← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14103

التمهيد في أصول الفقه

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

فإن قيل: القياس الظني يخطئ ويصيب، فلا يجوز للحكيم التعبد بما يخطئ. (قلنا): لا نعتقد المصلحة بالظن، وإنما نقول: علمنا بحسب الظن هو المصلحة، وذلك معلوم بدليل قاطع، وهو دليل التعبد بالقياس، على أن (ما ذكرتم) منتقض بما تعبدنا فيه بالظن في الشرع من القبلة، والشهادة، والفتوى، والتصرف بحسب اختلاف النفع، ودفع الضرر، ولهذا تعبدنا بالأخبار الآحاد، وطريقها الظن. احتج: بأن القياس فعل القايس فلا يجوز تعلق المصلحة بفعله. الجواب: أن القياس إثبات حكم الأصل في الفرع لاستوائهما في علة الحكم، (ولابد) في إثبات ذلك بالعلة من أمارة تدل على صحة العلة في الأصل، ومن دليل (يدلنا) على وجوب إلحاق الأصل بالفرع الذي وجدت فيه علة الأصل، ونظرنا في ذلك واستدلالنا به (كاستدلالنا) بالنصوص والظواهر،

стр. 1157

ونظرنا فيها، وذلك هو المأخوذ علينا، لأن كل علم وكل ظن قائم يتوصل إليه بالنظر وهو فعلنا. واحتج: بأن العلة في الأصل لا تخلو: إما أن تعلموها بالنص، فلسنا نخالفكم فيما نص على العلة فيه، وإما أن تعلموها بحكم العادة التي تكسب الظن، فالأحكام لا تثبت بالعادات، فثبت أنه لا طريق إلى إثباتها. والجواب: يقال: ولم لا يجوز أن تثبت علة الأصل بتنبيه الشرع وعاداته ويتعلق بذلك الظن؟، فإن الشرع قد يدل على الحكم تارة بصريحه وأخرى بتنبيه فإذا علمنا أن الحكم يثبت في الأصل عند وصف (ولا ينتفي) عند انتفائه، غلب على ظننا أنه لأجله ثبت، كما ذكرنا في الشدة في الخمر. احتج: بأنكم إذا أثبتم العلة بالظن وأخبرتم عن تعلق الحكم بها، لا تأمنون أن يقع الخبر بخلاف مخبره، وهذا التجويز يمنع من الخبر، ألا ترى أن من ظن إنساناً في الدار لم يجز أن يخبر عنه أنه في الدار. والجواب: أنه إن أراد السائل (إلزامنا) جواز الخبر عن ظننا كون زيد في الدار، فذلك جائز وهو (خبر) صدق، وإن

стр. 1158

أراد إلزامنا الإخبار عن (كون زيد) في الدار مطلقاً، لا بحسب الظن، فذلك غير لازم، لأن من شرط الخبر المطلق القطع، والقطع في الخبر لا يكون نتيجة الظن: بخلاف العبادات الشرعية، فإنها مصالح وغير ممتنع أن يكون فعلها، ونحن نظن شبه الفرع بالأصل مصلحة لما بينا من أن التعبد قد يحصل بما طريقه الظن من أخبار الآحاد والظواهر، والحكم بشهادة الشاهدين وتولية الأمراء، والقيام من تحت الحائط المائل، وغير ذلك. واحتج: بأنه لو كانت العلل الشرعية عللاً لكانت كالعقلية في استحالة انفكاكها عن أحكامها، ألا ترى أنه يستحيل وجود الحركة بجسم غير متحرك، فلما جاز أن تنفك (عن أحكامها) قبل الشرع، ثبت أنها ليست عللاً. والجواب: أنكم جمعت بين الشريعة والعقلية بغير جامع، على (أن العلل العقلية) لا تنفك عللها من أحكامها، لأن الجسم إنما كان متحركاً لوجود الحركة به، والحركة لا تكون إلا بمحل متحرك فلم يصح انفكاك أحدهما من الآخر، بخلاف علل الشرع فإنها أمارات على الحكم في الأصل، وقد يكون الحكم تارة ثابتاً في الأصل وتارة لا يكون ثابتاً بأن ينسخ، ولهذا اختلفت شرائع الأنبياء ﵈ لحسن النسخ ولا يرد النسخ في العقل.

стр. 1159

وقيل: (إن) العلل الشرعية أمارة على وجه المصلحة، والمصلحة تختلف باختلاف الأزمان، ألا ترى (أن) مصلحة الصبي في وقت الرفق وفي وقت العنف، وفي وقت مصلحة الإنسان الشبع، وفي وقت الجوع، فجاز أن يكون حكم العلل الشرعية مصلحة في وقت الشرع، غير مصلحة قبل الشرع. فإن قيل: بماذا تعلمون تعلق الحكم بالعلة؟ (قلنا): يتعلق صاحب الشرع، الحكم عليها، إما نصاً أو تنبيهاً كما نعلم تعليق الحكم بالاسم بتعليق النبي ﵇، وقيل الشرع لا يتعلق (الحكم) بالاسم بحال. واحتج: بأن العقل كالنص في أنه يدل على حكم الحادة، فكما لا يجوز أن يتعبدنا الله تعالى بقياس يخالف النص، (فكذلك) لا يجوز أن يتعبدنا بقياس يخالف العقل، وكل حادثة فلها حكم في العقل، فلا يجوز التعبد فيها بقياس. الجواب: أنا لا نسلم أن للعقل حكماً في الشرعيات. وإن سلم فإن حكم العقل يستعمل ما لم يرد دليل شرعي، فمن أين لهم أن

