Полный текст (1 668 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
ووجه الآخر: قالوا: قول الصحابي ليس بقول النبي ﷺ حقيقة. فلا يجوز إضافته إليه بالظن والتخمين، لأن الله تعالى قال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.
الجواب: أنا نضيفه إليه بغلبة الظن، كما نضيف إليه خبر الواحد ظناً لا يقينا، والآية وردت فيما طريقه (العلم) لا ما طريقه (الظن).
(فإن قيل): لو كان عندهم عن النبي ﷺ في ذلك توفيقاً، لنقلوه مع قوله ﵇: "رحم الله من سمع مقالتي فأداها"، مع قوله: "من كتم علما يعلمه ألجم بلجام من النار".
الجواب: أنه يحتمل أنهم رووه ولم يبلغنا، ويحتمل أن يكونوا كرهوا الرواية، فإن جماعة منهم كانوا يكرهون ذلك.
(فإن قيل): يجوز إن الصحابي برأيه، ولا يكون عنده في ذلك خبر، بدليل أن عمر ﵁ كان يفاضل في دية الأصابع، حتى أخبر أن النبي ﷺ قال: "في كل إصبع مما هناك عشر من الإبل" فرجع عن قوله، ولم يكن عنده في ذلك توقيف.
стр. 982
الجواب: أن عمر قال ذلك بالقياس الصحيح، وهو: أن منافع الأصابع تختلف فجعل ديتها على قدر منافعها، فلما روى له الخبر، ترك القياس وخلافنا فيما لا قياس فيه.
احتج: بأ، عمر وعثمان ﵄ جعلا دية المجوسي ثمانمائة درهم، وهذا لا يقتضيه القياس، ولم يجعلوه توقيفاً، وهذا يلزم أصحاب أبي حنيفة ونحن نقول به، لأن أصحاب أبي حنيفة ناقضوه فقالوا: خبر الواحد، وإذا خالف الأصول لم يعمل به، كخبر القرعة والمصراة والتفليس، وهو قول الرسول ﷺ ، فأولى أن يكون قول الصحابي إذا خالف الأصول لا يحتج به. فأما الجواب عن دليلهم: فيحتمل أن يكون ذهب إلى قياس فاسد، لأ، هـ ليس بمعصوم من الخطأ، ويحتمل أن يكون استحسن ذلك لعادة استدل بها، كما قدر أبو حنيفة ربع الرأس بالمسح، والنجاسة بقدر الدرهم، وليس في ذلك قياس، ولا توقيف، وهذا لا يلزمنا، لأن الأول ظاهر الروايتين والثاني لا نقول به (والله أعلم).
стр. 983
فصل
في ترجيح أحد الخبرين على الآخر
إذا تعارض الخبران، فلا يخلو أن يمكن الجمع بينهما أو لا يمكن، فإن أمكن الجمع بينهما، فلا يخلو: أن يكون ذلك في وقت واحد أو في وقتين. فأما الجمع بينهما في وقت واحد، فبأن (يحمل) أحدهما (لمكان) الآخر على المجاز، إما بالتخصيص أو بغيره.
وإما في وقتين، فبأن يعلم تقدم أحدهما على الآخر، فيكون المتقدم منسوخاً (بالمتأخر).
(وما لا يمكن) الجمع بينهما فذلك على ضربين:
أحدهما: لا يمكن لقرينة، أو لأنفسهما. فما لا يمكن للقرينة، مثل خبر ابن عباس: "لا ربا إلا في النسيئة"، وخبر أبي سعيد: "لا تبيعوا البر بالبر"، إلى قوله: "إلا يدا بيد سواء بسواء".
стр. 984
(هذان) يمكن الجمع بينهما، فيحمل خبر ابن عباس على الجنسين، وخبر أبي سعيد على الجنس الواحد، ولكن الأمة اتفقوا على أن هذين الخبرين متعارضان، لكن الأكثر أخذ بخبر أبي سعيد وترك حديث ابن عباس، والأقل أخذ بخبر ابن عباس على عمومه.
ومالا يمكن ذلك فيه لأنفسهما، مثل: أن يكون حكم أحدهما ضد حكم الآخر، أو يكون حكم أحدهما نفيا لحكم الآخر على وجه لا يمكن فيه التأويل السائغ، مثل: أن يتعلق كل واحد منهما بما تعلق/ به الآخر، على الحد الذي تعلق به الآخر، في الوقت الذي تعلق به ولا يكون أحدهما عاماً والآخر خاصاً، بل يكونان خاصين أو عامين، أو يكون كل واحد منهما خاصاً من وجه وعاماً من وجه، ولا يكون أحدهما بأن يكون مخصصاً للآخر أولى من العكس، ولا يعلم تقدم أحدهما على الآخر.
