Полный текст (1 668 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
واحتج: بأن صاحب الشرع لو ذكر حكماً ونص على علته لم يكن لنا أن نلحق به غيره، فما تستنبط علته أولى أن لا يقاس عليه، يدل على ما ذكرنا: أن رجلاً لو قال لوكيله أعتق عبدي فلاناً، لأنه أسود لم يجز له أن يعتق كل عبد له أسود كذلك ما نص (على علته) صاحب الشرع.
الجواب: إنا لا نسلم هذا ونقول: ما نص على علته صاحب الشرع القياس عليه أولى، (لأن الشرع) قد تعبدنا بالقياس، ولهذا لو قال (صاحب الشرع): "لا تأكلوا العسل، لأنه حلو"، حرم علينا كل حلو، فأما من أمر وكيله بعتق عبد له أسود لا يجوز له عتق غيره، لأنه لم (يأمره) بالقياس، فنظيره أن يقول (له): "إذا أمرتك بشيء لعلة فقس عليه (كل شيء من مالي وجدت فيه تلك العلة"، ثم قال: "أعتق عبدي فلان لأنه أسود، فعتق كل عبد له أسود) صح ذلك.
فإن قيل: فيجب إذا قال الرجل عتقت عبدي، لأنه أسود يعتق كل عبد له أسود، لأنه مالك وقد علل.
стр. 1192
(قلنا): إنما لم يعتق كل عبد له أسود لأن علته يجوز أن تنتقض (ويجوز أن تطرد) بخف صاحب الشرع، فإنه لا يجوز أن تتناقض علته فوجب طردها.
واحتج: بأن القياس إن جاز التعبد به، (فإن ثبوت التعبد به) موقوف على ثبوت الحاجة إليه، والحوادث كلها قد تتناولها النصوص الخاصة والعامة، فلا حاجة بنا إليه فلم نكن متعبدين به.
والجواب: إن قولكم الحوادث كلها قد تناولتها النصوص دعوى، ولهذا الصحابة اختلفوا فلم يكن عندهم نص يحتج (به) بعضهم على بعض، ولهذا نفاة القياس يعدلون في أكثر المسائل إلى الاستدلال بالبقاء على حكم الأصل، ودلائل العقل، ثم أي نص في أن قتل الزنبور يجوز في الحل والحرم غير القياس على قتل العقرب، وكذلك السنور إذا ماتت في السمن لا نص فيها إلا
стр. 1193
القياس على الفأرة، وكذلك الفأرة إذا ماتت في الدبس لا نص فيها وإنما يقاس على موتها في السمن، وكذلك إذا ترك الصلاة عامداً يجب عليه القضاء، (ولا نص فيها) إلا القياس على تركها/ ناسياً وأمثال (ذلك كثير).
واحتج: بأن ما من شيء يشبه شيئاً من وجه إلا ويفارقه من وجه آخر، وليس إلحاقه بأحدهما أولى من (إلحاقه) بالآخر، ولا يمكن الجمع بينهما فوقف القياس.
والجواب: أنا نلحق الفرع بالأصل إذا اتفقا في علة الحكم، (ولا يضرنا الافتراق) في غير علة الحكم، كما تقول في القياس العقلي: "نلحق الفرع بالأصل في علة الحكم، وإن فارقه في غيرها".
واحتج: بأن الأحكام مأخوذة من صاحب الشرع، وهو خاطبنا بلغة العرب، والعرب لا تعقل (إلا ما دل عليه اللفظ)،
стр. 1194
(فأما العلة) فلا تعقلها، لم تكن مخاطبين بها، وكان الحكم مقصوراً على ما يقتضيه الخطاب.
(الجواب: أنا لا نعلم أن العرب لا تعرف معنى الخطاب) ولهذا يعقل من قول الإنسان لعبده: "إياك أن تكلم فلاناً"، المنع من (ضربه) وشتمه، ولهذا لو ضرب رجل أحد ابنيه، فقيل له: "لم ضربته"؟ فقال: "لأنه شتم زوجته"، قيل له: " (فالآخر) شتم زوجته أيضاً، (فإذا) لم يأت بعذر في هذا بأن نقضه وسقط كلامه، وهذا هو القياس، (ثم العرب ما كلفت الحكم في الحوادث).
واحتج: بأن القول بالقياس يؤدي إلى نفيه، لأن من قال: لما ثبت الحكم في الأصل يجب في الفرع مثله اعتباراً بالأصل، لم
стр. 1195
ينفصل عمن قال: لما لم يثبت الحكم في الأصل إلا بالنص يجب أن لا يثبت في الفرع إلا بالنص ليكون مثله.
(والجواب): أن يقال: لم كان كذلك؟ ثم هذا قياس (منكم) على أن هذا لا يجوز أ، يكون طريقاً في إبطال القياس الشرعي، كما لم يكن طريقاً في إبطال القياس العقلي، فإذا قسنا العقلي على الضروري، فالقائل أن يقول: لنا الضروري يثبت (بالحس) فيجب أن يكون العقلي يثبت بالحس ليكون مثله، وهذا لا يقوله أحد.
