Полный текст (1 668 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
مسألة
يجوز القياس على ما ثبت بالإجماع، وقال بعض الشافعية: لا يجوز إلا على ما ثبت بكتاب أو سنة .
لنا: أن الإجماع أصل ثبت به أحكام الشرع فجاز القياس على ما ثبت به، أصله الكتاب والسنة.
(ودليل آخر): (إذا جاز القياس بما يثبت بخبر الواحد)، وهو يوجب الظن، فما ثبت بالإجماع وهو يوجب العلم أولى بالقياس عليه.
احتج المخالف: بأن الأمة لا تشرع، وإنما إجماعها عن دليل فيجب طلب ذلك الدليل، فإنه ربما كان نطقاً يتناول الفرع فيغني عن القياس، وربما كان معنى لا يتعدى الحكم الذي ثبت بالإجماع، فلا يجوز القياس عليه.
الجواب: أن ما ثبت (به الإجماع) إن كان نطقاً يتناول الفرع لم يمنع القياس، بل يقويه وإن كان معنى (لا يتعدى) لا يمنع أن يكون هناك معنى آخر يتعدى إلى الفرع فيقاس عليه.
стр. 1227
وإذا ثبت أن ليس ها هنا ما يمنع وجب القياس على الحكم المجمع عليه، إذا عرفنا علته، ولم يحتج إلى النظر في دليل الإجماع (والله أعلم).
مسألة
ما ثبت بالقياس على أصل يجوز عليه ، وبه قال جماعة من الحنفية والشافعية، وقال الكرخي (من أصحاب أبي حنيفة): لا يجوز، وهو قول بعض الشافعية.
لنا: أن الفرع إذا كان مقيساً على علة منصوصة، صار مراداً بالنص، وقد بينا ذلك فجاز القياس كالأصل الثابت بالنص.
стр. 1228
ولأنه لما ثبت الحكم في الفرع صار أصلاً في نفسه فجاز أن يستنبط منه علة، ويقاس عليه غيره كالنص نفسه.
احتج: بأن العلة المثبتة (للحكم في الفرع) هي العلة المنتزعة من الأصل، وهي غير موجودة في الفرع الثاني، أو موجودة، (فإن كانت موجودة فيقاس الفرع الثاني على الأصل الأول، لأنه ثبت بالنص، وإن كانت غير موجودة) في الفرع الثاني لم يجز قياسه على الأول، لأن علة الأول علة الأصل، فلا يجوز أن يكون له علة أخرى.
الجواب: أنها إن كانت موجودة، فإنه يجوز له أن يقيس على كل واحد من الفرع والأصل، وإن لم تكن موجودة فلا يمنع أيضاً، لأنه يجوز أن يكون للحكم الواحد علتان يثبت بهما، وسيأتي الكلام عليه (والله أعلم).
مسألة
المخصوص من جملة القياس بالنص، يجوز القياس عليه، ويقاس على غيره في أحد الوجهين ، وبه قال أصحاب الشافعي
стр. 1229
وبعض الحنفية وقال بقية أصحاب أبي حنيفة: لا يجوز ذلك إلا أن يرد الخبر به معللاً، كقوله ﵇ في الهرة:
"إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات". فيقاس عليه سائر الحشرات، والأصل أنها كسائر السباع أو يكون مجمعاً على جواز القياس عليه، مثل الاختلاف في الإجارة، أما في الأجرة أو المدة، أجمعوا على التحالف فيها، قياس على البيع إذا اختلفوا في قدر الثمن والسلعة قائمة، وذلك مخالفاً لقياس الأصول، لأن الأصول أن اليمين على (المنكر) لا التحالف، وما عدا ذلك لا يجوز (القياس)
стр. 1230
عليه، مثل (نقض) الوضوء (من القهقهة) في الصلاة (لا يقاس عليه) (القهقهة) في صلاة الجنازة، وهو الوجه الآخر لأصحابنا، ولهذا لا نقيس على لحم الجزور غيره من اللحوم في نقض الوضوء، وغير ذلك من أصولنا، ووجه الأول: أنهم وافقوا (أن المخصوص) من العموم بخبر الواحد يجوز القياس عليه، وكذلك المخصوص من القياس بخبر الواحد. بل عموم الكتاب أقوى، لأنه مقطوع بطريقه، وقياس الأصول غير مقطوع عليه، لأنه مقيس على العموم بأمارة مظنونة، ثم العموم لا يمنع، فأولى أن لا يمنع المقيس عليه، ولأنه لو نص الخبر على تعليله جاز القياس عليه، (فكذلك) إذا استنبطت علته وقام عليها
стр. 1231
(دليل) أنها علته، لأنها بذلك الدليل تصير بمنزلة المنصوص عليها، ولأن ما ثبت بالخبر أصل بنفسه، وما ثبت بالقياس أصل، (فليس رد هذا الفرع إلى أحدهما) بأولى من رده إلى الآخر، ولا منع أحدهما بالقياس على الآخر بأولى من منع الآخر من القياس عليه، (ويؤكد هذا)، أن كل واحد منهما يوجب ظناً فيهما سواء.
