← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14103

التمهيد في أصول الفقه

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الرسول، وإلحاق هذا الوعيد به، هو معرفة التوحيد ودلائل النبوة (دون) تبين الهدى الذي هو في الفروع، ألا ترى (أن) من عرف التوحيد وصدق الرسول ﷺ وحاد عن ذلك ورد عليه كان مشاقاً له، وإن لم يعرف أحكام الفروع الثابتة بالإجماع ولا شاق فيها، فدل على أن الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين، (ليس هو متعلق بما ذكروه، وإنما بما ذكرنا. وجواب آخر: أن تبين الهدى شرط في لحوق الوعيد بمشاقة الرسول فقط لا في اتباع غير سبيل المؤمنين) لأن الإنسان يكون مشاقاً إذا عرف الحق فعانده ورده. جواب ثالث: أن (من) حمل الآية على هذا التأويل يبطل مزية المؤمنين وتمييزهم، ومعلوم أن الآية دالة على تفضيلهم وتمييزهم (وبيانه): أن غير المؤمنين لو عرفنا أن قولاً من أقاويلهم هدى فإنه يلزمنا أن نقول مثل قولهم، كما يلزمنا على قول المخالف في قول المؤمنين، فتبطل المزية، (فوجب) (أن ما ذكره) المخالف يبطل تخصيص اتباع سبيل المؤمنين، (لأن التوعد عنده يلحق) بترك ما تبين من الهدى، وسواء كان قول المؤمنين أو قول غيرهم (والله سبحانه ذكر اتباع سبيل المؤمنين تعظيماً لهم وتمييزاً عن غيرهم).

стр. 1017

وجواب رابع: أن اتباع سبيل المؤمنين: هو اتباعهم بالرجوع إلى قولهم والأخذ بإجماعهم، لا مشاركتهم في قولهم بدليل آخر، ألا ترى أنا نشارك اليهود في إثبات الصانع تعالى وفي نبوة موسى ﵇، ولا نكون متبعين سبيلهم. جواب خامس: أن الآية تدل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين فإن جعل إجماعهم هدى على كل حال، فقد أوجب اتباعه على حل حال وهذا رجوع إلى قولنا، وإن (لم يجعل) هدى على كل حال (لم يوجب اتباعه على كل حال) فالآية تدل على وجوب اتباعه على كل حال. فإن قيل: اتباع سبيل المؤمنين أن ينظر في الأدلة كما نظروا واجتهدوا، فيعمل على اجتهاده، ولا يقلد غيره. (قلنا) بل اتباع سبيلهم أن لا يخالفهم في الحكم (الذي) اتفقوا عليه، فمتى خالفهم فقد اتبع غير سبيلهم، يدل عليه أنه لا يجب على المكلف النظر فيما نظروا فيه من الأدلة، ولا أن يستدل بنفس ما استدلوا به، (بل يجوز أن يستدل بدليل آخر إذا ظفر به على أنه إن لزمه أن يستدل بنفس ما استدل به الأولون) على الحد الذي استدلوا به، فإن ذلك يؤديه إلى الحكم

стр. 1018

الذي أجمعوا عليه فيجب أن يأخذ به في الابتداء بنفس إجماعهم، (لأنه يحصل) بذلك متبعاً لسبيلهم في الحكم والاستدلال المؤدي إليه. فإن قيل: فالمؤمنون لا يعرفون بأعيانهم، فلا طريق إلى اتباع سبيلهم. (قلنا): أهل العصر إذا اتفقوا فقد دخل فيهم المؤمنون، إذ لا يجوز خلوهم من ذلك، وعلى أن المؤمنين: (كل) من أظهر الإيمان في الشرع، (وأتى) بأعماله وتسمى به، فينصرف اللفظ إليه، ولا اعتبار بالباطن، لأن الله لا يكلفنا اتباع سبيل المؤمنين إلا ولنا طريق إليه، وذلك لا يمكن إلا في الظاهر (دون الباطن). فإن قيل: المؤمنون يقتضي جميع المؤمنين، وأهل العصر ليسوا جميع المؤمنين. (قلنا): لا يجوز جميعهم في كل عصر، لأن ذلك لا يتفق في الدنيا، فلا يمكن اتباعهم فيه، وإنما يتفق إجماع كل المؤمنين في الآخرة وليس في الآخرة تكليف، فيحتاج إلى اتباع، ولأن اسم المؤمنين ينصرف في التحقيق (إلى الموجودين، لأن غير الموجود) لا يسمى مؤمناً ولا كافراً ومن مات يسمى مؤمناً مجازاً.