(وجواب آخر): أن الحكم في الأصل ثبت بالنص، فإذا عرفنا علة النص عديناها إلى الفرع، فأثبتنا الحكم فيه لاشتراكهما في العلة التي عقلناها من النص، فقد ثبتا بمعنى واحد إلا أن الأصل حصل فيه النطق، فلو اشترطنا في الفرع النطق صار أصلاً، (وبطل) القول بالقياس، والدلالة القاطعة قد دلت على استعماله، فلا يلتفت إلى شبهة توقف عنه.
فإن قيل: لو ثبت حكم الفرع بما ثبت به (حكم) الأصل لوجب، إذا نص الشرع على حكم فقسنا عليه غيره، ثم نسخ الشرع ذلك الحكم أن يكون ذلك نسخاً للحكم في
стр. 1196
(فرعه) (وعندكم نسخ بعض ما تناوله النص لا يوجب جميعه.
قلنا: يحتمل أن نقول: يثبت النسخ في فروعه) وإن سلمنا، فإنما لم ينسخ الحكم في فروعه، لأنها ثبتت بعلة الأصل، وعلة الأصل لا يمكن نسخها، على أن بعض ما تناوله النص إذا ورد فيه نص بعد الأول كان تخصيصاً لا نسخاً، فلا يصح ما ذكروه (والله أعلم).
مسألة
ولا فرق بين النبي ﷺ وبين أمته في أنه كان يجوز له أن يجتهد ويحكم بالقياس من جهة العقل، وقال بعضهم: لا يجوز ذلك عقلاً لنا.
стр. 1197
لنا: أنه إذا جاز أن يتعبد غيره بالنص تارة، وبالاجتهاد أخرى جاز أن (يتعبده ﵇ بذلك)، وليس في العقل ما يحيله في حقه ويصححه في حقنا، ولهذا أوجب علينا وعليه العمل على اجتهادنا في مضار الدنيا ومنافعها.
فإن قيل: فرق بيننا وبينه/ ﵇ من وجهين أحدهما: أنه إذا علم أنه يلزم الأحكام باجتهاده نفر عنه، (والثاني): أنه إذا قال في الحكم باجتهاده (كان) لغيره من العلماء أن- يخالفه، وإذا قلده العامي جاز تقليده، وذلك أبلغ الأشياء في التنفير عنه.
الجواب: أنه لا ينفر في إثباته الحكم بالاجتهاد، لأنه المجتهد ليس يثبت (الحكم) من جهة نفسه، لكنه (يثبت ما يعتقد) أن الله تعالى حكم بذلك، (وأنه نبه) عليه بوجود العلة والأمارة الشرعية التي نصبها الله تعالى، فأي تنفير في الاستدلال على (مراد الله تعالى)؟
وأما مخالفة العالم والعامي له فلا يجوز وإن حكم عن اجتهاده
стр. 1198
(كما لا يجوز مخالفة الإجماع وإن انعقد عن اجتهاد)، (لأنه) يصير معلوماً بعصمة الإجماع، كذلك حكم النبي ﷺ يصير معصوماً بعصمته وإن صدر عن الظن.
فإن قيل: الإجماع (إذا) حصل على علة صارت معلومة، (فلا) يجوز مخالفتها وليس كذا في حق النبي ﷺ ، فإن علة الأصل عنده مظنونة (فجاز مخالفتها.
قلنا: قد يقع الإجماع على الحكم الواحد عن أمارات مختلفة وقعت للمجتهدين، فقال كل واحد منهم بأمارة هي مظنونة) في حقه وإجماعهم على الحكم صار معلوماً.
جواب آخر: أنه لا يمتنع إذا غلب ظنه صحة العلة بالأمارة، صارت معلومة لصحة نظره وقوة اجتهاده في الأمارات المؤدية إلى الحق.
جواب آخر: (أنه) يجوز أن يجب عليهم اتباعه في ذلك، ولا يجوز مخالفته، كما يجب اتباع أقوى الأمارتين إذا قويت عند المجتهد، (ولا تجوز) له مخالفتها. قالوا: لو جوزنا أن يجتهد
стр. 1199
لوجب القطع على العلة التي استخرجها هي علة الحكم، (لوجوب) حكمنا بها، ولا يقطع هو عليها، لأنه مجتهد، ومحال أن نقطع نحن على ذلك دونه، مع كوننا متبعين له، ومع (أننا) إنما قطعنا على ذلك، لعلمنا بكونه نبياً، وهو يعلم من ذلك (وألا نعلمه).
والجواب: أن يجوز أن يكون بعد تكامل اجتهاده نعلم أنها علة الحكم، كما أنا نظن صدق المخبر إذا أخبر وحده)، (وإذا) انضم إليه غيره حتى صار خبره تواتراً، حصل لنا العلم بصدقه، بعد أن كان ظناً، وكذلك المجتهد كان يجوز له الرجوع عن اجتهاده وترك الأمارة الواقعة (له)، فإذا انعقد على قوله وأمارته الإجماع لم يجز له تركه ومخالفته.
