فالموضوع الرئيسي لرسالة (تعديل المزاج) هو وظائف الأعضاء التناسلية والاضطرابات التي تصيبها، وعلاجها وكيفية المحافظة عليها في حالة سليمة. وبناء على ابن حمادوش فإن الاضطرابات التي تصيب الأعضاء التناسلية نوعان: نوع غير عادي أو خارج عن قدرة الإنسان، ونوع عادي مثل تعكر أو توعك القلب والمخ والكبد. ويصف ابن حمادوش العلاج للنوع الأول فيذهب إلى استعمال الوسائل التقليدية مثل التمائم والرقى. كما يصف علاج النوع الثاني وطريقة رده إلى حالته العادية التي تؤدي إلى تعديل الأمزجة المصابة. وهو يصف لذلك أدوية بسيطة ومركبة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. كما أنه يذكر الأدوية أو العناصر التي تضعف الأعضاء التناسلية، وتلك التي تهيج اللذة لكلا الجنسين.
وقد ذكر ابن حمادوش المصادر التي استقى منها معلوماته، بالإضافة إلى التجربة الشخصية. فعاد إلى كتابات العياشي وأبيقراط وغاليان وابن سينا وحنين ابن إسحاق، وابن رشد والدميري والقزويني وداود الأنطاكي والجاحظ والعطار، والبرزلي والشاذلي والبسكري. وقد اعتمد ابن حمادوش في هذا الكتاب، خلافا لما فعله في (كشف الرموز) على الأحاديث النبوية. كما أنه أوصى باستعمال بعض الأدوية مثل الكينة. وهكذا نجده متنوع المصادر هنا كما في كتبه الأخرى. فهو يعتمد على كتب الأولين من جزائريين وغيرهم، كما يعتمد على التجربة والمشاهدة. وقد لاحظ ليكليرك، الذي نوه بعقلانية ابن حمادوش في (كشف الرموز)، اعتماده على الوسائل غير العلمية في (تعديل المزاج) كلجوئه إلى التمائم والرقى. غير أن قيمة هذه الرسالة تظل هامة في موضوعها، لأنها رسالة متخصصة من جهة ولأنها متأخرة إذا قيست بكتب الطب العربي الأخرى (١).
стр. 947
الفنون
رغم حديث بعض العلماء الجزائريين عن الموسيقى والغناء والرقص ونحوها فإنهم لم يخصوها بتأليف يؤرخ لها ويصفها ويحدد أنواعها ووظيفتها الفنية والاجتماعية.
رأي العلماء والمتصوفة في الموسيقى:
ومن الذين تحدثوا عن الموسيقى أحمد الونشريسي في كتابه (المعيار) حين روى أن أحد العلماء سئل في حكم الغناء والرقص بعد أن ثبت أن جماعة من أهل الخير والصلاح قد اجتمعوا وأنشدهم منشد شعرا في الحب وغيره فتواجد بعضهم ورقص، ومنهم من أصبح يصيح ويبكي، ومنهم من غشيته شبه غيبة. فهل هذا مكروه لهم؟ فأجاب العالم الفقيه بأن الرقص بدعة لا يتعاطاه إلا ناقص العقل وهو لا يصلح إلا للنساء. وأما سماع الإنشاد الذي يحرك المشاعر السامية، والذي يذكر الإنسان بأهوال الآخرة والتعلق بها فلا بأس به، بل هو مندوب عند فتور النفس. وأضاف صاحب الفتوى أن السماع أو الإنشاد لا يحضره من في قلبه هوى خبيث، ذلك أن (السماع يحرك ما في القلوب من هوى محبوب أو مكروه). وقد أضاف الونشريسي بأن معظم العلماء يكرهون الغناء بغير آلة طرب. أما بآلة ذات أوتار كالعود والطنبور والزمار فممنوع. وقال إن بعضهم قد استثنى من ذلك الغناء في الأعراس والحفلات التي لا تقدم شرابا مسكرا. أما الغناء (بصوت رقيق فيه تمطيط)، وهو الغناء العربي المسمى بالنصف، فقد أجازه الجميع لأن الصحابة قد أجازوه وفعلوه بحضرة الرسول ﷺ (١).
وفي القرن الحادي عشر (١٧ م) استنكر عبد الكريم الفكون لجوء بعض أهل التصوف إلى استعمال الموسيقى في الحضرة والإنشاد الذي ترافقه
стр. 948
آلات وتصفيق وشطح أو رقص فيه تواجد ووله. وروى أن عالم عنابة في وقته، الشيخ محمد ساسي، قد استعمل ذلك حين ورد عليهم أحد متصوفة المغرب فأقاموا له في عنابة حفلات ساهرة تشبه على حد تعبير الفكون، ما كان يفعله أمثالهم في قسنطينة أيضا، وهم الذين سماهم (نادي جماعة الشرب)، في زعاقهم وآلات طربهم ولهوهم الذي يجعلونه بابا لدخول الحضرة الصوفية. وذكر الفكون أنه حين حان سفر الرجل المغربي من عنابة ودعه الناس وعلى رأسهم الشيخ محمد ساسي الذي رفع الصوفي المغربي على كتفيه، وكان ينشد الأشعار والجميع يردون عليه، وأضاف الفكون وقد (خرج جميع أهل البلدة وتراكمت السطوح واختلط النساء بالرجال)، بينما كان الرجل المغربي من جهته يزجل بأزجاله و (الكل يصفق ويشطح، ويصيح ومما عنده يطفح) (١).
وخلال نفس الفترة (القرن الحادي عشر) أكد أحد الباحثين جواز السماع (الموسيقى) عند الصوفيين واعتبر هذا العلم من العلوم التي تجمع بين المعاملة والمكاشفة، ونقل جوازه عن بعض الزهاد والعلماء أمثال أبي مدين وأبي القاسم الجموعي وأبي الحسن الشاذلي والشطيبي. فقد أخبر محمد بن سليمان عن جواز سماع الموسيقى للصوفي الحقيقي. وأخبر أن شيخه موسى بن علي اللالتي كان حسن الإنشاد وأنه إذا أسمع وأنشد يكاد قلب السامع من تأثيره ينفطر وينهذ وأن شيخه كان يقول: (ورثنا هذا المقام عن داود ﵇.
وكان أخوه (أخ محمد بن سليمان) محمد القاضي قد سمع بعض كلام الشيخ اللالتي فتواجد منه حتى قال: (سمعت بأذن قلبي خطاب الحق يقول: كلام موسى بن علي برق المحبوبين، وبرقه جالب لأحوال المجذوبين، وكلام المحبوب سلب للقلوب، فناهيك بهذا شرف؟). وكان اللالتي يشتكي
стр. 949
لبعض تلاميذه من غلبة الحال والوجد عليه حتى أنه كان يقول لتلميذه (محمد بن سليمان) (يا ولدي، هذا عذاب عذبني الله به). وأخبر عنه أنه كان ذات يوم في رفقته فأنشده أبياتا لعبد القادر الجيلاني منها:
رأيت ربي بعين قلبي ... فقلت لاشك أنت أنت
فتواجد الشيخ اللالتي كثيرا. ولما أنشده قول الجيلاني أيضا:
فمن بالعفو يا إلهي ... وليس أرجو سواك أنت
سكن الشيخ وبرد وانطفأ عشقه وقال: ألا ما أحسن هذا الكلام! (١).
وبعد حوالي قرن فصل الورثلاني في هذه القضية. فهو كرجل من أهل التصوف أباح استعمال الموسيقى والإنشاد لأهل التصوف ومنعه على غيرهم لأنه يؤدي، في نظره، إلى الاختلاط والفساد. وفي رحلته أمثلة عديدة على وصفه الفجور في البلدان التي زارها في الجزائر، فالغناء في نظره دواء لأهل العشق الصوفي ولكنه وسيلة من وسائل الشيطان لغيرهم، وفي حديثه عن نساء ورجال إحدى القرى التي زارها قال إنهم كانوا يجتمعون (عند الرقص والبكاء والتباكي والصياح وذكر الشوق من غير اشتياق والعشق من غير عشق والحب كذلك وغيرها من الزهد). أما المباح في نظره فهو أن يكون (مع أهله بشروطه الخالية من المحرمات. ومع ذلك انه دواء للمرضى من أهل الوله) (٢)، وهو يعني (بأهله) أصحاب الحضرة الصوفية.
وهناك من العلماء (غير المتصوفة) من كان يتذوق الموسيقى في ذاتها ويحلو له الإنشاد، فقد روي عن عبد الواحد الونشريسي (وهو ابن أحمد الونشريسي) أنه كانت له أزجال وموشحات وكان (رقيق الطبع يهتز عند سماع الألحان وآلات الطرب لاعتدال مزاجه وقوام طبعه) (٣)، وقد كان عبد الواحد الونشريسي من كبار العلماء في وقته ولم يكن من رجال الصوفية. وأخبر ابن
стр. 950
حمادوش في رحلته عن نفسه أنه يعلم علوما شتى من بينها علم الموسيقى الذي قال إنه تعلمه بطريق الإجازة (١) وفي (الرحلة القمرية) لابن زرفة أنه قد ورد على الباي محمد الكبير عالمان حنفيان من مليانة، أحدهما مفتي البلدة والثاني فقيهها، وإن كليهما كان من الموسيقيين المهرة (٢)، وقد عرفنا من حياة المفتي أحمد بن عمار أن بعض علماء مدينة الجزائر، وهو منهم، كانوا يصوغون الموشحات المولدية ونحوها وينشدونها في المولد النبوي بالألحان المطربة، وتذكر المصادر أن العالم محمد القوجيلي قد استأذنه أحد علماء تونس في سماع الموسيقى فأجابه القوجيلي:
فالقلب فيه اشتياق للسماع توى ... إذكل ذي كرم من شأنه الطرب (٣)
ممارسة الموسيقى والغناء:
ويظهر أنه رغم اختلاف وجهة نظر العلماء حول الموسيقى والغناء، فإن المجتمع كان لا يستغني عنهما، وهناك ثلاث مناسبات على الأقل تشيع فيها الموسيقى والغناء والرقص: المناسبات الاجتماعية كحفلات الزواج ولقاء السيدات في الحمام والختان، والمناسبات الدينية كالمولد النبوي وتجمع ركب الحج وليلة القدر، والمناسبات الرسمية كتولي الباشا الجديد وحفلة الدنوش والاحتفال بانتصار كبير على الأعداء.
