الحباك والسنوسي وابن القنفذ والقلصادي. فقد ظلت قصيدة علي بن أبي الرجال القيرواني في الفلك وشرح أحمد بن القنفذ عليها مصدرا هاما للمهتمين بهذا العلم (٣). كما أن عمل الحباك (نيل المطلوب في العمل بربع الجيوب) كان يرجع إليه علماء الفلك خلال العهد المدروس (٤)، ونفس الشيء يقال عن شرح محمد بن يوسف السنوسي (بغية الطلاب في علم الإسطرلاب) لأستاذه الحباك (٥)، وكأن العقول في العهد العثماني قد تحجرت فلم تعد تنتج وإنما تستوحي من هذه الأعمال السابقة ما تحتاج إليه من غذاء، وبالإضافة إلى ذلك كان عمل ابن البنا في الحساب وشرح الحباك وشرح ابن القنفذ وكذلك شرح عبد الواحد الونشريسي عليه هي المادة التي يعود إليها
стр. 915
طلاب الحساب وعلماؤه (١)، ولكن مهما أجاد ابن البنا وشراحه فإن جمود العقول عند هؤلاء العلماء وعدم الاستفادة من تقدم العلوم الحسابية عند الأوروبيين مثلا يعتبر ظاهرة غريبة في حد ذاته. وقد مهر في الحساب، بعد ابن البنا، علي القلصادي، ولكن آثاره في الحساب طمست، كما طمست مقدمة ابن خلدون في العلوم الاجتماعية، فلم يستفد علماء العهد العثماني من عبقرية هذا ولا نبوغ ذاك (٢).
عاش علماء الفلك والحساب في العهد العثماني إذن على تراث القرن التاسع. ومن أبرز من ألف في علم الحساب والفرائض في العهد العثماني عبد الرحمن الأخضري. فقد نظم خمسمائة بيت في هذا المعنى سماها (الدرة البيضاء) وقسمها إلى ثلاثة أقسام الأول خاص بالحساب، والثاني خاص بقواعد الفرائض، والثالث خاص بالقسمة العملية للتركات، وقد وضع الأحضري نفسه شرحا على الدرة البيضاء ولكنه لم يكمله، ويبدو أنه قد شرح القسم الثاني منه على الأقل. ذلك أن المخطوطة كانت قد ضاعت منه وهو في أثناء عمله ثم عثر عليها فأكمل، كما أخبر بنفسه، شرح القسم الثاني. وقد أكمل عبد اللطيف المسبح القسنطيني هذا الشرح كما أخبرت بذلك عدة مصادر (٣)، وكان عبد اللطيف المسبح من علماء الحساب والفرائض أيضا حتى اشتهر بذلك في وقته (توفي حوالي ٩٨٠)، وحين طبعت (الدرة البيضاء) وشرحها في القاهرة سنة ١٨٩١ نص على أن القسم الثاني والقسم الثالث (ما عدا الفصول الثلاثة الأخيرة) قد شرحهما الأخضري بنفسه، وأن
стр. 916
القسم الأول ليس من شرح الأخضري دون أن تشير إلى من قام بالشرح (١). والغالب على الظن أن المسبح هو الذي أكمل النقص كما أشرنا بإكمال القسم الثالث وشرح القسم الأول. وقد ظلت (الدرة البيضاء) وشرحها متداولة بين الطلاب والعلماء في المشرق والمغرب إلى عهد قريب، وهي تعتبر من أهم الأعمال التي قدمها الأخضري للعلم.
وكما ألف الأخضري في الحساب ألف أيضا في الفلك، ولكن يبدو أن عمله في الفلك، رغم شيوعه، لم يحرز شهرة (الدرة البيضاء). فقد وضع الأخضري نظما سماه (السراج) في علم الفلك، ولكنه لم يشرحه أو شرحه ولكن لم يتمه (انتهى منه نظما سنة ٩٣٩)، فقام تلميذه عبد العزيز بن أحمد بن مسلم الفارسي بشرحه شرحا ما يزال نادر الوجود، ويبدو أن أحدا لم يطلع على هذا الشرح سوى قلة، منهم سحنون بن عثمان الراشدي الونشريسي الذي قام هو أيضا بشرح (السراج) ونقل في ذلك عن شرح عبد العزيز بن مسلم، وقد سمى شرحه (مفيد المحتاج في شرح السراج) (٢)، وبدأه هكذا (وبعد، يقول العبد الذليل، المفتقر إلى مولاه الجليل، سحنون بن عثمان بن سليمان بن أحمد بن أبي بكر الميدوي (أو اليديري). لما رأيت تأليف الشيخ العالم المتقي، سيدي عبد الرحمن بن محمد الأخضري، المسمى بـ (السراج) في علم الفلك، من أنفس الكلام، وهو مفيد لمن احتاج إليه من الأنام، وكان قليلا من تكلم عليه، جعلت هذا التقييد تكميلا لفوائده، ومبينا لبعض ما أنبهم عليه من ألفاظه، وأضفت إليه زوائد من غيره، وسميته (مفيد المحتاج في شرح السراج) (٣).
ولما كانت حياة سحنون بن عثمان ما تزال غامضة فإننا نود أن نقف
стр. 917
عندها قليلا بما جمعناه حولها من معلومات. فقد كان من العلماء الذين اهتموا بالفلك والرياضيات والنجوم في وقت اهتم فيه طلبة العلم بالفقه والتصوف. ولذلك أهمله المترجمون إلا النوادر، ومن الذين تحدثوا عنه ونقلوا من كتابه (السراج) محمد بن سليمان صاحب كتاب (كعبة الطائفين) الذي يسميه (شيخ شيوخنا) (١) فإذا عرفنا أن ابن سليمان كان حيا سنة ١٠٦٨ أدركنا أن سحنون بن عثمان قد يكون عاش فترة في القرن الحادي عشر، والظاهر أن سحنون بن عثمان قد تثقف في مدينة الجزائر ومليانة ومجاجة التي كانت في وقته قد اكتسبت شهرة علمية بفضل زاويتها، ولعله قرأ أيضا بتلمسان والمغرب، وقد نقل الحفناوي عن الشيخ ابن دوبة (؟) أن سحنون بن عثمان مدفون في بني وعزان نواحي الونشريس وأن قبره هناك مشهور (٢).
وقد أورد له ابن حمادوش، الذي اهتم مثله بعلوم الفلك والرياضيات، نظما في حل أحد الألغاز، ونقل عنه أيضا ابن سليمان كثيرا في مسائل الفلك في الجزء الثالث من كتابه، وسنعرف أن محمد بن علي الشريف الشلاطي قد نقل عنه أيضا. كما نقل عنه مؤلف (جواهر المحتاج في شرح السراج). فقال إنه ضمن كتابه شرح سحنون بن عثمان على (السراج) وأضاف إليه زوائد لغيره. وكل ما نعرفه الآن عن مؤلف (جواهر المحتاج) أنه كان حيا سنة ١١٨٩، وهناك مؤلف آخر استفاد من عمل سحنون بن عثمان في الفلك ولكن اسمه مجهول لدينا، وكل ما نعرفه الآن هو اسم كتابه الذي سماه (شرح الرضى على نهاية ما يرتضى) وهو أيضا شرح على السراج للأخضري يعود إلى منتصف القرن الحادي عشر حيث جاءت فيه عبارة (في عشرة الأربعين من القرن الحادي عشر) (٣)، وهكذا
стр. 918
يظهر أن سحنون بن عثمان، رغم أنه مغمور عندنا اليوم، لم يكن مغمورا عند علماء وقته، بل كاد عمله في الفلك يكون مصدرا أساسيا لهم لا يشبهه إلا عودتهم إلى شرح الأخضري نفسه على السلم المرونق.
ولسحنون بن عثمان تأليف آخر سماه (سهام الربط في المخمس خالي الوسط). وقد اطلعنا منه على نسخة فإذا فيه أن بعض الإخوان طلب منه تحرير مقالة عن كيفية استعمال المخمس خالي القلب وتصحيح أوتاره فأجابهم إلى ذلك، وقسمه إلى فصول، فجعل قسما في موافقة أسماء الله إلى حاجة الإنسان ومناسبة الوقت لها، مثل طلب الرزق الذي يناسبه الرزاق، الفتاح، الغني، الكافي، الخ ... وإذا كان الموضوع العطف فإن ما يناسبه هو العطوف الرؤوف، الرحيم. وإذا كان عن المطر فإن ما يناسبه هو قوله تعالى: ﴿واستغفروا ربكم إنه كان غفارا﴾ الآية. وإن كان طلب صحو فقوله تعالى: ﴿يا أرض ابلعي ماءك﴾ الآية. وتأتي الفصول بعد ذلك تباعا: في طرح ما تدخل به في الوفق، في كيفية الدخول في الطروحات، في تعمير البيت الوسط، في البخور بعد الصلاة، فإن كان للخير فالتبخر بالجاوي والعود، وإن كان للشر فبالكبريت والحنتيت والثوم، بالإضافة إلى فصل في موافقة الأعداد، وقد ضمنه أبياتا لامية في طريق الوصول إلى سر الروح بالتطهر والتزهد والعمل بالعلم وتجنب السفهاء، بالإضافة إلى تقييد عن جلب الأفلاك الآبقة بالبخور ونحوه (١).
ولكن ما كتبه سحنون بن عثمان هنا لا يخلو من خرافة وسحر رغم أنه حاول أن يصل فيه إلى نتيجة علمية. فقد ولع أشباه العلماء باستخدام الروحانيات واستعمال الحروف والأعداد حتى اختلط عندهم السحر بالعلم والشعوذة بالحقيقة، وتغلب، مع الجهل، روح الشعوذة على روح العلم. وساد ذلك الخاصة والعامة إلا ما ندر.