стр. 985
وإذا وجد التعارض على هذا الوجه فيجب الترجيح والعمل على ما ترجح به، لأنه (يقوى) بالترجيح، وتقديم الأقوى يجب.
فإن قيل: التنافي في الأخبار لا يوجد، لأن ما من لفظ إلا ويمكن تأويله على موافقة غيره والجمع بينهما.
(قلنا): قد يكون فيها ما لا يمكن إلا بتأويل متعسف، لا يحسن أن يريده الحكيم، وذلك مثل: ما قاله أصحاب أبي حنيفة في قوله ﵇: "إذا زادت الإبل على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقه": إنا نحمل ذلك عليه، إذا بلغت مائعة وتسعين خاصة يكون فيها ثلاث حقاق وبنت لبون: لأن ذلك يجب عندهم في مائعة وستة وثمانين: يكون بنت لبون في ستة وثلاثين، وثلاث حقاق في مائعة وخمسين. هذا تأويل لا يجوز أن يكون الحكيم أراده، لا سيما (إذا كان) نبياً يريد بيان الشرع؛
стр. 986
لأنه يقول: "إذا زادت على مائة وعشرين" ويريد بالزيادة سبعين، لا غير، ويقول: "في كل أربعين بنت لبون"، ويريد بذلك ستة وثلاثين، فمثل ذلك لا يجوز حمل الخبر عليه بحال، فإذا ثبت (ما ذكرنا) فلا بد من الترجيح.
فصل
الترجيح على ضربين: ترجيح يرجع إلى الإسناد، وترجيح يرجع إلى المتن.
فأما الترجيح (في الإسناد): فيكون بكثرة الرواة، وبأحوال الرواة.
والترجيح في المتن: (بما) يرجع إلى لفظ الخبر، وبألا يرجع إلى لفظه، وسنذكر ذلك مفصلاً ومبيناً إن شاء الله.
فصل
يرجح بكثرة الرواة، نص عليه في رواية الميموني، ونذكر له حديث بلال بن الحارث في فسخ الحج إلى العمرة: لنا
стр. 987
خاصة؟ فقال: لا أعرفه، إلا أن أحد عشر رجلاً من أصحاب النبي ﷺ (يروون ما يروون)، (وأين) يقع بلال بن الحارث منهم؟ وبهذا قال الشافعي، (وبعض) الحنفية، وقال بعضهم: لا يرجح بكثرة الرواة.
لنا: أن النبي ﷺ لم يرجع إلى خبر ذي اليدين، حتى
стр. 988
استخبر أبا بكر وعمر فأخبراه بمثل ذلك، وكذلك أبو بكر ﵁ لما روى له المغيرة أن النبي ﷺ أطعم الجدة السدس، قال: "من يشهد لك؟ " فشهد له محمد بن مسلمة، فقبل قولهما، وكذلك عمر ﵁ مع أبي موسى في الاستئذان.
دليل آخر: أن الأخبار تقوى بالعدد، إذا كثر يحصل بها العلم، فكلما قارب الكثرة، كان الظن بصدقهم أقوى، لأن الغلط والسهو مع الكثرة أقل، وكذلك الكذب، لأن الإنسان يستحي أن يطلع غيره على كذبه، ولا يستحي إذا لم يشعر به أحد، وقد (بينه) الله تعالى بقوله: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ فبين أن ضبط الاثنين أكثر، وكذلك نبه النبي ﷺ على ذلك فقال: "الشيطان مع الواحد ومن الاثنين أبعد" ولأن خبر الأعلم
стр. 989
الأتقن أولى؛ لأنه (أوفر) ضبطاً، فكذلك الجماعة ضبطهم أكثر، ولأن الحكم إذا شابه أصولاً، كان أولى (مما) شابه أصلاً واحداً، كذلك الخبر، لأن كل واحد منهما طريق في قوة الظن.
احتج المخالف: بأنه خبر يتعلق به حكم فلم يرجح بكثرة المخبرين، دليله الشهادة والفتوى.
إنما ذكرناه هو الأصل نعلمه ضرورة: أن ظننا يقوى بخبر الجماعة أكثر مما يقوى بخبر الواحد، فأما الشهادة، فإنها (مقدرة) في الشرع بعدد، فإذا وجد وجب تعليق الحكم عليه، وإذا كانت مخصوصة بالشرع لم تكن فادحة في الأصل الذي ذكرناه، يؤيد ذلك أن الشهادة لا يرجح فيها بضبط الشاهد وعلمه وورعه وكثرة ملابسته (للشهادات) بل بمجرد وجود العدالة يثبت قوله: بخلاف الخبر (فإنه يرجح بهذه الأشياء، وأما الفتوى فليس طريقها الخبر، وإنما تقف على علم المفتي وصحة اجتهاده، وقد يكون الواحد أعلم من الجماعة وأقوى اجتهاداً، وقد يكون الجماعة يتبع بعضهم بعضاً في الفتوى، فلا يكون في كثرتهم زيادة في صحة اجتهادهم: بخلاف الخبر)، فإن طريقه قوة الظن
стр. 990
بصدق المخبر والجماعة أقوى من الواحد في ذلك، على أنه (لو رجح) بكثرة الشهود وكثرة المفتين لجاز، وقد رجح مالك (بكثرة الشهادة).