وتذكر بعض المصادر أن السلطة كانت تجازي العازفين بهدايا وعطايا مناسبة. فقد كان رئيس الموسيقيين (أو الباشزرناجي) يتقاضى بمناسبة المولد النبوي عشرة بوجات، وكانت هدية الموسيقيين في هذه المناسب ترقى إلى خمسة وأربعين سلطانيا. أما حين يلبس الباشا الجديد القفطان الرسمي فعطية الموسيقيين تبلغ أحيانا مائة دورو فضية، وذلك بعد ثلاث ليال من
стр. 951
الاحتفالات (١)، وروى الزهار أن النساء أيضا كن يعزفن الموسيقى أثناء حفلات الدنوش، بالإضافة إلى عازفين من الرجال، أتراك وجزائريين. وهذا بالطبع خارج نطاق الموسيقى العسكرية المعروفة بالنوبة، وأثناء ذلك كانت تعزف الألحان الجزائرية والتركية. كما كان البايات يجازون هؤلاء الموسيقيين والموسيقيات بالمكافآت السخية (٢).
وتثبت بعض الوثائق أن هناك عازفين كانوا يتنقلون من بلد إلى بلد حتى على المستوى الرسمي، وأن الحفلات الموسيقية الرسمية كانت تقام أيضا في الأقاليم إذا دعت المناسبة. وأن بعض هؤلاء العازفين قد بلغوا درجة من الشهرة والتقدير بين المعاصرين، حتى أصبحوا يلقبون (بالأساتذة). فقد روى المؤرخ المغربي أبو القاسم الزياني أنه عندما حل بقسنطينة دعاه الباي حسن هناك إلى حفلة سمر وموسيقى جاءه عازفوها من مدينة الجزائر، وقد وصف الزياني عندئذ قصر الباي بأنه كان مزينا بالفرش والتحف الفضية والذهبية والساعات والأثاث الفاخر والأواني. ولاحظ أيضا أن الباي كان يخرج من وقت لآخر من الحفلة ثم يعود إليها، وأنه في كل مرة كانت تقوى عنده رائحة الخمر حتى عرفها الحاضرون جميعا (٣)، ولا شك أن هذا النوع من الموسيقى هو الذي نهى عنه أهل التصوف، أمثال الورتلاني، لأنه في نظرهم يؤدي إلى المجون وتعاطي الخمر والتبذير والاختلاط.
وكان المغنون والعازفون والراقصون يجازون أيضا في الحفلات الخاصة مجازاة سخية، ذلك أن الأهالي كانوا شديدي الحرص على سماع الموسيقى والتمتع بالإنشاد، وكان كثير منهم، ولا سيما أهل الحضر، يحتفظ بآلات موسيقية عنده يعزفها عندما ينفرد بنفسه كنوع من أنواع التسلية والهواية، وكان بعضهم يصطحب الموسيقيين معه إلى الريف حيث منازل
стр. 952
الحضر الأغنياء، وكان الركب يتوقف من وقت لآخر فيعزف الموسيقيون ألحانهم، بينما الحضريون جالسين على مصطبة عالية غارقين تحت تأثير الموسيقى اللذيذ. وقد ذكر أحد الأوروبيين أن عازف الموسيقى في الجزائر يربح من عزفه أكثر مما يربحه عشرة من الأدباء (١). وكان هناك كثير من الهواة المشتغلين بالموسيقى، ولكن الذين كانوا يعزفون أمام العامة هم الذين يكسبون قوت يومهم من هذه الحرفة. أما الآخرون فيعزفونها في أوقات فراغهم ولأنفسهم، كما أشرنا، وذكر الورتلاني أن الشيخ علي المهاجري كان زمارا مشهورا بلغ الغاية في صنعته حتى أصبح الناس يشترطونه في الأعراس، ولا شك أنه كان يأخذ أموالا طائلة على ذلك، رغم أن الورتلاني قد حكم بحرمة صنعته لأن (زمارته تلهى كل اللهو)، لانضمام (النساء والشبان والرقص وذكر الخدود والقدود) إليها (٢)، وبالإضافة إلى (الموبقات) التي فصلها الورتلاني، نشير إلى ما ذكره الدكتور شو من أن الشبان كانوا يقضون أوقاتهم في المقاهي يلعبون الشطرنج أو يأخذون خليلاتهم إلى الحقول حاملين معهم الخمر والآلات الموسيقية، بينما كان بعضهم يظلون في الحانات أو في دكان الحلاقين يشربون ويتجاذبون أطراف الحديث (٣).
ومهما كان الأمر فقد كان هناك على الأقل ثلاثة أنواع من الموسيقى، موسيقى الحضر أو الأندلسية، وموسيقى البدو، وموسيقى العثمانيين، ويمتاز كل نوع ببعض الخصائص وبعض الآلات الموسيقية. وتعتبر الموسيقى الحضرية أكثر تنوعا وتنغيما من موسيقى البدو، حسب الذين درسوها، ذلك أن معظم أنغامها حية ولذيذة، وهي أيضا تعزف بعدد من الآلات يفوق عدد آلات النوعين الآخرين، ومن جهة أخرى كان العزف يتم من الذاكرة وليس من نوطة يتعلمها العازفون، كما أنها قد بلغت من التعدد والتنوع أن أصبحت
стр. 953
لها الفرق الضخمة البالغة العشرين أو الثلاثين عازفا، وكان العزف يطول ولكن السامعين يظلون طول الليل يستمتعون دون أن تحدث خلال ذلك ضجة أو هرج. أما آلاتها فالرباب ذو الوترين والذي يلامس بقوس، ثم العود الذي يحتوي على أوتار أكثر من عدد أوتار الرباب. وهناك أيضا أحجام مختلفة من القيثار الذي يعطي لكل حجم منه نغما أعلى من الآخر. وقد أدخل الحضر أيضا الصنج على الطار البدوي فتنوعت نغماته بتعدد ضرباته (١).
ويستعمل عازفو البدو أيضا آلات موسيقية تناسب عقليتهم ووسائلهم المعيشية. وهم أيضا لا يكتبون موسيقاهم، وآلاتهم هي الربابة ذات الوتر الواحد والقصبة، وكذلك الطار أو البندار، ولا تختلف أنغامهم كثيرا بل هي متواصلة بالقصبة ورتيبة، أما الربابة فهي التي تبدأ بها النغمة وتنتهي، ويشترك في هذه الطريقة من العزف المداحون وبعض الدراويش أيضا، وكان هؤلاء وأمثالهم يجتمعون في حلقة في مكان قريب من السوق ونحوه ثم يشرعون في الغناء والعزف على الآلات المذكورة، ومعظم إنشادهم خلال ذلك يعتمد على المدائح النبوية وسيرة الصحابة والسلف والقصص العربي البطولي. أما العزف على الطار أو البندار المتكون من جلد ناعم وخشب رقيق فيستعملونه في الحفلات العامة، وهو بالإضافة إلى القصبة والربابة، يعطي أنغاما لطيفة ناعمة أحيانا وعالية أحيانا أخرى، حسب المناسبة (٢).
أما موسيقى الأتراك التي جاؤوا بها معهم إلى الجزائر بعد استقرارهم بها فقد شاعت أيضا ولكن في حدود ضيقة، وهي لا ترقى إلى موسيقى الحضر أو الأندلسية، وتمتاز موسيقى الترك، غير العسكرية، بحزن نغمتها، ومن آلاتهم الفضل وهو آلة طويلة العنق تشبه الربابة، وهناك آلة أخرى ذات أوتار تلامس بأصابع اليد أو بعصى رقيقة. وبالإضافة إلى ذلك شاعت عند
стр. 954
ذوي السلطة كالباشوات والبايات آلات محلية كالقصبة والطنبور والمزمار (١). ولهم أيضا فرق موسيقية تعزف لهم في المناسبات السياسية والحربية والاجتماعية، وكانوا كما أشرنا، يكافئون الموسيقيين على عزفهم مكافآت جيدة، ولعل ذلك يدل على تأثر العثمانيين بالبيئة المحلية التي وجدوا أنفسهم يتعايشون معها.
