← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14103

التمهيد في أصول الفقه

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

أربعين سنة حتى روى لنا رافع بن خديج: (أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة)، وقال عمر وقد أفتى في مسألة: (والله ما يدري عمر أصاب أم أخطأ)، وقال ابن مسعودك: إن يكن صواباً فمن الله ورسوله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، في قصة بروع. فإن قيل: للصحابي مزية، لأنه شاهد الرسول وحضر التنزيل فهو أعرف بمقاصد الشرع (من غيره) من التابعين. (قلنا): ما ذكرت لا يوجب عصمته من الخطأ في الاجتهاد، وإنما يوجب قربه إلى الصواب، وذلك لا يوجب اتباعه، لأن العالم لا يجوز له تقليد من هو أعلم منه، وإن كان الأعلم أقرب إلى الصواب. (جواب آخر): أن الاعتبار بقوة الاجتهاد في الأحكام، لا بمشاهدة الرسول ﷺ وسماع كلامه، ولهذا قال ﵇: "نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) ولهذا

стр. 1122

إذا كان الصحابي (من غير) أهل الاجتهاد وجب عليه تقليد التابعي إذا كان من أهل الاجتهاد. (جواب آخر): أنه لو صح ما قلتم لوجب أن يتبع صغار الصحابة، ومن قلت صحبته للرسول صلى الله علي هوسلم من كبر سنه. وطالت صحيته، لأنه أعرف بكلام النبي ﷺ ومقاصده ولا أحد يقول يجب تقليد الأكبر إذا كان الأصغر مجتهداً. دليل آخر: إن القياس دليل شرعي فلم يقدم عليه قول الصحابي، أصله الكتاب والسنة. فإن قيل: فقول الصحابي دليل شرعي أيضاً. (قلنا): لا نسلم ذلك، (لأنه) لو كان دليلاً لوجب أن يلزم الصحابة (الانقياد) له كما يلزمهم الانقياد إلى القياس، ولأن القياس إذا صحت علته (دل على أنه علة صاحب الشرع، فلم يقدم عليها قول الصحابة لعلة ضعيفة مدخولة). دليل آخر: أنه لو كان قوله دليلاً لوجب أن يلزم الصحابة اتباعه كسائر الأدلة، من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فإن ارتكب بعضهم ذلك فهو خطأ، لأن الإنسان لا يجب عليه اتباعه

стр. 1123

غيره إلا لمزية يختص بها (المتبوع) لا يشاركه فيها التابع، كالرسول وجب اتباعه لاختصاصه بالعصمة، وجماعة الأمة (لزم) اتباعها (لشاهدة) الشرع لها بالعصمة، (والعالم لم يجب على العامي) اتباعه لأنه اختص بآلة الاجتهاد ومعرفة طريق الحق، فأما الصحابي مع الصحابي، والمجتهد مع المجتهد، فلا مزية لأحدهما على الآخر، فلا يجب اتباعه، ولأنه لا يجوز (للعلماء) أن يقلد بعضهم بعضا في العقليات لتساويهم في معرفتها، كذلك في الشرعيات، ولأن المجتهد لو أداه اجتهاده إلى خلاف قول من هو أعلم منه من صحابي وغيره لم يجز له اتباعه وترك رأى نفسه، فيجب أ، لا يجوز له ذلك، وإن لم يجتهد، لأنه لا يأمن لو اجته أن يؤديه/ اجتهاده إلى خلاف رأي من اتبعه. فإن قيل: فيجب أن لا يجوز للعامي تقليد العالم، لأنه لا يأمن أن لو فعل (ما يتمكن) من التفقه ثم اجتهد، أن يؤديه اجتهاده (إلى خلاف) قول العالم.

стр. 1124

(قلنا): في إلزام (العامة) التفقه قطع للمعاش وفساد للعالم وتضييع للأحكام التي تلزمهم في عاجل الحال، لأن (زمان) التفقه يطول ويكثر وربما بلغه المتعلم، وربما لم يبلغه، بخلاف نظر المجتهد في الحادثة، فإنه قليل لا يؤدي إلى ذلك (فلهذا) لزمه، ولأنه لو جاز تقليد بعضهم لبعض، (لما كان لمناظرتهم) في المسائل فائدة، ولو وجب في كل عصر أن يقلد بعضهم بعضاً. دليل آخر: أن المجتهد متمكن من الوقوف على الحكم باجتهاده، فلم يجز له العدول (عن ذلك) إلى ما هو أنقص منه، كما لا يجوز للمتمكن من العلم العدول عنه إلى الظن، وقد منع بعضهم، وقال: يجوز للمتمكن من العلم العمل على الظن، وهذا غير صحيح، لأنه لو جاز ذلك لجاز أن يعارض طريق العلم بطريق الظن، (ويترك) خبر التواتر بخبر الواحد وبالقياس، وهذا لا يجوز.

стр. 1125

فإن قيل: يبطل ما ذكرتم بالعامي إذا أمكنه التفقه، حتى يصير مجتهداً. (قلنا): العامي غير متمكن من الاجتهاد وتفقهه؛ (لأنه) لا يدري، هل يبلغ به الاجتهاد أم لا؟ (دليل آخر: معتمد): أن عمل المجتهد على اجتهاده متعبد به، لأنه بذلك يحصل مطيعاً لله تعالى، لأنه سبحانه ما نصب الدلائل إلا وقد أراد من المكلف أن يجتهد فيها، وليس بعض المجتهدين أولى بذلك من بعض، وليس يجوز ترك هذا التعبد إلا بدليل، ولا دليل سمعي ولا عقلي (يوجب) إسقاط هذا التعبد وما يذكرون من (الأدلة) يجاب عنه. احتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ وإذا كان ما يأمرون به معروفاً وجب المصير إليه. الجواب: أن هذا إخبار عن جماعتهم، وما يأمر به الجماعة يجب اتباعه والخلاف (في قول الواحد).