فصل
فأما الترجيح بأحوال الرواة، فإنه بأشياء منها:
زيادة الورع (والتحري)، لأنه أبعد من الكذب والتساهل، فالظن بروايته أقوى.
والثاني: العلم والضبط كما ذكرنا.
والثالث: أن يكون أحد الراويين باشر القصة بنفسه كرواية أبي رافع: "أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهما
стр. 991
حلالان" مع رواية ابن عباس أن تزوج ميمونة، وهو محرم، قدمت رواية أبي رافع؛ لأنه مولى النبي ﷺ ، وكان (السفير) في تزوجها، (فباشر القصة بنفسه).
والرابع: أن يكون أحدهما صاحب القصة كخبر ميمونة: تزوجني النبي ﷺ ونحن حلالان، أولى من خبر ابن عباس،
стр. 992
لأن العقد عليها، فهي أعرف بوقته، لاهتمامها ومراعاتها له.
الخامس: أن يكون أقرب موضعاً من النبي ﷺ من الآخر، كخبر ابن عمر: (أن النبي ﷺ أفرد الحج، قدم على حديث أنس (أن النبي ﷺ قرن، لأن ابن عمر قال: كنت تحت ناقته، يسيل علي لعابها، ومن كان أقرب يكون أضبط لما سمعه.
стр. 993
السادس: أن يكون ممن قدمت هجرته، وكثرت صحبته، فتكون روايته أولى؛ لأنه أعرف بأحواله وأقرب إليه، ولهذا قال ﵇: "ليليني منكم أولو الأحلام والنهي".
فصل
فأما الترجيح بما لا يرجع إلى لفظ الخير بأشياء منها: أن يكون أحد (الخبرين) ناقلاً عن حكم الأصل، والآخر مطابقاً له، وذلك على ضربين:
إحداهما: أن يكون مطابقاً للأصل الذي يقتضيه العقل.
والثاني: مطابقة الأصل من حال المروى عنه.
فأما الأول مثل خبر يرد في نفي عبادة، ويرد الآخر في التعبد بها، فرواية الإثبات أولى، لأن الظاهر أن النبي ﷺ يعلمنا
стр. 994
مالا نعلمه إلا من جهته/، لا ما نعلمه بعقولنا قبل مجيئه، ولأن الظاهر مما يطابق، أنه هو المتقدم في الرواية، لأنه جاء على مقتضى العقل، والآخر متأخر عنه، فكان (كالناسخ) له والعمل بالناسخ أولى.
فإن قيل: (هلا) عملتم بالموافق للعقل، لأنه عضده دليل العقل، فصار كما لو عضده دليل (شرعي) من قرآن أو سنة.
قلنا: العقل ليس بدليل، وإنما يتمسك به ما لم يرد شرع (بخلافه)، فإذا ورد شرع يخالفه، صار كأن العقل ما اقتضى نفى تلك العبادة، ولأن شرط اقتضائه قد زال، بخلاف ما يعضده من أدلة الشرع.
فإن قيل: فإذا لم يرجح بالعقل، فإن الخبرين إذا كان أحدهما نفياً، والآخر إثباتاً، كانا حكمين شرعيين، فهما سواء.
стр. 995
(قلنا): إلا أنا قد بينا أنه لا بد أن يكون أحدهما مطابقاً لحكم (العقل) لأنه ما من فعل إلا وله حكم في العقل، إما حسن، أو قبح، فالذي نقل عن حكم العقل، في الظاهر هو المتأخر، فصار كالناسخ، فيجب تقديمه.
وأما الثاني: فنحو ما روى: أن النبي ﷺ دخل البيت ولم يصل فيه، وأنه: لم يقبل وهو صائم، والخبر المعارض: أنه صلى في البيت أولى، لأنه أحاط من أخبار النبي ﷺ ، بما لم يحط به الآخر، وكذلك رواية عائشة ﵂: أنه ﵇: قبل وهو صائم، أولى، (لأنه) زيادة
стр. 996
عرفتها، ورواية أم سلمة: إنه لم يقبل، أخبار عن حالها، (لأنه) لم يقبلها، وقبل عائشة ﵂.
فصل
ومنها أن يكون أحد الخبرين مثبتاً للحد، والآخر نافياً (له)، قال شيخنا: لا يرجح المسقط، ويكونان سواء، وبه قال عبد الجبار، ويحتمل أن يكون المسقط للحد مقدماً، وعن أصحاب الشافعي كالوجهين.