стр. 919
ومن الذين نقلوا من (مفيد المحتاج) لسحنون بن عثمان واستفادوا منه محمد بن علي الشلاطي المعروف بابن علي الشريف في كتابه (معالم الاستبصار بتفصيل الأزمان ومنافع البوادي والأمصار) (١). وهو كتاب في الفلك والتنجيم ألفه سنة ١١٩٢ بالجزائر. وكان هدفه من تأليفه، كما قال توضيح ما لم يوضحه أحمد بن علي السوسي المعروف بأبي مقرع (٢). ولذلك قال ابن علي الشريف عن كتابه (فهو، بحمد الله، كتاب جامع، وبما يحتاج إليه المبتدئ كفيل ونافع .. وينفتح (به) منغلق السوسي ويتضح ما أهمله، وبينت ما أشار إليه وذكرت ما أغفله .. ورتبته على نمط عجيب غريب. يحتوي على فوائد مهمة .. من معرفة أوقات الصلاة والأذكار، وتحديد القبلة من جميع الأقطار، والتذكر في عجائب العلويات وغرائب السفليات، ومعرفة العام العربي وشهوره .. ومدخل السنة العجمية وكبسها، بضابط قريب .. ومجاري الشمس .. وزمان الحر والقر .. وكذا سائر الدراري وترجلها في البروج والمنازل، وأشير إلى الرياح والأرواح، والبروق والرعد والزلازل).
وبالإضافة إلى النقل عن سحنون بن عثمان وعبد العزيز بن مسلم والأخضري نقل الشلاطي أيضا عن والده، وعن محمد بن يوسف السنوسي، وابن البنا، وعلي بن محمد الدساسي صاحب (شرح اليواقيت) وعن ابن عباد
стр. 920
في رسالته، وأحمد الونشريسي، وعن أحمد بن بلقاسم الزواوي وغيرهم من علماء الجزائر وعلماء المشرق والمغرب الذين ألفوا أو شرحوا في علم الفلك والتنجيم. ومما نقله عن أحمد بن بلقاسم الزواوي، الذي كان حيا سنة ١١٠٥، جدول في الكبس والازدلاف لمدة القرن الثاني عشر، كما نقل عنه تصحيحه غفلة أحمد بن مزيان عن الازدلاف في السنة. ولم يقسم الشلاطي كتابه إلى فصول وإنما جعل له عناوين داخلية حسب الموضوعات التي تناولها. وقد تحدث فيه عن خطوط عرض بسكرة والقلعة وقسنطينة ومدينة الجزائر وزواوة ومليانة. وآخر حديث له فيه كان عن السماوات. ولو عثرنا على بقية كتاب (معالم الاستبصار) لوجدنا فيه فوائد جمة ليس فقط عن الموضوع الذي عالجه المؤلف ولكن ربما عن العصر وأهله أيضا. فقد شكا الشلاطي كثيرا من الظلم والجور وقلة العلم وتغير أحوال الناس. وقال إنه ألفه رغم ازدحام الناس، رجالا ونساء، على زاويته، واشتغاله بتدريس العلم للطلبة وإعطاء الأوراد والأذكار إلى المريدين (١).
وقد أسهم عدد من التلمسانيين في الفلك ونحوه كالتنجيم والحروف المتصلة بالتصوف وعلوم الغيبيات. ومن هؤلاء أحمد بن محمد بن عيسى المرصاوي المعروف بقائد الجيوش. فقد كتب حوالي سنة ٩٦٠، كتابا سماه (لسان الفلك) وهو في علم حساب الحروف والطبائع والبروج وما إلى ذلك. وقد افتتحه بقوله: (الحمد لله الذي أدار الأفلاك الدائرات، وأطلع فيها النجوم الزاهرات، وبعد فقد اختلج في صدري أن أبين ما تضمنته الجداول الأربعة المتشكلة في الزيارج السبتية (٢) من أوتاد البيوت وحروف العدد والمقابلة والمناظرة والوجه والحد). وقد قسمه إلى أبواب وفصول وجاء فيه بجداول كثيرة وغنية. ومن موضوعاته أيضا مصادقة الكواكب
стр. 921
وعداوتها، والسعود والنحوس، وكشف الضمائر والمغيبات (١).
أما عبد الله بن عزوز المراكشي التلمساني فقد عرف بالكتابات التي جمعت بين علوم التصوف وعلوم الحكمة، ومنها الطب والفلك وغيره. ومن كتبه في ذلك:
١ - لباب الحكمة في علم الحروف ونعم الأسماء الإلهية.
٢ - الأجوبة النورانية.
٣ - أثمد البصائر في معرفة حكمة المظاهر.
٤ - ذهاب الكسوف ونفي الظلمة في علم الطب والطبائع والحكمة (٢).
وقد اطلعنا على الكتاب الأخير فإذا معظمه في الطب. وقد قسمه المؤلف إلى سبعين بابا منها أبواب في الطبيعة وعناصرها، وفي العلم والحكمة، وفي علم التوليد بسبب المزاجات والأخلاط. وفي حديثه عن الطب فصل في ذكر العلاج لكل مرض، وكان آخر باب في الكتاب في صفة المعدة وأمراضها وعلاجاتها. أما بدايته فهي: (الحمد لله الذي أفاض على قلوب عباده المحبوبين فنون العلوم والمعاني الكثيفة واللطيفه، وأطلعهم
стр. 922
على الحكم والمعاني، وأدخلهم حضرتهم القدسية). ولا شك أن هذه العبارات وأمثالها هي التي جعلت بعضهم يصنف الكتاب في علم التصوف. والواقع أن عبد الله التلمساني كان ملما بالفلسفة القديمة غاية الإلمام، ولكنه في عصر يرتبط فيه كل شيء بالتصوف كان كلامه لا يخلو من مزالق في هذا الباب. وكان في عمله عميق النظر متحررا بالنسبة إلى علماء عصره. وقد ناقش في كتابه مجموعة من القضايا التي كانت تعتبر محل جدال ونظر بين العلماء، ولا سيما في كتابه (تنبيه التلميذ) الذي حاول فيه التوفيق بين الشريعة والحقيقة والطريقة.
وفي هذا الباب أيضا نجد أحد التلمسانيين يقوم بشرح رجز أبي مقرع في الفلك. ونحن وإن كنا لا ندري الآن اسم هذا المؤلف فإنه يغلب على الظن أنه من أهل القرن العاشر أو الحادي عشر. واسم هذا الكتاب أو الشرح الكبير هو (التاج المرصع في شرح رجز أبي مقرع). ورغم أن هذا الكتاب مبتور الأول قليلا فإنه من الواضح أنه يبدأ بمولد الرسول ﷺ . وقد ضمنه المؤلف جداول كثيرة، وجاء بالخصوص بجدول لعرض مدينة تلمسان التي كان شديد الارتباط بها، حتى أنه كلما ذكرها في الكتاب قال: (أبقاها الله دار إيمان). ومن الذين نقل عنهم في ذلك محمد بن يوسف السنوسي وابن أبي حجلة (وكلاهما من علماء تلمسان) والجادري ونحوهم (١). وينسب إلى أحمد المقري أيضا عمل في علوم الجفر والزيارجة بعنوان (النمط الأكمل في ذكر المستقبل) (٢). ولكننا عرفنا أن ميدان المقري هو الأدب والتاريخ والحديث وليس علوم الغيبيات وأسرار الحروف والكواكب. ولعل هذا التأليف منسوب إليه خطأ.
стр. 923
وفي هذا الصدد نظم أحد الجزائريين أرجوزة سماها (تعديل الكواكب لعرض بلد الجزائر) (١) وهي في علم الفلك كما يظهر من العنوان، ومذيلة بجداول فلكية. ونحن وإن كنا لا ندري من هو صاحب الأرجوزة الذي تشير إليه المصادر فقط باسم (الجزائري)، إلا أننا لا نستبعد أن يكون صاحبها هو محمد بن أحمد الصخري الآتي ذكره.
ومن علماء مدينة الجزائر الذين أسهموا أيضا في علم الفلك والميقات محمد بن أحمد الصخري الأندلسي الأصل الجزائري المولد كما يقول عن نفسه. وكان الشيخ الصخري من علماء المالكية القائمين بتوقيت الجامع الكبير بالعاصمة. وقد أرخ تأليف كتابه بحساب الجمل وهو (بلوغ أمل) (١٠٤٣؟). أما عنوانه فهو (القلادة الجوهرية في العمل بالصفيحة العجمية). ويبدو أن الشيخ الصخري كان ولوعا، بحسب المهنة، بالأشكال الهندسية ودوران الكواكب ومعرفة الظل ونحو ذلك من الربط بين التغيرات الطبيعية وحاجات الإنسان. فقد بدأ كتابه، بعد الديباجة على النحو التالي: (أنه لما اتفق لي في سنة (بلوغ أمل) أن منحت بصفيحة بديعة عجيبة من آلات الوقت الشعاعية، لها أسلوب (؟) غريب، ورقم عجيب، اسمها مكتوم، وطلعها مختوم .. ونادى لسان الوصل الحال أهلا ومرحبا .. فلبيت مجيبا للدعاء، لتحققي أن ذلك من أهم الأشياء .. وأوردتها مجموعة في مقدمة وخمسة عشر بابا وخاتمة .. وسميتها بالقلادة الجوهرية في العمل بالصفيحة العجمية) (٢).
وفي المقدمة عرف الشيخ الصخري بالصفيحة الشعاعية وبأعمالها وأجزائها وأشكالها. أما الأبواب فهي على النحو التالي:
стр. 924
١) في معرفة تعديل الشمس وميلها وموضع القمر وما فيه من النور ومطرح شعاعه.
٢) في معرفة وضع الشمس ونظيرها على مداري جزء كل منهما في خط الطول ومعرفة المطالع الاستوائية لكل منهما.