وقيل: أنا لا نقطع نحن ولا هو على علة حكم الأصل، وإن جاز أن نقطع على علة حكم الفرع، كما إذا ورد خبر واحد بحكم أصل وعلته، ثم أجمع الناس على أن هذه العلة في الفرع صارت علة الفرع معلومة وعلة الأصل مظنونة.
стр. 1200
فصل
إذا ثبت هذا فهل كان النبي ﷺ متعبداً بالاجتهاد فيما يتعلق بأمر الشرع. اختلف أصحابنا، فقال بعضهم: (قد) كان متعبداً (بذلك) وهو قول أبي يوسف وأكثر الشافعية، وقال بعضهم لم يكن متعبداً
стр. 1201
بذلك وهو قول الجبائي وابنه وبعض الشافعية، وقال عبد الجبار: يجوز ذلك ولا أقطع به، لأنه ليس في العقل ولا في السمع ما يدل على أنه تعبد بذلك، ولا أنه/ (لم يتعبد به).
وجه (القول) الأول: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ وهو أعلاهم (رتبة) في ذلك، وقوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إلى قوله تعالى ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ فأخبر تعالى أنهما حكماً بالاجتهاد، وفهمها لسليمان، (وكان) ذلك شرعاً في حق جميع الأنبياء، وروى أبو عبيد (القاسم ابن سلام) في أدب القضاء بإسناده عن الشعبي قال: كان النبي ﷺ تنزل به القضية وينزل القرآن بعد ذلك (يغير ما قضى
стр. 1202
فيترك ما قضى على حاله) ويستقبل ما نزل به القرآن، وهذا وإن كان خبر واحد إلا أن ظاهر القرآن يشهد له، ألا ترى أنه (عوتب) في أخذ الفدية في أساري بدر، فقيل له: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ إلى قوله ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وكذلك إذنه في غزوة تبوك حتى قيل له: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ ولو كان وحياً (ما عوتب) عليه، فدل على كونه حجة، ولأن النبي ﷺ قال في مكة: "لا يختلي خلاها"، فقال له العباس: "إلا الإذخر فإنه لقبورنا وبيوتنا) فقال ﵇: "إلا الإذخر"، ومعلوم أنه لم ينتظر الوحي في ذلك، فدل على أنه تنبه على العلة بقول العباس، ولأن القياس دليل شرعي لأمته فكان له دليله كسائر الأدلة ما عدا الإخبار عنه فإنها لا تتصور أن يكون دليله.
стр. 1203
دليل آخر: أن الاجتهاد طاعة وزيادة ثواب، فلا يجوزك أن يحرمه النبي ﷺ ويمنع منه كسائر الطاعات.
دليل آخر: أن العمل بالقياس معلوم بالعقل والنبي ﷺ وغيره في ذلك سواء، ولأنه سوغ لمن كان عالماً وعدم النص (الاجتهاد) ليعرف حكم الحادثة، (والنبي ﷺ أولى الناس بذلك، ولأن السنن مضافة إليه، وحقيقة الإضافة تقتضي أنه سنها باجتهاده، ألا ترى أن ما حكم فيه بنص القرآن لا يقال هو سنته.
واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ولا يقال لما (يصدر) من جهة المجتهد: أنه (يصدر) عن وحي.
الجواب: أن الحكم بالقياس ليس عن الهوى، وإنما هو رد إلى الوحي، (أو هو) من الوحي، لأن القياس (قد) ورد به القرآن.
стр. 1204
جواب آخر: أن (لفظ) النطق (منصرف) إلى قوله، فمن أين أن فعله عن وحي يوحى؟
(جواب آخر: ذكر الإمام أحمد: أن الآية وردت في القرآن، فإن كفار قريش قالت: فدعوى محمد وما يأتي به من القرآن من تلقاء نفسه، وقد أخبر عنهم، أنهم قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَاّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ فأقسم الله تعالى بنجوم القرآن ونزوله في أوقاته أنه وحي يوحى.
واحتج: بأنه لو جاز له الحكم بالاجتهاد لما انتظر في الحوادث نزول الوحي ولا يمكنكم نقل ذلك.
والجواب: أنه لم ينتظر في الحوادث نزول الوحي، ولا يمكنكم نقل ذلك.
واحتج: بأنه يمكنه بالقطع وهو الوحي، فلم يجز له الرجوع إلى الظن.
стр. 1205
والجواب: أن النص من الله تعالى غير واقف على إرادته وقت الحادثة على أنه يجوز أن يحكم باجتهاده، وإن كان يوحى إليه كما أن داود على نبينا وعليه السلام حكم باجتهاده، وإن كان نبياً يوحى إليه).
واحتج: بأن الاجتهاد (لا يوجب) مخالفته الكفر، ومن خالف النبي ﷺ فيما يحكم به (قد) كفر، فثبت أنه لا يقول شيئاً عن اجتهاده.
الجواب: أنه ليس كل قول عن اجتهاد مخالفته لا (توجب) الكفر، لأن رد الإجماع (يكفر) به، وإن جاز أن يكون انعقاده عن اجتهاده.