(احتج الآخر بأن) القياس على الأصول المعلومة له حظ (من) القوة من حيث كان (الحكم) أصله معلوماً، وهذا القياس مظنون، (لأن أصله وهو خبر الواحد مظنون)، (فلا) يجوز ثبوته مع المعلوم، كما لا يثبت حكم خبر الواحد في مقابلة ما ثبت بالتواتر.
(والجواب عنه: أن) هذه المزية لا تمنع من القياس على خبر الواحد إذا كان منصوصاً على علته، فكذلك ما قام الدليل على
стр. 1232
علته، وكذلك المخصوص من عموم القرآن بخبر الواحد يجوز القياس عليه، وإن كان فيه تقديم المظنون على المقطوع به وهو القرآن.
(وكذلك) يقدم القياس الشرعي على القياس العقلي/، والشرعي مظنون، والعقلي معلوم.
احتج: بأن قياس الأصول ينافي ما ورد به الخبر (وإذا) قاس عليه لم يجد أمارة تدل على (علة ذلك القياس) لأن القياس الأصول كلها تنافيه، والعلة إذا لم تقم عليها دلالة لم يصح القياس عليها.
الجواب: أنا نعكس هذا، فنقول: القياس على الخبر (الوارد) بخلاف قياس الأصول يمنع القياس على الأصول، ويمنع من أن تدل أمارة على علة حكم ذلك، ثم إذا جاز أن يدل على علة هذا القياس النص، فيقدم على قياس الأصول، جاز أن يدل عليه دلالة غير النص.
(فإن) قيل: لا يجوز أن تساوي أمارة هذا القياس في القوة أمارة قياس الأصول.
(قلنا): هذا دعوى، وما أنكرتم أن يكون الخبر الوارد
стр. 1233
بخلاف قياس الأصول قد غير الحكم الذي دلت عليه الأصول من قبل؟، ولأنه لما كان معلوماً صار أصلاً في نفسه، (فلا) يمتنع أن يقع التنبيه على علته ويكون (ذلك) التنبيه أقوى (وأظهر من التنبيه على) علة الأصول، (ولأنه إذا جاز أن يدل عليها النص، وتكون أقوى من علة الأصول) جاز أن يدل عليها تنبيه النص، ويكون أقوى من دلالة علة الأصول.
مسألة
يجوز إثبات الكفارات والحدود، والمقدرات بالقياس إذا علم علة ذلك ولم يمنع منه مانع ، أومأ إليه (أحمد ﵁،
стр. 1234
وبه قال أصحاب الشافعي، وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يثبت جميع ذلك بالقياس إلا ما يحكى عن أبي يوسف.
(دليلنا): (خبر) معاذ، وقوله: أجتهد رأيي، فصوبه النبي ﷺ ولم يستثن شيئاً من الأحكام، (ولأنه إجماع الصحابة) فإن عمر ﵁ جمع الناس، فقال: إن الناس قد تتابعوا في الخمر واستحقروا حدها، فما ترون؟ فقال علي ﵁: "أنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذي، وإذا هذى افترى، فيحد حد المفتري" فأجمعت الصحابة على إلحاقه بالقاذف في الحد قياساً، ولأن ما جاز إثباته بخبر الواحد جاز إثباته بالقياس أصله سائر الأحكام، يوضح هذا أن القياس (دليل شرعي) يوجب الظن كخبر الواحد، ثم الحد يثبت بخبر الواحد، كذلك القياس.
دليل آخر: (وهو) أنهم أوجبوا الكفارة على الأكل في
стр. 1235
رمضان قياساً على الوطء، (وكذلك) أوجبوا الحد في المحاربة على (الردء) قياساً في استحقاق الغنيمة.
فإن قيل: لم يثبت ذلك بالقياس، وإنما (ثبتت) بالاستدلال على الحكم، لأن المجامع إنما لزمته الكفارة لإفساد صوم رمضان مع ضرب مخصوص من المأثم، وهذا موجود في الأكل فيه فلزمته الكفارة.
(قلنا): (فهذا) هو القياس، لأنك استنبطت علة الأصل، ثم عديتها إلى الفرع.
فإن قيل: الفرق بين الاستدلال وبين القياس، أن في القياس لا يحتاج إلى استدلال على وجود العلة في الفرع، لأنه إذا ثبت أن (الكيل) علة في البر (تعدى) إلى سائر المكيلات وفي الاستدلال يحتاج إلى إثبات الإثم المخصوص في/ الجماع، وفي الأكل أيضاً بالاستدلال.