٣) في معرفة أخذ الارتفاع، أي ارتفاع الشمس.
٤) في معرفة استخراج العرض.
٥) في معرفة غاية ارتفاع الشمس في دائرة نصف نهار مفروض.
٦) في معرفة ما في كل واحد من النهار والليل من ساعة مستوية وكم كل واحد منهما، الخ.
٧) في معرفة فضل الدوائر والماضي من النهار، الخ.
٨) في معرفة سمت القبلة.
٩) في معرفة استخراج الجهات الأربع ونصب القبلة.
١٥) في معرفة ارتفاع الشمس لوقت الظهر، الخ.
١١) في الدائر وفضله.
١٢) في المطالع.
١٣) في مطالع الكواكب الاستوائية في الفلك المستقيم وأبعادها.
١٤) في العمل بالكواكب التي لها طلوع وغروب.
١٥) في الماضي والباقي من الليل.
أما الخاتمة فقد جعلها في التفنن بهذه الصفيحة وذلك باستخراج المجهول بها من المعلوم، ونحو ذلك.
والظاهر أن عمل الشيخ الصخري أكثر علمية من بعض الأعمال التي عرضت لنا حتى الآن. فهو غير مختلط بالأفكار الصوفية والغيبيات واستخدام الروحانيات. وإذا ثبت أن تاريخ تأليفه يعود إلى سنة ١٠٤٣ فإن ما كتبه أيضا عبد الرزاق بن حمادوش، الذي جاء بعده بحوالي قرن، عن العمل بالصفيحة الشعاعية يعتبر مكملا له. فقد ألف ابن حمادوش، كما سنرى في ترجمته، أعما لا في الأسطرلاب، والروزنامة، والتواريخ، والرخامة الظلية، وصورة
стр. 925
الكرة الأرضية، وعلم الملاحة البحرية، والقوس الذي ترصد به الشمس، وغيرها. وكان ولوعا أيضا برسم الجداول ووضع الأشكال الهندسية واستخراج النتائج العلمية منها. وهو بالإضافة إلى ذلك كان مغرما بعلم الطب والصيدلة.
وشبيه بعمل محمد الصخري في الفلك ما ألفه علي بن محمد بن علي البجائي، وهو (تبصرة المبتدئي وتذكرة المنتهى) الذي قال عنه إنه في معرفة الأوقات بالحساب من غير آلة ولا كتابة. وإذا كان محمد الصخري من الموقتين بالمهنة فإن الشيخ علي البجائي كان من المقرئين ومؤدبي الصبيان في مدينة بجاية. غير أن معلوماتنا عن علي البجائي ما تزال قليلة. فنحن لا نعرف عن تأليفه إلا هذا القدر الذي جاء عرضا في أحد المؤلفات الأخرى (١). وقد ذكرنا من قبل أن أحمد بن بلقاسم الزواوي قد وضع عدة جداول، منها جدول في الكبس والازدلاف وآخر في مدخل السنة العجمية، كما صحح خطأ الشيخ أحمد بن مزيان في الازدلاف (٢). وهناك عمل ينسب إلى عبد القادر الراشدي القسنطيني بعنوان (متسعات الميدان في إثبات وجه الوزن وآلات الميزان). وهو العمل الذي ذكره له بروكلمان في باب الطب والعلوم الطبيعية، ولكنه أخطأ حين جعل الراشدي من أهل القرن الحادي عشر الهجري (٣) (١٧ م).
стр. 926
ومن جهة أخرى ألف أحد الجزائريين رسالة في الفلك أيضا سماها (الحاشية الاختصارية الرملية الفلكية)، وهو علي بن حسن الجزائري. والظاهر أن المؤلف كان من أتراك أو كراغلة الجزائر ثم استوطن مصر وبها ألف الكتاب لأنه يذكر في بدايتها عبارات تدل على ذلك مثل (الجزائرلي بلدة، الحنفي مذهبا) وأخبر أنه تلقى علم الفلك والحروف على بعض الصالحين فأراد أن يسهم في هذا الفن في وقت لحق فيه الناس، كما يقول، (التمدين واتخذوا البلاغة معدنه) ومما يدل على نسبته المذكورة أيضا ضعف لغته وعجمتها. ومهما كان الأمر فقد ألف عمله، كما قلنا، في مصر، وليس في عمله إلا إشارة واحدة إلى تاريخ وهو ١١ ربيع الآخر سنة ٨٥ (والظاهر أنه يعني سنة ١١٨٥). وقد اطلعنا على هذا التأليف فوجدناه أقرب إلى خطوط الرمل منه إلى العلم. ومما جاء فيه هذه العبارات ذات الدلالات الخاصة مثل (النار بيت السلطان والهواء بيت الوزير والماء بيت العمال والتراب بيت الرعايا والعساكر والدراويش .. النار تركي اللسان والهواء عربي اللسان والتراب هندي اللسان والماء فارسي اللسان. النار درهم والهواء نصف درهم والماء ربع درهم والتراب ثمن درهم. النار أبيض والهواء أحمر والماء أخضر والتراب أسود الخ) (١).
الطب والجراحة والصيدلة
ولكن العناية بالعلوم الطبية كانت أكبر من العناية بالعلوم الأخرى (ما عدا الفلك) خلال العهد العثماني. ذلك أن الإنسان كان في حاجة إلى
стр. 927
المعالجة، سواء كان في أعلى مكان أو أدناه. حقا أن الإيمان بالقضاء والقدر في هذا الميدان كان مسيطرا على العقول بصفة عامة ولكن بعض الناس كانوا يؤمنون بالعلاج والتداوي واتخاذ الوسائل والأسباب للمحافظة على الصحة، وهم أولئك المؤمنون بالحديث المنسوب إلى الرسول ﷺ : (العلم علمان، علم الأديان وعلم الأبدان). ولذلك وجدنا بعض التآليف والرسائل والأراجيز في علم الطب وفروعه، ووجدنا عددا من المتطببين أيضا. ومع ذلك فإن الخرافة قد اختلطت بالطب في معظم الأحيان. فالعامة كانت تؤمن بالتداوي بالشرب من بئر معينة أو بتعليق تميمة، أو بزيارة ولي، كما أن النسوة خصوصا كن يؤمن ببعض الأسباب غير الطبية للبرء من العقم وحفظ الولاء بين الزوجين، ونحو ذلك.
ومعظم الأدوية الشائعة كانت تتناول الجانب الخارجي من جسم الإنسان. فالجراحة ونحوها كانت شبه معدومة. وكلمة حكيم كانت هي الشائعة عند الناس، وكان الطبيب محل احترام وتبجيل. وكان بعض العلماء وأشباههم يركبون الأدوية من النباتات المتوفرة في البلاد ويصنعون المعاجين والأشربة ويستعملون وسائل الكي والحجامة، ونحو ذلك. وقد وضعوا مجموعة من الوصفات للتغلب على بعض الأمراض الشائعة كوجع الرأس والمعدة والحروق والإصابات الجلدية وضعف الأعضاء التناسلية ووجع المفاصل وغيرها. كما نجدهم قد عينوا أدوية خاصة للتغلب على السموم والتأثيرات الخارجية الأخرى كالإصابة من حرارة الشمس. ونحن نجد في (كشف الرموز) لابن حمادوش وبعض مؤلفات أحمد البوني نماذج حية عن ذلك. والغريب أنه بالرغم من تقدم علم الطب في تاريخ الحضارة الإسلامية واشتغال علماء المسلمين بالجراحة والصيدلة، فإن أهل الجزائر، بمن في ذلك علماؤهم، كانوا يؤمنون بأن الطب مقصور على الأوروبيين (١).
стр. 928
وقد لاحظ الأوروبيون العناية بأنواع العلاج الخارجي في الجزائر. فقد كاذ الجزائريون يتغلبون على الحمى بنبات الشندقورة ونحوه، والرضوض بالكي، والجروح بصب الزبدة الساخنة، والجدري بحفظ المريض في حالة دفء وإعطائه حبات من الكرميس في العسل. كما يعالجون للتورم والالتهاب بأوراق بعض النباتات. وكانت الحناء وسيلة لعارج الحروق والجروح البسيطة (١) وقد فصل ابن حمادوش في معجمه (كشف الرموز) القول في أنواع النباتات والعقاقير وكمياتها وطريقة استعمالها. وكانوا يتغلبون على لدغة العقرب والأفعى بوضع البصل والثوم على مكان اللدغة. كما كان العسل وسيلة كبيرة للعلاج. وكانت للنساء قوابل معروفات بالمهارة. أما على المستوى العام فإن الحكومة كانت تلجأ لحفظ الصحة إلى الحجر الصحي عندما تعلم بانتشار الطاعون والأمراض المعدية في إحدى السفن الداخلة إلى الجزائر.
وكان كبار المسؤولين في الدولة يهتمون بشؤون صحتهم الخاصة ويصطنعون لهم الأطباء كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا. حقا إنهم لم يشجعوا دراسة الطب في المدارس ولم ينشئوا أكاديميات طبية للبحث، لكنهم كانوا مهتمين فقط بالأسباب العاجلة. لذلك نقرأ في الوثائق أن بعض الباشوات والبايات قد جلبوا أطباء أوروبيين بالشراء ونحوه. ومعظم هؤلاء الأطباء كانوا يأتون أسرى عند النزاع البحري، ولكن بعضهم كان قد استجلب من بلاده أو كان مقيما في الجزائر لأغراض تجارية أو سياسية. فقد روى لوجي دى تاسي أنه كان للباشا بابا علي طبيب جراح فرنسي كان قد وقع أسيرا (٢). كما قيل إن الطبيب الإنكليزي بودوين كان طبيبا للباشا حسين (٣). وقد عرف
стр. 929
عن صالح باي أنه اشترى طبيبا إيطاليا يدعى باسكال قاميزو بألف محبوب عندما وقع هذا الطبيب في أسر الرئيس محمد الإسلامي (١). كما أن الباي حسين بوكمية، باي قسنطينة، كان له طبيب هولاندي يدعى سانسون، وكان سانسون هذا على صلة بالطبيب الانكليزي الرحالة توماس شو وهو الذي قدم له معلومات جغرافية وغيرها عن قسنطينة عندما زار شو هذه المدينة (٢)، ويظهر أنه بينما كان الباشوات والبايات يجلبون الأطباء لأنفسهم ويؤمنون بقيمة الطب (الأوروبي)، كانوا لا يهتمون بصحة السكان عموما، تاركين العامة للطب التقليدي الذي تحدثنا عنه.