وقد أشرنا إلى أن مصدر الأغنية هو التاريخ الإسلامي، ولا سيما سيرة الرسول ﷺ والصحابة والسلف الصالح، بالإضافة إلى القصص البطولي الذي يمجد تاريخ العرب والمسلمين. وكثير من القصص الغرامي - الملحمي كان مستمدا من ألف ليلة وليلة وأمثالها من القصص الشعبي (٢). وكان المغنون يبدأون قصتهم بفاصل ناعم يعزف على الربابة المرفقة بالقصبة ثم تعلو النغمة وتتواصل القصة في بساطة ونعومة، بينما السامعون مندمجون في سحر الموسيقى وتيار القصة.
ولم يكن الرقص شائعا بين الرجال اللهم إلا رجال البادية. أما في المدن فالرقص مقصور على النساء غير الحرائر، وقد جرت العادة أن يمارس الرقص بنات الهوى والوصيفات، وكن يستدعين للحفلات ويعطين أجورا عالية. كما كن يرقصن في خيام خاصة خلال النهار تحدث عنها بعض الأوروبيين، وقال إن قضاء ساعة فيها كان يعد من أفضل المتع عند السكان. وكان الرجال أثناء ذلك يدخنون أوراق الورد أو يشربون القهوة اليمنية القوية. وقد لاحظ هذا الأوروبي أن الحفلة كانت تجري في هدوء تام فلا صخب ولا صياح، وقد تنتهي الحفلة ويفترق الجمع دون أن ينبس الحاضرون ببنت شفة (٣). ولعل عادة الصمت هذه هي التي ورثها الجزائريون إلى اليوم.
стр. 955
أما الرقص النسائي نفسه فيتكون من تحريك الجسم حركات رشيقة مع هز البطن والأرداف والتلاعب بالأذرع والتمايل ذات اليمين وذات الشمال، ويرافق كل ذلك ابتسامات ناعمة واهتزاز للشعر وغمزات بالعين، ونحو ذلك، ولا شك أن بعض هذا الرقص يعتمد على الإثارة الجنسية، وهو بالطبع خارج نطاق الأخلاق العامة وتعاليم الدين، وهو الذي رفضه العلماء والمتصوفة، كما لاحظنا. ويبدو أن السلطات كانت تتغاضى عن ذلك في سبيل الترفيه العام. وهناك أنواع أخرى من الرقص لا تنزل إلى ذلك المستوى. ذلك أن لأهل البادية رقصا رجاليا ونسائيا أكثر احتشاما، كما أن لنساء الحضر رقصا ترفيهيا في الحمامات ونحوها، بالإضافة إلى رقص الدراويش وأهل التصوف الذين كانوا يرقصون حتى تعتريهم غيبوبة ووجد. ورغم ما قلناه عن الموسيقى بأنواعها وعن الغناء والرقص فإننا لا نجد أحدا من العلماء خلال العهد المدروس قد تناولها ببحث أو تأليف. ولعل النقد الاجتماعي لمتعاطي هذه الفنون في ذلك العهد هو الذي منع الباحثين من التأليف فيها، رغم أن أجدادهم (١) قد ألفوا فيها ومارسوها وداووا بها المرضى، فالفنون، كالعلوم، عانت في الجزائر خلال العهد العثمانى من الإجحاف والجهل بقيمتها وتاريخها.
العمارة والخط والرسم:
ونفس الشيء يقال عن فن العمارة. فرغم كثرة المباني وجمالها وتنوعها فإن العلماء الجزائريين لم يؤلفوا في هذا الفرع من فروع المعرفة. (١) من أقدم من ألف في الموسيقى من الجزائريين أحمد التيفاشي الذي وضع كتابه (متعة الأسماع في علم الاستماع). وهو من أهل القرن السابع (١٣ م). ومن أحدث التآليف في الموسيقى الأندلسية بالمغرب العربي أطروحة السيد محمد قطاط التونسي التي نال بها دكتوراه الدور الثالث من السوربون، سنة ١٩٧٧، وهي في جزئين وقد أرخ فيها للموسيقى الأندلسية منذ ظهورها إلى العصر الحديث، وسنعود للاستفادة منها في الأجزاء اللاحقة إن شاء الله. انظر كذلك مقالة السيد علي الجندوبي في مجلة (المناظر) جوان ١٩٦١، ١٨.
стр. 956
ولا نكاد نجد في كتب الجزائريين إلا بعض الإشارات النادرة، التي تكتفي فقط بالتاريخ ووصف البناء وصفا أدبيا. فإذا أرخوا مثلا لأعمال الباي محمد الكبير قالوا إنه بنى المسجد الأعظم بمعسكر والمدرسة المحمدية وبعض الأضرحة والقباب على الأولياء، وإذا تحدثوا عن أعمال صالح باي قالوا إنه بنى المدرسة الكتانية ومد الجسر المشهور ونحو ذلك، وقد وصف بعض الشعراء هذه الأعمال، كما وصف ابن عمار قصر ابن عبد اللطيف، ولكننا الآن لا نريد هذا النوع من الحديث والوصف، بل نريد تاريخ المآثر العمرانية في الجزائر وأشكالها وأنواعها وبناتها وطريقتهم في ذلك، ومدى تأثرهم بغيرهم وتأثيرهم، ومهارتهم، وتفاضلهم. وهذا هو الذي نفتقده في هذا الميدان.
وتتمثل العمارة الجزائرية في المساجد ونحوها (الزوايا، قباب أهل التصوف) والقلاع والجسور والثكنات والدور والقصور. وقد استمد البناة طريقتهم من حضارتهم القديمة التي شاعت أيام الأغالبة والحفصيين والزيانيين. كما استمدوها من حضارة الأندلس التي تشترك في كثير من الخصائص مع حضارتهم. وقد هاجر الأندلسيون أنفسهم إلى الجزائر وجلبوا معهم صناعة البناء فكان تأثيرهم عظيما ولا سيما في القلاع والقصور. أما الأثر العثماني فقد ظهر خصوصا في بعض المساجد والقلاع والثكنات، وكانت البيئة وراء طريقة العمارة في الجزائر. فالحرارة والبرودة من جهة وعدم ظهور المرأة هي التي أملت كثيرا من أساليب بناء المنازل والمساجد والزوايا، وكان الغزو البحري وتعرض السواحل الجزائرية للهجمات المتكررة قد أملى طريقة بناء القلاع والحصون والمنائر للمراقبة والدفاع، ومن جهة أخرى أدت وفرة الجنود العزاب إلى كثرة بناء الثكنات ولا سيما في مدينة الجزائر التي كانت تضم على الأقل ثماني ثكنات كبيرة.
وقد تحدث الكتاب الأوروبيون عن كيفية البناء وجلب مواده وأبرز من قام به من الأمراء والبناة. فنسبوا إلى عرب أحمد باشا بناء الأسوار الحصينة والفوارات والعيون وقلعة الفنار. ونسبوا إلى حسن باشا بن خير الدين بناء
стр. 957
قلعة حسن في الموضع الذي أقام فيه شارل الخامس، وبناء مستشفى وحمام كبير على غرار الحمام الذي بناه والده في إسطانبول (١)، ووصف بعضهم أيضا جامع السيدة وجامع علي بيتشين وجامع كيتشاوة ونحوها من المساجد التي اشتهرت بالجمال وثراء المادة وحسن الذوق (٢)، كما أطال بعضهم في وصف قصر أحمد باي بقسنطينة (٣)، وتحدث آخرون عن مآثر صالح باي العمرانية (٤)، كما وصف بعضهم قصر أهجي مصطفى باشا الجميل (٥). وقد لفت نظر بعض الأوروبيين طريقة البناء ومادة البناء أصلا عند الجزائريين فوجد أن المنازل على الخصوص كانت تمتاز بالأبواب الواسعة والغرف الفسيحة والأرضية الرخامية والردهة والباحة التي تنصب فيها في العادة فوارة، ولاحظ أن كل هذا يليق بالطقس الحار، وأن الغيرة على المرأة وفكرة الحريم قد أدت إلى قلة النوافذ في المنازل وندرة الشرفات التي قد تطل على الشوارع والمحلات العامة، وغالبا ما تفتح النوافذ، إذا وجدت، من الداخل، أما من الخارج فلا تفتح إلا في الحفلات ونحوها (٦).
وقد برع الصناع الجزائريون في بناء المساجد والقصور على الخصوص. وأهم ما يميز المسجد الصومعة والمحراب والمنبر والعرصات. وكانت الزرابي التي تفرش بها بعض المساجد من النوع الجيد. كما أن بعض المساجد، مثل التي ذكرنا، مبنية بالرخام والزليج المجلوب من الخارج ولا سيما من تونس وإيطاليا، ويضاف إلى ذلك الثريات الجميلة وقناديل الزيت والشموع في المناسبات الدينية. أما في القصور فقد استعملوا أيضا
стр. 958
النقوش الرشيقة والحدائق والمياه وتماثيل الحيوانات والفوارات، بالإضافة إلى جلب المواد المرمرية الملونة والتفنن في الأشكال الهندسية.
وقد انتشرت عند الحضر وأثرياء المدن والموظفين السامين وبعض رجال العلم عادة بناء الأحواش في بساتينهم التي يملكونها خارج المدينة، وكانوا يزينونها بأنواع الأسلحة الثمينة وبعض الآلات الموسيقية والزرابي الرفيعة وجلود الحيوانات النادرة والتحف الفضية والذهبية والساعات.