стр. 1019

فإن قيل: النبي ﷺ من جملة المؤمنين، لأنه سيدهم فيجب أن لا يؤخذ بإجماع الصحابة حتى يوجد فيه قول النبي ﷺ موافقاً. (قلنا): النبي ﷺ سيد المؤمنين، لكنه غير مراد بالآية، لأن قوله بانفراده حجة (متوعد على مخالفتها) فلا يحتاج إلى اجتماع قول غيره معه، ولأنه قد تقدم ذكر الرسول ﵇ ومخالفته ثم ذكر سبيل المؤمنين، ليبين أنه بانفراده حجة كما بين أن قول الرسول حجة بانفراده، وتوعد من اتبع غيره فلا معنى لإدخال الرسول فيه. فإن قيل: إنما توعد على ترك اتباعهم فيما صاروا به مؤمنين وذلك هو التوحيد والتصديق. (قلنا): هذا تخصيص بغير دليل، فلا يقبل. جواب آخر: أن الإيمان والتصديق له أدلة تخصه، فلا يحتاج إلى اتباع سبيل المؤمنين، (فلا معنى) لإيجاب اتباعهم. فإن قيل: (يجب) إذا اتفق أهل عصر على فعل شيء مباح أن يلزم من بعدهم فعله، لأن سبيلهم فعله. (قلنا): إنما يجب عليه اعتقاده إباحته، فأما فعله، فلو أوجبناه مع أنهم لم يوجبوه، لكان ذلك خلاف اتباعهم سبيلهم.

стр. 1020

دليل آخر: قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ فنهى عن التفرق، فإذا (أجمعوا) على شيء لم يجز لمن بعدهم أن يترك (ذلك) القول، لأنه يحصل بذلك التفرق. فإن قيل: إنما أراد لا تفرقوا في الاعتصام بحبل الله تعالى، كما لو قال لعبيده: ادخلوا جميعاً ولا تفرقوا، كان المفهوم أن لا تتفرقوا في دخول (الدار) فيجب أن تثبتوا أن ما أجمع عليه أهل العصر الاعتصام بحبل الله، حتى يعلم أنه لا يجوز مفارقتهم. (قلنا): ظاهر قوله: ولا تفرقوا النهي عن التفرق في كل شيء وعلى كل حال. استدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ فشرط (في الرجوع) إلى الله والرسول التنازع، فإذا أجمعوا عدم الشرط، فلم يجب الرد، لأن تعليق الحكم بالشرط يدل على أن ما عداه بخلافه. (ولقائل: أن يقول): لا يجب الرد إذا أجمعوا (على كتاب وسنة، وعن غير كتاب ولا سنة.

стр. 1021

(فإن) قلتم: لا يجب الرد إذا أجمعوا على كتاب وسنة فعبث (لأن طلب) الحكم من الكتاب والسنة بعد ما وجد منهما عند (الطلب) مستحيل، (وإباحة ترك المستحيل عبث من المبيح). وإن قلتم: لا يجب الرد إذا أجمعوا (على) غير كتاب ولا سنة/ جوزتم وقوع الإجماع عن غير دليل، وذلك لا يجوز، فيكون مراد الآية الرجوع إلى تدبير الإمراء فيما لا يعلم أنه خطأ، فإن ظننا أنه خطأ، ونازعناهم فيه، ورددناه إلى الله والرسول (وحدهما). دليل سادس: أنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" وروي "لا تجتمع على خطأ" وروي

стр. 1022

عنه ﵇ أنه قال: "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح"، وروى عنه ﵇ أنه قال: "لم يكن الله يجمع هذه الأمة على قبح". وعنه أنه قال: "من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه"، وروي: (من فارق الجماعات مات ميتة جاهلية)، وروي "عليكم بالسواد الأعظم" وروي عنه

стр. 1023

أنه قال: "ثلاث لا يغل عليهن، قلب مؤمن إخلاص العمل لله والمناصحة لولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين" روى عنه أنه نهى عن الشذوذ وقال: "من شذ شذ في النار" وروى: "الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد"، وقال: "عليكم بالجماعة، فإن الذئب يأكل القاصية من الغنم". وهذه الأخبار تدل على أن الجماعة لا تضل عن الحق ولا تجتمع على باطل. فإن قيل: هذه أخبار آحاد لا توجب العلم. (قلنا): هذه الأخبار مختلفة الألفاظ متفقة في المعنى

стр. 1024

فهي تواتر من طريق المعنى، كما وردت معجزات الرسول ﷺ آحاداً وصارت في المعنى تواتراً، وعلة ذلك، أنه لا يجوز أن تكون هذه الأخبار مع كثرتها موضوعة كما لا يسوغ (أن تكون) كل الأخبار الواردة عن النبي ﷺ آحاداً موضوعة، إن كانت آحاداً. وجواب آخر: أن هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول، ولم يطعن أحد فيها، فكانت تواتراً كالأخبار الواردة بسخاء حاتم وشجاعة عنتر. وزهد عمر. (وجواب ثالث): أنه يجوز قبول خبر الواحد في المصير إلى الإجماع، لأنه حكم شرعي طريقه طريق مسائل الفروع. (قيل): أن العقل يدل على (وجوب) قبول خبر الواحد من حيث التحرز عن المضار، لأنه لو أخبرنا من نثق به: أن الطريق الفلاني، فيه سبع أو دجال لزمنا ترك المضي فيه، إذا غلب على ظننا صدقه، (فكذا) قوله: أمتى لا تجتمع على خطأ، إذا ظننا أنه كذلك لزمنا العمل بما أجمعوا عليه.