(قلنا): هذا لا يخرجه عن كونه قياساً، ألا ترى أن
стр. 1236
القياس قد يكون حكماً يحتاج إلى إثباته في الأصل والفرع؟ مثل أن يقول: (القياس) من صح طلاقه صح ظهاره كالمسلم، ومن صح منه البيع صح منه النكاح كالرجل، فيحتاج إلى إثبات صحة الطلاق، (وإثبات صحة البيع) في الأصل والفرع بالدليل، على أن ما افتقر فيه إلى الاستدلال، هو أخفى مما علم ضرورة، فإن لم تثبت الكفارة (بالأجلى) فأولى أن لا يثبت بالأخفى.
فإن قيل: إثبات الكفارة في حق الأكل والحد (في حق الردء إثبات لموضع الكفارة، وموضع الحد دون الكفارة والحد) لأنه قد ثبت دخول الكفارة في إفساد صوم رمضان بالنص، وكذلك الحد على المفسدين في الأرض ثبت بالنص فأثبتنا موضعهما بالقياس.
(قلنا): النص لم يرد في ذلك مجملاً، إنما أوجب النبي ﷺ الكفارة على الذي أفسد صومه بجماع، وأوجب الله سبحانه (الحكم) على المحارب والساعي بالفساد، وليس الآكل (والردء) ممن شملهم هذا الاسم نطقاً، وإنما أثبتم لوجود المعنى في الأكل (والرداء) وهذا هو القياس.
стр. 1237
فإن قيل: لم نوجب ذلك بالقياس، وإنما أوجبناه بالتنبيه، لأن مأثم الآكل أكثر من مأثم الجماع، فإذا وجبت الكفارة، كان وجوبها في الأكل أولى.
(قلنا): لا نسلم أن مأثم الأكل أكثر، ثم مأثم (الردء) ليس (بأكثر) من مأثم المباشر، فلم أوجبت عليه الحد؟، ثم يجب أن نقول: أن الحد يجب على اللائط، لأن مأثمه أكثر من مأثم الزاني، لأنه فرج لا يستباح بحال.
(واحتج المخالف: بأن الحد لا يثبت مع الشبهة، والقياس هو إلحاق الفرع بأشبه الأصلين، وذاك يثبت فيه الشبهة.
(الجواب: أنه) يبطل بخبر الواحد، (فإنه يجوز عليه الخطأ، ويثبت به الحد، (وكذلك) شهادة الشهود يجوز عليهم الكذب، ويثبت بهم الحد، على أنا (إنما) نوجب الحد إذا ترجح شبهة بأحد الأصلين، وقام على ذلك دليل، فيبطل تعلقه (بالآخر)، فتنتفي الشبهة، ثم يبطل بحد (الردء) وكفارة الأكل.
стр. 1238
(واحتج): بأن الحد شرع للردع، والزجر (عن) المعاصي، ويتعلق به تكفير المأثم، وذلك لا يعلمه إلا الله تعالى، (وكذلك) الحكم (بمقدار) معلوم في الصلاة والزكاة والمياه لا يعلمه إلا الله تعالى، فلم يجز الإقدام عليه القياس.
(والجواب: أنه) لو كان هذا طريقاً في نفس القياس في الحدود والكفارات، لكان طريقاً في سائر الأحكام، لأن نفاة القياس سلكوا ذلك، فقالوا: أن الأحكام شرعت لمصالح المكلفين، والمصالح لا يعلمها إلا الله سبحانه فلم يجز الإقدام عليها بالقياس، ولما لم يكن ذلك طريقاً في سائر الأحكام، كذلك في مسألتنا.
وجواب آخر: وهو أنا إنما نقيس إذا علمنا علة الأصل، وثبت ذلك عندنا بالدليل فيصير بمنزلة التوقيف، فأما إذا لم نعلم بأعداد الركمات، أو منع الإجماع كإيجاب صلاة سادسة فلا نقيس هناك والله أعلم).
مسألة
تثبت الأسماء اللغوية قياساً ، وبه قال أكثر
стр. 1239
الشافعية، وقال الأثرم لأحمد ﵁: كل نبيذ غير (العقل) فهو خمر؟ قال: نعم، وقال الحنفية وأكثر المتكلمين: لا تثبت قياساً، (وهو الأقوى عندي).
ووجه ذلك: قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾
وقيل في الخبر: (أنه علمه حتى القصعة والقصيعة)، فلم يبق ما يثبت بالقياس/ من الأسماء.
فإن قيل: يجوز أن (يكون) علمه البعض بالنص، والبعض بالتنبيه.
стр. 1240
(قلنا): إن الظاهر أن التعليم واحد فمدعي (اختلافه) (يحتاج إلى دليل).
فإن قيل: (فلعله علمه نصاً)، ونحن (نعلمه) قياساً.
(قلنا): إنما علمه ليعلم، ولهذا قال تعالى: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾.
دليل آخر: وهو أنه إنما يثبت بالقياس في اللغة، إذا ثبت أن وضع اللغة وضعها على المعنى، ثم أذن في القياس عليها، وهذا ما لا سبيل إلى إثباته، فلم يجز القياس.