ومن أخبار الباي محمد الكبير أنه كان يعتني بالطب ويشجع العلماء على التأليف فيه واختصار المطولات منه. فكاتبه أحمد بن سحنون يقول عنه إنه كانت للباي في الطب اليد الطولى، وإنه كان يصف للناس الدواء ويدفع لهم ما حضر منه، حتى أن المساكين كانوا يفزعون إليه كما يفزعون إلى طبيب ماهر. ويدل هذا على عناية الباي بالطب عموما واهتمامه بصحة الناس. كما يدل على أن الناس كانوا يعتقدون في الدواء إذا توفر لهم. وبفضل عناية هذا الباي بالطب قام بعض العلماء بالتأليف فيه واختصار المطولات الطبية منه. فهو الذي أوحى إلى أحد الشيوخ، ويدعى عبد اللطيف (؟)، بوضع كتاب سماه (المنهل الروي والمنهج السوي في الطب النبوي). كما أمر كاتبه ابن سحنون بجمع طب القاموس، فجمعه له وزاد عليه من كلام الأطباء حتى صار تأليفا هاما. وكان الباي يجيز من يفعل ذلك بالمال الجزيل (٣). ويظهر من هذا الخبر أن الباي كان يؤمن بالطب عموما والطب النبوي خصوصا، وأنه كان يقتدي بالنبي ﷺ في طبه، وأنه كان (يصف الدواء لأصحابه ويتداوى في نفسه من عوارض الأمراض) كما يقول ابن سحنون. وقد قيل عن الباي محمد الكبير بأنه كان يفخر بوصف
стр. 930
نفسه بأنه (طبيب الفقراء) (١).
وقد كانت مصادر الطب العربي متوفرة في الجزائر، وكنا لاحظنا من دراستنا للمكتبات وفرة الكتب الطبية ولا سيما تآليف ابن رشد وابن سينا وداود الأنطاكي وابن البيطار. وفي رحلة ابن حمادوش أسماء مؤلفات طبية بالعربية وأخرى مترجمة كان يرجع إليها هو وأمثاله، كما أن مدرسة تلمسان الطبية لم تأفل تماما، ولا شك أن كتابات إبراهيم بن أحمد التلمساني ومحمد بن يوسف السنوسي في الطب كانت معروفة ومتداولة (٢)، ورغم أننا لا نعرف تأليفا في الطب لسعيد المقري فإن تلاميذه ومعاصريه يقولون عنه إنه كان يجمع بين العلوم النقلية والعقلية، ولا سيما الطب والتشريح والهندسة والفلاحة والتنجيم (٣).
والجمع بين التأليف في التصوف والطب لم يكن مقصورا على السنوسي. فهذا محمد بن سليمان الذي وضع موسوعة ضخمة في التصوف، وكان ممن جمع بين العلم والتصوف، قد نظم رجزا في الموازين والمكاييل الطبية والشرعية جاء فيه:
ودانق حبوبه ثمان ... من أوسط الشعير لانقصان
ورطلهم في الطب بالبغدادي ... والوزن في الزكاة قال الهادي
يكون بالمكي والمكيال ... بالمدني مدمن ماء قالوا
كما نقل عن محمد السنوسي في شرحه لحديث المعدة، وعن بعض
стр. 931
المعاصرين له أمورا سحرية كتعليق المصاب بالحمى اسمي فرعون وهامان. والطب والسحر في هذا العصر كانا مختلطين، ومن جهة أخرى نقل ابن سليمان عن محمد البوني كلاما طويلا في الرياضة البدنية والصوفية (١)، وقد عرفنا أن ابن سليمان عاش في منتصف القرن الحادي عشر.
ورغم اشتهار محمد بن أحمد الشريف بكتب المناقب والتصوف فإنه قد ألف أيضا رسالة في الطب النبوي سماها (المن والسلوى في تحقيق معنى حديث لا عدوى). وهي رسالة صغيرة تقع في ثلاث عشرة ورقة حلل فيها معنى الحديث المذكور وانتصر فيها للطب النبوي، وقد أهداها بنفسه إلى السلطان العثماني أحمد باشا سنة ١١٤٩ (٢)، كما أن عبد الله بن عزوز المراكشي التلمساني قد جمع في كتابه: (ذهاب الكسوف ونفي الظلمة في علم الطلب والطبائع والحكمة) (٣) بين التصوف والفلسفة والطب، كما ذكرنا سابقا.
ولكن أبرز من ألف في الطب، بعد ابن حمادوش، هو أحمد بن قاسم البوني (٤). وقد خلط البوني أيضا بين الطب المعروف والطب الروحاني، وله عدة أعمال في هذا المعنى. من ذلك تأليفه المسمى (إعلام أهل القريحة في الأدوية الصحيحة) الذي ألفه سنة ١١١٦، والجزء الذي عثرنا عليه من هذا التأليف ناقص من أوله، لأن أوله هو نهاية الحديث عن أمراض العين، ويأتي بعد ذلك الحديث عن أمراض الأذن والأنف والأسنان والفم والسعال والسل، وقد تحدث البوني فيه أيضا عن أمراض الرحم والذكر وأدوية الجماع وحفظ الأجنة، وتكلم عن الأدوية المسمنة، وعن الحمى، ولدغة الحيات، وأشهى أنواع اللحم، ونحو ذلك، وهو يصف الداء والدواء، ولكنه يأتي بالخرافة وبالعلم معا. فعن سقوط الأجنة نصح المرأة بشرب كمون أو تعليقه، وكذلك
стр. 932
تعليق لؤلؤ أو مرجان أو زبد حر وأضاف بأن العقرب الميتة إذا علق على حامل بعد جعلها في خرقة لا تسقط أبدا، ولو كان من عادتها الإسقاط، وقال انه جرب فكتب كتابا وعلق في رقبة المحموم جوزة الطيب فزالت عنه الحمى. كما ذكر أنه عند إقامته بتونس، وهي كثيرة العقارب صيفا، كان يردد عبارة ذكرها تمنع العقارب من دخول البيت، ونحو ذلك. وقد نقل عن جده، محمد ساسي، بيتين فى الطب الروحاني، وعلق البوني على ذلك بقوله: (وهذا بحر واسع تكفي منه رشفة) (١)، ولعل هذا الخلط بين الطب والخرافة هو الذي جعل بروكلمان يذكر تأليف البوني هذا في باب التصوف والأسرار.
وللبوني تأليف آخر في الطب سماه (مبين المسارب في الأكل والطب مع المشارب). وكان قد وضعه نظما في آخر حياته (سنة ١١٧٢). وهو تأليف أكبر من الأول حجما ولكنه جمع فيه بين عدة مصادر كالأول وخلط فيه أيضا بين العلم والخرافة. فهو في الواقع قد نقل عن غيره ما كتبوه في أسماء الأدوية وطريقة التدوي، وأنواع المأكولات والمشروبات، أمثال ابن البيطار والسيوطي وعلي الأجهوري وابن العماد والسنوسي والشعراني والأنطاكي، وأحمد زروق، وغيرهم، وقد بلغ نظمه هذا أكثر من ألفي بيت (٢)، وجمع فيه نظم غيره أيضا، مثل نظم الأجهوري وصاحب المستطرف والخراطي، قائلا:
وقد أكرر كأهل الفن ... زيادة في النفع دون من
وقد بدأ نظمه بداية تقليدية مبينا أن دافعه هو الحديث القائل بأن الطب نصف العلم وأنه أراد أن ينفع بعلمه في هذا الباب:
يقول أحمد الفقير البوني ... هو ابن قاسم الرضى المصون
الحمد لله الذي أباحا ... الطيبات زادنا أرباحا
جاعل علم الطب نصف العلم ... كما أتى عن النبي ذي الحلم
وقد تحدث فيه عن المأكولات المستطابة والمفضلة وعن أدب الضيف
стр. 933
مع المضيف، وما أكله النبي ﷺ ، وما فيه منفعة طبية. وقسمه إلى فصول لها عناوين، مثل: أنواع المأكولات والمشروبات، آداب الضيف، مأكولات الرسول ﷺ ومشروباته، شرب القهوة والدخان، ونحو ذلك. ومن أخباره الطبية أن أكل التين يذهب مرض القولنج، وشرب العسل على الريق أمان من الفالج، وأكل السفرجل مفيد للأطفال، وأن الرمان ينفع الكبد، وأكل الزبيب مذهب للوصب، وأكل الكرميس يقوي المعدة، وأن أطيب اللحم لحم الظهر وأفضله المشوي لا المطبوخ، وأن أكل الأرز يزيد في العمر، ولا سيما الأرز الأبيض بالزبدة والسكر. وأشار إلى أن شر الطعام الباذنجان، كما تحدث في تأليفه عن الأمراض المعنوية كالنسيان.