стр. 1025

(فإن قيل): لا حجة في الخبر، لأن قول: لا تجتمع أمتى على ضلالة، (أراد به الكفر، ونحن نقول: لا تجتمع على الكفر). (قلنا): قد روى: ولا تجتمع على خطأ، فنفى أنواع الخطأ كله، ثم الخطأ يسمى ضلالة، لأنه عدول عن الحق، قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَاّ الضَّلالُ﴾ وقوله: ﴿فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ﴾ أي: من المخطئين، لا من الكافرين. فإن قيل: (أمته) كل من صدق به إلى انقطاع التكليف، فلا يجوز أن يحمل على علماء عصر واحد. (قلنا): لا يجوز حمله على ذلك، لأن جميع الأمم (لا تجتمع) من أولها إلى آخرها على خطأ، والنبي ﷺ (قصد تمييز) أمته من سائر الأمم (فإنها) لا تجتمع على خطأ في

стр. 1026

كل عصر، ولأنه لو أراد بذلك إلى انقطاع التكليف لم يكن فيه معنى، لأنه ليس بعد التكليف زمان يحتاج فيه إلى الاحتجاج/ بالإجماع، فيقع قوله عبثاً لا حجة فيه. فإن قيل: فلم إذاً كانوا لا يجتمعون على خطأ لا تجوز مخالفتهم؟ (قلنا): لأن الأمة أجمعت على أنه لا يجوز مخالفة ما هم عليه. فإن قيل: ومتى أجمعت على ذلك وفيهم من يقول: يجوز أن يجمعوا على الخطأ. (قلنا): جميع الصحابة والتابعين أجمعوا على أن الأمة لا تجتمع على خطأ، واعتقدوا: أنه لا يجوز مخالفتهم. فإن قيل: من أين لكم ذلك؟ (قلنا): من حيث أنه لو جوز بعضهم مخالفة (الإجماع)، لاشتهر ونقل، وفيه ضعف.

стр. 1027

وقد استدل بعضهم: (بأن هذه) الأمة هي آخر الأمم، ولا نبي بعد نبيها ﷺ ، فلو جاز أن يجتمعوا على خطأ، لاحتاجوا إلى نبي يدعوهم إلى الحق، كما احتاجت غيرها من الأمم إلى ذلك، فجعل الله تعالى إجماعهم معصوماً من الخطأ والزلل، حتى لا يخرج الحق عنهم. فإن قيل: معهم القرآن والسنن. (قلنا): إذا جاز أن تعدل الجماعة عندكم عن القرآن والسنن، فليجتمعوا على خطأ لم يكن بد من أن يدعوهم إلى الحق. ولقائل أ، يقول: إن شرعنا منقطع بانقطاع التكليف كما أن شرع من قبلنا منقطع بالنسخ فدوام كل واحد من الشرعين، كدوام الآخر في المعنى، فكما لا يجوز أن يكون إجماع غير أمتنا حجة، (كذلك إجماع أمتنا). دليل آخر: أن الجماعات الكثيرة على اختلاف همهم لا يجوز أن يتفقوا على قول إلا لداع، ولا يجوز أن يكون ذلك هو التقليد، لأن كثيراً منهم يبطل التقليد، ولو دعتهم شبهة لنقلت ونقل خوضهم فيها فلما لم ينقل علمنا أنهم أجمعوا (بحجة) قاطعة

стр. 1028

وجرى مجرى اتفاقهم على رواية ما شاهدوه في أنهم لا يجوز عليهم الخطأ فيه ولقائل أن يقول: أن العقل لا يمنع من اتفاق الجماعات الكثيرة على الخطأ من جهة الرأي، كما اتفقت بقية الأمم على الخطأ، وهم جماعات كثيرة وهممهم مختلفة، وعلى أ، هـ لا يمنع أن يكون بعضهم ذهب إلى قول (بشبهة) وتابعه الباقون تقليداً، لاستثقالهم النظر وهواهم الموافقة ذلك الشخص أو لتصويبهم التقليد، ويفارق الخبر، فإن العدد الكثير في الخبر حجة وليس هو في الإجماع حجة. احتج (المخالف): بقول النبي ﷺ لمعاذ: "بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد، قال: بسنة رسول الله" ولم يذكر (الإجماع) ولو كان حجة لذكره. الجواب: أن الإجماع ليس بحجة في زمان النبي ﷺ ، (لأن المرجع إليه دون غيره، وإنما الإجماع انعقد بعده. واحتج بما روى النبي ﷺ : أنه قال في حجة الوداع: "لا ترجعوا بعدي كفار يضرب بعضكم رقاب بعض"، وعنه أن

стр. 1029

قال: "لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة" ومن يجوز عليهم (الرجوع) إلى الكفر واتباع سنن أهل الكتاب لا يكون إجماعهم حجة ولا صواب. الجواب: أنه أراد به بعض الأمة. بدليل خبرنا: (أمتى لا تجتمع على خطأ وعلى ضلالة)، وهو أخص فيجب بناء العام عليه، ويحتمل أنه خاطب به قوماً بأعيانهم. احتج: بأن الخطأ جائز على كل واحد من الأمة، فإذا (اجتمعوا) / جاز عليهم ما جاز على آحادهم، لأنه يستحيل أن يجوز على كل واحد منهم الخطأ (ولا يجوز) على جماعتهم، كما يستحيل أن يكون كل واحد منهم مصيباً وجماعتهم غير مصيبين وأن يكون كل واحد منهم أسود وجماعتهم غير سود.