стр. 1206
جواب آخر: أن النبي ﷺ إذا اجتهد (في حكم)، وأقر عليه فلا يكون قوله إلا صواباً، لأنه لا يقر على الخطأ، فلهذا أوجبت مخالفته الكفر، ولأن في رده تكذيباً له، واستخفافاً بحرمته، وفي الإقرار على ذلك تنفيراً عنه، فلهذا كفر من رد حكمه وخالفه.
فإن قيل: هل يجوز اجتهاده في تأويل آية؟
(قلنا): يجوز (ذلك) بل هو أولى، لأن الاستدلال على ذلك (يكون) بدلالة لا بأمارة، فكان أولى (والله أعلم).
مسألة
من غاب عن/ النبي ﷺ من أصحابه يجوز له أن
стр. 1207
يجتهد في الحوادث، وقال بعضهم: لا يجوز (ذلك).
لنا: خبر معاذ، ولأنه لا فرق في العقل بينهم وبين (من لم يعاصر) النبي ﷺ ثم أولئك يجوز لهم الاجتهاد (كذلك) هؤلاء.
واحتج المخالف: بأن النبي ﷺ حي فلم يجز لهم الاجتهاد، كما لو كانوا بحضرته.
الجواب: ما نذكره في الفصل (الذي) بعده، (والله أعلم).
فصل
فأما من كان حاضراً بحضرة النبي ﷺ (أو في) موضع يمكنه سؤاله في الحادثة قبل ضيق وقتها، فيجوز له هل الاجتهاد بشرط أن يأذن له النبي ﷺ ، أو يسمع حكمه فيقره عليه، وهو قول
стр. 1208
الحنفية، وقال الجبائي وابنه وغيرهما: لا يجوز الاجتهاد. وقال أكثر الشافعية: يجوز أن يجتهد ولم يشترط الإذن.
стр. 1209
(وعلم النبي ﷺ به، وهو اختيار شيخنا.
لنا: أن النبي ﷺ جعل إلى عمرو بن العاص قضية، فقال: أجتهد يا رسول الله وأنت حاضر؟ فقال: نعم إن أصبت فلك أجران وإن أخطأ فلك أجر.
فوجه الدليل: أنه كان قد استقر بينهم أنه لا يجوز الاجتهاد وهو حاضر، (وكذلك) لما طلب بنو قريظة أن يحكم فيهم سعد ابن معاذ، (فأمره) النبي ﷺ أن يحكم فيهم، ثم صوب حكمه، فقال: "لقد حكمت فيهم بحكم الله (من فوق سبعة أرقعة) "، (وكذلك) لما قال أبو بكر ﵁ لماعز: "إن أقررت أربعاً رجمك" رسول الله ﷺ ، وأقره على ذلك،
стр. 1210
لأن العقل، يمنع من ذلك لجوازان يكون ما يؤديه (إليه اجتهاده) مفسدة، ويجوز أن يكون مصلحة وهو قادر على علم المصلحة بيقين، بأن يسأل النبي ﷺ فصار. كرجل في برية لا يدري أين يذهب، لا يجوز له سلوكها باجتهاده إذا كان هناك خبير بها يمكنه أن يسأله فيدل على طريقه، (وإذا ثبت) أنه لا يجوز ذلك في العقل لم يجز تركه إلا بأمر شرعي، فإذا أذن الرسول ﵇ أو صوب انتقلنا عن حكم العقل إلى حكم الشرع، كما يفعل في براءة الذمم وغير ذلك.
احتج: (من أجاز) ذلك مطلقاً بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾.
(الجواب): إنما نعتبر إذا لم يمكنا اليقين، فأما مع وجود اليقين فلا يجوز القياس، كمن وجد النص لا يجوز له العدول إلى القياس.
واحتج: بأن ما جاز له الرجوع (إليه) في غيبته عن الرسول ﷺ جاز له الرجوع مع حضوره كالقرآن.
الجواب: (أن) في الغيبة تدعو الحاجة إليه. لأنه
стр. 1211
لا يمكنه سؤال الرسول ﷺ ، وإن أخر الحادثة إلى وقت (لقائه) بطل الحكم وضاع الناس، بخلاف- إذا كان حاضراً، فإنه لا حاجة به (أما القرآن الحكم به يقين، بخلاف الاجتهاد، فإنه ظن يجوز عليه الخطأ ولا حاجة به إليه)، فلم يجز الحكم به، كما لا يجوز الحكم بالقياس مع وجود النص.
واحتج: بأن أكثر ما فيه أنه ترك اليقين (وحكم) بالظن، فصار كمن يحكم بخبر النبي ﷺ ويمكنه أن يسأله (فلا يسأله)، (وكمن حكم بإذنه) أو بغير إذنه/ وأخبره فأقره.
الجواب: أنه يبطل بمن ترك نص القرآن بخبر واحد أو قياس، والحكم بخبر واحد عن الرسول، ويمكنه سؤاله مثل مسألتنا، (فأما) إذا أذن له أو أقره فقد أمنا الخطأ في ذلك، وصار كأنه حكم بالقطع، لأنه الظاهر أنه لا يأذن إلا وقد علم صحة حكمه بالوحي ولا يقر على خطأ بخلاف مسألتنا.