وقد لاحظ الأوروبيون طريقة إعداد مواد البناء الواقية من الرطوبة والحرارة فوجدوا أن الجزائريين كانوا يمزجون رماد الخشب والجير والرمل ويخلطونها ثم يرشون عليها الزيت والماء في فترات معينة فتأتي من ذلك مادة بنائية جيدة تستعمل للأقواس والسقوف ونحوها من الأماكن التي يخشى منها تسرب الرطوبة وتقلبات الطقس. وكان الصانع الماهر في البناء يدعى (المعلم) تقديرا لمكانته في المجتمع. أما الحصون والقلاع ونحوها فلم يكن يراعى فيها الذوق بقدر ما كانت تراعى الصلابة والمقاومة، وفي بعض المنشآت العمرانية كان المسؤولون يستعينون ببعض الصناع المسلمين، ولا سيما من تونس والمغرب، وحتى ببعض الأوروبيين، كما استعمل صالح باي على مد جسر قسنطينة أحد المهندسين الإسبان.
وكان التفنن في الخط والكتابة من وسائل التعبير الجمالي في هذا العهد. ففي الوقت الذي غاب فيه التصوير لعب الخط دورا بارزا في إظهار المواهب الفنية المحلية، وقد تحدثنا في فصل سابق (١) عن براعة الخطاطين والنساخين وانتشار مهنتهم وتقديرها بين الناس. ونضيف هنا فقط أن الكتابة المنحوتة أو المنقوشة على جدران المساجد وأبوابها ومحاريبها، وكذلك القصور ونحوها من المنشآت، كانت تجمع بين فن الخط والتصوير والنحت التي تشيع اليوم، ومع ذلك فلا نجد تأليفا خاصا بهذا الفن من علماء الجزائر خلال العهد المدروس.
стр. 959
وقد اشتهرت أسرة ابن صارمشق التلمسانية بهندسة البناء والنقش والخطوط، ونذكر منها المعلم أحمد بن محمد بن صارمشق الذي بنى جامع العين البيضاء في معسكر سنة ١١٧٥ والمهندس الهاشمي بن صارمشق الذي رسم جامع سيدي بومدين في تلمسان، سنة ١٢٠٨، وعرف من فناني هذه الأسرة وخطاطيها محمد بن صارمشق الذي وجدت نقوشه على عدة آثار عمرانية، وكان موجودا سنة ١١٦٤. ومن النقاشين أيضا الأصطا حسين وعلي بن محمد التونسي وأحمد بن عمر التونسي أيضا الذين وجدت خطوطهم على مسجد ومدرسة الخنقة. وكذلك إبراهيم الجركلي الذي نقش الآيات المحفورة في جامع كتشاوة، والمعلم اللبلابشي الذي نقش باب جامع علي بتشين. وهكذا.
ولم يكن الرسم منعدما كما كان يعتقد بعض الناس إلى وقت قريب.
حقا إن الفنانين لم يجدوا تشجيعا كالذي وجده فنانو عصر النهضة في إيطاليا وغيرها، ولكنهم مع ذلك استطاعوا أن يعبروا بالوسائل المسموح بها دينيا وذوقيا. وعلى كل حال فليس صحيحا ما يقال من أن الجزائريين كانوا لا ينتجون الرسوم الفنية لأن الدين قد حرمها أو أنهم لم يكونوا يفهمون البعد وتناسق الألوان في الصور (١). فقد عثر على لوحة رسمها بعض الجزائريين سنة ١٨٢٤ بطلب من حسين باشا. وهي تصور المعركة التي جرت بين الجزائريين والإنكليز في السنة المذكورة. وكان الباشا قد وضع اللوحة في قصره حيث ظلت إلى أن جاء الكونت دي بورمون، قائد الحملة الفرنسية على الجزائر سنة ١٨٣٠، فأخذها وسلمها إلى قائد أركانه تولوزي. وقد وضعت نسخة من هذه اللوحة في مكتبة الجزائر. أما اللوحة الأصلية فلا ندري الآن ما مصيرها (٢).
стр. 960
وهكذا فإننا إذا حكمنا من التراث المكتوب فإن مساهمة المؤلفين الجزائريين في الفنون تكاد تكون معدومة. أما في العلوم فإن مساهمتهم طيبة، ولكنها لم تبلغ مبلغ تآليفهم في العلوم الشرعية والعقلية الأخرى. ولكل ذلك مبررات اجتماعية وسياسية تحدثنا عنها.
انتهى الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث
стр. 961
المحتوى
стр. 962
_________
المنطق ......................................................... ١٤٩
الفصل الثالث: علوم اللغة، النثر الفني ........................... ١٥٥
علوم اللغة ونحوها ............................................... ١٥٧
البيان والمعاني (البلاغة) والعروض .............................. ١٦٧
الشروح الأدبية - التقاريظ والإجازات والعقود -
الرسائل - الوصف - الخطابة - القص والمقامات
أحمد المقري ................................................... ٢١٢
أحمد بن عمار ................................................ ٢٢٤
الفصل الرابع: الشعر .......................................... ٢٣٧
مدخل ....................................................... ٢٣٩
الشعر الديني ................................................ ٢٤٥
الشعر السياسي ............................................. ٢٥٣
الشعر الاجتماعي .......................................... ٢٦٦
المجون والمزاح - المدح والفخر - الرثاء - وصف
المنشآت العمرانية - الألفاز
الشعر الذاتي ............................................... ٢٨٩
الوصف - الحنين والشكوى
ابن علي ................................................. ٢٩٩
الشعر الشعبي ........................................... ٣١٠
الفصل الخامس: التاريخ، التراجم، الرحلات ................. ٣١٩
مفهوم التاريخ .......................................... ٣٢١
السيرة النبوية .......................................... ٣٢٦
تواريخ عامة وتواريخ محلية ............................ ٣٢٩
تراجم عامة .......................................... ٣٥٠
تراجم خاصة ........................................ ٣٥٨
ابن المفتي وتقييده .................................. ٣٦٦
стр. 963
_________
أبو راس الناصر ........................................... ٣٧٦
الرحلات .................................................. ٣٨١
الورتلاني ورحلته .......................................... ٣٩٣
الفصل السادس: العلوم والفنون ........................... ٣٩٩
مقدمة ................................................... ٤٠١
الحساب والفلك .......................................... ٤٠٤
الطب والجراحة والصيدلة ................................ ٤١٦
عبد الرزاق بن حمادوش ................................ ٤٢٥
كشف الرموز - تعديل المزاج
الفنون ................................................. ٤٣٧
رأي العلماء والمتصوفة في الموسيقى ................... ٤٣٧
ممارسة الموسيقى والغناء ............................. ٤٤٠
العمارة والخط والرسم .................................. ٤٤٥
стр. 964
دار الغرب الإسلامي
بيروت - لبنان
لصاحبها: الجيب اللمسي
شارع الصوراتي (المعماري) - الحمراء، بناية الأسود
تلفون: ٣٥٠٣٣١ - ٠٠٩٦١١: Tel / خلوي: ٦٣٨٥٣٥ - ٠٠٩٦١٣: Cellulair
فاكس: ٧٤٢٥٨٧ - ٠٠٩٦١١: Fax / ص. ب. ٥٧٨٧ - ١١٣ يروت، لبنان
DAR AL - GHARB AL - ISLAMI B.P.: ١١٣ - ٥٧٨٧ Beyrouth, LIBAN
الرقم: ٣٣٧/ ٢٠٠٠/ ١١/ ١٩٩٨
التنضيد: كومبيوتايب - بيروت
الطباعة: دار صادر، ص. ب , ١٠ - بيروت
стр. 965
HISTOIRE CULTURELLE
DE
L'ALGERIE
PAR
Professeur Aboul Kacem SaadaWah
Université d Alger
Tome ٢
١٥٠٠ - ١٨٣٠
DAR AL - GHARB AL - ISLAMI
стр. 966
الدكتور أبو القاسم سعد الله
تاريخ الجزائر الثقافي
الجزء الثالث
(١٨٣٠ - ١٩٥٤)
دار الغرب الاسلامي
стр. 967
١٩٩٨ دار الغرب الإسلامي
الطبعة الأولى
دار الغرب الإسلامى
ص. ب. ٥٧٨٧ - ١٣١ بيروت
جميع الحقوق محفرظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق إستعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونة أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.
стр. 968
تاريخ الجزائر الثقافي
стр. 969
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
هذا هو الكتاب الذي وعدنا به القراء منذ أكثر من خمسة عشر عاما، وهو كتاب يغطي، بمختلف أجزائه، عهد الاحتلال الفرنسي، أي من ١٨٣٠ إلى ١٩٥٤ (١). وقد درسنا فيه موضوعات ومظاهر الثقافة من تعليم وتصوف، ورجال دين وقضاء ونخبة، ومعالم وأوقاف، ومنشآت، كما عالجنا فيه الاستشراق والتبشير، والترجمة والمترجمين، والتيارات والمذاهب، وأنشطة المهاجرين، إضافة إلى دراسة الإنتاج الثقافي نفسه في العلوم الدينية والاجتماعية والتجريبية، وفي الآداب والفنون والتاريخ (٢).