стр. 1126

احتج: (بقوله ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وقوله: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"، وقوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وقوله: "ضرب الحق على لسان عمر وقلبه". الجواب: (أنها) أخبار آحاد فلا توجب العلم بأن قوله حجة. جواب آخر: الاقتداء بهم أن يعمل كعملهم في النظر في الأدلة وطرق الاجتهاد حتى يتضح له الحق، (وهذا) يمنع من التقليد. (جواب آخر): أنه خطاب لمن في عصره من غير

стр. 1127

أصحابه أن يتبع أصحابه، ويقتدي بهم، لأن غير أصحابه في عصره عوام، إذ لا يجوز أن يأمر علماء الصحابة، أن يتبعوا غيرهم، والخطاب خطاب مواجهة وفيه تنبيه (لأهل) كل عصر من العوام/ أن يتبعوا علماءهم. جواب آخر: أن قوله (اقتدوا) محمول على الاقتداء بما يرويه من الأحاديث بدليل أنهم إذا اختلفوا لم يجز للمجتهد أن يقتدي بأيهم أراد، وبدليل أنه لم يوجب أحد الاقتداء بأبي بكر وعمر ﵄ دون غيرهما، وكذلك لا يجب (الاقتداء) بسنة الخلفاء دون غيرهم. وإنما أمر العوام باتباعهم (لعلمهم) أنهم الخلفاء من بعده حتى يطيعون ويعظموهم ويعلموا أنهم أقرب إلى الحق والصواب من غيرهم. احتج: بأن الصحابة ﵃، كان يرجع بعضهم إلى قول بعض من غير (أن يفكروا) (أو

стр. 1128

يجتهدوا) ولهذا رجع عمر إلى قول علي في ضمان دية التي أجهضت ذا بطنها، وبايع عثمان لعبد الرحمن على سنة الشيخين أبي بكر وعمر. الجواب: أنه لا حجة في هذا، لأن الصحابي لا يقلد الصحابي عندكم على أن (بعضاً) قد خالف بعضاً وأنكر عليه، وذلك مشتهر ثم يجوز أن يكون عمر تنبه على قول علي، ولهذا ترك قول عثمان وعبد الرحمن، ولهذا يذاكر العلماء بعضهم بعضاً ليتنبهوا على الأدلة (لا ليقلدوا) وأما متابعة عثمان على سنة الشيخين "فالمراد في سياسة الأمور" (وحماية) البيضة، ومجاهدة الأعداء، فأما في الأحكام فلا. ولهذا قضايا عثمان تخالف قضايا عمر في أشياء من الفرائض وغيرها، وكذلك قضايا عمر تخالف قضايا أبي بكر ﵃ أجمعين. واحتج: بأن قوله لا يخلو: إما أن يكون توقيفاً أو تأويلاً، وأيهما كان فهو أولى من اجتهادنا.

стр. 1129

الجواب: أنه ليس الكلام فيما ظاهره التوقيف على أن الظاهر أنه لو قال ذلك توقيفاً ذكره على طول الزمان، ورواه عند من يناظره أو خالفه أو سأله. جواب آخر: أنه يجوز عليه الخطأ في تأويله واجتهاده، وقد بينا ذلك فهو بمنزلة التابعي. واحتج: بأن قول المجتهد صواب وكل صواب فجائز اتباعه. الجواب: أن من يقول: الحق في واحد لا يسلم ذلك، ومن يقول كل مجتهد مصيب هو صواب في حق نفسه (لا في حق غيره) ألا ترى أنه لو أدى المقتدي اجتهاده إلى خلاف قول المجتهد لم يجز له اتباعه، وكذلك (ما اختلف الصحابة على قولين في المسألة لم يكن للمجتهد أن يقلد أيهما كان، بل يجتهد، فبأن أنا نصوب قوله في حق نفسه لا في حق غيره. احتج: بأن من جاز تقديم قوله على القياس الصحيح، إذا كان معه قياس ضعيف جاز تقديمه، وإن لم يكن معه قياس أصله قول النبي ﷺ . الجواب: أنا لا نسلم الوصف، لأنه مسألة الخلاف، ولا نسلم أن قول الرسول ﷺ يقدم على القياس وحده، لأنه يقدم مع القياس الضعيف. احتج: بأن قوله لو انتشر أوجب العلم، فقدم بانفراده على القياس، أصله خبر الواحد.

стр. 1130

الجواب: أنه يبطل بقول التابعين، ويقول العالم (في كل) عصر، لو انتشر قدم ولا يقدم بانفراده، ولأنه إذا انتشر صار معصوماً، وإذا كان وحده (جاز) عليه الخطأ، ثم لو كان هذا بمنزلة الخبر الواحد إذا عارضه خبران: يتعارضا (أو ينسخ) أحدهما الآخر، على أن الخبر يقدم على القياس وقول الصحابي لا يقدم على القياس الجلي، ولأن الخبر قول من لا يقر على الخطأ بخلاف قول الصحابي (والله أعلم بالصواب). مسألة ظاهر كلام أحمد أن انقراض العصر شرط في صحة الإجماع ، لأنه قال في رواية عبد الله: الحجة من زعم أنه إذا كان أمراً مجمعاً، ثم افترقوا، أنا نقف على ما أجمعوا عليه، أن أم الولد كان حكمها حكماً للأمة بإجماع، ثم أعتقهن عمر، (وخالفه) على بعد موته، وحد الخمر ضرب أبو بكر أربعين، (وعمر خالفه فزاد أربعين)، ثم ضرب علي أربعين، فبين أن بعضهم خالف بعضاً

стр. 1131

بعد أن أجمعوا، ولو لم يشترط انقراض العصر لما سوغ لمن خالف الخلاف، وبه قال بعض الشافعية وقال عامة العلماء: ليس بشرط، وفائدة الخلاف: أن من اعتبر انقراض العصر يقول: يجوز أن يرجع الجميع عن قولهم إلى غيره، ويجوز رجوع بعضهم (فيبطل) الإجماع، وإذا أدركهم التابعون، فاجتهدوا.