واحتج من منع من ذلك رأساً: بأنه حكم بالظن فلا يجوز مع قدرته على العلم.
стр. 1212
الجواب: أنه إذا أذن أو أقر صار ذلك كالمعلوم، لأنه لا يقر على الخطأ.
مسألة
النص على علة الحكم يكفي في التعبد بالقياس بها ، (وبه) قال النظام والقاشاني والكرخي والرازي، وأكثر الشافعية: فيجب حيث وجدت العلة المنصوص عليها، أن يتعلق. الحكم بها وسواء كان ذلك قبل ورود التعبد بالقياس أو بعده.
قال شيخنا: وقد أشار أحمد إلى ذلك، وقال الجعفران
стр. 1213
وبعض أهل الظاهر وبعض الحنفية: لا يكفي ذلك في التعبد بها حتى يرد التعبد بالقياس، وهو اختيار الإسفراييني، وغيره من الشافعية.
وجه الأول: أن الله تعالى (لو قال): أوجبت أكل السكر في كل يوم، لأنه حلو، (لكان ذلك) تعليلاً لوجوبه في كل يوم، ولعلمنا أن الحلاوة فقط وجه المصلحة. في الوجوب في كل يوم، لأنه قصر التعليل عليها مع اختلاف أحوالنا، ولا يجوز حصول وجه الوجوب ولا يكون مؤثراً، كما لا يجوز حصول الفعل ظلماً، ولا يكون قبيحاً، وكذلك لا يجوز أن يكون قدر من الرفق يصلح الصبي
стр. 1214
(ولا) يصلحه مثله متى كان على تلك الصفة، وإذا ثبت ذلك علمنا أن الحلاوة هي المؤثرة في المصلحة في كل موضع، (فوجب) أكل العسل (لذلك).
دليل آخر: (وهو) أنه لو لم يجز القياس على العلة المنصوص عليها لم يكن للنص عليها فائدة.
فإن قيل: فيه فائدة، وهو أن يعلمنا أنها علة، والعلم نفسه فائدة.
(قلنا): فيجب أن يكون الأمر لا يفيد الوجوب أو الاستحباب، وكذلك النهي لا يفيد التحريم أو الكراهة، وإنما تكون فائدته أن يعلم أنه أمر أو نهي وكذلك سائر أقسام الكلام، على أنه لا فائدة في معرفة العلة إلا لتعرف المصلحة فيها، وإذا عرف المصلحة لزمه العمل عليها (أين) وجدت، وإلا فذلك الحكم قد استفدناه بالنص، فلا فائدة في معرفة علته.
стр. 1215
جواب آخر: أنه يجب إذا ورد الأمر بالقياس أن لا يتعبد بهذه العلة، لجواز أن يكون المراد تعريفنا علة هذا الحكم أن هذه العلة، فيكفي ذلك في فائدة نصه عليها، وينصرف الأمر بالقياس إلى غيرها من العلل المستنبطة، وأحد لم يقل هذا، فكذلك لا يقال إذا لم يرد التعبد.
احتج المخالف: بأن الأحكام إنما شرعت لمصلحة المكلفين، (ويجوز) أن تكون المصلحة إذا نص على إيجاب أكل السكر، لأنه حلو يختص بالسكر دون غيره مما وجد فيه حلاوة، ألا ترى أن من أكل رمانة لأنها حامضة، لا يقتضي ذلك أن يأكل كل رمانة حاضمة، ولا كل (شيء) حامض، وكذلك من يتصدق على رجل، لأنه فقير، لا يجب أن يتصدق على كل فقير، فكذلك ها هنا.
الجواب: (أنه إذا كانت العلة) هي وجه المصلحة في الموضع المنصوص وجب تعلق الحكم بها أين ما وجدت، لجواز أن تكون المصلحة أيضاً فيكون الإخلال بفعله مفسدة.
وجواب آخر: أنه لو وجب أكل السكر، لأنه حلو، وقلنا: إن حلاوته هي وجه المصلحة، ثم قلنا: لا يجب أكل كل حلو، لم يجب أكل السكر، لكونه حلواً، ولا لأن في حلاوته مصلحة، وإنما يكفي أن يأكله لأن أكله واجب، فتخرج الحلاوة أن تكون علة
стр. 1216
ومصلحة، وهذا تناقض، فوجب أن تكون الحلاوة التي هي وجه المصلحة داعية إلى أكل كل حلو، لأن من يفعل فعلاً لداع يلزمه أن يفعل ما ساواه في ذلك الداعي، (إلا أن يقابل) ذلك الداعي صارف أو يؤدي إلى ما لا نهاية له.
فأما أكل الرمانة، إنما لم يدع (إلى) أكل أخرى، أو أكل (كل) حامض، لأن شهوته للحموضة قد زالت أو تناقصت، وكذلك قصده بالفقير الثواب، وقد حصل، وليس قصده كل ثواب، بخلاف مسألتنا، فإنه. تعالى إذا نص على أكل السكر لحلاوته فالظاهر أن حلاوته هي وجه المصلحة من غير شرط، فلم يجز حصول حلاوته إلا وهي داعية إلى ما دعت إليه حلاوة السكر.