стр. 1030

والجواب (أن المستحيل) أن يكون كل واحد من الأمة يجوز عليه الخطأ في الحكم الذي أجمعوا عليه، ونحن لا نقول: ذلك، وإنما نقول: يجوز على الواحد الخطأ إذا انفرد، وأما إذا كان واحداً من (الإجماع، فلا يجوز عليه الخطأ في الحكم الذي أجمعوا عليه) وغير ممتنع أن يجوز عليه الخطأ بانفراده، ولا يجوز إذا كان مع الجماعة، ألا ترى أنه يجوز لكل واحد بانفراده أن يختص بمأكول مخصوص في يوم، ولا يجوز أن يجتمع جميعهم على ذلك المأكول في ذلك اليوم، ويفارق مسألة (الاستشهاد) فإن هناك قلنا: كل واحد من الجماعة (أسود) أو كل واحد من الجماعة مصيب، فكان الجميع كذلك، وفي مسألتنا لا نقول: كل واحد من المجتمعين يجوز أن يكون مخطئاً، فبان الفرق بينهما. (جواب آخر): أنه غير ممتنع أن تكون عصمة الأمة ثبتت بالشرع حال (الاجتماع)، (وأن حال) الافتراق كما قلنا: كل واحد منهم لا يقع العلم بخبره، فإذا أجمعوا (أوقع الله) العلم بخبرهم، وكذلك كل جرعة خمر لا تسكر، فإذا اجتمعت الجرع أحدث الله السكر عند ذلك، وكذلك الطعام إذا كثر أشبع، ولا يشبع اليسير، كذا هاهنا.

стр. 1031

احتج: بأن اتفاقهم لا يخلو أن يكون عن نص أو عن رأي، فإن كان عن نص لا يجمعون على كتمانه، وإن كان عن رأي فيجوز الخطأ على الرأي، (ولأنهم) مع (كثرة) عددهم لا يجوز أن يتفقوا على رأي واحد وإذا بطل الطريق لم يحصل الإجماع. الجواب: أنه يحتمل أن يكون إجماعهم عن نص، ولم ينقل اكتفاءاً بالإجماع، أو ينقل فيكون محتملاً فيغني الإجماع عن النظر فيه، ويجوز اتفاقهم عن أمارة كما جاز اتفاق جماعة كثيرة عن شبهة. احتج: بأنه لا طريق إلى معرفة أقاويل (جميع) المسلمين مع تباعد البلدان وكثرة الخلق، وما لا طريق إلى معرفته لا يجوز أن يتعبد بالرجوع إليه، وقد أومأ أحمد ﵀ إلى هذا فقال: من ادعى الإجماع فقد كذب لعل الناس قد اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصم وكذلك نقل المروزي قال كيف يجوز للرجل، أن يقول: أجمعوا، وفي رواية أبي الحارث: لا ينبغي لأحد أن يدعي الإجماع لعل الناس اختلفوا.

стр. 1032

الجواب: إن المعتبر عندنا بإجماع العلماء المجتهدين من أهل العصر، وذلك ممكن، لأن العلماء كالأعلام في سائر البلاد يعرفون، ويتوصل إلى أقوالهم ومذاهبهم بإنقاذ الإمام إلى البلاد وإحضار العلماء، أو يتعرف أقوالهم بكتبهم وإشهاد الثقات عليهم في ذلك. فإن قيل: يجوز أن يكون منهم مأسور في بلاد الشرك. (قلنا): من أسر منهم لم يخف أمره على أهل بلده، ويمكن التوصل إلى أخذ قوله، فإن تعذر لم ينعقد الإجماع ولأن الصحابة يمكن حصرهم ومعرفتهم، وليس إجماعهم حجة عنده، فبطل تعلقه بالتعذر/ إما كلام أحمد أراد به في حق من لا معرفة له بأقوال الناس ولا عناية له بالاستخبار عن المذاهب، إذا قال ذلك فهو كذب كبشر والأصم. أو قال ذلك على وجه الورع، ولهذا قال في رواية أبي طالب لا أعلم فيه اختلافاً، فهو أحسن من قوله

стр. 1033

إجماع الناس، ولهذا نص على صحة الإجماع في رواية عبد الله وأبي الحارث في الصحابة إذا اختلفوا لم يخرج عن أقاويلهم، أرأيت إن أجمعوا له أن يخرج من أقاويلهم؟ هذا قول خبيث، قول أهل البدع. احتج: بأنه اتفاق من أهل عصر، فلم يكن حجة، كاتفاق سائر الأمم. الجواب: أن الإجماع طريقه الشرع، والشرع ورد بعصمة أمتنا واتباع سبيلهم، ولم يرد ذلك في سائر الأمم، لأن سائر الأمم يجوز نسخ شريعتهم ومجيء (نبي) بعد نبيهم، فلم يحتاجوا إلى عصمة، ولا يجوز ذلك في شريعتنا، بل هي مؤبدة، فعصمت حتى لا يخرج الحق عن إجماعها، ويبقى (شرعنا) مؤبداً. على أن بعض الشافعية قد منع ذلك، وقال: سائر الأمم إجماعهم حجة، وهو فاسد لما بينا، والله أعلم بالصواب.