стр. 1132

وخالفوهم في المسألة، اعتد بخلافهم على الرواية التي تقول: يعتد بخلاف التابعين مع الصحابة ﵃، ومن لم يعتبر انقراض العصر عكس ذلك، (وقال): لا يجوز رجوع الجميع، وإذا رجع البعض حاجهم الإجماع، ولا يعتد بخلاف (التابعين) في ذلك، وقد أومأ إليه أحمد. وجه ذلك: قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ فتهدد على اتباع (سبيل غير المؤمنين)، وإذا أجمعوا فخالفهم فقد اتبع غير سبيلهم، (وأيضاً) قول النبي ﷺ : "أمتي لا تجتمع على خطأ" وروى: على ضلالة، ولم يفرق بين انقراض العصر وبقائه. فإن قيل: إذا رجع بعضهم فقد خالف بعض المؤمنين وبعض الأمة فجاز. قيل: حيث (وصل الإجماع) صار قوله وقول الجميع معصوماً، فإذا رجع فرجوعه قول واحد يجوز عليه الخطأ، فلم يلتفت إليه مع الدليل المعصوم.

стр. 1133

فإن قيل: (لا) نسلم أن الإجماع يكون معصوماً حتى ينقرض العصر. (قلنا): أدلة الإجماع تدل على أنه معصوم، فمشترط انقراض العصر (يحتاج إلى أن يدل) على أنه شرط. دليل آخر: (وهو أنه) لا يخلو إما أن تكون الحجة انقراض العصر، أو اتفاقهم بشرط انقراض العصر، أو اتفاقهم فقط، لا يجوز الأول، لأنه لو انقرض العصر من غير اتفاق لم يكن حجة، ولا يجوز الثاني لأنه يوجب أن يكون موتهم المؤثر في كون قولهم حجة وذلك لا يجوز، كما لا يجوز أن يكون موت النبي ﷺ مؤثراً في كون قوله حجة، فثبت أن الحجة اتفاقهم. فإن قيل: قد (لا يؤثر) الموت في قول النبي ﷺ ، (ويؤثر) في الإجماع، بدليل أن الصحابة لو اختلفت على قولين في المسألة، ثم مات القائلون بأحد القولين/ صار قول الباقين حجة في المسألة، بعد أن لم يكن (حجة).

стр. 1134

(قلنا): لا نسلم، ونقول لا يبطل قول من مات، بل يجوز أن يذهب إليه ذاهب، وإن سلمنا فالحجة هناك إجماع أهل العصر بعدهم لا موتهم، وها هنا يجعلون موتهم مؤثراً. دليل آخر: أن اعتبار انقراض العصر يمنع انعقاد الإجماع، لأنهم إذا أجمعوا، فقبل أن ينقرضوا حدث قوم من أهل الاجتهاد (اعتبر موافقتهم) إلى أن ينقرض الحادث، ويحدث آخرون (من أهل الاجتهاد) يعتبر موافقتهم، فلا يستقر الإجماع. فإن قيل: فلا يعتبر قول التابعين مع الصحابة. (قلنا): إذا حدثت الحادثة في زمن الصحابة والتابعي من أهل الاجتهاد، فلا يخلو أن تعتبر قوله، (وقد) سلمت، أو تعتبر قوله، فهو خطأ، لأنك ما اعتبرت في الإجماع اتفاق علماء العصر، فتركت حد الإجماع. فإن قيل: نسلم، ونقول: يعتبر انقراض (المجمعين في وقت الحادثة، لا من حدث بعدها. قلنا: فما اعتبرتهم إذاً انقراض العصر)؟ وإنما (اعتبرتم) من وجد وقت الحادثة، وهذا لم يقله أحد، ولأنه من

стр. 1135

حدث يجوز له المخالفة، فإذا مات غيره لم أسقطت قوله، وما كان (يجوز له)؟ احتج من نصر القول الأول بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (ومن) منع رجوعهم جعلهم شهداء على أنفسهم. الجواب: إن هذا يقتضي أن يكونوا شهداء على أنفسهم وعلى غيرهم، لأنهم (كلهم) من الناس. جواب آخر: إنهم (إنما كانوا) شهداء على غيرهم، لأن ما يجمعون عليه صواب، ولا يجوز أن يكون صواباً في حق غيرهم، ولا يكون صواباً في حقهم. جواب آخر: أنه لو ثبت أن الآية تدل على أنهم شهداء على غيرهم، فليس فيها ما يمنع من شهادتهم على أنفسهم، بل من جهة التنبيه يقتضي أنه إذا قبل قوله على غيره، فعلى نفسه أولى، وقد ورد القرآن بالشهادة على النفس، قال تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ ويقال شهدت على نفسك بالزنا والفسق، وعلى أن الآية قيل (المراد بها): شهادة هذه الأمة على سائر الأمم في المعاد، فلا تحمل على مسألتنا.