احتج: بأن الإنسان لو قال: أعتقت عبدي لأنه أسود، أو قال لوكيله: أعتق عبدي، لأنه أسود، أو قال: والله لا أكلت السكر، لأنه حلو لم يلزمه، ولا لوكيله عتق كل عبيده السود، ولا يحنث بأكل حلاوة غير السكر.
стр. 1217
الجواب: أن كل من قال ذلك، فلكل عاقل أن يناقضه. (فيقول): فلم لم تعتق (بقية) عبيدك، لأنهم سود؟ ولم أكلت العسل وهو حلو، (إلا أنه يعرف) مع كونه أسود بشروط أخر تخصه دون بقية العبيد، وكذلك مع السكر شرط (يخصه)، وكذلك (إذا) أمر وكيله نوقض أيضاً إنما لم يصح عتق الوكيل، لأن الشرع (منعه من الإقدام على التصرف) والإتلاف فيما لم ينص عليه، لأن الموكل تجوز عليه (المتناقضات) والبداوات والله سبحانه منزه عن ذلك، ألا ترى أنه إذا أمر (وكيله) بالقياس لم يجز له عتق كل عبيده، لجواز البداء
стр. 1218
عليه، وعندي أنه يجوز أن يعتق كل العبيد، إلا أن يقول الموكل كنت رجعت في قولي، وإلا فالأصل عدم البداء في حقه، ثم النسخ يجوز أن يرد من الباري تعالى في الحكم المنصوص عليه، كما يرد البداء (من الآدمي) ثم لم يمنع (جوازه)، ورود النسخ في القياس، كذلك جواز البداء في حق الموكل.
واحتج: بأن العلة لا توجب الحكم بنفسها، لأنها (قد) كانت موجودة قبل الشرع، فلم يتعلق بها الحكم، وإنما صارت موجبة بجعل الشرع فوجب أن تكون علة حيث جعلها دون الموضع الذي لم يجعلها.
الجواب: أنه يلزم جميع العلل، فإنها (كانت) موجودة قبل (الشرع) ولم يتعلق عليها الحكم، ثم لما ورد الشرع تعلقت بها الأحكام. ثم لو صح ما ذكرتم لوجب أن لا تكون/ علة إلا في الزمان الذي جعلها علة فيه، (لأنه) لم يجعلها علة في غيره من الأزمنة ولما لم يقصر بجعله على الزمان، كذلك لا يقصر على العين التي نص عليها.
واحتج: بأنه لو وجب أن ثبتت العلة في كل حلو لوجب،
стр. 1219
إذا قال: "أوجهت أكل السكر لكونه حلواً، وحرمت العسل وبقية الحلاوات"، أن يعد ذلك مناقضة ولا يجوز.
الجواب: أن من قال: لا يجوز تخصيص العلة، (كذلك) يقول، ومن قال: يجوز تخصيصها لا يلزمه، لأنه يوجب الطرد ما لم يخص، (ويمكن) أن يعتذر عن ذلك على المذهبين.
فيقال: إذا قال حرمت السكر، لأنه حلو، فالظاهر أن الحلاوة جميع العلة، فإذا قال: وأحللت العسل (دلنا) (على) أنه جعل العلة الحلاوة مع الجنسية وهي السكر، وليس يمتنع أن يترك الظاهر بدليل، ثم (لا يدل) على أنه لا تأخذ بالظاهر في موضع تجرد الظاهر عن معارض، ثم يلزم على هذا ورود التعبد بالقياس، فإنه يجوز أن نقول ذلك، ولا يمنعنا من التعبد بالقياس.
فصل
وكل مقيس على الأصل (المنصوص) بعلته المنصوصة
стр. 1220
فهو مراد بالنص خلافاً لبعضهم: أنه لا يحكم له بأنه مراد بالنص.
وجه الأول: أنه إذا قاس على علة مجتهد فيها كان فرعها مراداً بالاجتهاد، فإذا قاس على علة منصوص عليها يجب أن يكون فرعها مراداً بالنص، لأن الأصل مستتبع لفرعه لابد منه، ألا ترى أن الإجماع الصادر عن اجتهاد ينعقد (مجتهداً) فيه، والإجماع عن النص منعقد عن النص، ولأنه إذا قال: كل السكر لأنه حلو علمنا أن الحلاوة هي العلة، وفيها المصلحة، وأن أكل السكر مراد بالنص، لأجل الحلاوة فإذا (وجدت في العسل) علمنا أنه مراد بالنص أيضاً، لوجود العلة المنصوص عليها.
فإن قيل: متى أراد الله تعالى من المكلف حكم الفرع ونص عليه؟
стр. 1221
قيل: عند نصب الدلالة على القياس مع نصه على علة الحكم في الأصل ووجودها في الفرع، ويحتمل أن نقول أراد عند النص على حكم الأصل وعلته فقط، وقد بينا أن ذلك كاف في التعبد بالقياس.
