← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14103

التمهيد في أصول الفقه

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

ثم أجمعوا، وكذلك اختلفوا في قسمة أرض السواد، ثم أجمعوا على ترك قسمتها، وزال الخلاف في ذلك جميعه حتى لا يجوز لأحد أن يذهب إليه. فإن قيل: فهناك رجعت إحدى الطائفتين إلى قول الأخرى فلم يبق خلاف، وفي مسألتنا لم ترجع الصحابة الذي خالفوا (إلى قول) التابعين، فالخلاف (قائم). (قلنا): (برجوعهم) لم يزل القول الذي ذهبوا إليه، لأنه (إن كان) خبراً فما ارتفع وإن كان قياساً فهو بحاله، وإنما المعنى هناك حين رجعوا خلا العصر عن خلاف. (وكذلك) هاهنا خلا عصر التابعين عن خلاف، فلا فرق بينهما. دليل آخر: أن إجماع التابعين حجة مقطوع بها، وقول بعض الصحابة ليس بحجة مع (قيام الخلاف) بينهم، فلا يجوز ترك الحجة والأخذ بما ليس بحجة.

стр. 1087

فإن قيل: هو حجة ما لم يتقدمه خلاف، (فأما إذا تقدمه فليس بحجة). (قلنا): تقدم الخلاف (لا يخرج الإجماع) عن كونه حجة، كما لو اختلف الصحابة في مسألة، ثم اتفقت عليها. دليل آخر: أنه لو تعارض (خبران) فأجمع أهل العصر على الأخذ بأحدهما سقط حكم الأخذ بالآخر، فكذلك اختلاف الصحابة على قولين إذا وقع الإجماع على أحدهما، بل قول النبي ﷺ أولى بالمراعاة من قول الصحابة. فإن قيل: إذا أجمعوا على أحد الخبرين، علمنا أنه (منسوخ به لآخر) وللنبي ﷺ أن ينسخ، أما الصحابة فليس لهم أن ينسخ (بعضهم) قول بعض. (قلنا): لا يجوز ادعاء النسخ مع الاحتمال، ويحتمل أن أحد الخبرين لم يبلغ أهل العصر الأول فأجمعوا على الذي بلغهم، ثم

стр. 1088

بلغ أهل العصر الثاني أو يكونوا تأولوه (فلا يكن) منسوخاً، ثم قولوا هاهنا، ويحتمل أن يكون الدليل الذي ذهب إليه من اتفق على خلاف قوله كان خبراً منسوخاً بدليل الآخرين. دليل آخر: أن كل حكم لم يجز لعامة عصر التابعين العمل به لم يجز لمن بعدهم العمل به، كالمنسوخ من أحكام الشرع، ولهم معارضة هذا: (وهو أن) كل حكم جاز لعامة عصر الصحابة العمل به، (جاز) لعامة عصر التابعين العمل (به)، أصله: إذا لم يجمع التابعون على خلافه. ويجاب عن ذلك: بأن في عصر الصحابة جاز العمل به، لأن الخلاف قائم في العصر، وفي مسألتنا لا خلاف في العصر. والمعتمد ما أجمع عليه أهل كل عصر فيجب المصير (إليه). واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ فشرط التنازع في وجود الرد، والتنازع قد حصل بين الصحابة. الجواب: أن هذا خطاب لأهل العصر وأهل العصر لا تنازع بينهم.

стр. 1089

وجواب آخر: أن الرجوع إلى الإجماع رد إلى الله ورسوله، لأن الإجماع بقولهما يثبت. الجواب: أن هذا خطاب لأهل العصر وأهل العصر لا تنازع بينهم. وجواب آخر: أن الرجوع إلى الإجماع رد إلى الله ورسوله، لأن الإجماع بقولهما يثبت. واحتج: بأن الصحابة إذا (اختلفوا) على قولين فقد تضمن اختلافهم الإجماع على الأخذ بكل واحد من القولين فاتفاق التابعين على أحد القولين، وتحريم الأخذ بالآخر لا يخلو، أما أن يكون تحريماً/ في المستقبل فذلك نسخ، والنسخ لا يكون بعد ارتفاع الوحي، أو يكون تحريماً في الماضي والمستقبل فيكون مخالفاً لإجماع الصحابة، وهذا معنى قولهم هذا الإجماع لو (حرم) الخلاف في المستقبل لحرمه في الماضي. الجواب: إن القائل بأن الحق في (واحد) لا يجوز أن يحتج بهذا، لأن عنده لا يجوز للمجتهد أن يعتقد ويأخذ إلا بأحد القولين، وهو الذي يقوى عنده (أن) الحق فيه ويحكم بخطأ الآخر، وإنما يسوغ للعامي أن يستفتي، فإذا اتفق التابعون على أحد القولين لم يبق من [يفتيه] بالآخر. فحرم الأخذ به، وأما من