(فإن) قيل: قد علمنا وضعهم ذلك على المعنى في استقراء كلامهم ومرهم على طريقة واحدة، لأنا نجدهم يسمون كل مرفوع فاعلاً، وكل منصوب مفعولاً (به) [ويصغرون الثلاثي] ولا يصغرون ما دونه فعلمنا قصدهم إلى ذلك.
стр. 1241
(قلنا:) (لا نعلم) ذلك، لأنهم قد يسمون (جميلاً) من هو قبيح، ويسمون عامراً من هو محرباً، ويسمون محمداً من هو مذمم، فأما ما استشهدوا به فإن (النحويين) الذين وضعوا النحو قالوا: كل فاعل مرفوع وكل مفعول به منصوب، وكل ثلاثي يصغر، وهذا موجود في كتبهم، فوضعوا ذلك الاسم للجنس جميعه، (ولا يمكنهم) أن يقولوا: إنهم قالوا: لفاعل واحد أنه مرفوع فقس عليه كل فاعل.
دليل آخر: (أنهم) قد فرقوا في الأسماء مع اتفاق المعنى فسموا القارورة، لأن الشيء يقر فيها، ولم يسموا الصندوق والخابية والجرة: قارورة وكذلك سموا الفرس الأسود أدهم، ولم يسموا الصندوق والخابية والجرة: قارورة وكذلك سموا الفرس الأسود أدهم، ولم يسموا (الحمار الأسود) أدهم، وسموا الفرس الأبيض أشهب، (ولم يسمو الرجل) الأبيض أشهب، وسموا الخل لحموضته، (ولم يسموا) اللبن الحامض خلا، وقالوا (للفرس) إذا اجتمع
стр. 1242
فيه (لونان) أبلق (والآدمي أبرصاً) (والحلل) (ملمعا) فدل ذلك على أنهم لم يضعوا على القياس.
فإن قيل: إنما لم يقيسوا (هناك)، لأنهم جعلوا العلة ذات وصفين: الجنس والصفة، (فلما وجدت الصفة)، وهو ما يقر ولم يوجد الجنس الذي هو الزجاج، وكذلك سموا الفرس الذي هو أبيض أشهب، والآدمي ليس بفرس.
(قلنا): فهذا الذي دل على أنه لا قياس في اللغة، لأن ما من شيء يوافق غيره في معنى إلا ويفارقه في معنى آخر، ولهذا النبيذ يوافق (الخمرة) في الشدة والصد عن ذكر الله، ولكن يخالفه في أنه ماء وتمر، والخمر عصير عنب، واللواط يوافق الزنا في أنه وطء في فرج (حرام)، (ولكن يخالفه في أنه وطء في فرج ذكر)، وهذا وطء في فرج أنثى، فيجب أن لا يسمى باسمه، (ثم يجب ألا يسموا القدح والزجاج، والبرنبة قارورة، لأنه قد وجد الوصفان).
стр. 1243
فإن قيل: (فامنع) من القياس في الشرعيات لأجل ما ذكرت.
(قلنا): الشرعيات (أحكام).
فإن وجدنا بعض صفات الأصل لها تأثير في الحكم، ووجدنا تلك الصفة موجودة في الفرع (علقنا) الحكم عليها في الفرع بخلاف الاسم، (لأنه يثبت) باللغة، (واللغة قبل الشرع، فلا يجوز أن تكون الشريعة الواردة بعدها علة في الاسم الثابت) قبلها، ألا ترى أنا نعلل تحريم الربا في البر بأنه مكيل جنس، لأن للكيل تأثيراً (في تحريم) بيع بعضه ببعض، متفاضلاً، ثم نلحق به الأرز (في ذلك)، ولا نعلل (بذلك) في الاسم ونلحق
стр. 1244
به الأرز في الاسم، لأن الاسم ثبت لهما (قبل مجيء الشرع)، فلا تأثير للشرع فيه، وهذا، لأن العلة ثبتت الحكم في الأصل، ثم تعديه إلى الفرع، ومعلوم/ أن اسم الزنا لم تسم العرب به، لأنه وطء بمحض التحريم لأنها لا تعرف التحريم. فكيف يسمى به اللواط لأجل ذلك.
دليل آخر: أنه ليس من شيء إلا وله اسم في اللغة، فلا يثبت له اسم آخر بالقياس، ألا ترى أن الشيء إذا ثبت له حكم بالنص لم يجز أن يثبت له حكم آخر بالقياس، وفيه ضعف، لأن الأحكام تتنافى، ولهذا لا يجوز أن يرد الشرع بحكمين متنافيين في عين واحدة، ويجوز أن ترد اللغة بأسماء، كالخمر والسيف والأسد.