ووجه القول الآخر: أن النص لا يتناول إلا حكم الأصل، وليس فيه ذكر لحكم الفرع، ولو كانت (الفروع) معلومة. بالنصوص، لأنه لا بد منها، لكانت العقليات المكتسبة (معلومة) بالإدراك، لأنه لا بد منه في العلم بها.
الجواب: أن يقال: لم كان كذلك؟ على أن المدركات علتها، الإدراك، وبالاستدلال لا يحصل الإدراك، وحكم الأصل علة إرادة الشرع له وجود العلة فيه، وهي بعينها موجودة في الفرع.
مسألة
نقول: إنا متعبدون بالقياس على الأصل وإن لم ينص (لنا) على القياس عليه، ولا أجمعت الأمة على تعليله، وبه قال أكثرهم. وقال بشر (بن غياث) المريسي: لا يجوز
стр. 1222
القياس على أصل لم تجمع الأمة على تعليله .. وقال أبو هاشم: "لا يقاس إلا على أصل قد ورد النص به في الجملة، فيقاس في التفصيل، مثل ميراث الأخ مع الجد ثبت بالقياس، لأن ميراث الأخ ورد النص به في الجملة، فورث مع الجد بالقياس، (وهو تفصيل)، ولم ينص. لنا على القياس (عليه).
ولنا: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ وهو عام في كل أصل، وكذلك قول معاذ: "أجتهد رأيي".
دليل آخر: (وهو) أن الصحابة قاست على أصول لم يتقدمها إجماع على تعليل تلك الأصول، (ولا نص فيها) ولهذا
стр. 1223
قاس كل واحد منهم على غير الأصل الذي قاس صاحبه، ولا نص لهم على القياس على أصل منها، لأنه لو نص (لهم) على ذلك، (لاحتج) بعضهم على بعض في إيجاب القياس على ذلك الأصل.
دليل آخر: أنه إن (كان) ذلك الأصل قد نص على علته، فقد بينا أن ذلك تعبد بالقياس عليه، وإن لم يرد التعبد بالقياس، وإن كان مستنبطاً، (فقد) بينا (مثل) ذلك في العلل المستنبطة أن العقل يقتضي القياس عليها، كالأمارات العقلية، ولأنه لما (أمكن) استخراج علة الأصل، ورد الفرع إليه لم يعتبر الاتفاق فيه كخبر الواحد متى أمكن أنه يستفاد منه حكم حمل عليه، وإن لم يتفق على قبوله.
احتج المخالف: بأنه لما كان (في الأصول) معلل وغير معلل، وجب أن يكون طريق التفريق بينهما الإجماع (الدال) على تعليل الأصل، وعدمه في الأصل الآخر.
стр. 1224
الجواب: أن الأصول كلها معللة، وإنما تخفى علينا العلة في النادر منها، فلا يؤثر ذلك لشذوذه، أو لأن ذلك (خفي) علينا لقصور علمنا.
واحتج: بأنه لما لم يجز القياس في الصلوات بعضها على بعض في عدد الركعات، لأجل أنه لا إجماع على تعليلها، ولا نص في التعبد بالقياس فيها، (فكذلك) غيرها.
الجواب: أنا لم نمتنع لأجل ذلك، لكن لأن في قياس بعضها على بعض (في عدد الركعات) (مخالفة) النص والإجماع، بخلاف بقية الأصول، فإنا إذا قسنا لم نخالف بذلك نصاً ولا إجماعاً.
فصل
لا يجوز التعبد بالقياس في جميع الشرعيات، لأن ذلك لا يخلو، أن نقيس جميع الشرعيات أو لا يقاس جميعها، فإن لم يقس جميعها انتقض كونها مقيسة، وإن قيست، فإما أن تقاس على غيرها، وإما أن يقاس بعضها على بعض، بأن يقاس الفرع على أصل، ويقاس ذلك الأصل على فرعه، وذلك لا يجوز، لأنه يقيس الشيء بنفسه، وإذا قيست على غيرها، فذلك الغير إما شرعي أو
стр. 1225
عقلي، لا يجوز أن يكون شرعياً، لأنا قد فرضنا الكلام أن يكون [جميعها] مقيسة ليس فيها منصوص عليه، ولا يجوز أن يكون عقلياً فإن الشرع لا يقاس [على] العقل على قول أصحابنا، ومن قال باعتبار الحسن والقبيح، أو باعتبار أمارات عقلية مستندة إلى عادات عرفية، فلا يمكنه، [لأنا لم نجد] في العقل أصلاً لوجوب الصلاة وإعداد الركعات والأوقات، ولا أصلاً لوجوب الحج وأفعاله، وكذلك ليس في العادات دليل على وجوب الشيء ولا حظره، وإنما تدل العادة على حدوث المطر عند وجود الغيم الندى في الشتاء، أو تدل مقدار شيء لقيمه المتلف يقوم بما جرت العادة أن يشتر يمثله، وليس في وجوب الصلاة وعدد ركعاتها مما يستخرج من هذين، فبطل أن يقاس عليها، ولا أمارة العادات لو دلت على الأحكام الشرعية لم يحتج إلى الشرع، بل كان مصالحنا وأحكامنا نعرفها بالعادة، وذلك لا يجوز قوله، فثبت أن جميع الشرعيات لا تثبت بالقياس ولا بد أن يكون منها ما ثبت بالنص، فكذلك يجوز بالقياس.