ومن الموضوعات التي حظيت بالتأليف، الطاعون ومضاره والتغلب عليه. فقد ألف فيه ابن حمادوش رسالة سنعرض إليها. وذكر أحمد بن سحنون أنه نظم قصيدة في الطاعون الذي هاجمهم سنة ١٢٠٢، واضطره هو للجلاء عن معسكر تاركا أوراقه ورقاعه (١)، وألف أبو راس الناصر كذلك كتابا سماه (ما رواه الواعون في أخبار الطاعون) ويبدو أنه جمع فيه ما قيل عن الطاعون وأضراره، ولعله قد استوحاه أيضا من طاعون سنة ١٢٠٢، لأنه كان عندئذ بمعسكر، وكثيرا ما أصاب الطاعون الجزائر، شرقا وغربا، وتسبب لها في جوائع ووفيات كثيرة، والذي يقرأ (البستان) لابن مريم و (منشور الهداية) للفكون سيجد أن كثيرا من العلماء قد أودى بحياتهم الطاعون. وقد عانت منه تلمسان ومدينة الجزائر وقسنطينة حيث يزدحم السكان وتنتشر الأوبئة بسرعة.
ومن الذين ألفوا في الوباء الذي أصاب مدينة الجزائر بالخصوص، محمد بن رجب الجزائري الذي لا نعرف الآن أن له مؤلفات أخرى. فقد جمع سنة ١٢٠٠ رسالة سماها (الدر المصون في تدبر الوباء والطاعون) (٢)، ولا ندري الآن حجم هذه الرسالة ولكن يبدو أنها مهمة. فقد طالع صاحبها
стр. 934
كتبا عديدة في الطب مثل قانون ابن سينا وتذكرة الإنطاكي ومفردات ابن البيطار حول الوباء والطاعون، وقد رآها صاحب (تعريف الخلف) فوجد أن محمود بن علي بن الأمين قد أضاف إليها مقدمة من سبعة فصول وخاتمة. ومهما كان الأمر فإن رسالة ابن رجب عبارة عن جمع وتلخيص لأقوال الحكماء السابقين حول الطاعون، ولا ندري هل المقدمة التي كتبها لها محمود بن الأمين تعتبر هي أيضا جمعا وتلخيصا لما فات ابن رجب أو أنها كانت تضم تجاربه ومشاهداته الخاصة في الموضوع (١).
وفي آخر هذه النقطة نشير إلى أن محمد بن علي بن باديس الصنهاجي قد ألف كتابا في الأدوية ومنافعها سماه (المنافع البينة وما يصلح بالأربعة أزمنة). وقد بنى عمله أيضا على قول الرسول ﷺ (العلم علمان علم الأديان وعلم الأبدان). وجمع فيه ما اختصره من كتب الطب المختلفة والأحاديث المسندة، واعتمد على كتب الأقدمين في الأدوية كالرقا والخواتم ووقوع المرض في الشهور العجمية، ومعرفة النبض والبول، وما يستدل به على الأمزجة من الأحلام والفصد والحجامة والإنذار بالحوادث الرديئة. ومن مصادره في ذلك الرازي والطبري وابن زكريا والمنصوري وحنين بن إسحاق وأفلاطون وهرموس، ودقيوس وجالينوس. وقسمه إلى ثمانية أبواب على النحو التالي: في الأربعة أزمنة وما يستعمل فيها من حفظ الصحة، في علاج الرأس، في علاج العينين والوجه، في علاج الأذنين والأضراس والحلق، في علاج القلب والصدر والرئة والطحال، في علاج البطن والسرة والمعدة والكبد، في علاج الكلى والخاصرة، والحصا وحرقة البول، ومن يقعد بالدم ومن وجع الظهر، وعلل أرحام النساء ومقويات الجماع، ثم علاج الوركين والفخذين والركبتين والساقين والقدمين (٢)، ولا شك أنه من التآليف المفيدة لو عرفنا عصر صاحبه.
стр. 935
عبد الرزاق بن حمادوش
ولد عبد الرزاق بن محمد بن حمادوش الجزائري في مدينة الجزائر سنة ١١٠٧ وعاش إلى أن تجاوز التسعين، حسب بعض الباحثين، ولكننا لا ندري متى توفي بالضبط، والغالب على الظن أن الوفاة قد أدركته بالمشرق بين ١١٩٧ و ١٢٠٠ (١). وقد نشأ بمدينة الجزائر وتعلم بها العلوم الشائعة عندئذ، وكان من أسرة متوسطة الحال تلقب بأسرة الدباغ لأن والده وعمه، كما يظهر، كانا يشتغلان بالدباغة. وقد تجوز عبد الرزاق صغيرا من ابنة عمه حسب العائلات المحافظة، وكانت أسرته على صلة بطبقة التجار والحرفيين في مدينة الجزائر، لذلك تزوجت أخته من عائلة تشتغل بالحرارة، وتزوج هو مرة ثانية من عائلة تحترف صناعة النحاس وتلميعه، ويبدو أن والده قد توفي وهو ما يزال صغيرا لأنه لم يذكره في عقد زواجه الأول ولا الثاني بينما ذكره في عقد زواج أخته. وبعد زواجه من ابنة عمه ظل عبد الرزاق في رعاية عمه يسكن عنده، ولكن هذا الزواج مجهول القيمة بالنسبة لحياة ابن حمادوش، فهو لم يذكر أنه أنجب أطفالا من ابنة عمه كما تحدث عن أطفاله من زوجه الثانية. فهل تحدث عن ذلك في الجزء الأول المفقود من رحلته؟ وعلى كل حال فإن عبد الرزاق قد عاش حياة مليئة بالفقر والضيق ولم يستطع أن يشق طريقه إلى الثروة والجاه كما كان يفعل المتصلون بالولاة وأرباب السلطة من العلماء. وقد كان الفقر سببا في شقاء زواجه أيضا حتى هربت منه زوجه الثانية وطلبت الطلاق وفارقته أمه وأخوه. وحاول الجمع بين العلم والتجارة فلم يحالفه النجاح، لأنه، كما قال، كان لا يفارق الكتب.
تعلم ابن حمادوش عن طريق الدرس والإجازة والرحلة، ومن سوء
стр. 936
الحظ أن المصادر التي لدينا لا تتحدث عن ثقافته الأولى في الجزائر، ولكنه قد صرح فيما بعد أن كل العلوم تلقاها بالدرس إلا الكيمياء والسيمياء والموسيقى فقد أخذها بالإجازة. ومعنى ذلك أنه جلس للدرس في الجزائر وغيرها على مشائخ الوقت، أمثال المفتي محمد بن نيكرو، والقاضي مصطفى بن رمضان العنابي، والقاضي الأديب محمد بن ميمون الذي كان يسميه (شيخنا). ومن المؤكد أنه درس في المغرب على أحمد الورززي ومحمد البناني، وأحمد السرائري، وأحمد بن المبارك، وحصل منهم على إجازات سجلها في الجزء الثاني من رحلته، وتتلمذ في الطب على عبد الوهاب أدراق طبيب السلطان اسماعيل وأولاده، كما درس على الشيخ محمد زيتونة التونسي، وكان أيضا يسميه (شيخنا)، في مكان لا نعرفه، ولعله الإسكندرية أو تونس. وكان ابن حمادوش معاصرا في الجزائر لعلماء بارزين ذكرنا بعضهم، وخصوصا أحمد بن عمار وابن علي والحسين الورتلاني. فهو إذن من إنتاج القرن الثاني عشر (١٨ م) الذي عرفت فيه الحركة الثقافية نشاطا ملحوظا.
ولكن ثقافة ابن حمادوش كانت تقوم أساسا على عنصرين هامين الأول الرحلة، والثاني قوة الملاحظة والتجربة. فقد بدأ الرحلة وهو صغير السن، فحج سنة ١١٣٠ بالبر عبر تونس، ولا ندري كم بقي في المشرق هذه المرة ومن لاقى من العلماء في تونس وطرابلس ومصر والحرمين، وما الإجازات والدروس التي حضرها. غير أننا نجده سنة ١١٤٥ في المغرب الأقصى حيث جاء في رحلته التي اطلعنا عليها أنه كان هناك عندئذ وأنه كتب قصيدة ليقدمها إلى السلطان عبد الله، غير أنه عدل عن ذلك لسبب غير واضح، ولعله يعود إلى خشونة الحجاب أو لضعف الشعر أو خمول الشهرة، وقد اكتفى ابن حمادوش بقوله (أغناني الله عن لقياه). ويبدو أنه كان يتردد على المغرب للتجارة والعلم. فقد وجدناه أيضا هناك سنة ١١٥٦، حين أطال فيه الإقامة، ووصف نشاطه. فقد درس على عدة مشائخ في تطوان وفاس ومكناس وأجازوه وجلس للتدريس بعض الوقت، واشترى وطالع ونسخ الكتب
стр. 937
الكثيرة، وعاين الثورات السياسية والعادات الاجتماعية والتطورات الاقتصادية في المغرب ووصف وكتب عن كل ذلك. وبعد أكثر من عام عاد ابن حمادوش إلى وطنه وقد اكتسب علما غزيرا ولكن تجارته كسدت وأوشك على الهلاك كما صرح بذلك، فاكتفى من الغنيمة بالإياب، وآخر تاريخ نعرفه عن تحركاته هو سنة ١١٦١، ففيه كان في مدينة رشيد يؤلف رسالته (تعديل المزاج). والغالب على الظن أنه غادر الجزائر للحج أو نحوه في تلك السنة، ولا ندري إن كان قد عاد إلى الجزائر أو مات في المشرق (١).