стр. 1160

القياس ليس بدليل شرعي؟ (وهل) النزاع إلا في هذا؟ على أن ما ذكروه منتقض بخبر الواحد لا يجوز (استعماله) في خلاف نص القرآن والتواتر، ويجوز أن يستعمل في خلاف العقل، ثم يجب أن تقولوا: إنا نستعمل قياساً مطابقاً لما في العقل، على أن القياس لا يقدم على النص، لأنه نتيجة النطق فلا يقدم على أصله، ولأن النص أبين من القياس، بخلاف مسألتنا. احتج: بأن القياس أدون بياناً من النص، والحكيم لا يقتصر بالمكلف على أدون البيانين دون أعلاهما. الجواب: أن هذا تسليم أن القياس يقع به البيان، وغير ممتنع أن يكون في تعريفنا الحكم بأدون البيانات مصلحة زائدة على تعريفنا ذلك (بأعلاها) وهو ما يحصل (لنا) من ثواب الاجتهاد ثم لو وجب التعبد بأعلى البيانات لوجب تعريفنا الأحكام ضرورة، والاقتصار بنا على النصوص الجلية المتواترة (دون الآحاد). (لأنها) أعلى بياناً من الخفية.

стр. 1161

احتج: بأنه لو جاز التعبد بحسب ظننا (للأمارة)، لجاز أن نتعبد بحسب شهوتنا واختيارنا، وظننا من غير أمارة تبخيتا، لأنه جائز أن تكون المصلحة أن نعمل بحسب شهواتنا واختيارنا، ومجرد ظننا، كما أنه جائز عملنا بحسب ظننا (للأمارة). الجواب: (أن العمل بالقياس) مبني على ما تقرر في العقل من حسن التصرف في الدنيا. بحسب ظن النفع واندفاع الضرر، إذا كان الظن عن أمارة أوجبته، فأما تحمل المشاق لأجل الشهوات والاختيار والتبخيت، فقد قبحه العقل، ولذا يذم العقلاء من أقدم على فعل ما لا يأمن مضرته شهوة وتبخيتا، ولا يذمون إقدامه عليه إذا قامت (عليه) أمارة صحيحة على (اجتلاب) نفعه ودفع ضرره، وإن جاز انعكاس ذلك في حقه. احتج: بأنه (لو جاز) التعبد بالقياس لجاز أن يتعبد به النبي ﷺ ومن حضره، ويصح به النسخ. الجواب: أن جميع ذلك (مجوز) في العقل، وكلا

стр. 1162

منافيه، وكذلك/ في الشرع يجوز تعبد النبي ﷺ بالقياس، فأما النسخ فإنما لم يجز، لأن القياس يترك للخبر إذا كان متقدماً عليه، (فأولى) أن يترك (له) إذا تأخر عنه، وقد تقدم الكلام في تقديم الخبر على القياس. (واحتج): بأنه لو جاز أن يعلم الأحكام به لجاز أن يعلم ما يكون وما في الأرحام بالقياس. الجواب: (أنه) لا جامع بينهما (فلم) كان كذلك؟ على أنه لم تنصب لنا على ذلك أدلة، وقد نصبت لنا هاهنا أدلة نرجع إليها ونقيس عليها. احتج: بأن الأخذ بالقياس يؤدي إلى تناقض الأحكام، فإن الفرع إذا تجاذبه أصلان وجب إلحاقه بكل واحد منهما لتساويه في أخذ الشبه منهما وذلك متناقض. الجواب: أنه إذا تجاذبه أصلان ألحقناه بأكثرهما شبهاً (وأقربهما) تأثيراً، فلا يؤدي إلى التناقض، كما نقول: إذا تجاذب في العقل أصلان (فإنه) (إذا) أراد الإنسان السفر للتجارة

стр. 1163

يحسن له ذلك العقل، من حيث (طلب) المنفعة بالربح، ويقبح له ذلك من حيث المخاطرة بماله ونفسه، فيعمل على أولاهما وأقربهما (إلى النفع) وقد قال قوم: إذا أشبه أصلين وكان فيهما سواء (فالقائس) بالخيار في إلحاقه بأيهما شاء، فثبت أن إلحاقه بأصلين لا يمنع صحة القياس (والله أعلم). فصل والدليل عليه من جهة الشرع خلافاً لأهل الظاهر والنظام، قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ وحقيقة الاعتبار في اللغة: اعتبار الشيء بغيره في حكمه، أو صفته أو (قدره)، ومنه قولهم (اعتبر) السلطان الخراج في عامنا بالخراج (العام) الماضي، (واعتبر الدنانير) بالوزن، يعني بالصنجة، وهذا نفس القياس. فإن قيل: المراد بذلك الاعتبار بمن مضى من الأمم لينزجروا.