стр. 1136

واحتجوا: (بأن النبي ﷺ قال: "لا يخلو عصر من قائم لله بحجة" فدل على أن بعض العصر يجوز أن يخلو. الجواب: أن هذا الحديث غير معروف في أصل، فإن صح، فمعناه لا يخلو وقت من الأوقات، وقد دل عليه الحديث الآخر، "ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق"، ثم هذا إثبات شرط في الإجماع بدليل الخطاب، ولا يثبت مثل هذا بدليل الخطاب (يخالفه من) احتج بإجماع الصحابة، روى أن أبا بكر ﵁ (كان يسوى في القسم)، (ولم يخالفه أحد من الصحابة، فلما ولى عمر ﵁ فضل في القسم. ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، ولو كان الإجماع (قد صح) لأنكر عليه مخالفته. روى أن علياً [قال]: كان رأيي ورأى الجماعة أن لا يبعن أمهات الأولاد، وقد رأيت الآن أن يبعن، قال له عبيدة السلماني:

стр. 1137

رأيك (مع) الجماعة أحب إلينا/ من رأيك وحدك، فرجع عن قوله بعد الإجماع، فدل على أنه لم ينعقد. الجواب: أن عمر خالف أبا بكر في زمانه، وناظره، فقال له: أتجعل من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه كمن دخل (في الإسلام) كرهاً، فقال: إن إخواننا عملوا لله، (وإنما أجرهم) على الله، وإنما الدنيا بلاغ، ذكر ذلك في الفتوح والتواريخ، ولم يرو أن عمر رجع إلى قول أبي بكر، بل أمسك لأنه الإمام فلما صار الأمر إليه فعله، لأنه كان رأيه في زمن الصديق، وأما خبر على فالصحيح منه أنه قال: كان رأيي (ورأي أمير المؤمنين عمر): (أن لا تباع) أمهات الأولاد، (وقد رأيت الآن أن يبعن)، فقال له عبيدة: رأيك مع رأي أمير المؤمنين أحب إلينا من رأيك وحدك، ورأيهما ليس بإجماع. فإن قيل: فإذا انتشر (ولم) يخالف (أحد) فهو إجماع.

стр. 1138

(قلنا): قد خالف جابر بن عبد الله في زمن عمر، وكان يرى بيعهن، وكان ابن عباس يقول: والله (ما هي) إلا بمنزلة شاتك وبعيرك، وكان ابن الزبير يرى بيعهن، على أنه لو صح ما رووه، فلا حجة فيه، لأن قوله رأى، ورأي الجماعة يعني به جماعة وليس كل جماعة إجماعاً. احتج: بأن قوله ﵇ لا يستقر إلا بعد موته، كذلك أقوال المجمعين. الجواب: إن هذا غلط، لأن قوله ﵇ حجة في حياته لا تجوز مخالفتها، وإنما يجوز ورود النسخ (عليه ما دام حياً) (فأما إذا مات أين ورود النسخ؟) فإما أن يكون قوله ليس بحجة حتى يموت كما تقولون في الإجماع، فلا. احتج: بأن كل واحد من المجمعين ذهب إلى قوله بدليل، فإذا بان له خطؤه في الدليل فرجع فقد فعل ما لزمه من الرجوع فانحل الإجماع. الجواب: (أنه) لما دخل في الإجماع بالدليل، صار قوله

стр. 1139

معصوماً فرجوعه، لا يجوز وإن كان قد أخطأ في الدليل على أنه كان دليله نصاً، فلا (يتغير) وإن كان تأويلاً فبان خطؤه فيه أو قياساً فبان (خطؤه) فيه، فلا يأمن من أن يكون الخطأ في التأويل الثاني، والقياس الثاني (فوقفنا) موقفاً سواء وتمسكنا بالإجماع، (لأن رجوعه) يفضي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد، وهذا لا يجوز. احتج: بأن الصحابة إذا اختلفت على قولين، فقد أجمعت على تسويغ الخلاف في المسألة، فإذا رجعت إحدى الطائفتين إلى الأخرى، صارت المسألة إجماعاً، وبطل الإجماع في تسويغ الخلاف، ولو كان الخلاف قد استقر قبل انقراض العصر ما زال تسويغ الخلاف، وهذه طريقة جيدة. الجواب: (لا نسلم) أنها سوغت للمجتهد الأخذ بكل واحد من القولين، بل كل طائفة تقول: الحق (معنا) والأخرى مخطئة، وعلى المجتهد أن يجتهد في أحد القولين، وإنما العامي يسوغ له أن يستفتي كل واحد حتى لا يحرج ويتخير، فإذا اتفقوا لم يبق من يفتيه به، فزال القول الآخر لعدم من يفتي (به) ولو سلمنا أنها

стр. 1140

سوغت، فما زال تسويغ الخلاف، ولهذا لو حدث (من) التابعين من يقول بالقول الذي ترك جاز وساغ، على أنها إنما أجمعت على تسويغ الخلاف في القولين بشرط أن لا يحصل/ الإجماع على أحدهما، (فإذا حصل الإجماع على أحدهما) فلا نسلم أنها سوغت الخلاف. (واحتج بما ذكرته من أن قولنا أن حد الإجماع اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة لا يحصل لنا هذا الحد إلا بانقراض العصر، فإن عصر الصحابة باق ما بقي منهم من شاهد الرسول ﷺ وصحبه، وبعضهم مات الرسول وهو مجتهد، وبعضهم لم يكن مجتهداً ثم صار بعد ذلك مجتهداً، كابن عباس وابن الزبير والحسن والحسين ﵃، وغيرهم وخلافهم على من تقدمهم حاصل معتد به، كخلاف ابن عباس في منع العول بعد اتفاق من تقدمه عليه، وكذلك قيل عنه: أن لا يحصل هذا حتى ينقرض الصحابة وهو معنى قولنا: اجتماع علماء العصر. الجواب: ما ذكرته أن المراد بقولنا: اجتماع علماء العصر نريد به من كان عالماً مجتهداً وقت وقوع الحادثة، ومن حدث له اجتهاد بعد ذلك، لا تجوز له مخالفته، فأما ابن عباس فكان في زمن عمر ﵁ حين تكلموا في العول مجتهداً ورأى خلافهم