ورغم أن ابن حمادوش قد تثقف ثقافة معاصريه من لغة وفقه وأدب وتصوف وتوحيد، فإنه كان بطبعه ميالا إلى الكتب العلمية، وقد روى أنه درس تأليف القلصادي في الحساب، وشرح محمد السنوسي على الحباك في الإسطرلاب، والقانون والنجاح والطلاسم لابن سينا، ومقالات أقليدس، وشرح ابن رشد على منظومة ابن سينا، وتاريخ الدول للملطي وهو في أخبار العلماء والأطباء، وكتاب السطي في ذوات الأسماء والمنفصلات. وطالع عمل عبد الرحمن الفاسي في علم البونبة. كما ولع بكتب المنطق وألف فيه. وبالإضافة إلى هذه المصادر اعتمد ابن حمادوش على التجربة والمشاهدة. فقد كان يخرج للجبال المجاورة لمدينة الجزائر لإجراء التجارب والتقاط الأعشاب والتدرب على رمي البونبة ووزنها وبارودها ومسافة انطلاقها. وعندما كان في المغرب سجل ملاحظات علمية هامة أثناء مروره من تطوان إلى فاس والعكس. فلاحظ عذوبة وملوحة الأمياه، وأنواع الأشجار والطيور
стр. 938
والحيوانات وغرائبها، كما لاحظ حركات النجوم وعالج التغلب على الحمى، ونفس الشيء فعله عندما كان في الجزائر ومصر أيضا حيث سجل في كتابه (كشف الرموز) ما شاهده من غرائب النبات هناك، كما وضع ميزانا للماء وهو في الجزائر.
ومن بين أنواع العلوم اهتم ابن حمادوش خصوصا بالطب والفلك، وألف في ذلك عدة تآليف سنذكرها، وقد كتب عن نفسه، وهو ما يزال في شبابه (سنة ١١٤٥) بأنه أصبح طبيبا وصيدليا وعشابا، وافتخر ذات مرة بأن الأعشاب التي قيدها في تأليفه كلها معروفة لديه، وكان كثير القراءة في كتب الطب القديمة، عربية وأجنبية. فقرأ ولخص ودرس تآليف ابن سينا وابن البيطار والأنطاكي. وقال عن كتاب الدول للملطي أنه (لم ير مثله في التراكيب العربية وأساليبها فيما عرب من كتب النصارى). ونقل عنه تراجم عدد من الأطباء، مسلمين وغيرهم، أمثال الرازي والفارابي، والبيروني، وابن سهل صاحب بيمارستان جند سابور، والمنجم أبي معشر البلخي، ومحمد بن جابر البتاني، ومحمد البوزجاني، وإقليدس. وقد أراد أن يؤلف كتابا كبيرا في علم الطب وفروعه فكان (الجوهر المكنون من بحر القانون)، الذي يبدو من عنوانه أنه اعتمد فيه على كتاب القانون لابن سينا.
وقد تحدث ابن حمادوش في رحلته عن هذا الكتاب فقال إنه قد رتبه على أربعة كتب. الكتاب الأول في السموم وذوات السموم والعلاج منها، والكتاب الثاني في الترياقات وما يجري مجراها ... وبعض المعاجين التي يضطر إليها، والكتاب الثالث في الأمراض بناه على جدول حنين ابن إسحاق، أما الكتاب الرابع فقد خصصه لحل ألفاظ المفردات وتعريبها (١)، وقد قال ابن حمادوش عن كتابه (الجوهر المكنون) بأنه (كتاب جليل .. يتوشح به الأصاغر ولا تمجه الأكابر. فيه الأسباب والعلامات والعلاجات)،
стр. 939
كما جاء في رحلته بأنه قد أتمه بعد أكثر من سنة من العمل فيه، وبالإضافة إلى هذا الكتاب ألف ابن حمادوش في الطب رسالة سماها (تعديل المزاج بسبب قوانين العلاج) والظاهر أنه ألفها عندما كان في مدينة رشيد بمصر، وهي في أمراض وعلاج الأعضاء التناسلية ونحوها (١).
كما ألف عدة رسائل وكتب في الفلك. فقد وضع تأليفا أضاف فيه ما تعلمه من كتاب عبد الرحمن الفاسي عن البونبة، وخرج بنفسه إلى ضاحية العاصمة وتعلم الرمي والمقاسات والأحجام ثم كتب ما كتب في الموضوع قائلا (فتممت ما بقي لي (من هذا العلم) .. وأخذت علم البونبة بارتفاعها وتعميرها ورميها وعجن بارودها، فأنا من علمائها). ودرس ابن حمادوش علم الطرق البحرية (وهو يسميه علم البلوط) وقال إن (يدي صحت في هذا العلم " وألف في ذلك، كما وضع خريطة توضح اتجاه الرياح ووصف طريقة استعمالها. وألف عملا آخر في صورة الأرض قال عنه (لم أسبق به). وسنذكر تآليفه في هذه العلوم وغيرها بعد قليل. لكن نلاحظ أن تآليف ابن حمادوش يغلب عليها اختصار المطولات وصغر الحجم. ومع ذلك فإنها تدل على أن اتجاه صاحبها كان اتجاها صحيحا سابقا لعصره، وأن ابن حمادوش لو وجد حكومة رشيدة ترعى العلوم والعلماء لكان له شأن آخر في وقته. ويمكن مقارنة ابن حمادوش الجزائري بقليليو الإيطالي ونيوتن الإنكليزي في الروح والتمرد على معايير العصر والإيمان بالعلم.
ولنورد هنا قائمة تآليف ابن حمادوش في العلوم فقط (٢) ليقف المتتبع لحياته على أنواعها وأهميتها:
١ - شرح على قصيدة الربع على كردفر.
стр. 940
٢ - تأليف في الروزنامة.
٣ - تأليف في الأعشاب لم يذكر عنوانه وإنما قال عنه (فإن الأعشاب المقيدة في تأليفي كلها معروفة عندي). ولعل هذا التأليف هو بعينه الكتاب الرابع من (الجوهر المكنون) الآتي ذكره.
٤ - الجوهر المكنون من بحر القانون (في الطب). وهو التأليف الذي جعله في أربعة كتب، كما أسلفنا، أحدها (وهو الرابع) في الأعشاب.
٥ - تأليف في الفلك جمع فيه التواريخ السبعة التي تعلمها. وقال في رحلته عنه (وسميته) ولكنه ترك بياضا بعد هذه الكلمة.
٦ - تأليف في الإسطرلاب والربع المقنطر لم يذكر له عنوانا.
٧ - تأليف في القوس الذي يأخذ به الأوروبيون (النصارى) حركة الشمس، ولم يذكر له عنوانا أيضا.
٨ - تأليف في الرخامة الظلية بالحساب استخرجه من كتاب للأوروبيين، ولم يذكر له عنوانا.
٩ - تأليف في صورة الكرة الأرضية مستوحى من مطالعته لكتاب رضوان أفندي في صورة الكرة، أشار إلى أنه (ساع في إكماله) ولم يذكر له عنوانا.
١٠ - تأليف في علم البلوط (أو معرفة الطرق البحرية)، لم يشر إلى عنوانه.
١١ - كارطة (أو خارطة؟) لرسم اتجاهات رياح البحر، دون ذكر عنوان لها، ولكنه رسمها بدقة.
١٢ - تعليق على ألفاظ الديباجة الواردة في منظومة ابن سينا (؟) ولم يذكر لذلك عنوانا.
١٣ - بغية الأديب من علم التكعيب، أتمه سنة ١١٤٣.
١٤ - فتح المجيب في علم التكعيب، ألفه بعد أن اطلع على كتاب للأوروبيين في المساحة والهندسة وانتهى منه سنة ١١٦٠. ويبدو أنه تنقيح وتوسيع لكتابه (بغية الأديب).
стр. 941
١٥ - شرح على منظومة ابن غرنوط، والظاهر أنه هو نفسه (بغية الأديب).
١٦ - تأليف في عمل البونبة أضافه إلى ما كان قد تعلمه من تأليف عبد الرحمن الفاسي في نفس الموضوع.
١٧ - تعديل المزاج بسبب قوانين العلاج، أتمه على ما يظهر سنة ١١٦١ في مدينة رشيد بمصر.
١٨ - تأليف في الطاعون الذي أصاب الجزائر في وقته، لا نعرف عنوانه.
ولابن حمادوش، بالإضافة إلى هذه الكتب العلمية، مؤلفات أخرى في الأدب والرحلة والمنطق والنحو والشعر. وباستثناء التأليفين الأخيرين، فإن جميع بقية التآليف قد ذكرها في الجزء الثاني من رحلته ومعظم هذه الكتب غير معروفة الآن وهي في حكم الضائعة. وقد تناولنا في دراستنا الجزء الثاني من رحلته وفصلنا القول فيه لأنه موجود. وبقي أن نتحدث عن (كشف الرموز) الذي طبع عدة مرات وعن (تعديل المزاج) الذي وصفه من اطلع عليه (١).
كتابه كشف الرموز:
سبق أن أشرنا إلى أن الكتاب المطبوع بعنوان (كشف الرموز) لابن حمادوش هو في الواقع الكتاب الرابع من مؤلفه الكبير في الطب الذي سماه (الجوهر المكنون من بحر القانون). ولم يهتد إلى ذلك ليكليرك الذي ترجم
стр. 942
الكتاب إلى الفرنسية ولا كولان الذي درس الكتاب وحصل به على الدكتوراه في الطب ولا ناشره بالعربية السيد أحمد بن مراد التركي المعروف برودوسي. غير أن كولان ورودوسي تفطنا إلى أن الكتاب غير مستقل بذاته نظرا لبدايته التي لا تتماشى مع ما اعتاده المؤلفون المسلمون من الديباجة المتضمنة للغرض من التأليف واسم الكتاب وخطته ونحو ذلك. ذلك أن (كشف الرموز) يبدأ مباشرة بالكتاب الرابع وينقل عن ابن سينا عدة صفحات ثم ترد فيه قائمة أسماء النباتات وغيرها والأدوية من الأمراض. وحين وصف ابن حمادوش في الرحلة الكتاب الرابع من (الجوهر المكنون) قال عنه (ونويت أن أجعل الكتاب الرابع في حل ألفاظ المفردات وتعريبها ما أمكن). وقد علمنا أنه قد انتهى من الكتاب ووفى فيه بما نوى، وشرح المفردات وعرب ما شاء. والذي كشف لنا عن هذه الحقيقة هو الجزء الثاني من رحلته. ولعل حرص الناس على التداوي بالأعشاب هو الذي جعل بعض النساخ يفصلون الكتاب الرابع عن بقية (الجوهر المكنون) الذي لا يهم في بقيته إلا الخاصة وأمثالهم، فكثر تداول الكتاب الرابع ونسي أصل الكتاب. لذلك كثرت نسخ الكتاب الرابع إذ نجد منها في الجزائر (١) وفي المغرب الأقصى (٢) وفي باريس، وهكذا، بينما لا نعرف شيئا عن بقية (الجوهر المكنون) إلا ما وصفه به مؤلفه في الجزء الثاني من رحلته (لسان المقال).