стр. 1164

(قلنا): الاعتبار عام في كل شيء، ثم أمره باعتبار حالنا بحالهم في ترك الأقدام على ما أقدموا عليه (مخافة) العقاب نفس القياس. فإن قيل: لا يجوز أن يدخل فيه اعتبار الفرع بالأصل، ألا ترى أنه لا يحسن أن يصرح بذلك، فيقول: يخرجون بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا الفروع بالأصول يا أولي الأبصار. (قلنا): إنما لم يحسن ذلك يخرج المذكور من عموم الاعتبار، إذ ليس حالنا فرع حالهم، وإنما يذكر اللفظ العام الذي يدخل فيه السبب الذي ورد فيه وغيره، لتعم فائدته، فأما إذا خرج منه السبب كان نقصاً في الكلام. دليل ثاني: روى عن النبي ﷺ أنه قال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأي ولا آلو، فقال النبي ﷺ الحمد لله الذي وفق رسول الله لما (يرضاه). فإن قيل: هذا حديث غير ثابت، (لأنه) رواية

стр. 1165

الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ (عن معاذ) وهم مجاهيل. (قلنا): أصحاب معاذ مشهورون باتباعه في دينه وزهده وورعه، وذلك يثبت صحته، على أنه قد رواه عبادة بن نسي عن عبد الرحمن ابن غنم (عن معاذ)، وابن غنم ثقة مشهور. فإن قيل: (فهو) خبر واحد، فلا يثبت به أصل من الأصول.

стр. 1166

(قلنا): حديث معاذ تلقته الأمة بالقبول، فمنهم من أخذ به، ومنهم من تأوله، على أنه (يجوز) أن يثبت القياس بخبر الواحد، لأن الدليل المعلوم قد دل على خبر الواحد، ولأن خبر الواحد يثبت به الحظر والإباحة والعبادات والحدود والقتل، وهذه الأحكام هي الثابتة بالقياس فجاز أن يثبت به القياس. فإن قيل: يحتمل قوله: أجتهد رأي في طلب الحكم في الكتاب والسنة. (قلنا): هذا غلط، لأنه قال: فإن لم تجد، وهذا إنما يكون بعد الطلب، ولأن الطلب لا يضاف إلى الرأي، وإنما يضاف إلى الرأي الاجتهاد في (إلحاق) النظير بالنظير.

стр. 1167

خبر آخر: وهو قول النبي ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجره). فإن قيل: يحتمل أن يكون اجتهاده في تأويل (لفظ)، أو ترتيب لفظ على لفظ. (قلنا): هو عام. وخبر آخر: رواه أبو عبيد في أدب القضاء بإسناده عن أم سلمة أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في مواريث درست فقال لهما رسول الله ﷺ : إنما أقضي (بينكما) برأيي

стр. 1168

فيما لم ينزل علي، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بحجة فاقتطع بها قطعة ظلماً فإنما تقطع بها قطع من نار جهنم فأخبر أنه يقضي برأيه واجتهاده. وخبر آخر: (وهو) قول رسول الله ﷺ لعمر حين سأله عن القبلة للصائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء"؟ فشبه قبلة الصائم من غير إيلاج بالماء في الفم من غير ازدراد (وأجرى) حكم أحدهما على الآخر في نقض فساد الصوم.

стр. 1169

وكذلك قوله ... للخثعمية: "أرأيت لو كان على أبيك دين) فشبه حجها عنه بقضاء الدين عنه، فدل على أن أمر القياس متمهد في الشريعة. ودليل ثالث: إجماع الصحابة، روى عن أبي بكر الصديق ﵁، أنه قال: أقول في الكلالة برأيي وعن عمر ﵁ أنه كتب إلى أبي موسى: الفهم الفهم فيما أدلى إليك، مما ليس في قرآن ولا سنة ثم قسى الأمور عند ذلك، وأعرف الأمثال والأشباه ثم أعمل فيها بأحبها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق، وهذا كتاب تلقته الأمة بالقبول وروى عنها أنه قال لعثمان ﵁ إني رأيت في الجد رأياً فاتبعوني، فقال عثمان: أن نتبع رأيك فرأى

стр. 1170

رشد، وأن نتبع رأي من كان قبلك فنعم ذا الرأي كان روى زادان عن (علي ﵁: أنه قال: سألني (أمير المؤمنين عمر) عن الخيار فقلت إن اختارت (زوجها) فهي واحدة، وزوجها أحق بها، وإن اختارت نفسها فهي واحدة بائنة، فقال ليس كذلك، ولكن إن اختارت نفسها فهي واحدة، وزوجها أحق بها (فتابعت أمير المؤمنين). فلما خلص (الأمر إلي) وعرفت أني أسأل عن الفروع (عدت) إلى ما كنت أرى، فقلنا والله لأمر جامعت عليه أمير المؤمنين، وتركت رأيك له أحب إلينا من أمر انفردت به فضحك وقال: أما أنه أرسل إلى زيد بن ثابت وخالفني وإياه، وقال: إن اختارت زوجها فهي واحدة وزوجها أحق بها، وإن اختارت نفسها فهي