стр. 1141

ذلك الوقت، ولم ينقل عنه وفاقهم، ولهذا لما مات عمر أظهر الخلاف، ولما قيل هل، قال: هبته وكان امراً مهيباً فدل على أنه خالف وكتم خلافه، ولا يمكن أن ينقل إجماع مقطوع من الصدر الأول على أمر، جاء ممن حدث له اجتهاد بعدهم خالفه لا من الصحابة ولا من غيرهم).

стр. 1142

باب الكلام في القياس قد ذكرنا حد القياس في باب الحدود، وأنه تحصيل حكم الأصل في الفروع لاشتباههما في علة الحكم. وقيل: هو حمل الفرع على الأصل بعلة الأصل، ومعناهما سواء، وإنما حددناه بما ذكرنا، لأن المعقول في القياس أن يكون قياس شيء على شيء، ألا ترى أن (من) (قال: "قست هذا الشيء"، قيل: "علام قسته"؟)، وإنما اعتبرنا اشتباههما في علة الحكم لأنالو أثبتنا حكم الشيء في غيره ولا شبه بينهما، لكنا قد ابتدأنا بالحكم في ذلك الغير من غير أن نراعي حكم الأصل، فلا نكون قد قسمناه. فإن قيل قد سمي الفقهاء العكس قياساً، فإنه لم يثبت حكم الأصل للفرع لاشتباهما في علة الحكم، مثال ذلك أنهم قالوا: لو لم يكن الصوم شرطاً في الاعتكاف لم يشترط فيه. وإن نذره كالصلاة لما لم تكن من شرط الاعتكاف لم تكن، وإن

стр. 1143

نذر أن يعتكف مصلياً، فالأصل هو الصلاة والحكم نفي كونها شرطاً في الاعتكاف، والفرع هو الصوم وليس يثبت فيه الحكم (وإنما يثبت نقيضه) وهو اشتراط الصوم في الاعتكاف، ولم يجتمعا في العلة، لأن العلة التي لها "لم تكن الصلاة شرطاً في الاعتكاف"، (وهي) كونها غير شرط فيه مع النذر والعلة التي [له]: (كان الصوم شرطاً) في الاعتكاف "في كونه شرطاً فيه مع النذر". (قلنا): لا يسمى ذلك قياساً لما بينا أن حكم الفرع ضد حكم الأصل وعلتهما مختلفة، فلا يجوز اختلاف حكم الفرع مع الأصل، وقد سماه بعض الحنفية مجازاً، لاستواء حكم الصوم في الاعتكاف مع النذر وعدمه، (كما استوى) حكم الصلاة فيه مع النذر وعدمه.

стр. 1144

(وقد حد) أبو الحسين البصري القياس بحد يشتمل على قياس الطرد والعكس، فقال: القياس إثبات الحكم في الشيء باعتبار تعليل غيره، لأن الطرد يثبت فيه الحكم في الفرع باعتبار تعليل الأصل، والعكس يعتبر فيه تعليل الأصل (لينتفي) حكمه عن الفرع لافتراقهما في العلة فيكون حد قياس الطرد (ما) ذكرنا أولاً، وحد قياس العكس: هو إثبات نقيض حكم الشيء في غيره، لافتراقهما في علة الحكم. مسألة القياس العقلي والاستدلال، طريق لإثبات الأحكام العقلية، نص عليه، وبه قال عامة العلماء ، وقال قوم:

стр. 1145

حجج العقول باطلة، والنظر حرام والواجب التقليد. ودليلنا: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾، وغيرها من الآيات، والاعتبار هو قياس الشيء بالشيء، والاستدلال على حكم بنظيره. (ودليل آخر): إن في ترك ذلك إبطال معرفة الصانع ووحدانيته/ لأنا نستدل عليه بصنعته، إذ لا نرى في (الشاهد) صنعة بغير صانع وكذلك في الوحدانية؛ لأن الأمور (جارية) على الانتظام فلو كان اثنان لوقع الاختلاف، وكذلك لا طريق لنا إلى صدق النبي من كذب المتنبي إلا بالنظر والاستدلال، لأن صورة الكذب كصورة الصدق، وإنما بالنظر يعلم أن المعجزة لا يظهرها الله تعالى إلا على يد صادق غير كاذب، لأنه لا يؤيد الكذابين بالمعجزات والبراهين (فدل) على وجوبه.