стр. 1034

فصل الإجماع بماذا يكون؟ يحصل باتفاق أهل العصر على فعل أو على قول، ويفعله بعضهم ويظهر الباقون الرضا، أو السكوت عن الإنكار من غير تقية، أو يجمعون على ترك شيء أو إنكاره على رجل فعله. مسألة المعتبر في الإجماع بعلماء العصر من أهل الاجتهاد ، وبه قال أكثر العلماء، وقال بعضهم يعتبر في ذلك جميع الأمة، فيدخل في ذلك العوام، وقال آخرون: يعتبر بالعلماء ومن ينسب إلى العلم، كأصحاب الحديث الذين لا يعرفون أحكام الفقه والرياضة في الاجتهاد فيه، ووجوه المقاييس، وكذلك (المتكلمون) الذين لا يعرفون أحكام الفقه.

стр. 1035

لنا: أن العامة ومن (ينتسب) يجب (عليهم) تقليد المجتهدين من العلماء، ولا يجوز لهم الانفراد عنهم برأيهم، فإذا أجمعت الأمة على شيء، كان ذلك حكما (لازماً) للعامة، فدخلوا فيه تبعاً، وصار إجماعاً لأن الإجماع إنما يكون حجة معصومة عن دليل، ولا يصح من العامة إقامة الدليل، فلا اعتبار بهم في ذلك وصاروا كالصبيان والمجانين. احتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ وبقوله ﵇: "أمتى لا تجتمع على ضلالة"، وهم من أمته. (الجواب): إن سبيل المؤمنين ما أجمعت عليه العلماء، فإن العامة يلزمهم اتباعهم في ذلك، وكذلك من لا يعرف الفقه من أصحاب الحديث وغيرهم، ولأن الآية والخبر مخصوصان بالاتفاق، فإنه لا يعتبر في ذلك الصبيان والبله وإن كانوا من جملة الأمة والمؤمنين، ولذلك لا يعتبر بالعامة.

стр. 1036

احتج: بأن من عرف أصول الفقه أمكنه رد فروعه إليه، وكذلك من سمع الحديث تنبيه به على الأحكام. فوجب أن يعتبر بقوله كمن عرف أصول الفرائض يعتبر بقوله في ذلك، (وإن لم يعرف من فروعها). (الجواب): أنه ليس الأمر على ذلك، لأن من لا يعرف الأحكام لا يمكنه معرفة النظير/ فيقيس عليه النظير كمن عرف، اللغة والحساب والنطق، وكذلك من لا يعرف المعاني والمقاييس، من أصحاب الحديث، لا يمكنه أن يقيس، (ولهذا) لا يجوز لهم الفتوى في الحادثة (فهم) كالعامة سواء. وفارق من عرف أصول الفرائض، فإنه يجوز له الفتوى، لأن فروعها تعرف بالحساب ومعرفة أصولها. فصل هل [يعتد] (في الإجماع) بأهل الضلال والفسق، قال شيخنا لا يعتد بهم وحكاه عن الرازي والجرجاني

стр. 1037

وعن أبي سفيان السرخسي وجماعة من المتكلمين: أنه يعتد بهم والصحيح عندي أنه إذا كان من أهل الاجتهاد وارتكب بدعة كفر بها لم يعتد بخلافه، وإن لم يكفر بها اعتد بخلافه، وهو محكي عن الإسفراييني ولم أجد هذه المسألة في كتاب شيخنا. لنا: أن طريق الإجماع السمع، وأدلة السمع لا تتناول الكافر وتتناول (المؤمن) والفاسق الملي مؤمن على أصلنا، فدخل في قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وقوله ﵇: "أمتي لا تجتمع على خطأ" وهذا الاسم يشمل الفاسق ويخرج منه الكافر، ولأن الفاسق في باب الإجماع

стр. 1038

معصوم، بدليل قوله ﵇: "أمتي لا تجتمع على خطأ" وإن كان في غير الإجماع غير معصوم، ألا ترى أن الواحد (منا) يجوز عليه الخطأ في غير باب الإجماع وبكونه في الإجماع نقول: هو معصوم من الخطأ فلا يجوز عليه، وكذلك الفاسق في التواتر يسمع خبره وفي الآحاد لا يسمع (خبره)، لأنه معصوم مع الجماعة، غير معصوم وحده كذا في مسألتنا. احتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ فجعلهم وسطا وشهوداً، والوسط العدل، والفاسق غير عدل، ولا هو من أهل الشهادة، فلم يعتد به في الإجماع. الجواب: إن الآية حتجنا، لأنه جعل الأمة جميعها وسطا، أي عدولاً على الأمم، فكل داخل (في) جملتها يجب أن يعتد بإجماعه (معها). فإن قيل: فمن أتى بما يكفر من الأمة أيضاً. (قلنا): (ذاك خرج) عن الأمة، لأن الأمة عبارة عن المؤمنين. احتج: بأن من لا تقبل شهادته في حق خاص، أو خبر خاص لم يعتد به في الإجماع. الجواب: ما ذكرنا من أن الأمر (هو) غير معصوم فيه