стр. 1171

ثلاث (وروي) عنه أنه قال: كان رأيي ورأي (أمير المؤمنين): أن لاتباع أمهات الأولاد وأرى الآن أن يبعن، فقال له عبيدة (السلماني): رأيك مع رأي- أمير (المؤمنين) أحب إلينا من رأيك وحدك، وعنه أنه قال في الإخوة إنهم بمنزلة نهر انخلج منه خليجان فأحدهما أقرب إلى الآخر، (وروى) عن زيد الإخوة بمنزلة أغصان الشجرة فالغصن إلى الغصن أقرب وروى عن ابن مسعود أنه قال في قصة بروع (ابنة) واشق: أقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأ فمن ومن الشيطان وروى عن ابن عباس أنه قال في ديات الأسنان لما

стр. 1172

قسمها عمر على المنافع: هلا اعتبرها بالأصابع عقلها سواء، وإن اختلفت منافعها. (وروى) عنه أنه قال: ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابناً، ولا يجعل أبا الأب أباً روى ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله فإن لم يجد نظر في سنة رسول الله ﷺ ، (فإن لم يجد سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى فيه بقضاء؟ فإن لم يجد في سنة رسول الله ﷺ جمع رؤوس الناس وعلماءهم واستشارهم، فإذا أجمع رأيهم على شيء قضى به، (قال): وكان عمر يفعل ذلك. وهذا إجماع منهم على الأخذ بالرأي والقياس نطقاً وتصريحاً.

стр. 1173

وأما إجماعهم من جهة الاستدلال: فإن الصحابة ﵃ اختلفوا في الحوادث اختلافاً متبايناً وجميعهم قالوا بالقياس فيها، ولم ينكر بعضهم على بعض من ذلك قول الرجل لامرأته أنت حرام. (قال) أبو بكر وعمر: إنها يمين مكفرة، وقال عثمان وابن عباس: هي ظهار، وقال علي وزيد: هي طلاق ثلاث، وقال ابن مسعود: طبقة واحدة، فكل منهم قال فيها برأيه وقاس؛ (لأنه) لا يخلو أن يكونوا قالوا ذلك بدليل أو بغير دليل. لا يجوز أن يكونوا قالوا بغير دليل؛ لأنهم يكونون قد أجمعوا على الخطأ، وقد أعاذهم الله تعالى (من) ذلك، ونزههم أن يقولوا في دينه

стр. 1174

بغير دليل، فثبت أنهم ذهبوا إلى دليل لا يجوز أن يكون ذلك الدليل نصاً خفياً أو جلياً، (ولا يظهره) بعضهم لبعض حتى يرجعوا إليه، وقد كانوا يسألون عن أقوال النبي ﷺ ويعظمون مخالفته، فثبت أنهم قالوا ذلك قياساً، وقد نبهوا على ذلك، لأن من قال: هي يمين، قال: قد منح نفسه من وطئها بغير لفظ (الطلاق) فهو كالمولى. ومن قال: هو ظهار قد وصفها بصفة المحرمات عليه، وذلك ظهار، ومن قال طلاق ثلاث ذهب إلى أن التحريم غايته لا تحصل إلا بالثلاث، وقد وصفها بالتحريم. ومن قال: طلقة، قال: أقل ما يحصل به التحريم طلقة فلزمه الأقل، فهذه معاني ظاهرة، وكذلك اختلافهم في الجد، فمنهم من (أسقط به الإخوة)، ومنهم من قال: يقاسمهم إلى الثلث، ومنهم من قال: إلى السدس، ومنهم من قال غير ذلك، (وكذلك)

стр. 1175

اختلافهم في الشركة، (وفي لفظ الخيار) فإن قيل: يحتمل أنهم قالوا ذلك عن نصوص. (قلنا): الصحابة كانوا يعظمون (نصوص) النبي ﷺ ، ولا بد أن يكون/ بعض هذه الأقوال تخالف النص، فلو كان لأظهروه حتى يرجع المخالف إليه، ولأنه محال ومن) عدد كثير يعظمون رجلاً حتى ينقلوا من أفعاله وأقواله ما لا يتعلق به حكم شرعي ثم يهملون ما تدعو حاجتهم إليه عند الخلاف في الأحكام.

стр. 1176

فإن قيل: (أليس) يجوز أن يجمعوا على نص ثم لا ينقلونه؟ (قلنا): لأن إجماعهم حجة فأغنى عن نقله، وأما في حال الاختلاف فليس قول (أحد منهم) حجة، فالنقل يلزمهم لتقوم به الحجة. فإن قيل: فلو ذهبوا إلى القياس لصرحوا به. (قلنا): قد صرحوا في بعضها كما بينا في الجد والمشركة، ونبهوا في بعضها، وقد يحصل الغرض بالتنبيه كما يحصل بالتصريح ولهذا قد ينبه الفقهاء من فتياهم وكلامهم على تلخيص العلة والقياس .. فإن قيل: ليس قولهم في الجد قياساً، وإنما اعتبروا القرب؛ لأن الشرع قدم الأقرب. (قلنا): ليس كذلك، فإن ابن الابن إلى عشرة يقدم على الأب والأب أقرب، وابن العم إلى خمسة يقدم على بنت البنت وهي أقرب ولأنهم لو اعتبروا القرب خاصة لسووا بين الأخ والجد بكل حال، والأمر (بخلاف ذلك).