ومهما كان الأمر فإن (كشف الزموز) عبارة عن قاموس طبي سار فيه ابن حمادوش على طريقة المعاجم الأبجدية. وضمنه بعد مدخل في أنواع وأوصاف الأدوية، أسماء النباتات والعقاقير والحيوانات والمعادن أيضا. ولذلك فإنه من الخطأ إضافة عبارة (في بيان الأعشاب) التي ظهرت في الطبعة العربية، فالكتاب يتناول غير النباتات أيضا. ولم يذكر المؤلف حرفي الغين والضاد في معجمه، ربما لعدم توفر أسماء الأدوية ونحوها في هذين الحرفين. وقد ذكر فيه أسماء بتعريفات ومصطلحات الأطباء السابقين له.
стр. 943
وكان يكثر من تأصيل كل اسم وما يعرفه عنه فيقول (عندنا) كذا، وفي مصر يسمى كذا، وفي سورية كيت وكيت، وهكذا. وجاء فيه عدد من أسماء الأدوية وغيرها التي وردت على الجزائر من أوروبا في العهد العثماني أيضا، بالإضافة إلى أسماء بعضها في اللهجات المحلية. والكتاب يضم حوالي ألف مادة (٩٨٧ مادة) في مختلف الأنواع المذكورة، ويشتمل على جميع الأدوية والأمراض المعروفة في الجزائر في وقته.
وقد اعتمد ابن حمادوش على مصادر كثيرة لكتابة عمله، حتى أن ليكليرك زعم أن ابن حمادوش قد اختصر أعمال الأقدمين في الطب وأنه سار على نفس طريقتهم الأبجدية، ولكنه أضاف إلى ذلك ما استحدث عند قومه وما ورد عليهم من الأسماء من أوروبا. وقد رجع ابن حمادوش إلى مؤلفين مسلمين ويونان. ولنذكر من هؤلاء داود الأنطاكي صاحب (التذكرة) الذي قيل إن ما أخذه عنه ابن حمادوش بلغ أربعين مادة. وأخذ أيضا عن ابن البيطار، كما استعان بابن سينا ولا سيما بكتابه (القانون) الذي طبع في رومة قبل ميلاد ابن حمادوش. ويرجح ليكليرك أن ابن حمادوش قد أخذ عن نسخة رومة، لأنه وجد نسخة في الجزائر وأخرى في وهران من هذه الطبعة. ولكن هذا غير مؤكد، فقد يكون أخذ عن نسخة مخطوطة من (القانون). ومن جهة أخرى أخذ ابن حمادوش عن علماء اليونان وغيرهم مثل: بول، وغاليان، وديوسكوريدس وغيرهم بطريقة غير مباشرة، أي أنه رجع في ذلك إلى مؤلفات المسلمين السابقة له. وأخيرا اعتمد ابن حمادوش على مؤلفين مسلمين آخرين أمثال ابن ماسويه، والإدريسي، والسنوسي، وزروق، والقزويني. ولكننا قد عرفنا أن أغنى مصدر رجع إليه ابن حمادوش هو التجربة الشخصية. كما عرفنا أنه كان يعود أيضا إلى الكتب المعربة عن الكتب الأوروبية وأنه قد أكثر من الإشارة إلى ذلك في رحلته.
وقد أشاد كل من ليكليرك وكولان بأصالة فكر ابن حمادوش وأهمية العمل الذي قام به في (كشف الرموز) فقد قال الأول ان ابن حمادوش لم يستند إلى الخرافات في عمله وإن فيه إضافات جديدة في المواد الطبية التي
стр. 944
لا علاقة لها بالأدوية الأوروبية، وإن قرب تأليفه من وقت دخول فرنسا للجزائر هو الذي جعله يقدم على ترجمته، لأهمية موضوعه في التعرف على عادات التداوي عند السكان (١). وفي مكان آخر ذكر ليكليرك بأن عمل ابن حمادوش لم يكن مجرد اختصار لعمل غيره لأنه ضمنه أدوية لم تكن معروفة للأنطاكي وأمثاله وأنه ذكر فيه أدوية أوروبية أصبحت متداولة في الجزائر، ولذلك قال ليكليرك بأن (كشف الرموز) يشكل صفحة هامة في تاريخ الطب، وقال عن مؤلفه إنه يعد في نظره من أواخر الممثلين للطب العربي (٢). أما كولان فقد أشاد (بعصرية) تفكير ابن حمادوش لبعده عن التصوف والخرافات. وقال عن (كشف الرموز) بأنه من الكتب التي تركت أثرا عميقا في تقاليد الطب في القطر الجزائري، وأنه مرجع للسكان في علاج الأمراض الشائعة عندهم (٣).
ولعل مصدر الإعجاب بـ (كشف الرموز) يعود إلى كون ابن حمادوش قد سار فيه على طريقة واضحة. فبعد المدخل أي النقل عن ابن سينا، والترتيب الأبجدي، يأخذ في تعريف الدواء ووصفه وأنواع الأسماء الأخرى التي تطلق عليه في مختلف البقاع، وذكر خصائصه وفوائده العامة وفوائده الخاصة، وكيفية استعماله والكمية الضرورية منه ومشتقاته. ومن جهة أخرى يذكر الأمراض التي يستعمل لها الدواء ويتعرض لها الجسم ويحدد منافع كل نبات أو غيره، فيقول إن كذا صالح لوجع كذا. وكان ابن حمادوش يذكر عبر كل ذلك مقادير كل دواء بالموازين الشائعة عندئذ، ولعل ذلك هو ما حبب الكتاب إلى الناس أيضا. وبناء على (كشف الرموز) فإن الموازين وما يقابلها بالغرامات هي ما يلي (٤):
стр. 945
القمحة .......... وحدة الوزن .......... ٠.٠٤٨٨ غرام
القراط .......... ٤ قمحات .......... ٠.١٩٥٤=
الدرهم .......... ١٦ قراط .......... ٣.١٢٦٦ =
المثقال .......... ١ درهم ونصف .......... ٤.٦٨٩٩ =
الوقية .......... ١٢ درهما .......... ٣٧.٥١٩٢ =
الرطل .......... ١٢ وقية .......... ٤٥٠.٢٣٠٤ =
الدانق .......... سدس الدرهم .......... ٠.٥٢١١ =
الأسطار .......... ٦ دراهم ونصف .......... ١٩.٨٠١٨ =
وإذا كان هذا هو شأن الكتاب الرابع من (الجوهر المكنون) فإننا نتوقع أن يكون ابن حمادوش قد بذل جهدا مضاهيا في بقية الأقسام التي لم نطلع عليها منه. ولعل الأيام تكشف عن هذا الكتاب لنعرف ما قام به ابن حمادوش في باب الطب، الذي يعتبر بحق من أبرز ممثليه من العرب والمسلمين في القرن الثاني عشر (١٨ م).
كتابه تعديل المزاج:
ومن الموضوعات الطبية التي عالجها ابن حمادوش أيضا الأعضاء التناسلية ووظائفها وأمراضها وأدويتها. ورسالته (تعديل المزاج بسبب قوانين العلاج) تتناول ذلك. ويظهر من العنوان أن مؤلفها تناول فيها المزاج البشري وأحواله وأسباب علاجه. وقد ألف ابن حمادوش هذه الرسالة في مدينة رشيد بمصر سنة ١١٦١، أي بعد سفره من الجزائر بقليل. وقد وصلت منها نسختان إلى الجزائر الأولى اطلع عليها واستافاد منها السيد لوسيان ليكليرك، وهي التي استفدنا منها أيضا، والثانية توجد، حسبما علمنا، عند الشيخ المهدي البوعبدلي (١). وبناء على معلوماتنا فإن الرسالة في حجم صغير لا يتجاوز الكراستين.
стр. 946
فالموضوع الرئيسي لرسالة (تعديل المزاج) هو وظائف الأعضاء التناسلية والاضطرابات التي تصيبها، وعلاجها وكيفية المحافظة عليها في حالة سليمة. وبناء على ابن حمادوش فإن الاضطرابات التي تصيب الأعضاء التناسلية نوعان: نوع غير عادي أو خارج عن قدرة الإنسان، ونوع عادي مثل تعكر أو توعك القلب والمخ والكبد. ويصف ابن حمادوش العلاج للنوع الأول فيذهب إلى استعمال الوسائل التقليدية مثل التمائم والرقى. كما يصف علاج النوع الثاني وطريقة رده إلى حالته العادية التي تؤدي إلى تعديل الأمزجة المصابة. وهو يصف لذلك أدوية بسيطة ومركبة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. كما أنه يذكر الأدوية أو العناصر التي تضعف الأعضاء التناسلية، وتلك التي تهيج اللذة لكلا الجنسين.