ووجه الإسقاط قوله ﵇: "ادرءوا الحدود بالشبهات"
стр. 997
وقوله: "ادرءوا الحدود ما استطعتم"، وقوله: "لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة"، ولأن تعارض البينتين في الحد إذا كان شبهة يسقط، فكذلك تعارض الخبرين.
ووجه الآخر: أن الحد يثبت بالقياس وخبر الواحد، وفيهما شبهة، لأنهما مظنونان، فكذلك يجب أن يقبل الخبر فيه مع التعارض، ولقائل أن يقول: إن الأخذ بخبر الواحد إذا انفرد، وبالقياس، مقطوع (به)، فلا يكون ذلك شبهة: بخلاف التعارض، فإنه غير مقطوع (عليه، فكان شبهة).
فصل
ومنها: أن يكون أحد الخبرين يتضمن الحرية والآخر يتضمن الرق، فقال عبد الجبار: هما سيان، لأنهما حكمان.
وقال غيره: المتضمن الحرية أولى، لأن الحرية
стр. 998
(لا يعترضها) من الأسباب المبطلة لها (ما يعترض) الرق، ولا يبطل الحرية بعد ثبوتها، كما يبطل الرق بعد ثبوته، فكانت الحرية آكد، وما يتضمنها أولى بالتقديم.
فصل
ومنها: أن يقتضي أحد الخبرين الحظر والآخر بالإباحة، فقال شيخنا: يقدم الحظر، لأن أحمد قال: إذا اختلف الأمر عن رسول الله ﷺ ولم يعلم ناسخه من منسوخه، نصير في ذلك إلى قول علي، تأخذ بالذي هو أهنأ وأهدى وأبقى.
وبهذا قال الكرخي، والرازي، وقال عيسى بن أبان، وأبو هاشم: هما سواء، وعن الشافعية كالقولين.
وجه الأول: أن العمل على الحظر أحوط، لأنه إن/ كان (الفعل) محظوراً فقد تجنبه المكلف، وإن كان مباحاً لم يضره
стр. 999
تركه: بخلاف ما إذا كان محظوراً ففعله، فإنه يكون قد أقدم على المحرم.
فإن قيل: فإذا كان مباحاً منه فقد اعتقد قبح الجنس، فيكون ذلك جهلاً.
(قلنا): إلا أنه بالامتناع يكون قد أتى محظوراً واحداً، وبالإقدام على فعل المحظور يكون قد أتى (محظورين): فعل المحظور، واعتقاد القبح حسناً، فكان تجنبه أولى، وإذا ثبت أن تجنب الفعل أولى من الإقدام عليه فاعتقاده حظراً عند التعارض ليس بجهل، ولا (قبح).
وقد احتج شيخنا: بأنه إذا اجتمع ما يبيح وما يحظر وجب تقديم الحظر، كما نقول في المتولد بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل، والجارية بين شريكين.
وهذا ليس بصحيح، لأنه ملكه لبعض الأمة، واختلاط الماء (المباح بالمحظور) ليس بجهة مبيحة، وإنما المبيح ملك جميعها، وانفراد المباح بالتولد منه، ولم يحصل ذلك، فلهذا لم يجتمع في الحيوان وفي الأمة جهة إباحة (بحال): بخلاف الخبرين، فإن الخبر (مبيح) لجميع الوارد فيه، فهو بنفسه جهة إباحة.
стр. 1000
احتج المخالف: بأن الخبرين إذا كانا متنافيين، فلابد أن يكون أحدهما متأخراً عن الآخر، فيكون العمل عليه، فإذا لم نعلمه وجب التوقف، لأن ليس أحدهما بأن يتقدم أولى من الآخر، (فصار) ذلك بمنزلة الوليين إذا زوجا ولم يعلم السابق منهما، وقف النكاحان، والغرقى، (إذا لم يعلم السابق منهما) وقف الأمر كأنهم أحياء، ولم يورث بعضهم من بعض.
الجواب: أن ما ذكرتم موضع الخلاف، لأنهما إذ استويا فيما ذكرتم، كان الحاظر بالتقديم أولى، لما ذكرنا، وأما الوليان إذا زوجا ولم يعلم السابق منهما، فإنا لا نبطل النكاحين، بل يقرع بينهما فيترجح من وقعت عليه بالقرعة، وكذا الغرقى، يورث بعضهم من بعض، ولا يوقف، لأن الظاهر: (أنهم) لم (يموتوا) معاً، ومن سلم ذلك، قال: يجوز أن يتفق عقد الوليين وموت الغريقين حالة واحدة، ولا يجوز أن يتفق خبر الحظر والإباحة في حالة واحدة، بل لابد من تقديم أحدهما على الآخر، فيجب تقديم الأحوط وهو الحظر.