стр. 1090

يقول: كل مجتهد نصيب: وإنما يقول يجوز الأخذ بكل واحد من القولين، لأن المسألة مختلف فيها، فهي من مسائل الاجتهاد، فعليه أن يبين أن بعد حصول الاتفاق: المسألة من مسائل الاجتهاد (وإلا القولين. لأن المسألة مختلف فيها، فهي من مسائل الاجتهاد، فعليه أن يبين أن بعد حصول الاتفاق: المسألة من مسائل الاجتهاد (وإلا فنحن قد بينا أن المسألة حيث أجمع عليها التابعون خرجت عن مسائل الاجتهاد)، وحرم الخلاف فيها، (لأن) أدلة الإجماع تناولت التابعين إذا أجمعوا (وعلمنا) حينئذ أن الشرط المجوز للأخذ بكل واحد من القولين، هو أن لا يحصل اتفاق على أحدهما في العصر الثاني فمتى زال الشرط زال جواز الأخذ بكل واحد من القولين، ولم يسم (ذلك) نسخاً، لأن الحكم إذا وقف على شرط يعلم زواله، فإنه لا يكون زواله بزوال شرطه نسخاً، كما أن وجوب الصيام بدخول الليل لا يسمى نسخاً، وزوال التيمم بوجود الماء لا يسمى نسخاً. (فإن قيل: لستم بأن تقولوا: جواز الأخذ بكل واحد من القولين يجوز بشرط أن لا يحصل الاتفاق على أحد القولين بأولى منا إذا قلنا: إجماع التابعين حجة ما لم يتقدمه خلاف.

стр. 1091

قلنا: ينتقض ما قلتم بأهل العصر إذا اختلفوا ثم أجمعوا، وإذا توقفوا في الحادثة ينظرون ويفحصون ثم أجمعوا، فإنه لا يسوغ بعد الإجماع التوقف، ولا الاختلاف، على أنا قد بينا: أن المختلفين سوغوا الأخذ بكل واحد من القولين بالشرط الذي ذكرنا، ولم يثبتوا أن إجماع التابعين حجة بالشرط الذي ذكرتم، فكان قولنا أولى. وجواب آخر: إذا لم تجمعوا إجماع أهل العصر الثاني حجة مع كونه إجماعاً صريحاً فأولى أن لا تجعلوا إجماع أهل العصر الأول على الأخذ بكل واحد من القولين حجة، وهو غير صريح، وإنما هو مظنون وهو مع ذلك مبني على أن كل مجتهد مصيب، وفي ذلك نظر، وهذه الدلالة عمدة المسألة لهم. واحتج: بأن الإجماع إذا حصل الاختلاف يجب أن لا يزول بحدوث الإجماع بعده. والجواب: أنه لم كان ذلك؟ وما الجامع بينهما؟، على أن الاختلاف إن كان في العصر اعتبر به على قول من شرط في الإجماع انقراض العصر، وإن كان بعد العصر فهو غير حجة طرأ على حجة فلم يغيره بخلاف مسألتنا، فإن الإجماع حجة طرأت على قول بعض الصحابة، وهو غير حجة فأزالته. وجواب آخر: أن هناك يؤدي إلى إبطال الإجماع، وفي مسألتنا لا يؤدي إلى إبطال الإجماع).

стр. 1092

احتج: بأنه لو كان اتفاقهم بعد الاختلاف حجة، لوجب إذا اختلفوا على قولين في مسألة ثم مات جميع من قال بأحد القولين، وبقي القائلون بالقول الآخر أن ينعقد إجماعاً ويحرم الأخذ بالقول الآخر. (الجواب): إنا كذا يقول: لدخول قول الطائفة الباقية تحت أدلة الإجماع، (لا أن الموت جعل قول الباقين حجة). جواب آخر: أن الفرق بينهما واضح، (وذاك): أن هناك لم يقع إجماع أهل العصر على أحد القولين، لأن من مات من أهل العصر (مخالف) بخلاف مسألتنا، فإنه وقع إجماع أهل العصر على أحد القولين فكان حجة مزيلاً لما قبله. احتج: بأن من قال قولاً من الصحابة، ومات عنه فحكم قوله باق، ولهذا ينقل ويحتج له ويؤخذ به، ولهذا لو أجمعوا كلهم على شيء ثم ماتوا، لم يجز أن يجمع التابعين على خلافه، وإذا كان كذلك لم ينعقد إجماع التابعين مع قولهم بالخلاف. الجواب: أنه لو كان حكم قولهم باقياً لجاز للعامي تقليده، والعمل به، كما لو كان الصحابي حياً ولأن حكم قوله (باق) ما لم

стр. 1093

يقع الإجماع على خلافه، فإذا أجمع على خلافه (لم يجز الأخذ به)، وأما إذا أجمعوا كلهم على شيء وماتوا، فإن الإجماع يستحيل بعدهم على ما تقدم بيانه. احتج: بأنه لو أسقط إجماع التابعين ما تقدم من الخلاف لوجب أن ينقض كل حكم/ حكم به واحد من الصحابة وغيره يخالفه عليه، ثم وقع إجماع التابعين على خلافه. الجواب: يقال لم كان كذلك؟ ونحن نعلم (أنه) حين حكم (لم يكن هناك) دليل قاطع يرد قوله بخلاف مسألتنا، فإنه إذا أجمع التابعون ثبت الدليل القاطع، وهو الإجماع فسقط الأخذ بالآخر، (ثم هذا) يلزمكم إذا أجمع الصحابة، بعد أن اختلفوا وعمل كل واحد منهم بالخلاف. فإن قلتم: ينقض القول الذي خالف إجماعهم. قلنا: مثله (هاهنا). وإن قلتم لا ينقض. فمثله هاهنا.