دليل آخر: أن الأسماء على ضربين، أسماء ألقاب، وأسماء غير ألقاب، ثم لا يجوز إثبات (أسماء) الألقاب بالقياس، فكذلك غيرها.
فإن قيل: الألقاب لم توضع على المعنى، وإنما وضعت (اصطلاحاً) بخلاف الأسماء المشتقة فإنها وضعت على المعنى، فجاز أن يقاس عليها.
(قلنا): أنقلوا أن أهل اللغة وضعوها على المعنى،
стр. 1245
وقاسوا لتثبت دعواكم، (والطريق إلى) ذلك متعذر.
واحتج المخالف: بأن (قال): رأينا أهل اللغة سموا أعياناً بأسماء (كالإنسان) والفرس (والحمار) والأبيض والأسود وغير ذلك، ثم انقرضت تلك الأعيان، (وانقرض) أهل اللغة، واتفق الناس بعدهم على تسمية أمثالها بتلك الأسماء، فدل على أنهم قاسوا على المسموع.
الجواب: إن هذا ليس من جملة القياس، وإنما هو من جملة الوضع، لأنهم وضعوا هذه الأسماء لهذه الأجناس جميعها، وهذا يعلم ضرورة، لأنهم لما سموا إنساناً ثم حدث بعده مثله، فسموه (إنساناً) ثم ولد كل واحد منهم فسموه بذلك، علم أنهم وضعوا ذلك الاسم للجنس، وليس يجوز أن يكون أهل اللغة رأوا عيناً واحدة فسموها باسم، ثم لم يحدث أمثالها، حتى انقرضوا، ولا يمكن نقل ذلك، وإنما نعلم بعقولنا حدوث الحيوان شيئاً بعد شيء، (وتناسله) من غير انقطاع، فثبت ما ذكرنا.
стр. 1246
احتج: بأن أهل اللغة (سموا) ما وجد فيه معنى الشيء باسمه، فسموا البليد حماراً والشجاع أسداً، والسخى بحراً، (وكذلك سمي النبيذ) خمراً، واللواط زنا لوجود معنى ذلك فيه.
(والجواب: إنما) سموا ذلك مجازاً على وجه الاصطلاح، لأنهم تجوزوا بذلك عما وضع له، ولهذا لو قال: رأيت حماراً وبحراً لم يسبق إلى (فهم السامع) أنه رأى بليداً، أو سخياً، وإنما يسبق إلى فهمه أنه رأى البهيمة والماء الكثير المجتمع، فدل على ما ذكرنا.
احتج: بأن الطريق الذي يعلم به الحكم من جهة القياس، وهو تعليق الحكم على معنى (يوجد) بوجوده، ويعدم بعدمه، وهذا موجود في الاسم، (فإذا) رأينا عصير العنب لا يسمى خمراً، فإذا حدثت فيه الشدة (المطربة) سمي خمراً، فإذا زالت عنه (لم يسمى خمراً، فدل على أن علة الاسم الشدة (المطربة)
стр. 1247
وذلك موجود في النبيذ، فسمي خمراً، ولهذا قال عمر ﵁: الخمر ما خامر العقل.
(والجواب: أنا) لا نسلم أن الخمر سمي خمراً للشدة فقط، وإنما سمي لأنه عصير العنب المشتد، ولهذا يقول القائل: أمعك نبيذاً وخمر؟ فيقول: ليس معي (نبيذ، وإنما معي خمر).
فإن قيل: (ولم) يعدم الاسم لعدم الشدة ويوجد بوجودها؟
(قلنا): لأن الشدة شرط في العلة، فلا يؤثر مع عدمه، ألا ترى أن الخل يسمى خلا عند وجود الحموضة، ولا يسمى خلا عند عدمها، لكنه ليس علة تسميته خلا الحموضة، ولهذا نجد حوامض كثيرة، ولا تسمى خلا، فأما قول النبي ﷺ "الخمرة هاتين النخلة والكرمة"، وقول عمر
стр. 1248
رضي الله عنه: "الخمر ما خامر العقل" فإنما سميا بذلك مجازاً، لأنه يعمل كعملها (من وجه).
قال الشاعر:
فإن لا يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمها بلبانها
فنفى أن يكون النبيذ خمراً، ولهذا قال الأخفش وغيره من أهل اللغة: الأسماء تؤخذ توقيفاً، (كذا قال أهل اللغة).
стр. 1249
(واحتج: بأنهم سموا من وجد فيه البياض أبيض، فإذا زال عنه البياض لم يسموه أبيض، فدل على أن كل من وجد فيه البياض، يجب أن يسمى أبيض وذلك هو القياس.
(والجواب عنه): أنا قد أجبنا عن مثل هذا) فيما قبل: على أن هذا ليس بقياس، وإنما (هذا) تسمية من جهة الاشتقاق، لأنهم اشتقوا الأبيض والأسود من السواد، والقياس ليس بمشتق، فلا يشبه ذلك.