стр. 1146

فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون العلم بذلك يقع ضرورة بإيقاع الله سبحانه لنا. قيل: لو كان كذلك، لاشترك فيه الجميع، لأن العلم الضروري لا يختص به بعض العقلاء مع تساويهم. ونحن نرى جماعة عقلاء لم يقع (لهم) العلم بالله ووحدانيته وصحة النبوة، ولأنه لو وقع العلم بذلك ضرورة، لم يحتج النبي ﷺ إلى إظهار الأعلام الدالة على صدقه والمعجزات المبينة لنبوته. دليل آخر: إنا نرى في مسائل الأصول أقاويل مختلفة ومذاهب مشتبهة لا نعلم صحيحها من فاسدها إلا بالنظر، فدل على وجوبه. فإن قيل: نقلد فيها، فلا نحتاج إلى النظر. (قلنا): ليس تقليد أحدهما بأولى من تقليد الآخر، فلا بد من اجتهاد واستدلال، ولأن المقلد يجوز كذبه، فلا يمكن إدراك الحق (من جهته)، ولأن المقلد لا يخلو أن يكون

стр. 1147

ما علمه (بالاستدلال والنظر أو أخده تقليداً من غيره)، أو علمه ضرورة، لا يجوز أن يكون علمه ضرورة (لما) بينا، ولا يجوز تقليد غيره لأن من قلده لا يخلو علمه من ذلك إلى ما لا نهاية له، فثبت أن علمه بالنظر والاستدلال. دليل آخر: أن من يمنع من ذلك لا يخلو، (إما) أن يمنعه، لأن النظر أداة إلى ذلك، فقد أقر بما منعه تقليداً، فيجب أن يقبله تقليداً (لأنه) ليس أحدهما أولى من الآخر. (ودليل آخر): أن الذي يقلد لا يخلو أن يكون معصوماً، فلا بد من دليل قاطع على عصمته من شهادة الله تعالى أو رسوله (له) أو يكون يجوز عليه الضلال، فلا يجوز تقليد من يجوز عليه، لخوف أن يوقعه في ذلك. فإن قيل: أليس قد جاز تقليد النبي ﷺ ؟ (قلنا): الرسول لم نقلده بل نعلم أن قوله حجة لأن الله تعالى دلنا على صدقه وعصمته بإظهار المعجزة على يده، وهذا الدليل باطل بتقليد العامة العلماء.

стр. 1148

دليل آخر: نجد كل عاقل إذا نابته نائبة في دنياه، فإنه يفزع إلى عقله (ليتحرز) من ضرر ذلك، ألا ترى أنه لو رأى في الطريق أثر سبع امتنع من سلوكه، وإذا رأى أثر ماء في موضع وهو عطشان لزمه طلبه وقصده، لإحياء نفسه، فلولا أن الاستدلال طريق، لما فزع إليه العاقل لاجتلاب المنفعة ودفع (الضرر)، كما لا يفزع إلى آلة الشم إذا أراد السماع، ولا إلى السماع إذا أراد النظر. احتج المخالف: بأنه لو كان النظر طريقاً لمعرفة الأحكام (العقلية)، لوجب أن يثمر عند وجوده أمراً مستقراً، ألا ترى أن المقابلة في الأوزان والمكاييل والأعداد لما كان طريقاً لمعرفة المقادير، أثمر عند الاعتبار أمراً يقطع الخلف. الجواب: أن النظر الصحيح يثمر الحق الذي لا يخالفه إلا معاند، ولهذا نرى الجماعة يرجعون عند إمعان النظر عما كانوا عليه من المذاهب، وإنما لا يتضح الحق لمن قل نظره (أو قلد) في دينه أو عدم آلة الاجتهاد (إذا ارتكب الهوى في تقليده الرجال). احتج: بأنا نرى من يعتقد مذهباً عن نظر ثم ينتقل عنه إلى

стр. 1149

غيره، (ولو) أدى النظر إلى الحق لم يقع الانتقال. الجواب: أن هذا لا يدل على فساد النظر، ألا ترى أن الإنسان يرى السراب فيحسبه ماء ثم (يتبين) له أنه ليس بماء، ولا دل ذلك على أن نظر العين ليس (بطريق) صحيح إلى المنظورات، والمشاهدات. (احتج): بأن القياس استدلال بالمشاهد على الغائب، وذلك لا يجوز، ولهذا أول من قاس إبليس، فأخطأ في قياسه وضل. الجواب: إن هذا دعوى لا برهان عليها، ولم لا يجوز قياس الغائب على الشاهد، إذا كان علته قائمة فيه، وهو في معناه؟، وقولك أول من قاس إبليس دعوى أيضاً، وما تنكره على من قال: أول من قاس الملائكة فأصابوا؟ ثم قد قمت واستدللت لأنت حملت قياس غير إبليس على قياس إبليس، فناقضت قولك، ثم يجب أن لا تصح المقابلة في الأوزان وغيرها، لأنه حمل الشيء على غيره. مسألة يجوز التعبد بالقياس الشرعي عقلاً وشرعاً ، نص عليه في رواية بكر بن محمد عن أبيه فقال: لا يستغني أحد عن القياس،

стр. 1150

وعلى الحاكم والإمام (يرد عليه) الأمر، (أن يجمع) الناس ويقيس ويشبه، كما كتب عمر إلى شريح: قس الأمور، وقد ذكر القياس في كثير من مسائله، وبهذا قال عامة الفقهاء والمتكلمين، وذهب قوم من المعتزلة (كمحمد بن عبد الله الإسكافي) وجعفر

стр. 1151

ابن حرب. وجعفر بن مبشر إلى أنه لا يجوز التعبد به عقلاً ويجوز شرعاً، وذهب النظام و (داود) وأهل الظاهر كالقاشاني والمغربي (وغيرهما) إلى أنه لا يجوز التعبد به عقلاً ولا شرعاً،

стр. 1152

وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية الميموني فقال: يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين، المجمل والقياس، وتأويله شيخنا: على أن المراد به استعمال القياس في معارضة السنة، والظاهر خلافه، فالدليل على (جواز) التعبد به من جهة العقل: أنا أجمعنا على أنه يحسن في العقل العمل على موجب القياس المعلومة والتعبد به، فلو قبح العمل على القياس المظنونة علته، لكان قبحه لما افترقا من حصول العلم بأحدهما والظن بالآخر، ولو كان الظن يقبح (تكليف) (العمل به) لما (ورد به) التعبد العقلي والسمعي، أما العقل فوجوب القيام من تحت حائط يخشى سقوطه لفرط ميله وإن جوزنا السلامة في القعود والهلاك في القيام، وكذلك من سافر في طلب الربح فأخبر أن في طريقه لصوصاً، وغلب على ظنه صدق المخبر لزمه ترك سلوك الطريق مع جواز أن يسلم. أما السمعي فالحكم بشهادة الشاهدين، وإن كان (قولهما) يثمر الظن دون العلم، وكذلك تولية الأمراء والحكام عند