стр. 1094

احتج: بأنه لو كان اتفاق أهل العصر الثاني حجة لكانوا قد ذهبوا إليه بدليل خفي عن الصحابة وظهر لهم، وهذا لا يجوز. الجواب: أنه لا يجوز أن يخفي على جميع الصحابة، فأما (إن يخفي) على بعضهم فيجوز، وخلاف التابعين لبعضهم لا لجميعهم. احتج: بأن التابعين لو لحقوا بعض الصحابة، فأجمعوا على أحد القولين مع الصحابة الذين قالوا (به) لم يسقط قول الآخرين، فأولى أن لا يسقط (قولهم) بانفراد التابعين. الجواب: أنه إنما لم يسقط هناك، لأنهم بعض أهل العصر، (وليس) قولهم حجة على بقية أهله، فأما إجماعهم بعد انقراض الصحابة فهو حجة لأنهم جميع أهل العصر. (والله أعلم). فصل فإن اختلفوا في مسألة على قولين لم يجز إحداث قول ثالث، نص عليه في رواية الأثرم: إذا اختلف أصحاب رسول الله ﷺ يختار من أقاويلهم، ولا يخرج عن قولهم إلى من بعدهم، وقال في رواية أبي الحارث يلزم من قال: يخرج من أقاويلهم إذا اختلفوا أن يخرج من أقاويلهم إذا أجمعوا.

стр. 1095

وبه قال أكثر العلماء، وقال بعض الحنفية وأهل الظاهر: يجوز ذلك، وهو قياس قول أحمد ﵀ في الجنب يقرأ بعض آية، ولا يقرأ آية، لأن الصحابة قال بعضهم: لا، ولا حرفاً وقال بعضهم يقرأ ما شاء، فقال هو يقرأ بعض آية. لنا: أن اختلافهم على قولين (اتفاق) في المعنى على المنع من أحداث قول ثالث، فالقائل بالقول الثالث مخالف لإجماعهم فسقط قوله، (كما) لو أجمعوا على قول واحد فخالفه.

стр. 1096

فإن قيل: ما أنكرتم أن يكونوا أجمعوا على ترك ما عدا القولين، بشرط أن لا يؤدي اجتهاد غيرهم إلى قول ثالث، كما قلتم أنهم سوغوا الأخذ بكل واحد من القولين بشرط أن لا يقع الاتفاق من التابعين على أحدهما؟ (قلنا): جواز ما ذكرتم يؤدي إلى أن يخرج الحق من أهل العصر، وذلك غير جائز، ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال: إذا أجمعوا على قول واحد (يجوز) الأخذ به، ما لم يؤد اجتهاد غيرهم إلى خلافه، ويفارق الإجماع على أحد القولين فإنه لا يؤدي إلى خروج الحق عن أهل العصر، وإنما يؤدي إلى (خروجه) عن بعض أهل العصر وذلك جائز. احتج المخالف: بأن الإجماع لم/ يحصل على حكم المسألة، فجاز لمجتهد المخالفة فيها كسائر مسائل الاجتهاد. الجواب: أنا لا نسلم ذلك، ونقول: الإجماع انعقد على حكمها، لأن الصحابة اختلفوا في جدة وأخ وجد، فقال بعضهم: المال كله للجد بعد سدس الجدة، وقال بعضهم: المال بينهما نصفان بعد السدس، فإذا جاء محدث فقال: (المال) كله

стр. 1097

للأخ فقد خالف إجماعهم، لأنهم اتفقوا أن للجد قسطاً من المال، وهذا القائل قال: لا شيء له من المال أصلاً، ولأنهم أجمعوا [على] أن الحق لا يخرج عن [قوليهم]، وهذا القائل يزعم أن الحق خرج عن القولين إلى قوله الثالث. فأما مسائل الاجتهاد فلم ينعقد فيها إجماع بحال وهاهنا (قد انعقد) بما بينا. احتج: بأن الصحابة اختلفوا في زوج وأبوين، وامرأة وأبوين، فقال بعضهم: للأم ثلث الباقي بعد فرض الزوج والزوجة، وقال ابن عباس وغيره للأم ثلث جميع المال في المسألتين، فجاء بن سيرين فقال: لها ثلث ما بقي مع الزوج، وثلث جميع المال مع الزوجة، فأحدث قولاً ثالثاً لم ينكر عليه، وكذلك الثوري قال: الأكل ناسياً لا يفسد الصوم والجماع ناسياً يفسده ومن تقدمه من السلف اختلفوا فيها على قولين، فقال بعضهم: لا يفسد الصوم بهما، وقال آخرون: يفسد الصوم بهما.

стр. 1098

الجواب: أن ما ذكروه أحداث قول ثالث في مسألة واحدة كمسألة الأخ والجد، وتلك مسألة أخرى، (لا تشبه) مسألتنا، وسنبين ذلك- إن شاء الله- على أنه لم ينقل إجماع (على هذين) القولين، (وإنما) نقل ذلك عن بعضهم، وكلامنا فيه إذا أجمعوا على القولين، ولأن ابن سيرين عاصر الصحابة فيحتمل أنه سمع من بعضهم ذلك أو خالفهم، وخلافه يعتد به إذا كان مجتهداً، فلم ينعقد الإجماع دونه. احتج: بأنه يجوز إحداث دليل لم يذكره الصحابة، فكذلك (يجوز) إحداث قول. الجواب: أن هذا جميع بغير علة، على أنهم لو أجمعوا على دليل واحد جاز لمن بعدهم إحداث دليل آخر، ولو أجمعوا على حكم لا يجوز لغيرهم إحداث حكم آخر، (ولأن الاستدلال بدليل ثالث يؤيد ما ذكروه، وإحداث قول ثالث يخالف إجماعهم، فبان الفرق). فصل فإن قالت الصحابة في مسألتين بقولين، ولم يفرقوا بين المسألتين، نظرت، فإن صرحوا بالتسوية لم يجز لأحد أن يفصل