واحتج: بأن البينتين إذا تعارضتا لم يرجح إحداهما، فكذلك الخبران.
الجواب: إنما لم يرجحا، (لأنه) لا مزية لإحداهما على
стр. 1001
الأخرى؛ لأن كل واحد يجوز أن تشهد. بالملك لمكان اليد والتصرف، ويجوز أن يكون المتداعيان متصرفين في الملك فتشهد بينته بما رأت، فأما الحظر والإباحة فلا يجوز ورودهما معاً، فلم يكن بد من تقديم إحداهما على (الأخرى)، فقدمنا الأقوى وهو الحظر (والله أعلم).
فصل
ومنها: أن يوافق أحد الخبرين القرآن، أو سنة أخرى ترد بلفظه ومعناه، فإنه يرجح بذلك.
مثل: حديث التغليس بالصبح، قدم على حديث الأسفار بها، لأنه يوافق ظاهر قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ
стр. 1002
رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ وفي التغليس مسارعة إلى فعل العبادة ولأنه يوافق سنة أخرى، وهو قوله ﷺ : "أفضل الأعمال عند الله الصلاة في أول وقتها"، وقوله: "أول الوقت رضوان الله وآخر الوقت عفو الله".
فصل
ومنها: أن يوافق/ أحد الخبرين القياس، مثل قوله عليه
стр. 1003
السلام: "ليس على المسلم في فرسه وعبده صدقه".
مع الحديث الآخر: "في كل فرس دينار" يقدم الأول، لأن القياس يعضده، لأن الخيل لا تجب فيها زكاة السوم، ولا (زكاة) التجارة، ولا تجب في ذكورها، إذا انفردت فهي خارجة عن القياس، ألا ترى أن سائر الحيوان الزكائي تجب (في) ذكوره، إذا انفردت؟ وكذلك تجب في زكاة السوم فيؤخذ (في) بعضه، وتجب [في] زكاة التجارة ربع عشر قيمتها، وأما إيجاب الدينار عن الفرس مع اختلاف قيمتها، فغير موافق للقياس.
стр. 1004
فصل
أن يعمل بأحد الحديثين الخلفاء الأربعة (كحديث التكبيرات في العيدين)، قدمنا خبر من روى سبعاً؛ لأنه عمل به أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃ على الخبر الآخر أربع كأربع الجنائز لقوله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضواً عليها بالنواجذ".
فصل
فأما إذا كان أحد الحديثين قد أجمع على العمل به أهل المدينة.
فقال شيخنا: لا يرجح به، وقال أصحاب الشافعي: يرجح، وهو أقوى عندي، لأن الظاهر بقاءهم على ما كان أسلافهم عليه، وهم الصحابة، فرجح بذلك.
وجه الأول: أنه بلد فلم يرجح بأهله كسائر البلدان.
стр. 1005
الجواب: أنه إن كان من البلدان (ما نزله) الصحابة، وأقاموا فيه، أخذنا بما أجمعوا عليه إلى قبل (أن وقع الخلف) وظهرت البدع، وهو ما كان في زمن الخلفاء الراشدين، مثل الكوفة والبصرة، وهذا قول الجرجاني من الحنفية، وإن كان بلد لم (تنزله) الصحابة، فلا سلف لهم (يقتدي بالأخذ عنهم): بخلاف المدينة.
فصل
ومنها: أن يقترن بأحد الحديثين تفسير الراوي وتعليله، كخبر جابر في العمري: "أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه، فهي للذي أعطيها، ولا ترجع إلى الذي أعطاها، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث"، فقدم على الحديث الآخر: "من أعمر عمرى فهي
стр. 1006
له ولعقبه يرثها من يرثه"، لأن جابراً قال: "إنما العمري التي أجازها رسول الله ﷺ : أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى أصحابها"، وهذا بيان من الراوي قطع على النبي ﷺ ، وهو أعرف بما أراد، لأنه شاهده وتفقه في قوله.
ومنها: أن يكون أحد الخبرين قد استعمل نظيره في التخصيص لنظير (الخبر) الآخر، مثل حديث أبي سعيد عن النبي ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة"،
стр. 1007
يخص به قوله: "فيما سقت السماء العشر"، كما (خص) بقوله: "ليس فيما دون خمس أوراق من الورق صدقة"، وقوله ﷺ : "في الرقة ربع العشر"، فيشهد القرين لقرينه، لأنه نظيره، وفيه نظر. (والله أعلم).
стр. 1008
باب الكلام في الإجماع
الإجماع هو الاتفاق (من جماعة) على أمر من الأمور، إما فعل أو ترك.
مسألة
إجماع أهل العصر حجة مقطوع بها، ولا تجمع الأمة على الخطأ وهو قول عامة العلماء . وقال النظام: ليس بحجة ويجوز أن يجمعوا على خطأ.