стр. 1039

وهو مع الإجماع معصوم بدليل ما ذكرنا، ونزيد فتقول: الإجماع حجة يلزم بها الأحكام وقد يعصم الإنسان فيما يلزم به الحكم، (وإن لم يعصم) في غيره، ألا ترى أن الأنبياء ﵈ معصومون فيما يخبرون به من الشرع، وإن جاز عليهم الخطأ في غير ذلك، (وقد) دلت الدلالة على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ وقوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ أي علم، وقوله: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ وقوله سبحانه ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ وغير ذلك. احتج: بأن كونهم من جملة المجمعين يقتضي مدحهم، وكونهم فساقاً يقتضي ذمهم، والمدح والذم لا يجتمعان في حالة واحدة. الجواب: أن هذا ممتنع، (لأن الفاسق الملي) مؤمن بإيمانه وهي صفة مدح، وفاسق بكبيرته وهي صفة ذم، فكذا هاهنا (وهو ممدوح لأنه من جملة المؤمنين وأهل الاجتهاد ومذموم بارتكاب كبيرة) وذلك لا يقدح في الإجماع، لأن الكبيرة مما ينفرد بها، وكونه مع الإجماع وهو معصوم فيه على (ما مضى) والله أعلم.

стр. 1040

مسألة إجماع أهل كل عصر حجة في ظاهر كلامه في رواية المروزي وقد وصف أخذ العلم فقال: ينظر ما كان عن رسول الله ﷺ ، فإن لم يكن فعن أصحابه فإن لم يكن فعن التابعين، وبه قال عامة العلماء، وقال داود وجماعة من أهل الظاهر: لا يعتد بإجماع غير الصحابة وقد أومأ إليه أحمد في رواية أبي داود: الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه وهو بعد

стр. 1041

في التابعين مخير، إلا أن شيخنا قال: هو محمول على آحادهم. وجه الأول: أن أدلة الإجماع لا تخص (عصراً دون عصر) مثل قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (لأن في كل عصر مؤمنين)، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وقول النبي ﷺ : "أمتي لا تجتمع على خطأ" وهم أمته، ولأنه لما كان العصر الثاني كالأول في رواية الأخبار كذلك في الإجماع. واحتج المخالف: قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ وهذا خطاب مواجهة يتناول الصحابة بحضورهم دون غيرهم. الجواب: أن هاتين الآيتين عامة في الكل، وليست (بخاصة) فيمن حضر نزولها ألا ترى أن من أسلم بعد نزول الآيتين وصحب الرسول ﵇ دخل في ذلك وإن لم يكن مخاطباً عند نزولها. جواب آخر: أنه ليس يخلو أن يراد بالآيتين من حضر من الصحابة عند حدوث الحادثة، ولا يعتبر من تقدم موته، (فذلك) يدل على أنه لا اعتبار بإجماع من حضر نزول الآيتين وهو قولنا.

стр. 1042

أو يعتبر بمن مات في الإجماع، فهذا يمنع من كون إجماع الصحابة حجة، لأن من مات منهم لا قول له في الحادثة، وهو معتبر وقد تعذر قوله فلم ينعقد الإجماع، على أن الأمة عبارة عن كل من صدق الرسول ﷺ بدليل أن المسلمين بأجمعهم يدعون لأمة محمد ﷺ ولا يريدون صحابته دون غيرهم، إلا أنا لو اعتبرنا ذلك لم يمكن الإجماع حجة من وجهين: أحدهما: أنه لا يمكن (اجتماع) كل الأمة في حادثة تحدث، لأن من سبقها قد مات قوله، ومن لم يخلق لا قول له. والثاني: إنا إذا اعتبرنا جميع المكلفين إلى انقضاء التكليف، لم يكن بعدهم تكليف يحتاج فيه إلى إقامة الحجة بالإجماع، فإذا بطل اعتبار الجميع ثبت أن المراد (إجماعهم) على الحادثة في كل عصر حدثت فيه الحادثة. (وجواب آخر): أنه لا يمتنع أن يكون خطاب خاص ويدخل فيه الكل كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وغير ذلك. واحتج: بأنه قد ثبتت عصمة الصحابة ولم تثبت عصمة غيرهم فمن ادعى لغيرهم عصمة فعليه الدليل.

стр. 1043

والجواب: أن ما دل على عصمة الصحابة دل على عصمة أهل/ كل عصر، لأن الأدلة عامة على ما بينا. فإن قيل: ليست عامة، لأن الخطاب كان للصحابة، فقد تقدم جوابه. احتج: (بأ، الصحابة) شاهدوا التنزيل وحضروا الوحي، ولهذا قال ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقديتم اهتديتم". الجواب: إن هذا لا يوجب أن يكون إجماعهم حجة دون غيرهم، لأن الأدلة الموجبة تكون الإجماع حجة، ليست ما ذكرتم، فأما قوله: بأيهم اقتديتم اهتديتم، (فيتناول) آحادهم، وليس الكلام في آحادهم، على أن المراد بذلك حث العامة على قبول فتوى كل واحد منهم.