стр. 1099

بينهما، لأنه يخالف إجماعهم، لأن قولهم: لا فصل بينهما، ظاهر أنهما اشتركا فيما يقتضي ذلك الحكم، ولا فرق بينهما، وإن لم يصرحوا بالتسوية، لكنهم لم يفرقوا بينهما، مثل: أن تقول طائفة [في المسألتين] بالإباحة (وتقول) طائفة فيهما بالتحريم، نظرت فإن كان طريق الحكم فيهما مختلف، مثل: أن تقول طائفة: إن النية شرط (في الوضوء)، والصوم ليس بشرط في الاعتكاف، ويقول الباقون: بالعكس (إن النية لا تشترط في الوضوء ويشترط الصوم في الاعتكاف)، فإنه يجوز من بعدهم أن يقول إحدى الطائفتين (في إحدى المسألتين) ويقول الأخرى في المسألة، فتقول: النية تجب (في الوضوء)، والصوم يجب في الاعتكاف. وقد ذهب إلى ذلك أحمد، وإنما جاز ذلك، لأنه إذا كان طريق المسألتين (مختلف)، فأوجبنا التسوية أوجبنا الجمع

стр. 1100

بين طريقتين (مختلفتين)، وهذا لا يجوز، كما لا يجوز أن يفرق بين طريق واحد، لأنه لو لزم ذلك لزم من وافق أحمد في مسالة أن يوافقه في جميع مذهبه، ويسقط عنه الاجتهاد وكذلك من وافق أبا حنيفة (والشافعي)، (والأمة مجمعة) على خلاف ذلك. وأما إن كان طريق الحكم (فيهما) متفق، مثل قولهم في زوج وأبوين وامرأة وأبوين، ومثل إيجاب النية في الوضوء والتيمم، وإسقاطها منهما، فهل يجوز أن تقول (بقول إحدى الطائفتين) في المسألة و (تقول بقول) الطائفة الأخرى في المسألة الأخرى؟ اختلف الناس في ذلك، فقال بعضهم: لا يجوز، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم وأبي الحارثة، وقال بعضهم: يجوز (وهو قول الحنفية).

стр. 1101

وجه الأول: أنه حصل الاتفاق على حكم (المسألتين)، وطريق الحكم (فيهما)، فمن فرق بينهما فقد خالف إجماعهم، وصار بمثابة مخالفهم إذا صرحوا بالتسوية. ووجه الثاني: إن الإجماع لم ينعقد على حكم واحد في المسألتين ولا علة واحدة، ولهذا لم يصرحوا بذلك، ولهذا خالف ابن سيرين الجماعة ولم ينكر عليه (أحد). الجواب: أن الإجماع (قد انعقد) على أنه لا فرق بين المسألتين، لأن اتفاقهم على التسوية بينهما في الحكم يدل على ذلك وإن لم يصرحوا به، وقول ابن سيرين يحتمل أنه علم في الصحابة من فرق (أو لم يثبت) عنده الإجماع، أو لأنه يعتد بخلافه مع الصحابة. مسألة إذا استدل أهل العصر بدليل (وأعلوا) بعلة، فلمن بعدهم أن يستدل بدليل آخر ويعتل بعلة أخرى، خلافاً لمن قال: لا يجوز ذلك .

стр. 1102

دليلنا: أن الناس في كل عصر يستخرجون عللاً وأدلة، ولا ينكر عليهم فكان إجماعاً ولأن المنع من ذلك، إما أن يكون لأن فيه مخالفة الإجماع المتقدم، أو لمعنى آخر، فإن كان لمخالفة الإجماع فمعلوم أن الأمة لم (تجمع) على فساد الدليل الثاني لا نصاً ولا معنى، لأن حكمها بصحة دليلها لا يقتضي فساد غيره، إذ لا يمتنع أن يكون (على الحكم الواحد) أكثر من دليل، وإن (كان) المنع لمعنى آخر فيجب ذكره. (احتج): بأن فيه اتباع لغير سبيل المؤمنين وقد تهدد على ذلك.

стр. 1103

الجواب: أن الأمة خرجت مخرج الذم لمن اتبع غير سبيلهم، فالمفهوم منها (التهديد) لمن اتبع ما نفاه المؤمنون وحكموا بإبطاله دون ما لم يحكموا بفساده، بل لو اتفق لهم (لجاز) أن يستدلوا به، ألا ترى أنه لو لم تحدث المسألة في العصر الأولو حدثت في العصر الثاني، جاز أن يحكم فيها أهل العصر الثاني ولا يقال: إن ذلك اتباع غير سبيل المؤمنين، لأن من تقدم لم يحكموا بإبطال ذلك الحكم فيها، بل لعلهم كانوا يقولون به لو حدثت في عصرهم. (احتج): بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (فدل) على أنهم يأمرون بكل معروف لأجل لام الجنس، فلو كان الدليل الثاني من المعروف لأمروا به. الجواب: أنه قال: ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ فيقتضي أن ينهوا (عن كل منكر)، لأجل لام الجنس، فلو كان الدليل (الثاني من المنكر لوجب أن ينهوا عنه فتقابلا. احتجوا: بأنه لو جاز أن يذهب عن أهل العصر الأول الدليل الثاني) جاز [أن] يوحى الله سبحانه (إلى النبي