ومصادر الكتاب غنية ومتنوعة تنوع محتوى الكتاب نفسه. وربما يكون من العبث أن نحاول وضع قائمة بالمصادر التي قرأناها أو رجعنا إليها. غير أن القارئ سيجد المصادر الأساسية في تعاليق كل فصل. وننبه إلى أن معظم المصادر كنا قد اطلعنا عليها خلال الثلاثين سنة الماضية، ولكن بطاقاتها ضاعت سنة ١٩٨٨. وقد استدركنا الكثير منها وبقي البعض بدون استدراك، سيما المخطوطات والمقابلات والمراسلات. ومن ناحية أخرى فإن عددا من المصادر كان معروفا لدينا، بل ونملكه، ولكننا لم نستطع الوصول إليه لأننا كتبنا هذا الكتاب خارج الجزائر. وقد أمدنا أصدقاؤنا
стр. 970
وأقاربنا بالكثير من المصادر عن طريق البريد الذي لم ينقطع بيننا طيلة فترة البحث والتحرير. ونشير أيضا إلى أن بعض الفصول قد اعتمدت على مصادر متنوعة بينما بقيت مصادر بعض الفصول الأخرى محدودة إما لعدم وصولنا إليها وإما لأن الموضوع نفسه لم يعالجه إلا القليل من الكتاب.
بنينا خطة الكتاب ليكون بأجزائه المختلفة موسوعة ثقافية جزائرية. وبناء على ذلك فإنك ستلاحظ أنه غطى الآداب والفنون والعلوم والتعليم والدين والتصوف، كما أنه لم يقتصر على مساهمة الجزائريين فقط بل درس مساهمة الفرنسيين أيضا، لأن دراسات الفرنسيين للفن واللغة والآثار والطرق الصوفية وما إلى ذلك، داخلة في صميم موضوعنا الثقافي. إن أعمال المترجمين والمستشرقين والفنانين والمؤرخين الفرنسيين كانت مستوحاة من تراث الجزائر وكانوا يحاولون توجيهه وجهة تخدم المصالح الفرنسية. وهنا يكمن الفرق بين العثمانيين والفرنسيين. فالعثمانيون لم يكتبوا عن الثقافة الجزائرية وإنما تركوا أهل البلاد يتولون ذلك بأنفسهم، أما الفرنسيون فقد تولوا شؤون الثقافة بأنفسهم وزحزحوا عنها علماء وأدباء البلاد. كما غطى الكتاب دور المهاجرين الجزائريين في المشرق والمغرب. ذلك أن الهجرة شملت في أغلب الأحيان رجال العلم والأدب والصحافة والسياسة والدين. فكانت مساهمة المهاجرين في البلاد العربية والإسلامية كبيرة، رغم أن بلادهم الأصلية قد خسرتهم.
والواقع أن هناك صعوبة في هذا الصدد في تحديد الأسماء والمصطلحات والأدوار. فمن هو الجزائري في هذا الكتاب؟ إننا نؤمن بوحدة الثقافة العربية الإسلامية، وإن تتبعنا لدور الجزائريين في الشام أو تونس أو إسطنبول أو غيرها لا يعني فصلهم عن بيئتهم الجديدة التي استبدلوا فيها أهلا بأهل والتي وجدوا فيها الراحة والعزاء عما فقدوه من أرض وولد وجاه. فإذا تحدثنا عن (جزائرية) المكي بن عزوز والطاهر السمعوني وأحفاد الأمير عبد القادر وغيرها فإننا نفعل ذلك لنذكر الجيل الجديد بأجداده الذين ضربوا في الأرض مراغمين والذين أجبرهم الإحتلال على العيش في
стр. 971
المنافي، ولنذكرهم كذلك بدور أولئك الأجداد في خدمة الثقافة العربية الإسلامية. ومع ذلك فإننا لم ننتبع كل إسم ولا (كل) الأحفاد الذين نشأوا وانتشروا في العالم العربي الإسلامي.
والكتاب، كما هو واضح من خطته، ليس كتابا في التراجم بالمعنى التقليدي. إن تركيزنا فيه منصب على الأفكار والتيارات وتصنيف المواد العلمية وليس على الأشخاص. فإذا ترجمنا لأحدهم فإننا ترجمنا له داخل التصنيف الذي نعالجه في أغلب الأحيان، أي حسب ما غلب عليه من نشاط، كالطب والصحافة والتاريخ والتصوف، وما إلى ذلك. وأغلب من ترجمنا إليهم هم من الأموات، وإذا ما تعرضنا لإنتاج أحد الأحياء أو المتأخرين فإننا توقفنا عادة عند سنة ١٩٥٤، كما فعلنا مع الشيخ عبد الرحمن الجيلالي والشيخ أحمد توفيق المدني. وقد نشير في الهامش إلى بعض التفاصيل عن الأحياء أو المتأخرين.
وقد حرصنا على أن يضم الكتاب الروافد المختلفة للثقافة. فقد تناولنا أيضا الأدب الشعبي بأنواعه ولهجاته. ورجعنا إلى إنتاج اللهجات العربية والبربرية. وقد لاحظنا أنه أدب يعبر عن مختلف أحزان وآمال الشعب الجزائري أمام جبروت الإحتلال. فكانت موضوعاته هي البكائيات والحب والفخر والإصرار على الأمل والتفاؤل رغم المأساة. وأثناء دراستنا للغة واللهجات ذكرنا أيضا جوانب من الدراسات البربرية. وقد ظهر في الثلث الأخير من عهد الاحتلال إنتاج جزائري باللغة الفرنسية، في القصة والشعر والمقالة والمسرحية. فرأينا أن كتابا في تاريخ الجزائر الثقافي لا بد أن يتتبع أيضا هذا الإنتاج ويدرس كيف تولد وكيف نما وإلى أين كان يسير. ولكن الكتاب يظل في صميمه يمثل الثقافة (الوطنية) المشتركة بين الجزائريين مهما تباعدت أجيالهم واختلفت لهجاتهم وتعددت اللغات الأجنبية التي يستفيدون منها، وهي الثقافة العربية التي انتشرت بالإسلام.
ويأتي هذا الكتاب ونحن ندلف إلى القرن الواحد والعشرين. وكم هو
стр. 972
مفيد أن يقف المرء وقفة تأمل نحو الماضي ونحو المستقبل. إن الجزائر قبل سنة ١٨٣٠ كانت، مثل كل البلاد العربية والإسلامية، تعاني من مرض التخلف والجهل، ومن مرض الجمود الفكري الذي اتفق الحكام والعلماء عندئذ على تأبيده. ولكن التخلف والجهل والجمود لا يناقض وحدة التفكير والشعور. فكان الناس يعيشون أنماطا من العيش يحدوهم فيها فكر واحد، ويتبادلون مشاعر مشتركة، وكانوا يسعدون ويحزنون في حياتهم حسب مقاييس ثقافية وضعوها لأنفسهم يباركها اللسان الواحد والدين الواحد والانتماء الواحد. وذلك هو معنى (الجزأرة) عندئذ، وهو معنى الثقافة الأصلية المشتركة بينهم وبين المغاربة والمشارقة. ويظهر ذلك في توجه الآلاف منهم نحو المغرب والمشرق عندما ادلهم الخطب وغزا العدو بلادهم ونكبوا في دينهم وأموالهم وأهليهم.
ومنذ ١٨٣٠ دخلت الجزائر في نفق مظلم. فكان على أهلها أن يصارعوا قوات الاحتلال العسكرية والثقافية، بل لقد كان عليهم أن يصارعوا من أجل بقاء الذات. وقد فهم أولئك الجزائريون بعد حوالي خمسين سنة من ذلك الصراع أن بقاء الذات يكمن في الخروج من التخلف والجهل والجمود. واكتشفوا أن للفرنسيين ثقافة غير ثقافتهم وأن لهم علوما كانت من قبل مزدهرة عند العرب والمسلمين، وتأكدوا أن خروجهم من النفق المظلم يمر بالسيطرة على العلوم الحديثة، وأن (الإستعمار) رغم أنه شر كله، فإنه لا بد لقهره من التقدم بدل التخلف والعلم بدل الجهل والحركة بدل الجمود. ولكن خروج الجزائريين من هذه الدائرة الشريرة احتاج إلى حوالي خمسين سنة أخرى. وعندما أتيحت لهم الفرصة مع الإستقلال انطلقوا يتعلمون ويتقدمون ويتحركون. وبلغوا في ذلك شوطا حير المعاصرين وأزعج المتربصين بهم، فكاد لهم الكائدون كيدا جعلهم ينحرفون عن سيرهم ويعانون محنة من أخطر ما عرفوه من محن.
وها نحن نكتب هذه المقدمة والمحنة ما تزال مشتدة بينما سنوات القرن العشرين تزحف إلى نهايتها، فماذا عن الثقافة الجزائرية بعد سنة
стр. 973
٢٠٠٠؟ إذا كان التنبؤ حميدا في بعض المجالات العلمية فإنه قد يكون ذميما في المجالات الثقافية. إنه من الأكيد أن الشعب الجزائري الذي قد عركته الأيام سيخرج من محنته هذه قويا متماسكا، وسيصحح مساره الفكري، وسينطلق للقرن الواحد والعشرين وهو متمسك بأصالته، متخلصا تماما من التخلف والجهل والجمود، ومتسلحا تماما بالعلم والإيمان واليقظة والفعالية. ونحن على يقين من أن الجيل الحاضر من الجزائريين يدرك أنه لا مكان له بين الآخرين بدون أن ينافسهم في المجالات العلمية والتقنية والإبداعات المختلفة.
وليس سرا أن نقول إن الكتاب يبرز الثقافة الجزائرية في ثوب المقاوم الصامد أمام أنواع الدمج والتذويب والنسيان. كما أنه ليس جديدا أن نكرر بأن الفرنسيين قد عملوا منذ وهلة الاحتلال على تهميش ثقافة الجزائر ومحاربة رموزها ومقوماتها ومحاربة القائمين عليها من أهل الأدب والعلم والفن والدين.