стр. 1044

واحتج: بأنه لو كان قول التابعين حجة لكانوا إنما صاروا إليه بنص أو أمارة، ولو كان ذلك لم يخف عن الصحابة، وإن جوزنا أن يخفى جعلنا للتابعين مزية على الصحابة، وهذا لا يجوز. والجواب: أنه إذا حدثت حادثة في زمان التابعين احتاج التابعون إلى التصفح وطلب الدلالة والنص، فإذا وجدت انعقد الإجماع عليها، ولم يكن نقض على الصحابة، لأن الحادثة ما حدثت في وقتهم، على أنها لو حدثت في وقتهم جاز أن يكونوا (لم يفحصوا أو فحصوا) يسيرا فلم (يظفروا)، فلما جاء التابعون أمعنوا في الفحص واجتهدوا في الطلب، فظفروا (بالنص أو الدلالة). مسألة إذا أجمع أهل عصر (على الحادثة) إلا الواحد (والاثنين)، لم ينعقد الإجماع ، وبه قال

стр. 1045

أكثرهم، وقال محمد بن جرير صاحب التاريخ، وأبو الحسين الخياط. والرازي: ينعقد الإجماع. وقد أومأ إليه أحمد.

стр. 1046

وجه الأول: قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فذكره بلام الجنس، وهي تعم (جميع أهل العصر). فإن قيل: لام الجنس لا تعم إنما تقتضي الجمع. قلنا: قد دللنا على ذلك، ثم قول الثلاثة لا يجب اتباعه بالإجماع، وهذه الآية مما توجب الاتباع، فثبت أن المراد بها ما ذكرنا. ودليل آخر: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وقول النبي ﷺ : "أمتي

стр. 1047

لا تجتمع على ضلالة" لا يتناول إلا جميع أهل العصر، لأن أكثرهم بعض الأمة. فإن قيل: أن الأمة تقع حقيقة. على جماعة المؤمنين، وإن شذ منهم الواحد والاثنان كما يقول الإنسان: "لحيته سوداء" (وإن كان) فيها شعرات بيض، وكذلك يقول (الإنسان): رأيت أسود، وفيه بياض. ويقول: أكلت رمانة، وإن سقط منها حبات لم يأكلها. (قلنا): لا نسلم ذلك ألا ترى أنه يجوز النفي فنقول: هؤلاء (ليسوا) كل الأمة ولا جميع أهل العصر، فإما قوله أكلت الرمانة ولحيته سوداء، ويريد معظمها، فهو مجاز لا حقيقة، أو يريد بذلك: أنها سوداء في رأي العين، وكذلك أكلت الرمانة على ما جرت العادة في الأكل، وليس ينفك في الغالب أن يسقط منها حبات، فيكون ذلك خارجاً من وضع اللغة بالعرف، وليس إذا نقل ذلك بالعرف يجب نقل غيره. دليل آخر: أن في الصحابة ﵃ من تفرد بمسائل في الفرائض خالف عليها الجماعة ولم ينكر عليه، كتفرد ابن عباس وابن مسعود، ولو كان الإجماع انعقد دونهم. لأنكر عليهم، وكذلك الصديق ﵁ خالف الصحابة في قتال مانعي الزكاة، فناظروه.

стр. 1048

واحتج عليه عمر ﵁ بقوله ﷺ :/ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم"، فقال قد قال إلا بحقها والزكاة من حقها، ولم يحتجوا عليه بأن إجماعهم حجة عليه. دليل رابع: أنه لا فرق في العقل بين هذه الأمة وسائر الأمم، وإنما الشرع عصم إجماعنا، فإذا وقع الاختلاف بقي على مقتضى (العقل) في أنه يجوز عليهم الخطأ. ودليل خامس: أنه لا فرق في العقل والشرع بين الاثنين والثلاثة والأربعة والخمسة فلم شرطتم الاثنين؟ احتج المخالف: بقول النبي ﷺ : "عليكم بالسواد الأعظم" (وجميع) أهل العصر إلا الاثنين هم السواد الأعظم. والجواب: أنا لا نسلم بل السواد الأعظم (هو المتناهي في العظم وذلك يقتضي جميع أهل العصر، لأنه لا سواد أعظم) من ذلك.

стр. 1049

جواب آخر: أنه لو جاز حمله على الأكثر، لجاز حمله على الزائد على النصف بالواحد والاثنين. فإن قيل: فلو أراد الجميع لم يكن في العصر من يقول (له) عليكم بالسواد الأعظم، فلا يكون حجة على أحد. قلنا: يجوز أن يكون خطاباً لمن يأتي بعدهم، (ممن) لا ينعقد بهم الإجماع. احتج بقوله ﵇: "عليكم بالجماعة". الجواب: أنه أراد الجميع، ثم هذا يقتضي أن يتبع إذا خالف الأربعة والخمسة وأكثر. احتج: بأن خلافة أبي بكر ﵁ ثبتت بالإجماع وإن كان ما دخل فيه علي وسعد بن عبادة.