стр. 1177

فإن قيل: فالمشركة أعطى الإخوة لأبوين لعموم القرآن ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾. (قلنا): إنما جعل الشركة للإخوة الذين لكل واحد منهم إذا انفرد السدس وظاهر الآية يدل على ذلك. فإن قيل: فقد روى عن الصحابة ذم الرأي (كقول أبي بكر) ﵁: "أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله برأي". وقول عمر ﵁: "أجرؤكم على الجد أجرؤكم على النار"، وقال: إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء الدين أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا. وروى عنه أنه كتب إلى شريح: اقض بما في كتاب الله، فإن جاءك ما ليس فيه فاقض بما في سنة رسول الله ﷺ ، فإن جاءك ما ليس فيها فاقض بما أجمع عليه أهل العلم، فإن لم تجد فلا عليك أن

стр. 1178

لا تقضي، وقول علي: من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم، فليقل في الجد برأيه، وقوله: لو كان الدين بالرأي، لكان مسح باطن الخف أولى من ظاهره، وقول ابن مسعود: يذهب قراؤكم، ويتخذ الناس رؤوساً جهالاً يقيسون الأمور برأيهم، وقال ابن عباس: لو جعل لأحد أن يحكم برأيه لجعل ذلك لرسول الله ﷺ ، يقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ وقال ابن عمر لا تجعل الرأي سنة للمسلمين وقال الزبرقان: نهاني

стр. 1179

أبو وائل أن أجالس أصحاب الرأي. (قلنا): إذا ثبت عنهم بما روينا القول بالرأي، فيجب حمل ذمهم على الأخذ بالرأي، وترك الأحاديث وطلبها، ليجمع بين أقوالهم، لأن الذين روى عنهم ذم الرأي (هم الذين أخذوا به). جواب آخر: أن قول أبي بكر ورد في تفسير القرآن، وذلك لا يجوز القول فيه بالرأي، إنما يحمل على ما (توجيه) اللغة، أو ينص عليه الرسول ﷺ ، وقول عمر ﵁ ذم به العجلة والجرأة في الحكم في الجد، وقوله أعيتهم الأحاديث ورد فيمن ترك طلب السنة، وعمل برأيه، وإنما يؤخذ بالقياس عند عدم السنة، وقول (علي): "لو كان الدين بالرأي"، أراد جميع الدين وهو صحيح؛ لأن (الرأي) إنما يعمل به فيما لا نص فيه،

стр. 1180

وقوله: "فليقل في الجد برأيه". (معناه الرأي) الذي لا يسند إلى كتاب أو سنة، (وإنما) يقول بما يسنح له من غير (نظر) (وكذلك قول ابن مسعود، وكذلك قول ابن عباس: أن يحكم برأيه من غير أن يقيس على أصل ثبت بكتاب أو وحي)، وكذلك قول أبي وائل. فإن قيل: فنحن نجمع بين قولهم، فنقول: من قال: أقول برأيي بما وقع لي من لفظ الكتاب والسنة أو تأولته، أوقفت على دليل العقل، وقد سمي ذلك رأياً، ولهذا يقال: فلان رأيه (العقل) وفلان رأيه الخبر وإن توصل غليهما بنص جلي أو خفي، أو دليل عقل، ومن ذم الرأي فمعناه من أخذ بالقياس والشبه. (قلنا): هذا غلط، لأن قول القائل: قلت هذا برأيي، فإنه لا يعقل منه أنه قال بنص جلي ولا خفي، وإنما يفهم أنه قاله استنباطاً واستخراجاً بما يراه من النظائر والأمارات، ولهذا لا يقال: حرم المسلمون الميتة بآرائهم ولا أثبتوا الربا في الأعيان الستة بآرائهم ولا يقال للجيش إذا أطاعوا أميرهم في فعل رآه: فعلوه بآرائهم، ويقال

стр. 1181

للإنسان: أقلت هذا برأيك أو بكتاب الله أو بسنة رسوله؟ فيجعل أحدهما في مقابلة الآخر، ومخالفنا يذم أصحاب الرأي، ولا يريد به من ذهب إلى نص، فثبت أن (قول) من قال: "أقول برأيي". أراد قوله بالأمارات المظنونة والقياس، فأما ما ذكروه فإنه يقال: رأي فلان "العدل"، معناه اعتقاده (ونحلته)، (ولهذا يقال: تحريم الميتة والربا رأى المسلمين، ولا يقال: حرموا الربا والميتة برأيهم) ولهذا أخبار الصحابة: أقول برأي فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني وغير ذلك، فبطل ما قالوه. دليل رابع: (وهو أنا قد تعبدنا) بالأمارات المظنونة على جهة القبلة عند الاشتباه والعمل بحسبها، (وكذلك) في بقية (الحوادث). فإن قيل: أمارات القبلة عقلية، وأمارات الشرع ليست بعقلية. (قلنا): إذا جاز الأخذ في الأحكام الشرعية (بالأدلة