стр. 1009
وقالت الإمامية: ليس الإجماع حجة، ولكن فيه قول الإمام المعصوم وهو حجة.
ولنا: قوله تعالى/ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾، والوسط الخيار العدل، بدليل قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ معناه أعدلهم، وقال الشاعر:
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم
ولا يجوز أن يخبر تعالى بالعدالة والشهادة مع علمه أنه يجوز أن يقدموا جميعهم على المعصية، أو يخطئوا، أو يشهدوا بغير حق.
فإن قيل: المراد بهذه الآية أنهم يشهدون يوم القيامة على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم، وهم عدول في تلك الحال.
стр. 1010
قلنا: لو أراد ذلك لقال: سنجعلهم أمة وسطاً، فلما قال: جعلناكم بطل قولكم، ولأن هذه لم تشاهد الأمم ولا رسلهم، ولا معنى لمشاهدتهم عليهم من غير مشاهدة، ولأن معنى العدالة في القيامة موجود في سائر الأمم، لأنهم غير قادرين على المعصية، فلا معنى لتخصيص هذه الأمة بذلك.
فإن قيل: ليس في قوله: لتكونوا شهداء ما يقتضي العموم، فيحتمل أنهم شهدوا على من بعدهم بتبليغ أخبار الرسول ﵇.
قلنا: لا يصح هذا، لأنه إن أراد إخبار جميعهم، فليس يقف ذلك على العدالة، لأن العدد الذي يحصل بهم العلم لا يفتقر في ذلك إلى أن يجعلهم عدولاً، وإن أراد إخبار آحادهم فليس كل واحد من الأمة عدلاً فيصفه بذلك.
стр. 1011
فإن قيل: يحتمل أنه أراد به أن أكثرهم عدول.
قلنا: ظاهر اللفظ جعل الكل، فيجب حمله عليه، وعلى أنه إذا ثبت أن أكثرهم عدول، ثبت أن إجماعهم حجة.
فإن قيل: إنما يكون الخطاب لمن نزلت الآية وهو موجود فالآية (حجة) حتى يعلم (أن) جميع من كان موجوداً حين نزلت هذه الآية، قال بذلك.
قلنا: هذا لا سبيل لنا إليه فلا يجوز أن تقف الشهادة على ما لا سبيل لنا إليه، وقد أمرنا الله تعالى بأن نكون شهداء على الناس، ولأن الأمر بالشهادة يقتضي أن يكون بعد وفاة النبي ﷺ لا في حال نزول الآية.
دليل ثان: قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ ولو جاز عليهم أن يجمعوا على منكر، لم يكونوا ناهين عن المنكر.
فإن قيل: هذا إخبار عن حال كانوا (عليها) وذلك لا يوجب (كونهم عليها) الآن.
стр. 1012
قلنا: يحتمل أن يكون كان زائد مثل قوله: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً﴾ ويحتمل أن يكون بمعنى وجدتم، ونصب خبر أمة على الحال.
جواب آخر: لو كانت كان الخبرية بمعنى ما تقدم من الزمان لم يضر، لأن قوله: ﴿تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ يقتضي كونهم كذلك في كل حال لأنهم لو أمروا ببعض المعروف ونهوا عن بعض المنكر في حال دون حال لما كانوا خير أمة أخرجت للناس، لأن الأمم السالفة أمروا بكثير من المعروف ونهو عن كثير من المنكر في حال دون حال ولهذا أمروا بالتوحيد والعدل، واتباع الأنبياء ونهوا عن الإلحاء وتكذيب/ الأنبياء، فثبت أن الآية تريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كله في جميع الحالات.
دليل ثالث: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ فتوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، فثبت أن من فعل ذلك فقد ترك واجباً فاستحق الوعيد.
فإن قيل: هذا (الاحتجاج) من دليل الخطاب لأن
стр. 1013
الوعيد علق على اتباع غير سبيل المؤمنين [فلم يوجب اتباع سبيلهم] إلا من دليله، وليس بحجة (في هذه المسألة).
قلنا: بل هو احتجاج بالنطق، لأنه ليس بين سبيلهم وغير سبيلهم واسطة، فإذا توعد على اتباع غير سبيلهم هذا، وجب اتباع سبيلهم.
فإن قيل: السبيل: الطريق، فلا يدخل فيه القول والفتوى.
(قلنا): السبيل ما اقتفاه الإنسان وتمسك به سواء كان قولاً أو غيره يدل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾.
وقوله: ﴿أَهْدَى سَبِيلاً﴾ وقوله: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾.
стр. 1014
ويقال (سبيل) المعروف، وسبيل الوقف، وسبيل المذهب، ويقال: أسلك سبيل التجار، ففيهم من ذلك اقتفاء آثارهم في المعاملة وأخلاقهم في المطالبة وذلك كثير ويدل عليه، أن من مشى في غير الطريق (الذي مشى فيه المؤمنون) لم يتوعد.