إن الذين سينظرون إلى الكتاب على أنه سرد وتصنيف وتجميع سيظلمونه. كما أن الذين سينظرون إليه على أنه يمثل موقفا فكريا (إيديولوجيا) ضيقا سيظلمونه أيضا. فهو في الواقع كتاب يعالج آراء الجزائريين والفرنسيين في كثير من الحذر وأحيانا في كثير من الموافقة والتسامح. على أن الطابع الموسوعي واضح في الكتاب كما ألمعنا إلى ذلك. والمؤلف لا يزعم أنه أحاط بكل ما تناوله من معارف على حد سواء، وأنه خبير بكل موضوع تعرض إليه. فقد توقفنا عند مسائل عديدة إما لعدم توفر مادتها أو لعدم اختصاصنا فيها. ولكن حسبنا أننا مهدنا الطريق أمام الباحثين الذين نتمنى أن يواصلوا ما بدأناه، أو أن يصححوا ما أخطأنا فيه. وهناك نقطة طالما أشرنا إليها في كتبنا الأخرى، ونوذ أن نكررها، وهي عزوف الجزائريين عن الكتابة وتدوين حياتهم بكل ما فيها. ولا ينسحب هذا العزوف على فترة الإحتلال فقط، بل أننا وجدنا الظاهرة عامة في مختلف
стр. 974
العصور. ولا نريد الآن أن ندرس أسباب الظاهرة، ولكننا ننبه الجيل الجديد إلى أن عدم الكتابة والتدوين قد ترك المجال فارغا أمام المغرضين والمؤولين لتاريخ البلاد وخصائص أهلها والطعن في قدرتهم الفكرية. وسيلاحظ الجيل الحاضر كيف وظف الفرنسيون وغيرهم من الأجانب، عزوف الجزائريين عن الكتابة، فاعطوا تفاسير لتطورهم لا تنصفهم. وما نرجوه هو أن يحفز كتابنا جيل القرن الواحد والعشرين على الكتابة في مختلف المجالات وتصحيح ما تقوله المتقولون والخراصون عن وطنهم وأجدادهم.
وإن خوف الجزائريين من تدوين التاريخ والكلمة المكتوبة قد أفضى بهم إلى حساسية مفرطة من النقد، فهم لا يتسامحون مع الناقد ولا يظهرون الإستعداد للجدل والمناقشة، بل يريدون من الكاتب أن (يقول خيرا أو يسكت)، وهذه الحكمة إن جازت في الأخلاق فإنها لا تجوز في العلم والتاريخ، فنحن مثلا قد نقلنا آراء وجلونا مواقف وعلقنا بما بدا لنا أنه أقرب إلى منطوق ومفهوم النصوص والظروف. وكل ما نرجوه أن يتقبل البعض ذلك منا بصدر رحب، وأن يناقشوه إن ظهر لهم أنه خلاف ما انتهينا إليه، وأن يتأكدوا أن السلف لم يكونوا ملائكة ولا شياطين وإنما كانوا بشرا مثلنا، تحكم فيهم الجهل والهوى أحيانا، وأجبرتهم الحوادث والظروف أحيانا أخرى. فليعتبر شبابنا بهم جميعا، في نجاحهم وخطئهم.
ومن حق القارئ أن يعرف أن هذا الكتاب قد ولد مرتين: فقد كتبت منه ثلاثة فصول ونصفا عندما كنت أستاذا زائرا في جامعة ميشيقان سنة ١٩٨٨. وأثناء رجوعي إلى الوطن ضاعت محفظتي التي فيها الفصول المكتوبة وبطاقات الفصول الأخرى ومراجع وأوراق ومصورات كثيرة. وكانت النكبة التي ذكرناها والتي هزت كياني وشلت فكري فترة طويلة (١). ثم أمرع الفكر ورجع الأمل، فأخذنا في تصفح الذاكرة بحثا عن المراجع التي عرفناها من قبل والمخطوطات التي سافرنا إليها. وهكذا استأنفنا المسيرة في
стр. 975
البحث. وقد واتت الفرصة يوم تحصلنا على منحة (فولبرايت) فسافرنا إلى أمريكا واستقبلتنا جامعة منيسوتا أستاذا زائرا، سنة ١٩٩٣. وفي هذه الجامعة ولد الكتاب ميلاده الثاني في خلوة (كيرول) بمكتبة ويلسون. فقضينا فيها الأيام وجزءا من الليالي على مدى ثلاث سنوات بين البحث والتحرير والتنقيح والتصحيح. ويجب القول أن خطة الكتاب الأصلية قد طرأ عليها تعديل كبير بين الميلاد الأول والثاني. فقد كانت الخطة الأولى تشغل جزئين فقط ولا تتوسع في التعليم والتصوف والإستشراق ونحوها من الموضوعات. فإذا بالخطة الجديدة تشمل كل ذلك وتتوسع فيه وفي غيره، فأصبح الكتاب في عدة أجزاء، كما فصلنا. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾. فإذا كان هدف المعتدي على المحفظة هو عرقلتي بعض الوقت فقد نجح، أما إذا كان هدفه هو سحق المشروع فقد خاب (١).
بعد استئنافنا العمل في الكتاب مر إنجازه بثلاث مراحل: المرحلة الأولى جمعنا من الجزائر وغيرها ما استطعنا من مادته العلمية. ثم سافرنا إلى أمريكا واستمر عملنا في جمع المادة أيضا بعد أن توفرت شروط البحث. وكنا في سباق مع الزمن إذ كان علينا أن ننجز أكبر نصيب من الكتاب في ظرف تسعة أشهر (مدة المنحة). وبعد حوالي أربعة أشهر شرعت في تسويد كل فصل توفرت عندي مادته أو قاربت. فكنت أحرر ما استطعت في الصباح وأواصل البحث في المساء. وأثناء ذلك كنت أجد معلومات إضافية تهم الفصول التي حررتها فأضعها في حزم موزعة على الفصول المسودة. ثم مددت إقامتي بدون منحة، فكان علي أن أدرس بعض الوقت لتدبير العيش بينما حافظت على النظام السابق في التحرير والبحث. فلم يحن يناير ١٩٩٥ حتى انتهيت من تسويد كل الفصول تقريبا.
стр. 976
ثم توقفت فترة انتابتني فيها الحيرة حول المرحلة الثانية: هل أترك العمل كما هو مسود إلى أن أرجع إلى الجزائر حيث بعض المواد الإضافية التي أعرف أنها عندي أو عند الآخرين؟ ولكن متى ستكون عودتي والأوضاع كما هي والزمن لا يرحم؟ وأثناء حيرتي كنت أملأ الفراغ بمواصلة البحث في مظان أخرى سواء في الكتب الواردة علي عن طريق الإستعارة بين المكتبات أو عن طريق المراسلات مع الأصدقاء والأقارب في الجزائر. وقد ظلت مكتبة جامعة منيسوتا أيضا معينا لا ينضب لبحثي.
وحين بدا لي أن الرجوع إلى الجزائر سيطول أمره وأن إرادة البحث والتحرير عندي ما تزال نشطة قررت الشروع في المرحلة الثانية من المشروع، وهي مراجعة كل فصل وتصحيحه وتنقيحه والإضافة إليه بناء على المعلومات الجديدة. وقد استغرقت هذه العملية حوالي سنة أخرى. وأثناء ذلك كنت أكتشف أيضا بعض الثغراب وأتردد أمام بعض التواريخ والأسماء والعبارات والمراجع فقررت أن أسجل ذلك إلى حين الطبع.
والواقع أننا منذ السبعينات ونحن نتلقى المراسلات والوثائق والآراء والتسهيلات لإنجاز هذا الكتاب. وعندما صدر الجزآن الأولان (١٩٨١) راسلنا عدد من العلماء والمهتمين بصور من الوثائق وبالمعلومات المتعلقة بالمخطوطات والعائلات. وقد صدم الغيورون على الثقافة الوطنية عندما وقعت نكبة المحفظة وواسونا برسائلهم وهواتفهم. وتأثر بعضهم بما حدث فأعادوا مدنا بالمعلومات، ولكن بعضهم اعتراه الفشل والقنوط - كما اعترانا - فأحجم عن مراسلتنا.
وإنه لمن المستحيل علينا الآن أن نورد قائمة بالأفراد والمؤسسات التي ساهمت من قريب أو من بعيد في إنجاز الكتاب، قبل نكبة المحفظة وبعدها. على أنه لا يمكنني أن أغفل مساهمة المرحومين المهدي البوعبدلي وعلي أمقران السحنوني. وتنويها بفضلهما ذكرتهما كلما رجعت إلى مراسلاتهما. وكان الأخ محمد الحسن عليلي نعم الرفد لي وأنا في الغربة إذ أمدني
стр. 977
بمصورات ومنسوخات كثيرة وكان بريده العلمي لا يكاد ينقطع عني. وكان الشيخ محمد الطاهر التليلي حاضرا لإجابتي كلما توجهت إليه بالسؤال رغم بعد المسافة وتقدم السن به. وكان أخي علي سعد الله واسطة لي في الحصول على معلومات هامة، ولا بد من التنويه بأبحاث بعض طلابنا في معهد التاريخ إذ استفدت منها فوائد جمة في بعض الفصول. وأخص بالذكر محمد العربي معريش وأحمد مريوش، وقد راسلنا كل منهما بمعلومات إضافية طلبناها منه. كما استفدت من بحث إبراهيم الونيسي حول جريدة المبشر، ومن أطروحة عبد الحميد زوزو المخطوطة عن الأوراس. أما أخي خالد (أبو بكر) سعد الله فقد كان هو الواسطة في كل مراسلاتي الأخرى، وكان هو المتلقي للفصول بعد تحريرها، والمنسق مع محمد الطيب عقاب في رقن الكتاب تباعا. ولا بد من إشادة خاصة بجهد الأخ عقاب في الرقن إذ خصص لي الكثير من وقته، وهو من القلائل الذين يحسنون قراءة خطي في المسودات.