стр. 1250
فصل في القياس
هل يسمى ديناً ومأموراً به أو لا؟ أما كونه مأموراً به بمعنى أن الله سبحانه بعثنا على فعله بالأدلة فصحيح، وأما كونه مأموراً به بصيغة افعل، فصحيح أيضاً (بما) ذكرنا في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ (وغيره) من ألفاظ (الأمر) أما (من) وصفه بأنه (دين) فلا شبهة فيه، لأن ما تعبدنا الله سبحانه به فهو دين، وقد امتنع أبو الهذيل من إطلاق اسم الدين عليه، والدليل عليه أننا متعبدون بما دل عليه الدليل، (ولأن) من نزلت به حادثة، (وكان) فيها قاض أو مفت أو مجتهد لنفسه، وضاق عليه الوقت، وجب عليه أن يقيس وينظر، وإذا لم يضق الوقت استحب له ذلك ليعد الجواب لوقت الحاجة والواجب والمستحب من الدين.
стр. 1251
انتهى الجزء الثالث من كتاب "التمهيد" لأبي الخطاب محفوظ ابن أحمد الكلوذاني الحنبلي المتوفى سنة ٥١٠ هـ.
ويتلوه الجزء الرابع إن شاء الله وأوله: "باب في شروط القياس وما يصححه وما يفسده".
стр. 1252
باب في شروط القياس وما يصححه وما يفسده
فصل
لابد (للقياس) من علة، ولابد من طريق إلى العلة.
أما اشتراط العلة: فإن القياس الشرعي، لابد (فيه) من أصل وفرع يثبت فيه حكم الأصل (بعلته)، وقد قال أحمد ﵁ في رواية أحمد بن الحسين بن حسان: القياس أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله، في كل أحواله، (فأما إذا) أشبهه (في حال) وخالفه في حال، وأردت أن تقيس عليه، فهذا خطأ، (وقد) خالفه في بعض أحواله ووافقه في بعض (أحواله). فإذا كان مثله في كل أحواله، فأقبلت به وأدبرت به، فليس في نفس منه شيء، فحد القياس بأنه: قياس (الشيء
стр. 1253
على الشيء) واشترط أن يكون مثله في كل أحواله، فدل على أنه اشترط وجود علته فيه، وحكى عن بعض الحنفية: أنه يكفي في القياس ضرب من الشبه، ولا يحتاج إلى علة مؤثرة.
لنا: أن القياس لا يخلو أن يثبت الحكم في الفرع تبعاً لثبوته في الأصل، أو لا يثبته تبعاً له، فإن لم يثبته تبعاً للأصل، كان مبتدياً بالحكم غير قائس، وإن أثبته تبعاً، (فإن لم) يعتبر تبعاً بينهما لم يكن بأن يتبع الفرع هذا الأصل بأولى أن لا يتبعه إياه، أو يتبعه غيره، وإن لم يكن لذلك المعنى) تأثير في الحكم، [لم يكن] القائس بأن يعتبر ذلك (المعنى) بأولى من أن لا يعتبره ويعتبر شبها آخر بين الفرع وبين (أصل) آخر، أو لا يعتبر شبهاً (أصلاً).
فإن قيل: أليس تقيسون على ما لم يدل على وجوب القياس عليه؟، فِلمَ لا يجوز أن يقيس على شبه لم يدل الدليل على كونه علة؟.
(قلنا): لا نقيس الفرع إلا على أصل قد دلت الدلالة
стр. 1254
على وجوب القياس عليه، لأنه إذا دلت الدلالة على علة حكم الأصل وعلمنا وجودها في الفرع، فقيام الدلالة العقلية أو السمعية على التعبد بالقياس، يدل على وجوب قياس الفرع على ذلك الأصل، (ولأنه لو كفى) مجرد الشبه، لاشترك العامي والعالم في القياس، (ولما) احتاج إلى تفكر واجتهاد، وقيام الإجماع يدل على خلاف ذلك، (ولأن) القياس العقلي لابد فيه. من معنى مؤثر، (فكذلك) الشرعي، لأن كل واحد منهما يوجب الحكم.
(واحتج المخالف): بأن (قال): الصحابة ﵃ لم يعتبروا في القياس أكثر من مجرد الشبه، ولهذا كتب عمر ﵁ إلى أبي موسى: قس الأمور واعرف الأشباه، ولم ينص على معنى.
الجواب: أنا لا نسلم بل اعتبروا المعنى المؤثر، ولهذا قال عمر لأبي بكر ﵄: "رضيك رسول الله ﷺ لديننا ولا نرضاك لدنيانا" وقال علي ﵁ في شارب الخمر: "إذا
стр. 1255
شرب هذي، وإذا هذى افترى، وإذا افترى فعليه حد المفترى، وقال عبد الرحمن ﵀ لعمر لما أنفذ إلى امرأة فأجهضت ذا بطنها، إنما أنت مؤدب فلا شيء عليك، فاعتبروا المعاني المقتضية للحكم (المؤثرة) فيه، وقول عمر ﵁: اعرف الأشباه، يدل على أنه أراد معرفة معناها، لأن من جهل المعنى لا يسمى عارفاً (بها).