стр. 1153

ظن سدادهم، والتوجه إلى جهة عند ظن كون القبلة فيها، وغير ذلك، فثبت ما قلناه. دليل آخر: أنه غير ممتنع في العقل أن يقول صاحب الشرع إذا علمتم أو غلب على ظنكم أن الحكم متعلق بمعنى، فقيسوا عليه ما وجد فيه ذلك المعنى، كما قال: إذا علمتم أو غلب على ظنكم زوال الشمس فصلوا، أو طلوع لفجر فصوموا، أو علمتم أو غلب على ظنكم كون القبلة في هذه الجهة فصلوا. وأمثال ذلك. فإن قيل: يجوز أن يقع العلم والظن فيما ذكرتم، فأما في علة الحكم فلا يقع علم ولا ظن، لأنه طريق لذلك. قلنا: (هذا) غلط، لأن العلماء بأجمعهم على اختلاف مذاهبهم وكثرة أعدادهم- حتى أن العلم يحصل بخبر بعضهم يزعمون أنهم يظنون أن علة الحكم في هذه المسألة كذا وكذا، وأن هذه المسألة نظيرتها، فمنكر ذلك بمنزلة من أنكر الظن في العقليات وأنكر وجود السرور والحزن والنفور والسكون، وقولهم: لا طريق إلى ذلك غلط (أيضاً)، لأن الظن يحصل في الشيء بما يحصل في نظائره، ولهذا إذا رأينا العصير غير حرام، فإذا اشتد صار حراماً، فإذا صار خلا (عاد) حلالاً ظنناً أن علته المحرمة الشدة، فإذا وجدنا مثل تلك الشدة في النبيذ غلب على ظننا أنه محرم، ولا يقال علته

стр. 1154

الاسم، لأنه لو طبخ لم يسم خمراً (ويحرم إذا حدثت) فيه الشدة (المطربة)، وكذلك نقنع الزبيب والتمر لا يسمى خمراً، وهو حرام عند حدوث الشدة فبطل (أن يعلق بالاسم). احتج: بأنه لما لم يجز استعمال القياس في أصول الشرع، (كذلك) في فروعه. الجواب: أنكم إن أردتم (منع جواز قياس البر في الربا على أصل قد نص على ثبوت الربا فيه، فلا نسلم، ونقول: يجوز استعمال قياس البر على ذلك الأصل) وإن أردتم (جواز) قياسه لا على الأصل، فقد ألزمتم ما لا يعقل، لأن المعقول من القياس أن يقاس شيء على شيء، فأما يقاس شيء لا على شيء (فلا يعقل) كذلك في جميع الأصول نقيسها إذا كان لها أصل ثابت.

стр. 1155

احتج: بأنه لا يجوز استعمال القياس الظني في معرفة الله سبحانه وصفاته، فكذلك (في شرعه). الجواب: أنه جمع من غير علة، على أن ما أمكن التوصل فيه إلى العلم لا يكلف فيه الظن، ومعرفة الله سبحانه (وغيرها) مما طريقه العلم عليه أدلة توجب العلم من الصنعة والحكمة والمشاهدة، فلا ترجع فيه إلى أمارة ظنية، لأن وجود العلم في ذلك أدعى إلى عبادته وطاعته وأشد لخوفه واجتناب معصيته. فإن قيل: فهل يجوز أن تنصب عليه دلالة تؤدي إلى العلم، وتنصب أمارة تؤدي إلى الظن؟ قلنا: هذا محال، لأن جسم الإنسان دلالة على الله تعالى، وكذلك سائر مخلوقاته، فكيف يجوز أن لا تكون له دلالة (تؤديه إلى العلم؟). احتج: بأن الأحكام الشرعية إنما هي مصالح والطاف، والمصالح مما لا يتوصل إليها بالاستدلال الموجب للظن، فكيف يتعبد فيها بالقياس؟ الجواب: أنا لا نسلم، لأن الاستدلال بالنصوص موصل إلى المصالح، وكذلك القياس على النصوص.

стр. 1156

فإن قيل: القياس الظني يخطئ ويصيب، فلا يجوز للحكيم التعبد بما يخطئ. (قلنا): لا نعتقد المصلحة بالظن، وإنما نقول: علمنا بحسب الظن هو المصلحة، وذلك معلوم بدليل قاطع، وهو دليل التعبد بالقياس، على أن (ما ذكرتم) منتقض بما تعبدنا فيه بالظن في الشرع من القبلة، والشهادة، والفتوى، والتصرف بحسب اختلاف النفع، ودفع الضرر، ولهذا تعبدنا بالأخبار الآحاد، وطريقها الظن. احتج: بأن القياس فعل القايس فلا يجوز تعلق المصلحة بفعله. الجواب: أن القياس إثبات حكم الأصل في الفرع لاستوائهما في علة الحكم، (ولابد) في إثبات ذلك بالعلة من أمارة تدل على صحة العلة في الأصل، ومن دليل (يدلنا) على وجوب إلحاق الأصل بالفرع الذي وجدت فيه علة الأصل، ونظرنا في ذلك واستدلالنا به (كاستدلالنا) بالنصوص والظواهر،