وإن الشكر والإمتنان يذهبان أيضا إلى عدد من المؤسسات. فقد فرغني معهد التاريخ بالجزائر فترة أطول من المعتاد وتحمل زملائي وطلابي فيه العبء أكبر في التدريس والإشراف على الأطروحات نيابة عني في غيابي. وأخص بالذكر في هذا المجال الدكتور ناصر الدين سعيدوني. وقد تفهموا بصدر رحب مهمتي وأبعاد مشروعي. ووافقت جامعة الجزائر على التفرغ، ودعمت وزارة التعليم العالي موافقة لجنتها الخاصة بالتعاون على منحة فولبرايت. وسهلت مؤسسة فولبرايت بمختلف موظفيها في الجزائر وأمريكا، مهمتي في السفر والإقامة. وقدرت مهمتي العلمية حق قدرها. وكان قسم التاريخ بجامعة منيسوتا كريما معي، فخصص لي درسا أعيش من دخله عندما توقفت المنحة. ومنحتني مكتبة ويلسون بالجامعة كل التسهيلات في استعارة الكتب واستعمال أجهزة الحاسوب (الكومبيوتر) والتصوير، ولعل من أكبر التسهيلات التي وجدتها في هذه المكتبة هو الحصول على الكتب والمجلات عن طريق الإستعارة بينها وبين المكتبات الأخرى، وهي خدمة جليلة لا
стр. 978
يعرف قدرها إلا الباحثون المجربون.
ومن الواجب كذلك التنويه ببول بامفورد Paul Bamford الأستاذ المتقاعد بقسم التاريخ والذ! عينته مؤسسة فولبرايت ليكون زميلا لي أثناء تمتعي بالمنحة. فلقد وفر لي شروط الإقامة وزكى مطالبي، وتخلى لي عن خلوته الخاصة في مكتبة ويلسون بالجامعة، وهي الخلوة التي حررت فيها الكتاب كما ذكرت. ولو اتسع المقام لذكرت عددا آخر من الأساتذة الذين زكوني عندما تقدمت للتدريس، وأخص بالذكر توماس نونان T. Noonan، وجيمس تراسي J. Tracy وكيم مانهالند K. Munholland (وهو أحد أساتذتي الذين درست عليهم في الستينات).
ومهما نوهت بفضل زوجتي، أم أحمد، فلن أوفيها حقها، فهي التي وفرت الشروط المعنوية لإنجاز الكتاب. وكانت تحفزني وتشجعني كلما رجعت إلى المنزل خائر القوى، وكان دورها في تضميد جراح نكبة المحفظة وفي الإنطلاقة الجديدة دورا فعالا. وطالما ساهمت معي في مناقشة الأفكار، وفي وضع الخطة وترجمة بعض العبارات الأجنبية.
وأثناء تحريري للكتاب توفيت والدتي، هالي العبيدية، رحمها الله، وكان بيني وبينها المحيط والقارات، وكانت تنتظر عودتي وأنتظر رؤيتها، وكنت أمني نفسي بحمل الكتاب إليها لتقبله، كما كانت تفعل مع كتبي الأخرى، ولكن الموت تخطفها فلم أستطع رؤيتها في لحظات الحياة الأخيرة، بل إن أبناءها أشقائي في الجزائر لم يدركوها إلا بعد أن فارقت الحياة. فإلى روحها الطاهرة أقدم هذا الكتاب قربانا لعلها تغفر لي خطيئتي يوم حذرتني من السفر، ولكني سافرت، لكي أنجز هذا التذكار للجزائر والعروبة والإسلام ... ولها.
أبو القاسم سعد الله
مدينة مينيابلس، أول أبريل ١٩٩٦
стр. 979
الفصل الأول
التعليم في المدارس القرآنية والمساجد
стр. 980
مدخل
خصصنا هذا الفصل للتعليم العربي الإسلامي (الأصلي) وكذلك الفصل الذي يليه. وهو تعليم عربي من حيث اللغة والثقافة وتعليم إسلامي من حيث المحتوى والروح. وكان ينعت بالتعليم التقليدي أحيانا باعتباره استمرارا للتعليم السائد خلال العهد العثماني، ولم يدخله التطور إلا عند ظهور الحركة الإصلاحية في القرن العشرين، رغم تأثر بعضه بالمدارس الفرنسية الرسمية. ومن الممكن وصفه بالتعليم الأصلي باعتباره تعليما يمثل المنهج التربوي الذي مارسته أجيال من المتعلمين، وباعتباره حافظ على التراث القومي في وجه الغزو الحضاري الأجنبي. وسواء كان اسمه هذا أو ذاك فقد كان تعليما موازيا للمدرسة الفرنسية والتأثير الفرنسي، وكان أهله يكافحون به بعد عجزهم عن مكافحة الاستعمار والاحتلال بالسلاح. وأبرز أماكنه هي المدارس الابتدائية القرآنية (المكاتب - الكتاتيب)، ودروس المساجد التقليدية. وقد كنا سندخل في هذا التعليم المدارس الشرعية الفرنسية المؤسسة سنة ١٨٥٠ لولا أنها فرنسية الروح والإشراف منذ إنشائها. ثم أنها منذ ١٨٧٦ أصبحت تحت الإدارة الفرنسية المحضة ولها برنامج ومنهج فرنسي كاملان، رغم تخريجها إطارات جزائرية لخدمة الديانة الإسلامية والقضاء والتعليم.
وبالإضافة إلى المدارس القرآنية (الكتاتيب) ودروس المساجد سنعالج في هذا الفصل حالة التعليم غداة الاحتلال، وأعيان المدرسين في مختلف الولايات القديمة (الجزائر، ووهران وقسنطينة) وكذلك بعض نواحي
стр. 981
الجنوب، في المدن أو غيرها. كما سنتناول بعض الجوانب المتعلقة بالتعليم مثل المرتبات وإعداد التلاميذ والبرنامج الدراسي. وقد كشفت تقارير المفتشين (وهم مستشرقون مرتبطون بالإدارة الاستعمارية) عن صمود المقاومة الثقافية وموقف المتعلمين من توجيهات الإدارة. إن عمق الثقافة الوطنية يكمن في دراسة تفاعلاتها مع مخططات الاستعمار الفرنسي، وقد كانت تمثل خطا موازيا للثقافة الفرنسية إلى أن ظهرت الحركة الإصلاحية، فاشتد التنافس بين الثقافتين وساعد ظهور الأحزاب الوطنية على دعم هذه المقاومة.
إن هذا الفصل لن يغطي كل أنواع التعليم الأصلي، فقد كان علينا أن نخصص فصلا للتعليم في الزوايا والمدارس الحرة التي أنشأها بعض الرواد ثم الحركة الإصلاحية منذ بداية القرن، وبعض الأحزاب بعد الحرب العالمية الثانية. فالفصلان اللذان يتناولان التعليم الأصلي يكمل بعضهما البعض إذن. لقد كنا عالجنا موضوع التعليم العربي الإسلامي خلال العهد العثماني بأنواعه وأطواره، فلا سبيل إلى الرجوع إليه هنا (١). ولذلك فأننا سنبدأ حديثنا عن التعليم منذ الاحتلال الفرنسي لنعرف انطباع الفرنسيين وغيرهم أثناء السنوات الأولى من (اكتشافهم) للجزائر ومجتمعها. ثم نتتبع تطور هذا التعليم في عهد الاحتلال وكيف استجاب أو تفاعل مع الضغوط الجديدة التي فرضتها السلطات الفرنسية، ونعرف الدور الذي قام به في استمرار الثقافة وتغذية الروح الوطنية إلى ظهور حركة النهضة والإصلاح التي تنادى فيها الجميع بالتعليم الوطني القائم على اللغة العربية والروح الإسلامية والأخذ بالعلوم الحديثة.
وقبل أن نتحدث عن الآراء والتقارير التي كتبت حول التعليم العربي الإسلامي (الأصلي) من قبل الفرنسيين أثناء اكتشافهم للحياة الجزائرية، دعنا نذكر بأنه لا يمكن تصور مسيرة هذا النوع من التعليم دون معرفة العلاقة بينه
стр. 982
وبين أملاك الوقف. إن الأوقاف (الأحباس) كانت هي المصدر الأساسي للتعليم والمعلمين والمكتبات والمساجد والحركة العلمية على العموم. ومنذ اللحظة الأولى للاحتلال صادرت السلطات الفرنسية جميع أملاك الوقف وضمتها لأملاك الدولة الفرنسية المعروفة (بالدومين). ومن ثمة نضب معين التعليم والمعلمين وتوقفت الحياة العلمية وشغرت المساجد والمدارس والزوايا. وأصبح بعض رجال الدين موظفين عند الدولة الفرنسية تمنحهم إدارتها في الجزائر رواتب محددة بعد أن قل عددهم وتدجنت أفكارهم. وقد درسنا في فصل آخر موضوع الأوقاف ومال ريعها وحرمان المستفيدين منها بطريقة منافية لشروط الوقف. ولكن وجب التنبيه على ضرورة الربط بين هذا الفصل وذاك.