стр. 1182

الشرعية)، وبعضها ظنون، مثل أخبار الآحاد، والعموم، والظاهر، جاز بالأمارات الظنية وهي القياس، ولأنه لا فرق بينهما، فإن أمارات القبلة وإن كانت عقلية فما تكسبنا إلا الظن دون العلم، فكذلك (أمارات الشرع) ولا فرق بينهما. فإن قيل: [لم إذا] تعبدنا بالأمارات المظنونة في وضع يجب في كل موضع؟ (قلنا): لأنا لما عدمنا (في) القبلة ما يوجب لما العمل نقلنا إلى الظن، (فكذلك) يجب في بقية الأحكام. فإن قيل: (لا نسلم) أنا فقدنا (العلم) بحكم (الحادثة) لأنا نجعل الطريق إلى ذلك العقل. (قلنا): ما الذي يدل على أن العقل طريق في الأحكام الشرعية؟ ولأن في الأحكام ما لا دليل في العقل عليه، مثل لفظ

стр. 1183

الحرام ومثل/ اختلاف المتابيعين في قبض الثمن أولاً أو العوض وغير ذلك من الأحكام. دليل خامس: كل حادثة فلا بد لها من حكم ولا بد لذلك الحكم من دليل، وكثير من الحوادث لا نص فيها، ولا ظاهر (ولا إجماع) وليس بعد ذلك إلا القياس، فلو لم يكن حجة خلت الحوادث من طريق إلى الحكم. فإن قيل: جميع الحوادث عليها نصوص ظاهرة أو خفية، مثل العموم والتنبيه. (قلنا): لو كان كذلك لما افتقر أهل الظاهر في كثير من الحوادث إلى استصحاب الحال، (وحكم أدلة العقل). فإن قيل: (فنرجع) إلى استصحاب الحال (وحكم العقل). (قلنا): لا نسلم أن ذلك دليل في الشرع. جواب آخر: أن الحوادث في عصر الصحابة لم يرجعوا فيها إلى استصحاب الحال ولا أدلة (العقل) وإنما رجعوا إلى القياس على ما بينا، فدل على أن ذلك لا يجوز.

стр. 1184

واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وفي العمل بالقياس (تقديم)، لأنه حكم بغير قولهما، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ وقوله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وفي الحكم بالقياس قول بما لا يعلم. الجواب: إنا لا نسلم أن الحكم بالقياس هذه سبيله، بل هو حكم بما (أمرنا) الله تعالى به ورسوله ﷺ ، وحكم بما يعلم، لأن (الأدلة) القاطعة على صحة القياس دلتنا على ذلك "وهو علم الاستنباط من قوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. واحتج: بقوله تعالى: ﴿أَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ وبقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (وبقوله): ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.

стр. 1185

وبقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. الجواب: أن الحكم بالقياس حكم بما أنزل الله، ورد إلى الله والرسول، وقد بينا ذلك، وقوله ما فرطنا في الكتاب من شيء، فصحيح لكن المراد به ما ورد به الكتاب غير مفرط فيه، ولهذا نرى حوادث ليست في الكتاب فعلم أن المراد به أن القياس ثبت بالكتاب، كما أن (الإخبار) والإجماع دل (عليهما) الكتاب ثم يعارض ذلك قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ معناه فيما أمركم به، ثم قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (المراد به) القياس على قولهما وإلا لو أراد إلى ظاهر قوليهما أفضى إلى التكرار، لأنه قد تقدم في الآية وكذلك يعارض بقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (والاستنباط) هو القياس. (واحتج): بقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ﴾ وقوله ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً﴾

стр. 1186

الجواب: أن المراد به الظن الذي هو تخمين وحدس، بدليل أن حكمنا بأخبار الآحاد والعموم واستصحاب الحال هو ظن، وكذلك حكمنا يقول الشاهدين، وأخذنا بقول المقومين في القطع، وغيره. وقبول قول المرأة في حيضها وطهرها وغير ذلك، على أن ردهم (القياس) إنما هو بالظن، لأنه ليس في رده دلالة معلومة. واحتج: بقول النبي ﷺ : "ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون/ الأمور برأيهم فيحللون الحرام ويحرمون الحلال". الجواب: أنه غير معروف، ولو صح فهو خبر واحد غير مشهور، فلا يحتج به في الأصول: ثم يحمل ذلك على الذين يقيسون مع وجود الكتاب والسنة، بدليل ما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ : أنه قال: تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله وبرهة بسنة رسول الله وبرهة بالرأي، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا وأضلوا. ومعناه إذا تركوا الكتاب وأخذوا بالرأي.