стр. 1104

صلى الله عليه وسلم) دليلين على حكم واحد (فيبين) أحدهما في الدلالة على حكم دون الآخر. الجواب: أنه جمع بغير علة، على أنه إن كان أوحى إليه بدليل بعد دليل، فبين الحكم عقيب الأول جاز، لأنه لم يكن سواه (حين) بين الحكم، ويكون الثاني ورد تأكيداً، وإن كان أوحى إليه بالدليلين معاً (فلا بد من فهمهما معاً) فلا يجوز (أن يدعوه) أحدهما إلى (تبين) الحكم دون الآخر، لأن في ذلك رفضاً للآخر بخلاف الآخر. احتج: بأنه لا يجوز أن يذهب الدليل الثاني (عن) الصحابة مع تقدمها في العلم، ويظهر للتابعين. الجواب: أنه يجوز أن يذهب عنهم إذا لم (يطلبوه) لاستغنائهم (عنه) بما ظفروا به من الدليل، وأهل العصر الثاني

стр. 1105

استغنوا عن طلب الأول، وتنبهوا عن طلب مثله، فشغلوا أفكارهم وزمانهم في طلب غيره، واستنباطه فظفروا به. فصل فأما إذا تأولت الأمة الآية بتأويل، فنظرنا، فإن نصوا على فساد ما عداه لم يجز (أحداث) تأويل سواه، وإن لم ينصوا على ذلك، فهل يجوز (أحداث تأويل ثان)؟ قال بعضهم: يجوز لأن التابعين أحدثوا تأويلات لم يذكرها السلف، ولم ينكر عليهم، ولأنه ليس في (أحداث) تأويل ثان مخالفة لهم، لأنهم لم ينصوا على إبطاله، ولا في تأويلهم الأول إبطال الثاني. وقال بعضهم: لا يجوز ذلك، كما لا يجوز أحداث مذهب ثالث، (ولأنه لو كان فيها تأويل آخر لكلفوا طلبه كالأول).

стр. 1106

مسألة معرفة الإجماع: (يعرف) بالإدراك، أما بسماع قولهم، أو نشاهدهم يفعلون فعلاً، أو ينقل لنا عنهم، والنقل يكون بالتواتر تارة، وبالآحاد أخرى وكلاهما طريق إلى معرفة الإجماع. وقال بعض الناس: إذا نقل الإجماع بالآحاد لم يعمل (به). لنا: أن الإجماع حجة وكلام صاحب الشرع حجة، ثم قول صاحب الشرع إذا نقل بالآحاد (لزمتنا الحجة به) والعمل بمقتضاه، (وكذلك) الإجماع. احتج المخالف: بأن الإجماع يوجب العلم، فلا يجوز أن يكون طريقه الآحاد، لأنه يفضي إلى وقوع العلم بخبر الواحد.

стр. 1107

الجواب: أن نقل الإجماع بالآحاد يلزمنا العمل به، كنقل القراءة الشاذة ونقل خبر الرسول ﷺ أما العلم فلا يحصل إلا بنقل التواتر. مسألة إذا قال بعض الصحابة قولاً (وظهر) وانتشر في الباقين نظرنا، فإن صرحوا بالرضا به صار إجماعاً لا تجوز مخالفته، وإن سكتوا (ولم) يظهر منهم الرضا ولا السخط ولا نقل خلافه حتى انقرض العصر، نظرنا، فإن كان مما ليس فيه تكليف كقولهم: حذيفة أفضل من عمار وما أشبه فإن سكوت الباقين لا يدل على انعقاد الإجماع، لأنه لا حاجة (لهم) إلى إنكار (ذلك) ولا تصويبه، وإن كان من مسائل الاجتهاد التي فيها/ تكليف، فمن قال: إن الحق واحد، يقول: ذلك إجماع، لأنه لا يجوز (أن يسمعوا) الخطأ (ويقروا) عليه، من غير تقية، وقد قال أحمد في رواية الحسن بن ثواب: أذهب في التكبير غداة عرفة

стр. 1108

إلى آخر أيام التشريق إلى الإجماع، عمر وابن مسعود وابن عباس، ومعلوم أنهم ليسوا جميع الصحابة، فثبت أن قولهم انتشر فلم ينكر، فسماه إجماعاً، وبه قال أكثر الشافعية وقال بعضهم: يكون حجة، ولا يكون إجماعاً، (لأن الشافعي قال): لا ينسب إلى ساكت قول. وقال داود وأبو بكر الباقلاني (والأشعري): ليس بإجماع ولا حجة، فأما من قال: كل مجتهد مصيب فاختلفوا، فقال الجبائي: كقولنا وقال أبو هاشم: لا يكون إجماعاً لكنه

стр. 1109

حجة، وقال أبو عبد الله البصري: كقول داود والأشعري وجه (قولنا): أنه لا يخلو حال الساكتين بعد سماعهم (القول) من (خمسة) أحوال: إما أن يكونوا لم يجتهدوا في الحادثة، وذلك لا يجوز عليهم، لأنه خلاف عادة العلماء عند النازلة، ولأن ذلك يؤدي إلى خلو العصر من حجة الله تعالى: لأنا إذا جوزنا أن يكون المجتهد أخطأ والساكت لم يجتهد، فقد خلا العصر من حجة (وقد) قال ﵇: "لا يخلو عصر من حجة لله تعالى". وقال ﵇: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يرد علي". الحالة الثانية: أن يجتهدوا فلا يظهر لهم قول، وهذا يبعد من حيث العادة، لأن الدلائل ظاهرة والدواعي متوفرة، ولأنه يفضي إلى خلو العصر عن حجة وذلك لا يجوز. الحالة الثالثة: أن يكون أداهم اجتهادهم إلى (خلافه)