فإن قيل: إنما علق الوعيد على مشاقة الرسول وترك سبيل المؤمنين.
ونحن نقول: يلحق الوعيد بذلك.
(قلنا): لو لم (يحرم) كل واحد منهما على الانفراد، ما علق الوعيد عليهما جال الاجتماع، ألا تىر أنه لو كان الوعيد على مشاقة الرسول خاص لم يجز أن يضاف إليها فعل شيء من المباحات، لأنه لا يحسن أن يقول: من زنا وشرب ماء عذبته، فلما توعد عليهما دل على أن الوعيد يلحق بهما بقوله تعالى: ﴿وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ دل على تحريم كل واحد منهما على الانفراد والاجتماع.
فإن قيل: إنما وقع التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين بشرط مشاق الرسول فلا يلحق التوعد مع عدم الشرط.
стр. 1015
(قلنا): هذا يقتضي أن (من) شاق الرسول واتبع سبيل المؤمنين فقد أحسن وأتى بما وجب عليه، فيكون من شاق الرسول وكذبه في الرسالة واتبع سبيل المؤمنين في مأموراته غير عاص، وهذا غلط، لأن من كذب الرسول وعانده لا يؤمر باتباع سبيل المؤمنين، لأن اتباع سبيل المؤمنين هو بالشرع، فمن كذب صاحب الشرع لا طريق له إلى اتباع ما أوجب الشرع، (على) أن هذا يفضي إلى تكرار من غير فائدة، لأن مشاقة الرسول بانفرادها توجب الوعيد، فيجب أن لا يجعل ذلك شرطاً في اتباع غير سبيل المؤمنين، بل يعلق ذلك بمعنى آخر.
فإن قيل: إنما (يلحق) الوعيد من اتبع غير سبيل المؤمنين بعدما تبين له الهدى.
والهدى بالألف واللام يقتضي جنس الهدى جميعه، فيدخل ما أجمعوا عليه في/ جملة الهدى، ويجب أن يكون بيانه قد حصل (له) بغيره قبل الإجماع بدليل آخر، كما لو قال: إذا تبين لك صدق فلان فاتبعه، (يقتضي) تبين لك صدقه بشيء سوى قوله.
(قلنا): الهدى الذي تبينه شرط في ثبوت مشاقة
стр. 1016
الرسول، وإلحاق هذا الوعيد به، هو معرفة التوحيد ودلائل النبوة (دون) تبين الهدى الذي هو في الفروع، ألا ترى (أن) من عرف التوحيد وصدق الرسول ﷺ وحاد عن ذلك ورد عليه كان مشاقاً له، وإن لم يعرف أحكام الفروع الثابتة بالإجماع ولا شاق فيها، فدل على أن الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين، (ليس هو متعلق بما ذكروه، وإنما بما ذكرنا.
وجواب آخر: أن تبين الهدى شرط في لحوق الوعيد بمشاقة الرسول فقط لا في اتباع غير سبيل المؤمنين) لأن الإنسان يكون مشاقاً إذا عرف الحق فعانده ورده.
جواب ثالث: أن (من) حمل الآية على هذا التأويل يبطل مزية المؤمنين وتمييزهم، ومعلوم أن الآية دالة على تفضيلهم وتمييزهم (وبيانه): أن غير المؤمنين لو عرفنا أن قولاً من أقاويلهم هدى فإنه يلزمنا أن نقول مثل قولهم، كما يلزمنا على قول المخالف في قول المؤمنين، فتبطل المزية، (فوجب) (أن ما ذكره) المخالف يبطل تخصيص اتباع سبيل المؤمنين، (لأن التوعد عنده يلحق) بترك ما تبين من الهدى، وسواء كان قول المؤمنين أو قول غيرهم (والله سبحانه ذكر اتباع سبيل المؤمنين تعظيماً لهم وتمييزاً عن غيرهم).
стр. 1017
وجواب رابع: أن اتباع سبيل المؤمنين: هو اتباعهم بالرجوع إلى قولهم والأخذ بإجماعهم، لا مشاركتهم في قولهم بدليل آخر، ألا ترى أنا نشارك اليهود في إثبات الصانع تعالى وفي نبوة موسى ﵇، ولا نكون متبعين سبيلهم.
جواب خامس: أن الآية تدل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين فإن جعل إجماعهم هدى على كل حال، فقد أوجب اتباعه على حل حال وهذا رجوع إلى قولنا، وإن (لم يجعل) هدى على كل حال (لم يوجب اتباعه على كل حال) فالآية تدل على وجوب اتباعه على كل حال.
فإن قيل: اتباع سبيل المؤمنين أن ينظر في الأدلة كما نظروا واجتهدوا، فيعمل على اجتهاده، ولا يقلد غيره.