стр. 1187

واحتج: بأن إثبات القياس لا يخلو (إما) أن يكون بالعقل أو النقل، لو كان بالعقل لاشتركنا فيه، ولو كان بالنقل لكان إما تواتراً فنعلمه (كلنا) أو آحاداً فلا يقبل في الأصول. الجواب: أنه يثبت بالعقل وقد دللنا عليه، (وبالنقل) وقد نقلنا أخباراً تلقتها الأمة بالقبول وإجماع الصحابة، وهو دليل يقع به العلم، على أنه يثبت عندنا بما يثبت الأحكام لأنه ليس يثبت سوى الأحكام، ثم نقلب عليهم، فنقول: (نفى) القياس لا يخلو من التقسيم الذي ذكرتم، فجوابكم عن ذلك هو جوابنا.

стр. 1188

واحتج: النظام: بأن الله سبحانه دلنا بوضع الشريعة على المنع من الأخذ بالقياس لأنه (فرق) بين المتفقين وجمع بين (المتفرقين)، فأباح النظر إلى وجه المرأة وحرم النظر إلى صدرها (والوجه أحسن) وأباح النظر إلى (شعر) الأمة الحسناء، وحرم النظر إلى شعر الحرة الشوهاء، وأوجب الغسل من المنى ولم يوجبه من البول وهو أنجس، وأوجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة، وهما متفقان وغير ذلك. والجواب: أن القياس يقتضي الجمع بين الشيئين في الحكم واختلافهما (فيه) إذا اشتركا (أو افترقا) في علته لا في الصورة، ولم يبين النظام أنهما قد اشتركا (فيما ذكر) في علة التحريم (أو الإباحة) (وورد) الشرع بالتفرقة بينهما

стр. 1189

فإن قيل: لو حظر في الشريعة النظر إلى شعر الحرة، وأمسكت عن شعر الأمة لقلتم: إنما حظر في ذلك خوف الفتنة، وذلك قائم في شعر الأمة وهذا أقوى قياس لكم (في الشريعة)، فلما وردت الشريعة بخلاف ذلك دل على منع القياس. (قلنا): علل الشرع أمارات وقد يكون الشيء أمارة، وقد لا يكون، لأنه ليس من شرط الأمارة أن تدل هي وأمثالها على الحكم بكل حال، وإنما يشترط ذلك في الأدلة، ألا ترى أنا نجد غيماً رطباً في وسط الشتاء ولا يكون عنه المطر ولا يمنع ذلك من كون الغيم الرطب في ذلك الزمان أمارة المطر في الغالب (وكذلك) في مسألتنا، لا يخرج القياس أن يكون أمارة، إذا ورد الشرع بخلافه في موضع. فإن قيل: الأكثر من أمارتكم يرد الشرع بخلافها، بخلاف الغيم الرطب فإن الأكثر من حاله المطر، فلهذا كان أمارة. (قلنا): هذا دعوى (منك لا سبيل لك) إلى البرهان عليها، بل أكثر أمارات الشرع يتعلق بها الحكم ويطابقها الشرع.

стр. 1190

وجواب آخر: أنه قد قيل ما افترق حكم مشتبهين إلا لافتراقهما في المعنى، ولا استوى حكمهما/ إلا لاستوائهما في المعنى، فإن النظر إلى وجه (المرأة) إنما جاز لأن الحاجة تدعو إلى ذلك في الشهادة والمعاملة، ولا حاجة بنا إلى النظر إلى صدرها (وكذلك) سقطت الصلاة عن الحائض، لأنها تكثر فتشق عليها، وتصوم ما تركت من رمضان في جميع السنة فلا يشق (ذلك)، وإيجاب الغسل من المنى، لأنه يلتذ به في جميع البدن، ولهذا يوجد الخدران في جميعه، بخلاف البول، (لأنه يتكرر دفعات في اليوم والليلة، فإيجاب الغسل يوجب الحرج بخلاف الجنابة من المنى، فإنه لا يتكرر) وشعر الحرة ستر لشرفها، وكونها غير مبتذلة بخلاف الأمة. جواب آخر: لو منع ما ذكره من القياس لمنع من القياس العقلي فإنه قد تختلف فيه الأشياء المتفقة وتتفق الأشياء المختلفة، ألا ترى أن قطع العرق تارة يكون حسناً وتارة يكون قبيحاً (والرفق بالصبي تارة يكون حسناً وتارة يكون قبيحاً) وإن كانا متفقين، وكذلك يكون الرفق به وضربه حسنين وهما مختلفان (لمعين أوجب ذلك).

стр. 1191

واحتج: بأن صاحب الشرع لو ذكر حكماً ونص على علته لم يكن لنا أن نلحق به غيره، فما تستنبط علته أولى أن لا يقاس عليه، يدل على ما ذكرنا: أن رجلاً لو قال لوكيله أعتق عبدي فلاناً، لأنه أسود لم يجز له أن يعتق كل عبد له أسود كذلك ما نص (على علته) صاحب الشرع. الجواب: إنا لا نسلم هذا ونقول: ما نص على علته صاحب الشرع القياس عليه أولى، (لأن الشرع) قد تعبدنا بالقياس، ولهذا لو قال (صاحب الشرع): "لا تأكلوا العسل، لأنه حلو"، حرم علينا كل حلو، فأما من أمر وكيله بعتق عبد له أسود لا يجوز له عتق غيره، لأنه لم (يأمره) بالقياس، فنظيره أن يقول (له): "إذا أمرتك بشيء لعلة فقس عليه (كل شيء من مالي وجدت فيه تلك العلة"، ثم قال: "أعتق عبدي فلان لأنه أسود، فعتق كل عبد له أسود) صح ذلك. فإن قيل: فيجب إذا قال الرجل عتقت عبدي، لأنه أسود يعتق كل عبد له أسود، لأنه مالك وقد علل.