стр. 1110

فلا يجوز أن يسكتوا مع اعتقادهم الخطأ في قوله، لأن تطابقهم على ترك إنكار الخطأ يجري مجرى قولهم ليس بخطأ، وذلك لا يجوز، لأن عادتهم أن ينكر بعضهم على بعض، (ويعترض بعضهم على بعض)، ولهذا قال ابن عباس: (ألا يتقي الله زيد، ومن باهلني باهلته)، (وقالت امرأة) لعمر ﵁: (يعطينا الله وتمنعنا) وغير ذلك. الحالة الرابعة: أن يكون سكوتهم تقية، فلا بد أن يظهر سببها، لأن عادة المتقي أن يظهر قوله (عند) ثقاته وخاصته، فلا يثبت القول (أن) يظهر، ولأنهم إذا سكتوا (حتى ينقرض العصر)، فلا بد أن يموت من يتقيه قلبه، فيجب أن يظهر قوله، كما قال ابن عباس في العول حين مات عمر: إن (المال لا يعول) فقيل له: (لم) لم تقل في زمن عمر؟ فقال: هبته، وكان أمراً مهيباً، أو يموت هو قبل من يتقيه فينعقد الإجماع.

стр. 1111

والحالة الخامسة: أن يؤدي اجتهادهم إلى موافقته (ويسكتوا)، فيدل على رضاهم وإجماعهم وهو ما (قلناه). ويدل على من قال: ليس بإجماع وهو حجة، بأن سكوتهم لا يخلو أن يكون دليلاً على الرضا، فيكون (حجة) وإجماعاً (أولاً) يكون دليلاً على الرضا فلا يكون إجماعاً، وغير الإجماع ليس بحجة إلا على قول من يقول: قول الصحابي حجة والكلام يأتي فيه إن شاء الله تعالى. احتج المخالف: بأنه يحتمل أن يكون الساكت في (مهلة) النظر لم ينكشف (له) الحكم، ويحتمل أن يكون الساكت يعتقد أن كل مجتهد/ مصيب، ويحتمل أن يكون (سكت) هيبة للقائل، كما يروي عن ابن عباس أنه قال في العول لو قدموا من قدم الله وأخروا من أخر الله ما عالت فريضة أبداً فقال (له) زفر بن قيس، وقيل ابن أوس: ألا أشرت بهذا على عمر، فقال: هبته وكان امرأ مهيباً.

стр. 1112

الجواب: أن (مهلة) النظر لا تبقى حتى ينقرض العصر، لأن طريق الحق واضحة، فمن أمعن النظر فيها أداه ذلك إلى الحق، وقولهم: (إن) كل مجتهد مصيب، فلا نسلم أنه كان في الصحابة من يعتقد ذلك، ولهذا عاب بعضهم على بعض ثم من يعتقد أن كل مجتهد مصيب ينتحل مذهباً ويخالف غيره ويناظره (عليه)، ويبين له أن ما ذهب إليه خطأ، كما نشاهد في زماننا ويبلغنا عمن تقدمنا، (أما التقية فقد تقدم الجواب فيها). احتج: (بأنه من قال): أنه حجة: (أن) الناس في كل عصر يحتجون بالقول المنتشر (في) الصحابة إذا لم (يعرفوا) له مخالفاً، ولا يجعلونه إجماعاً. الجواب: (أنا) لا نسلم أنه يحتج بذلك، من يقول: (أن قول) آحاد الصحابة ليس بحجة ثم من يحتج به يجعله إجماعاً، لأنه يقول قد انتشر (هذا) القول ولم يعرف له مخالف، فكان إجماعاً ولم (يجز) مخالفته. والله أعلم.

стр. 1113

فصل (ولا فرق) بين أن يكون القول المنتشر حكماً أو فتوى، في أن السكوت يدل على الرضا، خلافاً لابن أبي هريرة: (أنه قال: لا يدل على الرضى في الحكم)، لأن الحكم ليس لأحد أن ينكر عليه حكمه وإن خالفه، (فلهذا) (نحضر) عند الحكام فيحكمون بخلاف (اعتقادنا) فلا ينكر عليهم. لنا: أن الحاكم يستحب له الاستشارة والسؤال أكثر مما يلزم المفتي، لأن قوله يحصل به الإلزام، (فإذا سكتوا) عنه كان رضا بحكمه، وإلا كانوا ينكرون، لأن ذلك يحصل إقرار على الظلم، وما ذكروه فلم يكن عادة الصحابة، ولهذا اعترض على أبي بكر في