وقد ذكر ابن حمادوش المصادر التي استقى منها معلوماته، بالإضافة إلى التجربة الشخصية. فعاد إلى كتابات العياشي وأبيقراط وغاليان وابن سينا وحنين ابن إسحاق، وابن رشد والدميري والقزويني وداود الأنطاكي والجاحظ والعطار، والبرزلي والشاذلي والبسكري. وقد اعتمد ابن حمادوش في هذا الكتاب، خلافا لما فعله في (كشف الرموز) على الأحاديث النبوية. كما أنه أوصى باستعمال بعض الأدوية مثل الكينة. وهكذا نجده متنوع المصادر هنا كما في كتبه الأخرى. فهو يعتمد على كتب الأولين من جزائريين وغيرهم، كما يعتمد على التجربة والمشاهدة. وقد لاحظ ليكليرك، الذي نوه بعقلانية ابن حمادوش في (كشف الرموز)، اعتماده على الوسائل غير العلمية في (تعديل المزاج) كلجوئه إلى التمائم والرقى. غير أن قيمة هذه الرسالة تظل هامة في موضوعها، لأنها رسالة متخصصة من جهة ولأنها متأخرة إذا قيست بكتب الطب العربي الأخرى (١).
стр. 947
الفنون
رغم حديث بعض العلماء الجزائريين عن الموسيقى والغناء والرقص ونحوها فإنهم لم يخصوها بتأليف يؤرخ لها ويصفها ويحدد أنواعها ووظيفتها الفنية والاجتماعية.
رأي العلماء والمتصوفة في الموسيقى:
ومن الذين تحدثوا عن الموسيقى أحمد الونشريسي في كتابه (المعيار) حين روى أن أحد العلماء سئل في حكم الغناء والرقص بعد أن ثبت أن جماعة من أهل الخير والصلاح قد اجتمعوا وأنشدهم منشد شعرا في الحب وغيره فتواجد بعضهم ورقص، ومنهم من أصبح يصيح ويبكي، ومنهم من غشيته شبه غيبة. فهل هذا مكروه لهم؟ فأجاب العالم الفقيه بأن الرقص بدعة لا يتعاطاه إلا ناقص العقل وهو لا يصلح إلا للنساء. وأما سماع الإنشاد الذي يحرك المشاعر السامية، والذي يذكر الإنسان بأهوال الآخرة والتعلق بها فلا بأس به، بل هو مندوب عند فتور النفس. وأضاف صاحب الفتوى أن السماع أو الإنشاد لا يحضره من في قلبه هوى خبيث، ذلك أن (السماع يحرك ما في القلوب من هوى محبوب أو مكروه). وقد أضاف الونشريسي بأن معظم العلماء يكرهون الغناء بغير آلة طرب. أما بآلة ذات أوتار كالعود والطنبور والزمار فممنوع. وقال إن بعضهم قد استثنى من ذلك الغناء في الأعراس والحفلات التي لا تقدم شرابا مسكرا. أما الغناء (بصوت رقيق فيه تمطيط)، وهو الغناء العربي المسمى بالنصف، فقد أجازه الجميع لأن الصحابة قد أجازوه وفعلوه بحضرة الرسول ﷺ (١).
وفي القرن الحادي عشر (١٧ م) استنكر عبد الكريم الفكون لجوء بعض أهل التصوف إلى استعمال الموسيقى في الحضرة والإنشاد الذي ترافقه
стр. 948
آلات وتصفيق وشطح أو رقص فيه تواجد ووله. وروى أن عالم عنابة في وقته، الشيخ محمد ساسي، قد استعمل ذلك حين ورد عليهم أحد متصوفة المغرب فأقاموا له في عنابة حفلات ساهرة تشبه على حد تعبير الفكون، ما كان يفعله أمثالهم في قسنطينة أيضا، وهم الذين سماهم (نادي جماعة الشرب)، في زعاقهم وآلات طربهم ولهوهم الذي يجعلونه بابا لدخول الحضرة الصوفية. وذكر الفكون أنه حين حان سفر الرجل المغربي من عنابة ودعه الناس وعلى رأسهم الشيخ محمد ساسي الذي رفع الصوفي المغربي على كتفيه، وكان ينشد الأشعار والجميع يردون عليه، وأضاف الفكون وقد (خرج جميع أهل البلدة وتراكمت السطوح واختلط النساء بالرجال)، بينما كان الرجل المغربي من جهته يزجل بأزجاله و (الكل يصفق ويشطح، ويصيح ومما عنده يطفح) (١).
وخلال نفس الفترة (القرن الحادي عشر) أكد أحد الباحثين جواز السماع (الموسيقى) عند الصوفيين واعتبر هذا العلم من العلوم التي تجمع بين المعاملة والمكاشفة، ونقل جوازه عن بعض الزهاد والعلماء أمثال أبي مدين وأبي القاسم الجموعي وأبي الحسن الشاذلي والشطيبي. فقد أخبر محمد بن سليمان عن جواز سماع الموسيقى للصوفي الحقيقي. وأخبر أن شيخه موسى بن علي اللالتي كان حسن الإنشاد وأنه إذا أسمع وأنشد يكاد قلب السامع من تأثيره ينفطر وينهذ وأن شيخه كان يقول: (ورثنا هذا المقام عن داود ﵇.
وكان أخوه (أخ محمد بن سليمان) محمد القاضي قد سمع بعض كلام الشيخ اللالتي فتواجد منه حتى قال: (سمعت بأذن قلبي خطاب الحق يقول: كلام موسى بن علي برق المحبوبين، وبرقه جالب لأحوال المجذوبين، وكلام المحبوب سلب للقلوب، فناهيك بهذا شرف؟). وكان اللالتي يشتكي
стр. 949
لبعض تلاميذه من غلبة الحال والوجد عليه حتى أنه كان يقول لتلميذه (محمد بن سليمان) (يا ولدي، هذا عذاب عذبني الله به). وأخبر عنه أنه كان ذات يوم في رفقته فأنشده أبياتا لعبد القادر الجيلاني منها:
رأيت ربي بعين قلبي ... فقلت لاشك أنت أنت
فتواجد الشيخ اللالتي كثيرا. ولما أنشده قول الجيلاني أيضا:
فمن بالعفو يا إلهي ... وليس أرجو سواك أنت
سكن الشيخ وبرد وانطفأ عشقه وقال: ألا ما أحسن هذا الكلام! (١).
وبعد حوالي قرن فصل الورثلاني في هذه القضية. فهو كرجل من أهل التصوف أباح استعمال الموسيقى والإنشاد لأهل التصوف ومنعه على غيرهم لأنه يؤدي، في نظره، إلى الاختلاط والفساد. وفي رحلته أمثلة عديدة على وصفه الفجور في البلدان التي زارها في الجزائر، فالغناء في نظره دواء لأهل العشق الصوفي ولكنه وسيلة من وسائل الشيطان لغيرهم، وفي حديثه عن نساء ورجال إحدى القرى التي زارها قال إنهم كانوا يجتمعون (عند الرقص والبكاء والتباكي والصياح وذكر الشوق من غير اشتياق والعشق من غير عشق والحب كذلك وغيرها من الزهد). أما المباح في نظره فهو أن يكون (مع أهله بشروطه الخالية من المحرمات. ومع ذلك انه دواء للمرضى من أهل الوله) (٢)، وهو يعني (بأهله) أصحاب الحضرة الصوفية.
وهناك من العلماء (غير المتصوفة) من كان يتذوق الموسيقى في ذاتها ويحلو له الإنشاد، فقد روي عن عبد الواحد الونشريسي (وهو ابن أحمد الونشريسي) أنه كانت له أزجال وموشحات وكان (رقيق الطبع يهتز عند سماع الألحان وآلات الطرب لاعتدال مزاجه وقوام طبعه) (٣)، وقد كان عبد الواحد الونشريسي من كبار العلماء في وقته ولم يكن من رجال الصوفية. وأخبر ابن
стр. 950
حمادوش في رحلته عن نفسه أنه يعلم علوما شتى من بينها علم الموسيقى الذي قال إنه تعلمه بطريق الإجازة (١) وفي (الرحلة القمرية) لابن زرفة أنه قد ورد على الباي محمد الكبير عالمان حنفيان من مليانة، أحدهما مفتي البلدة والثاني فقيهها، وإن كليهما كان من الموسيقيين المهرة (٢)، وقد عرفنا من حياة المفتي أحمد بن عمار أن بعض علماء مدينة الجزائر، وهو منهم، كانوا يصوغون الموشحات المولدية ونحوها وينشدونها في المولد النبوي بالألحان المطربة، وتذكر المصادر أن العالم محمد القوجيلي قد استأذنه أحد علماء تونس في سماع الموسيقى فأجابه القوجيلي:
فالقلب فيه اشتياق للسماع توى ... إذكل ذي كرم من شأنه الطرب (٣)
ممارسة الموسيقى والغناء:
ويظهر أنه رغم اختلاف وجهة نظر العلماء حول الموسيقى والغناء، فإن المجتمع كان لا يستغني عنهما، وهناك ثلاث مناسبات على الأقل تشيع فيها الموسيقى والغناء والرقص: المناسبات الاجتماعية كحفلات الزواج ولقاء السيدات في الحمام والختان، والمناسبات الدينية كالمولد النبوي وتجمع ركب الحج وليلة القدر، والمناسبات الرسمية كتولي الباشا الجديد وحفلة الدنوش والاحتفال بانتصار كبير على الأعداء.
وتذكر بعض المصادر أن السلطة كانت تجازي العازفين بهدايا وعطايا مناسبة. فقد كان رئيس الموسيقيين (أو الباشزرناجي) يتقاضى بمناسبة المولد النبوي عشرة بوجات، وكانت هدية الموسيقيين في هذه المناسب ترقى إلى خمسة وأربعين سلطانيا. أما حين يلبس الباشا الجديد القفطان الرسمي فعطية الموسيقيين تبلغ أحيانا مائة دورو فضية، وذلك بعد ثلاث ليال من