стр. 1157

ونظرنا فيها، وذلك هو المأخوذ علينا، لأن كل علم وكل ظن قائم يتوصل إليه بالنظر وهو فعلنا. واحتج: بأن العلة في الأصل لا تخلو: إما أن تعلموها بالنص، فلسنا نخالفكم فيما نص على العلة فيه، وإما أن تعلموها بحكم العادة التي تكسب الظن، فالأحكام لا تثبت بالعادات، فثبت أنه لا طريق إلى إثباتها. والجواب: يقال: ولم لا يجوز أن تثبت علة الأصل بتنبيه الشرع وعاداته ويتعلق بذلك الظن؟، فإن الشرع قد يدل على الحكم تارة بصريحه وأخرى بتنبيه فإذا علمنا أن الحكم يثبت في الأصل عند وصف (ولا ينتفي) عند انتفائه، غلب على ظننا أنه لأجله ثبت، كما ذكرنا في الشدة في الخمر. احتج: بأنكم إذا أثبتم العلة بالظن وأخبرتم عن تعلق الحكم بها، لا تأمنون أن يقع الخبر بخلاف مخبره، وهذا التجويز يمنع من الخبر، ألا ترى أن من ظن إنساناً في الدار لم يجز أن يخبر عنه أنه في الدار. والجواب: أنه إن أراد السائل (إلزامنا) جواز الخبر عن ظننا كون زيد في الدار، فذلك جائز وهو (خبر) صدق، وإن

стр. 1158

أراد إلزامنا الإخبار عن (كون زيد) في الدار مطلقاً، لا بحسب الظن، فذلك غير لازم، لأن من شرط الخبر المطلق القطع، والقطع في الخبر لا يكون نتيجة الظن: بخلاف العبادات الشرعية، فإنها مصالح وغير ممتنع أن يكون فعلها، ونحن نظن شبه الفرع بالأصل مصلحة لما بينا من أن التعبد قد يحصل بما طريقه الظن من أخبار الآحاد والظواهر، والحكم بشهادة الشاهدين وتولية الأمراء، والقيام من تحت الحائط المائل، وغير ذلك. واحتج: بأنه لو كانت العلل الشرعية عللاً لكانت كالعقلية في استحالة انفكاكها عن أحكامها، ألا ترى أنه يستحيل وجود الحركة بجسم غير متحرك، فلما جاز أن تنفك (عن أحكامها) قبل الشرع، ثبت أنها ليست عللاً. والجواب: أنكم جمعت بين الشريعة والعقلية بغير جامع، على (أن العلل العقلية) لا تنفك عللها من أحكامها، لأن الجسم إنما كان متحركاً لوجود الحركة به، والحركة لا تكون إلا بمحل متحرك فلم يصح انفكاك أحدهما من الآخر، بخلاف علل الشرع فإنها أمارات على الحكم في الأصل، وقد يكون الحكم تارة ثابتاً في الأصل وتارة لا يكون ثابتاً بأن ينسخ، ولهذا اختلفت شرائع الأنبياء ﵈ لحسن النسخ ولا يرد النسخ في العقل.

стр. 1159

وقيل: (إن) العلل الشرعية أمارة على وجه المصلحة، والمصلحة تختلف باختلاف الأزمان، ألا ترى (أن) مصلحة الصبي في وقت الرفق وفي وقت العنف، وفي وقت مصلحة الإنسان الشبع، وفي وقت الجوع، فجاز أن يكون حكم العلل الشرعية مصلحة في وقت الشرع، غير مصلحة قبل الشرع. فإن قيل: بماذا تعلمون تعلق الحكم بالعلة؟ (قلنا): يتعلق صاحب الشرع، الحكم عليها، إما نصاً أو تنبيهاً كما نعلم تعليق الحكم بالاسم بتعليق النبي ﵇، وقيل الشرع لا يتعلق (الحكم) بالاسم بحال. واحتج: بأن العقل كالنص في أنه يدل على حكم الحادة، فكما لا يجوز أن يتعبدنا الله تعالى بقياس يخالف النص، (فكذلك) لا يجوز أن يتعبدنا بقياس يخالف العقل، وكل حادثة فلها حكم في العقل، فلا يجوز التعبد فيها بقياس. الجواب: أنا لا نسلم أن للعقل حكماً في الشرعيات. وإن سلم فإن حكم العقل يستعمل ما لم يرد دليل شرعي، فمن أين لهم أن

стр. 1160

القياس ليس بدليل شرعي؟ (وهل) النزاع إلا في هذا؟ على أن ما ذكروه منتقض بخبر الواحد لا يجوز (استعماله) في خلاف نص القرآن والتواتر، ويجوز أن يستعمل في خلاف العقل، ثم يجب أن تقولوا: إنا نستعمل قياساً مطابقاً لما في العقل، على أن القياس لا يقدم على النص، لأنه نتيجة النطق فلا يقدم على أصله، ولأن النص أبين من القياس، بخلاف مسألتنا. احتج: بأن القياس أدون بياناً من النص، والحكيم لا يقتصر بالمكلف على أدون البيانين دون أعلاهما. الجواب: أن هذا تسليم أن القياس يقع به البيان، وغير ممتنع أن يكون في تعريفنا الحكم بأدون البيانات مصلحة زائدة على تعريفنا ذلك (بأعلاها) وهو ما يحصل (لنا) من ثواب الاجتهاد ثم لو وجب التعبد بأعلى البيانات لوجب تعريفنا الأحكام ضرورة، والاقتصار بنا على النصوص الجلية المتواترة (دون الآحاد). (لأنها) أعلى بياناً من الخفية.
следующие страницы →