стр. 1114

توريث الجدة من قبل (الأب) وقالت امرأة لعمر: يعطينا الله وتمنعنا يا ابن الخطاب، وقال علي لعمر حين أنفذ إلى امرأة فأجهضت ذا بطنها. وأفتاه عثمان وعبد الرحمن: بأنه لا شيء عليه إن كانا نصحاك فقد غشاك، وإن كانا اجتهد فقد أخطيا. أرى عليك الدية، فأنكر حكمهما، وإنما في وقتنا (لا ينكر) لأن الخلاف قد ظهر وانتشر، ولهذا لا ينكر على المفتي، وإن أفتى بخلاف ما يعتقده، ولا يدل ذلك على أن السكوت عند الفتيا ليس يدل على الرضا، لكنا نسكت لما تقدم. من الخلاف، فأما عند حدوث الحادثة، فإنما نتكلم ويظهر الخلاف ويذهب كل واحد إلى اجتهاد فإن قال بعضنا ولم يخالفه (أحد) دل على الإجماع. فصل فإن قال الصحابي قولاً ولم ينتشر في الصحابة ولم ينقل خلافه، لم يكن إجماعاً خلافاً لبعضهم (أنه يكون إجماعاً يجب العمل به). لنا: أن المنقول إنما يكون إجماعاً إذا اتفق عليه علماء العصر في الاعتقاد ويتوصل إلى ذلك، إما بإظهارهم الرضا، أو بما يدل عليه من السكوت بعد (سماعهم)، فإذا لم يسمعوه ولم يخطر ببالهم كيف يجوز أن يدعي إجماعهم عليه.

стр. 1115

احتج المخالف: بأنه لم يجب/ القول به، أفضى إلى أن يخلو العصر عن الصواب في المسألة. وهذا لا يجوز. الجواب: أنه إنما لا يجوز ذلك، إذا كان أقوال الأمة (ورضاها) قد اتفق في الحادثة على حكم و (إن) كان الصواب في غيره، فأما إذا بدر قول واحد ولم ينتشر في الباقين، فجائز أن لا يكون صواباً، وقد يجوز (أن لا يكون) للأمة في المسألة قول هو حق إذا لم يكن عليها فيها تكليف ألا ترى أنه ليس (لهم) قول في الحادثة التي تظهر في عصر التابعين؟ وذلك جائز، (لأنه لا تكليف عليهم فيما لم يبلغهم). فصل إذا ثبت هذا، فهل يكون ذلك القول حجة يقدم على القياس ويخص به العموم؟ على الروايتين.

стр. 1116

إحداهما: ليس بحجة نص عليه في رواية المروزي: ابن عمر يقول: على قاذف أم الولد (الجلد)، وأنا لا أجرؤ على ذلك، إنما هي أمة، أحكامها أحكام الإماء، وكذلك نقل الميموني، وقد سأله عن المسح على القلنسوة، ليس فيه عن النبي ﷺ شيء، (هو) قول أبي موسى وأنا أتوقاه، كذا نقل عنه مهنا، والبغوي، وبه قال عامة المتكلمين من المعتزلة. والأشعرية والشافعي في الجديد والرواية الأخرى: أنه

стр. 1117

حجة تقدم على القياس، نقل عنه أبو طالب: فيمن تسحر بعد طلوع الفجر وهو لا يعلم، ثم علم يقضي يوماً مكانه، وإن أكل ناسياً (فلا) شيء عليه. فقيل له: فإذا لم يعلم فهو كالناسي، فقال: كذا في القياس، ولكن عمر أكل في آخر النهار (يظنه ليلاً)، فقال: أقضى يوماً مكانه. وكذا قال في رواية أبي طالب: في أموال إذا أخذها الكفار وظهر عليها المسلمون، فما أدركه صاحبه فهو له، وإن أدركه قد قسم فلا حق له، كذا قال عمر، ولو كان القياس كان له، وهو

стр. 1118

كثير عنه، وبه (قال) محمد بن الحسن والبردعي، والرازي، والجبائي والجرجاني. ومالك، والشافعي في القديم.

стр. 1119

ويتصور الخلاف إذا كان مع قول الصحابي قياس ضعيف وعارضه قياس جلي، فأما إذا كان قول الصحابي لا يشهد له نوع قياس أصلاً، فإنا لا ندعي: أنه توقيف عن النبي ﷺ ، فلا يعارضه قياس، (إذا قلنا) قول الصحابي ليس بتوقيف. وجه الرواية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ وهذا عام. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وقد وقع التنازع. فإن قيل: المراد (بذلك) سنة النبي ﷺ ، وفيها الأمر

стр. 1120

بالاقتداء بالصحابة، بقوله ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم". (قلنا): هذا دليلكم (وسيأتي الكلام عليه). دليل آخر: الصحابي (ممن) يقر على الخطأ، فلم يكن قوله حجة أصله التابعي ومن بعده (وهذا صحيح) لأن التابعي وتابعه ساوى الصحابة (في آلة الاجتهاد) وجواز تقليد العامي له، ثم لا يجوز أن يكون قوله حجة كذلك الصحابي، ولا يلزم الرسول ﷺ : فإنه لا يقر على الخطأ، (فلهذا) كان قوله حجة. (فإن قيل): من أين قلتم: إنه يقر على الخطأ؟ (قلنا): لأنهما إذا اختلفا في المسألة الواحدة، فلا بد أن يكون أحدهما أخطأ وجه الدليل، ولأن الصحابة قد عملوا على اجتهادهم، ثم رجعوا عند سماع الخبر بدليل قول ابن عمر: كنا نخاير