قيل: لم كان كذلك مع أن تعبدنا في جميعها بالنص ممكن أن ينص الله ورسوله على حكم؟ فأما تعبدنا بالقياس في جميعها فقد بينا أنه لا يصح).
стр. 1226
مسألة
يجوز القياس على ما ثبت بالإجماع، وقال بعض الشافعية: لا يجوز إلا على ما ثبت بكتاب أو سنة .
لنا: أن الإجماع أصل ثبت به أحكام الشرع فجاز القياس على ما ثبت به، أصله الكتاب والسنة.
(ودليل آخر): (إذا جاز القياس بما يثبت بخبر الواحد)، وهو يوجب الظن، فما ثبت بالإجماع وهو يوجب العلم أولى بالقياس عليه.
احتج المخالف: بأن الأمة لا تشرع، وإنما إجماعها عن دليل فيجب طلب ذلك الدليل، فإنه ربما كان نطقاً يتناول الفرع فيغني عن القياس، وربما كان معنى لا يتعدى الحكم الذي ثبت بالإجماع، فلا يجوز القياس عليه.
الجواب: أن ما ثبت (به الإجماع) إن كان نطقاً يتناول الفرع لم يمنع القياس، بل يقويه وإن كان معنى (لا يتعدى) لا يمنع أن يكون هناك معنى آخر يتعدى إلى الفرع فيقاس عليه.
стр. 1227
وإذا ثبت أن ليس ها هنا ما يمنع وجب القياس على الحكم المجمع عليه، إذا عرفنا علته، ولم يحتج إلى النظر في دليل الإجماع (والله أعلم).
مسألة
ما ثبت بالقياس على أصل يجوز عليه ، وبه قال جماعة من الحنفية والشافعية، وقال الكرخي (من أصحاب أبي حنيفة): لا يجوز، وهو قول بعض الشافعية.
لنا: أن الفرع إذا كان مقيساً على علة منصوصة، صار مراداً بالنص، وقد بينا ذلك فجاز القياس كالأصل الثابت بالنص.
стр. 1228
ولأنه لما ثبت الحكم في الفرع صار أصلاً في نفسه فجاز أن يستنبط منه علة، ويقاس عليه غيره كالنص نفسه.
احتج: بأن العلة المثبتة (للحكم في الفرع) هي العلة المنتزعة من الأصل، وهي غير موجودة في الفرع الثاني، أو موجودة، (فإن كانت موجودة فيقاس الفرع الثاني على الأصل الأول، لأنه ثبت بالنص، وإن كانت غير موجودة) في الفرع الثاني لم يجز قياسه على الأول، لأن علة الأول علة الأصل، فلا يجوز أن يكون له علة أخرى.
الجواب: أنها إن كانت موجودة، فإنه يجوز له أن يقيس على كل واحد من الفرع والأصل، وإن لم تكن موجودة فلا يمنع أيضاً، لأنه يجوز أن يكون للحكم الواحد علتان يثبت بهما، وسيأتي الكلام عليه (والله أعلم).
مسألة
المخصوص من جملة القياس بالنص، يجوز القياس عليه، ويقاس على غيره في أحد الوجهين ، وبه قال أصحاب الشافعي
стр. 1229
وبعض الحنفية وقال بقية أصحاب أبي حنيفة: لا يجوز ذلك إلا أن يرد الخبر به معللاً، كقوله ﵇ في الهرة:
"إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات". فيقاس عليه سائر الحشرات، والأصل أنها كسائر السباع أو يكون مجمعاً على جواز القياس عليه، مثل الاختلاف في الإجارة، أما في الأجرة أو المدة، أجمعوا على التحالف فيها، قياس على البيع إذا اختلفوا في قدر الثمن والسلعة قائمة، وذلك مخالفاً لقياس الأصول، لأن الأصول أن اليمين على (المنكر) لا التحالف، وما عدا ذلك لا يجوز (القياس)
стр. 1230
عليه، مثل (نقض) الوضوء (من القهقهة) في الصلاة (لا يقاس عليه) (القهقهة) في صلاة الجنازة، وهو الوجه الآخر لأصحابنا، ولهذا لا نقيس على لحم الجزور غيره من اللحوم في نقض الوضوء، وغير ذلك من أصولنا، ووجه الأول: أنهم وافقوا (أن المخصوص) من العموم بخبر الواحد يجوز القياس عليه، وكذلك المخصوص من القياس بخبر الواحد. بل عموم الكتاب أقوى، لأنه مقطوع بطريقه، وقياس الأصول غير مقطوع عليه، لأنه مقيس على العموم بأمارة مظنونة، ثم العموم لا يمنع، فأولى أن لا يمنع المقيس عليه، ولأنه لو نص الخبر على تعليله جاز القياس عليه، (فكذلك) إذا استنبطت علته وقام عليها
следующие страницы →