فصل
فأما طريق العلة الشرعية فلا يكون إلا الشرع، لأن طريقها [هو] كيفية ثبوت حكمها، وتأثيرها فيه حتى تثبت بثبوتها، وتنتفي بنفيها، ومعلوم أن الحكم الشرعي موقوف على الشرع، لا يعرف بغيره، فكذلك كيفية ثبوته بحساب العلة لا يعرف إلا بالشرع.
فإن قيل: فلِمَ لا نتوصل إلى العلة بالعادات كما نتوصل إلى جهة القبلة بأمارات من جهة العادات؟، وكذلك يتوصل إلى قيم المتلفات.
(قلنا) إنما ساغ ذلك في القبلة (لأنه) قد عرف
стр. 1256
كونها في بعض الجهات، وعرف كون الشمس في بعض الجهات، وكذلك الرياح والنجوم، فأمكن أن يستدل ببعض ما هو (في جهة) على جهتها، (وكذلك) القيم يتوصل إلى قيمة المتلف (باعتبار ثمن نظيره، لأن العادة جارية ببيع الأشياء التي هي من جنس المتلف)، بخلاف العلل الشرعية، فإنها أحكامها شرعية لم تثبت بالعادات، فتعلم علتها بكيفية ثبوتها في العادات.
فإن قيل: أليس بعقولنا نستدل على أن الحكم إذا ثبت عند صفة وارتفع (بزوالها) أنها مؤثرة فيه.
(قلنا): (إنا) لا نتمكن من التوصل إلى الأمارات إلا بعقولنا، ونحن لا ننكر (أن نعرف) الأدلة بالعقول، فإنما ننكر أن تكون الأمارة الشرعية طريقها أمارة عقلية.
فصل
إذا ثبت هذا فالدلالة على العلة من وجوه النص، والتنبيه والإجماع، والأمارة الموجبة، فأما النص: فمثل قوله: أوجبت عليك
стр. 1257
كذا لعله كذا، أو لأجل كذا، أو لأنه (كذا)، قال تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، وقول النبي ﷺ : "إنما الاستئذان من أجل البصر"، "وإنما منعتكم من أجل الدافة"، وقال لابن مسعود حين أتاه بحجرين وروثة، فألقى الروثة وقال: "إنها ركس"، وما أشبه ذلك من الألفاظ كثير.
стр. 1258
فإن قيل: قد يقول الإنسان: صلِّ للتقرب إلى الله ، ولا يكون التقرب علة في وجوب الفعل.
(قلنا): لأنه لم يعلل الوجوب بالتقرب، وإنما علل (الفعل للصلاة) بالتقرب، ونحن نقول: علة فعل الصلاة، والباعث عليه التقرب.
وأما التنبيه فضروب منها أن يكون في الكلام (لفظ) غير صريح في التعليل، فيعلق الحكم على علته بلفظ الفاء (وهو) على ضربين.
أحدهما: أن تدخل الفاء (على السبب) والعلة، ويكون الحكم متقدماً (كقوله) ﷺ في المحرم حيث (وقصته) ناقته: "لا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيباً، فإنه يحشر يوم القيامة ملبياً"، (وكقوله) في قتلى أحد: "زملوهم بكلومهم،
стр. 1259
ودمائهم، فإنهم يحشرون وأوداجهم تشخب دماء".
والآخر: أن تدخل الفاء على الحكم مع تقدم العلة، (كقوله) تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ فدل على أن علة إملاه (وليه)، أن لا يستطيع أن يمل هو، (كقول أصحاب النبي ﷺ : "زنا ماعز فرجمه النبي ﷺ ، (وسهى) النبي فسجد".
стр. 1260
ومنها: أن يسأل النبي ﷺ (عن شيء) ويذكر السائل وصفا (لذلك الشيء)، يجوز أن يكون علة (لذلك الشيء) مؤثرة في حكمه، (كقول) الأعرابي: وقعت على أهلي، وأنا صائم فقال (له) النبي ﷺ "اعتق رقبة"، فيعلم أن الكفارة وجبت لأجل الوقوع على أهله في صيام رمضان، إذ لو لم تكن علة، لما أوجبت الكفارة عند سماعه، كما لا يوجبها لو قال: تكلمت أو صليت.
ومنها: التقرير على وصف الشيء المسؤول عنه، (كقوله) ﵇:"أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذاً"، فلو لم يكن نقصانه باليبس علة في المنع من البيع لم يكن
стр. 1261
(لتقريره) عليه فائده، وهذا يدل على العلة من حيث الجواب بالفاء أيضاً.