стр. 1121

أربعين سنة حتى روى لنا رافع بن خديج: (أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة)، وقال عمر وقد أفتى في مسألة: (والله ما يدري عمر أصاب أم أخطأ)، وقال ابن مسعودك: إن يكن صواباً فمن الله ورسوله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، في قصة بروع. فإن قيل: للصحابي مزية، لأنه شاهد الرسول وحضر التنزيل فهو أعرف بمقاصد الشرع (من غيره) من التابعين. (قلنا): ما ذكرت لا يوجب عصمته من الخطأ في الاجتهاد، وإنما يوجب قربه إلى الصواب، وذلك لا يوجب اتباعه، لأن العالم لا يجوز له تقليد من هو أعلم منه، وإن كان الأعلم أقرب إلى الصواب. (جواب آخر): أن الاعتبار بقوة الاجتهاد في الأحكام، لا بمشاهدة الرسول ﷺ وسماع كلامه، ولهذا قال ﵇: "نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) ولهذا

стр. 1122

إذا كان الصحابي (من غير) أهل الاجتهاد وجب عليه تقليد التابعي إذا كان من أهل الاجتهاد. (جواب آخر): أنه لو صح ما قلتم لوجب أن يتبع صغار الصحابة، ومن قلت صحبته للرسول صلى الله علي هوسلم من كبر سنه. وطالت صحيته، لأنه أعرف بكلام النبي ﷺ ومقاصده ولا أحد يقول يجب تقليد الأكبر إذا كان الأصغر مجتهداً. دليل آخر: إن القياس دليل شرعي فلم يقدم عليه قول الصحابي، أصله الكتاب والسنة. فإن قيل: فقول الصحابي دليل شرعي أيضاً. (قلنا): لا نسلم ذلك، (لأنه) لو كان دليلاً لوجب أن يلزم الصحابة (الانقياد) له كما يلزمهم الانقياد إلى القياس، ولأن القياس إذا صحت علته (دل على أنه علة صاحب الشرع، فلم يقدم عليها قول الصحابة لعلة ضعيفة مدخولة). دليل آخر: أنه لو كان قوله دليلاً لوجب أن يلزم الصحابة اتباعه كسائر الأدلة، من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فإن ارتكب بعضهم ذلك فهو خطأ، لأن الإنسان لا يجب عليه اتباعه

стр. 1123

غيره إلا لمزية يختص بها (المتبوع) لا يشاركه فيها التابع، كالرسول وجب اتباعه لاختصاصه بالعصمة، وجماعة الأمة (لزم) اتباعها (لشاهدة) الشرع لها بالعصمة، (والعالم لم يجب على العامي) اتباعه لأنه اختص بآلة الاجتهاد ومعرفة طريق الحق، فأما الصحابي مع الصحابي، والمجتهد مع المجتهد، فلا مزية لأحدهما على الآخر، فلا يجب اتباعه، ولأنه لا يجوز (للعلماء) أن يقلد بعضهم بعضا في العقليات لتساويهم في معرفتها، كذلك في الشرعيات، ولأن المجتهد لو أداه اجتهاده إلى خلاف قول من هو أعلم منه من صحابي وغيره لم يجز له اتباعه وترك رأى نفسه، فيجب أ، لا يجوز له ذلك، وإن لم يجتهد، لأنه لا يأمن لو اجته أن يؤديه/ اجتهاده إلى خلاف رأي من اتبعه. فإن قيل: فيجب أن لا يجوز للعامي تقليد العالم، لأنه لا يأمن أن لو فعل (ما يتمكن) من التفقه ثم اجتهد، أن يؤديه اجتهاده (إلى خلاف) قول العالم.

стр. 1124

(قلنا): في إلزام (العامة) التفقه قطع للمعاش وفساد للعالم وتضييع للأحكام التي تلزمهم في عاجل الحال، لأن (زمان) التفقه يطول ويكثر وربما بلغه المتعلم، وربما لم يبلغه، بخلاف نظر المجتهد في الحادثة، فإنه قليل لا يؤدي إلى ذلك (فلهذا) لزمه، ولأنه لو جاز تقليد بعضهم لبعض، (لما كان لمناظرتهم) في المسائل فائدة، ولو وجب في كل عصر أن يقلد بعضهم بعضاً. دليل آخر: أن المجتهد متمكن من الوقوف على الحكم باجتهاده، فلم يجز له العدول (عن ذلك) إلى ما هو أنقص منه، كما لا يجوز للمتمكن من العلم العدول عنه إلى الظن، وقد منع بعضهم، وقال: يجوز للمتمكن من العلم العمل على الظن، وهذا غير صحيح، لأنه لو جاز ذلك لجاز أن يعارض طريق العلم بطريق الظن، (ويترك) خبر التواتر بخبر الواحد وبالقياس، وهذا لا يجوز.

стр. 1125

فإن قيل: يبطل ما ذكرتم بالعامي إذا أمكنه التفقه، حتى يصير مجتهداً. (قلنا): العامي غير متمكن من الاجتهاد وتفقهه؛ (لأنه) لا يدري، هل يبلغ به الاجتهاد أم لا؟ (دليل آخر: معتمد): أن عمل المجتهد على اجتهاده متعبد به، لأنه بذلك يحصل مطيعاً لله تعالى، لأنه سبحانه ما نصب الدلائل إلا وقد أراد من المكلف أن يجتهد فيها، وليس بعض المجتهدين أولى بذلك من بعض، وليس يجوز ترك هذا التعبد إلا بدليل، ولا دليل سمعي ولا عقلي (يوجب) إسقاط هذا التعبد وما يذكرون من (الأدلة) يجاب عنه. احتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ وإذا كان ما يأمرون به معروفاً وجب المصير إليه. الجواب: أن هذا إخبار عن جماعتهم، وما يأمر به الجماعة يجب اتباعه والخلاف (في قول الواحد).
следующие страницы →