стр. 1192

(قلنا): إنما لم يعتق كل عبد له أسود لأن علته يجوز أن تنتقض (ويجوز أن تطرد) بخف صاحب الشرع، فإنه لا يجوز أن تتناقض علته فوجب طردها. واحتج: بأن القياس إن جاز التعبد به، (فإن ثبوت التعبد به) موقوف على ثبوت الحاجة إليه، والحوادث كلها قد تتناولها النصوص الخاصة والعامة، فلا حاجة بنا إليه فلم نكن متعبدين به. والجواب: إن قولكم الحوادث كلها قد تناولتها النصوص دعوى، ولهذا الصحابة اختلفوا فلم يكن عندهم نص يحتج (به) بعضهم على بعض، ولهذا نفاة القياس يعدلون في أكثر المسائل إلى الاستدلال بالبقاء على حكم الأصل، ودلائل العقل، ثم أي نص في أن قتل الزنبور يجوز في الحل والحرم غير القياس على قتل العقرب، وكذلك السنور إذا ماتت في السمن لا نص فيها إلا

стр. 1193

القياس على الفأرة، وكذلك الفأرة إذا ماتت في الدبس لا نص فيها وإنما يقاس على موتها في السمن، وكذلك إذا ترك الصلاة عامداً يجب عليه القضاء، (ولا نص فيها) إلا القياس على تركها/ ناسياً وأمثال (ذلك كثير). واحتج: بأن ما من شيء يشبه شيئاً من وجه إلا ويفارقه من وجه آخر، وليس إلحاقه بأحدهما أولى من (إلحاقه) بالآخر، ولا يمكن الجمع بينهما فوقف القياس. والجواب: أنا نلحق الفرع بالأصل إذا اتفقا في علة الحكم، (ولا يضرنا الافتراق) في غير علة الحكم، كما تقول في القياس العقلي: "نلحق الفرع بالأصل في علة الحكم، وإن فارقه في غيرها". واحتج: بأن الأحكام مأخوذة من صاحب الشرع، وهو خاطبنا بلغة العرب، والعرب لا تعقل (إلا ما دل عليه اللفظ)،

стр. 1194

(فأما العلة) فلا تعقلها، لم تكن مخاطبين بها، وكان الحكم مقصوراً على ما يقتضيه الخطاب. (الجواب: أنا لا نعلم أن العرب لا تعرف معنى الخطاب) ولهذا يعقل من قول الإنسان لعبده: "إياك أن تكلم فلاناً"، المنع من (ضربه) وشتمه، ولهذا لو ضرب رجل أحد ابنيه، فقيل له: "لم ضربته"؟ فقال: "لأنه شتم زوجته"، قيل له: " (فالآخر) شتم زوجته أيضاً، (فإذا) لم يأت بعذر في هذا بأن نقضه وسقط كلامه، وهذا هو القياس، (ثم العرب ما كلفت الحكم في الحوادث). واحتج: بأن القول بالقياس يؤدي إلى نفيه، لأن من قال: لما ثبت الحكم في الأصل يجب في الفرع مثله اعتباراً بالأصل، لم

стр. 1195

ينفصل عمن قال: لما لم يثبت الحكم في الأصل إلا بالنص يجب أن لا يثبت في الفرع إلا بالنص ليكون مثله. (والجواب): أن يقال: لم كان كذلك؟ ثم هذا قياس (منكم) على أن هذا لا يجوز أ، يكون طريقاً في إبطال القياس الشرعي، كما لم يكن طريقاً في إبطال القياس العقلي، فإذا قسنا العقلي على الضروري، فالقائل أن يقول: لنا الضروري يثبت (بالحس) فيجب أن يكون العقلي يثبت بالحس ليكون مثله، وهذا لا يقوله أحد. (وجواب آخر): أن الحكم في الأصل ثبت بالنص، فإذا عرفنا علة النص عديناها إلى الفرع، فأثبتنا الحكم فيه لاشتراكهما في العلة التي عقلناها من النص، فقد ثبتا بمعنى واحد إلا أن الأصل حصل فيه النطق، فلو اشترطنا في الفرع النطق صار أصلاً، (وبطل) القول بالقياس، والدلالة القاطعة قد دلت على استعماله، فلا يلتفت إلى شبهة توقف عنه. فإن قيل: لو ثبت حكم الفرع بما ثبت به (حكم) الأصل لوجب، إذا نص الشرع على حكم فقسنا عليه غيره، ثم نسخ الشرع ذلك الحكم أن يكون ذلك نسخاً للحكم في
следующие страницы →