ومنها: تقرير النبي ﷺ على حكم ما يشبه المسؤول عنه، ويذكره على وجه الشبه، (كقول) النبي ﷺ لعمر ﵁، وقد سأله عن قبلة الصائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته؟ "، (فعلم) أنه لما لم يفسد (الصوم) بالمضمضة من غير ازدراد الماء. فلا يحصل (بالقبلة) من غير إنزال المنى، لأن نزول الماء (إلى) الحلق كنزول المنى من الفرج.
ومنها: أن لا يكون (لذكر) الوصف فائدة لو لم يكن علة، مثل دخوله على قوم وامتناعه (من) قوم، فقيل له لِمَ امتنعت من آل فلان؟ قال: لأن عندهم كلباً، قيل له: فعند آل فلان هر، فقال: "ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم
стр. 1262
والطوافات"، فلو لم يكن لطوافها تأثير، لم يكن لذكره عقيب حكمه فائدة.
ومنها: تفريق النبي ﷺ بين شيئين لوصف، (فيعلم) أنه لو لم يكن علة لم يكن لذكره في الفرق فائدة، نحو قوله ﵇: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" مع تقدم أمره للقاضي أن يقضي، فيعلم، أنه نهاه لأجل الغضب، فيكون الغضب علة لا سيما وللغضب تأثير، لأنه يمنع من الوقوف على الحجة، ويشغل الأذهان.
ومنها: أن يمنع لعلة، نحو قوله: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر" فعلم أن الثيوبة علة في منع الإخبار).
ومنها: أن يفرق (بلفظة تجري) مجرى الشرط، كقول
стр. 1263
(النبي ﷺ : "فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد" مع نهيه عن بيع المكيل بالمكيل متفاضلاً، فدل على أن اختلاف الجنسين علة في جواز البيع.
ومنها: أن يقع التفريق بالغاية، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فلو اقتصر على ذلك دل على تعلق الإباحة بالطهر وإلا لم يكن لذكره فائدة، (أو يكون) التفريق بالاستثناء كقوله تعالى: ﴿إِلَاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾، (أو يكون) التفريق (بالاستدراك)، كقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ فدل على أن التعقيد مؤثر في المؤاخذة، وهذه الأقسام، وإن كانت مؤثرة في الحكم فإنه لا يمتنع أن يؤثر (العلل)، مثل: (أنه يعلل بالغضب، بأنه) يشغل الذهن، ولا يمتنع أن يكون لها شروط، (ولكن)
стр. 1264
إذا دل الدليل على أنها غير مشروطة، أو (إذا) أطلقت ولم تدل دلالة على الشرط، حكم بأنها مطلقة غير مشروطة، ومن ذلك النهي عن فعل شيء يشغل عن الواجب، كقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، فأوجب السعي ونهي عن البيع، فعلمنا أن نهيه عنه، لأنه يشغل عن الواجب، ومثل قوله: ﴿وَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فنهى عن ذلك، لأنه مناف لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ فعلم أن نهيه عنه لكونه ينافي الإكرام والإعظام، ودل من جهة الأولى على المنع من ضربهما وشتمهما.
وقد اختلف الناس: هل المنع من ضربهما معقول من جهة اللفظ، أو من جهة قياس الأولى، قال شيخنا وكثير من الحنفية: أن المنع من ضربهما معقول من (جهة) اللفظ، وقال أبو الحسن الخرزي (من أصحابنا) هو معقول من قياس الأولى، وهو مذهب الشافعية وبعض المتكلمين وهو الأقوى
стр. 1265
عندي، لأن الضرب والشتم ليس بموجود في اللفظ، وإنما هو في معناه، لأنه تعالى حرم التأفيف لما فيه من الأذى والهوان المنافي للإكرام والضرب فيه ذلك وزيادة، فثبت أنه يمنع منه (بالمعنى) لا باللفظ، وهذا صحيح، (لأن) الإنسان إذا سمع قوله ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ إلى قوله ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ علم أن الله أمر بإعظامهما وإكرامهما، لا سيما مع ما تقرر في الطباع من وجوب إكرامهما، فعلم أن التأفيف ينافي التعظيم، وإنما نافاه لكونه أذى، وإذا ثبتت هذه العلة، لم يجز للحكيم أن ينهى عن الشيء لعلة، (ويرخص) فيما فيه تلك العلة وزيادة.
فإن قيل: إن لم يكن الضرب موجوداً (في اللفظ إلا أن عرف) أهل اللغة أن هذا اللفظ وضع لمنع الأذى، كما يقول الإنسان لعبده: لا تنظر إلى فلان، معناه لا تتعرض له بضرب أو غير ذلك، ويقول: ما له عندي حبة واحدة، (يريد به) (ما زاد) وما نقص عنها.
(قلنا): يجب أن تنقلوا أن أهل اللغة وضعوا ذلك للمنع من الضرب، ولا طريق لهم إلى ذلك، وما ذكروه من قوله
следующие страницы →