(قلنا) بل اتباع سبيلهم أن لا يخالفهم في الحكم (الذي) اتفقوا عليه، فمتى خالفهم فقد اتبع غير سبيلهم، يدل عليه أنه لا يجب على المكلف النظر فيما نظروا فيه من الأدلة، ولا أن يستدل بنفس ما استدلوا به، (بل يجوز أن يستدل بدليل آخر إذا ظفر به على أنه إن لزمه أن يستدل بنفس ما استدل به الأولون) على الحد الذي استدلوا به، فإن ذلك يؤديه إلى الحكم
стр. 1018
الذي أجمعوا عليه فيجب أن يأخذ به في الابتداء بنفس إجماعهم، (لأنه يحصل) بذلك متبعاً لسبيلهم في الحكم والاستدلال المؤدي إليه.
فإن قيل: فالمؤمنون لا يعرفون بأعيانهم، فلا طريق إلى اتباع سبيلهم.
(قلنا): أهل العصر إذا اتفقوا فقد دخل فيهم المؤمنون، إذ لا يجوز خلوهم من ذلك، وعلى أن المؤمنين: (كل) من أظهر الإيمان في الشرع، (وأتى) بأعماله وتسمى به، فينصرف اللفظ إليه، ولا اعتبار بالباطن، لأن الله لا يكلفنا اتباع سبيل المؤمنين إلا ولنا طريق إليه، وذلك لا يمكن إلا في الظاهر (دون الباطن).
فإن قيل: المؤمنون يقتضي جميع المؤمنين، وأهل العصر ليسوا جميع المؤمنين.
(قلنا): لا يجوز جميعهم في كل عصر، لأن ذلك لا يتفق في الدنيا، فلا يمكن اتباعهم فيه، وإنما يتفق إجماع كل المؤمنين في الآخرة وليس في الآخرة تكليف، فيحتاج إلى اتباع، ولأن اسم المؤمنين ينصرف في التحقيق (إلى الموجودين، لأن غير الموجود) لا يسمى مؤمناً ولا كافراً ومن مات يسمى مؤمناً مجازاً.
стр. 1019
فإن قيل: النبي ﷺ من جملة المؤمنين، لأنه سيدهم فيجب أن لا يؤخذ بإجماع الصحابة حتى يوجد فيه قول النبي ﷺ موافقاً.
(قلنا): النبي ﷺ سيد المؤمنين، لكنه غير مراد بالآية، لأن قوله بانفراده حجة (متوعد على مخالفتها) فلا يحتاج إلى اجتماع قول غيره معه، ولأنه قد تقدم ذكر الرسول ﵇ ومخالفته ثم ذكر سبيل المؤمنين، ليبين أنه بانفراده حجة كما بين أن قول الرسول حجة بانفراده، وتوعد من اتبع غيره فلا معنى لإدخال الرسول فيه.
فإن قيل: إنما توعد على ترك اتباعهم فيما صاروا به مؤمنين وذلك هو التوحيد والتصديق.
(قلنا): هذا تخصيص بغير دليل، فلا يقبل.
جواب آخر: أن الإيمان والتصديق له أدلة تخصه، فلا يحتاج إلى اتباع سبيل المؤمنين، (فلا معنى) لإيجاب اتباعهم.
فإن قيل: (يجب) إذا اتفق أهل عصر على فعل شيء مباح أن يلزم من بعدهم فعله، لأن سبيلهم فعله.
(قلنا): إنما يجب عليه اعتقاده إباحته، فأما فعله، فلو أوجبناه مع أنهم لم يوجبوه، لكان ذلك خلاف اتباعهم سبيلهم.
стр. 1020
دليل آخر: قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ فنهى عن التفرق، فإذا (أجمعوا) على شيء لم يجز لمن بعدهم أن يترك (ذلك) القول، لأنه يحصل بذلك التفرق.
فإن قيل: إنما أراد لا تفرقوا في الاعتصام بحبل الله تعالى، كما لو قال لعبيده: ادخلوا جميعاً ولا تفرقوا، كان المفهوم أن لا تتفرقوا في دخول (الدار) فيجب أن تثبتوا أن ما أجمع عليه أهل العصر الاعتصام بحبل الله، حتى يعلم أنه لا يجوز مفارقتهم.
(قلنا): ظاهر قوله: ولا تفرقوا النهي عن التفرق في كل شيء وعلى كل حال. استدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ فشرط (في الرجوع) إلى الله والرسول التنازع، فإذا أجمعوا عدم الشرط، فلم يجب الرد، لأن تعليق الحكم بالشرط يدل على أن ما عداه بخلافه.
(ولقائل: أن يقول): لا يجب الرد إذا أجمعوا (على كتاب وسنة، وعن غير كتاب ولا سنة.
следующие страницы →