стр. 1050

الجواب: إن من أصحابنا من قال: (خلافة أبي بكر) ثبتت بالنص الخفي، وهو تقديمه في الصلاة لا بالإجماع، ومنهم من قال: بالإجماع واعتذر بأن علياً ما خالف ﵁، (وأكثر ما قيل فيه): أنه لم يحضر ثم حضر وبايع، وأما سعد فظن أن الأمر يعقد له، فلما روى أبو بكر ﵁ "الأئمة من قريش" سكت، وعلى أنه قد قيل: الإجماع على أبي بكر انعقد في زمن عمر ﵁، لأن سعداً مات في أيامه، وقيل: قتل فلم يبق مخالف، ولأن هذه أخبار آحاد فلا يثبت بها هذا الأصل. واحتج: بأن الواحد إذا خالف سمي شاذاً، وهو اسم ذم، ولهذا أنكرت الصحابة على ابن عباس قوله في الربا. الجواب: أنا لا نسلم أن الواحد يسمى شاذاً إلا إذا خالف بعد الوفاق، على أن الصحابة أنكرت عليه لأجل خبر أبي سعيد لا لإجماعها.

стр. 1051

احتج: بأن العلم يقع بخبر أهل العصر إلا الواحد والاثنين، فكذلك الإجماع. الجواب: (إن هذا) جمع بغير علة، على أن أهل بلد إذا كان جمعه كثيراً لا يتفقون على الكذب، وإن لم ينعقد الإجماع لهم، لأن الخبر يقع عن مشاهدة عصمته عن الخطأ، ولأن الأخبار تقف على غلبة الظن، (والظن يقوى بالجماعة) إلا النفر، والإجماع يقع (عن العصمة) ولا نسلم أن لغير "إجماع الكل" عصمة يؤكد ما ذكرنا، (إنا نرجح في الخبر) رواية عشرة على خمسة، ولا ينعقد الإجماع بمثل ذلك، (والله أعلم). مسألة إذا حضر المجتهد من التابعين مع الصحابة في وقت الحادثة (فخالفهم) لم ينعقد الإجماع أومأ إليه في رواية عبد الله ابنه، وبه قال عامة الفقهاء والمتكلمين، وقال

стр. 1052

شيخنا وبعض الشافعية: ينعقد (الإجماع) ولا يلتفت إلى خلافه، (وقد) أومأ إليه (أحمد ﵁ في رواية أبي الحارث وغيره، وهي اختيار الخلال. وجه الأول: أن الأدلة الإجماع لا تتناولهم إلا معه، ولأنه أحد المجتهدين فجرى مجرى/ الحدث من الصحابة إذا خالف، (يؤكد هذا أن الاعتبار بالاجتهاد في الاجتهاد لا في الصحبة، ولهذا لا يعتد بمن صحب ولا يكون مجتهداً، ويقبل إجماع المجتهدين من غير

стр. 1053

الصحابة)، وإن لم يكونوا صحبوا ولهذا (المعنى) قال ﷺ : "فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" وإذا ثبت هذا، فالتابعي مجتهد فاعتبر به. احتج المخالف بقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ وهذا خطاب الصحابة. الجواب: أن المراد به أهل كل عصر، بدليل أنه لا يختص الصحابة بالإجماع دون بقية الأعصار، أو نحمله على رواية الأخبار بدليلنا. احتج: بأن علياً نصر الله وجهه نقض حكم شريح حين حكم في ابني عم: أحدهما أخ لأم أن المال كله للذي هو أخ، وعائشة أنكرت على أبي سلمة (بن عبد الرحمن بن عوف) حين

стр. 1054

خالف ابن عباس في الحامل المتوفى عنها زوجها لما قال: تعتد بأقصى الأجلين فقال هو: بل عدتها أن تضع حملها، فقالت عائشة ﵂: مثلك مثل الفروج سمع الديكة تصيح فصاح لصياحها، (وهذا) يدل على أنهم لم يسوغوا خلاف التابعين. الجواب: أنه لا خلاف أن الصحابة سوغت اجتهاد التابعين ولهذا ولى عمر شريحاً القضاء وكتب إليه ما لم تجد في السنة فاجتهد رأيك، وولاه علي أيضاً وخاصم إليه يهودياً فقضى على علي، فرضي بحكمه، وإن كان مخالفاً لرأيه (ونبه كعب بن سور

стр. 1055

عمر ﵁ في حق المرأة الشاكية لزوجها، فولاه عمر ﵁ القضاء بالبصرة) وكان علي ﵁ يقول لأصحاب ابن مسعود: أنتم سرج هذه القرية، سئل ابن عمر عن فريضة، قال: سلوا (سعيد بن جبير) فإنه أعلم بها مني، وسئل أنس عن مسألة فقال: سل (عنها) مولانا الحسن يعني البصري، وغير ذلك، فأما نقض علي على شريح فلم يثبت (وإن) ثبت فيحتمل أنه خالفه في الفتوى، فأخذ بفتوى علي، أو يكون الإجماع انعقد قبل كون شريح مجتهداً.
следующие страницы →