كل الذين درسوا موضوع التعليم في الجزائر غداة الاحتلال اندهشوا من كثرة المدارس وحرية التعليم وكثرة المتعلمين ووفرة الوسائل من أجل التعلم، كالمداخيل الوقفية، ومحلات الأوقاف والأجور العالية. وفي المدن كما في الأرياف كان التعليم جزءا أساسيا من حياة الناس. وكان المعلم والمتعلم موضع تقدير الجميع، وحب العلم كان جزءا من العبادة. كما اندهش أولئك من وفرة المدارس التي كانت تزيد ربما عن نسبة السكان. وكان التعليم حرا وخاصا ويكاد يكون مجانيا وإجباريا قبل أن تشرعه فرنسا لأبنائها بعد ١٨٧٣. فالسيد والمسود والحاكم والمحكوم كلهم سواء في البذل من أجل تعليم أبنائهم في ديموقراطية متناهية، إذ يلتقي أولاد الأغنياء وأولاد الفقراء على صعيد واحد ويتلقون نفس البرنامج على يد نفس المعلم، وبنفس اللغة والروح. وربما وظف الأغنياء معلمين (مؤدبين) خاصين لأبنائهم.
ولكن هذا الوجه المشع لصورة التعليم غداة الاحتلال لا يخلو أيضا من عيوب شأن كل التجارب الإنسانية. ونحن وإن كنا سنعرض إلى هذه العيوب فيما سيأتي، فإننا نبادر إلى القول بأن التعليم، كأهله، لم يتطور مع الزمان وحاجة الإنسان إلى التقدم والابتكار وتقليد التجارب الناجحة عند الشعوب
стр. 983
الأخرى. حقيقة أن الجميع تقريبا كانوا يعرفون القراءة والكتابة، وتكاد الجزائر تخلو عندئذ من الأمية، ولكن الذين يواصلون دراستهم إلى التعليم العالي عدد قليل. وكانت طرق اكتشاف المواهب ضعيفة أو معدومة. وكان حفظ القرآن الكريم ومعرفة اللغة العربية نوعا من الت عبد وجزءا من التعمق في الدين وليس وسيلة لفهم الحياة وخوضها والصراع الفكري مع الأمم الأخرى. وقد اختفت من البرنامج أو كادت دراسة التاريخ الإسلامي والعلوم الطبيعية والرياضيات والحساب والجبر والطب وعلوم الفلاحة والتجارة.
وحين سيطر الفرنسيون على الوضع في الجزائر - بعد ١٨٥٠ - فرضوا أيضا شروطهم على الاستمرار في تدريس اللغة العربية والعلوم الإنسانية. فقد شجعوا اللهجات العربية والبربرية الدارجة، لإماتة الفصحى، وفرضوا اللغة الفرنسية في المدارس الابتدائية وغيرها من مؤسسات التعليم مثل مدرسة ترشيح المعلمين والمدارس الشرعية. ثم تدخلوا أيضا في طريقة تدريس الفقه فحذفوا منه بعض الأبواب فأصبح ممنوعا مثلا على المدرس أن يدرس باب الجهاد، ومنعوا أحيانا تدريس التوحيد، وأجبروا المعلمين على تحفيظ القرآن للأبناء دون تفسيره لهم، وطاردوا حتى المداح أو الشاعر الشعبي الذي ينشد في الأسواق والحفلات لكيلا يتعرض للتاريخ والغزوات والأبطال. ومع ذلك كان مسؤولو هذا التعليم يقاومون سرا وعلانية، كما سنرى، مستخدمين مختلف الوسائل لتمرير رسالتهم التربوية، ذلك أن التعليم ليس بالقلم والقرطاس فقط، ولكن بالمثل الأعلى والكلمات المعبرة والتوجيه القويم والنصائح الخالصة. وإذا كان الفرنسيون قادرين على مراقبة التعليم العربي الإسلامي في المساجد والروايا والمكاتب، فإنهم لم يكونوا قادرين على مراقبة التربية والتوجيه الصالح اللذين يبثهما المعلمون في تلاميذهم. ومن هؤلاء ستكون البذرة الخيرة للنهضة والحركة الإصلاحية.
стр. 984
حالة التعليم العربي الإسلامي غداة الاحتلال
بعد مصادرة الأوقاف ونفي العديد من العلماء وترهيب الباقين، ترك الفرنسيون التعليم يموت دون الإعلان عن ذلك رسميا. اشتغلوا بالاستيلاء على الأراضي وتوطين أبنائهم فيها ومحاربة المقاومين، وأهملوا كل ما يتعلق بتعليم الجزائريين. وبعد حوالي عشر سنوات أخذ بعض مسؤولي المكاتب العربية (وهم عسكريون) يكتبون التقارير عن وضع التعليم عند المسلمين (الجزائريين) وموقفهم من المدرسة الفرنسية عموما. ومن هذه الكتابات تقرير الجنرال بيدو، وتقرير فاليري، وتقرير الجنرال درماس، وتقرير ليبيشو، ثم تقرير ديهو تبول. ففي فترة الأربعينات من القرن الماضي، نصبت لجان رسمية، وزار الجزائر أمثال أليكسس دي طوكفيل، وخرجوا جميعا برأي عن تجربة التعليم في الجزائر ماضيا وحاضرا. ويتلخص هذا الرأي فيما يلي:
١ - الاستمرار في إهمال التعليم العربي الإسلامي وعدم رد الأوقاف إليه، رغم تشبث السكان به ومقاطعتهم المدرسة الفرنسية.
٢ - إنشاء تعليم مزدوج خاص بالجزائريين تدرس فيه اللغة العربية على أن تكون فيه الفرنسية وعلومها هي السيدة، ابتداء من سنة ١٨٥٠.
٣ - ترك التعليم في الزوايا الريفية والمعمرات على ما هو عليه مع مراقبة برنامجه ومعلميه حتى لا تكون الزوايا مراكز لمعاداة الفرنسيين. وقد اعترفت جميع التقارير بأن التعليم العربي الإسلامي كان منتشرا بين الجزائريين بشكل ملفت للنظر قبل الاحتلال، وأنهم بقوا متشبثين به رغم مصادرة الأوقاف وهجرة العلماء أو نفيهم.
يقول لويس رين. كان القرآن في الجزائر هو كل شيء، هو المعلم والتعليم. وكان الفرنسيون كلما حاولوا مشروع إصلاح فكروا في عدم المس بالمشاعر الإسلامية، لكن المتعلمين (الجزائريين) الخبراء أصبحوا بمرور
стр. 985
الزمان، نادرين مما سهل على فرنسا تمرير مشاريعها. لقد كان هدف فرنسا منذ ١٨٣٠ هو الحط من التعليم القرآني وتعويضه تدريجيا بتعليم أكثر عقلنة وأكثر علمية، وبالخصوص أكثر فرنسة (فرنسية). وقد نجحت فرنسا (وهو يكتب سنة ١٨٨٤) في الفصل بين الدين والتعليم اللذين كانا في الماضي لا ينفصلان (١).
وفي الوثائق الفرنسية الرسمية أن التعليم العربي الإسلامي كان على العموم مزدهرا سنة ١٨٣٠. وهو يتألف من مستويات التعليم الثلاث المعروفة اليوم: الابتدائي والثانوي والعالي. وكان التعليم الثانوي والعالي مجانا، أما الابتدائي فقد كان بأجر اختياري ضعيف، وفي أغلب الأحيان يدفع الأجر عينا. وجميع أنواع التعليم لا تقدم إليها الدولة (الجزائرية) أية مساعدة، فكان تعليما حرا بمعنى الكلمة. وكانت المدارس متصلة بالمساجد في أغلب الأحيان، ويشرف عليها وكلاء الشؤون الدينية، وهي تتغذي من أملاك الأوقاف الخيرية. ولكن منذ الاحتلال دخلت أملاك الأوقاف في أملاك الدولة الفرنسية، فأهملت المدارس الإسلامية، وتوقف التعليم الابتدائي والثانوي، ولم تبق إلا بعض الزوايا البعيدة والمعزولة حيث الدروس العليا (٢).
ويضيف تقرير آخر أن المعلمين كانوا أيضا أحرارا. فهم لا يخضعون إلى أية ترقية، وشهرتهم هي التي تدل عليهم، وهذه الشهرة تكون في العلم والأخلاق الكريمة والسلوك الجيد، كما أنهم كانوا يحصلون على الشهادة (الإجازة) من أستاذ معروف. وكانت المدارس كثيرة، ورواتب المعلمين مضمونة من مداخيل المساجد (الوقف). وكان مشاهير الأساتذة يأتيهم المتعلمون من أماكن بعيدة - وقد أقيمت الزوايا المجاورة للمساجد لإيواء أمثال هؤلاء الغرباء. وكان عدد هذه الزوايا في مدينة الجزائر وحدها ستا، اثنتان لأهل الشرق وثلاثة لأهل الغرب وواحدة لأهل المدينة (الجزائر). وقد